بالقُروء حين خاطب النساء، ولما تَوجَّه إلى الرجال، وذكر تطليقَهم الذي هو فَعْلهم، قال: لِعِدَّتِهنّ، فظهر تعدُّدُ العِدّتَين من اختلاف السياقين، إلَّا أنَّ عدّة الرِّجال لما لم تُذْكر في عامة كُتُب الفِقْه تبادَر الذِّهن إلى العِدّة المعروفة، وهي عِدّة النِّساء، فلا علينا أن نَحْملها على عِدّة الرجال بعد ما تعرّض إليها القرآن. وقد أقرّ ابنُ القَيّم بقوةِ مذهب الإِمام الأعظم، وقال (١): إنَّ أحمد أيضًا مالَ إليه بآخِره.
٢ - باب إِذَا طُلِّقَتِ الْحَائِضُ يُعْتَدُّ بِذَلِكَ الطَّلَاقِ
٥٢٥٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ قَالَ طَلَّقَ ابْنُ عُمَرَ امْرَأَتَهُ وَهْىَ حَائِضٌ، فَذَكَرَ عُمَرُ لِلنَّبِىِّ ﷺ فَقَالَ «لِيُرَاجِعْهَا». قُلْتُ تُحْتَسَبُ قَالَ «فَمَهْ». وَعَنْ قَتَادَةَ عَنْ يُونُسَ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا». قُلْتُ تُحْتَسَبُ قَالَ أَرَأَيْتَ إِنْ عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ. أطرافه ٤٩٠٨، ٥٢٥١، ٥٢٥٣، ٥٢٥٨، ٥٢٦٤، ٥٣٣٢، ٥٣٣٣، ٧١٦٠ تحفة ٦٦٥٣، ٨٥٧٣ - ٥٣/ ٧
٥٢٥٣ - وَقَالَ أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ حُسِبَتْ عَلَىَّ بِتَطْلِيقَةٍ. أطرافه ٤٩٠٨، ٥٢٥١، ٥٢٥٢، ٥٢٥٨، ٥٢٦٤، ٥٣٣٢، ٥٣٣٣، ٧١٦٠ - تحفة ٧٠٦٤
وهذه هي المسألةُ التي أنكرها ابنُ تيمية. فإِنه قال: إنه لا يُعتدّ بالطلاق في حال الحَيْض، مع أن ابنَ عُمر الذي هو صاحب تلك الواقعة أقرّ باعتدادها. وتأوّل ابنُ تيمية قوله: فَمَه، أنه بمعنى كفّ، يعني هت. وقوله: «إنْ عَجَز واستَحْمق»، بأنَّ الشَّرع لا يتغيّر بتغييره، وإذا كان حُكْم الشَّرْع فيه أنّ الطلاق في الحَيْض لا يُعْتبر، فهل يمكن تغييرُه، واعتبارُه بتطليقه، وحَمَقِه؟ وقال الجمهور: إنّ «ما» استفهامية، ومعناه ما المانع من احتسابه؟ وهل تُهدر أحكامُ الشَّرع بعجزه وحَمَقه؟ بل يعتبر بطلاقِه قَطْعًا، فعكس ابنُ تيميةَ مرادَه إلى ما رأيت، قلتُ (٢): وإذا تأوّل ابنُ تيميةَ في هذه الألفاظ، فماذا ينصع في قوله: «حسبت عليّ بتطليقة؟ فإِنه صريحٌ في عِبْرتها، إلاّ أنه من طريقِه أنه إذا مَرّ بلفظ لا يُسوّغ فيه تأويله، يُغْمض عنه.
تُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِى إِلَى رِفَاعَةَ، لَا، حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ وَتَذُوقِى عُسَيْلَتَهُ». أطرافه ٢٦٣٩، ٥٢٦١، ٥٢٦٥، ٥٣١٧، ٥٧٩٢، ٥٨٢٥، ٦٠٨٤ - تحفة ١٦٥٥١
٥٢٦١ - حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِى الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَجُلًا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا، فَتَزَوَّجَتْ فَطَلَّقَ فَسُئِلَ النَّبِىُّ ﷺ أَتَحِلُّ لِلأَوَّلِ قَالَ «لَا، حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَهَا كَمَا ذَاقَ الأَوَّلُ». أطرافه ٢٦٣٩، ٥٢٦٠، ٥٢٦٥، ٥٣١٧، ٥٧٩٢، ٥٨٢٥، ٦٠٨٤ - تحفة ١٧٥٣٦
واعلم أنَّ الطلاق البِدعي ينقسم عندنا إلى قسمين: بِدعي من حيثُ الوقتُ، وهو في زمان الحَيْض، وبِدَعي من حيثُ العددُ. وأما عند الشافعيِّ (١) فلا بِدعي عنده مِن حيثُ العددُ، فلا يكونُ الجَمْع بين الطلاقاتِ الثلاث بِدعةً عنده، وإليه مال المصنّف، خلافًا للجُمهور. وقال داود الظاهري: إن جَمْعها في لفظ يقع واحدًا أيضًا، وهذا الذي ذهب إليه ابنُ تيميةَ. واختاره غيرُ المقلِّدين أيضًا، وتمسّك البُخاري بقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ وَوَجْه الاستدلالِ منه ذكره المُحشِّي.
قلتُ: الآية حُجّة عليه لا له، فإِنه ليس معنى قوله: ﴿مَرَّتَانِ﴾ اثنتين، بل معناه مَرّة بعد مرة. وذلك لأنَّ التثنيةَ على نحوين: الأول: نحو زيدان تثنية لِزَيد، والثاني تثنية ما فيه تاء الواحدة، ويُسمّى تثنيةَ التكرير، كما في قوله تعالى: ﴿فارجِع البَصَر كَرَّتَين﴾ وكالمرةِ والمَرَّتان، ومعناه مَرّة بعد مرة، فحصل فيه معنى التثنية مع مراعاةِ الوحدة، كذا فَهِمه الزَّمخشريّ.
ومن ههنا زال الإِشكال المشهور، أن التاء في المرة للوحدة، فكيف بتاء التثنية منها؟ والجواب أنها بمعنى التكرير. وإذَن دَلّت الآيةُ على التفريق، لا على الاجتماع الذي هو مقصودُ المصنِّف.
قوله: (﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾) أي الرَّجْعة عنها.
قوله: (﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾) وهو تَرْك الرَّجْعة، وقوله تعالى: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا﴾ ... إلخ، طلاقٌ ثالِثٌ عندنا. ومُحصَّل الآيةِ أن الله سبحانه ذَكَر أولا طَلْقتين، وحُكُمهما، فذَكَر أنه واحد بعد واحد، وأنهما يَعْقُبهما الرَّجعة، وأنهما قد يكونان بمال، وقد يكونان بغير مال، وسمى الطلاق بالمال خُلْعًا. ولما فَرَغ من بيان أحكامِهما، شَرَع في ذِكْر الثالث، وقال: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا﴾ ... إلخ، فتلك لا رجعة بعدها، هذا ما عندنا.
وقال الشافعيُّ: إنَّ الطلاقَ الثالثَ هو قوله: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾. فالمراد منه عنده
стр. 2808
الطلاقُ. ويؤيِّدُه ما عند أبي داود أن النبي ﷺ سُئل عن الثَّالثِ، فقال: إنّه تسريحٌ بإِحسان. قلتُ: وفي إسناده لين، على أَنّي قد جَرّبت من صنع الحنفية مع القرآنِ أنهم يُعطون أوّلًا حَقّ سياق النّظم، فإن التأَمَ الحديثُ به فيها، وإلاّ يُؤوّلون في الحديث. ولما أوجب سياقُ النَّظْم ههنا أن يكون التسريحُ بإِحسان عبارةً عن تَرْك الرَّجْعة، قالوا به. فإِنَّ القرآن بصددِ بيانِ أحكام الطَّلْقتين، وهي أن المرءَ يتخيّر بعدهما بين الرَّجعة وتَرْكها، فذكرها، وهذه هو اللغة في التسريح بإِحسان، وهو الذي أراده القرآن في غيرِ واحدٍ من المواضع، فقال: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأَحزاب: ٢٨]، وقال: ﴿وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأَحزاب: ٤٩] ولم يُرِد به طلاقًا ثالثًا في موضع، فلا علينا أن لا نحمله على الطلاق في هذه الآية أيضًا.
بقي تأويلُ الحديث، فلنا أن نَقُولَ: معناه إنَّ الطلاق الثالث يجتمع مع التسريح أيضًا، لا أنه عَيْنُه، فَإِنَّ تَرْك الرجوعِ قد يُجامِعُه التطليق أيضًا؛ وبالجملة (١) مدلولُه اللغوي ليس إلا تَرْكُ الرجوع، نعم ذلك قد يجتمع مع التطليقِ أيضًا؛ فالطلاق ليس بمقصودٍ منه وإنْ جامعه، وإنما ذكره من قوله: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا﴾ وإلا يلزم أن يكون قوله: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا﴾ رابِعًا، كما قَرّره الأُصُوليون.
قوله: (قال ابنُ الزُّبير في مريض طلق: لا أرى أن تَرِث مَبْتُوتتُه) ولها الإِرث عندنا في الرَّجعي، وما ذكره ابنُ الزّبير لا هو يخالفنا ولا يوافِقنا.
قوله: (وقال الشَّعبي: ترثه) وهو تابعي جليلُ القَدْر، يقول: إنَّ زوجة الفارّ تَرِث بكلِّ حالٍ.
قوله: (فقال ابن شُبْرُمة: تتزوج إذا انقضت العِدّة؟ قال: نعم، قال: إنْ مات الزوجُ الآخر، فرجع عن ذلك) وحاصلُ إيرادِ ابن شُبرُمة أنه يلزم على هذا التقدير أن ترث مِن زَوْجين معًا، فيما إذا طَلّق المريضُ وانقضت العِدّة، ثُم تزوّجت زَوْجًا آخَر، ثُم مات الزَّوجُ الأَوّل والآخر في يومٍ واحد. فرجع الشَّعبي عن فَتواه، وقال: تَرِثه ما دامت في العِدّة، لا بعدها.
٥٢٥٩ - قوله: (فطلَّقها ثَلاثًا) واستدل منه البخاريُّ على أنه جَمَع بينها في اللّفظ، ولم يُنْكر عليه النبيُّ ﷺ فدلّ على عدم كونها بِدْعة؛ قلتُ: أوّلًا: فبأن التطابُقَ بين
стр. 2809
الحكايةِ والمَحْكي عنه في الصّفة أيضًا ليس بضروري، يمكن أن يكون طَلّقها في الخارج متفرِّقًا، وعبر عنه الراوي ثلاثًا، أخذًا بالحاصل، ولا بُعْد فيه. ولأنها (١) لما وَقعت الفُرْقة بنفس اللِّعان - كما هو مذهبُ الشافعي - لم يصادف تطليقُه إياها محلَّه، فكان هَدْرًا، فلم يعبأ بها. وإذَن لا تقرير فيه أيضًا، فإِنه لو صادف مَحلّه، ثُم سكت عليه النبيُّ ﷺ لكان تقريرًا منه، وأما إذا كان فِعْلُه عَبثًا، وتطليقه كالعَدم، فأغمض عنه، وأما ثالثًا: فبأن الفُرقة وإن لم تقع عندنا بنفس اللعان، لكنها قد استحقّتها، وعلى شرف منها، ومعلومٌ أنها لا سبيلَ لها إليه بعد اللِّعان، ففي مِثْله يجوز تطليقُه ثلاثًا عندنا أيضًا، لأنه إذا انقطع احتمالُ العَوْد، ولم تبق مَظِنّة الرجوع، فلا بدعة في تطلِيقِها ثلاثًا. واستنبطت ذلك مما رُوي عن محمد أنّ الخُلْع في الحَيْض جائز، مع كونِ الخُلْع طلاقًا بائنًا، وهو بِدْعة، ولا سيما في الحَيْض، فإِذا جاز البائن في الحَيْض عند تحتم عدم الرجوع، جاز الثلاثُ أيضًا بجامع يأسِ الرَّجعة فيهما، فلا فَرْق، إلاّ أن هذا بائنٌ خفيفًا، وذلك غليظًا، وليس بفارق. وقد ذكرناه من قبل مَرّتين، ففكر فيه.
٥ - باب مَنْ خَيَّرَ نِسَاءَهُ
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٨].
٥٢٦٢ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنَا أَبِى حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - قَالَتْ خَيَّرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاخْتَرْنَا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَلَمْ يَعُدَّ ذَلِكَ عَلَيْنَا شَيْئًا. طرفه ٥٢٦٣ - تحفة ١٧٦٣٤
٥٢٦٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَامِرٌ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنِ الْخِيَرَةِ، فَقَالَتْ خَيَّرَنَا النَّبِىُّ ﷺ أَفَكَانَ طَلَاقًا قَالَ مَسْرُوقٌ لَا أُبَالِى أَخَيَّرْتُهَا وَاحِدَةً أَوْ مِائَةً بَعْدَ أَنْ تَخْتَارَنِى. طرفه ٥٢٦٢ - تحفة ١٧٦١٤
وللاختيار عندنا أَحْكامٌ، ذكرها الفُقهاء في فصل مُستقلّ، وذهب (٢) بعضُ السّلف أن في اختيارها الزوج أيضًا طلاقًا، وليس مَذْهبًا للجُمْهور.
قد ذكرنا أَنَّ لَفْظ الحرام (١) مُؤثِّر في النساء عندنا، وعند غيرنا، أما في غير النِّساء، كالطعام، والشراب، فيؤثر فيه أيضًا عندنا، بخلاف الشافعي، فإِنه لا أثرَ له في غير ما عنده. وتفرّد ابنُ عباس، حيث أنكر تأثيرَه في النساء وغيرها سواء.
قوله: (وقال الحسن: نَيّته) أي ما نوى يمينًا، أو طلاقًا، أو ظهارًا، وهو أصلُ مذهبنا وإن أفتى المتأخرون بكونِه طلاقًا.
قوله: (وقال أهلُ العِلم: إذا طَلَّق ثلاثًا)، فقد حَرُمت عليه، فَسمّوه حرامًا، أي إذا أطلقوا لَفْظ الحرام في الطلقاتِ الثلاث، فلو قال أحدٌ لَفْظ الحرام بعينه، ينبغي أن يكونَ مُؤثِّرًا أيضًا.
قوله: (وليس هذا كالذي يحرم الطَّعام) ... إلخ. وافق فيه الشافعي، ولم يجعل له في غير النساء حُكْمًا، واستدل عليه بأن الشَّرْع لم يضع لتحريمِ الطعام بابًا، بخلاف تحريم النساء.
٥٢٦٤ - قوله: (كان ابنُ عُمرَ إذا سُئل عَمَّن طَلَّق ثلاثًا، قال: لو طَلَّقت مَرّةً، أو مَرّتين) وفي الخارج (٢) أنه كان يقول له: عصيت ربك، ووجه مناسبته مما قبله بينه المُحَشِّي.
٨ - باب ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]
٥٢٦٦ - حَدَّثَنِى الْحَسَنُ بْنُ صَبَّاحٍ سَمِعَ الرَّبِيعَ بْنَ نَافِعٍ حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ عَنْ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ إِذَا حَرَّمَ امْرَأَتَهُ لَيْسَ بِشَىْءٍ. وَقَالَ ﴿لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. طرفه ٤٩١١ - تحفة ٥٦٤٨
٥٢٦٧ - حَدَّثَنِى الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَبَّاحٍ حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ زَعَمَ عَطَاءٌ أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ سَمِعْتُ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ يَمْكُثُ عِنْدَ زَيْنَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ، وَيَشْرَبُ عِنْدَهَا عَسَلًا، فَتَوَاصَيْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ أَنَّ أَيَّتَنَا دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِىُّ ﷺ فَلْتَقُلْ إِنِّى أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ، أَكَلْتَ مَغَافِيرَ فَدَخَلَ عَلَى إِحْدَاهُمَا فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ «لَا بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ وَلَنْ أَعُودَ
كَعْبٍ، وَسُلَيمانَ بْنِ يَسَارٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَاْلقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ، وَعَمْرِو بْنِ هَرِمٍ، وَالشَّعْبِيِّ: أَنَّهَا لَا تَطْلُقُ.
وهو المسألةُ عندنا، إلَّا إذا أضافه إلى المِلْك، أو سببه. وعند الشافعية لا تأثير للتعليق مطلقًا، سواء أضافه إلى المِلك، أو إلى سببه، فلا طلاق ولا تعليق عندهم إلَّا بعد تحقُّق النكاح، والأَصْل فيه أنَّ الحنفية نظروا إلى تناسبٍ بين الشرط والجزاء، فإِذا وجدوهما متناسِبَين، قالوا بتأثير التعليق، وإلَّا فلا. وإذ لا تَناسُب في قوله: إن دخلتِ الدَّار، فأنت طالق للأَجنبية، فإِنه لا حَقّ له عليها تَنْجِيزًا، أو تعليقًا قالوا ببطلانه، بخلاف ما إذا أضاف طلاقها إلى زمانٍ (١) صَلَح للطلاق، كالنِّكاح، وهذا كما قالوا في الكَفالة: إنَّ تعليقها بنحو: إنْ هَبّت الريح، مهمل، بخلاف إن ركب عليك دَيْن، فإِنه معتبر.
١٠ - باب إِذَا قَالَ لاِمْرَأَتِهِ وَهْوَ مُكْرَهٌ: هَذِهِ أُخْتِي، فَلَا شَىْءَ عَلَيْهِ
قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِسَارَةَ: هَذِهِ أُخْتِي، وَذَلِكَ فِى ذَاتِ اللَّهِ ».
وقد جمع البخاريُّ ههنا من السَّلف أسماءً كثيرة، والسبب في ذلك أنه وقع مِثْله في زمن ابن عبد الملك، فاستفتى علماءَ زمانه، فاجتمعت عنده فُتياهم على عدم تأثيره، فنقلها البخاريُّ، ومَنْ أراد أن يجمع أسامي الذين أجابوا على وَفْق مذهب الحنفية، فليراجع «الجَوْهر النَّقي» (٢)، و «الزَّيلعي»، و «العيني».
стр. 2814
قلتُ: ولنا ما عن عمر عند مالك في «موطئه» (١)، وهو وإنْ كان في الظِّهار، لكن
٥٢٧١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ أَخْبَرَنِى أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ أَتَى رَجُلٌ مِنْ أَسْلَمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهْوَ فِى الْمَسْجِدِ فَنَادَاهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الأَخِرَ قَدْ زَنَى - يَعْنِى نَفْسَهُ - فَأَعْرَضَ عَنْهُ فَتَنَحَّى لِشِقِّ وَجْهِهِ الَّذِى أَعْرَضَ قِبَلَهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الأَخِرَ قَدْ زَنَى فَأَعْرَضَ عَنْهُ فَتَنَحَّى لِشِقِّ وَجْهِهِ الَّذِى أَعْرَضَ قِبَلَهُ فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ فَأَعْرَضَ عَنْهُ فَتَنَحَّى لَهُ الرَّابِعَةَ، فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ دَعَاهُ فَقَالَ «هَلْ بِكَ جُنُونٌ». قَالَ لَا. فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ «اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ». وَكَانَ قَدْ أُحْصِنَ. أطرافه ٦٨١٥، ٦٨٢٥، ٧١٦٧ - تحفة ١٥١٥٨، ١٣١٤٨
٥٢٧٢ - وَعَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ أَخْبَرَنِى مَنْ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِىَّ قَالَ كُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُ فَرَجَمْنَاهُ بِالْمُصَلَّى بِالْمَدِينَةِ، فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ جَمَزَ حَتَّى أَدْرَكْنَاهُ بِالْحَرَّةِ، فَرَجَمْنَاهُ حَتَّى مَاتَ. أطرافه ٥٢٧٠، ٦٨١٤، ٦٨١٦، ٦٨٢٠، ٦٨٢٦، ٧١٦٨ - تحفة ٣١٦٩ - ٦٠/ ٧
والإِغلاق لفظ حديث ابن ماجه، واختُلف في شَرْحه، قيل: هو الإِكراه، وقيل: الجنون، والمتبادِر من لفظه هو الأَوّل، والأكثرون في طلاق المُكْره، إلى أنه لا يقع، ويقع (١) عندنا. ومَرّ عليه السُّهيلي في «الروض الأُنف» وصرح أنَّ الوَجْه الفِقْهي يؤيِّدُه، وقَوّى مذهب الحنفية.
قلتُ: وقد رَخّص الحنفية بالتوريةِ (٢)، فاعتبروا توريتَه ديانةً وقضاءً، فقد أخرجوا له سبيلًا، إلَّا أنه إذا عجز واستحمق هو، ولم يعمل بما رُخِّص به، فكيف لا نعتبرُ بطلاقه؟ وراجع «شرح الوِقاية» (٣).
قوله: (السَّكْران) "نشه والا"، وليست ترجمته "بيوش"، ولنا في السُّكر من الحَرَام قولان، فإِن كان من الحلالِ لا يقعُ طلاقُه، قولًا واحدًا.
قوله: (والغَلَط) وهو الخطأ، أي أراد أن يسبِّح اللَّهَ، فسبق على لسانه ذِكْر الطلاق.
стр. 2817
قوله: (والنسيان) واستُشكلت على بَعْضهم صورةُ النِّسيان، وذَكَر له في «البحر» صورًا، نحو أن يقول: إن أجزتُ لك أن تذهبي إلى بيتِ فُلان، فأنت طالق، فنسي وأجاز.
قوله: (والشِّرك) وإنما أضافه لكونه لفظًا قرآنيًا، إلا أنه مُقيّد بكونِ قلبه مطمئنًا بالإِيمان.
قوله: (الأعمال بالنية) وقد علمت أنَّ الحديث في بيان أن نوعَ الأعمال من تَنَوُّع النيات، فإِيراده ههنا في غير موضعه.
قوله: (وتلا الشَّعبي: ﴿لَا تُؤَاخِذْنَا إنْ نَسِينَا أو أَخطَأْنَا﴾) ... إلخ، ولذا سبق مني أنَّ النِّسيان والخطأ اعتُبر في الشَّرْع عُذْرًا، أزيدُ مما اعتبره الحنفيةُ في فِقْههم.
قوله: (والمُوَسوس) المَجْنُون، أو المَعْتوه، والعَتْه أخفُّ من الجنون، وضَبْطُه مُشْكِل.
قوله: (أَبِك جُنونٌ) فدلّ على أن الجُنون مُسْقِط.
قوله: (إذا بدأ بالطلاقِ فله شَرْطُه) يعني لا فَرْق بين تقديمِ الشَّرط وتأخِيره، ولا تناسب له في سلسلة المسائل.
قوله: (يُسْأل عَمّا قال) يعني ما أراد مِن قوله: كذا وكذا. وفي الكنز أن في قوله: لا آكُل طعامًا بلفظ عام قولان: قيل: لا يُعتبر فيه الخُصوص، وقال الخَصّاف (١): يُعتبر ديانةً.
قوله: (فإِنْ سَمّى أَجَلًا) ... إلخ. والنيةُ عندنا تَعْمل في الملفوظ فقط، فهذا مخالِفٌ لنا، لأن بيانَ الأَجَل تقييدٌ لا تخصيص.
قوله: (جُعِل ذلك في دِينِه) هذا هو الدِّيانة التي تُقابل القضاء.
стр. 2818
قوله: (لا حاجةَ لي فيك) ولا يقع منه الطلاق عندنا وإنْ نواه، وَوَجْهه في "البحر".
قوله: (وقال ابن عباس: الطلاق عن وَطَر) أي يكون بحاجةٍ، ولا يكون بلا وَجْه.
قوله: (والعَتاق ما أُريد به وَجْههُ الله) فلو قال: أنت حُرُّ للشيطان، عَتَق عندنا، أما قوله: للشيطان، فلغوٌ.
قوله: (وقال عليّ: ألم تعلم) ... إلخ، وهي القِصّة التي قال فيها عمرُ: لولا عليٌّ لهلك عمرُ، وتفصيل القصة: أنَّ عمرَ أمَر برجمِ امرأةٍ، فاستقبلها عليٌّ، فأخذها، وذهب بها إلى عمرَ، وقال: ألم تعلم ... إلخ. قلتُ: والوَجْهُ عندي أن عمرَ لم يُدْرك جنونَها، وإلا فالرَّجْم على المجنونةِ بديهي البطلان، وذلك لأن في الرواية أنه لما أَمَر برجمِها كانت تَضْحك. فقال عليٌّ: لعلّ في عقلها فُتورًا. ولا تحزن باختلاف الرواة، بأنه كان في الرواية الأولى؛ أنّ عليًا استقبلها، ثم ذهب بها إلى عمرَ، وفي رواية أخرى: أنه كان قاعدًا عنده وَقْت القضاء، ورآها ضاحِكةً، فإِن ذلك معروفٌ فيما بينهم، وعليك بالقَدْر المشترك.
٥٢٦٩ قوله: (إذا طَلَّق في نفسه، فليس بشيء) وهو مَذْهبنا، بل كلُّ شيء يتلفظ به لا يتعلق بتصوره في ذِهْنه، حُكمٌ عندنا، ما لم تسمعه أذناه، كالقراءة في الصلاة.
١٢ - باب الْخُلْعِ (١) وَكَيْفَ الطَّلَاقُ فِيهِ
وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وَأَجازَ عُمَرُ الخُلعَ دُونَ السُّلطَانِ. وَأَجازَ عُثْمانُ الخُلعَ دُونَ عِقَاصِ رَأْسِهَا. وَقالَ طَاوُسٌ: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] فِيما افتَرَضَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ في العِشْرَةِ وَالصُّحْبَةِ، وَلَمْ يَقُل قَوْلَ السُّفَهَاءِ: لَا يَحِلُّ حَتَّى تَقُولَ لَا أَغْتَسِلُ لَكَ مِنْ جَنَابَةٍ.
٥٢٧٣ - حَدَّثَنَا أَزْهَرُ بْنُ جَمِيلٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِىُّ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ أَتَتِ النَّبِىَّ ﷺ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مَا أَعْتُبُ عَلَيْهِ فِى خُلُقٍ وَلَا دِينٍ، وَلَكِنِّى أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِى الإِسْلَامِ. فَقَالَ
стр. 2819
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ». قَالَتْ نَعَمْ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً». أطرافه ٥٢٧٤، ٥٢٧٥، ٥٢٧٦، ٥٢٧٧ - تحفة ٦٠٥٢
٥٢٧٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْوَاسِطِىُّ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ أُخْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَىٍّ بِهَذَا، وَقَالَ «تَرُدِّينَ حَدِيقَتَهُ». قَالَتْ نَعَمْ. فَرَدَّتْهَا وَأَمَرَهُ يُطَلِّقْهَا. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ عَنْ خَالِدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ وَطَلِّقْهَا. أطرافه ٥٢٧٣، ٥٢٧٥، ٥٢٧٦، ٥٢٧٧ تحفة ١٩١١١
٥٢٧٥ - وَعَنِ ابْنِ أَبِى تَمِيمَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ جَاءَتِ امْرَأَةُ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّى لَا أَعْتُبُ عَلَى ثَابِتٍ فِى دِينٍ وَلَا خُلُقٍ، وَلَكِنِّى لَا أُطِيقُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «فَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ». قَالَتْ نَعَمْ. أطرافه ٥٢٧٣، ٥٢٧٤، ٥٢٧٦، ٥٢٧٧ تحفة ٦٠٠٦
٥٢٧٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ الْمُخَرِّمِىُّ حَدَّثَنَا قُرَادٌ أَبُو نُوحٍ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضى الله عنهما قَالَ جَاءَتِ امْرَأَةُ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَنْقِمُ عَلَى ثَابِتٍ فِى دِينٍ وَلَا خُلُقٍ، إِلَاّ أَنِّى أَخَافُ الْكُفْرَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «فَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ». فَقَالَتْ نَعَمْ. فَرَدَّتْ عَلَيْهِ، وَأَمَرَهُ فَفَارَقَهَا. أطرافه ٥٢٧٣، ٥٢٧٤، ٥٢٧٥، ٥٢٧٧ - تحفة ٦٠٠٦ - ٦١/ ٧
٥٢٧٧ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ جَمِيلَةَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. أطرافه ٥٢٧٣، ٥٢٧٤، ٥٢٧٥، ٥٢٧٦ - تحفة ٦٠٠٦ ل، ١٩١١١ ل
لعله أشار إلى الخِلاف في الخُلْع، أنه طلاقٌ بائن، أو فَسْخ، كما هو روايةٌ عند الشافعية.
قوله: (أجاز عمرُ الخُلْع دون السلطان) يعني أنَّ الخُلْع يحتاجُ إلى القضاءِ أَو لا.
قوله: (وأجاز عثمانُ الخُلع دون عِقَاص رأسها) أي لو خالعه بما خالعه بمالها كلَّه، حتى أنه لم يبق لها غيرُ عِقَاصها، جاز أيضًا.
قوله: (ولم يقل قَوْل السفهاء) ... إلخ، هذا من مقولةِ المُصنِّف، يعني أن طاوسًا أجاز الخُلْع عند إقامةِ حدود الله، ولم يقل كما قال بعضُ السفهاء: إنه لا يجوز له الخُلْع حتى تقولَ المرأةُ: لا أغتسل لك من جنابةٍ، فحينئذ تكون ناشِزةً، ويجوز الخُلْع.
٥٢٧٣ - قوله: (ثابت بن قَيْس ما أعتب عليه) وكانت تحته بِنْتُ أُبَي، وكانت جميلةً، وكان ثابتٌ أدم قصيرًا.
قوله: (وطَلِّقها تطليقةً) والظاهر أنه مِن صريح لَفْظ الطلاق، وليس بلفظِ الخُلْع، إلا أن الطلاقَ بالمال، والخلع كلاهما طلاقٌ بائن.
وَقَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَانَ الْمُشْرِكُونَ عَلَى مَنْزِلَتَيْنِ مِنَ النَّبِىِّ ﷺ وَالْمُؤْمِنِينَ، كَانُوا مُشْرِكِى أَهْلِ حَرْبٍ يُقَاتِلُهُمْ وَيُقَاتِلُونَهُ، وَمُشْرِكِى أَهْلِ عَهْدٍ لَا يُقَاتِلُهُمْ وَلَا يُقَاتِلُونَهُ، وَكَانَ إِذَا هَاجَرَتِ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ لَمْ تُخْطَبْ حَتَّى تَحِيضَ وَتَطْهُرَ، فَإِذَا طَهُرَتْ حَلَّ لَهَا النِّكَاحُ، فَإِنْ هَاجَرَ زَوْجُهَا قَبْلَ أَنْ تَنْكِحَ رُدَّتْ إِلَيْهِ، وَإِنْ هَاجَرَ عَبْدٌ مِنْهُمْ أَوْ أَمَةٌ فَهُمَا حُرَّانِ وَلَهُمَا مَا لِلْمُهَاجِرِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ أَهْلِ الْعَهْدِ مِثْلَ حَدِيثِ مُجَاهِدٍ وَإِنْ هَاجَرَ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ أَهْلِ الْعَهْدِ لَمْ يُرَدُّوا، وَرُدَّتْ أَثْمَانُهُمْ. تحفة ٥٩٢٤، ٥٩٧٤ - ٦٣/ ٧
٥٢٨٧ - وَقَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَانَتْ قَرِيبَةُ بِنْتُ أَبِى أُمَيَّةَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَطَلَّقَهَا، فَتَزَوَّجَهَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِى سُفْيَانَ، وَكَانَتْ أُمُّ الْحَكَمِ ابْنَةُ أَبِى سُفْيَانَ تَحْتَ عِيَاضِ بْنِ غَنْمٍ الْفِهْرِىِّ فَطَلَّقَهَا، فَتَزَوَّجَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ الثَّقَفِىُّ. تحفة ٥٩٢٤
أي ما الحكم فيما إِذا أسْلم أحدُ الزَّوْجَين؟ قلنا: إنْ كان الزَّوْجانِ في دار الإِسلام يُعْرض الإِسلامُ على الآخَر، فإِن أسلم هو أيضًا، فهما على نِكاحهما، وإلَّا بانت منه؛ وإنْ كانا في دار الحرب، لم تقع الفُرْقة حتى تحيضَ ثلاثَ حِيض، وقرره صاحب «الهداية»: إنَّ عَرْض الإِسلام لما تعذَّر لانقطاع وِلاية العرض، وتبايُنِ الدَّارين، ولم يهاجر هو أيضًا، ولا بدّ من الفُرقة رَفْعًا للفساد، أقمنا شرطها وهو مُضي الحيضِ مقام السبب، وإذا خرجت المرأةُ إلينا مُهاجِرةً وقعت البينونةُ بمجرد المهاجَرة، ولا عِدّة عليها.
٥٢٨٧ - قوله: (لم تُخطب حتى تَحِيض وتَطهر) وهو مذهبُ أبي حنيفة. ثُم إنها ليست بِعِدّة عندنا.
قوله: (وإن هاجر عبد منهم، أو أمة، فهما حُرّان) وهو مذهبُ أبي حنيفةَ.
قوله: (ثُم ذكر من أهل العهد مثل حديث مجاهد) وحديثُ مجاهد ذكره عَقِيبه، وليعلم أن ما نقله المصنِّف من الآثار تفيد الحنفية في أنه لا عِدّة عليها.
٢٠ - باب إِذَا أَسْلَمَتِ الْمُشْرِكَةُ أَوِ النَّصْرَانِيَّةُ تَحْتَ الذِّمِّىِّ أَوِ الْحَرْبِيِّ
وَقالَ عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ خالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِذَا أَسْلَمَتِ النَّصْرَانِيَّةُ قبْلَ زَوْجِهَا بِسَاعةٍ حَرُمَتْ عَلَيهِ. وَقالَ دَاوُدُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ الصَّائِغِ: سُئِلَ عَطَاءٌ: عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِ العَهْدِ أَسْلَمَتْ، ثُمَّ أَسْلَمَ زَوْجُهَا في العِدَّةِ، أَهِيَ امْرَأَتُهُ؟ قالَ: لَا، إِلَّا أَنْ تشَاءَ هِيَ بِنِكاحٍ جَدِيدٍ وَصَدَاقٍ. وَقالَه مُجَاهِدٌ: إِذَا أَسْلَمَ في العِدَّةِ يَتَزَوَّجُهَا. وَقالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]. وَقالَ الحَسَنُ وَقَتَادَةُ في مَجُوسِيَّينِ أَسْلَمَا: هُمَا عَلَى نِكاحِهِمَا، وَإِذَا سَبَقَ أَحَدُهُما صَاحِبَهُ وَأَبى الآخَرُ بَانَتْ، لَا سَبِيلَ لَهُ عَلَيهَا. وَقالَ ابْنُ جُرَيجٍ: قُلتُ لِعَطَاءٍ: امْرَأَةٌ مِنَ المُشْرِكِينَ جاءَتْ إِلَى المُسْلِمِينَ،
стр. 2823
أَيُعَاوَضُ زَوْجُهَا مِنْهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١٠]. قال: لَا، إِنَّما كانَ ذاكَ بَينَ النبي ﷺ وَبَينَ أَهْلِ العَهْدِ. وقالَ مُجَاهِدٌ: هذا كلُّهُ في صُلحٍ بَينَ النبي ﷺ وَبَينَ قُرَيشٍ.
٥٢٨٨ - حَدَّثَنَا ابْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ حَدَّثَنِى ابْنُ وَهْبٍ حَدَّثَنِى يُونُسُ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ أَخْبَرَنِى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - زَوْجَ النَّبِىِّ ﷺ قَالَتْ كَانَتِ الْمُؤْمِنَاتُ إِذَا هَاجَرْنَ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ يَمْتَحِنُهُنَّ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ) إِلَى آخِرِ الآيَةِ قَالَتْ عَائِشَةُ فَمَنْ أَقَرَّ بِهَذَا الشَّرْطِ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ فَقَدْ أَقَرَّ بِالْمِحْنَةِ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَقْرَرْنَ بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِنَّ قَالَ لَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «انْطَلِقْنَ فَقَدْ بَايَعْتُكُنَّ»، لَا وَاللَّهِ مَا مَسَّتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ، غَيْرَ أَنَّهُ بَايَعَهُنَّ بِالْكَلَامِ، وَاللَّهِ مَا أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى النِّسَاءِ إِلَاّ بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ يَقُولُ لَهُنَّ إِذَا أَخَذَ عَلَيْهِنَّ «قَدْ بَايَعْتُكُنَّ». كَلَامًا. أطرافه ٢٧١٣، ٢٧٣٣، ٤١٨٢، ٤٨٩١، ٧٢١٤ تحفة ١٦٥٥٨، ١٦٦٩٧ - ٦٤/ ٧
واعلم أنَّ الذِّمي أو العربي ليسا بِلَقَبين من حيثُ المذهب، بل هما لقبان من تلقاء الدَّار.
قوله: (عن ابن عباس إذا أسلمت النصرانيةُ قبل زَوْجِها بساعة، حَرُمت عليه) فقال بالحرمة بدون عَرْض الإِسلام أو غيره، وهو مختارُ البخاري، فيقطع الفُرقة بلا مُهْلة.
قوله: (إذا أسلم في العِدّة يتزوّجان) فاعتبر بالعِدّة.
قوله: (في مجوسِيّين أسلما) أي أسلما معًا، فهما على نِكاحِهما، وهو المذهبُ عندنا، ولا عبرةَ بالنَّظر المنطقي، بأن صورة إسلامهما معًا متعذِّر، فلا بدّ من التقدّم، ولو يسيرًا، لأنَّ التقدّم مِثْله ساقِطٌ لا يُعتبر به.
قوله: (وإذا سبق أَحَدُهما صاحِبه، وأَبى الآخَرُ بانت) ... إلخ، وهذا يشيرُ إلى عَرْض الإِسلامِ أيضًا، لأنه أدارَ البينونةَ على الإِباء، والإِباء يُشْعر بِعَرْض الإِسلام عنده أيضًا.
٥٢٨٨ - قوله: (فَقَد أقرَّ بالمِحْنةِ) ﷺ بندى أحكام شرح كى "أي التقيّد والتعبُّد" بالشَّرْع.
٢١ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا﴾: رجعوا ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)﴾
٥٢٨٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِى أُوَيْسٍ عَنْ أَخِيهِ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ آلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ نِسَائِهِ، وَكَانَتِ انْفَكَّتْ
стр. 2824
رِجْلُهُ فَأَقَامَ فِى مَشْرُبَةٍ لَهُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ، ثُمَّ نَزَلَ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ آلَيْتَ شَهْرًا. فَقَالَ «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ». أطرافه ٣٧٨، ٦٨٩، ٧٣٢، ٧٣٣، ٨٠٥، ١١١٤، ١٩١١، ٢٤٦٩، ٥٢٠١، ٦٦٨٤ تحفة ٦٧٩
٥٢٩٠، ٥٢٩١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رضى الله عنهما كَانَ يَقُولُ فِى الإِيلَاءِ الَّذِى سَمَّى اللهُ لَا يَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدَ الأَجَلِ إِلَّا أَنْ يُمْسِكَ بِالْمَعْرُوفِ، أَوْ يَعْزِمَ بِالطَّلَاقِ، كَمَا أَمَرَ اللهُ . وَقَالَ لِى إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنِى مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ إِذَا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ يُوقَفُ حَتَّى يُطَلِّقَ، وَلَا يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ حَتَّى يُطَلِّقَ. وَيُذْكَرُ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ وَعَلِىٍّ وَأَبِى الدَّرْدَاءِ وَعَائِشَةَ وَاثْنَىْ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِىِّ ﷺ . تحفة ٨٣٩٠
واعلم أنَّ الشَّرْع اعتُبِر الإِيلاء بما دونَ أربعة أشهر يمينًا كسائر الأَيْمان، ولم يدخل فيه بنفسه، فإِذا حلف بالمدةِ المذكورة، فكأنّه أراد الحَيْف عليها، فجعل له بابًا، وبنى له أَحْكامًا، فإِن جامَع المولى في المدّة عليه كفارةُ يمينه، وإنْ بَرّ فيه، ولم يُجامع بانَت منه بلا تفريق القاضي. وقال الآخَرُون: إنَّ القاضي يُجْبر عليه بعد مُضي المُدّة. إما أن بفيء، أو يُفرِّق القاضي بينهما، فإِن فاء عليه كفارةُ يمينه، وأَتَى البخاريُّ بآثارٍ على خلاف مذهب الحنفية.
قلتُ: والأَصْل أن المَدار فيه على التفَقّه (١)، وقد مَرّ معنا أن سطح الإِيلاء يقتضي أن لا يحتاج الفُرقة فيه إلى قضاءِ القاضي، وذلك لأنه ضَرَب فيه مُدّة، ومُضي تلك المدّةِ لا يحتاجُ إلى القضاء، بل ذلك أَمْر يَتِم وهي في بيتها أيضًا، بخلاف اللِّعان، كما قَرّرناه. ولما تبينت أن المسألة سَرى فيها الاجتهادُ، لم أتأثر مِن تعديد المصنِّف أسماء السَّلف. وراجع (٢) من الشروح أسماء مَنْ وافقنا مِن السَّلف.
عنده، والناس اليوم يفتون بمذهبه، ولا يراعون شرائطَه المدونة عندهم. فهؤلاء لا يعملون بمذهبهم، ولا بمذهبه، وإنما اعتَبَر مالك أربعَ سنين، لأنه أكثرُ مُدّة الحمل عنده، فعليها أن تنتظر تلك المدة، وتستبرىء فيها رَحِمها، ثُم إنه فَصْل في تلك المدةِ، بكون المفقود في المعركة، أو القَحْط، أو الوباء، ليغلب هلاكُه، إلى غير ذلك من التفاصيل. والناس يُفتون بلا مراعاةِ تلك الشرائط (١).
واعلم أن مسائلَ الأئمة على ثلاثة أقسام:
الأول: ما تتناقض في الظاهر أيضًا، مثلًا: وجوب الفُرْقة في مسألةٍ عند إمام، وعَدَمه عند إمام. فهذان الحُكْمان متناقضان ظاهرًا.
والثانية: ما ائتلف سطحاها، واختلف مبناها، كما ترى فيما نحن فيه، فإِن مَبْنى عبرةِ المدّة المذكورة - عند مالك - كونُها أكثرَ مدّة الحَمْل، ثم التفريق بعده، لكونه مما
стр. 2827
يتولى به الحاكم عنده مُطلقًا. وللحنفية خلافٌ فيهما، فإِن أكثرَ مدّة الحمل عندنا سنتان، وأم التفريق من القاضي فليس عندنا إلا في باب اللعان.
والثالثة: ما لا تَناقُض فيه في الظاهر، ولا في المَبْنى، إلا أن بينهما شَبَه التناقض، والتناقض بأنواعه لا يُحْتمل في الدِّين. فَمَن يفتي بمذهب مالك في مسألة المفقود يلزم عليه التناقض من حيثُ لا يدريه، فإِنه يفتي بمذهبه، ولا يشعر بأنه قد التزم في ضمنه كونَ أَكْثر مُدّةِ الحمل سنتين، وأربع سنين معًا، وكذا لا يشعر بأنه ابتُلي في التناقض في مسألة التفريق، ولو دراه لَعَلِم أنه بإِفتائه هذا قد هَدم أبوابًا من فِقْه الحنفية، وإن زعم في الظاهر أنه لم يخالفه إلَّا في تلك الجزئيةِ. فلمسائلِ الأئمة سليلةٌ وارتباط فيما بينهما، وليست على طريق البخت والاتفاقِ، والاطلاعُ على أصولها، ودَرْكُ مبناها، مما يعز في هذا الزمان، فليحذر في مثل هذه المواضع، ولينظر في أن له حقًا لذلك أَوْ لا، وإنّما هو لمن كان عنده عِلْمٌ بمسائل الأئمة، ومبناها، وذَوْقٌ بمدارك الفقهاء ومغزاهم، وإلَّا فهو رَكِبَ مَتْن عمياء، وخَبط خَبْط عشواء.
قوله: (اللهم عن فلانٍ، فإِن أتى، فَلي، وعليَّ)، أي فإِن أتى صاحِبُها، فأَجْرُ التصدُّق لي، والغرامة عليّ. وعلم منه ما كان طريقُ الإِثابة عند السلف، فاعلمه، فإنه مهم. أقول: فحينئذٍ لا حاجةَ في إيصال ثوابِ العبادات إِلاّ أَنْ يقال: إني أَصُوم عن فلان، وأَهَبُ ثوابَه لفلان، فأَرْسله مني مثلًا، فالطريق المأثور، كما هو المذكور.
٢٣ - باب الظِّهَارِ، وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ١ - ٤] .
وَقَالَ لِي إِسْمَاعِيلُ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ: أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ ظِهَارِ الْعَبْدِ، فَقَالَ: نَحْوَ ظِهَارِ الْحُرِّ، قَالَ مَالِكٌ: وَصِيَامُ الْعَبْدِ شَهْرَانِ. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ الْحُرِّ: ظِهَارُ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ، مِنَ الْحُرَّةِ وَالأَمَةِ، سَوَاءٌ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: إِنْ ظَاهَرَ مِنْ أَمَتِهِ فَلَيْسَ بِشَىْءٍ، إِنَّمَا الظِّهَارُ مِنَ النِّسَاءِ. وَفِى الْعَرَبِيَّةِ ﴿لِمَا قَالُوا﴾ أَىْ فِيمَا قَالُوا، وَفِى بَعْضِ مَا قَالُوا، وَهَذَا أَوْلَى، لأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَدُلَّ عَلَى الْمُنْكَرِ وَقَوْلِ الزُّورِ.
دخل في باب الظهار.
قوله: (وقال الحسنُ: ظِهار الحرّ) ... إلخ. وهي مسألة (١) أنَّ الطلاق بالرِّجال، أو بالنِّساء؟ وراجع له الفِقْه.
стр. 2828
قوله: (إنما الظهار من النساء) أي الحرائر. واعلم أن الظاهري تكلَّم في وجوب الكفارة في الظهار، فقال: إنْ قلنا: عليه أن يأتي امرأته، ثُم يكفِّر عن ظهاره، يلزم أن يجبر على إتيان ما كان حَرَّم هو على نَفْسه بنفسه، وإنْ قلنا: إنه يكفِّر أَوّلًا، ثُم يَقْرَب امرأته، فلا وَجْه له، فإِنه لم يَكْسب ذنبًا بعدُ لنوجِب عليه الكفارةَ، وإن قال الشافعيةُ بجواز تقديم الكفارة في اليمين، لكن الحنفية خالفوهم، ولم يوجِبُوا الكفارةَ إلَّا بعد الحِنْث لذلك المحذور.
قلتُ: والجواب أن العَوْد عندنا مُفَسّر بالعَزْم على القُرْبان، فإِن القُرْبان لا يَصْلُح له مِن أجل ظهاره، فأقيم عَزْمُ القُربان مقامَ القُربان، وعلّق به الكفارة. والعجب من الظاهري حيث فَسّره بالمعاودة إلى هذا القول مرة أخرى، وليت شِعري ما حمله على ذلك، مع أنَّ القرآن نعى على قوله الأَوّل، وجعله مُنْكرًا من القول وزورًا، وعاقبه بالكفارةِ، وهذا يحمله على المعاودةِ إليه مَرّة أخرى. ثُم العجب على العجب أَنَّ قَوْله: في المَرّة الأُولى إذا لم يكن موجِبًا للكفارة عنده، فكيف يكون موجِبًا في المرة الثانية؟ إن هذا لمن عجب.
قوله: (﴿لِمَا قَالُواْ﴾) فَسّره البُخاري بقوله: «فيما قالوا»، فإِنَّ الله تعالى ما كان ليأمرَه أن يعودَ لمثله ثانيًا، وقد نعى عليه أوّلًا. واستدلَّ منه الطحاوي على أن النهيَ لا يقتضي البُطلانَ، فإِنَّ الله سبحانه مع تشنيعِه على الظهار وَضَع له أَحْكامًا، فدلّ على أنَّ الشيء يكون منهيًا عنه، ثم تكون له أحكامُ عند الشَّرْع.
فائدة:
واعلم أنه جرت مناظرةٌ بين الطبراني وبين محمد بن داود في مسألة: وكانا جالِسين على أَرضٍ يابسةٍ، إذ مَرّ بهما ابنُ العميد، وأوقف دابته عليهما، فما بالا به،
стр. 2829
وبقيا على ما كان يجري بينهما، حتى مضى لحاجته. وابنُ العميد هذا من وُزراء الخلافةِ العَبّاسية، أديبٌ كبير، كان عَضُد الدولة دعاه إلى الوزارةِ، فأجابه إني أحتاج إلى أَربع مئة مِن الإِبل تَحْمِلُ كُتبي، وكان في زمنه أديبٌ آخرَ، يُسمّى أبا إسحاق، وكان صابئيًا، وكان وزيرًا للسَّلْطنة السُّلْجُوقية، ثم أَسْلم بعده، وكان بُعَد أَفْضَل منه، وكان ابنُ العميد، يقول: لم تبق في نفسي حاجةٌ، إلَّا أن يقول لي أبو إسحاق: يا أستاذ، والفصل في حقهما، كما قيل: إن الصابئي يَكْتب كما يُراد، وابنَ العميد يَكْتب كما يُريد. قلتُ: وبينهما بونٌ بعيد.
ثُم إنَّ البخاري خالف الظاهريَّ، ولم يُرد مِن العودِ ما أراده الظاهريُّ مع كونه رفيقَه، ومنه تَعلّم قوله: «لفظي بالقرآنِ مخلوق»، وكان الظاهري سافر إلى أحمدَ، فلما بلغه أَبَى أن يلاقِيه، وقال: لا أُحِبّ الملاقاةِ بِمَنْ قال بِخَلْق القرآن. قلتُ: وكان البخاري أيضًا سافر إليه، إلا أنه تُوفِّي قبل أن يَبْلُغه، ولو بلغه لردّه خائبًا، كما ردّ الظاهري، لاشتراكهما في المقولة (١).
٢٤ - باب الإِشَارَةِ فِى الطَّلَاقِ وَالأُمُورِ
وَقالَ ابْنُ عُمَرَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ «لَا يُعَذِّبُ اللهُ بِدَمْعِ العَينِ، وَلكِنْ يُعَذِّبُ بِهذا». فَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ. وَقالَ كَعْبُبْنُ مالِكٍ: أَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَيَّ أَي: «خُذِ النِّصْفَ». وَقالَتْ أَسْمَاءُ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ في الكُسُوفِ، فَقُلتُ لِعَائِشَةَ: ما شَأْنُ النَّاسِ؟ - وَهيَ تُصَلِّي - فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا إِلَى الشَّمْسِ، فَقُلتُ: آيَةٌ؟ فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا: أَنْ نَعَمْ. وَقالَ أَنَسٌ: أَوْمَأَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَتَقَدَّمَ. وَقالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَوْمَأَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ: «لَا حَرَجَ». وَقالَ أَبُو قَتَادَةَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ في الصَّيدِ لِلمُحْرِمِ: «آحَدٌ مِنْكُمْ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيهَا، أَوْ أَشَارَ إِلَيهَا؟» قالُوا: لَا، قالَ: «فَكُلُوا».
٥٢٩٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ عَنْ خَالِدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ طَافَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَعِيرِهِ، وَكَانَ كُلَّمَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ أَشَارَ إِلَيْهِ، وَكَبَّرَ. وَقَالَتْ زَيْنَبُ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «فُتِحَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ». وَعَقَدَ تِسْعِينَ. أطرافه ١٦٠٧، ١٦١٢، ١٦١٣، ١٦٣٢ - تحفة ٦٠٥٠