قوله: (وَضِينُ النَّاقَةِ): "تنك".
قوله: (المَوْزُ): "كيلا".
قوله: (سَوْدَاوَانِ مِنَ الرِّيِّ) أي: "شادابي وسيرابي كيوجه سي".
٣٢٤٠ - قوله: (فإنَّهُ يُعْرَضُ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بالغَدَاةِ والعَشِيِّ)، وفي الحديث إشارةٌ إلى أن ما في القبر هو العَرْضُ فقط، وأمَّا الدخولُ فيكون بعد الحشر. وفيه: أن بدايةَ التلذُّذ بنعيم الآخرة من القبر، ونهايتَهُ (١) في الجنة، والتحضيضُ بالوقتين على شاكلة الطعام في الدنيا.
٣٢٤١ - قوله: (فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءِ) قلتُ: وهذه مشاهدةُ النبيِّ ﷺ في هذا الوقت، فلعلَّهن كُنَّ إذ ذاك أكثرها، وليس فيه بيانُ حكم جميع النساء، ولا مشاهدة جميع الأزمان، فلا إشكال فيما سيرد في الحديث: «أن لكلِّ رجلٍ من أهل الجنة زوجتين»، فكيف يمكن كونهن أكثرَ أهل النار؟ على أن الزوجتين الموعودتين من الحُورِ العين، كما هو عند البخاريِّ: «زوجتان من الحور العين»، وليس فيه أن هاتين من بنات آدم، إلَاّ أن يَثْبُتَ في طريقٍ من الطرق، فلينظره.
٣٢٤٣ - قوله: (سِتُّونَ مِيلًا)، وهو الأكثرُ، وفي بعض الروايات: «ثلاثون ميلًا» أيضًا.
٣٢٤٥ - قوله: (لا يَبْصُقُونَ فيها ولا يَمْتَخِطُون) قال الصدر الشِّيرازِي، وهو شيعيٌّ صوفيٌّ: إن أهلَ الجنةِ تَغْلِبُ عليهم الروحانية، وأهلَ النارِ تَغْلِبُ عليهم المادية، فتوسَّع أجسامهم، كما في الحديث. وهذا ما أراده الشيخُ الأكبرُ من قوله في الكبريت الأحمر: إن أهلَ الجنة يكونون في العالم الطبيعيِّ، وأهلَ النار في العالم العنصريِّ. والعالمُ الطبيعيُّ عنده فوق العالم العنصريِّ. واصطلاحُه هذا يحتاج إلى التفهيم والتقرير، إلَاّ أن مآلَه إلى ما ذكره الشِّيرَازيُّ.
٣٢٤٥ - قوله: (مَجَامِرُهُمْ الأَلُوَّةُ) قيل (٢): تكون المَجَامِرُ نفسها من الأَلُوَّةِ، وقيل: تكون هي وقودها.
قوله: (لا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ). واعلم أن المؤمنين يَدْخُلُون الجنةَ، طائفةً طائفةً،
стр. 2004
والتقدُّم والتأخُّر بينهما يكون بحسب تفاوت أعمالهم. فالتي تساوت أعمالًا تَدْخُلُ معًا، ولا يَظْهَرُ فيها الترتيب. ولذا وَرَدَتْ الزحمة في الحديث عند دخول باب الجنة، حتَّى تنتقل المَنَاكِب. وهو معنى ما في حديث سَهْل عند البخاريِّ من هذه الصفحة: «لا يَدْخُلُ أوَّلهُم حتَّى يَدْخُلَ آخرُهم»، يعني يَدْخُلُون معًا.
قوله: (يُسَبِّحُون اللهَ بُكْرَةً وعَشِيًّا) وعند مسلم: "يُلْهَمُون التسبيحَ كالنفس"، فيجري منهم التسبيح جريان النفس، بدون عَمْدٍ وقَصْدٍ، وبه تكون حياتُهم، وذلك لبلوغهم نهاية الروحانية (١).
٣٢٤٦ - قوله: (أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الجَنَّةَ) ... إلخ، هذا الحديثُ أيضًا جَعَلَ أهلَ الجنة على زُمْرَاتٍ. وراعى بينها التناسب من جهة الأعمال. ولا ريبَ أن الزُّمْرَةَ التي كانت على صفةٍ واحدةٍ وَجَبَ دخولها في وقتٍ واحدٍ، ولا يناسب الترتيب بينها. ولذا أفضى الأمر إلى نقل المناكب، كما عَلِمْتَ.
فائدة: واعلم أن الأنبياءَ ﵈ قد صاروا على وَتيرَةِ أهل الجنة في هذه النشأة أيضًا، ومن هذا الباب: بَلْعُ الأرضِ بَرَازَ النبيِّ ﷺ ، وقوَّتُه على الجِمَاعِ، وقد قرَّرناه فيما سَلَفَ، وحرَّم اللهُ أجسادَهم على الأرض أن تأكلها، إلى غير ذلك.
٣٢٤٧ - قوله: (قَالَ: لَيَدْخُلَنَّ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا أو سبعُ مِائَةِ أَلْفٍ) ... الخ، قال ابنُ كثيرٍ: إن المعروفَ في الروايات دخول سبعين ألف. ومع كلٍّ منهم سبعون ألفًا.
ولا بُدَّ من تسليمه أيضًا. وإن لم يَذْكُرْه الراوي هناك، فإنه سَرَدَ له الروايات أيضًا. أمَّا من قال: سبعُ مائَةِ ألفٍ، فالظاهرُ أنه وَهْمٌ من الراوي.
٣٢٥١ - قوله: (إنَّ في الجَنَّةِ لَشَجَرَةً)، وهي الطُّوبَى.
٣٢٥٥ - قوله: (إنَّ لَهُ مُرْضِعًا في الجَنَّةِ)، وفيه دليلٌ على أن الإنسانَ بعد الموت يَصْلُحُ للرضاع أيضًا، وأن هذا العالمَ، مما تتأتَّى فيه التربية أيضًا (٢).
٣٢٥٦ - قوله: (الكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الغَابِرَ)، المرادُ منه البعيدُ في الأُفُقِ.
стр. 2005
٩ - باب صِفَةِ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ دُعِىَ مِنْ بَابِ الْجَنَّةِ».
فِيهِ عُبَادَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
٣٢٥٧ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِى مَرْيَمَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ قَالَ حَدَّثَنِى أَبُو حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «فِى الْجَنَّةِ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ، فِيهَا بَابٌ يُسَمَّى الرَّيَّانَ لَا يَدْخُلُهُ إِلَاّ الصَّائِمُونَ». طرفه ١٨٩٦ تحفة ٤٧٦٦
وقد أَجَادَ الشاه عبد القادر في نكتة كون أبوابها ثمانية، فراجعه. ثُمَّ اعلم أن أهلَ الجنة إنما أُوتُوا في الجنَّة مثل الدنيا، وما فيها، وعشرة أضعاف ذلك، لأنهم دُعُوا بالملوك في حديث عند مسلم، والملوكُ تناسِبُهم السَّعَة في مملكتهم. فاندفع ما قد يَخْتَلِجُ في الصدور، أنهم ماذا يفعلون بهذا الملك الوسيع، فإنه ليس للحاجة إليه، بل لأجل التشريف (١).
١٠ - باب صِفَةِ النَّارِ وَأَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ
﴿وَغَسَّاقًا﴾ [النبأ:٢٥] يُقَالُ: غَسَقَتْ عَينُهُ وَيَغْسِقُ الجُرْحُ، وَكَأَنَّ الغَسَاقَ وَالغَسَقَ وَاحِدٌ. ﴿غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦] كُلُّ شَيءٍ غَسَلتَهُ فَخَرَجَ مِنْهُ شَيءٌ فَهُوَ غِسْلِينُ، فِعْلِينُ مِنَ الغَسْلِ مِنَ الجُرْحِ وَالدَّبَرِ.
وَقَالَ عِكْرمَةُ: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] حَطب بِالحَبَشِيَّةِ. وَقَالَ غَيرُهُ ﴿حَاصِبًا﴾ [الإِسراء: ٦٨] الرِّيحُ العَاصِفُ، وَالحَاصِبُ مَا تَرْمِي بِهِ الرِّيحُ، وَمِنْهُ ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾، يُرْمى بِهِ فِي جَهَنَّمَ هُمْ حَصَبُهَا، وَيُقَالُ: حَصَبَ فِي الأَرْضِ: ذَهَبَ، وَالحَصَبُ مُشْتَقٌّ مِنْ حَصْبَاءِ الحِجَارَةِ. ﴿صَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٦] قَيحٌ وَدَمٌ. ﴿خَبَتْ﴾ [الإِسراء: ٩٧] طَفِئَتْ، ﴿تُورُونَ﴾ [الواقعة: ٧١] تَسْتَخْرِجُونَ، أَوْرَيتُ أَوْقَدْتُ، ﴿لِلمُقْوِينَ﴾ [الواقعة: ٧٣] لِلمُسَافِرِينَ، وَالقِيُّ: القَفرُ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿صِرطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣] سَوَاءُ الجَحِيمِ وَوَسَطُ الجَحِيمِ. ﴿لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾ [الصافات: ٦٧] يُخْلَطُ طَعَامَهُمْ وَيُسَاطُ بِالحَمِيمِ. ﴿زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود: ١٠٦] صَوْتٌ شَدِيدٌ وَصَوْتٌ ضَعِيفٌ. ﴿وِرْدًا﴾ [مريم: ٨٦] عِطَاشًا. ﴿غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩] خُسْرَانًا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: ٧٢] تُوقَدُ بِهِمُ النَّارُ. ﴿وَنُحَاسٌ﴾ [الرحمن: ٣٥]
قوله: (﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥)﴾) [الصافات: ٦٥]. فيه بيانٌ لما كانت في هذا المحلِّ من الوحشية، وقد كنتُ أرَدْتُ مرَّةً أن أدَّعِي أنه ليس في القرآن تشبيهٌ وتمثيلٌ مخيَّلٌ، إلَاّ أني كَفَفْتُ عنه لهذا التشبيه، فإنه مُخَيَّلٌ. وراحع تفصيله من «الفوائد السمرقندية»، أمَّا قوله: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٠] فليس بمخيَّل، بل هو واقعٌ على الصراط، كما هو عند مسلم.
قوله: (دُفِنَتِ البِئْرُ): "بات دياكيا".
٣٢٨٠ - قوله: (إذا اسْتَجْنَحَ اللَّيْلُ) أي أَقْبَلَتْ أوائله.
قوله: (فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ، فإن الشَّياطِينَ تَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ)، وَفهِمْتُ من الأحاديث أن للشياطين انتشارًا وهجومًا بعد غروب الشمس، كهجوم الصِّبْيَان عند خروجهم من المدرسة.
قوله: (وأَطْفِىء مِصْبَاحَكَ، واذْكُرِ اسْمَ الله) ولعلَّ التسميةَ عند وضعه حين أناره، لا عند الإطفاء، فإن المناسبَ لحال التسمية هو بداية الأمور لا نهايتها. فَلَا أَدْرِي أَهُوَ وَهْمٌ من الرواة، أو المسألةُ ذلك.
٣٢٨٢ - قوله: (فَقَالَ: وَهَلْ بي جُنُونٌ)، وهي كلمةٌ عظيمةٌ (١)، فلو كان قائلها مُسْلِمًا وَجَبَ تخليص رقبته من الكفر بإِخراج مَحْمَلٍ صحيحٍ، وإن كان منافقًا استرحنا.
٣٢٨٦ - قوله: (فَطَعَنَ في الحِجَابِ)، أي في الجلد الذي يكون فيه الصبيُّ (٢).
٣٢٨٩ - قوله: (التَّثَاؤُبُ مِنَ الشَّيْطَانِ)، والحديث يُسْنِدُ العُطَاس إلى الرحمن، لأن الأوَّلَ يُوجِبُ الكسل، والشيطان يَرْضَى به، فأُسْنِدَ إليه إسنادَ الخبائث إليه. والثاني يَدُلُّ على نشاط الطبع، والجودة عمومًا، وإن كان في بعض الأحوال من المرض أيضًا، فَنَاسَبَ أن يُسْنَدَ إلى الرحمن، على سُنَّةِ إسناد الطيِّبات.
٣٢٩٢ - قوله: (والحُلُمُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإذَا حَلَمَ أَحَدُكُمْ حُلُمًا يَخَافُهُ) ... إلخ، فيه توجيهٌ إلى أن يَنْظُرَ أنَّ الحُلُمَ إن كان سطحُهُ مُوحِشًا، ممَّا يُظَنُّ أنه من الشيطان، نحو أن كان رؤيا مخيفةً، فهي من الشيطان. وليس فيه بيانُ ضابطةٍ كلِّيةٍ لتميُّز حُلُم الشيطان من رؤيا الرحمن، وأنَّى يُمْكِنُ من العوام. فافهم، واستقم، ولا تعجل.
стр. 2014
٣٢٩٣ - قوله: (مَنْ قَالَ: لا إِلهَ إِلَاّ اللَّهُ، ... مِئةَ مَرَّةٍ كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ) فَمَنْ قَالَها عشر مرات يَحْصُلُ له ثواب عتق رقبة، هذا هو الأصل عند الحافظ. والمختارُ عندي ما عند الترمذيِّ، أي ثواب رقبة لمن قَالَها مرَّةً واحدةً، فهي رواية البخاريِّ وَهْمٌ من الراوي. والأصلُ: «من قالها عشر مرات، كانت له عَدْل عشر رقاب» ... إلخ. والله تعالى أعلم بحقيقة الحال.
١٢ - باب ذِكْرِ الْجِنِّ (١) وَثَوَابِهِمْ وَعِقَابِهِمْ
لِقَوْلِهِ: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾ [الأنعام: ١٣٠] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٠ - ١٣٢]، ﴿بَخْسًا﴾ [الجن: ١٣] نَقْصًا. قالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨]، قالَ كُفَّارُ قُرَيشٍ: المَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ، وَأُمَّهَاتُهُمْ بَنَاتُ سَرَوَاتِ الجِنِّ. قالَ اللَّهُ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: ١٥٨]، سَتُحْضَرُ لِلحِسَابِ. ﴿جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٧٥] عِنْدَ الحِسَابِ.
٣٢٩٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى صَعْصَعَةَ الأَنْصَارِىِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِىَّ - رضى الله عنه - قَالَ لَهُ «إِنِّى أَرَاكَ تُحِبُّ الْغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ، فَإِذَا كُنْتَ فِى غَنَمِكَ وَبَادِيَتِكَ فَأَذَّنْتَ بِالصَّلَاةِ، فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ وَلَا شَىْءٌ إِلَاّ شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». قَالَ أَبُو سَعِيدٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . طرفاه ٦٠٩، ٧٥٤٨ تحفة ٤١٠٥
ونُسِبَ إلى إمامنا في الفقه: أن لا ثوابَ لهم ولا عِقَابَ. ورأيتُ في الخارج: فيه مناظرةٌ بين أبي حنيفة، ومالك، فكان مالكُ يقولُ بدخولهم في الجنَّة، ويَقْرَأُ آيةً، وأبو حنيفة يُنْكِرْهُ، ويتلو آيةً، إلَاّ أنه لم يَذْكُرْ تلك الآيات. والذي تبيَّن لي في هذا الباب: أنهم يكونون تَبَعًا لنا في الجنَّة، كما أنهم تَبَعٌ لنا في الدنيا، فيأكلون زَادَهم مما أَفْضَلْنَا لهم، وكذلك لا يَسْكُنُون إلَاّ في الغيران والجبال، أي في الحواشي والأطراف، ونحن نَسْكُنْ في متن العمرانات، ولعلَّه ذلك حالَهم في الجنَّة، فيستمتعون بما يَتْرُكُ لهم الإِنسُ من المطاعم، والمشارب، والأماكن. ولعلَّ هذا هو الذي أراده إمامُنَا، فحرَّف الناسُ في النقل، وعَزُوا إليه النفيَ مطلقًا.
стр. 2015
١٣ - باب قَوْلِهِ : ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الأحقاف: ٢٩ - ٣٢]
﴿مَصْرِفًا﴾ [الكهف: ٥٣] مَعْدِلًا، ﴿صَرَّفْنَا﴾ أَي وَجَّهْنَا.
واعلم أنه لم يتبيَّن لي بعدُ، أن قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ من سورة الأحقاف، وقوله: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ من سورة الجن [الآية: ١]، هل هما واقعتان، أو واقعةٌ، والتعبيرُ بالنَّفَر في الموضعين يُشْعِرُ بوحدتهما، والله تعالى أعلم بالصواب.
١٤ - باب قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ [البقرة: ١٦٤]
قالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الثُّعْبَانُ الحَيَّةُ الذَّكَرُ مِنْهَا.
يُقَالُ: الحَيَّاتُ أَجْنَاسٌ: الجَانُّ وَالأَفَاعِي وَالأَسَاوِدُ. ﴿آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ [هود: ٥٦] في مِلكِهِ وَسُلطَانِهِ. يُقَالُ: ﴿صَافَّاتٍ﴾ بُسُطٌ أَجْنِحَتَهُنَّ. ﴿وَيَقْبِضْنَ﴾ [الملك: ١٩]: يَضْرِبْنَ بِأَجْنِحَتِهِنَّ.
٣٢٩٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِىَّ ﷺ يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ «اقْتُلُوا الْحَيَّاتِ، وَاقْتُلُوا ذَا الطُّفْيَتَيْنِ وَالأَبْتَرَ، فَإِنَّهُمَا يَطْمِسَانِ الْبَصَرَ، وَيَسْتَسْقِطَانِ الْحَبَلَ». أطرافه ٣٣١٠، ٣٣١٢، ٤٠١٦ تحفة ٦٩٣٨
٣٢٩٨ - قَالَ عَبْدُ اللَّهِ فَبَيْنَا أَنَا أُطَارِدُ حَيَّةً لأَقْتُلَهَا فَنَادَانِى أَبُو لُبَابَةَ لَا تَقْتُلْهَا. فَقُلْتُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَمَرَ بِقَتْلِ الْحَيَّاتِ. قَالَ إِنَّهُ نَهَى بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ ذَوَاتِ الْبُيُوتِ، وَهْىَ الْعَوَامِرُ. أطرافه ٣٣١١، ٣٣١٣ تحفة ١٢١٤٧
٣٢٩٩ - وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ فَرَآنِى أَبُو لُبَابَةَ أَوْ زَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ. وَتَابَعَهُ يُونُسُ وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَإِسْحَاقُ الْكَلْبِىُّ وَالزُّبَيْدِىُّ. وَقَالَ صَالِحٌ وَابْنُ أَبِى حَفْصَةَ وَابْنُ مُجَمِّعٍ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَآنِى أَبُو لُبَابَةَ وَزَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ. تحفة ١٢١٤٧، ٣٧٦٨، ٦٩٨٥، ٦٨٢١، ٦٩٢٦، ٦٨٦٠، ٦٩١٩ - ١٥٥/ ٤
٣٢٩٧ - قوله: (اقْتُلُوا ذَا الطُّفْيَتَيْنِ)، قيل: هما خَطَّان من رأسها إلى ذنبها، وقيل: هما نقطتان على عينيها شبه حلمة الثدي. وبَلَغني عن ثقةٍ: أنه تُوجَدُ في العرب حيَّةٌ يكون على رأسها قرنان، كما يكون على رأس ثمر في الهند يُقَالُ له: اسنكهاره، ولا يُعْدَ أن يكونَ المرادُ من الطَّفْيَتَيْن هما هذان القرنان.
١٥ - باب خَيْرُ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ
٣٣٠٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِى أُوَيْسٍ قَالَ حَدَّثَنِى مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
قَالَ «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ». أطرافه ٣٢٢٥، ٣٢٢٦، ٤٠٠٢، ٥٩٤٩، ٥٩٥٨ تحفة ٣٧٧٩
٣٣٢٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ. تحفة ٨٣٤٩
٣٣٢٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنِى أَبُو سَلَمَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - حَدَّثَهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ أَمْسَكَ كَلْبًا يَنْقُصْ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ، إِلَاّ كَلْبَ حَرْثٍ أَوْ كَلْبَ مَاشِيَةٍ». طرفه ٢٣٢٢ تحفة ١٥٤٣٢
٣٣٢٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ قَالَ أَخْبَرَنِى يَزِيدُ بْنُ خُصَيْفَةَ قَالَ أَخْبَرَنِى السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ سَمِعَ سُفْيَانَ بْنَ أَبِى زُهَيْرٍ الشَّنَئِىَّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا لَا يُغْنِى عَنْهُ زَرْعًا وَلَا ضَرْعًا، نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ». فَقَالَ السَّائِبُ أَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ إِىْ وَرَبِّ هَذِهِ الْقِبْلَةِ. طرفه ٢٣٢٣ تحفة ٤٤٧٦ - ١٥٩/ ٤
قلتُ: وأمرُ الغَمْسِ وإن كان مُطْلَقًا في الحديث، لكنه مقيَّدٌ عندي بما لم يكن الشيءُ حارًّا، لأن الغَمْسَ فيه لا يزيد إلَاّ شرًّا، وقال بعضُهم: إن الذبابَ كثيرًا ما يَطِيحُ على النجاسات، فينبغي أن لا يُغْمَسَ في البارد أيضًا. قلتُ: وهذا جَهْلٌ، لأن حاصلَه: رفعُ مِصْدَاق الحديث من الوساوس، والشُّبُهَات. نعم إن كانت بقربه نجاسةٌ، فطار منها، ثم وَقَعَ في شيءٍ، فذاك محلُّ تأمُّلٍ. ولينظر فيه المُحَدِّث أنه هل من فَرْقٍ بين الذباب الواقع من مكانٍ نظيفٍ، ليست حوله نجاسةٌ، وبين الواقع من مكانٍ في حواليه تلك. وإنما لم يتعرَّض له الفقهاء، لأن وظيفتهم الحِلُّ والحُرْمَةُ، والطهارةُ والنجاسةُ، ولعلَّ ما عليه من النجاسة ليست بنجاسةٍ عندهم، فإنها قليلةٌ جدًا، فلم يتعرَّضوا إليه لذلك.
قوله: (فإن في إحْدَى جَنَاحَيْهِ دَاءً، وفي الأُخْرَى شِفَاءً) قال الدَّمِيرِي: وجرَّبْتُ أنه يقدِّم الجناحَ الأيسرَ في الغَمْسِ، وفيه الداء، والشفاء في الأيمن، فليغمسه أيضًا، ليكون هذا بهذا. وقرَّر ابنُ القيِّم أن من صُنْعِ الله تعالى أنه لم يَخْلُقْ السُّمَّ من الحيوانات، والجمادات، والنباتات، إلَاّ وخَلَق بجنبها تِرْياقًا لها، فأخبثُ الحيوانات الحيَّةُ، وتِرْيَاقُها على رأسها، ويُقَال له: حجر الحية، وكذا خبث الجمادات: "هيرا" وخُلِقَ تِرْيَاقُه: "زمرد"، وكذا أخبثُا لأشجار "بيس"، وتِرْيَاقُه "نربس" أي الجدوار، خُلِقَ بقربه. فكذلك الذُّبَابُ إذا خُلِقَ في إحدى جَنَاحَيْهِ داءٌ، خُلِقَ بقربه دواؤه، فَتَبَارَكَ اللَّهُ أحسنُ الخالقين.
٣٣٢٢ - قوله: (لا تَدْخُلُ المَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ) قال ابن قُتَيْبَة في مختلف الحديث: إن الشيطانَ أَشْبَهُ بالكلب، فإنَّهُ يَشُمُّ الأشياء كشمِّه، ويَعْدُو عليك كعدو الكلب، فإذا ذَكَرْتَ اللَّهَ تلكَّأ كالكلب عند رؤية العصا، وهو معنى الخنَّاس. ولذا قال: لا ينبغي أكل الطعام عند الكلب، لأن له عينًا، كعين الإِنسان، فَتَلُمُّ به.
يَخْلُقْ فيه شيئًا، فكان هو يومُ التعطيل، وهو يومُ العيد للخَلْقِ. وفي التوراة: إن مُوسَى ﵇ كان يَعِظُهُمْ في هذا اليوم، ويُذَكِّرُهُم. فَعُلِمَ أن السبتَ كان يوم الجمعة، فلا أَعْلَمُ متى وقع فيه التحريفُ (١)، حتَّى جَعَلُوه أوَّلَ يومٍ من الأسبوع. ثُمَّ إن هذه الستَةَ، ستةُ آلافٍ عند ربك: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧]، فالستةُ عنده ستةُ آلافٍ عندنا.
أمَّا خَلْقُ آدم ﵊، فهو وإن كان في يوم الجمعة، لكنه ليست الجمعة المتصلة، لأنه حَصَلَ فيها الاستواء على العرش، ثُمَّ خلقه في جمعةٍ أخرى. والله يَعْلَمُ المدَّةَ بين الستة، وبين تلك الجمعة التي خلقه فيها. ولذا ترى القرآن لا يَذْكُرْ خَلْقَ آدم ﵇ مع خلق العالم في موضعٍ، ولكن يَذْكُرُ بعده الاستواء، ليكونَ دليلًا على أنه لم يَخْلُقْ فيما بعده شيئًا. ونقل الدَّمِيرِي، عن السُّبْكي في «حياة الحيوان»: أن آدم ﵊ خُلِقَ في الجمعة المتصلة، والتحقيقُ عندي ما نبَّهناك. ومن ههنا قيل: إن النبيَّ ﷺ نبيُّ السابعة من سبعة آلاف.
ثم الاستواءُ على العرش لبيان نهاية عالم الأجسام، فليس فوق العرش شيءٌ غيرَ حضرة الربوبية، بشأنها التي تَلِيقُ به، وعالم الإِمكان كلُّه تحته، كذا ذكره صاحب «اليواقيت»، عن محدِّثٍ.
قوله: (ويُقَالُ: مُنْتِنٌ، يُرِيدُونَ به صَلَّ)، أي المتغيِّر "سترى هوئى".
стр. 2025
قوله: (صَرَّ البَابُ)، أي تصوَّت.
قوله: (أَنْ لَا تَسْجُدَ: أن تَسْجُدَ) يريد أن «لا» زائدة. قلتُ: وترجمته: "تجهى كس نى منع كياهى كه سجدة هنين كرتا"، وعلى هذا لا حاجةَ إلى القول بزيادتها، فهي إذن للبيان بعد الإِبهام في قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ﴾ [الأعراف: ١٢] على حدِّ قوله: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨]، وليست مفعولًا لقوله: ﴿مَنَعَكَ﴾، وكذلك لا أقول بزيادة «لا» في قوله: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١)﴾ [البلد: ١] فإنها لنفي ما قبلها، وأمَّا القَسَمُ، فعلى ما بعدها.
قوله: (﴿أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾)، ومِصْدَاقُه الأَوَّليُّ ما ذَكَرَه علماء الشريعة، ومِصْدَاقُه الثانويُّ ما ذكره الشيخ الأكبر: أنه حيِّزٌ لجهنم التي نحن الآن فيه.
قوله: (سوءتهما) ولم يكن يريا فرجهما قبله، فإذا نزع اللباس عنهما، علما الآن أن لهما شيئًا يجب ستره، ويقبح كشفه، فساءهما انكشافه.
٣٣٢٦ - قوله: (فَلَمْ يَزَلِ الخَلْقُ يَنْقُصُ) ... إلخ، وأنكره ابن خَلْدُون، وقال: لم يَثْبُتْ عندنا من حال عماراتهم أنه كان طولهم ستون ذِرَاعًا في زمنٍ، بل بيوتُهم في الارتفاع فيما مضى كما هي اليوم.
قلتُ: سبحان الله، ما حمله على إنكار حديثٍ صحيحٍ (١) عند القوم، مع أنه قد دَلَّ تاريخُ عَادٍ على طول قامتهم. وشاهدنا الآن أيضًا الفرق بين المولَّدين في عهد الإِنكليز، وقبله، وبين الحَضَرِيِّ والبدويِّ. فإن البدويَّ أبسطُ جسمًا، وأطولُ قامةً، وأعرضُ صَدْرًا، وأوسعُ هِمَمًا بالنسبة إلى الحضريِّ، وكذلك من وُلِدُوا قبل عهد الإِنكليز، كانوا أشدَ قوةً، وأكثرَ طولًا. ونحوه قد شاهدنا في الحيوانات أيضًا. والذي ينبغي أن يُنْقَدَ في مثل هذا بالحديث الصحيح، لا أن يُحَرَّفَ الحديث، أو يؤوَّل بغير تأويله، ثم هذا فريد وجدي صاحب «دائرة المعارف» محرومٌ عن الإِيمان والخير كلِّه، فَيَنْقُلُ الأحاديثَ، ثم يَسْخَرُ منها، سَخِرَ الله منه.
٣٣٢٧ - قوله: (سُتُّونَ ذِرَاعًا في السَّمَاءِ)، أي في الطول، ويُحْتَمَلُ أن يكونَ مرادُ
стр. 2026
الحديث أنه كان قدر طولهم هذا في الجنة، فإذا نَزَلُوا عادوا إلى القصر. فإن الأحكامَ تَتَفَاوت بتفاوُت البلدان، والأوطان. كما أن يومًا عند ربك كألف سنةٍ مما تَعُدُّون، فهو يومٌ في العالم العلويِّ، وألف سنةٍ في العالم السفليِّ، هكذا يُمْكِنُ أن تكونَ قاماتهم تلك في الجنة، فإذا دَخَلُوها عادوا إلى أصل قامتهم.
٣٣٢٩ - قوله: (فَنَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ) واعلم أن الأحاديثَ تُخْبِرُ أن الخيرَ والصلاحَ في إِبَّان الساعة يكون بالشام، وقد حَمَلْتُهَا على زمن عيسى ﵊. وهذا يَدُلُّكَ ثانيًا على أن الغلبةَ المعهودةَ إنما هي بالأرض التي يَنْزِلُ بها عيسى ﵊، لا على البسيطة كلِّها، وما ذلك إلَاّ من تَبَادُرِ الأوهام فقط.
قوله: (زِيَادَةُ كَبِدِ حُوتٍ) قال اليُّهَيْلِيُّ في «الروض الأنف»: إن في هذا النُّزُلِ إشارةٌ إلى انتهاء نشأة الدنيا، فإنها إمَّا بحرٌ، أو برٌّ، والبرُّ على الثور، والبحرُ على الحوت، فإذا استعملا في النُّزُل، فقد انتهت الدنيا أيضًا.؟!!.
٣٣٣٠ - قوله: (لَمْ يَخْنَزِ اللَّحْمُ) وفيه دليلٌ على أن من سَنَّ سنَّةً سيئةً فإنها تتسلسل (١)، وتلزم. كقابيل، فإنه قَتَل أخاه، فظهر شُؤْمَهُ في سِبْطِهِ السابع. فكانت الدنيا على صرافتها خاليةً عن المعاصي، فجاء شقيٌّ، وسَنَّ معصيةً، ثم تسلسلت، وهكذا إلى أن امتلأت ظلمًا وجَوْرًا. وهذا معنى قوله: «لولا بنو إسرائيل لم يَخْنَزِ اللَّحْمُ، ولولا حَوَّواءُ لم تَخُنْ أنثى زوجها»، أي ظهرت معصيةٌ من أحدٍ على وجه الأرض، ثم تسلسلت، وبقيَ أثرُها.
٣٣٣١ - قوله: (فإنَّ المَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ) والمشهور أنها خُلِقَتْ من ضِلْعٍ أيسر. ورأيت مصنِّفًا مرَّ عليه، وقال: إن آدم ﵇ انتبه مرَّةً من منامه، فإذا حواءُ جالسةٌ على يساره، وهذا معنى مخلوقة من ضلعٍ، أي رآها مخلوقةً نحو يساره. وإنما ذَكَرْتُ هذا الاحتمال، لأن الناسَ في هذا العهد قد تعوَّدوا بإنكار كلِّ شيءٍ لا تُحِيطُ به عقولهم، ما أجهلهم. فإنهم إذا أَخْبَرَهُمْ أهل أوروبا بما شاهدوه بالآلات آمَنُوا به، وإن كان أبعدَ بعيدٍ، ولا يَشُكُّون فيه مثقالَ ذرَّةٍ، كقولهم: إن الإِنسانَ كان أصلُه قردةً، وكقولهم: إن في السيارات عمرانات. ثم إذا أخبرهم أصدقُ القائلين عمَّا رآه بعينه، كما قال: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (١٢)﴾ [النجم: ١٢]، أو يُخْبِرُ به ربُّه جلَّ وعزَّ. إذا هم مُعْرِضُون. وحنيئذٍ لا يَمْلِكُ المرءُ إلَاّ أن تتقطعَ نفسُهُ عليهم حسراتٍ، فهداهم الله سواء الصراط.
стр. 2027
٣٣٣٤ - قوله: (وأَنْتَ في صُلْبِ آَدَمَ) فيه دليلٌ على أنه كانت لذريته صورة، وهي في صلبه. أمَّا الفلسفيُّ، فإِنه يَحْمِلُهُ على كون مادتها في صُلْبِهِ.
٣٣٣٤ - قوله: (لأَنَّهُ أوَلُ مَنْ سَنَّ القَتْلَ)، يعني: أن الدنيا كانت طاهرةً عن هذه المعصيةِ، وإنما سَنَّها هو، فينبغي أن يكون عليه كِفْلٌ منها.
٢ - باب الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ
٣٣٣٦ - قَالَ قَالَ اللَّيْثُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ رضى الله عنها قَالَتْ سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ «الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ». وَقَالَ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ حَدَّثَنِى يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ بِهَذَا. تحفة ١٧٩٤١
وقد عَلِمْتَ الخلافَ في خَلْقِ الأرواح مع الأجساد، كما اختاره ابن القيِّم، أو قبلها، كما ذَهَب إليه آخرون. والظاهرُ من الحديث أنها مخلوقةٌ من قبل. فإذا خَلَقَ اللَّهُ الأجسادَ، يُحْدِثُ بين تلك الأرواح والأجساد علاقةً، تسمَّى بالنفخ. إلَاّ أن ابن القيِّم أوَّلَهُ أيضًا، وقال: إنها حالها في المستقبل، أي تكون جنودًا مجنَّدةً حين تُنْفَخُ في الأجساد. والذي نفهم أن التناكرَ والتعارفَ بينها قبل ذلك، ولو تبيَّن لي فيه عقيدةُ السلف، لسلكتُ مدرجهم.
٣ - باب قَوْلِ اللَّهِ : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [هود: ٢٥]
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ [هود: ٢٧] مَا ظَهَرَ لَنَا. ﴿أَقْلِعِي﴾ [هود: ٤٤] أَمْسِكِي. ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ [هود: ٤٠] نَبَعَ المَاءُ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: وَجْهُ الأَرْضِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿الْجُودِيِّ﴾ [هود: ٤٤] جَبَلٌ بِالجَزِيرَةِ. ﴿دَأْبِ﴾ [غافر: ٣١] مِثْلُ حَالٍ.
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٧٢)﴾ [يونس: ٧١ - ٧٢].
٤ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١)﴾ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ [نوح: ١ - ٢٨]
٣٣٣٧ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ عَنْ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ سَالِمٌ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ - رضى الله عنهما قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِى النَّاسِ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ ذَكَرَ الدَّجَّالَ، فَقَالَ «إِنِّى لأُنْذِرُكُمُوهُ، وَمَا مِنْ نَبِىٍّ إِلَاّ أَنْذَرَهُ قَوْمَهُ، لَقَدْ أَنْذَرَ نُوحٌ قَوْمَهُ، وَلَكِنِّى أَقُولُ لَكُمْ فِيهِ قَوْلاً لَمْ يَقُلْهُ نَبِىٌّ لِقَوْمِهِ، تَعْلَمُونَ أَنَّهُ أَعْوَرُ، وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ». أطرافه ٣٠٥٧، ٣٤٣٩، ٤٤٠٢، ٦١٧٥، ٧١٢٣، ٧١٢٧، ٧٤٠٧ تحفة ٦٩٩٠
٣٣٣٧ - قوله: (ثُمَّ ذَكَرَ الدَّجَّالَ) واعلم أنه لا يكونُ مع الدَّجَّالِ إلَاّ تَخَيُّلَات (١) ليس لها حقائق، فلا يكون لها ثباتٌ، وإنما يَرَاه النَّاسُ في أعينهم فقط دجال كيساته وه كر شمه هوكا جيسا آجكل مدارى راسته مين دكهلاتاهى او سمين ﷺ ئيدارى نهين هوتى. ولكن نقل الشيخُ المجدِّدُ السَّرْهَنْدِي حكايةً في ذلك تَدُلُّ على أن تَخَيُّلاتِ المُشَعْبِذِين لها أيضًا حقيقةً. قال: إن رجلًا جاى عند ملكٍ، وقال له: إنه يريد أن يُرِيَهُ شَعْبَذَةً، فأجازه، ففعل، حتَّى خُيِّلَ إلى الناس إنه خَلَقَ حديقةً نفيسةً، فلمَّا تمَّت تلك الحديقة، وهم ينظرون، أمر الملك أن يُضْرَبَ عُنُقُهُ، وهو لا يَشْعُرُ به وقد كان الملكُ سَمِعَ من أفواه الناس: أن التخييل يَتْبَعُ صاحبَهُ، فإن قُتِلَ يَبْقَى كما هو، فَبَقِيَتْ تلك الحديقةُ، حتَّى أكل منها.
قلتُ: ولو كان الشيخُ سمَّى هذا الملك، أو عيَّن المكان، لكان في أيدينا أيضًا سبيلٌ إلى تحقيقه، حتَّى نَعْلَمَ صِدْقَ الحكاية من كذبها. ويُمْكِنُ أن يكونَ الشيخُ الأجلُّ قد بَلَغَهُ ما بَلَغَهُ من أفواه الناس، فإنه لم يَنْقُلْ مشاهدته بعينيه، وإنما نَقَلَ ما بلغ عنده، ففيه احتمالٌ بعيدٌ.
وصرَّح الشيخ الأكبر في «الفصوص»: أن في الإِنسان قوَّةً يَخْلُقُ بها في الخارج ما شاء وأراد، وقد أقرَّ به اليوم أهل أوروبا أيضًا. ورأيتُ في رسالةٍ تُسمَّى بديده ودانش: أن رجلًا من أهل أوروبا قَصَدَ أن يَذْهَبَ إلى موضع فلانٍ، فَوُجِدَ في ذلك المكان على أثره، مع أنه لم يتحرَّكْ من مكانه. فهذا تصوُّرٌ للخيال، فإنه لم يَذْهَبْ، ولا تحرَّكَ على مكانه، ولكن صار خياله مصوَّرًا بقوَّته. إلَاّ أن ما نَقَلَهُ الشيخُ المجدِّدُ فوق ذلك، فإنه يَدُلُّ على بقاء هذا المخيَّل أيضًا. أمَّا تصوُّرُ الخيال، وتمثُّلُه، فممَّا لا يُنْكَرُ، وقد أقرَّ به ابن خلدون أيضًا: أنه يُمْكِنُ إنزال الصورة من المَخِيلَةِ إلى الخارج. ثم ذَكَرع حقيقتَهُ أنها لا تكون فيها إلَاّ الكميَّة، ولا تكون فيها المادة.
٣٣٣٨ - قوله: (وَإنَّهُ يَجِيءُ مَعَهُ تِمْثَالَ الجَنَّةِ والنَّارِ) والمرادُ من التِمْثَال ما قرَّرنا آنفًا، أي تخيُّلات المُشَعْبِذِينَ. وفي «الفتوحات»: أن نبيَ الله سليمان ﵊ كان مرَّةً يصلِّي، فأراه الشيطانُ جنَّةً مخيَّلة، ولكنه ﵊ بقي على حاله، ولم يَلْتَفِتْ إليها، ثم كَتَبَ أن تلك الجنةَ بَقِيَتْ مدَّةً. فلا يُقَالُ في ذلك التِمْثَال: إنه
стр. 2030
كان مشبَّهًا بالجنة والنار، ولكنه يُطْلَقُ عليه الجنة والنار. وهذا ما قلتُ: إن الضميرَ في قوله تعالَى يَرْجِعُ إلى المسيحِ عليه الصلاة السلام نفسه، فإن شَبَهَ المسيح لا يُقَالُ له إلَاّ المسيح ﵊، وقد قرَّرناه مبسوطًا فيما مرَّ.
قوله: (فالتي يَقُولُ: إنَّهَا الجَنَّةُ هِيَ الناَّرُ)، يحتملُ أن يكونَ معناه: من يَدْخُلُ جنته يكون مآله إلى النار، ويحتملُ: أنه من يَدْخُلُ فيها يَحْتَرِقُ ويَمُوتُ.
٥ - باب
﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤) أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (١٢٥) اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١٢٦) فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٢٧) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٢٨) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٢٩)﴾ [الصافات: ١٢٣ - ١٢٩]، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُذْكَرُ بِخَيرٍ. ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (١٣٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٣٢)﴾ [الصافات: ١٣٠ - ١٣٢].
يُذْكَرُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ إِليَاسَ هُوَ إِدْرِيسُ.
قوله: (قال ابن عبَّاس: يُذْكَرُ بِخَيْرٍ): "نيك نام" تفسيرٌ لقوله: (﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٢٩) سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (١٣٠)﴾) ... [الصافات: ١٢٩ - ١٣٠] إلخ، ويُذْكَرُ عن ابن مسعود، وابن عباس: إن إلياسَ هو إدريسُ.
واعلم أن ههنا مقامين: الأوَّلُ: في الترتيب بين إدريس، ونوح ﵉. فقيل: إن إدريسَ ﵊ نبيٌّ متأخِّرٌ عن نوحٍ ﵊، وحينئذٍ لا يَجِبُ كونه من أجداد النبيِّ ﷺ وقيل: إنه متقدِّمٌ عليه. ولمَّا كان نوحُ ﵊ من أجداد النبيِّ ﷺ كان إدريسُ ﵊ المتقدِّم عنه من أجداده ﷺ بالأَوْلَى. والمصنِّفُ أخَّر ذكرَه عن نوحٍ ﵊ بناءً على كونه بعده، وحينئذٍ لا يَلْزَمُ أن يكونَ من أجداده ﷺ ولكن يُشْكِلُ عليه ما في نسخة الباريِّ لابن عساكر. «وهو جدُّ أبي نوحٍ، أو جدّ نوحٍ»، فإنها تَدُلُّ على كون إدلايسَ ﵊ متقدِّمًا على نوحٍ ﵊، لكونه من أجداده. ووضْعُهُ في التراجم بعد نوحٍ ﵊، يَدُلُّ على كونه متأخِّرًا عنه، فلا يكونُ من أجداده.
قلتُ: لو ثَبَتَتْ نسخة ابن عساكر من جهة المصنِّف. وَجَبَ أن تكونَ تجرمةُ إدريس ﵇ متقدِّمةً على نوح ﵊، لكونه من أجداده على هذه النسخة.
إلَاّ أن يُقَالَ: إن المصنِّفَ اتَّبَعَ ف يترتيب التراجم القول المشهور عند الناس من تقدُّم نوحٍ ﵊، ثم ذكر رجحانه إلى تقدُّم إدريس ﵊، وأشار إليه بقوله: «وهو جَدُّ نوحٍ ﵊». وهكذا فَعَلَ في «المغازي» أيضًا.
والمقام الثاني: أن إدريسَ، وإلياسَ عليهما الصلاة والسلام، هل هما نبيَّان، أو
стр. 2031
اسمان لنبيَ واحدٍ، كما يَدُلُّ عليه قول ابن مسعود، وابن عبَّاس؟ والجمهور على أنهما نبيَّان، فإن إدريسَ ﵊ نبيٌّ قبل نوحٍ ﵊، وبعد شيث ﵊. وأمَّا إلياسُ ﵊، فهو نبيٌّ من أنبياء بني إسرائيل، بعد موسى ﵊، وحينئذٍ وَجَبَ تأويل قول ابن مسعود، وابن عباس: إن إلياسَ هو إدريسُ عليهما الصلاة والسلام. فقيل: إن ابن عباس فسَّر قراءةً أخرى فيه، وهي ﴿سلام على إدراسين﴾ وكان قوله: هكذا إن إدراس هو إدريس، فسُومِحَ فيه. وقيل: إن إلياسَ هو إدريسُ، مكان إدراس.
وقيل: إن لهذين اسمان متبادلان، يُطْلَقُ أحدهما على الآخر، فيقال لإِدريسَ: إلياس أيضًا عليهما الصلاة والسلام، وبالعكس، على أن اسمَ أحدهما لقبٌ للآخر، فإِدريسُ عَلَمٌ له، ولقبُه إلياسُ عليهما الصلاة والسلام، وكذا العكس، فهما مشهوران بِعَلَمَيْهِمَا، وأَطْلَقَ ابن عباس باعتبار اللقب.
وقال الشيخُ الأكبرُ: إن إدريس وإلياس نبيٌّ واحدٌ ﵊. وقال في «الفصوص»: إن إدريسَ ﵊ كان نبيًّا حين رُفِعَ، ثُمَّ إذا نَزَلَ، وقد جَعَلَه اللَّهُ رسولًا، سُمِّي بإِلياسين، فهو نبيٌّ واحدٌ في النشأتين، كعيسى ﵊، وهذا يَدُلُّ على أنه ذَهَبَ إلى وَحْدَتِهِمَا. وناقضه في مواضعَ عديدةٍ، حين ذَكَرَ الذين اشتهرت حياتُهم، وذكرهم أربعة، إدريس، وإلياس، وعيسى، والخَضِر عليهم الصلاة والسلام، فَدَلَّ على تغايُرِهِمَا عنده. وتأوَّله بحر العلوم أنهما اثنان، باعتبار العُهْدَةِ، لكونه نبيًّا قبل الرفع، ورسولًا بعد النزول، وأمَّا باعتبار الشخص، فواحدٌ.
ثم إن الشيخَ الأكبرَ تمسَّك بقوله: «مرحبًا بالنبيِّ الصالح، والأخ الصالح»، في ليلة المعراج، على عدم كونه من أجداد النبيِّ ﷺ وإلَاّ لَقَالَ: بالابن الصالح.
قلتُ: وهو غيرُ تامَ، فإنه لم يُخَاطِبْهُ بالابنيَّة أحدٌ منهم غير آدم، وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام، تنبيهًا وتعظيمًا لأمره، أمَّا آدمُ ﵊، فقد كان أبا البشر، فما له إلَاّ أن يَدْعُوَه بالابن. وأمَّا إبراهيمُ ﵊، فإنه أراد إشاعةَ هذه النسبة من قبله، وفي الحديث: «إني دعوة أبي إبراهيم ﵊» ... إلخ. وأمَّا غيرُهُما، فاكتفوا في المخاطبة بالأخوَّة العامة، «فإن الأنبياءَ ﵈ إِخْوَة لِعَلَاّتٍ، إلى آخر الحديث، وكلُّهم بنو آدم، فصَحَّت الأخوَّة بلا ريب.
والذي تبيَّن لي أنهما نبيَّان قطعًا، ومن ظَنَّ أنهما واحدٌ، فقد نَظَرَ إلى شهرة رفع إدريس ﵊ في أهل الإِسلام، وشهرة رفع إلياس ﵊ في بني إسرائيل، فركَّب من مجموع ذلك الاتحاد، وإلَاّ فهما نبيَّان.