أي أن المسجدَ وأن بُنى للصلاة لكن العلمَ والفتوى أيضًا من أمور الآخرة (١)، فيجوز أيضًا. والقضاء أيضًا يجوز عندنا دون الشافعي رحمه الله تعالى، لأنه ذكر وإقامةُ الحدِّ لا يجوز أنه من المعاملات، ويجوز تعليمُ الأطفال إذا لم يأَخذ عليه أجرًا.
١٣٣ - قوله: (إن رجلًا قام ... الخ) خرج من المدينة يوم السبت وبيَّنَ مسائل الميقاتِ يوم الجمعة قبلَ السفر.
قوله: (يهل من ذي الحليفة) وفي «الموطأ» لمحمد أن المدني لو مر على ذي الخليفة وأحرم من الجُحفَة لا يكون جنايةً، فدل على أنه إذا أحرمَ من أبعدِ الميقاتين فلا جناية عليه بمروره على أقربه بدون الإِحرام، وهذه مسألةٌ لم تذكر في عامة كتب الفقه.
قوله: (ذات عرق) قال الشافعية: إنها وقتها الفاروقُ الأعظم ﵁. وقلنا: بل وقتها النبي ﷺ من قبل، غير أنه اشتهر في زمن عمر ﵁، لأنه ظهرت الفتوح في زمنه وانتشرَ المسلمون في البلاد.
٥٤ - باب مَنْ أَجَابَ السَّائِلَ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَأَلَهُ
١٣٤ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى ذِئْبٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . وَعَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ فَقَالَ «لَا يَلْبَسِ الْقَمِيصَ وَلَا الْعِمَامَةَ وَلَا السَّرَاوِيلَ وَلَا الْبُرْنُسَ وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ الْوَرْسُ أَوِ الزَّعْفَرَانُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا تَحْتَ الْكَعْبَيْنِ». أطرافه ٣٦٦، ١٥٤٢، ١٨٣٨، ١٨٤٢، ٥٧٩٤، ٥٨٠٣، ٥٨٠٥، ٥٨٠٦، ٥٨٤٧، ٥٨٥٢ - تحفة ٨٤٣٢، ٦٩٢٥ - ٤٦/ ١
أي لا حرج فيه، بل هو من المحسنات. وإنما تعرَّضَ في الجواب إلى ذِكرِ ما لا يجوز ولم يتعرض إلى ذكر الجائزات لكونه أخضَرَ وأنفع.
١٣٤ - قوله: (القميص) والضابطة فيه: أن كلَّ ثوبٍ مخيطٍ مُستمسِكٍ على الجسد بدون شد ولا يَلبَسه المحرمُ، وإن لم يجد الإِزار يجوزُ السراويل ويتخذه إزارًا، وإذا لم يجد النَّعلين يقطعُ الخفَّ أسفل من الكعبين. وقال الحنفية رحمهم الله تعالى: الممنوع في الإِحرام الطيب، وفي الإِحداد الزِّينة. وراجع المسائل من الفقه.
...
стр. 247
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٤ - كتاب الوُضُوء
١ - باب مَا جَاءَ فِى الْوُضُوءِ
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦].
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَبَيَّنَ النَّبِىُّ ﷺ أَنَّ فَرْضَ الْوُضُوءِ مَرَّةً مَرَّةً، وَتَوَضَّأَ أَيْضًا مَرَّتَيْنِ وَثَلَاثًا، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ثَلَاثٍ، وَكَرِهَ أَهْلُ الْعِلْمِ الإِسْرَافَ فِيهِ وَأَنْ يُجَاوِزُوا فِعْلَ النَّبِىِّ ﷺ .
الوضوء: هو الصفاءُ. والنُّور لغةً. وقد أخبرت الشريعة بِوَضاءَة أعضاءِ الوضوءِ في المحشر.
قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ قالوا: معناه إذا قمتم إلى الصُّلاة وأنتم محدِثون. ولا أقولُ بالتقدير بل أقول: معنى الأمر بالوضوء لمن كان محدثًا بالوجوب وإلا فعلى الاستحباب. ويجوز عندي دخول الفَرْضِ والمستحب تحت لفظٍ واحد وليس بمجاز. وإذا صح إطلاق الوُضُوءِ والصَّلاةِ على الفرض والمستحب فأي بأسٍ في إطلاق المشتقِ عليهما.
والعجب من الرَّازي في «المحصول» حيث قال: إنَّ الصلاة حقيقةٌ في الفريضة ومجاز في النافلة. قلت: كلا، بل الحقيقة والمسمَّى في الصورتين واحدةٌ، وإنما الاختلاف بحَسَب الأوصاف وهي من الخارج، فينبغي أن يميز بين الشيءِ وأوصافِه الطارئة من الخارج. وإذا كانت حقيقتُها في الصورتين واحدة لزمَ أن يصحَّ إطلاق اللفظ عليهما حقيقة أيضًا.
ثم إنَّ الشريعة لم توجب عبادةً إلا وُضِعَ من جنسها نفلًا، وفي الفقه أن النذرَ إنَّما ينعقدُ فيما يكون من جنسِهِ واجب، فعُلم أن كلَّ نفلٍ من جنسه واجبٌ أيضًا، ومع هذا ذهب الرازي إلى أن لفظ الصلاة مجازٌ في التطوع. ثم كونُ الأمر للوجوب أيضًا لم يتحقق عندي، بل هو مشترك عندي كما هو رأى الماتُرِيدي، وراجع لتفصيله رسالتي «فصل الخطاب في مسألة الفاتحة خلف الإِمام». ثم إن هذه الآية وإن كانت آخرها نزولًا لكنها مما تقدم حكمها. أقول: وفي «سيرة محمد بن إسحاق» (١) أن جبرائيل ﵇ لما نزل بخمس آياتٍ من أوائل اقرأ، علَّمه
стр. 248
الوضوءَ والصلاتين أيضًا، ومرَّ عليه الشيخ ابن حجر المكي الشافعي في «شرح المشكاة» وحسَّنه. قلت: وفي إسناده راوٍ تُكِلِّمَ فيه.
وَجْهُ القِراءتين في آيةِ الوضوء
على نحو المذهب المختار بعد إمعانِ نظرٍ، وإِعمال فكرٍ، وحَذَاقةٍ في الفنون العربية.
قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ استدل بها الشيعة على جواز المسح بالأرجل على قراءة الجر، وهم لا يجوزون المسحَ على الخفين مع كونه مواترًا وتصدى لجوابهم علماءُ الأمة منهم: ابن الحَاجب والتَّفْتَازاني في أواخر «التلويح» وابن الهُمَام وآخرون.
وما فتح الله عليَّ في بيان وجه قراءة النصب: هو أن قوله وأرجلكم بالنصف مفعول معه وليس عطفًا، وفرق بين واو العطف والتي للمفعول معه، فإِن العطف لبيان شَرِكة المعطوفِ والمعطوفِ عليه في أمر، نحو جاءني زيد وعمر، ومعناه: أنهما مشتركان في المجيء. وإن قلنا: وعمرًا بالنصب فمعناه بيان مصاحبتهِ مع زيد في الجملة. أمَّا إنها في الفعل خاصة أو في أمر آخر، فأمر مَوْكُولٌ إلى الخارج على حد قولهم: إذا خلى وطبعه ولا يدل على الشركة أصلًا، وإن لزمتْ في بعض المواد فمِنْ تلقاءِ المادةِ لا من تلقاءِ المدلول. ثم المصاحبة معناها المقارنة: وهي قد تكون في الزمان كقولهم: جاء البَردُ والجُبَّاتَ بالنصب ليس معناه أن الجباتَ اشتركت في المجيء مع البرد وأن الجائي هو البرد والجبات، بل معناه أن الجائي هو البرد، ثم له مصاحبة مع الجبات مصاحبة زمانية. وأما إنه في المجيء أو الخياطة مثلًا فهو أمرٌ خارج عن مدلول المفعول معه.
والمعنى: جاءَ البردُ وخِيْطت الجُبَّات في زمانه، فصاحَبَها زمانًا، ولو كانت في الخياطة فجاء هذا وخيط هذا. وهذا أيضًا نوعٌ من المُصَاحبة. وقد تكون المصاحبة في المكان كقولهم: سرت والطريق، ليس معناه أن الطريق أيضًا سار كما سار المتكلم، فلا دَلالة فيه على الشَرِكة في الفعل، فإِنه لم يُسند السيرُ إليه، بل معناه أن السائر هو المتكلم، لكن الطريق قارنَهُ وصاحبهُ وبقي معه في آخر سيره، فكان مُصاحبًا له مصاحبةً مكانية. وقد تكون بهما نحو قولهم: سرت والنيل، إذا اعتبرت جريَ الماء معك ساعة.
وهناك أمثلة أخرى. منها قولهم: لو تركت الناقة وفَصِيلتَها لرضعتها، ليس معناه أن التركَ واقعٌ على الناقة والفصيلة كلتيهما، ليكون من باب العطف ولاشركة، بل معناه: لو تركت الناقة فقط وبقيت معها معاملة للفصيلة لرضعتها، كقوله تعالى: ﴿ذَرْنِى وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١)﴾ [المدثر: ١١] لا يريد الشركةَ في الفعل، بل معناه ذرني فقط ثم انظر ماذا أفعلُ بهم. ونحو قول الشاعر:
*وكنتُ ويحيى كَيَدي واحدٍ ... نرمي جميعًا ونُرامي معًا
لا يريد الشاعرُ الشركةَ في الكون فإِنه ليس بشيء، بل معناه كنت ويحيى مصاحبًا معي، فالمراد هذا المجموع ثم كونهما كيدي واحد. وكقول الآخر:
*فكونوا أنتمُ وبني أبيكم ... مكان الكُليتين من الطِّحال
стр. 249
وإنما قَطَعَه الشاعرُ عن إعراب ما قبله ونَصَبَهُ إعراضًا عن الشركة وإفادةً للمصاحبة كما قرره الرَّضي في قوله:
*للبْسُ عَباءَةٍ وتَقَرَّ عيني ... أحبُّ إليَّ من لُبْس الشُّفُوفِ
فإِنه صرَّح أن نصبَ المضارع للقطع عن العطف ولإِفادة المصاحبة، وهو «واو» الصرف عندهم لصرفه عن حقيقتها التي هي العطف، لأن الشاعر إنما أراد أن لُبْسَ العباءةُ مُصَاحبًا مع هذا أحبّ إليه، يعني هذا المجموع أحبّ إليه؛ ولا يريدُ أن هذا محبوبٌ وهذا أيضًا محبوب. ومرَّ عليه ابن هشام «في المغني» وقال: إن بعضهم أضافوا قِسمًا آخر وسمَّوه «واو» الصرف كما في الشعر للبس عباءة الخ. ثم قال: ولا حاجة إليه، فإِنَّا نقدرُ الناصبَ ونقول: ولَلُبسُ عَبَاءةٍ وأن تَقرَّ عيني ... إلخ. قلت: وليس الأمرُ كما زعمه لفسادِ المعنى. والوجه ما ذَكَره الرَّضي.
ومن ههنا تبينَّ أن «الواو» في قوله تعالى: ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِى الاْرْضِ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ١٧] ليس للعطف. ومعناه: أن الله إن أراد أن يُهلِكَ المسيحَ ابن مريم مع كون أمه ومن في الأرض في حمايته لا يملكُ أحدٌ أن ينقذه من الله. وليس الإِهلاك ههنا واقعًا على هؤلاء جميعًا، لأن المقصود هو إظهارُ القُدرةِ على إهلاك مَنْ جُعل إلهًا من دون الله وافترى عليه بالألوهية، ولو كان هؤلاء أعضاد آله، لا إهلاكُ من في الأرض.
والفرق بين إهلاكِ المسيح ﵇ في حال مُصَاحبةِ جميع مَنْ في الأرض وحمايتهم إياه وإهلاك جميع مَنْ في الأرض غير خفي، فإِن في الإهلاك الأول قوةً ليست في الثاني، فهو على حد قوله: ﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءانِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء: ٨٨] فعجزُهم في حال المظاهرة أبلغُ من عجزهم في غير هذا الحال، فكذلك إهلاكُ جميع مَنْ في الأرض، وإن كان دليلًا على قُدرته على إهلاكِهِ أيضًا، إلا أن إهلاكه، مصاحبًا جميع من في الأرض إياه، أدلُّ على قدرته من إهلاكه في غير هذا الحال، فإن القدرةَ في صورة إهلاك الجميع ضِمنني بخلافه في تلك الصورة.
والحاصل: أن المسوقَ له في هذا الموضع هو بيانُ إهلاك من اتخذوه إلهًا وهو يَتِم بالمفعول معه ما لا يتم بالعطف كما علمت. وعلى هذا صارت الآيةُ قاطعةً قاهرةً على من تفَّوَه بوفاة المسيح وتمسكِ بهذهِ الآية، ودلت كالشمس في رَابعة النهار على أنه لم يمت وأنه حيٌ بعد. وأنه تعالى لو أراد إهلاكَه لم يَمْنعه أحدٌ، فعُلِم أنه لم يَهلِك، ولو كان هَلَكَ لكان ذِكْرُ هلاكِهِ أحرى من بيان القدرة فقط. ولمَّا لم يذكره مع داعيةِ المقام، عُلِم أنه لم يهلكِ بعد، وإلا لكان هلاكُه أفحَم للنصارى.
ولكن الله سبحانه انتقل من بيان الهَلاك إلى بيان قدرتِهِ ثُمَّ صرَّحَ عليه في النساء وقال: ﴿وَإِن مّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩] فأعلن أنه لم يَمتُ ولو كان ماتَ لكرره في ردِّ الألوهية، مع أنَّه ذكر مخاضَ والدته وكونُه مولودًا كسائر الناس، إلا أن وِلادَتَه لما كانت بالنفخ على خلاف ولادة عامة الناس، نبَّه على هذا الأمر البديع، ليُعلِم أن الإِنسانَ لا
стр. 250
يصيرُ إلهًا بكونه منفوخًا ومخلوقًا من غير الطريق المعروف، إنما هو إله يخلق كيف يشاء. ولذا جاءت تحمِلُه على يديها ليراه الناسُ أنه وُلِد كما يولد الناس؛ فانظرْ كيف ذَكَرَ وِلادتَه على أتم تفصيل، ولم يذكر وفاته ولو إيماءً مع كونه أدلُّ وأقطعُ لحجة الخصم، فهذه الآية حجة قوية لا يأتيها الباطلُ من بين يديها ولا من خلفها إن شاء الله تعالى.
وإذا تحصَّلت الفرق بينهما، فاعلم أن قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالنصب مفعولٌ معه، وليس لإِفادة الشَّركة. والمعنى: أن للرجلِ معاملة مع مسح الرأس، أما إنها معاملةُ المسح أو الغسل فهو مسكوت عنه.
ثم أقول: إن «الواو» قد لا تكون للشركة في الحكم وتجيء للمصاحبة فقط مع اشتراكها في الإِعراب وأُسَمِّيها واو المعية. واستنبطته من كلام الرَّضي في قوله: لَلُبْس عبادةٍ ... إلخ، وعلى هذا أمكنَ «الواو» في قراءة الجر أيضًا للمصاحبةِ دون إفادة الشركة. والحسنُ فيه أن الآيةَ جَعَلت الوجهَ واليدينِ في طرف، والرأس والرجل في طرف آخر، لأنهما نوعان يشتركان في بعض الأحكام ويختصانِ ببعضٍ آخر، كسقوط الرأس والرجل في التيمم. وأشار إليه ابن عباس ﵁، ولعله في «الفوز الكبير» أن الوجهَ واليدَ مغسولان ويُعتبران في التيمم، والرأسَ والرِّجلَ قد يسقطان في حكم الغسل، فلهذين حكمٌ ولهذين حكم، ولذا جُمعا في الآية عند بيان المسح.
وفي تذكرة قديمة عندي أن اليد والوجه مغسولان في الأقوال كلها، بخلاف الرجل والرأس، فإن الشريعةَ تفردت ببيان وظيفتهما. وانحل به ما تعسَّر عليهم من قول ثُمَامة عند البخاري: آمنت مع محمد ﷺ فَفَهِمَ منه الشارحون أنه آمن معه مَعِيةً زمانية وليس بصادق، فاضطروا إلى التأويلات، ومراده أن ابتداءَ إيمانه قَارن وصَاحب مع بقاء إيمان محمد ﷺ فصحت المعيةُ، ولهذا الضيق استُشكَلت عليهم آية آخرى وهي: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ [الصافات: ١٠٢] وقالوا: إن «مع» يتعلق بالسعي لا بقوله: «بلغ».
والحاصل: أن المعيةَ والمصاحبةَ تصدُقُ بالاقتران في الجملة، لا كما فهموه. وعند البخاري يكفيك الوجهَ والكفين بالنصب أيضًا من هذا الوادي، فإِنه مفعولٌ معه، فإِنه أدار الحكمَ على هذا المجموع ولم يُرد أن يحكمَ على كل واحدٍ على حدة.
ثم اعرف الفرق (١) بين قوله: ﴿وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ﴾ وقولنا: وامسحوا رؤوسكم بدون الباء
стр. 251
وهو الظاهر، لأن المسح متعدٍ بنفسه ومثل قوله: أوتره وأوتر به، وقرأ الفاتحة وقرأ بالفاتحة. وتعرض إليه الزمخشري تحت قوله تعالى: ﴿وَهُزّى إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: ٢٥] مع كون الهز متعديًا بنفسه. وسنقرر عليه الكلام مفصلًا إن شاء الله تعالى في باب الوتر. وجملة الفرق هاهنا أنه لو قيل: وامسحوا رؤوسكم لكفي إمرارُ اليد بدون الماء أيضًا عن عهدة المسح، لأنه لا تعتبر فيه البِلة لغةً، فإِذا اعتبرت فيه المعهودية الشريعية، وهي إمرار اليد المُبتلة، صار لازمًا واحتاج في تعديته إلى الباء.
وحينئذ معنى قوله: ﴿وَامْسَحُواْ﴾ أي افعلوا فعل المسح، يعني المسح المعهود، فاقتصر على ما كان باليد المبتلة. ولعل العربَ لمَّا لم يكونوا يعتمُّون في عامة أحوالهم، جاء القرآن على عرفهم إذ ذاك وقال: ﴿وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ﴾ ولم يتعرض إلى العِمَامة، ولذا عامةُ رواياتِ وضوئه ﷺ خاليةٌ عن ذكر المسح على العِمامة، ومتى كان معتمًا تعرض هناك الراوي، كما عند أبي داود في بيان صفة المسح أنه مسح ولم يَنْقُض العِمامة.
ثم إنه لا إجمالَ في الآية عندي في باب المسح كما قرره علماؤنا. والإقتصار على الربع، إنما هو لأنه لم يثبت عنه ﷺ دونه، ولو ثبت عنه ﷺ دون الربُع لقلنا بفرضيته، وبفعله علمنا أن الفرضَ هو الربع، ولو كان الفرضُ هو الكلَّ لما تنزل إلى الربع، وكذلك لو كان الفرض دون الربع لتنزل عنه بيانًا للجواز، فإِذا اقتصر على الربع ثم لم يتنزل عنه، ثبت أن هذا القدرَ هو الفرضُ. ولا شكَّ أن مذهبنا هو الأحوط في هذا الباب، حتى أن بعض الشافعية أيضًا أَقرُّوا بذلك.
قوله: (قال أبو عبد الله) ... إلخ وظني أن المصنف ﵀ انتقلَ إلى بيان مسألةٍ أُصولية، وهي أن الزِّيادةَ بخبر الواحد تجوز. ولذا بيَّن النبي ﷺ قَدْر الفرض مع عدم ذكره في القرآن، وقد مر منا تحقيقه في المقدمة فراجعه.
وحاصل المسألة عندنا: أن الزيادةَ بالخبر إنما تمتنعُ في مرتبة الرُّكنية والشرطية، أما في مرتبة الوجوب أو الاستحباب فلا (١)، ولعل نظرَ الشافعية في أمثال هذه المواضع أن الحكم إذا كان قطعيًا بنفسه لا تؤثر فيه ظنية الطريق، فخبر الواحد وإن كان ظنيًا في نفسه إلا أنه طريقٌ لبلوغ الحكم القطعي إلينا فقط، فلا يكونُ مؤثرًا في الحكم. ونَظَر الحنفية أن خبرَالواحد وإنْ كان طريقًا لعلم الحكم، لكنه لازمٌ ولا انفكاك عن هذا الطريق الظني في تحصيل هذا الحكم القطعي. وإذا امتنع انفكاكُ طريق العلم عن الحكم وَجَبَ أن يُؤَثِّر فيه. ولم تصح مراعاة الحكم في نفسه، فظنية الطريق تسري إلى الحكم لا محَالة وتجعله ظنيًا البَّتة.
стр. 252
وبعبارة أخرى: أن الشافعية ذهبوا إلى التجريد ونظروا إلى الحكيم في نفسه بدونِ ملاحظةِ حال الطريق، والحنفية لاحظوا الحكم وطريقُه، فلم يمكن لهم أن يحكموا على المجموع إلا بالظنية، فإِن النتيجةَ تتبع الأخسَّ الأرذل. وبعبارة أخرى: أن الشافعية جعلوا القرآنَ كالمتن والحديثَ كالشرع، فأخذوا المراد من المجموع، ونحن أخذنا القرآن أولًا ثم أَوجبنا العمل بالحديث ثانيًا، فوضعنا هذا في مرتبتة وبعبارة أخرى أن الحنفيةَ يتخذون السبيل هو القرآن، إلا أنه لما ورد الحديثُ فيما سكت عنه القرآن يُخرِّجون له صورة العمل ويعملون به أيضًا، فكأنهم جعلوا حالَ القرآن مع الحديث كحالِ ظاهر الرواية مع النَّوادر.
ومما يتعلقُ بموضوعنا هذا مسألةُ النَّسخ والتَّخصيص، والشيءُ بالشيءِ يُذكر. فاعلم أن المنسوخَ بعد نزول الناسخ يبقى قطعيًا عندنا، بخلاف التخصيص فإِنه يَجعلُ العام ظنيًا. ووجه الفرقِ أن المخصَّصَ يُصاحبُ العام زمانًا، فكأنه لم ينعقد حجةً بعدُ حتى لحقه المخصَّصَ فأخرج عنه أفرادًا، فيخطرُ بالبال خروج الأفراد الأُخر أيضًا لعلة مشتركة هناك. بخلاف الناسخ فإِنه يتراخى عن المنسوخ زمانًا، فينعقدُ حجةً، فإِذا نزل الناسخ وكان المنسوخُ محكمًا إذ ذاك وحجة، لم يؤثر فيه. وعليه يتفرع منعُ تعليل الناسخ دون المخصَّص، لأن تعليلَ الناسُ يستلزمُ أن يجوزَ إخراج أفرادٍ أُخرَ أيضًا، مع أن النصَّ لم يخرج إلا أفرادًا معلومة، فيلزم المعارضة بالنَّص بخلاف المخصص.
٢ - باب لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ
قد يُتخايل أن نفي القَبولِ لا يستلزمُ نفي الصحة. فقال قائل: إن القبولُ يطلق على معنيين: الأول: ما هو المعروف. والثاني: ما يرادف الصحة. قلت: بل هو ضِدُّ الرد، فمنعناه أن الصلاةَ بدون الطهور مردودة ولا حاجة إلى التقسيم، لأنه انعقد الإِجماعُ على أن الطهارة شرطٌ لصحة الصلاة. نعم، في صلاة الجنازة وسجدة التلاوة بعض شذوذٍ، فعند البخاري عن ابن عمر ﵁: أنَّه لا يسجدها على غير وضوء، إلا أن في الحاشية للشيخ أحمد علي السهارنفوري نقيضُه. أنه كان يسجدها على وضوء، فتردد فيه النظرُ أيضًا.
أما في صلاة الجنازة فقد ذهب بعضهم إلى جوازها بدون طهارة. ولعل الوجهَ عنده خفاءُ لفظ الصَّلاة في صلاة الجنازة. والخفاءُ إنما يكون لنقص في المسمَّى أو زيادة فيه، فإِذا نَقَصَ شيءٌ من المسمَّى أو زاد فيه، يتردد فيه أنه بقي داخلًا في مسماه أو خرج عنه، كما قالوا في الطَّرَّار والنَّبَّاش: إنَّ الفظَ السارق خفيٌ فيهما، وكذلك ههنا خفيَ إطلاقُ الصلاةِ على صلاة الجنازة وسجدةِ التِّلاوة لمعنى النقص فيهما. أما سجدة التلاوة فظاهرٌ. وأما صلاة الجنازة فلعدم اشتمالها على الركوع والسجود.
وذهب الفقهاءُ الأربعة والجمهور إلى أنها داخلة في مسمَّى الصلاة، وسجدة التِّلاوة من
стр. 253
أخصِّ أركان الصلاة، فينبغي أن يشترطَ لها ما يشترط للصلاة. وما نُسب إلى مالكٍ رحمه الله تعالى من أن الصَّلاةَ بدون الطهور جائزة عنده فهو باطلٌ (١).
١٣٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِىُّ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ». قَالَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ مَا الْحَدَثُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ فُسَاءٌ أَوْ ضُرَاطٌ. طرفه ٦٩٥٤ - تحفة ١٤٦٩٤
١٣٥ - قوله: (ما الحدث) ولمَّا كان السؤالُ عنه حَال كوِنهِ في المسجد أجابَه: بالفُساء والضُّراط، لأنه قلَّما يقع في المسجد إلا هذان. ثم الحدثُ في المسجد عمدًا مكروه تحريمًا عندنا. وفي قول تنزيهًا كما في «شرح المُنية». وفي «طبقات المالكية»: أنه حرامٌ بتًا. والمعتكِفُ مستثنى عندي لمكان الضرورة.
فائدة
وراجع «الخير الجاري» وهو مِنْ تصنيف المُلا محمد يعقوب البمباني المحشي على «مختصر الحُسامي» وشرحه ملخص من العيني «والفتح». أخذ المطالب في العيني رحمه الله تعالى وأضاف عليه الفوائد في «الفتح» وأكثرُ اشتغالِ أهل الهند كان في الفلسفة والمنطق، وقليل منهم اشتغلَ بالفقه والأصول والحديث. فصنف الشيخ محمد عابد الهندي كتابًا في الفقه وكذا «فتاوي إبراهيم شاهي»، و «مجمع سلطاني»، «وخاقاني»، وليست بشيء ونحوها مطالب المؤمنين لعالِمٍ من لاهور، وقد بقي الاشتغال بالحديث في سلسلة الشاه ولي الله رحمه الله تعالى إلى ثلاثة أسباطٍ ثم انعدم.
٣ - باب فَضْلِ الْوُضُوءِ، وَالْغُرُّ الْمُحَجَّلُونَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ
١٣٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ خَالِدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى هِلَالٍ عَنْ نُعَيْمٍ الْمُجْمِرِ قَالَ رَقِيتُ مَعَ أَبِى هُرَيْرَةَ عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ، فَتَوَضَّأَ فَقَالَ إِنِّى سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ «إِنَّ أُمَّتِى يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ». تحفة ١٤٦٤٣
والفضلُ ههنا بمعنى الفضيلة، وما بقي لا بمعنى الفضيلة فقط. واعلم أن الصلاة كانت في بني إسرائيل أيضًا. وعند النَّسائي: أنه فرضت عليهم صلاتان، لا كما في البيضاوي أنَّها كانت خمسين. وإذا ثبتت فيهم الصلاة فالأقربُ أن يكونَ الوضوءُ أيضًا. وقد ثبت في البخاري وضوء
стр. 254
سارة. وعند الترمذي: «هذا وُضُوئي ووضوء الأنبياء مِنْ قبلي» فثبتَ الوضوء في الأمم السالفة في الجملة.
وإذا اشتركَ الوضوءُ بيننا وبين الأمم، فما وجه اختصاص التحجيل بهذه الأمة؟ ولقائل أن يقول: إنَّ وضوءنا أكثر من وضوئهم، فإِنه فرض علينا خمسَ صلوات في اليوم والليلة، فازداد وضوءنا على وضوئهم. وقال قائل: إن التَّحْجيل والعُزَّة بسبب الإِطالة، ولعلها لم تكن في الأمم السالفة. قلت: وعلى هذا ينبغي أنَّ مَنْ لا يطيلَ غرتَه وتحجيلَه من هذه الأمة لا يحصلُ له نفسُ التحجيل والغرة يوم القيامة، مع أنَّ الأمرَ عندي: أن نفس التحجيل من آثار نفسِ الوضوء وإطالتُها من إطالته، فكون التحجيل من آثار الإِطالة غير مُسُلَّم عندي.
ولم أجد في هذا الباب مع تتبُّع بالغٍ غيرَ ما في «حِلْية الأولياء» لإ لأبي نُعيم في صفات هذه الأمة: «متوضئين الأطراف». وفي التَّوراة: أني أجد في الألواح أمةً حمَّادين متوضئين ... فاجعلها يا رب أمتي. وفي الدَّارمي عن كعب قال: «نجده مكتوبًا محمد رسول الله ﷺ لا فظٌ ولا غليظٌ ولا صخَّابٌ في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، وأمته الحمَّادون، يكبرون الله على كل نَجْدٍ، ويحمدونه في كل منزلة، ويتأزرون على أنصافهم، ويتوضئون على أطرافهم، مناديهمُ ينادي في جو السماء، صفُّهم في القتال وصفهم في الصلاة سواء، لهم بالليل دَويٌّ كدوي النحل، ومولده بمكة، ومهاجره بطَيْبة ومُلكه بالشام. اهـ.
فعَلِمت أنَّ لوضوء هذه الأمة اختصاصاتٌ ليست في الأمم الماضية، فلذا صار وضوءُنا وصفًا مشتهرًا بنا. وظني أن الوضوءَ في الأمم السالفة كان على الأحْدَاث، بخلاف هذه الأمة فإِنَّه عند الصلوات أيضًا، وهو معنى قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلوةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] فالمطلوب من هذه الأمة الوضوء عند كل صلاة وإن لم يكن واجبًا، لا عند الأحداث فقط.
ولذا لا أقدِّرُ فيها: وأنتم مُحدِثون كما قدروه، فإِنه يختفي به رضا الشارع، وهو الوضوء لكل صلاة. وعند أبي داود: أنَّ رسول الله ﷺ أمر بالوضوء عند كل صلاة طاهرًا أو غير طاهر .. فكان ابن عمر رضي الله تعالى عنه يَرى أنَّ به قوةً فكان يتوضأ لكل صلاة: فهذا دليل واضحٌ على أن المطلوبَ والمرضيَّ هو الوضوء عند كل صلاة، لا عند الأحداث فقط. واستحبه فيها فقهاؤنا أيضًا (١).
стр. 255
وبالجملة إذا عَلِمْت أن الغُرَّة والتحجيل من خصائص هذه الأمة، فإِذًا لا التباس بينها وبين الأمم السَّالفة، فإنَّ كل أمة تقوم مع نبيها، وإنَّما يحصلُ الالتباسُ لمن لم يكن يتوضأ من هذه الأمة، فإِنه لا تكون له هذه السيماء، فلعلهم يُحرَمُون عن الكوثر. فمن كان له شَغَفٌ ببيانِ الحِكَمِ في الأحكام الشرعية، فهذه حكمة الوضوء.
وقد تكلم الناسُ في حكمة مسح الرأس وكلها لا تستندُ إلى رواية. وقد تبيَّن لي روايةٌ في هذا الباب أخرجها المُنذري في «الترغيب والترهيب» وحاصلها: أنَّ من كان مسح رأسَه في الدنيا لا يكون أشعثَ يوم القيامة، ويكون رأسُه ساكنًا، وأمَّا غيره فيكون أشعثَ الرأس.
وقد صنَّفَ العلماء في بيان الحِكم تصانيفَ منها: «القواعد الكبرى» للشيخ عزّ الدين الشافعي رحمه الله تعالى، وقِطعة منها موجودة عندِي ومنها: «حجة الله البالغة» للشَّاه ولي الله رحمه الله تعالى وغيرهما. ثم في الفقه إنّ إطالة التحجيل إلى نصف السّاق ونصف السّاعد. ولا أدري في الغرة غير ما عند أبي داود عن علي رضي الله تعالى عنه: «أنَّه توضأ حتى إذا فرغ من وضوئه أخذ غَرْفة من ماء وأفاضه على ناصِيتَهِ، حتى استنّ الماء على صدره ولحيته» واستشْكَلَ عليهم شرحه، فإِنّه في الظاهر زيادةٌ في المِرَار وهو ممنوع، فشرحه بعضهم أنه كان للتبريد أو غير ذلك. وعندي أنّه كان لإِطالة الغرة والله تعالى أعلم بالصواب (١).
٤ - باب لَا يَتَوَضَّأُ مِنَ الشَّكِّ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ
١٣٧ - حَدَّثَنَا عَلِىٌّ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ حَدَّثَنَا الزُّهْرِىُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَعَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ أَنَّهُ شَكَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الرَّجُلُ الَّذِى يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ
стр. 256
الشَّىْءَ فِى الصَّلَاةِ. فَقَالَ «لَا يَنْفَتِلْ - أَوْ لَا يَنْصَرِفْ - حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا». طرفاه ١٧٧، ٢٠٥٦ - تحفة ٥٢٩٦، ٥٢٩٩
وفصَّل المالكيةُ فيما إذا شكَّ في الصَّلاة في الوضوء وبعد الوضوء، وذكروا له حكمًا حكمًا. وأما عندنا فالأمر كما في الفقه.
١٣٧ - قوله: (حتى يسمعَ صوتًا) ... إلخ كنايةٌ عن تيقنِ الحَدَث، وإليه أشار البخاري في الترجمة وقد استوفينا الكلام في الفَرْق بين الكناية والمجاز في المقدمة، وهو مهمٌ فراجعه، وسيجيء أبسط منه في الشرح.
٥ - باب التَّخْفِيفِ فِى الْوُضُوءِ
١٣٨ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو قَالَ أَخْبَرَنِى كُرَيْبٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَامَ حَتَّى نَفَخَ ثُمَّ صَلَّى - وَرُبَّمَا قَالَ اضْطَجَعَ حَتَّى نَفَخَ - ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى.
ثُمَّ حَدَّثَنَا بِهِ سُفْيَانُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ عَنْ عَمْرٍو عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ بِتُّ عِنْدَ خَالَتِى مَيْمُونَةَ لَيْلَةً، فَقَامَ النَّبِىُّ ﷺ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا كَانَ فِى بَعْضِ اللَّيْلِ قَامَ النَّبِىُّ ﷺ فَتَوَضَّأَ مِنْ شَنٍّ مُعَلَّقٍ وُضُوءًا خَفِيفًا - يُخَفِّفُهُ عَمْرٌو وَيُقَلِّلُهُ - وَقَامَ يُصَلِّى فَتَوَضَّأْتُ نَحْوًا مِمَّا تَوَضَّأَ، ثُمَّ جِئْتُ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ - وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ عَنْ شِمَالِهِ - فَحَوَّلَنِى فَجَعَلَنِى عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ صَلَّى مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ اضْطَجَعَ، فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ، ثُمَّ أَتَاهُ الْمُنَادِى فَآذَنَهُ بِالصَّلَاةِ، فَقَامَ مَعَهُ إِلَى الصَّلَاةِ، فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. قُلْنَا لِعَمْرٍو إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَنَامُ عَيْنُهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ. قَالَ عَمْرٌو سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ رُؤْيَا الأَنْبِيَاءِ وَحْىٌ، ثُمَّ قَرَأَ ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢]. أطرافه ١١٧، ١٨٣، ٦٩٧، ٦٩٨، ٦٩٩، ٧٢٦، ٧٢٨، ٨٥٩، ٩٩٢، ١١٩٨، ٤٥٦٩، ٤٥٧٠، ٤٥٧١، ٤٥٧٢، ٥٩١٩، ٦٢١٥، ٦٣١٦، ٧٤٥٢ - تحفة ٦٣٥٦ - ٤٧/ ١
يريدُ به ضبطَ الغُسل في الوضوء شيئًا، وهو عسيرٌ، فأتىَ بلفظ التخفيف. وهو قد يكونُ باعتبار المياه، وقد يكون بحسب المِرَّار.
١٣٨ - قوله: (نام حتى نفخ) والمراد من النوم، إمَّا نومُه خلال الصَّلاةِ النافلة، أو بعد الفراغِ عنها قبل سُنّة الفجر، وهو الظاهر.
قوله: (توضأ من شن معلق) قال الحافظ: ولم يَغْسل النبي ﷺ يديه في هذا الوضوء. والمراد من غسل اليدين هو ما يكون إلى الرُّسغين في ابتداء الوضوء؛ ولا أدري من أين أخذه الحافظ رحمه الله تعالى.
قوله: (وضوءًا خفيفًا) والتخفيف في إسالة الماء والتقليل في المِرار. وقد ثبت عند مسلم أن النبي ﷺ توضأ في تلك الليلة مرتين: مرة بعد ما أتى حاجته وأراد أَنْ ينامَ ولم يَغْسلْ فيه غير الوجه واليدين، ومرة أخرى حين قام إلى الصَّلاة، ولا أدري أي الوضوءين هو؟ ولعل التخفيفَ
стр. 257
والتقليل راجع إلى الوضوءِ الأول، وترجمة المصنَّف رحمه الله تعالى ناهضةٌ على كِلا التقديرين. وعُلِم من هذا الحديث نوعٌ آخرَ من الوضوء، وهو بغسل اليدين والوجه فقط. وإنَّما حدث هذا النوعُ من صنيع القرآن، حيث أشار إلى المصاحبة بين الرأس والرجل، فإِذا سقط أحدهما في وضوءِ النَّوم سقط الآخر أيضًا، فانظر كيف انكشفت المصاحبة، وأنَّ لهذين حُكمًا ولهذين حُكَمًا، فإِذا غُسِلَ الوجهُ غُسِلت معه اليدان أيضًا، وإذا تُركت وظيفةُ الرأس تركت وظيفة الرِجْل أيضًا.
ثم اعلم أن ما يأخذه القرآنُ في عُنوانه لا بد أن يكون معمولًا به أيضًا، ولو في أي مرتبة كان، ولا يكون نظريًا وعلميًا فقط كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] فإنه عُنوان عام لم يُردْ به التوجيه إلى كل جهة، ولكنَّه ليس علميًا فقط أيضًا، بل ظهر به العمل في حق النافلة، وكقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]، فإن ظاهره أن تنحصرَ الصَّلاةُ في الذكر، وهو وإن لم يكن معمولًا به في جميع الأحوال، لكنه ليس عقليًا صِرفًا، بل عُمِل به في صلاة الخوف كما نُقِل عن الزهري: أنه إذا تعذَّرت عليه الصلاةُ في الخوف كفى له التكبير. وكما في الفقه أنَّ الحائض تتوضأ وتجلس في وقت صلاتها وتذكر الله . فهذا كله عَمَلٌ بعنوان القرآن ولو في مرتبة.
والحاصل: أنه لا بد لعنوان القرآن أن يبقى معمولًا به ولو في أي صورة وأي مرتبة، ولمَّا جَعَلَ القرآنُ الوجه واليدين في طرف، والرأس والرِجْل في طرف - مع كون الرجل مغسولًا - لا بد أن يظهرَ لهذين حكمٌ خاصٌّ ولهذين أيضًا. وهو الذي ظهر به العمل في النَّوم والتيمم. وما عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه عند مالكٍ في الوضوء للجنابة من مسح الرأس بدون غسل الرجلين، فغير مُسلَّمٌ عندي ما لم يَثْبُت عن النبي ﷺ أنه جمع الثلاثة وترك الرابع، فينبغي أن يُحملَ على الوضوء الكامل، يعني مع غسل الرجلين أيضًا، واختصره الراوي.
قوله: (فحوَّلني فجعلني عن يمينه) وصورته ما عند مسلم فأخذ بيدي من وراء ظهرهِ يعدلُني كذلك من وراء ظهره إلى الشق الأيمن، وهذا يفيدُك في أنَّ الكراهةَ إذا طرأت في خلال الصَّلاة يجبُ رفعُها فيها.
قوله: (ثم صلى ما شاء الله) وقد علمت اختلافَ الروايات فيه.
قوله: (ثم اضطجع) وفيه تصريح بالاضطجاع. واختُلف في كونه بعد صلاة الليل أو بعد سُنَّة الفجر وليس بسُنَّة؛ ومن اضطجع اتباعًا له ﷺ يَحْصُل له الأجر إنَّ شاء الله تعالى، ولكنه ليس من السُنَّة في شيء. وتفرد ابن حزم حيث جعله شرطًا لصحةِ صلاة الفجر، ولا دليل له على ذلك، ولكنَّه إذا أَخَذَ جانبًا شدد فيه.
قوله: (تنام عينه) ... إلخ وهذا مِنْ باب الكيفيات كالكشف، إلا أنَّه في اليقَظَة، والمكشوفُ عليه يرى ما يراه الآخرون في اليقظة. وأما في ليلة التَّعريس فقد أُلقي عليه النَّوم تكوينًا وفي الحديث: «إِني أُنَسَّى لأَسُن».
قوله: (رؤيا الأنبياء وحي) وقد مرَّ مني أنَّ رؤيا الأنبياء أيضًا يَحْتمل التقسيم الثلاثي.
стр. 258
وعلى هذا لا حاجة لي إلى تأويلٍ في قوله: «إنْ لم يكُن من عند الله يمضه» في قِصة رؤياه في عائشة ﵂. وإنَّما أوَّلَها الشارحون لأنهم قَصَرُوا رؤياه على نحوين فقط، فافهم.
قوله: (ثم قرأ: ﴿إِنّي أَرَى فِى الْمَنَامِ﴾) وقد مرَّ الكلام عليه تحت حديث الوحي، فراجعه.
٦ - باب إِسْبَاغِ الْوُضُوءِ
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ: الإِنْقَاءُ.
١٣٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ عَرَفَةَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالشِّعْبِ نَزَلَ فَبَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَلَمْ يُسْبِغِ الْوُضُوءَ. فَقُلْتُ الصَّلَاةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ». فَرَكِبَ، فَلَمَّا جَاءَ الْمُزْدَلِفَةَ نَزَلَ فَتَوَضَّأَ، فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِى مَنْزِلِهِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الْعِشَاءُ فَصَلَّى وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا. أطرافه ١٨١، ١٦٦٧، ١٦٦٩، ١٦٧٢ - تحفة ١١٥
وهو بالتقطير بين الإِسالة والإِسراف، وبالتثليث وبإِطالة الغُرَّة والتَّحْجِيل.
قوله: (ولم يُسِبغْ الوضوء) والمراد منه الوضوء الناقص، أو التقليل في المرات. وكَرِه الفقهاء تَكرَار الوضوء بدون تخلَّلِ عبادة أو تبدُّل مجلس، وقد ذكروه مفصلًا. ولا بأس في تكراره إن كان توضأ وضوءًا كاملًا أيضًا، فإِنَّه تبدل مجلِسُه ﷺ أو يقال: إنه لم يكن أسبغ وضوءَه أولًا، فلما بلغ جمعًا ووجد الماء أسبغَ فيه تحصيلًا لأكمل الطهارتين. وكثيرًا ما نفعل مثله أيضًا، فنكتفي بالقدر الفرضي عند عِزَّة الماء، فإِذًا نجد الماء وتكون فيه سَعة نعيد الوضوء. لا يقال: إنَّ النبي ﷺ لم يكن أدَّى قدر الفرض أَوَّلًا لأنا نقول: إن قول الراوي: الصَّلاة يا رسول الله لا يلائمه، فإِنَّه يدل على أنه كان على وضوء يصح به الصَّلاة فالجواب ما ذكرنا.
قوله: (الصَّلاة أمامك) وأَخَذَ منه الحنفية أن تأخيرَ المغرب في المزدلفة واجبٌ، لأنه أخر المغرب بلا وجهٍ وجيه، فإنَّ الدفع إلى المزدلفة لا يكون إلا بعد غروب الشمس، فإِذا لم يُصلِّ المغرب مع حضور وقتها، عُلِم أن وقتَ تلك الصلاة تحولَ وقتها المعروفِ وصار وقته ووقت العشاء واحدًا في هذا اليوم، وهو معنى قوله: «الصَّلاة أمامك» يعني ليس وقته ههنا. بخلافِ تقديم العصر في عرفة، فإِن، له وجهًا ظاهرًا، فشرطوا له شروطًا وقصروه على مورِد النص ولم يوجبوه، فلا يَجْمع في عرفة إلا من يصلى مع الإِمام بشرائطه. أما في الجُمع فيجمع كل من يصلى منفردًا كان أو مصليًا بالجماعة.
ووجه تقديم العصر وتأخير المغرب ترجيحُ العبادة الوقتية، فإِنَّه لما تعارضت العبادتان الصلاة والوقوف وسَّعت الشريعةُ للوقتية ورجحتها على ما كانت وقتها العمر كله. وفَهِم الحنفية أنَّ هذا الجمع ليس أمرًا بديعًا، بل هو على شاكلته المعروفة، فحملوه على الجمع للسفر وأنكره الآخرون وحملوه على الجمع للنُسُك.
стр. 259
ثم مِنْ مسائل الجمع الثاني أنه لو صلى أحدٌ المغربَ في عرفة يُعيدها قبل طلوع الفجر من يوم النَّحر، فإِن لم يعدها حتى طلع الفجرُ فإِنَّه لا يُعيدها بعده. وهذه المسألة أيضًا من فروعِ مسألة جوازِ الزيادة بالخبر، فإِنَّه ثبت بالنص القاطع أداءُ الصَّلاة في أوقاتها، وأنَّ الصلاة كانت على المؤمنين كتابًا موقوتًا. ومقتضاها اعتبار الصَّلاة التي صُليت في وقتها وعدم إيجاب القضاء عليه. ثم جا خبر الواحد في إيجاب تأخيرها عن وقتها، ومقتضاها إيجاب الإِعادة إن صليت في وقتها المعروف، فلو جَوَّزنا الإِعادةَ بعد الطلوع أيضًا بطلَ عموم الآية الوقتية رأسًا.
فقلنا: إنَّه يعيدُها إلى طلوع الفجر لأجل الخبرِ والليلُ باقٍ، ولا يُعيدها بعده لأجل النَّص القاطع، فإِنَّه قد صلاها في وقتها فينبغي أن تعتبر بالنص أيضًا، وبه حصل الجمع بينهما، فلم نهمل الخبر بالكلية ولم نترك الآية بالكلية، بل راعيناهما بقدر ما أمكن. وبعبارة أخرى. إنَّ العمل بالظني - وهو خبر الجمع - إنما يمكن إلى وقت الطُّلوع فقط، لأنَّ وقتَ العشاء باق، فإن أعادها فيه حصل الجمع، وبعد طلوعه يفوت العمل بالظني ولا يمكن الجمع لفوات الوقت، فلا طائل في إيجاب الإِعادة بعده، فإِن قلنا بالإِعادة بعد الطلوع أيضًا لزمَ تركُ القاطع بفوات الظني، وهو غير معقول.
ثم من مسائل الجمع أنَّه لا يُصلِّي بينهما نافلة ولا شيئًا كما في «المناسك» للعارف الجامي. ولم أر تلك المسألة في غير هذا الكتاب. وعند مُسْلِم: فلما جاء المزدلفة نزل فتوضأ، فأسْبَغ الوضوء، ثم أقيمت الصَّلاة فصلَّى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت العشاء فصلاها ولم يصل بينهما شيئًا. وفي بعض الروايات: أنَّهم أناخوا بعيرهم بعد أداء الصلاة. ووجه التوفيق: أنَّ بعضَهم فَعَل كذا. وبعضَهم فعل كذا. ومن مسائله أن الجمعَ في المزدلفة بأذان وإقامة، إلا إذا وقعت الفاصلة بين الصَّلاتين، فإنَّه يقيم للثانية أيضًا كما مَرَّ في رواية مسلم.
٧ - باب غَسْلِ الْوَجْهِ بِالْيَدَيْنِ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ
١٤٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو سَلَمَةَ الْخُزَاعِىُّ مَنْصُورُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ بِلَالٍ - يَعْنِى سُلَيْمَانَ - عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَمَضْمَضَ بِهَا وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَجَعَلَ بِهَا هَكَذَا، أَضَافَهَا إِلَى يَدِهِ الأُخْرَى، فَغَسَلَ بِهِمَا وَجْهَهُ، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ الْيُمْنَى، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ الْيُسْرَى، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَرَشَّ عَلَى رِجْلِهِ الْيُمْنَى حَتَّى غَسَلَهَا، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً أُخْرَى، فَغَسَلَ بِهَا رِجْلَهُ - يَعْنِى الْيُسْرَى - ثُمَّ قَالَ هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ. تحفة ٥٩٧٨ - ٤٨/ ١
الغُرْفة، كاللُّقمة، بمعنى اسم المفعول. والغَرْفة بالفتح للمرة، وهو الأفصح.
١٤٠ - قوله: (فرشَّ على رجله اليمنى) وإنما عبَّر بالرشِّ لأنَّه ضَرَبَ بها على رجله وغسلها شيئًا فشيئًا. وعن ابن عباس ﵁ عند أبي داود: «فأخذ حَفْنَة من ماءٍ فضَرَبَ بها على
стр. 260
رِجلِهِ وفيها النَّعل، فَفَتَلَها بها ثُم، الأخرى مثل ذلك». ولعله في واقعة أخرى. وإنَّما نقلتها ليعلم أنَّه قد يحتاج إلى الرشِّ ولا يكفي الإِسالة.
٨ - باب التَّسْمِيَةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَعِنْدَ الْوِقَاعِ
واعلم أنَّه لم يذهب إلى وجوبِ التسمية أحدٌ من الأئمة، إلا ما نُقل عن أحمد رحمه الله تعالى في رواية شاذة، مع ما ثَبَتَ عنه في الترمذي: أنه لم يثبت في هذا الباب شيء. ولذا أقول: لا بدَّ أن يكون في الباب روايةٌ قابلة للعمل عنده، وإن كان في أدنى مراتبِ الحسن، وإلا لم تجىء عنه تلك الرواية. وتفرد الشيخ ابن الهُمَام منا واختار الوجوب وقال: إن الأحاديث فيه لِتَعَاضُدِ بعضها ببعض بلغت مرتبة الحُسن، فانجبر الضَّعفُ بتعدد الطرق. ولعل البخاري أيضًا اختار الوجوب كما اختاره رفيقه في السفر داود الظاهري. وكنت أرى أنَّه ليس رجلًا محققًا، فلما طالعت كتبَه علمتُ أنَّه عالمٌ جليلُ القدر رفيعُ الشأن.
وإنَّما لم يسمَّ الوضوءَ لئلا يكون إشارةً إلى تحسين للأحاديث التي وردت في هذا الباب عنده. وحديث الترمذي ليس قابلًا عنده لترجمته أيضًا، فانْظُر رِفعة المصنِّف رحمه الله تعالى أنَّ ما يخرِّجُه الأئمة تحت أبوابهم لا يذكره المصنِّفُ رحمه الله تعالى في تراجمه، بل لا يحبُ أَنْ يشيرَ إليه أيضًا، مع أن في نيته إثباتُ التسمية عند الوضوء، إلا أنَّه لما لم يكن عنده حديث معتبر في هذا الباب خاصة تمسك من العمومات، وأدخلَ الوضوءَ تحتها، وضمَّ معه الجِمَاع، ليُعلم أن التسمية لما كانت مشروعة قبل الجماع، فأَن تكون قبل الوضوء أولى. فكأنَّه استدلال من النَّظائر.
وقد يخطر ببالي أنَّ المصنِّف رحمه الله تعالى مع كثرة قياساته كيف يُنْكِرُ القياسَ؟ ثم ظهر لي أنَّه يعمل بتنقيح المناط. ولم يُنبه عليه أحد من الشارحين. فالحديث وإن ورد في جزئية واحدةٍ من الجماع لكنه بعد تنقيح المناط صار عامًا، فبوَّبَ بالتسمية في كل حال. قلت: والنَّظر المعنوي يحكمُ بوجوب التسمية في كل حال، فإِنَّ الشيطان لا يزالُ يراقب الإنسان، ولا يجدُ موضعًا إلا ويلقي النقيصةَ فيه فعند الغائط يلعبُ بمقاعِدِ بني آدم، ويَشْتَرِكُ معه في الجماع والأكل، ويُفْسدُ الأواني، ويقطع الصلاةَ إذا لم تكن بين يديه سترة، ويوسوس في الوضوء، ويجلس على خَيَاشِيْمِهِ عند النوم، ويَضْحَكُ منه إذا قال في صلاته: «ها» إلى غير ذلك من مفاسده التي أَخْبَر بها الشرع. والمخلَّصُ هو التسميةُ لا غير.
ثم الذي يتضح: أنَّ الوجوب والحُرْمة لا يترتبان على الأنظار المعنوية، بل إنَّما يتعلقان بأمر الشارع ونهيه، فإِذا لحَقَهُ أمرُ الشارع أو نهيُه يكون واجبًا أو حرامًا. ولا شك أن الواجباتِ كلها تشتملُ على المنافع والمحرمات بأسرها على المضار، إلا أنَّه لا يلزمُ عكسه. ورُبَّ شيءٍ يكون مُضرًا ثم لا يحرِّمُه الشارع شفقة على النَّاس ورحمة لهم، ورُبَّ شيءٍ يكون فيه منفعةً عظيمةً ثم لا يأمرُ به الشرع. نعم، يكون له صلوح للأمر، كالنوم حالة الجَنَابة، فإِنه لا تحضر جنازته ملائكة الله، وأي ضَرَرٍ أعظمُ منه؟ إلا أنه لم يوجب عليه غُسلًا تيسيرًا له، وإنَّ الدين يُسرٌ.
стр. 261
١٤١ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِى الْجَعْدِ عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا. فَقُضِىَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ، لَمْ يَضُرَّهُ». أطرافه ٣٢٧١، ٣٢٨٣، ٥١٦٥، ٦٣٨٨، ٧٣٩٦ - تحفة ٦٣٤٩
١٤١ - قوله: (لم يضره) ويتعين في مثله الضم إذا لحقه ضمير، صرح به سِيْبَوَيهٍ، ولا يجري فيه الوجوه الثلاثة كما في: لم يمد. قيل: المراد من الضرر صَرَعُ الصبيان، لا يقال: إنَّا قد نشاهدُ المضرَّة مع قراءة التسمية أيضًا، لأنَّا نقول: هذا بيان لبركة اسم الله. ومع هذا هناك شرائط وموانع لم تذكر، فإذا تحققت التسميةُ بوجودِ تلك الشرائطِ وارتفاع الموانع لا يكون إلا كما أخبرَ به الشرع، ولا يتخلفُ عنه الحكم البتَةَ.
٩ - باب مَا يَقُولُ عِنْدَ الْخَلَاءِ
١٤٢ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ قَالَ «اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ».
تَابَعَهُ ابْنُ عَرْعَرَةَ عَنْ شُعْبَةَ. وَقَالَ غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ إِذَا أَتَى الْخَلَاءَ. وَقَالَ مُوسَى عَنْ حَمَّادٍ إِذَا دَخَلَ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ. طرفه ٦٣٢٢ - تحفة ١٠٢٢، ١٠٢٠
١٠ - باب وَضْعِ الْمَاءِ عِنْدَ الْخَلَاءِ
١٤٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى يَزِيدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ دَخَلَ الْخَلَاءَ، فَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءًا قَالَ «مَنْ وَضَعَ هَذَا». فَأُخْبِرَ فَقَالَ «اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِى الدِّينِ». أطرافه ٧٥، ٣٧٥٦، ٧٢٧٠ - تحفة ٥٨٦٥
قد يُتوهم في أبوابه سُوءُ ترتيبٍ، فإنَّه أدخَلَ الاستنجاء خلال أحكام الوضوءِ، مع أن مقتضى الترتيب أن يذكرَها مقدَّمًا على أحكام الوضوء. قلت: بل هو ترتيب حَسَنٌ جيدٌ، لأنَّه لما قدمَ الوضوءَ وكان هو الطريق المسلوك في تصانيفهم أراد أن يتعرض إلى حقيقة الوضوء شيئًا، فَذَكَرَ أولًا بعض أحكامِهِ لتعيين مِسمَّاه لا غير، كبحث الفقهاءِ أنَّ أيِّ قدرٍ من استعمال الماء يُسمَّى غَسْلًا، فذكر أولًا فضله وهو مقدمٌ على بيان الحقيقة. ثم توجَّه إلى بيانِ أنه شيءٌ لا يجبُ بالشك، ثم نزل إلى بيان التخفيف والإِسباغ فيه؛ ولا بحث فيه من الأعضاء الأربعة، لأنَّ التخفيفَ والإِسباغَ يجريان في عضو واحدٍ أيضًا. ثم تَعرَّض إلى غسل الوجه لمزيد تعيينها، حتى إذا بلغ إلى التسميةِ وتقررت حقيقتُه في الأذهان، انتقل إلى الترتيب الحسي، فذكر ما كان مقدَّما في الحس وهو آداب الخلاء، فهذه الأبوابُ تترى في بيان مُسمَّاه وتحقيقِ حقيقتِهِ، لا في بيان أحكام الوضوء.
стр. 262
ثم إنَّ المصنِّف رحمه الله تعالى أتى في المتابعة بلفظ: «أراد» إشارة إلى أنَّ هذا الدعاء إنما هو عند الإِرادة قبل دخول الخلاء، لا بعد الدخولِ فيه كما يتُوهم من ظاهرِ لفظه. قلت: ورَوى المصنِّف رحمه الله تعالى في «الأدب المفرد» بلفظ: «إذا أراد الدخول». صراحةً.
١١ - باب لَا تُسْتَقْبَلُ الْقِبْلَةُ بِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، إِلَاّ عِنْدَ الْبِنَاءِ جِدَارٍ أَوْ نَحْوِهِ
١٤٤ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى ذِئْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا الزُّهْرِىُّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِىِّ عَنْ أَبِى أَيُّوبَ الأَنْصَارِىِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الْغَائِطَ فَلَا يَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَلَا يُوَلِّهَا ظَهْرَهُ، شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا». طرفه ٣٩٤ - تحفة ٣٤٧٨
قالوا: إن الحديثَ لأهل المدينةِ ولمن كانت قِبلتُهم على سَمِتْهم. ثم إن الظاهر أن البخاري اختار مذهب الشافعي ومالك رحمهما الله تعالى، ولا يُدرى أنَّه اختار تفاصيلهم وفروعَهم في تلك المسألة أيضًا أم لا؟ أما استثناءُ المصنِّف رحمه الله تعالى فمأخوذٌ من حديث ابن عمر ﵁ عندي، وليس مأخوذًا من حديث أبي أيوب ﵁ كما تكلَّفَ فيه بعضهم، فقال: إن الغائطَ يقال للصحراء والفضاء، فكأن هذا الحديث لم يَرِد في البُنيان، وإنما جاء فيما ذهب لحاجّه إلى الصحارَى والفيافي. قلت: بل الغائطُ في اللغة للأرض المطمئنة والمنخفضة، وإنما كانوا يتحرَّون مكانًا منخفضًا ليحصلَ التسترُ، وهكذا العمل في أهل البوادي إلى يومنا هذا.
وحينئذٍ صار الحديثُ حجة لنا بعدما كان حجة علينا، لأن الانخفاض يكون كالبنيان كما فعل ابن عمر ﵁ فأناخ راحلته وبال إليها. ثم إن الراوي فَهِمَ غير ما فَهِموه، فعنه عند الترمذي: «فقدِمْنَا الشام - فوجدنا مراحيضَ قد بُنِيَت مستَقبَلَ القِبْلة فننحرف عنها ونستغفر الله» فهذا أبو أيوب جعل النهي على عمومه، البُنيانَ والصحارى سواء. ومن العجائب ما نسب ابن بَطَّال إلى البخاري أنه ليس في المشرق والمغرب عنده قبلةً على البسيطة كلها. قلت: وكيف نَسَبَه إليه مع أن أهل بخارى إنما يصلون إلى المغرب؟ فهل خَفِيَ على مثلِ البخاري قبلتَه مدَّة عُمُره؟ وإنما تَوهَّم من عبارته في أبواب القِبلة ليس في المشرق ولا في المغرب قبلةً وسيجيء شرحه في موضعه.
واعلم أن المذاهبَ في هذا الباب عديدةٌ ذكرها العلماء، ونذكر ههنا مذاهب الأئمة الأربعة فقط:
فمذهب الإِمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى: كراهة الاستقبال والاستدبار في البناء والفضاء تحريمًا. وهو إحدى الروايتين عن أحمد. والرواية الأخرى عنه جواز الاستدبار مطلقًا مع كراهة الاستقبال مطلقًا. وهو رواية عن أبي حنيفة كما في «الهداية». وفي «النهر الفائق» قيل: إنه كُرِه تنزيهًا، ومثله في «المسوى» «والمصفى».
стр. 263
ومذهب الشافعي ومالك رحمهما الله تعالى كراهتهما في الفيافي دون البنيان، فكأنَّهما فرَّقا في حكم الفيافى والبنيان، ولم يفرقا بين الاستقبال والاستدبار على خلاف ما رُوِيَ عن أحمد رحمه الله تعالى، فإِنَّه فَصَل بين الاستقبال والاستدبار، ورأى أمرهما في الكُنُف والصحارَى سواء، ولم يعرج إلى تفصيل بين الصحراء والبناء. وحجة أبي حنيفة رحمه الله تعالى في هذا الباب: حديث أبي أيوب ﵁ وهو أصرحُ وأصحُّ وأنص وأمس بالمقام.
وحجتهم إجمالًا: حديث ابن عمر ﵁، وجابر ﵁ عند الترمذي، وحديث عِرَاك عند ابن ماجه. أمَّا حديث ابن عمر ﵁ فلفظه: قال: رقيتُ يومًا على بيت حفصة ﵂ فرأيت النبي ﷺ على حاجته مستقبلا لشام مستدبرَ الكعبة. وأما حديث جابر ﵁ فلفظه: قال: نهى النبي ﷺ أن نستقبلَ القِبلة ببول، فرأيته قبل أَنْ يُقبَضَ بعامٍ يستقبلُها. وأما حديث عِرَاك فلفظه على ما رواه ابن ماجه عن خالد الحَذَّاء، عن خالد بن أبي الصَّلْت، عن عِرَاك بن مالك عن عائشة قالت: ذكر عند رسول الله ﷺ قوم يكرهون أَنْ يستقبلوا بفروجهم، فقال: «أَرَاهم قد فَعَلوها، استَقْبِلُوا بمقَعَدَتِي القِبْلَة».
وأجابَ الحنفية عن حديث ابن عمر ﵁ وجابر ﵁ أنهما فعلان، والفعل لا يعارضُ القولَ، كما بُسِط في الأصول. قلت: ولا أحبُّ هذا العنوان لأن فِعلَه ﷺ أيضًا حجةٌ كقوله، فغيرتُه إلى أنهما حكايتا حالٍ لا عموم لهما. وحديث أبي أيوب نصٌ في الباب، وتشريعٌ في المسألة، وحكمٌ على وصفٍ معلومٍ منضبط. وهذه الأحاديث لم يُعلم سببُها بعدُ، فكيف يُترك ما هو معلومُ السبب بما جُهِل سببه؟ وكيف يُهدر الناطق بالساكت.
ثم نظمت هذا الجواب وقلت:
*يا مَنْ يُؤَمّل أن تكو ... ن له سمات قَبُوله
*خذ بالأصول ومن نصو ... ص نَبِيِّهِ ورَسُولِه
*نصًا على سبب أتى ... بالساكت المجهوله
*دَعْ ما يفوتك وجهه ... بالبَيِّنِ المنقوله
*وخُذِ الكلام بغَوره ... لا عَرضِه أو طُولِه
*ليس الوقائع في شرا ... ئعه كمثل أُصُوله
*لِتَطَرُّقِ الأعذارِ في ... فعلٍ خلافِ أُصُولِه
وحاصله: أن ما رآه ابن عمر ورواه لا يُدرى أنه كان لنسخ النهي به أو لتخصيصِهِ بالبُنيان، أو لعذرٍ اقتضاه المكان، أو كان بيانًا للنهي أنه ليس للتحريم. مع أنَّ نظَرَهُ في هذا الحال لا يمكِنُ أَنْ يكون محققًا، بل لا بد أن يكونَ ارتجالًا. ومن يجترىءُ على رسول الله ﷺ فَينْظُرَه في هذا الحال إلا أن يكون ساهيًا أو خاطئًا.
وهو عند الطحاوي أيضًا أنَّه رآه محجوبًا عليه بِلَبِنٍ، فحينئذٍ كثُر ما يمكن أن يكون رأى منه ﷺ وهو في هذا الحال، رأسه الشريف فقط، مع أن العبرة فيه للعضو دون الصدر، فأمكن أن يكون منحرفًا بعضوه ومستقبلًا بوجهه وصدره، ثم لو سلمناه فما الدليل على أن استقبالَه صلى الله عليه وسلّم
стр. 264
كان يُبنى على ما فَهِمَهُ ابن عمر ﵁؟ وإنَّما هو اجتهادُه وفهمُه وظنه، وليس عنده غيرَ تلك الرؤية المشتبهة شيء، وقد عارضه فهمَ أبي أيوب ﵁ كما علمت، على أنَّ في حديث ابن عمر ﵁ شيئًا آخر ذَكَرَهُ أحمد رحمه الله تعالى كما في العيني، ولم أكن أفهمُ مرادَه إلى زمان ولم ينتقل إليه أذهان عامتهم، وبعده يخرجُ حديثُه عما نحن فيه رأسًا وينتقل إلى باب آخر.
وهو: أنَّ محطَّ حديثه المعارضةُ بمن رأى الكراهة في استقبال بيت المقدس، ولا بحث له عن استقبال البيت قصدًا، ويتضحُ ذلك من سياقٍ سَاقه مسلمٌ عن عمه واسع بن حَبان قال: كنت أصلي في المسجد وعبد الله بن عمر مسنِدٌ ظهرَه إلى القبلة، فلما قضيت صلاتي انصرفت إليه من شقي، فقال عبد الله: يقول ناس إذا قعدت لحاجة تكون لك فلا تقعد مستقبلَ القِبلة ولا بيتَ المقدس. انتهى.
فهذا يدلُّ صراحةً على أنَّ كلامَه إنما هو مع من كان يكره استقبال بيت المقدس ويعدّه كالقبلة. وقد رُوي عنه ﷺ في النَّهي عن الاستقبال بهما أيضًا، فعند أبي داود عن مَعقِل بن أبي معقل الأسدي قال: نهى رسول الله ﷺ أن نستقبلَ القِبلتين ببولٍ أو غائطْ فابن عمر ﵁ إنما يُعارضُ بمن يعد كراهة استقبالِ بيت المقدس أيضًا كالبيت، ولا تعلق له بمسألة البيت قصدًا، ولذا تعرَّض عند بيان رؤيته إلى بيت المقدس فقط.
وما في بعض الروايات: مستدبرَ الكعبة، فهو لزوميٌّ ويُبنى على تحقيق السَّمت. وكونُهما على طرفين بحيث يُوجب استقبالُ أحدهما استدبار الآخر، وذلك غير معلوم. وإنما أراد به ابن عمر ﵁ التقريبَ وما يَتَرَاءى في بادىء النظر فقط، ومسألة الاستدبار والاستقبال تُبنى على تحقيق ذلك السَّمت في نفس الأمر، ولا تتحققُ إلا أن يحقِّقَها علماء الجغرافيا كذلك. وعرض البلدتين مكة وبيت المقدس يختلف على أنَّه لا يرد علينا، لِمَا مرت رواية عن الإِمام في جواز الاستدبار (١).
стр. 265
قلت: والأحسن عندي أن يُجمع بين روايات الإِمام أيضًا، كما يُجمع بين الأحاديث، فتقام المراتبُ ويقال: إنَّ كراهةَ الاستقبالِ أشدُّ من كراهة الاستدبار، وبه حصل الجمعُ بين الروايتين (١).
стр. 266
وأما حديث جابر ﵁ ففيه بعض ما مرَّ في حديث ابن عمر ﵁، مع أنَّ الظاهر أن رؤيتَه كانت في سفر من أسفارِه في الصحارَى دون البنيان، لأنه لم تكن له قَرَابة من النبي ﷺ ليكون طَوَافَه على النبي ﷺ كأهل البيت، فالظاهرُ أَنْ يكون رآه في الصحارَى، وهذا خلافُ ما رَامه الشافعية رحمهم الله تعالى.
وأجابَ عنهما بعضهم أَنَّ النبي ﷺ كان أفضلُ من البيت قطعًا، فجاز له الاستقبال والاستدبار خاصة، بخلاف سائر الأمة. قلت: ومما ينبغي أن يُعلم أن الطريقَ المختارَ عند الجواب أن يُستشهدَ بأمر خاص رُوي في هذا الباب بعينه دون التمسكِ بالعمومات، وكونه ﷺ أفضلُ من البيت أمرٌ عامٌ، فالتمسك به على جواز الاستقبال والاستدبار غير مَرْضِيٍ عندي ما لم يؤت بخصائصه التي رُويت في هذا الباب بعينه، لأنه يجوز أن يقال: إن أفضليته إنما ظهرت في عالم التكوين، أما في المسائل فلم تظهر بعدُ، فإِنه مأمورٌ بالاستقبال كسائر الناس، وكثيرٍ من أحكامه في التشريع مثلَ أمته.
فالوجه عندي في تقريره أنَّه محمولٌ على خصوصيتِهِ ﷺ لكِنْ لا لكونه أفضل، بل لكونه مختصًا ببعض الأحكام مِنْ هذا الباب. فإِذا علمنا خصوصيتَه في هذا الباب هَان علينا أن نحمل استقباله أيضًا على الخصوصية. ومما وجدنا من خصائصه في هذا الباب ما في «المواهب»،
стр. 267
عن الدارقطني: أن عائشة ﵂ سألت النّبي ﷺ إنا لا نجدُ في خلائك شيئًا يا رسول الله قال: «أَمَا تعلمِ أنَّ الأرض تبلغ عَذِرات الأنبياء». وأسناده قوي بالمعنى. وعند الترمذي في المناقب أنه قال لعلي ﵁: «لا يجوز لأحدٍ أن يجنبَ في المسجد غير وغيرك» أي يمرُّ في المسجد جنبًا، وحسَّنه الترمذي، وتصدى إليه ابن الجوزي فأدخله في الموضوعات فَهْمًا منه أن الروافضَ لما رأوا فضيلة أبي بكر ﵁ في إبقاء خَوْختِهِ خاصّة، أرادوا أن يتخرعوا له خصوصية أيضًا، فوضعوا له هذا الحديث. وردَّه الحفاظُ وقالوا: الحديث قوي.
ثم ما زلت أتفكرُ في وجه الإِباحة لهما خاصة وأقول: لعلهما لم يكن لهما طريق إلا من المسجد. ثم رأيتُ في «السيرة المحمدية» أَنَّ موسى وهارون عليهما الصلاة والسَّلام لِمَّا بنيا المسجد في مصر أعلنا أَنْ لا يَقْعُدَ في المسجد جنبًا غيرهما، فتبين لي أنَّ جواز الدخول جنبًا لِمَّا مِنْ خصائص النبوة، ولذا تحت الخصائص ذكره صاحب «السيرة». وعلى هذا أقول: إنَّ مرورَه ﷺ من المسجد جُنبًا أيضًا من هذا الباب، وليس من عدم وجدانه طريقًا آخر، وإنَّما رخَّص لعليٍ ﵁ مع عدم نبوته، لما في الصِّحَاح: «أنت مِنِّي بمنزلة هَارونَ من موسى» ... إلخ.
فلمَّا كان عليٌ ﵁ بمنزلة هارون منه أباحَ له أيضًا ما أَبيح له، ثم صرَّح بقوله: «إلا إنه لا نبي بعدي»، أَنَّه لا ينبأَ بعده أحدٌ لئلا يُختَدَع منه دجَّال من أمته فيضل الناس بغير علم، كما وقع لميرزا غلام أحمد القادياني فادَّعى النبوةَ وجعله أمه الهاوية. وتمسك من مثل هذه الأحاديث مع صَدْعها بخلافه، لعنه الله.
ثم مسألةُ طهارة فَضَلات الأنبياء توجد في كتُب المذاهب الأربعة، ولَكِنْ لا نَقْلَ فيها عندي عن الأئمة إلا ما في «المواهب» عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى نقلًا عن العيني، ولكنِّي ما وجدتُه في العيني. وفي «كَنْزِ العمال» أنَّ أجساد الأنبياء نابتةٌ على أجساد الملائكة. وإسناده ضعيف. ومرادُه أن حالَ الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام في حياتهم كحال الملائكة، بخلاف عامة الناس فإنَّ ذلك حالَهم في الجنة، فلا تكون فضلاتهم غير رَشَحَات عَرَقٍ.
والحاصل: أنَّ هذه عدة خصائصه تتعلقُ بأحكام الخَلاء جنسًا أو نوعًا، فليكن الاستقبال أيضًا من خصائصه كأخواته هذه، وهذه الطريق أقرب من ادِّعاء الخصوصية أوَّلًا، فإِنَّ الذهنِّ إذا تصوَّر بعض خصائصِهِ من هذا الباب تيسر له أن يقيسَ عليها الأخرى ويُلحِقَها معها.
وأما حديث عِرَاك فقد استُشْكِل جوابهُ على النَّاس، فنازع بعضُهم في وصلِه وإرساله. فنُقل عن ابن أبي حاتم في «المراسيل» أَنَّ أحمد أَعَلَّهُ وقال: إن عِرَاكًا لم يسمع من عائشة ﵂. وأجيبَ أن مسلمًا أثبت وأَخْرَجَ في «صحيحه» حديثَه عن عائشة ﵂ من رواية يزيد بن أبي زياد مولى ابن عباس عن عِرَاك عن عائشة ﵂: جاءتني مسكينةٌ تحمِلُ ابنتين لها ... إلخ.
стр. 268
قُلْتُ: أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى أولى بالاتباع في هذا الباب، فهذا الحديثُ وإن كان صحيحًا عند مسلم لكنه معلولٌ عند أحمد. وقال الذهبي في ترجمة خالد بن أبي الصَّلْت: أنه منكرٌ. وصَحَّحَ البخاري وقفَه، ثُمَّ إن خالدًا هذا جعفر بن ربيعة الضابط والحجة في عِرَاك، فإنَّه رواه عن عروة عن عائشة ﵂ أنها كانت تُنكر ذلك ولم يرفعه، وأوضح القرائن على وقفِهِ أَنَّه حَدَثَ بمجلس عمر بن عبد العزيز، عن عِرَاك، عن عائشة ﵂ فلم يَعمَل به.
رواها الدارقطني من طريق هارون بن عبد الله، والبيهقي من طريق يحيى بن أبي طالب كلاهما عن علي بن عاصم حدثنا: خالد الحَذَّاء، عن خالد بن أبي الصَّلْت قال: كنت عند عمر بن عبد العزيز في خلافته وعنده عِرَاك بن مالك، فقال عمر: ما استقبلتُ القِبلة ولا استدبرتُها منذ كذا وكذا، فقال عِرَاك: حدثتني عائشة ﵂ أمْ المؤمنين أن رسول الله ﷺ لما بَلَغَهُ قولُ النَّاس في ذلك أمر بمقعدتِهِ فاستقبل القِبْلة، وهو عند الطحاوي أيضًا. ومع ذلك لم يعمل به عمر بن عبد العزيز، حتى إن مذهبه أن التَّفْل في جهة القبلة حرام، فكيف بالغائط وما ذلك إلا أَنَّه رآه موقوفًا.
ثم إن الحديث أجنبي في الباب ولا يرتبطُ مما رُويَ عنه ﷺ في هذا الباب، لأنَّه لا يخلو (١) إمَّا أَنْ يكون مقدَّمًا على حديث أبي أيوب أو متأخرًا عنه، فإنْ كان الأول فقد نَسَخَه حديث أبي أيوب، وإن كان الثاني فلا معنى لإنكارِه عليهم بعد الأمر به بنفسه، ولا يتعقل عاقلٌ أنَّ النبي ﷺ نَهَاهم عن الاستقبال والاستدبار أولًا، ثم تعجَّب عليهم حين امتثلوا بأمره وانتهوا عن نهيه، فهذا الحديث يدل على كونه موقوفًا. وإِنما الأمر أنَّ عائشة ﵂ هي التي تعجبت من فعلهم، ثم أمرتهم بما أُمِرَت، وليس ذلك عن النَّبي ﷺ إِنْ شاء الله تعالى. ولعلَّ الدارقطني قد عدَّه من أفرادِهِ لمثل هذا (٢).
стр. 269
ثم اعلم أنهم اختلفوا في معنى النَّهي ما هو، ليُعلَّم أن التفصيلَ في النهي أولى أو الإطلاق. فقال قائل: هو إكرام الملائكة وقيل: حرمة المصلين، وقيل: احترام القِبلة (١). وأيَّد ابن العربي الثالث بخمسة أوجه ذَكَرها في الشرح مفصَّلة. والظاهر أنَّ المعنى هو احترام القِبلة، لأنَّه نص عليه من جانبه، وقال: لا تستقبلوا القبلة ... إلخ. فذكره بلفظه وأشار إلى أن النهي لأجله، ولذا أباحهما، لأنَّ التغوطَ في هاتين لا ينافي معنى الاحترام، فقد أخذه طردًا وعكسًا وأدار عليه النهيُ والإِباحة كيف والقِبلةُ يوجه إليها عند الصَّلاة، فلا يُستقبل بها عند الغائط؟
ثم إنَّ العيني تمسَّك للمذهب مما أخرجه ابن حِبَّان في «صحيحه» من حديث حذيفة مرفوعًا: «من تفل تُجاه القِبْلة جاء يوم القيامة وتفلُه بين عينيه» وإذا كان حال التَّفْل هذا، فما بال الغائط؟ قلت: وهذا المضمون يوجدُ في عامة الكتُب مقيدًا بقيدِ الصَّلاة وفيه: «فإنَّ ربَّه بينه وبين القِبْلة» فتردد النظرُ فيه أنَّ هذه المعاملةَ دائمةٌ أو تقتصرُ على حال كونِهِ في الصَّلاة فقط؟ واختار أبو عمرو أنَّه مستمر في جميع الأحوال.
ونقله الحافظ رحمه الله تعالى في «الفتح» واعتراه النسيان، لأنَّه يسقط به تفصيل الفيافي والبُنيان، ويبقى النَّهي على إطلاقه كما كان. نعم، لو ثبت أنه مقتصرٌ على حين الصلاة فقط، ولا يستمر في جميع الأحوال - لو هي استدلال العيني رحمه الله تعالى به والوجدان - يحكمُ أنه مستمرٌ، لكنه لا نقل عندي. وليكَن أخر الكلام أني لم أجد في أحدٍ من المرفوع التفصيل الذي ذهب إليه الآخرون، غير ما في هاتين الواقعتين مع ما فيهما وقد علمت حاله.
١٤٤ - قوله: (شرِّقوا أو غربوا) واستنبطَ منه الغزالي أنَّ العالم منقسمٌ على الجهات الأربعة، وأنَّ المعتبر في الاستقبال هو الجهة. قلت: مسألةُ (٢) استقبالِ الجهة أو العين لا ترجِعُ إلى كثير طائل. ومبناها عندي على العُرف فقط دون الدقائق الهندسية، فإِنهم قالوا: إن المعتبرَ فيمن كان يشاهدُ البيتَ هو العين، ولمن كان بعيدًا منه هو الجهة. ثم قالوا: إنَّ المعتبر في المُسَامتة وصولُ خطٍ خارج من جهة المصلى إلى البيت، فما دام أمكنَ أن يصلَ خطٌ بينه وبين البيت تصح صلاته، وإلا لا. قلت: وهذا في حق البعيد، أمَّا من كان قريبًا فيمكن وصولُ الخطِّ مع الانحراف أيضًا، مع أنَّه لا تجوز صلاته، فَآل الأمرُ إلى العِرفِ. وقد طالعت له أسفارًا وزبرًا. وما قاله المَقْرِيزي فلم أجد المقال يرجع إلى طائلٍ، فالتحقيق أنَّ الاستقبال لا يتوقف على البراهين الهندسية، بل يرجع إلى العُرف.
стр. 270
١٢ - باب مَنْ تَبَرَّزَ عَلَى لَبِنَتَيْنِ
١٤٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ إِذَا قَعَدْتَ عَلَى حَاجَتِكَ، فَلَا تَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَلَا بَيْتَ الْمَقْدِسِ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لَقَدِ ارْتَقَيْتُ يَوْمًا عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَنَا، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ الْمَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ. وَقَالَ لَعَلَّكَ مِنَ الَّذِينَ يُصَلُّونَ عَلَى أَوْرَاكِهِمْ، فَقُلْتُ لَا أَدْرِى وَاللَّهِ. قَالَ مَالِكٌ يَعْنِى الَّذِى يُصَلِّى وَلَا يَرْتَفِعُ عَنِ الأَرْضِ، يَسْجُدُ وَهُوَ لَاصِقٌ بِالأَرْضِ. أطرافه ١٤٨، ١٤٩، ٣١٠٢ - تحفة ٨٥٥٢ - ٤٩/ ١
١٤٥ - قوله: (يُصَلَّونَ على أَوْرَاكِهم) وهنَّ النِّساء، وهو كناية عن عدم عِلْمِه بالمسائل. وتصدى الناس في بيان مناسبته مما قبله. قلت: إنه تعريض إلى وَاسع بن حَبَّان بأنك تتعجبُ من جلوسي مستدبرَ القبلة، وإني رأيت رسول الله ﷺ مستدبرًا قاعدًا لحاجته، كما يتضح من سياق مسلم، ولفظه عن واسع: كنت أصلي في المسجد وعبد الله بن عمر ﵁ مسندٌ ظهرَه إلى القِبلة، فلما قَضَيت صلاتي انصرفت إليه من شقى فقال عبد الله: يقول ناس ... إلخ. وقال الحافظ رحمه الله تعالى: لأجلِ هذا الحديث أنَّ ابن عمر ﵁ لعلَّه رأى منه في حال سجودِهِ شيئًا لم يتحقق عنده، فقدَّمها على ذلك الأمرِ المظنون ولا بعدُ أن يكونَ قريبُ عهدٍ بقولِ من نَقَلَ عنهم ما نقل، فأحبَّ أن يعرِّفه هذا الحكم لينقله عنه، على أَنَّه لا يمتنعُ إبداء مناسبةٍ بين هاتين المسألتين، بأن يُقال: لعل الذي يسجد وهو لاصقٌ بطنَه بوَرِكيه كان يظنُّ امتناعَ استقبالِ القبلة بفرجه على كل حال، فأشار ابن عمر ﵁ إلى أنَّ السترَ بالثياب كافٍ، كما أنَّ الجدارَ كافٍ في كونه حائلًا بين العورة والقِبلة. اهـ (١).
стр. 271
١٣ - باب خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى الْبَرَازِ
١٤٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ حَدَّثَنِى عُقَيْلٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِىِّ ﷺ كُنَّ يَخْرُجْنَ بِاللَّيْلِ إِذَا تَبَرَّزْنَ إِلَى الْمَنَاصِعِ - وَهُوَ صَعِيدٌ أَفْيَحُ - فَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ لِلنَّبِىِّ ﷺ احْجُبْ نِسَاءَكَ. فَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُ، فَخَرَجَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ زَوْجُ النَّبِىِّ ﷺ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِى عِشَاءً، وَكَانَتِ امْرَأَةً طَوِيلَةً، فَنَادَاهَا عُمَرُ أَلَا قَدْ عَرَفْنَاكِ يَا سَوْدَةُ. حِرْصًا عَلَى أَنْ يَنْزِلَ الْحِجَابُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الْحِجَابِ. أطرافه ١٤٧، ٤٧٩٥، ٥٢٣٧، ٦٢٤٠ - تحفة ١٦٥٤٢
١٤٧ - حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «قَدْ أُذِنَ أَنْ تَخْرُجْنَ فِى حَاجَتِكُنَّ». قَالَ هِشَامٌ يَعْنِى الْبَرَازَ. أطرافه ١٤٦، ٤٧٩٥، ٥٢٣٧، ٦٢٤٠ - تحفة ١٦٨٠٥
قوله: (كن يخرجن) وعُلم منه أنهنَّ لم يكنَّ يخرجن في النهار قبل نزول الحجاب أيضًا. وفي المقام إشكالات عديدة: الأول: أنه يُعلم من رواية الباب أنَّ سَوْدَة ﵂ خرجت قبل أن ينزلَ الحجاب، ثم قال عمر ﵁ ما قال، وبعده نَزَلَ الحجاب، ويعلم مما أخرجه المصنف رحمه الله تعالى في التفسير أنها خرجت بعد ما ضُرِب الحجاب، مع أنَّ الرواية متسحدةٌ متنًا وسندًا. وأجاب عنه الحافظ بتقسيم الحجاب، فمنه ما يكون بإدناء النِّقَاب عند الخروج وأُسمِّيه حجاب الوجوه. والثاني: أسميه حجاب الأشخاص. فما في الباب محمولٌ على خروجها قبل نزول حجابِ الأشخاص، وما في التفسير محمولٌ على خروجها بعد نُزُولِ حجاب الوجوه فصحَّ الأمران.
قلت: ولي فيه نظر، لأنَّ حديثَ البابِ يدُل على أنَّ عمر ﵁ كان يحب التضييق، ولذا قال: قد عرفناكِ يا سوردُ ﵂ حِرْصًا على أن يُنزلَ حكمُ الحجابِ أضيقَ منه. وحينئذ فالظاهر من قوله: «فأَنْزَلَ اللهُ الحجاب» أَنْ يكونَ نَزَلَ التضييق كما أراده، لأنَّ الحجابَ يعدّه عمر ﵁ مما وافق فيه ربه كما في البخاري. ومعلوم أنه لم يكن يحبُ إلا التضييق، مع أنه نَزَل فيه التوسيع. وقال النبي ﷺ «قد أُذنَ لكُنَّ» ... إلخ. كما في الرواية التي بعدها فهذا لا يتربط من السياق، لأن قوله: «فأنزل الله الحجاب»، يُشعر بنزول التضييق والرواية الأخرى بعدها تدل على إذن الخروج، وكذا لا يلتئمُ بقول عمر ﵁: وافقت ربي في الحجاب، فإِنَّ ربه خَالَفَه فيه ولم يُنزِل فيه التضييق كما أراد، فما معنى الموافقة؟
فالوجه عندي أنَّ الروايَ قدَّم وأَخَّر هنا في سرد القِصة، والصحيح كما في التفسير أنَّها
стр. 272
خرجت بعدَ نُزُول الحجاب. كان عمر ﵁ يحبُّ حجاب الشخص فلم يوافقه الوحي فيه، وإنما عدَّ الحجاب من مُوَافقاتِهِ لنزول حِصة منه على وَفْقِ رأيه. ثم إنَّ قوله ﷺ «قد أَذن لكُنَّ» لم يكُن مستفادًا من الآية، بل لعله كان من وحيٍ غير متلوٍ أو استنباط منه. ولذا لم يذكر نزول آية هناك.
وسياقه في التفسير هكذا: عن عائشة ﵂ قالت: خَرَجَتْ سَودةُ بعدما ضُرِبَ الحجابُ لحاجتها .... فرآها عمر بن الخطاب فقال: يا سودة أما والله ما تخفَينَ علينا فأَنْكَفَأت ... فقالت: يا رسول إنَّي خرجت لبعض حاجتي فقال لي عمره: كذا وكذا، قالت: فأوحى الله إليه، ثم رفع عنه ... فقال: «إنَّه قد أُذِنَ لكُنَّ أَنْ تَخْرُجْنَ لحاجتكنَّ» ففيه تصريح بأنَّها خرجت بعد نزول الحجاب، وليس فيه إِنَّه إذْنَ الخروج كان من وحي متلوٍ، بل يُمكِن أن يكون من وحي غير متلو.
هذا هو الترتيب عندي، فاندفع منه إشكالُ التعارُضِ بين الروايتين، وكذا لم تبق في قوله: «فأنزل الله الحجاب» رِكَّة، لأنَّه مقدَّمٌ في الأصل وإنَّما أخره الراوي فأوهمَ رِكَّةً، وكذا لم يبق في قوله: «قد أُذِنَ لكُنَّ» قلقٌ، لأنَّ الإِذن على هذا التقدير ليس مُستفادًا من جهة الآية شرحًا لها، بل من جهة أخرى، بخلاف ما إذا كان الترتيب كما في رواية الباب، فإِنَّه يدُل على أن الإِذن مستفادٌ من آية الحجاب وأنَّ التوسيع من جهة الوحي فيوهم رِكَّةً، لأن السياقَ يوجبُ نزولَ التضييق وكذا لا يرتبط مع قول عمر ﵁، فإِن قوله: إذا كان قَبْلَ نزول الحجاب كما في هذه الرواية ونزول الحجاب بعده.
فالظاهر أنه نَزَلَ حَسَب رأيه وَوَافقَه الوحي فيه كما في البخاري عنه. وهذا كله لسوءٍ الترتيب، ولو كان الترتيبُ كما في التفسير لم يرد شيءٌ مِنْ هذا. ومن زَاول تصرفات الرواة لا يستبعد ما قلنا. وأمَّا من كان عنده عِلم بدون تجربة فإنَّه يضيق منه، فليكُن هكذا فإِنَّه الأولى بشأنه٨ وللحافظ رحمه الله تعالى أن يقول: إن قوله: «فأنزل الله الحجاب» إشارة إلى أن الحجاب الذي نَزَلَ أولًا ولأجله عدَّه عمر من مُوَافقاته لا إلى الحجاب الذي نَزَل الآن، فإِنه لم ينزل في هذه الوَاقعة حجاب الشخص كما كان عمر يحبه ولا شيء.
والإِشكال الثاني: أنَّ هذه الرواية تدل على أن الآيةَ نزلت في قِصة سودة ﵂. وما عنده في التفسير يدُل على أنها نزلت في وليمة زينب ﵂. قال الحافظ: إِنَّ هناك واقعة أخرى أيضًا وكلها متقاربة وآخرها واقعةُ زينب ﵂، وفيها نَزَلت آية الحجاب، إلا أنَّ كلَّها لّما كانت متقاربةً نُسب نزولُها إلى هذه وهذه. قلت: والمتبادر من ألفاظ الأحاديث نزولها في كل منها، لا أنها نزلت في واحد منها ثم نُسب نزولُها إلى الأخرى لتقاربها فلتكن ما في قصة سودة ﵂ غير ما نزلت في قصة زينب، إلا أنَّ الحافظ رحمه الله تعالى أتى برواية صريحة أنَّ الآية التي نزلت في قصة زينب ﵂ هي بعينها نزلت في قصة سَودة ﵂، وإسنادُه لا بأس به.
ثم اعلم أنَّ المشهور بآية الحجاب هي التي نَزَلت في قصة زينب ﵂، يعني
стр. 273
قوله تعالى: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ لَا تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النَّبِيّ﴾ [الأحزاب: ٥٣] ... إلخ. فلعلها هي الدَّعامة في هذا الباب والبواقي تفاصيلها. وليعلم أن في قصة زينب ﵂ أيضًا إشكالًا، فعن أنس ﵁ أن الحجاب نزل بعدما خرج القومُ حين أراد أَنس ﵁ أن يدخلَ بيته الشريف. وعنه في تلك القِصة أنَّه نَزَل الحجاب ثم خرج القوم.
فإِن قلت: إن الآية التي نزلت في واقعة زينب ﵂ ليس فيها حجابُ الوجوه ولا حجاب الشخص، بل فيها أمرٌ ثالثٌ وهو نهيُ الدخول عليهن. قلت: ويعلم منها بطريق العكس نهي الخروج عليه مع استثنائه عند الحوائج (١) ثم اعلم أن هناك آياتٌ أخرى متعلقةٌ بمسألةِ الحجاب، فمنها: ﴿قُلْ لّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠] إلخ. فحكم الرجال والنساء بغض البصر، ومنها: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩]. ومنها: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] والجِلباب: هو الرِداء الساتر لجميع البدن، والخِمار: ثوب صغير يُلقى على العمائم، وتجعله النساء على رءوسهنَّ لستر الجيب.
فإن قلت: إن إدناء الجِلباب يُغني عن ضرب الخُمُر على جيوبهن. قلت: بل إدناء الجِلباب فيما إذا خرجت من بيتها لحاجة، وضرب الخُمُر في عامة الأحوال، فضرب الخُمُر أيضًا محتاج إليه. ومنها: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [النور: ٣١] إلخ. قيل: الزينة هي الوجه والكفان، فيجوز الكشف عند الأمن عن الفتنة على المذهب، وأفتى المتأخرون بسترها لسوء حال الناس. وقيل المراد بها: الزينةُ المكتسبة من الثياب والحُلي، فما ظهرَ منها بعد مُرَاعاة التسترُ يكون عفوًا.
قلت: وهو المراد عندي، فإِن التي يعدُّونها أهل العرف زينةً هي هذه لا غير، وإليه يشيرُ قوله تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] أي لئلا تنكشف زينتهم المكتسية. ومنها: ﴿وَقَرْنَ فِى بُيُوتِكُنَّ﴾ إلخ [الأحزاب: ٣٣] والخطاب فيها وإن كان خاصًا إلا أن الحكمَ عامٌ، ثم الخروج عند الحوائج ليس من تبرج الجاهلية في شيءٍ، إنما تبرجهم أن يخرجن كالرجال بالوقاحة وعدم التسترُ. فهذه نسق آيات الحجاب عندي والله تعالى أعلم بالصواب.
اطلاع: واعلم أن القَسْطَلاني أوضح مرادَ الحافظ ﵁ في هذا الموضع فراجعه (٢).
стр. 274
١٤ - باب التَّبَرُّزِ فِى الْبُيُوتِ
١٤٨ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ عَنْ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ ارْتَقَيْتُ فَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِ حَفْصَةَ لِبَعْضِ حَاجَتِى، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْضِى حَاجَتَهُ مُسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةِ مُسْتَقْبِلَ الشَّأْمِ. أطرافه ١٤٥، ١٤٩، ٣١٠٢ - تحفة ٨٥٥٢
١٤٩ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ أَخْبَرَنَا يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ أَنَّ عَمَّهُ وَاسِعَ بْنَ حَبَّانَ أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ قَالَ لَقَدْ ظَهَرْتُ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى ظَهْرِ بَيْتِنَا، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَاعِدًا عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ. أطرافه ١٤٥، ١٤٨، ٣١٠٢ - تحفة ٨٥٥٢
وإنَّما ترجم البخاري باستثناء الجدار والبناء فيما مر، نظرًا إلى هذا الحديث. وإنما لم تنتقل إليه أذهانُ العامة لأنه لم يترجم عليه بذلك. والمصنِّف ﵁ إنما يترجم به على هذا الحديث لأنه قد فرغ عنه مرة وأدرجه فيما سبق (١).
стр. 275
١٥ - باب الاِسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ
١٥٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِى مُعَاذٍ - وَاسْمُهُ عَطَاءُ بْنُ أَبِى مَيْمُونَةَ - قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ إِذَا خَرَجَ لِحَاجَتِهِ أَجِىءُ أَنَا وَغُلَامٌ مَعَنَا إِدَاوَةٌ مِنْ مَاءٍ. يَعْنِى يَسْتَنْجِى بِهِ. أطرافه ١٥١، ١٥٢، ٢١٧، ٥٠٠ - تحفة ١٠٩٤ - ٥٠/ ١
واعلم أن الاقتصارَ على أحدهما جائزٌ والجمعُ مستحبٌ. وأفتى الشيخ ابن الهُمَام بسنيته في زماننا، لأن الناس لكثرة أكلهم يَثْلِطُون ثلطًا. وقد ثبت الجمع عن عمر ﵁ كما في «الأم» للشافعي رحمه الله تعالى. ويُعلم مِنَ الروايات المرفوعة إشارةً أيضًا، كما في حديث المُغيرة ﵁ أنَّ النبي ﷺ ذهب لحاجة ثم جاءَه لطلب الماء، ويُستبعد أَنْ يكونَ النبي ﷺ جاءَه ولم يستنج بالحَجَرِ، لأنَّه يوجبُ التلوث والتنجُّس. ثم إذا استنجى بعده بالماء ثبت الجمعُ.
١٥٠ - قوله: (غلام) قال الحافظ: إنه ابن مسعود ﵁. قلت: ولا أدري من أين عيَّنَه الحافظ رحمه الله تعالى، مع أنَّ الغلامَ لا يُطلق على شيخ كبيرِ السن، فإِنَّ كان هو لأجل أنه كان خادمَه، فآخرون أيضًا كانوا يخدمونه بمثله، على أنَّ في روايةٍ لفظ: «غلام من الأنصار» وهو من المهاجرين فالظاهر عندي أنه رجل آخر. والله تعالى أعلم.
١٦ - باب مَنْ حُمِلَ مَعَهُ الْمَاءُ لِطُهُورِهِ
وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: أَلَيْسَ فِيكُمْ صَاحِبُ النَّعْلَيْنِ وَالطَّهُورِ وَالْوِسَادِ؟.
١٥١ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِى مُعَاذٍ - هُوَ عَطَاءُ بْنُ أَبِى مَيْمُونَةَ - قَالَ سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا خَرَجَ لِحَاجَتِهِ تَبِعْتُهُ أَنَا وَغُلَامٌ مِنَّا مَعَنَا إِدَاوَةٌ مِنْ مَاءٍ. أطرافه ١٥٠، ١٥٢، ٢١٧، ٥٠٠ - تحفة ١٠٩٤
١٧ - باب حَمْلِ الْعَنَزَةِ مَعَ الْمَاءِ فِى الاِسْتِنْجَاءِ
١٥٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ
стр. 276
عَطَاءِ بْنِ أَبِى مَيْمُونَةَ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُ الْخَلَاءَ، فَأَحْمِلُ أَنَا وَغُلَامٌ إِدَاوَةً مِنْ مَاءٍ، وَعَنَزَةً، يَسْتَنْجِى بِالْمَاءِ.
تَابَعَهُ النَّضْرُ وَشَاذَانُ عَنْ شُعْبَةَ. الْعَنَزَةُ عَصًا عَلَيْهِ زُجٌّ.
١٨ - باب النَّهْىِ عَنْ الاِسْتِنْجَاءِ بِالْيَمِينِ
١٥٣ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ - هُوَ الدَّسْتَوَائِىُّ - عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَفَّسْ فِى الإِنَاءِ، وَإِذَا أَتَى الْخَلَاءَ فَلَا يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَلَا يَتَمَسَّحْ بِيَمِينِهِ». طرفاه ١٥٤، ٥٦٣٠ - تحفة ١٢١٠٥
يعني انَّ هذا القدرَ من الإِعانة جائزٌ، فلو حَمَلَ ماءً لمقتدى وَسِعَ له. والصَّبُ أيضًا غير مكروهٍ، وكُرِه دلكه.
قوله: (أليس فيكم) ... إلخ وأخذ منه المصنف رحمه الله تعالى أنَّ النبي ﷺ كان يستخدمُ أصحابه في مثل هذه الأشياء.
قوله: "والوسادة" وفي بعض النُّسخ: السواد، ومعناه النَّجوى، فإِنه لشِدَّة وروده كان يُعدُّ من أهل بيته، حتى إنه لم يكن له إلى الاستئذان حاجة.
قوله: (حمل العنزة) العنزة "ده لكرى جس مين شام لكى هو".
١٥٣ - قوله: (فلا يتنفس في الإِناء) بل ينبغي أن يتنفسَ في الخارج، ولذا أقول: إن الشريعة التي تنهى عن التنفُّس كيف تتحملُ الوضوءَ والشُّرب من الماء وفيه لحوم الكلاب والنَّتَن والحِيَضِ.
قوله: (فلا يمس ذكره) واعلم أنَّ المسَّ ظاهرٌ وإنَّما عبَّر بالمسح في استعمال الحجارة على عادتهم، فإنَّ السلف لم يكونوا يستنجون كما يستنجون في بلادنا: من المشي والتَّنَحْنُح لقطع التقطير لكونهم أقوياء، فكان يكفي لأحدهم المسحَ في البول كما في الغائط فحصل الفرقُ بين المس والمسح، ومَنْ غَفَلَ عن عاداتهم يَضْطَرِبُ فيه.
١٩ - باب لَا يُمْسِكُ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ إِذَا بَالَ
١٥٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِىُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «إِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَأْخُذَنَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَلَا يَسْتَنْجِى بِيَمِينِهِ، وَلَا يَتَنَفَّسْ فِى الإِنَاءِ». طرفاه ١٥٣، ٥٦٣٠ - تحفة ١٢١٠٥
стр. 277
٢٠ - باب الاِسْتِنْجَاءِ بِالْحِجَارَةِ
١٥٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَكِّىُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ عَمْرٍو الْمَكِّىُّ عَنْ جَدِّهِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ اتَّبَعْتُ النَّبِىَّ ﷺ وَخَرَجَ لِحَاجَتِهِ، فَكَانَ لَا يَلْتَفِتُ فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَقَالَ «ابْغِنِى أَحْجَارًا أَسْتَنْفِضْ بِهَا - أَوْ نَحْوَهُ - وَلَا تَأْتِنِى بِعَظْمٍ وَلَا رَوْثٍ». فَأَتَيْتُهُ بِأَحْجَارٍ بِطَرَفِ ثِيَابِى فَوَضَعْتُهَا إِلَى جَنْبِهِ وَأَعْرَضْتُ عَنْهُ، فَلَمَّا قَضَى أَتْبَعَهُ بِهِنَّ. طرفه ٣٨٦٠ تحفة ١٣٠٨٥ - ٥١/ ١
نَقَّحَ منَاطَه أبو حنيفة ﵁ بكل شيءٍ طاهرٍ تَافهٍ قالعٍ للنجاسة وعمم، مع أنه لا يرد في الحديث إلا الحجارة، وقد علمتَ أنَّ تنقِيحَ المناط يجري في المنصوص أيضًا وعلمتَ أيضًا أن طريقَ تعليمِ صاحبَ النبوة هو التعليم بالعمل، فما أراد أَنْ يُعَلِّمَ أمَّتَه عَمِلَ به وأمرَهم باقتدائه، لا بأن يهيىءَ عبارةً مطردةً منعكسة ثم يُعرضها على الناس، فإنه طريقٌ مُحدَثٌ غير فِطري فاستعمل الحجارةَ على عادتهم ولكونها سهلةُ الوصول، وكان الغرضُ أعم منه، وذهب داودٌ الظاهري أن غيرها لا يُجزىءُ عنه.
١٥٥ - قوله: (وكان لا يلتفت) هذا من الآداب. قوله: (استنفض) أراد به إزالة النجاسة.
٢١ - باب لَا يُسْتَنْجَى بِرَوْثٍ
١٥٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ قَالَ لَيْسَ أَبُو عُبَيْدَةَ ذَكَرَهُ وَلَكِنْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ يَقُولُ أَتَى النَّبِىُّ ﷺ الْغَائِطَ، فَأَمَرَنِى أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ، وَالْتَمَسْتُ الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْهُ، فَأَخَذْتُ رَوْثَةً، فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ وَقَالَ «هَذَا رِكْسٌ». وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ حَدَّثَنِى عَبْدُ الرَّحْمَنِ. تحفة ٩١٧٠
١٥٦ - قوله: (ليس أبو عُبيدة ذَكَرَه) مع أنَّ الترمذيَّ رجَّحَه وخالف فيه شيخَه البخاري، وادَّعى أنَّ حديثَ أبي إسحاق عن أبي عُبيدة عن عبد الله ... إلخ أصحُّ عنده من حديث زهيرٍ هذا، وذَكَرَ له وُجُوهًا في «جامعه». ومال الحافظ رحمه الله تعالى إلى ترجيحِ طريق زهيرٍ كما رجَّحه البخاري، وأجاب عما أورده الترمذِيُّ.
قوله: (وألقىَ الرَّوثة) واعلم أنهمَّ اختلفوا في عدد الأحجار. فقال الشافعية: إن التثليث واجبٌ والإِيتار مستحبٌ، فلو استعمل رجلٌ الحجرين وأنقى يستنجي بثالثٍ وجوبًا عندهم لا عندنا. وعندنا القلعُ واجبٌ والتثليث والإِيتار مستحب كما هو في «البحر شرح الكنز». وينبغي للمشتغل بالحديث أن يويِّدَ ما في «البحر» ليكون مذهبُنا أقربُ إلى الحديث.
ثم الحافظ ﵀ اعترض على الطحاوي بأنَّ التمسك منه على الاستنجاء بالحجرين لا يصح، لما ثبت فيه من زيادة: «وأْتِني بثالث» قلت: إن كان هذا اعتراضًا على الطحاوي فهو على الترمذيِّ أيضًا، لأنَّه أيضًا بوَّبَ عليه بالاستنجاء بالحجرين، فعُلِم أنَّه لم يقبل تلك الزيادة.
стр. 278
ولنا ما عند أبي داود: «من استجمر فليوتر من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج» ... إلخ. والإِيتار بإِطلاقه يشمل الثلاث فما فوقه.
أما استدلال صاحب «الهداية» منه على نفي سُنِّية العدد بأن الإِيتارَ يحصُل من الواحد أيضًا فغير ناهِضٍ، لأنَّا لو حملنا الإِيتارَ على الواحد أيضًا. لَزِمَ نفي الاستنجاء رأسًا، لأنه إذا كان الواحدُ أيضًا تحت الاختيار فقد آل الخيار إلى نفس الاستجمار، مع أنه واجب اتفاقًا وهو كما ترى. علم أنه لم يثبت عنه ﷺ الاكتفاء بالواحد، فحملَهُ على الواحد مَشْيٌ على مجرد اللفظ. وكذا حُمْلُ البيهقي على ما فوق الثلاث إبطالٌ لغرض الشارع وإخلاءُ الشيء من نوعه.
والذي تحصَّل لي من روايات هذا الباب، هو أنَّ مقصودَ الشارعَ هو الإِقلاعُ وإِزالةُ النجاسات، والثلاثُ يجزىءُ عنه في الأغلب، فجاء ذِكرهُ لهذا. والوِتريةُ مطلوبةٌ في الأحوال كلِّها، فَرُوعِيَت في هذا الباب أيضًا. ولما كان الثلاث فيه الاجتزاء والوِترية معًا كَثُرَ ذكره في الأحاديث، فَذِكرُ الثلاث لكونه قالعًا ومُجْزِئًا لا لكونه واجبًا. ويشهدُ له ما أخرجه أبو داود عن عائشة ﵂: فليذهب معه بثلاثة أحجار، فإنَّها تُجزىءُ عنه. فأشار إلى أنَّ المطلوبَ هو الإِنقاء والاقلاع، والتثليثُ بعينه للإجزاء.
وأما أن الوِتريةَ مطلوبةٌ فلما ورد: «ءن الله وِترٌ يحبُّ الوترَ» وحينئذٍ حُمِلَ قوله: «فليوتر» على ما فوق الثلاث ابتداءً، كما حَمَله البيهقيُّ إعدامٌ لغرضِ الشارع، فإنَّه لم يَرِد به الثلاثُ فما فوقه لكونه عددًا مخصوصًا، بل أراد الوترية وجعلها مقصودَة. نعم، الثلاث محبوبٌ لكونه أقرب إلى الطهارة ولتحقُّقِ الوِترية فيه.
ثم العجب منهم حيثُ وردَ ذلك العددُ بعينه في كثير من الأحكام فلم يَرَوه واجبًا ففي الحديث: «أما الطِّيبُ فاغسُلْه عنك ثلاث مرات» قال النووي: إنما أمر به مبالغة في الإِزالة فإِن حصلت بمرة كفَتْه. في غير واحد من الموضع، وهو المُتَمَسَّك للحنفية في عدد الثلاث للتطهير في النجاسات الغير المرئية، وأما في المرئية فيكتفي عندهم إزالتها ولا عدد فيها.
وبعبارة أخرى إنَّ الشريعة إذا وردت بالإِيتار أعلنت معه بالاختيار، وقالت: من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج. وإذا وردت بالتثليث ذكرت معه الإِجزاءُ والاكتفاء، وهو قوله: فإِنَّها تجزىء عنه، فخرجَ أنَّ التثليثَ أيضًا مستحبٌ كاستحباب الإِيتار، وإِنْ كان التثليثُ للإِجزاء والإِيتارُ لتحصيل الوِترية، وصار إجزاء التثليثِ واستحبابُ الإِيتار مشروحين بالحديث بدون كُلفة، وخرج الوجوبُ من البين.
قوله: (هذا رِكْس) وقد وقع عند ابن ماجه بدله: «رجس» وفي النهاية: الركس شبيه المعنى بالرجيع. قال تعالى: ﴿اركسوا فيها﴾ [النساء: ٩١] أي ردوا. وقال ابن سيد الناس: رِكس كقوله: رجع، يعني نجسًا، لأنَّها أركست أي رُدَّت في النجاسة بعد أن كانت طعامًا. وقال الخطَّابي: الرِّكس: الرجيع من رَجَعَ من حالة الطهارة إلى حالة النَّجاسة. وفي رواية «رَكيس»
стр. 279
فعيل بمعنى مفعول، فإِذن هو وصفٌ لا حكمٌ وترجمته: "بهراهوا" ومآلُه إلى النجاسة. وعلى هذا يدور الحُكْم على هذا الوصف، فكلُّ ما يكون ركسًا يكون نجسًا.
وحينئذٍ يكونُ حجةً لنا على نجاسة الأزبال مطلقًا، سواء كانت لمأكول اللحم أو غيره، لأَنَّا علمنا العلَّة من جهة الشرع، وهي تصدُق على الأزبال فإنَّها ركسٌ، فتكون نجسًا لا محالة بخلاف الرجس فإِنَّه لا يفيدنا وإِنَّ كان صادقًا في نفسه، وذلك لكوزنه حكمًا على تلك الرؤية فيقتصر على مورده، ولم تعط فيها ضابطة من صاحب الشرع، لنستعمله في المواضع الأخر، بخلاف الركس فإِنَّه وصفٌ حِسِيٌّ، فيدور عليه الحُكْم حيثما دار.
ولعلَّ الرجس رواية بالمعنى، لأنَّ مآل الركس هو الرجس كما عَلِمْت. ثم إِنْ قلنا: إن الرجس أيضًا وصف بمعنى "بليدى" فهو وصفٌ غير منضبطٍ لأنه محوِّل إلى الطبائع ويحتاج إلى الاستقراء، فلم تتحصل منه ضابطة. نعم، لو كان الرجس منضبطًا لصلُح أن يُعلل به أيضًا. وفي رواية ابن خزيمة أنها كانت رَوْثة حمار. ونقله الشوكاني في «النيل» (١) وسهى فيه حيث جعله مرفوعًا فلا يبقى حجة لنا، لأنَّ معناه حينئذ أن كونه ركسًا ورجسًا لأجل كونه روثة حمار، وهو حيوانٌ غير مأكول اللحم، فلا يلزمُ منه نجاسةُ زِبْل مأكول اللحم، وهو في الحقيقة من جهة الراوي كما في «الفتح» فإِنه يذكرُ في بيان القِصة أنَّ الروثة التي جاء بها كانت روثةُ حمار، فهذا بيانُ واقعةٍ منه لا تعليل مِنَ النبي ﷺ فاحفظه. وقد تكلم ابن تيمية رحمه الله تعالى على المسألة في نحو خمسٍ وثلاثين ورقة واختار طهارة أزبالِ مأكول اللحم، وقد أَجبتُ عن كلامه في ورقة.
٢٢ - باب الْوُضُوءِ مَرَّةً مَرَّةً
١٥٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ تَوَضَّأَ النَّبِىُّ ﷺ مَرَّةً مَرَّةً. تحفة ٥٩٧٦
٢٣ - باب الْوُضُوءِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ
١٥٨ - حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عِيسَى قَالَ حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ. تحفة ٥٣٠٤
وقد ثَبَت عنه ﷺ الوضوء مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثًا ثلاثًا، إلا أنَّ السنة الكاملة ثلاثًا ثلاثًا. ثم لو تركه أحد يأثم أم لا؟ فهذه مسألة لا أتعرض إليها فإنَّه أمرٌ عظيم؛ نعم، أقول: إنَّ الترك بقدر ما تركه النبي ﷺ جائز، فإِن ترك التثليثَ واعتاد عليه، مُنِعَ.
стр. 280
٢٤ - باب الْوُضُوءِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا
ولعلَّ الصحابة رضي الله تعالى عنهم اختلفوا في بعض صفات وضوء النبي ﷺ في زمن عثمان وعلي ﵄ فاحتاجا إلى إرَاءَةِ صِفةِ وضوئه ﷺ وظاهر حديثهما الفصل كما هو مذهب الحنفية.
١٥٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأُوَيْسِىُّ قَالَ حَدَّثَنِى إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَزِيدَ أَخْبَرَهُ أَنَّ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ دَعَا بِإِنَاءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِى الإِنَاءِ فَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثَلَاثَ مِرَارٍ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، ثُمَّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِى هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». أطرافه ١٦٠، ١٦٤، ١٩٣٤، ٦٤٣٣ - تحفة ٩٧٩٤
١٥٩ - قوله: (ثم أَدْخَل يمينه في الإِناء) لما يأتي من قوله ﷺ «إذا استيقظ أحدكم» وما يتعلق به. وإنما غمس يده في الإِناء لأن إناءهم لم يكن له أُذْن يومئذ، والأُذْن ترجمته "لوئى".
قوله: (ثم صلَّى ركعتين) أي تحية الوضوء.
قوله: «لا يُحَدِّث فيهما نفسه» ومرَّ عليه الطحاوي في «مشكِل الآثار» وقال: إنَّ الأفصح نفسَه بالنصب. قال بعضهم: إنَّ المرادَ بتحديثِ النفس هو ما كان له فيه دخل واختيار، فالخواطرُ غير المكتسبة تبقى خارجةً وصاحبها يكون مشمولًا في قضية الحديث. «قلت»: لا حاجة إليه، وليكن النفيُ عامًا كما في الحديث وإِنْ كان أمرًا عسيرًا، لكنَّه إذا كان في النوافل فلا بأس، فإِنَّه يُشَدَّد في النوافل ما لا يُشدَّد في غيرها، لكونها معاملة المرء ونفسه.
قوله: (غُفِرَ له) وأطلقه المتقدمون وفصل فيه المتأخرون.
١٦٠ - وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ قَالَ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَلَكِنْ عُرْوَةُ يُحَدِّثُ عَنْ حُمْرَانَ، فَلَمَّا تَوَضَّأَ عُثْمَانُ قَالَ أَلَا أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا لَوْلَا آيَةٌ مَا حَدَّثْتُكُمُوهُ، سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ «لَا يَتَوَضَّأُ رَجُلٌ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ، وَيُصَلِّى الصَّلَاةَ إِلَاّ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ حَتَّى يُصَلِّيَهَا».
قَالَ عُرْوَةُ الآيَةُ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ [البقرة: ١٥٩]. أطرافه ١٥٩، ١٦٤، ١٩٣٤، ٦٤٣٣ - تحفة ٩٧٩٣ - ٥٢/ ١
١٦٠ - قوله: (ما بَيْنَهُ) ... إلخ وعند مسلم: «إلى صلاة أخرى». وعند المصنِّف رحمه الله تعالى في كتاب الرقاق عن عثمان ﵁ في آخره قوله: (فلا تَغْتَروا) وهو يرجع إلى معنى قوله: «لئلا يتكلوا» فبيَّن أن الوعد بهذا الإطلاق موضع الاغترار، فلا ينبغي الغفلة عن الأعمال، فإِنَّ المغفرةَ إنما تحلُّ بالمجموع، والمجموعُ مكفِّرٌ للمجموع، وهو غير معلوم في الدنيا، فلا ينكشف الأمرُ إلا في المحشر، فلا تغتروا بهذا الوعدِ ولا تظنُّوا أَنَّ هذا
стр. 281
القدرَ من العمل يكفي للنجاة، فعُلم منه أنه شيء اغترار لا موضع قرار، فإِذن هذا الحديث أيضًا في فواضل الأعمال لا في فرائضها. ومعنى الاغترار أن يغترَّ بهذا الوعد ولا يرغبُ في فضائل الأعمال.
٢٥ - باب الاِسْتِنْثَارِ فِى الْوُضُوءِ
ذَكَرَهُ عُثْمَانُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهم - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ .
١٦١ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ أَخْبَرَنِى أَبُو إِدْرِيسَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ». طرفه ١٦٢ - تحفة ١٣٥٤٧
قالوا: وهو من النَّثْرَة والاستفعال بمعنى تحريك النثرة، والظاهر عندي أَنْ يكون من النَثَّر.
١٦١ - قوله: (من استجمر) والجمهور على أَنَّ معناهُ استعمالُ الحِجَارة، وما نُقِل عن مالك أنَّه تجمير الكفن، فإِنه لا يليقُ بشأنه ومثلُ هذه النقول البعيدة توجد في مطاوي الأسفار وبطون الأوراق، فلا يُعتمد عليها.
٢٦ - باب الاِسْتِجْمَارِ وِتْرًا
١٦٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِى الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِى أَنْفِهِ ثُمَّ لِيَنْثُرْ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، وَإِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِى وَضُوئِهِ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِى أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ». طرفه ١٦١ - تحفة ١٣٨٢٠، ١٣٨٤٠
فلو أَنْقَىَ بالرابعة يَستعمِلُ الخامسة استحبابًا تحصيلًا للإِيتار.
١٦٢ - قوله: (إذا استيقظ أحدكم) ... إلخ (١) ويدخل فيه عِدَّة مسائل، مِنْ أنَّ الحديثَ من متعلقات الوضوء أو المياة، فإِنَّ كان من مسائل الوضوء يخرج منه سُنية غَسْل اليدين قبل الوضوء، ولا أحفظ فيه حديثًا قوليًا.
стр. 282
وأَنَّ النجاسة الموهومة هل لها أحكامُ التطهير؟
وأَنَّ أمر الغَسْل هل يختصُ بنوم من الليل أو النهار أو يعمهما؟
وأن سببَ الغسل ما هو؟
وأن التثليثَ ضروريٌ أم لا؟
وأنه إن غمس يده فيه فهل يفسد الماء أم لا؟
فاعلم أن ابن رُشدٍ تكلم عليه أنَّه من أي البابين، أعني من باب الوضوء أو المياه، فإِن كان من مسائل المياه كان محطُّه صيانةَ الماء لا غير، وهو أولى عندي، بقي الغَسْل قبل الوضوء فيكون من باب الأولى، لأن صيانةَ الماءِ إذا كان مطلوبًا في كل حالٍ كان للوضوء بالأولى، فالحديث وإن كان من باب المياه إلا أنه ينجرُّ حكمه إلى باب الوضوء أيضًا. ولا تناقض بين النظرين.
والحديثُ ناظرٌ إلى النجاسات الموهومةِ وأنَّ لها أحكام التطهير، ولذا أَمَرَهُ أن يغسل يده قبل إدخالها في الإِناء. ثم إنه لو غَمَسَهَا فيه بدون الغَسْل لا يفسدُ الماء، بشرط أن لم يكن على يده أثر نجاسة. نعم، كُرِه تنزيهًا، وهي الضابطة عندنا في النجاسات الموهومةِ كسؤور الدجاجة المُخَلاة إلا ما في «المنية». وأمرُ التثليث عندنا في النجاسات الغير المرئية خاصةً لحصولِ غلبةِ الظن بعده بالتطهيرِ. وهذا الحديث وأمثاله هو المتمسك في هذا الباب، وعند الترمذي: «فلا يْدُخِلْ يده في الإِناء حتى يُفرِغَ عليها مرتين أو ثلاثًا». وإنما وسَّع في الحكم ولم يؤكد لكون السبب أي وجودِ النجاسة محتمَلًا أيضًا، فحَكَم بقدر سببه.
والحديث حجةً لنا في مسائل المياه وها أنا أذكر مسألةَ المياه بقدْر الضرورة، وقد ذكرته تفصيلًا في درس «جامع الترمذي»، فاعلم: أن الماء يتنجسُ بالتغيُّرِ إجماعًا، وهو مذهب مالك رحمه الله تعالى بدون فصل بين القليل والكثير، وعنه روايات أخرى. وعند الشافعي رحمه الله تعالى: إذا بلغ الماءُ قلتين لم يحمل الخبث وإلا تنجَّس، وهو الفاصل عنده بين القليل والكثير. وعندنا الأمر مفوض إلى رأي المُبْتَلى به، فإِن رأى أنَّ النجاسةَ وقعت في جانبٍ وخَلَصَ أثرها إلى جانب آخر فهو قليل، وإلا فهو كثير في حكم الجاري. وبعبارة أخرى: أنَّ الماء إذا كان جاريًا أو في حكم الجاري فهو كثير وما وراءه فقليل. واختلفت الروايات عن أحمد رحمه الله تعالى.
والحاصل: أن الموقَّت والمحددَ في الباب ليس إلا الشافعية، فإنَّ المحدِدَ من لا يحكم بمقدار العِلَّة وهم الشافعية، فإنَّهم قالوا: إنَّ الماء إذا كان ما دون القلتين ولو بدرهم تنجَّس بقليل والنجاسة وكثيرها، وإن كان قُلتين لا يتنجَّسُ ولو بِرَطل منها، وهذا هو غايةُ التحديد حتى أنهم قالوا: إنَّ النجاسة إذا أُخرجت من قلتي الماء ولم يبق أَثرُها فالمطروحُ نجسٌ والباقي طاهر. وأعجب منه ما رأيت في كلمات بعضهم: أنَّ ما دون القلتين يتنجس وإن كان الماء
стр. 283
جاريًا والباقي طاهرًا، فهم الذين لا يحكمون بقدر العِلَّة، لأن حكمَ التَّنجيْس إن كان لحالِ النجاسة فالواجبُ أن يدارَ الحكمُ عليها، ويكون الحكم في القلتين وما دونهما سواء. ولكن المدار عندهم هو القلتان.
وأما أبو حنيفة ﵁ فليس بمحدد أصلًا، كما قرره الطحاوي، ومسألة العشر في العشر ليست مرويةً عن الإِمام، وأَمرُها معلومٌ ولا نذكره، ثم لا فرق بيننا وبين المالكية إلا أنهم اعتبروا التغيُّرَ باعتابر الحِسِّ، واعتبرناه بحَسَبِ ظن المبتلى به. وأنت إن تأملت ظهر لك إن شاء الله تعالى أن أقربَ الأنظار إلى الشريعة هو الإِحالةُ إلى ظن المبتلى به، ولا أراك شاكًا في أن ما اعتبرته الشريعة في أكثر الأبواب هو الظنُّ دون الحس، فإِن كان الأمرُ في الأبوابِ الأُخر هو هذا، فليكن في هذا الباب أيضًا كذلك.
ثم ما من مذهب فيه إلا ويلزمُ عليه أَنْ يتركَ حديثًا من أحاديثِ الباب أن يؤوِّل فيه. فالمالكية يستدلون بحديث بئر بُضَاعة وأمثاله، ويتركون حديثَ القُلتين وحديثَ النَّهي عن البول في الماء الراكد وأمثالهما. وهكذا الشافعية يختارون حديث القلتين ويؤوِّلون في الباقي. والحاصل: أن كلًا منهم يأخذُ بحديثٍ في الباب ويجعلُه قاضيًا على جميع الأحاديث، ويحصرُ فيه مسألة المياه، فيشكِلُ عليه جمعُ الأحاديث على مورد واحد فتارة يلجأ إلى تأويل هذا، وأخرى إلى إعلال هذا، فصار كما قيل:
إِذا سد منه منخر جاش منخر
وأمَّا إمامنا الأعظم فإِنَّه لدِقَّة نظره لم يترك في الباب حديثًا إلا وقد عَمِلَ به ووضعه على الرأسِ والعينِ بدون ريب، وقال: إنَّ الله تعالى خَلَقَ المياه على أقسام: فمنها ماء الأنهار، ومنها ماء الآبار، ومنها ماء الفَلَوات والقِفار، ومنها ما تُحْرَز في البيوت والديار، والشريعة الغراء قد أعطت لكلٍ منها حكمًا حكمًا.
فحديث بئر بُضَاعة إنَّما ورد في مياه الآبار بعد إخراج النجاسة عنها لا حَالَ كونها فيها.
وحديث القُلتين في مياه العيونِ التي في الفلوات، ويكون لها نبع من تحتها وأَخْرَجَهٌ من فوقها، ويَبْقَى في الصحارى على طريق الدوام يَستقي منه النَّاس، يَردُون عليها ويَصْدرون عنها، ولا يكون فيها تيقنُ النجاسة، غير أَنَّها لمَّا لم تكن مصونةً محفوظةً، تسبقُ الأوهامُ إلى نجاستها، ويتزَّهُ العامَّة عن استعمالها.
وحديث ولوغِ الكلب وأمثاله في المياه المقطوعة المحرزة في الأواني. ولذا أخذها الحديث في العُنوان وقال: «طهورَ إناءِ إحدكم إذا ولغ فيه الكلب» ... فلا يغمس يده في الإِناء. كما أنه أخذ عُنوان الفلوات في حديث القُلتين. فدلت الأحاديث من حاقِّها على أنَّها جاءت موزعةً على مياه. ثم إنَّه لمَّا لم يتفق في البيوت إلا أن يَلَغَ الكلبُ، أو تشربَ منه الهرةُ، أو تقعَ فيه الفأرة، أو يغمسَ أحد فيه يده، فقد أخذ كله في العُنوان ثم بيَّن له حكمًا.
وحديثُ ماء الفلوات لا يكون فيها إلا ورود السِّباع، فذكر له حكمًا أيضًا، فلمَّا علمنا أنها
стр. 284
قد أقامت أبوابًا عديدة في مسألة المياه، وقصدت أن تعُطي لكل منها حكمًا حكمًا فليأتها من أبوابها ولا يختلط بينها فمياه الآبار حكمُها أنها تتنجَّسُ بوقوع النجاسات، ثم يبقى سبيلٌ بنزحها كلها أو بعضها بعد إخراج النَّجاسة عنها فلا يكونُ نجسًا بحيث لا يَطْهر أبدًا، كما أنَّ المؤمن لا ينجس وأن الأرض لا تنجس. وهو معنى قوله: «إن الماء طهورٌ لا ينجسه شيء». أي بحيث لا يطهر أبدًا أو بحيث كما زعمتم.
ومياه العيونِ حكمها أنَّها لا تتنجس من النجاسات الموهومة غير المقطوعة أصلًا، وذكر القُلتين لأنه إذا بلغَ هذا المقدارُ لا يظهرُ فيه أثر النجاسة غالبًا ولم يرد به التحديد، ولهذا صح فيه لفظ: أو ثلاثًا فهو للتنويع والتقريب، وإن حمله الشافعية على الشك. على أنَّ حديث القُلتين لو حملناه على ما حملوه لكان غريبًا في الباب، فإِن مسألةَ المياه مع كثرة الأحاديث لا يوجدُ فيها ذكرٌ للقلتين، ولا نعلمه إلا من تلقاء ابن عمر. ثم لم يرو عنه غيرَ هذا. فَندْرَته عندهم وعدمُ البحث عنه صريح في أنه ليس بمدارٍ بل نحو تعبير فاعلمه.
والمياه المحرزةُ حكمها أنَّها تتنجس ولا يبقى إلى تطهيرها سبيلٌ غيرُ طرحها، يل يتنجس معها أوانيها أيضًا. ولذا قال: «طهور إناء أحدكم ... » إلخ فهذه أقسامُ المياه وتلك أحكامُها فَرَاعِها وأنزلها في مَنَازِلها، ولا تُدْخِلْ جملتَها تحت حديثٍ واحد (١).
تنبيه
وهناك سهوٌ ينبغي أَنْ يَتَنبَّه عليه النَّاظر، وهو أن الحنفية عند تقرير الاضطراب في حديث القُلتين قالوا: إنه رُوي عن ابن عمر أربعين قُلة. هكذا وجدناه في «فتح القدير» أيضًا، وكنت أظنَّ أن الصحيحَ ابن عمرو وسقط الواو من الناسخ وحينئذ يَخِفُّ الاضطراب، حتى إذا طُبع كتاب البيهقي وجدناه فيه عن ابن عمرو بن العاص، ففرحتُ منه فرحَ الصائم عند الإِفطار. فهذا سهوٌ قد تسلسل في الكتب فلا تَغْفُلْ عنه، والأمر كما قلنا.
أما حديث المستيقظُ فحجةٌ لنا في الباب واستدل به صاحب «الهداية» أيضًا بأنه إذا أُمرنا بغسل اليد عند احتمال النجاسة، علمنا أنها لو كانت على يده حقيقة نؤمرُ بغسلها بالأولى. ومعلوم أنَّه لو غمسها وعلى يده نجاسة لَمَا تغير منها الماء لقُلتها، ومع ذلك حكمت الشريعةُ بغسلها، وليس ذلك إلا لتنجس الماء بهذا الغمس عندها، فأمره أَنْ يغسلها قبل أن يُدخِلَها في الإِناء لئلا ينجسَ الماء كما يشير إليه التعليل بقوله: «فإنه لا يدري أين باتت يده» أي على موضع النَّجاسة أو غيره.
стр. 285
فلا بد أن يكونَ لإِلقاء اليدِ المحتملة النجاسة تأثيرٌ في الماء عندها وهو النجاسة، ولذا مَنَعَه عن إلقائِها، وهو الذي فَهِمَه أحمد وإسحاق والشافعي رحمهم الله تعالى، كما يدل عليه عبارة الترمذي والحافظ ابن تيمية، لمَّا اختار فيه مذهب مالك رحمه الله تعالى جَعَلَه من باب النظافة، يعني أن إلقاءَها فيه حال كونِها محتملةَ النُّجاسة بعيدةٌ عن النظافة وإن لم ينجس الماء فهو كالنهي عن البصاق في الماء والتنفس فيه، مع أنهما لا يُنَجسان الماء عند أحد.
وقال في تقريره: إن للشيطان ملامسةٌ وملابسةٌ بالإِنسان، فإِنَّه يبيت على خَيَاشيم بني آدم ولذا أمره الشارعُ بغسل الخياشيم عند الانتباه، وهكذا له ملابسةٌ بيده أيضًا لكونها جارحة، فوردت الشريعةُ بغسلِها قبل غمسها لأجلِ هذا النظر المعنوي لا غير، فإن هو من باب النَّظافة دون النجاسة.
حتى أنَّ الشيخ ابن الهُمام رحمه الله تعالى أيضًا تأثر منه وقال: ليس فيه تصريح يتنجس الماء بتقديرِ كونِ اليد نجسة، بل ذلك تعليلٌ منها للنَّهي المذكور وهو غيرُ لازم، أعني تعليلَه بتنجس الماء عينًا بتقدير نجاستها، لجواز كونه لأعم من النجاسة والكراهة. فنقول: نهى لتنجُّس الماء بتقدير كونها متنجسة بما يغير، أو الكراهة بتقدير كونها بما لا يغير.
وحاصله: أنَّه يُمكن أن يكون الماءُ على تقدير غَمْسها مكروهًا لا نجسًا، وإنما يكون نجسًا إذا تغير، ولا دليلَ فيه على أنه يكونُ نجسًا عند عدم التغير أيضًا، فإن النهي يكون عن المكروه كما أنه يكون عن النجس.
قلت: أمَّا ما ذكره الحافظ ابن تيمية فقد ذكرنا أنَّه لم يذهب إليه أحد من الأئمة، وكلهم حَمَلوه على باب النجاسة دون النظافة، ثم إنَّ ملابسَتَه إنما هي بمواضع الألواث، فإنه يلعب بمَقَاعِدِ بني آدم ويبيت على الخياشيم لكونها مواضع اللوث أيضًا، أو ملابسته ليُلقي منها الوساوس إلى القلب والدِّماغ، واليد بمعزلٍ منهما، فماله ولليد؟ مع أنَّ الذكر في الحديث لتَطْوَاف اليد وجولانها، فهو الدخيلُ في النجاسة لا ملابسة الشيطان، ولو كانت لتعرَّض إليها أيضًا كما تعرض إلى بيتُوتته على الخياشيم، على أن في الدارقطني: «أين باتت يده منه» وصححه ابن مَنْده الأصبهاني (١).
فهذا صريحٌ في أنَّ المدخل لبيتُوتة اليد على حصة من جسده، لا لبيتوتة الشيطان على يده فجعلَ الحديثُ اليدَ طائفًا وبائتًا، وجعل ابن تيمية رحمه الله تعالى الشيطان بائتًا. وذكرَ الحديث بيتوتَة اليد من جسدِهِ وذكر هو ملابسةَ الشيطان بيده، فأني هذا من ذاك؟.
وأما ما ذكره ابن الهُمَام فلست أُحَصِّلهُ أيضًا، لأنه لا معنى للكراهة إلا أنها لأجلِ النجاسةِ المحتملة، فالكراهةُ أيضًا من فروع النجاسات لا أنَّها باب آخر. وتفصيله: أن الماء عندنا إما طاهر أو نجس إن وقعت فيه نجاسة، وليس فيه قسم ثالث. أما كونه مكروهًا فليس إلا لأجل