اسمان لنبيَ واحدٍ، كما يَدُلُّ عليه قول ابن مسعود، وابن عبَّاس؟ والجمهور على أنهما نبيَّان، فإن إدريسَ ﵊ نبيٌّ قبل نوحٍ ﵊، وبعد شيث ﵊. وأمَّا إلياسُ ﵊، فهو نبيٌّ من أنبياء بني إسرائيل، بعد موسى ﵊، وحينئذٍ وَجَبَ تأويل قول ابن مسعود، وابن عباس: إن إلياسَ هو إدريسُ عليهما الصلاة والسلام. فقيل: إن ابن عباس فسَّر قراءةً أخرى فيه، وهي ﴿سلام على إدراسين﴾ وكان قوله: هكذا إن إدراس هو إدريس، فسُومِحَ فيه. وقيل: إن إلياسَ هو إدريسُ، مكان إدراس.
وقيل: إن لهذين اسمان متبادلان، يُطْلَقُ أحدهما على الآخر، فيقال لإِدريسَ: إلياس أيضًا عليهما الصلاة والسلام، وبالعكس، على أن اسمَ أحدهما لقبٌ للآخر، فإِدريسُ عَلَمٌ له، ولقبُه إلياسُ عليهما الصلاة والسلام، وكذا العكس، فهما مشهوران بِعَلَمَيْهِمَا، وأَطْلَقَ ابن عباس باعتبار اللقب.
وقال الشيخُ الأكبرُ: إن إدريس وإلياس نبيٌّ واحدٌ ﵊. وقال في «الفصوص»: إن إدريسَ ﵊ كان نبيًّا حين رُفِعَ، ثُمَّ إذا نَزَلَ، وقد جَعَلَه اللَّهُ رسولًا، سُمِّي بإِلياسين، فهو نبيٌّ واحدٌ في النشأتين، كعيسى ﵊، وهذا يَدُلُّ على أنه ذَهَبَ إلى وَحْدَتِهِمَا. وناقضه في مواضعَ عديدةٍ، حين ذَكَرَ الذين اشتهرت حياتُهم، وذكرهم أربعة، إدريس، وإلياس، وعيسى، والخَضِر عليهم الصلاة والسلام، فَدَلَّ على تغايُرِهِمَا عنده. وتأوَّله بحر العلوم أنهما اثنان، باعتبار العُهْدَةِ، لكونه نبيًّا قبل الرفع، ورسولًا بعد النزول، وأمَّا باعتبار الشخص، فواحدٌ.
ثم إن الشيخَ الأكبرَ تمسَّك بقوله: «مرحبًا بالنبيِّ الصالح، والأخ الصالح»، في ليلة المعراج، على عدم كونه من أجداد النبيِّ ﷺ وإلَاّ لَقَالَ: بالابن الصالح.
قلتُ: وهو غيرُ تامَ، فإنه لم يُخَاطِبْهُ بالابنيَّة أحدٌ منهم غير آدم، وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام، تنبيهًا وتعظيمًا لأمره، أمَّا آدمُ ﵊، فقد كان أبا البشر، فما له إلَاّ أن يَدْعُوَه بالابن. وأمَّا إبراهيمُ ﵊، فإنه أراد إشاعةَ هذه النسبة من قبله، وفي الحديث: «إني دعوة أبي إبراهيم ﵊» ... إلخ. وأمَّا غيرُهُما، فاكتفوا في المخاطبة بالأخوَّة العامة، «فإن الأنبياءَ ﵈ إِخْوَة لِعَلَاّتٍ، إلى آخر الحديث، وكلُّهم بنو آدم، فصَحَّت الأخوَّة بلا ريب.
والذي تبيَّن لي أنهما نبيَّان قطعًا، ومن ظَنَّ أنهما واحدٌ، فقد نَظَرَ إلى شهرة رفع إدريس ﵊ في أهل الإِسلام، وشهرة رفع إلياس ﵊ في بني إسرائيل، فركَّب من مجموع ذلك الاتحاد، وإلَاّ فهما نبيَّان.
كان من وزرائه، وكان يَسْجُدُ له. وهو أوَّلُ من دوَّن الجغرافية، وذكر فيه السدَّ، فَدَلَّ على أنه كان مبنيًّا قبل الاسكندر اليونانيِّ، اللهم إلَاّ أن يُقَالَ: إنه أراد به السدَّ الذي بناه ملكه، والظاهرُ هو الأوَّلُ. على أن اليونانيَّ لم يَخْرُج إلى مطلع الشمس والمغرب، ولكنه كان بسَمَرْقَنْد. وقاتل دار فقتله، ثُمَّ فتح الاسكندرية، ثم أتى أرضَ بابل، ورجع من ههنا إلى كابل، ثم إلى راولبندى حتى ألقى عصاه بموضع تيكسله، وضرب فيها سِكَّةً، ثم سافر إلى السند، ومات ثَمَّةَ. فليس اليونانيُّ هو ذو القرنين الذي ذكره القرآن. وراجع صورة العالم من آخر «التفسير» للشيخ عبد الحق الدَّهْلَوِي، فإنه مهمٌّ، ويَنْفَعُكَ في هذا الباب. واسْتَنْبَطْتُ من سفره إلى مطلع الشمس ومغربها، أنه لم يكن من سكانهما.
الفائدة الثانية في تحقيق موضع السد:
أمَّا الكلامُ في السدِّ، فاعلم أنه عديدٌ، والذي بناه ذو القرنين، هو في الجانب الشماليِّ عند جبل قوقيا. أما الذي هو في بلدة الصين في طول ألف ومئتي ميلٍ تقريبًا، فهو سدٌّ آخر. ومن ظنَّه السدَّ المعروفَ، فبعيدٌ عن الصواب. وسدٌّ آخر باليمين بناه شدَّاد، وظنَّ البيضاويُّ - وهو مؤرِّخٌ فارسٌ - أنه عند دربند ثم رَوَى الحافظُ عن صحابيَ: «أنه لمَّا رَجَعَ بعد رؤيته السدَّ، سأل النبيَّ ﷺ قال: رأيته كالبُرْدِ المُحَبَّرِ». وحمله الحافظُ على سدِّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ.
قلتُ: هذا غلطٌ، بل هو سدٌّ آخر كان باليمين، وسدُّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ في موضعٍ وراء بُخَارَى. ثم إن سدَّ ذي القرنين قد اندكَّ اليوم، وليس في القرآن وعدٌ ببقائه إلى يوم خروج يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، ولا خبرٌ بكونه مانعًا من خروجهم، ولكنه من تَبَادُرِ الأوهام فقط. فإنه قال: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ [الكهف: ٩٩] ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ ... إلخ [الأنبياء: ٩٦] فلهم خروجٌ مرَّةً بعد مرةٍ. وقد خَرَجُوا قبل ذلك أيضًا، وأَفْسَدُوا في الأرض بما يُسْتَعَاذُ منه. نعم يكون لهم الخروجُ الموعودُ في آخر الزمان، وذلك أشدُّها. وليس في القرآن أن هذا الخروجَ يكون عَقِيبَ الاندكاك متَّصلًا، بل فيه وعدٌ باندكاكه فقط، فقد اندكَّ كما وَعَدَ.
أما إن خروجَهم موعودٌ بعد اندكاكه بدون فصلٍ، فلا حرفَ فيه. أَلَا ترى أن النبيَّ ﷺ عدَّ من أشراط الساعة: قبضَه من وجه الأرض، وفتحَ بيت المقدس، وفتحَ القسطنطينية، فهل تراها متَّصلةً، أو بينها فاصلةٌ متفاصلةٌ، فكذلك في النصِّ. نعم فيه: أن خروجَهم لا يكون إلَاّ بعد الاندكاك، أمَّا إنه لا يندلُّ إلَاّ عند الخروج، فليس فيه ذلك.
стр. 2037
الفائدة الثالثة في تحقيق يأجوج ومأجوج:
أمَّا الكلامُ، في يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، فاعلم أنهم (١)، من ذُرِّيَّة يافث باتفاق المؤرِّخين. ويُقَال لهم في لسان أروبا: كاك ميكاك، وفي مقدمة ابن خَلْدُون: «غوغ ماغوغ». وللبرطانية إقرارٌ بأنهم من ذُرِّيَّة مَأْجُوجَ، وكذا ألمانيا أيضًا منهم، وأمَّا الروس فهم من ذُرِّيَّةِ يَأْجُوجَ. وليس هؤلاء إلَاّ أقوامًا من الإِنس، والمراد من الخروج: حملتُهم، وفسادُهم، وذلك كائنٌ لا محالة في زمانه الموعود، وكلُّ شيءٍ عند ربِّك إلى أجلٍ مسمَّى. وليس السدِّ مَنَعَهُمْ عن الفساد، فهم يَخْرُجُون على سائر الناس في وقتٍ، ثم يُهْلَكُونَ بدعاء عيسى ﵇. هكذا في «مكاشفات يوحنا» وفيه: أنهم يُهْلَكُونَ بدعاء المسيح ﵊ عليهم.
وإنما ذكرنا نبذةً من هذه الأمور، لِتَعْلَمَ أنها ليست بشيءٍ يُفْتَخَرُ بها عند العوام، ولكنها كلَّها معروفةٌ عند أصحاب التاريخ. أمَّا من لم يُطَالِعْ كُتُبَهُمْ فالإِثمُ عليه. وهذا الجاهل - لعين القاديان - يَزْعُمُ أنه أتى بعلمٍ جديدٍ، كأنَّه أوجده من عند نفسه، وكان النَّاسُ غَافِلُونَ عنه قبل ذلك. وقد بَسَطْنَاها في رسالتنا «قيدة الإِسلام»، وحاشيته بما لا مَزِيدَ عليه، فراجعها.
وبعدُ، فإن العِلْمَ بيد الله المتعال، وأمَّا من زَعَمَ أنه قد أَحَاطَ بوجه الأرض كلِّها عِلْمًا، ولم يَتْرُكْ موضعًا إلَاّ وقد شَاهَدَ حاله، فذلك جاهلٌ. فإنهم قد أقرُّوا بأن كثيرًا من حصص الأرض باقيةٌ لم تقطعها بعدُ أعناق المطايا، منها ساحةٌ طويلةٌ في أرض الروس الشهيرة بسيبيريا وغيرها، فما هذه الزقازق؟!.
وإذ قد فَرَغْنَا عن نقل القطعات التاريخية على القدر الذي أردناها، فالآن نتوجَّه إلى بعض ألفاظ الحديث.
فاعلم أنا لم نَجِدْ في القرآن، ولا في حديثٍ صحيحٍ أن السدَّ مانعٌ عن خروجهم، إلَاّ ما عند الترمذيِّ (٢)، فإنه يُشْعِرُ بظاهره أنه مانعٌ عنه، لِمَا فيه: «أنهم يَحْفِرُونه كل يومٍ، حتَّى إذا بَقِيَ منه شيءٌ يَرْجِعُونَ إلى بيوتهم يقولون: نَعُود إليه غدًا، ونَحْفِرُ الباقي، ولا يقولون: إن شاء الله تعالى. فإذا عَادُوا إليه، وَجَدُوه كما كان قبله، فَلَا يَزَالُ أمره وأمرهم هكذا، حتَّى إذا جاء الموعدُ يَرْجِعُونَ إلى بيوتهم يقولوه: إنا نَحْفِرُه غدًا إن شاء الله تعالى، فإذا
стр. 2038
رَجَعُوا إليه غدًا، وَجَدُوه كما تَرَكُوه، لم يَزِدْ عليه شيئًا، وحينئذٍ يَدُكُّونه، ثم يَخْرُجُون مفسدين في الأرض» - بالمعنى. ولكنه مخالقٌ لِمَا في الصحيح، لأنه يَدُلُّ على أن السدَّ في زمنه ﷺ «كان فُتِحَ مثلَ هذه، وحلَّق بإِصْبَعَيْهِ: الإِبهام، والتي تليها». وقد ذَكَرْنَا تمامه في «عقيدة الإِسلام»، مع أن ابن كثير علَّله، وقال: إن أبا هريرة قد يَرْفَعُهُ، وقد يُوقِفُهُ على كَعْبٍ، وبه يَحْكُمُ وجداني: أنه ليس بمرفوعٍ، بل هو من كعب نفسه.
قال الشيخُ في كتابه «عقيدة الإِسلام، في حياة عيسى ﵇ (١)»: قد تَوَاتَرَ في الأحاديث أنه ﵇ يَنْزِلُ بعد خروج الدَّجَّال، فَيَقْتُلُه، ويُرِيهم دمَه على حَرْبَتِهِ، ثم يَخْرُجُ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ، فَيُهْلِكُهُم الله بدعائه. وقد حرَّف المُلْحِدُون تلك الأحاديث أيضًا. وكُنْتُ قد أفردت في مبحث يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مقالةً حديثيَّةً تاريخيَّةً، لا يسعها المقام، وهذه نبذةٌ منها أوردتها.
فالذي ينبغي أن يُعْلَمَ، ويكفي ههنا: أن الظاهرَ من أمر ذي القرنين أنه رجلٌ ليس من أهل المشرق، كما قيل: إنه مغفور الصين، الذي بنى سدًّا هناك، في طول ألف مئتي ميلٍ، ويَمُرُّ على الجبال والبحار. لأنه لو كان كذلك، لقيل في القرآن العزيز بعد سفره إلى المغرب: إنه رَجَعَ إلى المشرق، كالراجع إلى وطنه. ولا من أهل المغرب، وإنما هو من أهل ما بينهما. والراجحُ أنه ليس من أذواء اليمن، ولا كيقباد من ملوك العجم، ولا هو اسكندر من فيلقوس، بل ملكٌ من الصالحين، ينتهي نَسَبُهُ إلى العرب الساميِّين الأوَّلين. ذكره صاحب «الناسخ» وأرَّخ لبنائه السد: سنة ٣٤٦٠ من الهبوط.
وذَكَرَهُ قبل العرب الساميِّين الذين مَلَكُوا مصر، كشَدَّاد بن عاد بن عود بن أرم بن سام، وابن أخيه سنان بن علوان بن عاد، وبعدهما الريان بن الوليد بنع مرو بن عمليق بن عولج بن عاد. قال: ومن أَطْلَقَ على هؤلاء الفراعنة بعد الريان العمالقة، فللنسبة إلى عمليق بن عولج، لا إلى عمليق بن لاوذ بن أرم بن سام الذين كانوا سَكَنُوا بمكة. وكذا هو - أي ذو القَرْنَيْن - قبل ضحاك بن علوان، أخي سنان المذكور الذي قَتَلَ جمشاد ملك الإِيران، وملكه.
стр. 2039
وذكر اسم ذي القرنين: صعب بن روم بن يونان بن تارخ بن سام، فهو إذن من عادٍ الأُولَى، لا من الروم، أو اليونان، وقد قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: ٦٩]. وذكر أيضًا أن كورش ليس هو كيقباد، بل هو من الطبقة الثانية من ملوك بابل. والأشبه في وجه تسميته ما عن عليّ، وقد قوَّاه في «الفتح» وشرحه في «شرح القاموس»، وذكر في التنزيل ثلاثة أسفار له: الأوَّل إلى المغرب، ثم إلى المشرق، ولم يَذْكُرْ جهةَ الثالث، ولا قرينةَ له على أنَّه إلى الجنوب، فهو إذن إلى الشمال، وسدُّه هناك في جبل قوقايا، الذي يسمى الآن الطائي، غير مجموعة الجبال الأورالية، وهو المرادُ بآخر الجربياء في كتاب حزقيال ﵇، كما في «روح المعاني».
قلتُ: الجِرْبِياء في اللغة: الريح التي تَهُبُّ من المشرق والشمال. وبنى أيضًا بعضُ ملوك الصين سدًّا لنحو ضرورة ذي القرنين، وهو سدٌّ كان المغول سَمَّوْهُ: أتكووة، وسمَّاه الترك: بوقورقه، ذكره صاحب «الناسخ»، وأرَّخ لبنائه: سنة ٤٣٨١ من الهبوط. وكذا بعض ملوك العجم من باب الأبواب لمثل ما ذَكَرْنَاهُ. وهناك سدودٌ أُخَر، وكلُّها في الشمال.
ثم لو ثَبَتَ ما اشتهر، وشهَّره المؤرِّخون، وذكره في «حياة الحيوان»، عن ابن عبد البَرِّ في «كتاب الأمم من الكركند»: أن مَأْجُوجَ من ولد يافث، سَكَنَ هناك، وأن جوج لَحِقَ بهم، وأن ماغوغ - كما ذَكَرَه ابن خَلْدُون - بالعبرية، هو: مَأْجُوجُ في العربية، وجوج، هو: يَأْجُوجُ. مع أنه لم يَذْكُرْ في كتاب حزقيل بلفظ يَأْجُوج، وإنما ذَكَرَ: جوج، وسلَّم أنهما معرَّبٌ كاك ميكاك في الإِنكليزية، وأن رخلأسيَا من يَأْجُوج، وأهل بريطانيا من مَأْجُوج. ولم يَدُلُّ على أن ذي القرنين سَدَّ على كلِّهم، بل سَدَّ على فِرْقَةٍ منهم هناك.
قال ابن حَزْم في «الملل والنحل» فيما يَعْتَرِضُ به النصارى على المسلمين قديمًا: إن أرسطو ذكر السدَّ ويَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ في «كتاب الحيوان»، وكذا بطليموس في «جعرافياه». بل سؤالُ تعيين السدِّ، أو تعيينُ ذي القرنين، وَقَعَ من اليهود أولًا عنه ﷺ كذا يُسْتَفَادُ من بعض روايات «الدر المنثور». وبعضُ الناس يَجْعَلُ اللفظين: منكوليا ومنجوريا، وبعضُهم كاس ميكاس، وبعضهم: "جين ما جين"، وهو كما تَرَى.
وأعجبُ منه ما في «الناسخ»، من ذكر بناء بيت المَقْدِسِ: أن علماءَ بني إسرائيلَ كانوا يُطْلِقُون على صور وصيدا: جين ما جين، ونَقَلَ بَعْضُهم عن «تاريخ كليسيا» فِرْقَةً من فِرَقِ الآريوسة لقبها: ياجوجي. والمُفْسِدُون في الأرض لا يَصْدُقُ على كلِّهم، فإنه إهلاكُ النَّسْلِ والحَرْثِ، وتَخْرِيبُ البلاد، والنهبُ، والسفكُ، وشنُ الغارة، لا أخذ الممالك بالسياسة والتدبير، وهؤلاء مَوْصُوفُون بذلك لا الأول. وإذا انقطع هذا اللقبُ
стр. 2040
عنهم الآن، لم تَبْقَ المعرفة إلَاّ بوصف الإِفساد. فإن كان شعبُهم ينتهي إليهم، فلينته. ولعلَّه في بعض الآثار أَدْخَلَ نحو إنسان الغاب، أو الجبَّارين في يأجوج ومأجوج فراجع إنسان الغاب، والجبَّار من الدائرة.
وفي «البحر»: أنه قد اخْتُلِفَ في عددهم وصفاتهم، ولم يَصِحَّ في ذلك شيءٌ. اهـ.
قلتُ: قد صَحَّ في كثرة عددهم أحاديث، وكذا نُقِلَ عن «كتاب الجمان في تاريخ الزمان» للعينيِّ، عن «تاريخ ابن كثير»: أنه لم يَصِحَّ في صفتهم كثيرُ شيءٍ. وإذا كان هؤلاء الأورباويون خارجين من بلادهم، وأخلاقهم، وسيرتهم، فليسوا بمرادين. وإنما المراد فِرْقَةٌ منهم، أي من شعبهم في الشمال، والشرق ولهم خروجٌ في آخر الأيَّام، وليس أنهم مَسْدُودُون بالسدِّ، من كل جهةٍ، بل مُنِعُوا من شعبٍ هناك.
فإن قيل: إنهم أيضًا قد ارتفع عنهم المانع الحسيُّ منذ زمانٍ طويلٍ، واندكَّ السَّدُّ، وقد خَرَجُوا، قيل: فإذن لم يَكُنْ هذا الخروجُ مرادًا، فإنه لم يتحقَّق نزول عيسى ﵇ قُبَيْل ذلك. ويستمرُّ الأَمْرُ هكذا حتَّى يَخْرُجَ بعضٌ منهم، الذين لم يَخْرُجُوا إلى الآن في عهد عيسى ﵇. ويكون الخروج مرَّةً بعد مرَّةٍ، كمثل خروج الخوارج، لا خروجًا بالمرَّة من السدِّ، ولم يَذْكُرْ في القرآن لفظ الخروج من هذا السدِّ فقط: لههنا، ولما ذَكَرَ في الأنبياء: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ [الأنبياء: ٩٦]، لم يذكر السد، والردم، فكان الخروج لعمومهم، وكأن قوله: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ [الكهف: ٩٩] يوميءُ أن بعضَهم في مقابلة بعضهم الآخرين. فالبعضُ خارجون من السدِّ، والبعضُ الآخرون من غيره، وكأن اندكاك السدِّ جَعَلَ موضعَ خروج بعضٍ، وميقاتَ خروج آخرين منهم. وقَدْ وَقَعَ في مكاشفات يوحنا الإِنجيليِّ خروجهم مرَّةً بعد مرَّةٍ، أي من سُدَّ عليهم، أو لم يُسَدّ.
وكذا ذكره في «الناسخ»، عن الفصل الحادي عشر، من سفر سنهذرين، من كمار اليهود، وهو عندهم كالحديثِ عندنا. قال فيه: وُجِدَ في خزائن الروم بالخط العِبْرِيِّ: أن بعد أربعة آلاف سنة ومئتين وإحدى وتسعين سنة يبقى العالمُ يتيمًا، وتَجْرِي فيه حروب كوك ما كوك، وتكون سائر الأيام أيام الماشيح. وهذا التاريخُ - على ما يؤرِّخ به اليهود - مولدُ خاتم الأنبياء ﷺ ويَبْقَى العالمُ بعده يتيمًا، لا راعي له، أي تُخْتَتَمُ النبوَّة، وتجري بعد ذلك - وبعد خيرٍ كثيرٍ - ملاحم يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، ويَنْزِلُ إذ ذاك عيسى ﵇.
وصاحب «الناسخ» حمل الماشيح على خاتم الأنبياء ﷺ وكذا ذكرهم في كتاب حزقيل، ولم يَذْكُرْ السدَّ. فيأجوجُ ومأجوجُ أعمُّ ممن سُدَّ عليهم. فقد جَمَعَ القرآنُ
стр. 2041
حالَ أعمِّهم وأخصِّهم، وذلك لسؤالهم عن ذي القرنين، لا عن يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ فقط. فَذَكَرَ أوَّلًا من سُدَّ عليهم منهم، ثم عمَّم في قوله: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ [الكهف: ٩٩]، وهو إذن للاستمرار التجدديِّ، حتَّى يَتَّصِلَ خروجهم المخصوص بنزول عيسى ﵇، فَوَقَعَ هنا في القرآن أعمُّ مما في الحديث. وكذا في قوله: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦] فَذَكَرَ كلَّ حَدَبٍ، ولا بُدَّ من ذلك إن ثَبَتَ أن الأورباويين منهم، وأن لهم خزجات. أو ذَكَرَ في القرآٌّ من سُدَّ عليهم فقط، لكن لم يَذْكُرْ أنه لا يَنْدَكُّ، ويكون خروجهم مرَّةً بعد مرَّةٍ، حتى يكونَ خروجُهم المرادُ عند نزوله ﵇.
وقد بُدِيء باندكاكه في زمانه ﷺ حيث قال: «ويلٌ للعرب، من شرَ قد اقترب، فُتِحَ اليومَ من رَدْمِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مثل هذه» وهؤلاء الذين خَرَجُوا كذلك، أي من غير سدَ لا يُقَالُ: إنهم خَرَجُوا عليه، لأنَّهم نصارى نحلةً وانتماءً، وبقي بعضُ هؤلاء، أصلًا وشعبًا ليسوا نصارى، سَيَخْرُجُون عليه في آخر الزمان. وذَكَرَ في كتاب حزقيل خروجَهم على بني إسرائيل. ففي «روح المعاني»: وفي كتاب حزقيال ﵇ الأخبارُ بمجيئهم في آخر الزمان من آخر الجِرْبِياء، في أممٍ كثيرةٍ لا يُحْصِيهم إلَاّ اللَّهُ تعالى، وإفسادُهم في الأرض، وقصدُهم بيت المَقْدِسِ، وهلاكُهم عن آخرهم بِرُمَّتِهِمْ بأنواعٍ من العذاب. اهـ.
وذُكِرَ في الأحاديث النبوية توجُّهُهُم إلى الشام، فليس الخروج عليه متَّصلًا بالاندكاك، وإنما المتَّصلُ به خروجُهم على الناس، وهو كذلك في بعض الألفاظ، كما في «الكنز». وقد تأتي أحاديثُ أشراط الساعة بالتقاط أشراطها من البين، وترك ما بينها، فلهم خروجٌ مرَّةً بعد مرَّةٍ. وليس القرآنُ العزيزُ نصًّا في أن السدِّ مَنَعَهُم من كلِّ جهةٍ، ولا أن عدمَ خروجهم في الأزمنة الآتية لعدم الاندكاك فقط، فإن ذلك إذ ذاك - أي عند بنائه - ودَهْرًا بعده. وأمَّا بعد ذلك، فلهم عِدَّةُ خروجٍ، ففيه ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ الآية، فلم يَقُلْ: حتَّى إذا فُتِحَ الرَدْمُ، والمراد تلك النَّوْبَة من الخروج.
وبنبغي أن يُعْلَمَ أن قولَ ذي القرنين ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ [الكهف: ٩٨] قولٌ من جانبه، لا قرينةٌ على جَعْلِهِ من أشراط الساعة. ولعلَّه لا عِلْمَ له بذلك، وإنما أَرَادَ وعدَ اندكاكه. فإذن قوله تعالى بعد ذلك: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ للاستمرار التجدديِّ. نعم قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦)﴾ هو من أشراطِ الساعة، لكن ليس فيه للرَّدْمِ ذِكْرٌ، فاعلم الفرق.
واعلم أيضًا أن السَّدَّ الذي رآه صحابيٌّ، كما في «الفتح»، و «والدر المنثور»،
стр. 2042
و «حياة الحيوان» الظاهرُ أنه سَدٌّ آخر لا هذا السدّ، ويَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ فيه بمعنى أهل الشرك. وحديث حَفْرِ السدِّ كلَّ يومٍ، أعلَّ ابن كثير في «تفسيره» رَفْعَهُ، بأنه لعلَّه سَمِعَه من كَعْب. فإن كَعْبًا رَوَى عنه مثل ذلك، وقد ذكره أيضًا ابن كثير. وفي «الفتح»: أن عبد بن حميد رواه عن أبي هريرة موقوفًا. أَوْ كانوا حَفَرُوا أولًا، وتَرَكُوا، وسَيَحْفِرُونَه عند خروجهم المخصوصِ أيضًا، وإن كانوا خَرَجُوا قبل ذلك خروجًا غير خروجهم على عيسى ﵇، فإن الله تعالى قد قال: ﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ [الكهف: ٩٧] ذكره ابن كثير أيضًا.
وأقول: إن كان في إيمان الناظرين سَعَةٌ، فلا ضَيْقَ في تسليمه أيضًا. والحاصلُ: أنه إن كان قد اندكَّ، أو كان لم يَنْدَكَّ، ولكن كان لم يَبْقَ مانعًا بحسب هذا الزمان بأن يكون خروجهم من طُرُقٍ بعيدة من وراء الجبال، والسدُّ على البوابير والمراكب المُحْدَثة للأسفار الطويلة. فخروجُهم المخصوصُ ليس متَّصلًا به. كيف وهو مُنْدَكٌّ إذن منذ زمانٍ طويلٍ، فَلَمْ يَبْقَ من السَّدِّ الذي جَعَلَهُ الناظرون سدَّ ذي القرنين، إلَاّ أثرٌ وطَلَلٌ، ولم يتَّصلْ خروجُهم ذلك به، فليكن من الزمان بُرْهَةٌ أخرى كذلك، لا أنهم خَرَجُوا في زماننا هذا، فَيُطْلَبُ عيسى ﵇ فيه. فإنه إذا تَرَاخَى من اندكاكه، أو من خروجهم من زمنٍ طويلٍ، فَلْيُتَرَاخَى عهدًا آخر أيضًا، وإن لم يندكَّ مقدار ما بين الصَّدَفَيْن. وليس له زيادةُ طولٍ حتَّى يُسْتَبْعَدَ خفاؤُه. كما في «روح المعاني» في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ [الكهف: ٩٣]، في قراءة فتح السين، وضمها السُّد بالضم: الاسم، وبالفتح: المصدر. وقال ابن أبي إسحاق: الأوَّلُ ما رأته عَيْنَاك، والثاني ما لا تَرَيَاهُ. اهـ.
وذكره كذلك في «البحر»، فالأمرُ إذن على الانتظار، ويَدُورُ على الإِيمان، فَلْيَنْتَظرْ، فإنهم وإن خَرَجُوا مثلًا من طريقٍ آخر، لكنَّهم لم يَخْرُجُوا على هذا التقدير من السدِّ. وإذن كان السدُّ اندكَّ، أو لم يَنْدَكَّ، لكن قد انْهَدَمَ ما بناه ذلك الملحد أساسًا ورأسًا على كلِّ حالٍ. وكذا لم يُفِدْهُ أكان الأروباويون منهم، أم لم يَكُونُوا، فإنهم لم يَخْرُجُوا من السدِّ، وإن خَرَجُوا على الناس. كيف وذلك المُلْحِدُ نفسه من ذُرِّيَّةِ مَأْجُوجَ على تحقيقه، فإنه من المَغُول. هذا، مع ما هو مسلَّمٌ عند الجغرافيين: أنه لم يَنْكَشِفْ إلى الآن لهم حال بعض الجبال، والقفار، والبحار.
ثم لمَّا كان الإِنكليزُ من الألمانيين وهم من ذِرِّيَّةِ جومر أخي مَأْجُوج، فَلَيْسُوا من نَسْلِ مَأْجُوج. ولا يُفيدُ ما ذُكِرَ في الألمان أنهم خَرَجُوا من كوه قاف، وأورال، فإن جبلَ أورال سلسلةٌ مستطيلةٌ من الشرق إلى الغرب. ولم يَكُنْ نَسْلُ مَأْجُوجَ، أو الذين سُدَّ عليهم إلَاّ في شرقه.
وذُكِرَ في «دائرة المعارف» جوج من جومر، وأنه ملك السكيثيين، فَيَأْجُوجُ إخوان
стр. 2043
مَأْجُوج، وهو كذلك عند اليهود، كما في «لقطة العجلان»، فاحذر قول الخرَّاصين. ومذهبُ السكيثيين: ميتهالوجي، أي علم الأصنام، فليسوا بني إسرائيل أيضًا. وجوج الذي هو من ذُرِّيَّةِ يعقوب رجلٌ آخر، وجوج الذي عُدَّ مع مَأْجُوجَ في كتاب حزقيل، ليس من ذُرِّيَّة يعقوب، بل هو معاذ لبني إسرائيل. فلو سُلِّمَ أن جوج والي روسيا، فليس الذي سُدَّ عليهم إياهم، بل هم بعضٌ من جوج. والذي يُعْلَمُ من كتابه: أن جوج أقربُ مسكنًا، ومَأْجُوجَ أبعدُ. ولمَّا كان الأريانة، أصلَ الأروباويين، كيف يكون الأوروباويون من مَأْجُوجَ؟ وإلَاّ لكان الهنودُ منهم، إلَاّ أن يُقَالَ: إنه قد تبدَّلت ألقابهم، فهذا يجري في الأوروباويين أيضًا.
وقد قال في «الفتح» في حديث: «أبشروا، فإن من يَأْجُوجَ ومَأْجُوج ألفًا، ومنكم رجل» قال القرطبيُّ: قوله: «من يَأْجُوجَ، ومَأْجُوجَ ألفًا»، أي منهم، وممن كان على الشِّرْكِ مثلهم، وقوله: «ومنكم رجل»، يعني من أصحابه، ومن كان مثلهم.
قلتُ: وهو عن عِمْران بن حُصَيْن عند الحاكم في «المستدرك»: «وأبشروا، فوالذي نفسُ محمدٍ بيده إنكم مع خَلِيقَتَيْنِ ما كانتا مع شيءٍ إلَاّ كثَّرَتَاه، يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، ومَنْ هَلَكَ من بني آدم، وبني إبليس». اهـ. فوقع مفسَّرًا، ولم يستمد به في «الفتح». وقد صحَّحه الحاكمُ، وأقرَّه الذهبيّ، فاعلمه. وقد أَخْرَجَهُ الترمذيُّ، والنَّسَائيُّ في تفسيره كذلك. ونحوه في «الدر المنثور»، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا﴾ [المزمل: ١٧].
واعلم أن ما ذَكَرْتُهُ ليس تأويلًا في القرآن، بل زيادةَ شيءٍ من التاريخ والتجربة، بدون إخراج لفظه من موضعه. فلا يتَّسِعُ الخرق، فإن التاريخَ لمَّا ذَكَرَ أن بعضَ الشعود الخارجة من السَّدِّ من نَسْلِ يَأْجُوجَ أيضًا، قُلْنَا: إن ثَبَتَ، فالقرآن لم يَذْكُرْ السدَّ على كلِّهم، ولا من كلِّ جهةٍ، فَلْيَكُنْ الخارجون المذكورون من يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، ولكن لَيْسُوا بمرادين في القرآن. وإن ثَبَتَ أنه اندكَّ، أو خَرَجُوا من جانبٍ آخرَ، فَلَيَكُنْ مَوْجُ بعضهم في بعضٍ متجدِّدًا مستمرًّا، حتَّى يَنْزِلَ عيسى ﵇، فَيَخْرُجُون أيضًا من بلادهم من السَّدِّ المُنْدَكِّ، ويُفْسِدُون في الأرض حتَّى يُهْلِكَهُمُ اللَّهُ تعالى بدعائه ﵇. كيف وقد قَالَ اللَّهُ تعالى في الأنبياء: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (٩٥) حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦)﴾ [الأنبياء: ٩٥ - ٩٦]، أي حرامٌ عليهم غير ما نقول، وهو: أنهم لا يَرْجِعُون إلى الدنيا ثانيًا، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (٣١)﴾ [يس: ٣١]، ويَدْخُلُ تحت النفي رَجْعَةُ الروافض، وبروزُ ذلك المُلْحِدِ، فإنه جَعَلَهُ أنه هو حقيقةُ ما أَطْلَقَ عليه أنه رجوعٌ للأوَّل. وقيل: إنه سَيَرجُعُ، كما جاء في عيسى ﵇ مرفوعًا، وقد مرَّ: «أنه رَاجِعٌ إليكم».
стр. 2044
فإن كان هذا هو حقيقةُ رجوع أحدٍ، كما افتراه أنه هو عُرْفُ الكتب السماوية، فقد حرَّمته الآية. فإن الاعتبارَ في ذلك لِمَا يسمِّيه أهلُ العُرْفِ رجوعًا، لا لغيره. وكذا مجيءُ مثيلٍ، إن كان مجيئًا مبتدأ، فليس هذا رجوعًا للأوَّل، وإن قيل: إن الرجوعَ الأوَّلَ هو هذا، فقد شَمَلَتْهُ الآية. ولا يَظْهَرُ ما قيل في الآية: إن المرادَ: حرامٌ عليهم أنهم لا
يَرْجِعُون إلينا، فإنه لو كان مُرَادًا، لم يَذْكُرْ في السياق الإِهلاكَ أولًا، وإلَاّ لصار إذن ذِكْرُ الحَلِفِ على ذلك، وذِكْرُ حرمة عدم الرجوع إليه كالمستدرك.
وقد جاء في الحديث: «أن عبدَ الله بن حرام لمَّا اسْتَشْهَدَ بأحدٍ، واستدعى الله تعالى أن يُرْجِعَهُ إلى الدنيا ليستشهد ثانيًا، أُجِيبَ بما في الآية»، أخرجه الترمذيُّ، وحسَّنه. وإذ لا رجوعَ إلى الدنيا، فلا تَنَاسُخَ أيضًا بنقل الأرواح في الأبدان، وإذن لا بُدَّ من القيامة، لِتُجْزَى كلُّ نفسٍ بما عَمِلَتْ. ومن أشراطها: خَرُوجُ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، فخروجُهم في قُرْبِ القيامة. ومن أشراطها: نزولُ عيسى ﵇ قُبَيْل ذلك بصريح تواتر الأحاديث فيه ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧)﴾ [المعارج: ٦ - ٧]. ومعلومٌ أنه ليس من موضع القرآن استيعاب التاريخ، ولا الوقائع كلَّها. فمن اعْتَبَرَ بالتاريخ فَلْيَزِدْهُ من عنده، كأنه خارجٌ منضمٌّ. ولا يزيد التاريخ على ذلك، لمن كان له قلب، أو أَلْقى السمعَ، وهو شهيدٌ.
٣٣٤٨ - قوله: (﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا﴾) ... إلخ. قيل: هو قبل الحشر. وقيل: في الحشر، وهو مُشْكِلٌ، لأنه ليست هناك حَامِلٌ، ولا مُرْضِعٌ، وقيل: إنه عند النَّفْخَةِ الأُولَى، وهي في الحشر عُرْفًا، على أن بين النفخةِ الأولَى والبعثة مدَّة أربعين سنة.
قوله: (فإنَّ مِنْكُمْ رَجُلًا ومِنْ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ ألفًا)، وهذا العددُ عند الترمذيِّ (١) مع انضمام المشركين معهم، وهو الصوابُ عندي.
٩ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]
وَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا﴾ [النحل: ١٢٠]. وَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤]. وَقالَ أَبُو مَيسَرَةَ: الرَّحِيمُ بِلِسَانِ الحَبَشَةِ.
٣٣٤٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ النُّعْمَانِ قَالَ حَدَّثَنِى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «إِنَّكُمْ
الْفَاجِرِ - فِى نَحْرِهِ، وَأَخْدَمَ هَاجَرَ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ تِلْكَ أُمُّكُمْ يَا بَنِى مَاءِ السَّمَاءِ. أطرافه ٢٢١٧، ٢٦٣٥، ٣٣٥٧، ٥٠٨٤، ٦٩٥٠ تحفة ١٤٤١٩
٣٣٥٩ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى أَوِ ابْنُ سَلَامٍ عَنْهُ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أُمِّ شَرِيكٍ - رضى الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِ الْوَزَغِ وَقَالَ «كَانَ يَنْفُخُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﵇». طرفه ٣٣٠٧ تحفة ١٨٣٢٩
٣٣٦٠ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ حَدَّثَنَا أَبِى حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ حَدَّثَنِى إِبْرَاهِيمُ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنه - قَالَ لَمَّا نَزَلَتِ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّنَا لَا يَظْلِمُ نَفْسَهُ قَالَ «لَيْسَ كَمَا تَقُولُونَ ﴿لَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ بِشِرْكٍ، أَوَلَمْ تَسْمَعُوا إِلَى قَوْلِ لُقْمَانَ لاِبْنِهِ ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾؟! [لقمان: ١٣]. أطرافه ٣٢، ٣٤٢٨، ٣٤٢٩، ٤٦٢٩، ٤٧٧٦، ٦٩١٨، ٦٩٣٧ تحفة ٩٤٢٠، ١٧٢/ ٤
٣٣٤٩ - قوله: (أَوَّلُ مَنْ يُكْسَى يَوْمَ القِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ ﵊ وفي الروايات (١): أن نبيَّنا ﷺ يُكْسَى بعده، ثم سائرَ الخَلْقِ، وذلك لأنه أوَّلُ من جُرِّدَ في سبيل الله حين قَذَفَهُ الكفَّار في النار، فَجُوزِيَ بأوَّلِ الكسوة في الحشر، وهذه فضيلةٌ جزئيَّةٌ.
٣٣٤٩ - قوله: (فَأَقُولُ (٢) كَمَا قَالَ العَبْدُ الصَّالِحُ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾) ... إلخ. واعلم أنه لا تمسُّكَ فيه للمتنبيِّ الكاذب اللعين على وفاة عيسى ﵇، فإن هذا القولَ يَصْدُرُ منه ﷺ في المحشر. وقد حَكَى اللَّهُ سبحانه هذا القولَ عن عيسى ﵊ في القرآن، فهذه الحكايةُ ماضيةٌ
стр. 2048
بالنسبة إلى قول النبيِّ ﷺ في المحشر لا محالة، ولذا قال: «كما قال العبد الصالح»، بصيغة الماضي (١).
٣٣٥٠ - قوله: (فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ: يا رَبِّ إنَّكَ وَعَدْتَنِي) ... إلخ، وإنما تلقَّفها النبيُّ ﷺ لمثل هذا الموضع على طريق الاقتباس فقط. أَلَا تَرَى أنها وَقَعَتْ في الأصل جوابًا عن سؤاله تعالى: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ ... إلخ [المائدة: ١١٦]، ونبيِّنا ﷺ يُسْأَلُ عن ذلِك. وإنما قال ذَلِكَ حين رأى بعضَ أصحابه يؤخذ عنه ذات الشمال، فنادى أنهم أصحابي، فقيل له: «إنَّك لا تَدْرِي ما أَحْدَثُوه بعدك». فاعْتَذَرَ عن تلك الكلمات التي بَلَغْتَ إلى مكان القَبُول على طريق الاقتباس. فإذا لم يَتَّحِدْ السؤالُ، كيف يَتَّحِدُ الجواب؟ ولكن الجواب لمَّا كان حاويًا لجميع الأطراف، والجوابُ مُرَاعِيًا لسائر الآداب والعواطف، اصطفاه لاعتذاره أيضًا.
ثم إن نفيَ العِلْمِ عن نفسه من آداب حضرة الربوبية، أَلَا تَرَى أن الملائكةَ حين اعْتَذَرُوا عن أنفسهم، قالوا: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢] وكذلك فَعَلَ الرُّسُلُ، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا﴾ [المائدة: ١٠٩]، وليس هذا كَذِبًا، بل عَلمُ العبد بجنب علم الله متلاشىً، ولا شيء. وقد كان موسى ﵇ نَسَبَ الأعْلَمِيَّة إلى نفسه مرَّةً، فجُوزِيَ بلقاء الخَضِر ﵊، وأَبْرَزَ له عِلْمَهُ في كلِّ موضعٍ حتَّى بموضعٍ لَقِيَهُ أيضًا، فَلَمْ يَلْقَهُ حتَّى جاز مكانه، ثم رَجَعَ على آثاره قصصًا. وقد غَفَلَ عنه الملائكةُ أولًا، فابتلوا بإِنباء الأسماء، فلم يَفْعَلُوا.
وليس المَحْشَرُ موضعَ ادِّعَاء عِلْمٍ، وإن كان عندهم عِلْمٌ دون عِلْمٍ، فذلك كالعدم. والعلمُ يومئذٍ كله لعلَاّم الغيوب، ولا ينفي ذلك نفس العلم إجمالًا أصلًا، ثم ههنا كلماتٌ طويلةُ الأذيال طَوَيْنا عنها كَشْحًا لغرابة المقال، وإنما ذكرنا شيئًا سَنَحَ لنا في
стр. 2049
الحال، والأمرُ إلى الله العليِّ المتعال. تقدَّم لي شفاعته، مع أنه لا يُغْفَرُ له رجاءً في تخفيف العذاب، وتخفيفُ العذاب في حقِّ الكافرِ ثابتٌ، فإن قُرُبَاتِهِ نافعةٌ البتة، كما مرَّ تحقيقه. وإن أبا طالبٍ يكون في ضَحْضَاحٍ من النار، على أنه ناظرٌ إذ ذاك إلى وعده تعالى، ولذا قال: «إنك وَعَدْتَني أن لا تخْزِيَنِي يومَ يُبْعَثُون»، فَحَمَلَهُ (١) على العموم.
٣٣٥٠ - قوله: (فإذَا هُوَ بِذِيخٍ مُلْتَطِخٍ) قال الشيخُ الأكبرُ: وإنما مُسِخَ في هذه الصورة لتنقطعَ عنه شفقةُ إبراهيم ﵊.
٣٣٥١ - قوله: (أَمَّا هُمْ، فَقَدْ سَمِعُوا أَنَّ المَلَائِكَةَ لا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ)، وفيه دليلٌ على كونه مشهورًا فيما بينهم أيضًا، ولعلَّه كان في الأديان السماوية السابقة أيضًا.
٣٣٥٦ - قوله: (اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ ﵇، وهُوَ ابنُ ثَمَانِينَ سَنَةً) فلمَّا شَكَا إلى ربِّه بالوجع، قال الله تعالى: لِمَ عَجِلْتَ، وما انتظرتَ أمري؟ فسبحان الله من معاملات الأنبياء ﵈ مع ربِّهم، فاقدر من ذلك أحوالهم. ولو فَعَلَ نحوَه أحدٌ من العوامِّ لغُفِرَ له، وهؤلاء يُعَاتَبُون عليه. نعم الكمالُ في الامتثال، والنظرُ إلى الله سبحانه في كلِّ حالٍ.
٣٣٥٨ - قوله: (ثُمَّ تَنَاوَلَهَا الثَّانِيَةَ) تَسَامَحَ فيه الراوي، وإلَاّ فلم يَقْدِرْ عدوُ اللَّهِ على التناول، ولكنه ذَهَبَ ليتناول، فَأُخِذَ، كما في اللفظِ الأوَّلِ.
٣٣٥٩ - قوله: (أَمَرَ بِقَتْلِ الوَزَغِ)، فيه دليلٌ على تقسيم الحيوانات أيضًا إلى الخبيث والطيب، كالإِنسان، وكان الوَزَغُ يَنْفُخُ في النار التي أُوقِدَتْ لخليل الله ﵊ والتسليم، كما في البخاريِّ، فأمر بقتله. وعند مسلم ما يَدُلُّ على الوعد بقتله بضربةٍ (٢).
١٠ - باب ﴿يَزِفُّونَ﴾ [الصافات: ٩٤] النَّسَلَانُ فِى الْمَشْيِ
٣٣٦١ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ نَصْرٍ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ أَبِى حَيَّانَ عَنْ أَبِى زُرْعَةَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ أُتِىَ النَّبِىُّ ﷺ يَوْمًا بِلَحْمٍ فَقَالَ «إِنَّ اللَّهَ يَجْمَعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ فِى صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِى، وَيُنْفِدُهُمُ الْبَصَرُ، وَتَدْنُو الشَّمْسُ مِنْهُمْ - فَذَكَرَ حَدِيثَ الشَّفَاعَةِ - فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُونَ أَنْتَ نَبِىُّ اللَّهِ
٣٣٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِىِّ أَخْبَرَنِى أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِىُّ - رضى الله عنه - أَنَّهُمْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نُصَلِّى عَلَيْكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ». طرفه ٦٣٦٠ تحفة ١١٨٩٦
٣٣٧٠ - حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَا حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ حَدَّثَنَا أَبُو قُرَّةَ مُسْلِمُ بْنُ سَالِمٍ الْهَمْدَانِىُّ قَالَ حَدَّثَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِيسَى سَمِعَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِى لَيْلَى قَالَ لَقِيَنِى كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ فَقَالَ أَلَا أُهْدِى لَكَ هَدِيَّةً سَمِعْتُهَا مِنَ النَّبِىِّ ﷺ فَقُلْتُ بَلَى، فَأَهْدِهَا لِى. فَقَالَ سَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ الصَّلَاةُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ عَلَّمَنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ. قَالَ «قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ». طرفاه ٤٧٩٧، ٦٣٥٧ تحفة ١١١١٣
٣٣٧١ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنِ الْمِنْهَالِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - قَالَ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يُعَوِّذُ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ وَيَقُولُ «إِنَّ أَبَاكُمَا كَانَ يُعَوِّذُ بِهَا إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ، أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ». تحفة ٥٦٢٧ - ١٧٩/ ٤
٣٣٦٢ - قوله: (يَرْحَمُ اللَّهُ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ، لَوْلَا أَنَّهَا عَجِلَتْ لَكَانَ زَمْزَمَ عَيْنًا مَعِينًا) وحديثها: أنها لمَّا وَلَدَتْ إسماعيلَ ﵊ غَارَتْ عليه سارة، وقالت لإبراهيم ﵊: فرِّق بيني وبينها، فَتَرَكَ هاجر عند البيت، عند أَكَمَةٍ، ولم تكن هناك عمارة إذ ذاك، ولا ماء، وهنالك دعا إبراهيم ﵊، عند عَقِب الأَكَمَةِ: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ [إبراهيم: ٣٧]، ورفع يديه إلى آخر القصة، كما سَرَدَها البخاريُّ.
واعلم أن في «تاريخ ديار بكر»: أن رَفْعَ اليدين سنةٌ إبراهيميَّةٌ، وجرَّه الشافعية إلى مذهبهم، وحَمَلَه الحنفيةُ على التحريمة. وهو عندي خارجٌ عن موضع النزاع، لأن ما ذكره من رفع يديه هو الرفع في الدعاء، فَنَقَلُوه إلى الصلاة، من عَجَلَةٍ تعتري المرء عند الظَّفر بالمقصود.
فائدة: اشتهر عند أصحاب التاريخ أن ابتداءَ تعمير مكة من زمن إسماعيل عليه
стр. 2055
الصلاة والسلام، ويُسْتَفَادُ من رواية الترمذيِّ (١) من قصة وفد عاد، أنها كانت موضعًا مشتهرًا بإِجابة الدعوة. وبَعَثَ إليه عادٌ أناسًا، فَنَزَلُوا بها، إلى آخر القصة. أقولُ: لا ريب أنها كانت محلاًّ مكرَّمًا من زمنٍ قديمٍ، إلَاّ أنه يمكن أن تكونَ خَرِبَتْ في البين، ثم ابْتُدِىء تعميرها من زمن إسماعيل ﵊. وفي التاريخ: ذكرٌ للأسباط الذين دَخَلُوا مكة من عادٍ. وكانت سلطنتهم على إيران أيضًا، فإن الضحَّاك منهم، فإنه ابن أخٍ لعاد، وكانت سلطنتهم على الشام، ومصر، والعراق أيضًا.
٣٣٦٤ - قوله: (ذَاكِ أِبي، وقَدْ أَمَرَني أَنْ أُفَارِقَكِ، إلْحَقِي بِأَهْلِكِ) واعلم أنه من ألفاظ الكِنَايَات، والواقعُ بها بوائنٌ عندنا. وفي مبسوطات الفِقْهِ: أن الواحدَ البائنَ أيضًا بِدَعِيٌّ؛ فكيف طلَّق به إسماعيلُ ﵊؟ والجواب عندي، واستفدته من مسألةٍ عن محمد في «المنتقى»، وهي: أن الخُلْعَ جائزٌ في حالة الحَيْضِ، مع أن الخُلْعَ طلاقٌ بائنٌ، والطلاقُ في حالة الحيض بِدَعِيٌّ، فإذا ثَبَتَ الجوازُ في موضعٍ لأجل الضرورة، قِسْتُ عليه جوازه في مَوْضِعٍ آخرَ أيضًا، وهو عندي: عدم التوافق والعزمُ على تركها بالكليَّة.
٣٣٦٦ - قوله: (قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟ قال: أَرْبَعُونَ سَنَةً) قيل: إن المسجدَ الأقصى من تعمير سليمان ﵊، وإن كان ابتداؤُه من داود ﵊، وبينه وبين إبراهيم ﵊ قرونٌ متطاولةٌ. والجوابُ على ما اختاره ابن القيِّم: أن تعيينَ مكان المسجد الأقصى كان من يد إسحاق ﵊، فإنه كان غَرَزَ وَتَدًا هناك، كما في التوراة. فأمكن أن تكونَ المدَّةُ المذكورةُ بين البناءين بهذا الاعتبار. وللقوم ههنا أجوبةٌ أخرى (٢)، ذَكَرَها الشارِحُون. وقد قدَّمنا الكلامَ في تحقيق القِبْلَتَيْن في باب الإِيمان، وأن الأقربَ عندنا أنهما من بناء إبراهيم عليه
стр. 2056
الصلاة والسلام. فإن الذبيحَ عندي اثنان. وكان إسحاقُ ﵊ قُرِّبَ به في بيت المقدس، وإسماعيلُ ﵊ في مكة، فكانتا قِبْلَتَيْنِ لبني إسرائيل، وبني إسماعيل.
فإذا عَلِمْتَ أنهما قِبْلَتَان إبراهيميتان، وأن الذبيحَ اثنان. وأنه ما معنى قوله: «أنا ابن الذبيحين»، فاعلم أن التقسيمَ بينهما، كان إمَّا باعتبار البلاد، أو الأقوام. فكان أهلُ المدينة يَسْتَقْبِلُون بيت المقدس لكونهم في عِدَاد من كانت قبلتهم بيت المَقْدِس، فمشى عليه النبيُّ ﷺ إلى ستة عشر، أو سبعة عشر شهرًا، وحينئذٍ لا يَحْتَاج إلى القول بالنَّسْخِ.
قوله: (ثُمَّ أَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلِّهْ) وقَد مرَّ منِّي: أن مراقبةَ الأوقاتِ كانت أهمَّ قبل بناء المساجد، وبعد بنائها صارت الصلاة فيها مطلوبةً. فالزمانُ والمكانُ كلاهما مطلوبان في شرعنا، وإن كان أحدُهما أَقْدَمَ من الآخر.
٣٣٧٠ - قوله: (كما بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وعلى آل إبراهيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) وفيه إشارةٌ (١) إلى ما في القرآن من لفظ الملائكة لمَّا نَزَلُوا على إبراهيم ﵊، فقالوا: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٣].
٣٣٧١ - قوله: (بكلمات الله التَّامَّةِ). وكلماتُه تعالى تامَّةٌ كلُّها بلا ريب. أمَّا الهَامَّةُ، فقيل: إنها المُؤْذِيَات، وقيل: الهَامَة - بتخفيف الميم: حيوانٌ من خصائصه الخَرَابُ حيثما تصوَّت. وقيل: كان طائرٌ يَخْرُجُ من رأس المقتول، يقول: اسقوني اسقوني، حتى يُؤْخَذَ بدمه. وكان كلُّ ذلك من معتقداتهم السوآى.
٣٣٧١ - قوله: (عَيْنٍ لَامَّةٍ): أي التي تَلُمُّ بِكَ "جو بهئكنى والى هو".
١٢ - بابٌ
﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (٥١) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ [الحجر: ٥٢] الآية. لا تَوْجَلْ: لا تَخَفْ ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ إِلى قوله: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠].
٣٣٧٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِى يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله
стр. 2057
عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «نَحْنُ أَحَقُّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] وَيَرْحَمُ اللَّهُ لُوطًا، لَقَدْ كَانَ يَأْوِى إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ وَلَوْ لَبِثْتُ فِى السِّجْنِ طُولَ مَا لَبِثَ يُوسُفُ لأَجَبْتُ الدَّاعِىَ». أطرافه ٣٣٧٥، ٣٣٨٧، ٤٥٣٧، ٤٦٩٤، ٦٩٩٢ تحفة ١٣٣٢٥، ١٥٣١٣
قوله: (﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾) واسْتَشْكَلُوا هذا السؤال. قلتُ: وفي الكلام أنواعٌ لم يتعرَّض إليها النحاةُ، منها ما لا يكونُ (١) له محكى عنه، لا عند المتكلِّمِ، ولا عند المُخَاطَبِ، كالكلام عند مُعَاتَبَةٍ أو مُلَاطَفَةٍ، أو مُطَايَبَةٍ، كما تقول لخادمك: ما شَأْنُكَ تعصيني في كلِّ أمرٍ. ولا تُطِيعُنِي، مع عِلْمِكَ أنه مخلصٌ لك، ولا يكون في ذهن المخاطب أيضًا، أنك تُذْعِنُ به عن جَذْرِ قلبك، ولكنك تُخْرِجُهُ للتهويل عبارةً. والتبكيت معارضةً في اللفظ، لا غير. ولو دوَّن الناسُ ما عند البُلَغَاء من أنحاء الكلام، لارتفع أكثرُ الإِشكالات، فإنها تكونُ من هذا القبيل، وقد نبَّه على بعضها أهل المعاني. ويمكن دَرْجُه في الخبر، ولكن ليس المقصود منه الخبر، بل لازمُ فائدة الخبر، على اصطلاحهم. وصرَّح التَّفْتَازانيُّ في «المطوَّل»: أن للخبرِ فوائدَ أخرى، كالتحزُّن، والتحسُّر أيضًا.
١٣ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤]
٣٣٧٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا حَاتِمٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ - رضى الله عنه - قَالَ مَرَّ النَّبِىُّ ﷺ عَلَى نَفَرٍ مِنْ أَسْلَمَ يَنْتَضِلُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «ارْمُوا بَنِى إِسْمَاعِيلَ، فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا، وَأَنَا مَعَ بَنِى فُلَانٍ». قَالَ فَأَمْسَكَ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ بِأَيْدِيهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَا لَكُمْ لَا تَرْمُونَ». فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَرْمِى وَأَنْتَ مَعَهُمْ قَالَ «ارْمُوا وَأَنَا مَعَكُمْ كُلِّكُمْ». طرافاه ٢٨٩٩، ٣٥٠٧ تحفة ٤٥٥٠
١٤ - باب قِصَّةِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ﵉
فِيهِ ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .