سليم. وقد جاء في شواهدِ أمَّاما في طلحة، عن أبيه، عن جده من الجهالات فرفعه الشيخ عمرو بن الصلاح وحَسَّنه (١). ثم تتبَّعتُ «مسند أحمد» لذلك فتبادر من وضوءِ غيرِ واحد من الصحابة رضي الله تعالى عنه الفصل. والله تعالى أعلم.
ثم اعلم أنَّ الروايات التي وردت فيها غَرفة واحدةً للمضمضة والاستنشاق حَمَلها النووي على الجمع بينهما ستُّ مراتٍ، كل منهما ثلاث مرات. فكأنه أراد إجراء سُنة التثليث فيها أيضًا، وهو أحدُ وجوهِ الجمع عندهم وإِن كان عسيرًا، ومرَّ عليه ابن القيم وقال: بل هي محمولة على وضوئه مرة مرة، فالجمع في غَرفة واحدةٍ إنما هو في وضوئه مرةً مرةً. وفي الغَرْفتين في وضوئه مرتين مرتين، لا أنه مضمض واستنشق ثلاثًا ثلاثًا، مع غسل سائر الأعضاء مرة مرة.
قلت: ما اختاره ابن القيم هو الأقربُ عندي (٢). وليعلم أنَّ الترمذي نقلَ مذهب الشافعي كالحنفية، حيث قال: قال الشافعي رحمه الله تعالى: إن جَمَعَهُما في كَفًّ واحدٍ فهو جائز، وإن فَرَّقَهما فهو أحب. اهـ.
قلت: ذلك رواية الزَّعْفَراني عنه، وتلك كانت بالعراق حين استفادته من محمد رحمه الله تعالى، والمعتبرُ عند الشافعية ما اختاره بعده لما رجع إلى مصر.
١٩١ - قوله: (كفة واحدة) قيل: الكُفَّة لم يثبت في اللغة بمعنى الكَفّ. وقيل: إنه فُعْلَة من نَصَر، بمعنى المرة والصواب أنه غَلَطٌ من الراوي.
٤٤ - باب مَسْحِ الرَّأْسِ مَرَّةً
١٩٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ قَالَ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ قَالَ شَهِدْتُ عَمْرَو بْنَ أَبِى حَسَنٍ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ عَنْ وُضُوءِ النَّبِىِّ ﷺ فَدَعَا بِتَوْرٍ مِنْ مَاءٍ، فَتَوَضَّأَ لَهُمْ، فَكَفَأَ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا ثَلَاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِى الإِنَاءِ، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا بِثَلَاثِ غَرَفَاتٍ مِنْ مَاءٍ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِى الإِنَاءِ، فَغَسَلَ
стр. 317
وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِى الإِنَاءِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِى الإِنَاءِ، فَمَسَحَ بِرَأْسِهِ فَأَقْبَلَ بِيَدَيْهِ وَأَدْبَرَ بِهِمَا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِى الإِنَاءِ فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ.
وَحَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ قَالَ مَسَحَ رَأْسَهُ مَرَّةً. أطرافه ١٨٥، ١٨٦، ١٩١، ١٩٧، ١٩٩ - تحفة ٥٣٠٨ - ٦٠/ ١
جَزَمَ البخاري هنا بمذهب الإِمام الأعظم رحمه الله تعالى وترك مذهب الشافعية. قال الحنفية: إن الإِسباغ في المسح هو بالاستيعاب، لأنه لا يُنَاسبُه التثليث.
١٩٢ - قوله: (من ماء) هذا تصريحُ بكونِ الماءِ واحدًا.
قوله: (وقال مسح برأسه مرة) وفَهِمَ هذا الراوي عينَ ما فهمه الحنفية: أن الإِقبال والإِدبار حركتان، والمسحُ واحد. ولم يحملهما على التكرار في المسح كما فَهِمَه الشافعية رحمهم الله تعالى.
٤٥ - باب وُضُوءِ الرَّجُلِ مَعَ امْرَأَتِهِ وَفَضْلِ وَضُوءِ الْمَرْأَةِ وَتَوَضَّأَ عُمَرُ بِالْحَمِيمِ مِنْ بَيْتِ نَصْرَانِيَّةٍ
واعلم أن تَطُّرَ الرجل والمرأة من إناء واحد جائزٌ بإِجماع المسلمين، وكذا تطهر المرأة بفضلِ الرجلِ أيضًا جائزٌ بالإِجماع. وأما تطهر الرجل بفضلها، فذهب جمهورُ السلف والأئمة الثلاثة إلى جوازه، سواء خَلتْ بالماء أو لم تخِلِ. وقال أحمد وداود: إنها إذا خلت بالماء واستعملته لا يجوزُ للرجلِ استعمال فضلها. وجمِعِ الخَطَّابِي بين أحاديث النهي عن الفضل وجوازه: بأن المراد من الفضل في أحاديث النهي المُتَساقط من الأعضاء، وفي أحاديث الجواز ما بقي في الإِناء.
وحاصله: أنه نهى عن استعمال الماء المتساقِطِ من الأعضاء، وأباح استعمالَ الماءِ الباقي في الإِناء، فلا تنافي بين الحديثين.
وقال آخرون: بل المراد به في الحديثين هو الباقي في الإِناء، والنَّهي لئلا تخطَر ببالِهِ الوساوس الشهوانية. ويرد عليهم قوله: «وليغترفا جميعًا»، فإن النهي إن كان لأجل الوساوس، فهي في حالة الاغتراف جميعًا أزيدُ وأكثر منها في حالة الانفراد. وحمله بعضهم على التنزيه، وهو الصواب، إلاّ أنهم لم يُبيّنوا مرادَ الحديث، وهو مع كونه بديهيًا عسيرٌ. وكأنه من قبيلِ السهلِ المُمتنع، وقد كشفَ اللهُ على مرادَه.
فاعلم أنَّ النَّهي في الغسل ورد من الطرفين، كما هو عند أبي داود: نهى الرجل أن يغتسل بفضل المرأة، والمرأةَ بفضلِ الرجل» وفي الوضوءِ من جانبٍ واحدٍ فقط، فنهى الرجلَ عن فضلِ المرأة، ورأيتُ عكسَه أيضًا في بعض الروايات، إلاّ أن المحدثين عللوه. ومناطُ النَّهي عندي: هو صِيَانة الطَّهُور عن وقوع الماء المُسْتَعْمَل فيه، كما مرّ مني: أنَّ الماء المُسْتَعْمَل وإن لم يكن
стр. 318
نجسًا عند صاحب الشرع، إلاّ أن المطلوبَ الاحتزاز عنه والاحتياط فيه، لئلا يقع في مُغْتَسَلِهِ، وهو المذكور في فقهنا، حتى لو سقط الماء المُسْتعمَل في وَضُوئه وغَلَب عليه، لا يجوز الوضُوء منه، ولا يبقى مُطَهِّرًا.
ولمّا كانت النساء أقل نظافةً، وأقل احتياطًا في أمور التطهير، خصَّ الرجل بالنهي عن استعمال فضلهَّن. ولو ثَبَتَ عكسه أيضًا، فالنهي عن فَضْل الرجال جَرْيًا على مقتضى طَبْعهن، فإِنهنَّ يَرَوْن الرجال أقلّ نظافةً من أنفسهن، فراعى في الأول الواقع في نفس الأمر، وفي الثاني الواقع في زَعْمِهنَّ، لئلا تَتَوَسْوَس صدورهنَّ في استعمال الماء، فإِن عدم الوسواس في أمر التَّطَهّر مطلوبٌ. فناسب أن ينهى عن فَضْل الرجال أيضًا، حسمًا لمادة الوَسَاوِس وقطعًا لِعرْقها، والمراد منها التي تقع في طهارة الماء وعدمها، دون الوَسَاوِس الشهوانية.
والحاصل: أن الحديث وَرَدَ على وَفْق طَبْع الرجال والنساء، وإن كان ما في طَبْع الرجل مُوَافقًا للواقع، وما في طَبْعهنّ مخالفًا له، إلا أن الغرضَ لمّا كان قَطْع الوَسْوَاس لم يُنَاظِر معهنَّ، وتركهن على فِطْرَتهن، ولا تبديل لخَلْق الله، نعم الوَسَاوِس التي تكون لا عن منشأ صحيح لم يعتبرها الشرع أصلًا، ولذا أباح الاغْتِرَاف معًا، لأنَّ الذين يكرهون استعمال السُّؤْر لا يَرَوْن به بأسًا، أَلا تَرَى أن من يَكْرَه أن يأكل فَضْل طعامك، لا يَكْرَه أن يكألَ معك، لأنه لا يراه سُؤْرًا فالدَّخْل فيه للسُّؤْر دن الوَسَاوِس. والمعنى أن لا يُسْئِر الرجلُ الماءَ للمرأة، ولا تُسْئِر هي له، فكما أنك تَكْرَه أن تُسْئِر طعامَك وشرابَك لجبيك، كذلك أراد الشرع أن لا يُسْئِر الزوجان أحدهما للآخر غِسْلَه.
فهذا الحديث من باب حُسْن الأدب، وسدّ الأوهام، وأول ما انتقل إليه ذِهْني من كلام الطَّحَاوِي، فإِنه بوَّب أولًا بسُؤْر الهرة، ثم بسؤو الكلب، ثم بسُؤْر بني آدم، وأخرج تحته حديث النهي عن اغتسال الرجل بِفَضْل المرأة وبالعكس، فكأنه أشار إلى أن المعنى في هذه الأحاديث هو السُّؤْرِيَّة الإِسْآر، دونَ الوَسَاوِسِ الشهوانية، فللَّه دَرُهُ ما أدقّ نَظَرِه. ويدُّلك على قلنا ما أخرجه النسائي عن أمُ سَلَمَة: «أنها سُئِلَت: أَتَغْتَسِلُ المرأه مع الرجل؟ قالت: نعم، إذا كانت كَيِّسَة». فأشارت إلى أن الأمر يدور على الكِيَاسة وعدمها، ولَمَّا كان الرجل كَيِّسًا لم يُنْه عن استعمال فَضْل وضُوئه، يخلاف النساء، فإِنهنَّ لَسْن كذلك في عامة الأحوال، وإذا كانت كَيِّسَة تَعْرِف طريق آداب الماء وصيانته،، فلها أن تَغْتَسل معه.
فإِن قُلْتَ: إذا كان الأمر كما وَصَغْتَ لِمَ نهى النساء عن اغتسالهنَّ بفَضْل الرجال؟ قُلْتُ: إن التَّقَاطُرَ في الاغتسال يمكن منهم أيضًا، فإِنَّه استعمالٌ للماء الكثير وغسلٌ لسائر البدن، والأواني كانت مُتَّسِعَة كالمِرْكَن، فيُشْكِلُ فيها التَّحَفُط من الرجال أيضًا، فلذا وَرَدَ فيه النهي للطرفين.
فإِن قلتَ: وحينئذٍ ينبغي أن يُنْهَى الرجل عن الاغتسال بفَضْل الرجل أيضًا، فَلِمَ خصَّصَ به الزوجين مع أن العِلَّة تشملهما؟ قلتُ: لتحقُّق الاغتسال كثيرًا بين الزوجين، بخلاف غيرهما،
стр. 319
وأراد بالمرأة في حديث التَّوَضُّؤ من كانت في بيته، ولم يقل في المرأتين شيئًا، لأنهن يَفْعَلْنَ ما هو عادتهنَّ.
والحاصل: أن الأقسام ستة فَضْل الرجل للمرأة، وبالعكس. وفَضْل الجنس للجنس، وكلٌّ منه إمَّا في الوُضِوء، أو الغسْل. والأحاديث وَرَدَت في الأربعة منها، وإن علَّل المحدِّثون واحدًا منها كما مرَّ، ولم يَرِد في الاثنين لِمَا بيَّنَّا. وجملة الكلام أن الحديث لا دَخْل فيه للوَسَاوِس الشهوانية، بل وَرَدَ على طبائع الناس في السُّؤْر، فالنَّهي فيه كأمر الغُسْل بِغَسْل الميت، والوُضُوء بحَمْلِه، والمراد بالفَضْل: هو الباقي في الآنية، لا كما قاله الخطَّابي، وتَبَعِه الحافظ رحمه الله تعالى.
قوله: (بالحميم) ... إلخ، ويُتَبَادَرُ من ظاهر عبارته أنهما واقعتان: الأولى في استعمال الحَميم، والثانية في استعمال ماء النصرانية، مع أنها واقعةٌ واحدةٌ في مكة حين جاء للحج، فقضى حاجته، ثم طلب الماء وتوضأ بالحَمِيم من بيت نصرانية. والظاهر أن الماء إذا كان من بيتها، أنها غَمَسَت فيه يدها أيضًا، ولعلَّه كان من سُؤْرها، ومع ذلك توضّأ ابن عمر منه، فَثَبَتَ أن وُضُوء الرجل بفَضْل المرأة لابأس به. وهذا من عادات البخاري حيث يعتبر الاحتمالات القريبة، لأنَّه لمّا شدَّد على نفسه في باب الحديث، وأراد أن يخرِّج المسائل، ويَبْسُط فقهه في تراجمه، فلزمه أن يوسِّع في الإِشارات وطُرُق الاستدلال.
١٩٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ كَانَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَتَوَضَّئُونَ فِى زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جَمِيعًا. تحفة ٨٣٥٠
١٩٣ - قوله: (جميعًا) قال السِّيرافي: إنه يُسْتَعمل بمعنى كلّهم، وبمعنى معًا، والأول يدلّ على الاستغراق، والثاني على المَعِيَّة الزمانية وتفصيله: أن هذا اللفظ قد يُسَتْعْمَل للاستغراق وإحاطة الأفراد مع قطع النظر عن الاجتماع، وقد يُسْتَعْمَل للثاني، أي بمعنى الاجتماع والمَعِيَّة، وهو المناسب ههنا، فإن التعرُّض إلى اغتسال الرجال والنساء مطلقًا ليس بأهم، وإنما المفيد بيانُ اغتسالهما معًا. ثم أقول: والشيء بالشيء يُذْكَر، أن إمامنا رحمه الله تعالى ذهب إلى مقارنة المقتدي مع الإِمام في حميع أفعال الصلاة، واختاره صاحباه أيضًا، إلا في التحريمة والتسليم، والشافعي رحمه الله تعالى ذهب إلى التعقيب في جملة أفعالها غير آمين، وتمسَّك من أحاديث الائتمام، وفيها الفاء: «إذا كبر فكبروا ... » إلخ، وهي للتَّعقِيب عندهم، فَلزمَ التَّعْقِيب في جميع الأفعال كما أراد.
قلت: وفي «شرح التسهيل»: أن في الفاء الجَزَائية قولان: التَّعْقِيب، والمقارنة، وحينئذٍ صحَّت الفاء على مذهبنا أيضًا، فلا تنافيها المقارنة الزمانية، فهي للتَّعْقِيب ذاتًا، والمقارنة زمانًا عندي.
ولا بُدَّ أن يكون بين أفعال الإِمام والمأموم تقدُّمًا وتأخُّرًا ذاتًا، وإنما أراد الإِمام من المقارنة أن يدخل المقتدي في الرُّكن حين يدخل الإِمام، ولا ينتظر بلوغه فيه، فَيْركع حين
قوله: (سَبْع قِرَب) ... إلخ، وفي كتب السِّير: أن تلك السَّبْع كانت من الآبار السَّبْع، ولعلّ تعدّد السبع وعدم الحل دخلا في الشفاء، كما يكون مثل هذه الشرائط في باب العملياتِ والتعويذاتِ كثيرًا.
قوله: (ثم خرج إلى الناس) ... إلخ، وخروجه هذا إنما هو في العشاء عندي.
ذِكْرُ عدد صلواته ﷺ في مرض موته، وخروجه إلى المسجد وتحقيقه على خلاف ما اختاره الحافظ ابن حَجَر رحمه الله تعالى
واعلم أنَّ الروايات في غَيْبُوبته ﷺ في مرضه عن المسجد مختلفةٌ: فعند البخاري أنَّه غاب ثلاثة أيام، واختاره البيهقي وتَبِعَه في ذلك الزَّيْلَعِي. وعند مسلم أنَّه غاب خمسة أيام، واختاره الحافظ.
قلت: ولعلّ الحافظ رحمه الله تعالى عدّ الكُسُور أيضًا، ولعلّ ابتداءَ الغَيْبة عنده يكون من ليلة الخميس، وحينئذٍ لو اعتبرنا ذلك اليوم مع يوم الاثنين حصل الخَمْس، ومَنْ قال بثلاثة أيام، اعتبر اليوم التام، فارتفع الخلاف.
ثم إنَّهم اتفقوا على أنَّه خرج في صلاة من تلك الأيام، ولعلّه ظُهْر السبت أو الأحد، لأنَّ الغَيْبة لمّا كانت من عشاء الخميس على ما اختاره الحافظ، فلا يُمكِنُ أن يكون ظُهْر هذا اليوم، ولا من يوم الجمعة، وتُوْفِّي يوم الإثنين، فتعيَّن أن يكون إما ظُهْر السبت أو الأحد. والعجب من الحافط حيث جَعَلَ قدوتَه فيه الإِمام الشَّافعيّ رحمه الله تعالى، مع أنَّ الإِمام رحمه الله تعالى وإن اختار شركته في صلاةٍ واحدةٍ، إلاّ أنَّه ذَهَبَ إلى أنَّها الفجر، بخلاف الحافظ، فإِنَّه اختار أنَّها الظُّهْر.
أقول: والذي تبيّن لي: هو أنَّه ﷺ دَخَلَ في أربع صلوات بعد، الغَيْبُوبة:
الأولى: العشاء التي غُشِيَ عليه في ليلتها - كما في رواية الباب - فإِنَّه لم يستطع أولًا أن يَخْرُج، ثم وجد في نفسه خِفَّة، وخرج إليها وصلَّى بهم وخطب النَّاس، كما عند البخاري، وفيه: قالت وخَرَجَ إلى النَّاس فصلّى لهم وخَطَبهم. وأَوَّله الحافظ رحمه الله تعالى، وقال معناه: إنه أراد الخروج، ثم لم يَقْدِر عليه.
والثانية: الظُّهْر من أي يوم كانت، وأَقَرَّ بها الحافظُ رحمه الله تعالى أيضًا.
والثالثة: المغرب كما هو عند الترمذي في باب القراءة بعد المغرب، عن أمّ الفَضْل قالت: «خرج إلينا رسول الله ﷺ وهو عاصبٌ رأسه في مرضه، فصلَّى المغرب، فقرأ ب: المرسلات، فما صلاّها بعد حتى لَقِيَ الله . وهو عند النَّسائي أيضًا، وأوَّله الحافظ بأنَّه خرج من مكانه إلى موضع في بيته، لا أنه خرج إلى المسجد.
والرابعة: الفجر من اليوم الذي تُوُفِّي فيه كما في «مغازي موسى بن عُقْبَة»، وهو تابعي صغير السِّن، وأقرَّ بها البيهقي أيضًا، ودخل فيها في الركعة الثانية، وصَلاها خلف أبي بكر
стр. 323
رضي الله عنه. نعم، ظاهر البخاري خلافه، إلاّ أني جَمَعْتُ بينهما بأنه اقتدى من حُجْرَته، ولم يَخْرُج إلى المسجد.
فهذه أربع صلوات دخل فيها النبي ﷺ بعد غَيْبُوبته عن المسجد، ولم أَجِد شَرَكَته في العصر في يوم، وكذا لم أَجِد الترتيب في تلك الصَّلاة. وأقرَّ الترمذي أنه صلّى في مرض وفاته ثلاث صلوات، وزِدْتُ عليه رابعة، وهي المغرب.
وفي العَيْنِي: أنه ذهب جماعةٌ إلى القول بتعدّد الصلوات حتى نُقِل عن الضِّيَاء، وابن ناصر، وابن حِبَّان: أنَّ من أنكر تعدّد خروجه ﷺ إلى الصَّلاة، فإِنَّه جاهلٌ عن الحديث.
ثم اعلم أني بالغت في هذا التفتيش، لأنه يُفِيدُنا في مسألةِ القراءةِ خلفَ الإِمام، لأنه ثَبَتَ عند الطَّحَاوي خروجُه في صلاة جَهْرِيَّة، وأخذ القراءةَ من حيث تَركَها أبو بكر رضي الله تعالى عنه، وحينئذٍ لا بُدَّ أن تَفُوتَه الفاتحة، كلُّها أَو بعضُها، فلو كانت رُكْنًا لَزم أن لا تتِمّ صلاته ﷺ والعياذ بالله، فهذه آخره صلاة صلاها النبي ﷺ كانت مُسْتَدَلًا للحنفية، ولم يَشْعُر به أحدٌ منهم غير ابن سيِّد الناس في «شرح الترمذي»، إلاّ أنه لم يُجِب عنه.
وعَرَضَ للحافظ رحمه الله تعالى إشكالٌ آخر، وهو: أنَّ الصَّلاة التي خَرَج إليها النبيّ ﷺ هي الظُّهْر عنده، فكيف أخذَ القراءةَ من حيث تَرَكَها أبو بكرَ رضِي الله تعالى عنه؟ فالتزم أنَّ أبا بكر رضي الله تعالى عنه لعلّه جَهَر بآيةٍ منها. وأمَّا على ما اخْتَرْتُ، فلا حاجة إلى هذا التأويل، فإِنه ثَبَتَ خروجُه إلى العشاء أيضًا، وهي جَهْرِيَّة.
ولفظ الطَّحَاوِي في قصة مرض موته: «وجَدَ رسول الله ﷺ من نفسه خِفَّةً، فخرج يُهَادَى بين رجلين، فلمَّا أحسَّ أبو بكر، سَّبحوا به، فذهب أبو بكر يتأخَّر، فأشار إليه النبيُّ ﷺ مكانك، فاسْتَتَمَّ رسول الله ﷺ من حيث انتهى أبو بكر من القراءة»، ورواه ابن ماجه، والدَّارقّطِنيِّ، وأحمد في «مسنده»، وابن الجَارُود في «المُنْتَقى»، وأبو يَعْلَى في «مسنده»، والطَّبَرِي في «تاريخه»، وابن سعد في «الطبقات»، والبَزَّار في «مسنده».
وإذ قد عَلِمْتَ أنَّه خَرَج في أربع صلواتٍ، منها الفجر والمغرب، أَمْكَن لنا أَنْ نقول: إنَّ ما عند الطَّحَاوِي قصةٌ في إحدى هاتين الصَّلاتين، وأخذ فيها النبيُّ ﷺ القراءةُ من حيث تركها أبو بكر رَضِي الله تعالى عنه، ولم يُدْرِك الفاتحةَ كلَّها أو بعضَها، ثم صحَّت صلاته، وحُسِبَت قراءة أبي بكر رَضِيَ الله تعالى عنه عن قراءته، فلو كانت الفاتحة ركنًا لا تصحَّ الصَّلاة بدونها، فأين ذَهَبْتَ من صلاة النبي ﷺ هذه؟ وقد بَسَطْتُ فيه الكلام في رسالتي بالفارسية المسماة ب «خاتمة الخطاب في فاتحة الكتاب».
ومرَّ الحافظ على رواية ابن ماجه هذه - وهي عند الطَّحَاوي أيضًا - فَحَكَمَ عليها بالحُسْن، وحَكَمْتُ عليها بالصحة، وعَزَوْتُها إلى الحافظ رحمه الله تعالى، فاعترض عليَّ بعضُ المُدَّعِين بالعمل بالحديث: أنه خلافُ الواقع، فإن الحافظ رحمه الله تعالى لم يَحْكُم عليه بالصحة، فأَجَبْتُ له: أن الحافظ رحمه الله تعالى مرَّ عليها في موضعين، فحكم بالحُسْنِ في المجلد الثاني، وبالصحة في المجلد السادس.
стр. 324
٤٩ - باب الْوُضُوءِ بِالْمُدِّ
٢٠١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ قَالَ حَدَّثَنِى ابْنُ جَبْرٍ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَغْسِلُ - أَوْ كَانَ يَغْتَسِلُ - بِالصَّاعِ إِلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ، وَيَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ. تحفة ٩٦٣
واعلم أنهم اتفقوا على أنَّ الصَّاع أربعة أَمْدَاد، واختلفوا في تقدير لمُدِّ: فقال العِرَاقِيُون: إِنَّ المُدَّ رَطْلان، وقال الحِجَازِيُون: إنَّه رَطْلٌ وثُلُث. وعلى هذا يكون الصَّاعُ ثمانية أَرْطَالٍ عند العِرَاقِيين، وخمسةُ أَرْطَالٍ وثُلُث عند الحِجَازِيين.
قلت: ولا يمكن لأحدٍ أن يُنْكِرَ صَاعَ العِرَاقِيين، فإِنَّه كان مُسْتَعْمَلًا في زمن النبيّ ﷺ قَطْعًا، لِمَا رُوِيَ من غير وجهٍ: «أنه كان يتوضأ بالمُدِّ». ثم أَخْرَج أبو داود عن أنس قال: «كان النبيِّ ﷺ يتوضَّأ بإِناءٍ يسع رَطلين» ... إلخ. وفيه شَرِيك، وأَخْرَجَ عنه مسلم، وعند النَّسَائِي عن موسى الجُهَنِي قال: «أتى مُجَاهِد بقَدَحٍ حَزَرْتُه ثمانية أرْطَالٍ، فقال: حدَّثني عائشة: أن رسول الله ﷺ كان يَغْتَسِلُ بمثل هذا». وعند الطحاوي عن إبراهيم قال: «قدَّرْنا صاعَ عُمر، فوجدناه حَجَّاجِيًّا»، والحَجَّاجِيّ عندهم: ثمانية أرْطَال.
والحافظ لمَّا مرَّ على صاعنا سمّاه حَجَّاجِيًّا، ولم يُسَمِّهِ فَارُوقِيًّا، مع أنَّ الحجَّاج إنما صَنَعَ صاعَهُ على صاع عمر، وكان يَفْتَخِرُ عليهم بذلك، وهو صاع عمر بن عبد العزيز أيضًا، فأصله عن عمر ﵁، والحَجَّاج شَهَرَه لا أنه صنعه هو. ومنهم مَنْ أَرَادَ من كونِه عُمَريًّا عمر بن عبد العزيز، وهو أيضًا عُدُولٌ عن الصواب. فإِن صاعَنا ثَبَتَ في عهده ﷺ ثبوتًا لا مردَّ له.
وفي الباب روايات أُخْرَىَ تدلُّ على مذهبنا، إلاّ أنَّا لم نُرِدْ اشتيعابها، لأنَّه لا يسع لأحدٍ أن يُنْكِر على صاع الحنفية، وأقرَّ به ابن تيمية رحمه الله تعالى، إلاّ أنه قال: إنَّ الصَّاعَ في الوضوء والغُسْل ثمانية أَرْطَال، وفي صدقة الفِطْر خمسة أَرْطَال وثُلُث. ونحن نقول: إنَّ الاحتياط أن يؤخذ في جميع المواضع بثمانية أرْطَال.
ثم اعلم أنَّه أخرج ابن حِبَّان في «صحيحه» عن أبي هريرة ﵁: «أنَّ رسولَ الله ﷺ قيل له: إِنَّ صاعنا أصغر الصِيعَان، ومُدَّنا أكبر الأَمْدَاد فقال: اللهم بارك لنا في صاعنا، وبارك في مُدِّنا»، ولا يبدو في بادي النظر مَحَطُّ سؤالهم، فإِنَّ كون الصَّاع صغيرًا، والمُدّ كبيرًا لا يظهر فيه معنى الشِّكَاية. وكنت مترددًا في مراده حتى رأيت عبارة في «موطأ مالك» رحمه الله تعالى في الظِّهِار، انكشف بها المراد، وأخذت منه أَنَّ المُدَّ عندهم كان باعتبار طعام رجلٍ واحدٍ، وكان مِكْيَالُهم لطعامهم وشرابهم مُستْعمَلًا فيما بينهم في التجارات. وفي المقدار الكثير يطبخون الطعام كَيْلًا في زماننا أيضًا، وحينئذٍ حاصل سؤالهم: أن المُدَّ الذي نستعمله في البيوت في طعامنا كبيرٌ، والصاع الذي في التجارات صغيرٌ، فكأنهم شَكُوا من كثرة المصارف وقلة المال، فدعا لهم: «اللهم بارك لنا ... » إلخ. وحملوه على البركة المعنوية، وحَمَلْتُه على البركة الحِسِّيَة أيضًا، حيث صار
стр. 325
ثمانية أرْطَال في زمن عمر ﵁ مع بقاء اسمه، ولعلّه زاد ثمنه، فبقاء الاسم والثمن مع زيادة الوزن هو ثمرةُ دعاء النبي ﷺ فصاعنا من ثمرات دعائه ﷺ .
وأمَّا وجه رَوَاجه في زمن عمر ﵁ دون زمنه ﷺ فَوُفور الأشياء في زمن عمر ﵁، بخلاف زمن النبي ﷺ .
ويُسْتَفَاد مِنْ هذا الحديث تعدّد الصِيعَان في عهد النبيَّ ﷺ كما قلت: إنَّ صَاع العِرَاقيين والحِجَازيين كلاهما كانا في زمنه ﷺ وإنْ كان أحدهما أقل استعمالًا من الآخر، على أنه يَنْهَدِم منه أصل المقدمة المتفق عليها أيضًا، لأنه يدلُ على أنَّ المُدَّ ليس رُبْع الصَّاع، فاختلفت الأَمْدَاد أيضًا، وحينئذٍ لا يكون أكبر الأَمْدَاد رُبْع أصغر الصِيعَان، ثم «الصُّوَاع» في سورة يوسف والصَّاع واحدٌ، مع أن الصُّوَاع أكبر من صاع الشافعية. وفي «الفنجاب»: مِكَيالٌ يُقَال له جها وظنّي أنَّه من الصَّاع مكيال آخر كروه، ولعلَّه من الكُرِّ. وليُعْلَم أن الناس إنما تحيَّروا في معرفة مقادير هذه المكاييل لفُقدانها في زماننا، وانقطاع العمل عمّا كانت في عهد النبي ﷺ فتعلَّلنا عنها بالاسم فقط، وهذا هو الحال في جميع الأشياء التي لا توجد بين الناس.
وقد تصدَّى صاحب «القاموس» لبيان تعداده، فقال: إنَّ المُدَّ مكيالٌ يسع حَثْيَة من حَثْيَة الرجل المتوسط، والصَّاع ما يَسَع أربع حَثَيَات كذلك.
قلت: ولو كان المقصودُ بيان استقامة الحساب على مذهب الشافعية، فإِنَّه يستقيمُ على مذهب الحنفية أيضًا، فإِنَّ صاعهم إن كان يتمّ بأربع حَثَيَات، فصاعنا يتمّ بستة حَثَيَات.
وصاحب «القاموس» كما أنَّه لغوي كذلك حافظٌ للحديث أيضًا، وقد سَمِع مرّة أربع مئة سطر، فَوَعاها من ساعته. وقد صنَّف «القاموس» في اليمن، وهو شافعي، ومعتقدٌ لأبي حنيفة رحمه الله تعالى، إلاّ أنه قد يتجاوزُ عن الحد في حماية مذهبه، وله رسالة بالفارسية سمَّاها: «نور سعادت»، وأتى فيها برواياتٍ لا أصل لها عند المحدِّثين، وهكذا قد يذكر لتأييد مذهبه أسماء الصحابة ولا يكون له أصلٌ، ولا يكون مقصوده منه إلاّ تكثير السواد، كما فعله في مسألة رفع السَّبِّابة، فإِنَّه لم يثبت عمَّا ذكره من عدد الصحابة قط. وهكذا فعل في رفع اليدين، فقد عدّ فيه جِماعاتٍ كثيرةً. مع أنه خلاف الواقع، كما سنحقِّقه في بابه إن شاء الله تعالى.
ولنا أحاديث عند الطَّحَاوي، وأبي داود، والنَّسائي، وقد مرَّ أن النَّسائي أذكى من مسلم، وأمَّا أبو داود، فهو حنبلي راوٍ لفِقه الإِمام أحمد رحمه الله تعالى، كمحمد وأبي يوسف لفقه الحنفية، ومَنْ عدَّه من الشافعية، فكأنَّه لم يقصد به إلاّ تكثيرَ السواد، ولا ريب أنَّه حنبلي فاعلمه.
ثم اعلم أنَّ ابن جَبْر هذا الذي في إسناد البخاري، هو الذي يفسِّر المُدّ: أنه رطلان عند أبي داود، ولم يُرْوَ في تحديد الماء في الوضوء عن الأئمة شيء، غير أَنَّه يتوضّأ وضوءًا بن الوضوءين، ووقَّته محمد ﵀ هنا بالمُدِّ تبعًا للحديث، والحافظ رحمه الله تعالى لم يذكر اسمه، وضرب عنه كَشْحًا، وأغمض عنه، وأمَّا خمسة أمْدَاد في الغُسْل، فقيل: المُدِّ للوضوء، وأربعة أمْدَاد للغْسْل. وقيل هو للغُسْل إلاّ أنه إذا أراد الماء من الصَّاع فإِلى خمسة أمْدَاد.
стр. 326
وقدَّره علماء الهِنْد أنه مئتان وسبعون «تولجة» وكتب فيه ابن حَزْم شيئًا في «المُحَلى»، وظنِّي أنَّه خلاف الواقع. وفي الأوزانِ رسالةٌ (للملامبين)، ولكنَّها نادرة، ورسالةٌ أخرى للمخدوم هاشم السِّنْدِهي، ورأيتها فوجدت فيها مثل ذلك. وسها مولانا عبد الحي رحمه الله تعالى في حساب نِصَاب الفضة والذهب، ووجهه أنَّه اعتبر بالأحمر ما هو عند الأطباء، وهو أربع شعيرات، وفي الخارج هي قريب من ثلاث شعيرات، وما حقَّق القاضي ثناء الله الفاني فتى رحمه الله تعالى فيه وهو الصحيح. قال الشيخ السِّنْدِي في بيان وزن الصَّاع:
*"صاع كوفي هست أي مرد فيهم ... ذو صد هفتاد توله مستقيم
*باز ديناري كه دارد اعتبار ... وزآن از ماشه دان نيم وجهار"
وقد أضفت إليهما بيتين آخرين فقلت:
*"درهم شرعي أزين مسكني شنو ... كان سه ماشه هست يك سرخه دو جو
*سرخه سه جوهست ليكن باوكم ... هشت سرخه ماشه أي صاحب كرم"
٥٠ - باب الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ
٢٠٢ - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ الْمِصْرِىُّ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ قَالَ حَدَّثَنِى عَمْرٌو حَدَّثَنِى أَبُو النَّضْرِ عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِى وَقَّاصٍ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ. وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ سَأَلَ عُمَرَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ نَعَمْ إِذَا حَدَّثَكَ شَيْئًا سَعْدٌ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ فَلَا تَسْأَلْ عَنْهُ غَيْرَهُ. وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ أَخْبَرَنِى أَبُو النَّضْرِ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ سَعْدًا حَدَّثَهُ فَقَالَ عُمَرُ لِعَبْدِ اللَّهِ. نَحْوَهُ. تحفة ٣٨٩٩
٢٠٣ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ الْحَرَّانِىُّ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ أَبِيهِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ خَرَجَ لِحَاجَتِهِ فَاتَّبَعَهُ الْمُغِيرَةُ بِإِدَاوَةٍ فِيهَا مَاءٌ، فَصَبَّ عَلَيْهِ حِينَ فَرَغَ مِنْ حَاجَتِهِ، فَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ. أطرافه ١٨٢، ٢٠٦، ٣٦٣، ٣٨٨، ٢٩١٨، ٤٤٢١، ٥٧٩٨، ٥٧٩٩ - تحفة ١١٥١٤
٢٠٤ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِىِّ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَأَى النَّبِىَّ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ.
وَتَابَعَهُ حَرْبُ بْنُ شَدَّادٍ وَأَبَانُ عَنْ يَحْيَى. طرفه ٢٠٥ - تحفة ١٠٧٠١
وراجع لتعريف الخُفّ «الكبيري»، ويُشْتَرط عندهم أَنْ يكون بحيث يمكن فيه تتابع المشي، ولذا يستعملون في الإِبل الأخفاف، لأَنَّ الخُفَّ عندهم اسمٌ لِمَا يمكن فيه قطع المسافة وليست ترجمته موزة، بل هو خلاف المراد، لأنَّه لا يظهر منه هذا المعنى.
٢٠٢ - قوله: (وإِنَّ عبد الله بن عمر سأل)، قيل: وجه السؤال أنَّه كان يعرفُ المسحَ في السفر، فسأل عن حالِ الإِقامة في البيوت أيضًا. قلت: ولا حاجةَ إلى هذا التأويل أيضًا، فإنَّ أمورِالدين تُعْرَف شيئًا فشيئًا، ومعلوم أنه لم يكن عندهم المدارس يتدرَّسُون فيها المسائل، بل
стр. 327
كانوا يتعلَّمون المسائل بحسب الحاجات والواقعات. ثم لا يخفى عليك أن ابن عمر ﵁ هذا الذي يسأل عن المسح، هو حامل لواء رفع اليدين، مع أنه لم يَثَّبُت عن الخلفاء الثلاثة.
واعلم أنَّه لا ذكر في حديث المُغِيرَة للجَوْرَبَيْنِ والنَّعْلَين أصلًا، وهو وهمٌ قطعًا، فإِنَّ هذه الواقعة قد رُوِيَت في نحو سبعين طريقًا، ولا يذكر أحدٌ أنَّ النبيَّ ﷺ مسح فيها على الجَوْرَبَيْنِ والنَّعْلَيْن. فما أخرجه الترمذي وهمٌ قطعًا، وإنما صحَّحه نظرًا إلى صورة الإِسناد فقط.
٢٠٥ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِىُّ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِيهِ قَالَ رَأَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى عِمَامَتِهِ وَخُفَّيْهِ.
وَتَابَعَهُ مَعْمَرٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ عَمْرٍو قَالَ رَأَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ . طرفه ٢٠٤ - تحفة ١٠٧٠١
٢٠٥ - قوله: (يمسح على عِمَامته) ... إلخ، وبظاهره أخذ أحمد رحمه الله تعالى، واختار أنَّ الفريضة تتأدى بالمسح عليها بشرط أنَّ تكون مُحَنَّكةَ، وشرائطها شرائط الخُفّ. وجزم الشافعي رحمه الله تعالى: أنَّه لو مسح على بعض الرأس والعِمَامة، خرج عن عهدة الاستيعاب، وهكذا قال الماليكة، إلاّ أنَّ القاضي أبو بكر بن العَرَبي منهم قال: إِنَّ القدر المستحب لا يَتَأَدَّى عندهم بالمسح عليها. ومذهب الحنفية أنَّه غير مُعْتَبَرٌ، وفي «الموطأ»: بلغنا أنه كان ثُمَّ تُرِكَ، ولذا وقع في بعض عباراتهم أنه بِدْعة عندنا. ومرَّ أبو عمرو في «التمهيد» على أحاديث المسح على العِمَامة، وحكم عليها بأنَّها مْعلُولة كلها. وقال ابن بَطَّال: الأصِيلي: ذِكْر العِمَامة في هذا الحديث من خطأ الأوْزَاعي. قال الحافظ: وله مُتَابعات أيضًا، وإن سلَّمنا تفرُّدَه، فإِنَّه لعلو كَعْبه، وجلالة قدره لا يوجبُ الإِعلال أيضًا، وأظنُّ أنَّ هذه واقعة عمرو بن الضَّمْرِي واقعة الخَضَر، والله تعالى أعلم.
قلت: والبخاري وإن أخرج حديث المسح على العِمَامة، إلا أنَّه لم يُتَرْجِم عليه بهذه المسألة، فدلّ على ضعفٍ فيه، لأنَّه تحقَّق عندي من عاداتِه أنَّ الحديث إذا كان قويًا عنده، ويكون فيه لفظ يتردَّد فيه النظرد يخرِّجه في كتابه، ولا يُتَرْجِم على ذلك اللفظ، ولا يخرِّج منه مسألة. فصنيعه هذا في المسح على العِمَامة يدلَّ على تردّد عنده فيه، ولذا تركه ولم يذهب إليه، والله تعالى أعلم.
وأجاب عنه بعض الحنفية: أنه سوّى عِمَامته بعد المسح، وظنَّه الرَّواي مسحًا، فعبَّر عن التسوية بالمسح على العِمَامة.
قلت: وهذا الجواب ليس بمرضيًّ عندي، لأنه يُفْضِي إلى تغليط الصحابي الذي شاهد الواقع وحكي عنه كما رأى، ومعلومٌ أَنَّهم من أذكياء الأمة، كيف يُمكِن أن يَخْفَى عليهم الفرق بين المسح والتسوية؟ وهذا الجواب في الأصل للقاضي أبي بكر بن العربي، وليس مراده ما فُهِمَ، ولفظه: إن المسح على العِمَامة لم يكن عن نصٍ، وإنَّما اختصر على مسح بعض الرأس
стр. 328
وإمرار اليد عليها تَبَعًا لمسح البعض، كما نشاهد البعض إذا مسح على البعض وكان على الرأس عِمَامة» (١).
وحاصله: أنَّ المسح على الرأس كان أصلًا، وعلى العِمَامة تَبَعًا، وهو الذي أراده الرَّاوي، أي أَنَّ النبيّ ﷺ فعله على الرأس قصدًا، ومسح على العِمَامة أيضًا، إلاّ أنَّه لم يفعله قصدًا، بل وقع تَبَعًا، فمعنى التَّبَع: بلا قصدٍ، لا أنه كان في الحقيقة تسويته، وظنَّه الرَّاوي مسحًا، فإنَّه يوُجِبُ تغليط الراوي، وكم من فرق بينهما؟ وحاصل جواب القاضي على ما قرَّرت: أنَّ الرَّاوي ذكر المسح على العِمَامة كما وقع في الخارج، وإذا كان مَسَحَ بلا قصدٍ، فنقله أيضًا كذلك، وليس فيه تغليطٌ له بل فيه تصويبٌ، فادر الفرق بينهما، ولا تتعصب، فإِنَّ من العصبية لجهلًا.
وقد يُجَاب. أنَّ معناه أنه لم يمسح على العِمَامة، بل مسح على الرأس حال كون العِمَامة على الرأس، وحينئذٍ غرضُ الرَّاوي بيان طريق المسح حين التَّعَمُّم، كما تعرَّض إليه في حديث أبي داود: «أن النبي ﷺ مسح على رأسه ولم ينقض العِمَامة».
وقوله: «مسح على العمامة» متحملٌ لهذا المراد عُرْفًا وعربية.
والحق عندي أنَّ المسحَ على العِمَامة ثابتٌ في الأحاديث، كيف لا؟ وقد ذهب إليه الأئمة الثلاثة ﵃، ولو لم يكن له أصلٌ في الدين لَمَا اختاروه البتة. وإني لَسْتُ ممن يأخذون الدين من الألفاظ، بل أَوْلى الأمور عندي تَوَارّث الأمة، واختيار الأئمة، فإنَّهم هُدَاة الدين وأعلامه، ولم يَصِل الدين إلينا إلا نهم، فعليهم الاعتماد في هذا الباب، فلا نُسِيّء بهم الظن، ولا نقول: إنَّ المسحَ على العِمَامة لم يَثْبُت في الدين، ومع ذلك ذهبوا إليه، ولذا لم يقل محمد ﵁: إنَّ المسحَ على العِمَامة لم يَثْبُت، ولكنَّه قال: إِنَّه كان ثُمَّ نُسِخَ. ومعنى النَّسخ قد علمته في المقدمة، فَرَاجِعه، فإِنَّه مهمٌ، وقد غَفَل عنه كثير من الناس، ولا يَرَوْن النسخ إِلا ما اشتهر عندهم، مع أنَّ النسخ في السلف أعمِّ منه، ولذا لا أجترىء على أَنْ أقول: أنه بدعة كما يُتَبَادر من بعض الكتب، بل هو مباحٌ كما صرّح به الرَّازِي منا في «أحكام القرآن».
وكان مولانا شيخ الهِنْد يقول بأداء الاستحباب منه، وإن لم يكتبوه في الكتب، قلت: بل ينبغي أن يلتزم أداة الاستحباب منه، لأن الإِباحة تُفِيدُ لو كان المسح على العِمَامة من باب العادات، وأمّا إذا كان سنة قَصْدِيّة، فلا بُدَّ أن يُقَال بأداء سُنَّة التكميل منه.
стр. 329
والأحاديث في المسح على العِمَامة على أنحاءٍ: في بعضها ذكر العِمَامة فقط، وفي بعضها ذكر العِمَامة والرأس كليهما، وفي بعضها ذكر الرأس فقط. وقد جاء حديث المُغِيرَة على الطرق الثلاثة، فدلَّ على أنَّه لم يَمْسَح على العِمَامة في تلك الواقعة، إلاّ وقد أدّى القدر المجزيء على الرأس، ثم تفنَّن الراوي في بيانه، فاقتصر تارةً على ذكر المسح على الرأس، وأخرى على العِمَامة، وإذا أوعب القصة ذكرهما، فإِذا وجدنا في هذا الحديث ذكر مسح العِمَامة مكان المسح على الرأس تارةً، وبالعكس تارةً، وجمعهما الرَّاوي تارةً، يَسْبِقُ الذهن منه أن يكون في الأحاديث الأُخُر التي فيها ذكر المسح على العِمَامة فقط أيضًا كذلك، فما دام لا يَثْبُت أنه مسح على العِمَامة ولم يمسح معها على الرأس، لا تقوم الأحاديث المُجْمَلة في هذا الباب حُجَّة للحنابلة، لاحتمال أن يكون الأمر فيها أيضًا كما في حديث المُغِيرَة.
ويمكن عندي أَنْ يكونَ المسح على العِمَامة في الوضوء على الوضوء، فإِنَّه قد ثَبَتَ الوضوء عندي على أنحاءٍ كما مرّ من قبل، وإن أنكرها ابن تَيِمْيَة. وثَبَتَ الاقتصار على بعض أعضاء الوضوء وعلى المسح في بعض أنحاء الوضوء، وعلى هذا يمكن عندي أن يكون هذا أيضًا نوعًا من الوضوء. وتبيَّن لي بعد تَتَبُّع الطرق أن هذه الواقعة والتي تليها في الباب الآتي واحدةٌ «قال: أخبرني عمرو بن أُمَيَّة: أن أباه أخبره: أنه رأى رسول الله ﷺ يَحْتَزُّ من كَتِف شاةٍ، فَدُعِي إلى الصَّلاة، فألقى السِّكِّين، ولم يتوضَّأ»، وواقعة الباب أيضًا يرويها عمرو بن أُمَيَّة، عن أبيه، فإِن كانت تلك واحدة كما هو المُتَبَادَر عندي بعد جمع طرقها، فالأقرب فيها أنه لم يتوضّأ فيها وضوأً كاملًا، ولكنه اكتفى بالمسح على العِمَامة والخُفِّين، وحينئذٍ، فليكن هذا أيضًا نوعًا من الوضوء.
٥١ - باب إِذَا أَدْخَلَ رِجْلَيْهِ وَهُمَا طَاهِرَتَانِ
٢٠٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ عَنْ عَامِرٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كُنْتُ مَعَ النَّبِىِّ ﷺ فِى سَفَرٍ، فَأَهْوَيْتُ لأَنْزِعَ خُفَّيْهِ فَقَالَ «دَعْهُمَا، فَإِنِّى أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ». فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا. أطرافه ١٨٢، ٢٠٣، ٣٦٣، ٣٨٨، ٢٩١٨، ٤٤٢١، ٥٧٩٨، ٥٧٩٩ - تحفة ١١٥١٤ - ٦٣/ ١
أراد به أن يُتَرجِّم بلفظ الحديث، ولم يُشِر إلى تحقيق المسألة: بأن الطهارة شرطٌ عند اللُّبْس أو عند الحدث، فإنَّه من مراحل الاجتهاد، ويجري السَّرْحَان في الحديث، ولو كان المصنِّف رحمه الله تعالى أراد أن يُشِير إلى هذه المسألة، لغيَّر لفظ الحديث شيئًا يمكن أن يَنْتَقِل إليه ذهن الناظر.
٥٢ - باب مَنْ لَمْ يَتَوَضَّأْ مِنْ لَحْمِ الشَّاةِ وَالسَّوِيقِ
وَأَكَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ - رضى الله عنهم - لَحْمًا فَلَمْ يَتَوَضَّئُوا.
٢٠٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ
стр. 330
عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ. أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. طرفاه ٥٤٠٤، ٥٤٠٥ - تحفة ٥٩٧٩
دخل في مسألة الوُضُوء ممّا مَسَّت النار، واخْتَار مذهب الجمهور من عدم إيجاب الوُضُوء منه، وهو مذهب الأئمة الأربعة والخلفاء الراشدين، وقد وَرَدَ في الأحاديث الوُضُوء منه أيضًا، فقال بعضهم: إنه منسوخٌ لِمَا عند أبي داود عن جابر ﵁: «كان آخر الأَمْرَيْن من رسول الله ﷺ تَرْك الوُضُوء ممّا غيَّرت النار». وزَعَمُوه صريحًا في النسخ.
قلت: لم يُرِد به جابر ﵁ بيانَ النَّسخ، إِنَّما أشار إلى ما وقع من النبي ﷺ الوُضُوء، وتَرْكه في يوم واحدٍ، حيث قال: «قَرَّبْتُ للنبي ﷺ خبزًا ولحمًا، فأكل، ثم دعا بوَضُوء فتوضَّأ به - فهذا هو الأمر الأول - ثم صلَّى الظُّهر، ثم دعا بفَضْل طعامه فأكل، ثم قام إلى الصَّلاة ولم يتوضَّأ» - وهو الأمر الآخر - فبيَّن جابر ﵁ أنه توضَّأ منه، ولم يتوضَّأ أيضًا، والذي كان منهما آخرًا هو عدم الوضوء، وإليه أشار أبو داود حيث قال بعد نقل حديث جابر الأول: «كان آخر الأمْرَين ... » إلخ، قال أبو داود: هذا اختصار من الحديث الأول، فإِذن لا يريد بيان النسخ، أي أن الوُضُوء منه كان، ثم تُرِك، فكان آخر الأَمْرَين بهذا الطريق، بل أراد من الأَمْرَين الواقعتين كما ذكرهما هو قبله، ولا يَكْفِي للنسخ مجرد كونه آخرًا، لأن ما يكون مُسْتَحَبًّا يَرِد فيه الفعل وتركه لا محالة، فلو كان ترك الوُضُوء آخرًا بهذا الطريق، لَمَا كان فيه دليلًا على النسخ أصلًا.
واختار الشَّاه ولي الله رحمه الله تعالى: أنه مُسْتَحبٌّ، وأزيد عليه شيئًا، فأقول: إنه مُسْتَحَبُّ الخَوَاصِّ دون العَوَامِّ، ومُسْتَحَبُّ الخَوَاصِّ هو ما يكون مُسْتَحَبًّا لأجل المعنى. فالمُسْتَحَبٌّ على نحوين: مُسْتَحَبٌّ لأجل الصورة، وهو الذي وَرَدَ الشرع باستحبابه، وهو الدائر في الفقه، ومُسْتَحَبٌّ لأجل المعنى، وهو ما يكون فيه إيمااءٌ إلى الفائدة فيه، ولم يَردِ الشرع باستحبابه صراحةً، ولمَّا أومأ إلى فوائد فيه، عَلِمنا أَنَّه مطلوبٌ، فقلنا: إنه مُسْتَحَبٌّ لأجل المعنى الموجب للاستحباب، وإن لم يكن من جهة الصورة. وليس هذا النوع من وظيفة الفقهاء، وأَسَمِّيْه مُسْتَحَبَّ خَوَاصِّ الأمة، كالوضوء للجُنُب، فإِنه أشار الشرع إلى معنى فيه، لما في «معجم الطبراني» في جُنُبٍ ينام ويموت: «إن الملائكة لا تَحْضُر جِنَازته». وبالوُضُوء تَنْدَفع هذه المَضَرَّة، فهذا المعنى أوجب القول باستحبابه.
ومن هذا الباب: الوُضُوء من مَسِّ الذَّكَر، ومس المرأة ولحوم الإِبل عندي. فأقول: إن الوضُوءَ مُسْتَحَبٌّ في جميعها، إلاّ أنَّه مُسْتَحَبُّ الخَوَاصِّ، ولا بُعْدَ فيه، فإن فقهاءنا أَوْجَبُوا الوُضُوء بأقلُ من هذه الأشياء، كالنظر إلى الأجنبية والغيبة مثلًا، فلو إلتزمنا الوُضُوء من مَسِّ الذكر والمرأة وغيرها الذي هو أفحش منه، لَمَا كان فيه بأسٌ، ولا خلاف للمذهب.
أمَّا معنى «فيما مَسِّت النار»: فإنَّ الملائكة لهم تُبَاعِد وتُنَافِر عن الأكل والشرب بطباعهم الزكية، ومن أكل أو شرب المطبوخ الذي تَدَنَّسٍ بصنعهم ونَضَّجَتْهُ أيديهم، فكأنه وقع على بُعْدٍ
стр. 331
بعيد من طَبْعهم، فلعلّ الشرع أمر بالوُضُوء منه تلافيًا لهذا البُعْدِ، أمّا اليانع على الشجرد فإِنه بمَعْزِلٍ عن النظر، لأنه حديث عَهْدٍ بربه، وبركة من الله. وكان النبي ﷺ يضع البَاكُورَة على عينيه، ويعطيه أصغر الولدان، وأمّا المطبوخ، فقد مَسَّته النار، ولَحِقَتْهُ صَنْعَة، البشر، وغيرَّته عمّا نزل إليهم، فمَحَقَت بركته، وبدَّلت قُرْب عهده بالبُعْد، ودَنَّسَتْهُ بأدناس البشر، فشأنه لا يكون شأن الثمر، فإِنه قد عُلِمَ من شأنه ﷺ أنه كان يَتَبَادر إلى ماء المطر، ويقوم فيه قائلًا: «إِنه حديثُ عهدٍ بربهٍ». ولم يكن يفعل مثله بسائر المياه، لأن هذا الماء بعد استقراره في حفرة أو بِرْكة تلطَّخ بأنواع الأدناس، ولن يبقَ على صفة حَدَاثة العهد.
فالحاصل: أن الوضوء من هذه الأشياء ليس كالوضوء من الأحداث والأنجاس، بل من باب التشبُّه بالملائكة والتقرُّب إليهم.
ولَمّا اختار المُصَنِّف رحمه الله تعالى مذهب الجمهور، لم يخرِّج أحاديث الجانب الآخر، وترك ذكرها رأسًا، وهذا من دأبه. وإنَّما خصَّ اللحم بالشاة، لمكان الخلاف في لحم الإِبل، فإِنه ذهب أحمد رحمه الله تعالى إلى الوُضُوء منه ولو كان نِيئًا.
وقال بعضهم: إن المرادَ من الوضوء هو الوضوء اللغوي. قلت: وهو خلاف المُتَبَادر عندي، لا لِمَا قاله ابن تَيْمِيةَ، فإِن أقسام الوُضُوء قد ثَبَتَ عندي في غير واحدٍ من الأحاديث، بل لأنه لا يَشْهَدُ به الوجدان، ولا يشْهَد به العمل، وإن كان لا بُدَّ لك أن تقول به، فالأَولى أن تستدلّ عليه بما أخرجه السيوطي في «الجامع الكبير» عن «المختارة» للضياء المَقْدِسي: «الوُضُوء الناقص ممَّا مَسَّت النار» فليُحْمَل الوُضُوء في هذه الأحاديث على الوُضُوء. الناقص على رواية «المختارة»، والحافظ ضياء الدين شرط الصِّحَّة في كتابه، وقال ابن تَيْمَيِة: إنه أحسن من «المستدرك» للحاكم، ثم إن حديث: «الوضوء ممَّا مَسَّت النار»، يشتمل على القصر، وقد وجَّهناه فيما أَمْلَيْنَاه في درس «الجامع» للترمذي.
٢٠٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِى جَعْفَرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَحْتَزُّ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ، فَدُعِىَ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَلْقَى السِّكِّينَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. أطرافه ٦٧٥، ٢٩٢٣، ٥٤٠٨، ٥٤٢٢، ٥٤٦٢ - تحفة ١٠٧٠٠
٢٠٨ - قوله: (يَحْتَزُّ)، ولم يكن الاحتزاز للأكل كما يفعلونه أهل أوروبا، بل للقطع لفقط، وقطعة اللحم إذا كانت كبيرة، لا بُدَّ من قطعها. ثم تلك أمورٌ يعرفها كلٌّ بِفِطْرَتِه السليمة: أن أيها يكون للضرورة، وأيها للتشُّبه بهم، فإِن كنت أوتيت من الإِيمان نورًا فاعرفه، فإِنَّ المؤمن ينظر بنور الله، وإلاّ فأنت وشأنك، وإنما يحادل في مثل هذه المواضع من لا حياء لهم ولا دين. وصَدَقَ الله: ﴿وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَىء جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤]، والجدل: بأن لا يريد العمل، ويتعلَّل بالشُّبُهَات، ويُخَاصِم المجرد هواه، فَلَسْنَا نَشْتَغِل بجوابهم، والله المستعان.
стр. 332
٥٣ - باب مَنْ مَضْمَضَ مِنَ السَّوِيقِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ
٢٠٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ مَوْلَى بَنِى حَارِثَةَ أَنَّ سُوَيْدَ بْنَ النُّعْمَانِ أَخْبَرَهُ. أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ خَيْبَرَ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالصَّهْبَاءِ - وَهِىَ أَدْنَى خَيْبَرَ - فَصَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ دَعَا بِالأَزْوَادِ، فَلَمْ يُؤْتَ إِلَاّ بِالسَّوِيقِ، فَأَمَرَ بِهِ فَثُرِّىَ، فَأَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَكَلْنَا، ثُمَّ قَامَ إِلَى الْمَغْرِبِ، فَمَضْمَضَ وَمَضْمَضْنَا، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. أطرافه ٢١٥، ٢٩٨١، ٤١٧٥، ٤١٩٥، ٥٣٨٤، ٥٣٩٠، ٥٤٥٤، ٥٤٥٥ - تحفة ٤٨١٣
٢١٠ - وَحَدَّثَنَا أَصْبَغُ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِى عَمْرٌو عَنْ بُكَيْرٍ عَنْ كُرَيْبٍ عَنْ مَيْمُونَةَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ أَكَلَ عِنْدَهَا كَتِفًا، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. تحفة ١٨٠٨٠
ولمَّا كان عند المصنِّف رحمه الله تعالى بعض جزئيات ممَّا مسَّت النار، أراد أن يُبَوِّب لكلَ منها بابًا بابًا.
٢٠٩ - قوله: (صَهْبَاء)، وهي الموضع الذي رُدَّت فيها الشمس بين خَيْبَر والمدينة، وصحَّحه الطَّحَاوي في «مُشْكِل الآثار»، ونقل عن شيخه أنَّه أَوْصَى الأمة بحفظ هذه المعجزة الباهرة التي ظهرت على يد النبي ﷺ (١)، ونَسَبَ النووي إليه أن قائل بتعدّد القصة وهو سهوٌ منه، وإنّما صحَّحَ الطَّحَاوِي واقعة واحدة ولم يقل بتعدّدها أصلًا، ولعلّ النووي لم يَظْفَر بالأصل أو لم يرجع إليه، فوقع في الغَلَط، هكذا تكون الأغلاط في أخذ النقول بدون المراجعات إلى الأصول.
والذي تحصَّل لي في تنقيح القصة: «أنَّ النبي ﷺ بَعَث عليًا ﵁ لحاجةٍ قبل العصر، فذهب إليها ولم يصل حتى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثم لما أَخُبِر به النبي ﷺ دعا له فرُدَّت له الشمس». وما سوى ذلك، فكلَّه من اضطراب الرواة، أمّا إنه لم يصلِّ العصر، فالوجه عندي أنه تَزَاحَم عنده أمران: الأول: الأمر العام في أداء الصَّلاة في وقتها، والثاني: الأمر الخاص، وهو أَمرُ النبي ﷺ في هذا اليوم بالفَرَاغ عن حاجته التي بعثه إليها قبل غروب الشمس، كما يجيء في البخاري في قصة بني قُرَيْظَة، حيث أمرهم النبي ﷺ أَنْ يُصَلَّوا العصر في بني قُرَيْظَة، فأدركهم الوقت قبل بلوغهم إليهم، فصلّى بعضهم العصر نظرًا إلى الأمر العام، ولم يُصَلِّها بعضهم حتى فاتتهم الصَّلاة، لأنَّهم رجَّحُوا الأمر الخاص على العام، وفَهِمُوا أنَّهم أُمِرُوا بأن يُصلُّوا العصر في هذا اليوم في بني قُرَيْظَة وإن فافهم الوقت في الطريق. وهذا اجتهاد مُشْكِلٌ، لأنَّه إن رجَّحَ الأرمر الخاص، يَفُوته الأَمر العام، وإن عَمِلَ بالأمر العام، فإِنَّه الخاص. ثم إِنَّ
стр. 333
هذه القصة في خَيْبَر، وسَهَى بعضهم حيث فَهِمَ أنها في غزوة الخَنْدَق، مع أنه ليس فيها رَدُّ الشمس، بل فيها غروب الشمس وفوات الصلاة.
٥٤ - باب هَلْ يُمَضْمِضُ مِنَ اللَّبَنِ
٢١١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ وَقُتَيْبَةُ قَالَا حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَرِبَ لَبَنًا، فَمَضْمَضَ وَقَالَ «إِنَّ لَهُ دَسَمًا». تَابَعَهُ يُونُسُ وَصَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ عَنِ الزُّهْرِيِّ. طرفه ٥٦٠٩ - تحفة ٥٨٣٣
وقد مرّ منِّي أن المَضْمَضَة لحال اللَّبَن، لا لحال الصَّلاة، فالمَضْمَضَة من متعلقات الأكل، وآدابه عندي، فيُسْتَحَبُّ عِقِيبه لا عند الصَّلاة خاصة. نعم قد يجتمع الفراغ عنه والقيام إلى الصَّلاة، وحينئذٍ يتأكَّد كما قلتُ في حديث المستيقظ، فإِنَّه من مسائل المياه في الأصل، ثم الصِيَانة مطلوبةٌ في مياه الوُضُوء بالأَوْلَى، فَيَنْجَرُّ إلى الوُضُوء أيضًا، وإليه يُشِير تعليله: «بأن له دَسَمًا»، يعني به: أنَّه لحال الطعام.
٥٥ - باب الْوُضُوءِ مِنَ النَّوْمِ، وَمَنْ لَمْ يَرَ مِنَ النَّعْسَةِ وَالنَّعْسَتَيْنِ أَوِ الْخَفْقَةِ وُضُوءًا
٢١٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ يُصَلِّى فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ لَا يَدْرِى لَعَلَّهُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبَّ نَفْسَهُ». تحفة ١٧١٤٧ - ٦٤/ ١
٢١٣ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ أَبِى قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ فِى الصَّلَاةِ فَلْيَنَمْ حَتَّى يَعْلَمَ مَا يَقْرَأُ». تحفة ٩٥٣
وظاهر الرواية فيه: أنَّ النَّوم عند تمكُّن المَقْعَدَة لا يُفْسِد، ويُفسد عند التَّجافي، وأمَّا الهيئة التي في كتب الفقه فأوَّل في فضَّلَها الطحاوي، ثُمَّ تبعه القُدُوري، ثم تبعه الناس، وفي «الدُّر المختار»: إن تمكَّن مقعده ونام، وإن طال، وفي عبارةٍ: وإن جلس مستندًا، فهذا هو المذهب. أمَّا الفَتْوَى فإنَّها تبني على المصالح واختلاف الزمان والمكان، فلا يُوَسَّع فيها في هذه الأيام، فإنَّها أيام يأكل فيها الناس كثيرًا، فيُحْدِثُون مع تمكُّن المَقْعَدَة. وذهب بعضهم إلى أن النوم ناقضٌ مطلقًا، وقال آخرون: إنه غير مناقض، مطلقًا.
وحاصل ترجمة المصنِّف رحمه الله تعالى: أنَّ فيه تفصيلًا، فيكون ناقضًا تارةً غير ناقض تارةٍ ولم يَضْبطه، لأنه وغير مُمْكِن، ومذهب الحنفية مرَّ تفصيله.
٢١٢ - قوله: (فلْيَرْقُد)، أي حتى يعلم أنَّه يَسْتَغِفرُ أو يَسُبَّ، وأنه ماذا يَقْرَأ، وفي «الدُّرِّ المختار»: أن الاختيار شرطٌ للصَّلاة، ومُرَاده أَنْ يكونَ بحيث يبقى له فَهْمٌ، فلا يَغْفُل عمَّا يفعل
стр. 334
كُلِيَّةً، وفي «البحر»: أنَّه لو نام في قعدة التراويح لم تَفْسُد صلاته وإن غرقا ... إلخ. قلتُ: وكأنَّ الحديث مأَخوذٌ من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] إلخ. ومن ههنا ذهب الفقهاء إلى أنَّ الأغماء والجُنُون ناقِضَان، فإِنَّهم رأوا أَنَّ القرآنَ جَعَل العلم بما يقولون غايةً للصَّلاة، فإِذا كان بحيث لم يَكُن له أن يَعْلَم ما يقول، فإِنه لا يَقْرَب الصَّلاة، فجعلوا الإِغْمَاء والجُنُون ناقضتين، لأنَّه لا يَدْرِي فيهما ما يقول.
ومِنْ هذه الآية أُخِذَ أدنى مقدار الخُشُوع: وهو أنَّ يَعْلَم الرجل أنَّه ماذا يقرأ هو أو إمامه، فاعلمه فإِنَّه مهمٌ ثم الخُشُوع مُسْتَحبٌّ كما في «الاختيار شرح المختار»، ولم أجده في عامة كُتُبنا، وهو بالنظر إلى مَوْضع سُجُوده في حال القيام، إلى آخر ما قالوا، ولم أَزَل أَتَتَبَّعُ لهذا التفصيل مَأْخَذًا من كتب أصحابنا، فرأيته في متن «المبسوط» للجُوْزَجَانِي، وهو تلميذُ محمد بن الحسن رحمه الله تعالى. وعن أحمد رحمه الله تعالى في كتاب «الصَّلاة»: أنَّ المصلِّي في حال القيام يَحْني رأسه شيئًا، إلاّ أني أتردَّد في كون الكتاب المذكور من تصنيف أحمد، وفي «الفتح»: أنَّه تصنيفه.
٢١٢ - قوله: (لعلّه يَسْتَغِفر) ... إلخ، أيءَريد أن يَسْتَغْفِر، فَيْهجُر ويَسُبّ نفسه مكان استغفاره لها، وقيل: معناه أن يَمَلَّ عن الصلاة، فيَسُبّ نفسه لِمَ فُرِضَتْ عليه.
٥٦ - باب الْوُضُوءِ مِنْ غَيْرِ حَدَثٍ
٢١٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسًا ح قَالَ وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنِى عَمْرُو بْنُ عَامِرٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ. قُلْتُ كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ قَالَ يُجْزِئُ أَحَدَنَا الْوُضُوءُ مَا لَمْ يُحْدِثْ. تحفة ١١١٠
٢١٥ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ قَالَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ قَالَ حَدَّثَنِى يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ أَخْبَرَنِى بُشَيْرُ بْنُ يَسَارٍ قَالَ أَخْبَرَنِى سُوَيْدُ بْنُ النُّعْمَانِ قَالَ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ خَيْبَرَ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالصَّهْبَاءِ، صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعَصْرَ، فَلَمَّا صَلَّى دَعَا بِالأَطْعِمَةِ، فَلَمْ يُؤْتَ إِلَاّ بِالسَّوِيقِ، فَأَكَلْنَا وَشَرِبْنَا، ثُمَّ قَامَ النَّبِىُّ ﷺ إِلَى الْمَغْرِبِ فَمَضْمَضَ، ثُمَّ صَلَّى لَنَا الْمَغْرِبَ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. أطرافه ٢٠٩، ٢٩٨١، ٤١٧٥، ٤١٩٥، ٥٣٨٤، ٥٣٩٠، ٥٤٥٤، ٥٤٥٥ تحفة ٤٨١٣
أراد أن يُشِير إلى الوُضُوء المُسْتَحَبّ، فأَخْرَجَ تحته الوُضُوء وتركه، وهو مُسْتَحَبٌّ في نحو عشرين مَوْضِعًا كما في «الدُّر المختار»، وقد مرَّ مني أَنَّ الوضوءَ عند كل صلاة مطلوبٌ عند الشرع، وهو الظاهر من قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٦]، ولذا لا أُقَدِّر فيه: وأنتم مُحْدِثون، كم قَدَّره المفسِّرون، كيف وقد ثَبَتَ عند أبي داود بإِسنادٍ قوي: «أنَّ النبي ﷺ كان مأمورًا بالوضوء طاهرًا أو غير طاهر، فلمَّا شَقَّ عليه، أُمِرَ بالسِّواك عند كل صلاة». وعُلِمَ منه أيضًا أنَّ السِّوَاك بدل الوُضُوء، وكان الأصل هو الوُضُوء، إلاْ أنه لما شَقَّ عليه أُقِيَم أُنْمُوذَج الشيء مَقَام الشيء، وقد مرَّ مني عن «فتح القدير»: أنَّ السِّواك مُسْتَحَبٌ عند الصَّلاة عندنا أيضًا،
стр. 335
ثم الوضوء من الأشياء التي تقدَّمَ حكمُها نزولَ النَّص، لأنَّ آية المائدة آخرها نزولًا، والوضوء كان فرضًا قبلها أيضًا.
٥٧ - باب مِنَ الْكَبَائِرِ أَنْ لَا يَسْتَتِرَ مِنْ بَوْلِهِ
٢١٦ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ قَالَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ مَرَّ النَّبِىُّ ﷺ بِحَائِطٍ مِنْ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ أَوْ مَكَّةَ، فَسَمِعَ صَوْتَ إِنْسَانَيْنِ يُعَذَّبَانِ فِى قُبُورِهِمَا، فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ «يُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِى كَبِيرٍ»، ثُمَّ قَالَ «بَلَى، كَانَ أَحَدُهُمَا لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ، وَكَانَ الآخَرُ يَمْشِى بِالنَّمِيمَةِ». ثُمَّ دَعَا بِجَرِيدَةٍ فَكَسَرَهَا كِسْرَتَيْنِ، فَوَضَعَ عَلَى كُلِّ قَبْرٍ مِنْهُمَا كِسْرَةً. فَقِيلَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ فَعَلْتَ هَذَا قَالَ «لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا مَا لَمْ تَيْبَسَا أَوْ إِلَى أَنْ يَيْبَسَا». أطرافه ٢١٨، ١٣٦١، ١٣٧٨، ٦٠٥٢، ٦٠٥٥ - تحفة ٦٤٢٤
٢١٦ - قوله: (فسمع صوت إنْسَانَيْن) ... إلخ، وهذا دليلٌ على أنَّ العذابَ محسوسٌ ومسموعٌ لمن كان له أذنان، لا أنه مُتَخَيَّلٌ فقط، نعم هـ في عالم آخر، والناس يريدون أن يسمعوه في هذا العالم، فَيَقَعُون في الخَبْط، ألا أنّ الحواس الخمس في هذا العالم، ثم لا يدري أحدهما ما في عالم الآخر، فلا تدري الشَّامَّة ما السمع والذوق؟ ولا تدري السامعة ما الشمُّ والذوق؟ فهكذا لا يمكن أن يَكْتَنِهَ مَنْ في عالم الأجساد ما في عالم البَرْزَخ، إلاّ أَنْ يُسْمَعِه الله تعالى: ﴿وَمَآ أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢] ولم يدّعِ الشرع أَنَّ أحوال البرزخ من أحوال عالم الأجساد، ليُقَال إنَّا لا نسمع الصوت، ولا نرى أحدًا في القبر معذَّبًا إلى غير ذلك، فاعلمه.
قوله: (في كبيرٍ) أي بحَسَب نَفْسِه ووجوده، لا بحَسَب الإِثم. قال النَّووي ما حاصله: إِنَّ عدم الاجتناب من البول ليس بكبيرة في نَفْسِهِ، بل يُفْضِي إلى كبيرة، وهي الصَّلاة في تلك الثياب النجسة المستلزِمَة لبطلان الصَّلاة.
قلت: إنْ أراد به الصغائر لا يُعَذَّب عليها، فهو ليس بصحيحٍ، وإلا فعدم الإتقاء كبيرة في نَفْسِه، بل كان صغيرة تَصِير بالإِصرار كبيرة، فَمَنْ قلَّت مبالاته بأمر البول واعتاد به، فقد ارتكب الكبيرة، صلَّى فيها أم لا، لأنَّه قد مرَّ مني أن التطهُّرَ في عامة الأحوال مطلوبٌ، والتلظُّخ بالنجاسات مكروهٌ، وهذا وإن كان صغيرة، لكنه لمَّا أصرَّ عليه واعتاده، صار كبيرة حتى حقَّت عليه كلمة العذاب، والعياذ بالله.
قوله: (لا يَسْتَتِر) ... إلخ، وفي لفظ: لا يَسْتَنْزِه، وفي لفظٍ آخر: لا يَسْتَبْرِأ. وتوهَّم بعضهم: أن معناه إنه لم يكن يَسْتُر عورته عند البول. وقيل معناه: إنه لم يكن يَحْتَرِز عن رِشَاش البول.
أقول: ومُحَصَّل كلها واحدٌ مع فرق يسيرٍ بينها، فمعنى عدم الاستتار: أنَّه لم يكن يضع سُتْرة بينه وبين البول، ولا يتَّقي من رِشَاشه، فيعود إليه رِشَاشه. والاستنزاه والاستبراء: هو الاستنجاء على طريقٍ مسنونٍ، أعني به الطريق الذي يعمل به النَّاس لقطع التقطير: من التنحنح،
стр. 336
والمشي خطوة أو خطوتين، كالنَّتْر عند ابن ماجه مرفوعًا، وهو عند الأطباء مُضِرُّ. فإِن كان ما أظنُّه صحيحًا، فالحديث على الأخيرين يَقْتَصِر على بول النَّاس فقط، ويكون معناه: أنَّه لم يكن يَحْتَاط في الاستنجاء ودفع التقطير، فابْتُلِي بالعذاب لأجل هذا التهاون، وعلى الأول يمكن أن يُرَاد من البول مُطْلَقه الشامل لبول الإِنسان وغيره، لأنَّ عدم الاتقاء من رِشَاش البول يتحقَّق في سائرها، ويكون معناه: أنه مُعَذَّبٌ لقلة مُبَالاته بالأبوال.
ثم قَتَّشْتُ عن وجه خصوصية البول في عذاب القبر، ليظهر أنَّ المراد به بول النَّاس أو مطلقه، فإِن كان ذلك المعنى مُخْتَصًّا ببول الناس، يقتصر الحديث على أبوالهم، وإن كان عامًّا فليَعُمَّ الحديث أيضًا حَسَب عمومه، ولم أرَ فيه شيئًا غير ما في «شرح الهداية»: «أنَّ أول ما يُسْأَل العبد عنه يوم القيامة، هو الصلاة». فناسب أن يكون أول ما يُسْأَل عنه في القبر هو الطهارة، لأنَّ البَرْزَخ مقدَّمٌ على الحشر والطهارة متقدِّمة على الصَّلاة، فناسب أن يُسْأَل في أول منزل من منازل الآخرة عن شرائط الصلاة.
وما وَضَح لديّ هو أنَّه لا دَخْلَ فيه لخصوصِ البول، بل النَّجاسات كلها مُؤَثِّرَة في العذاب، لأنَّ ملائكة الله تتأذَى عن النجاسات بطبعهم، والمعاملة في القبر إنما تكون معهم، فيقَعَ من جانبهم التعذيب لهذا، فالملائكة إنما يَسْتَأْنسُون بالطهارة، ويَتَنْفَّرون بالنجاسة، والبول نجاسةٌ حِسًّا، والنميمة معنًى، لأنَّها لحم الأخ.
وإنَّما خصَّ ذكر البول، لأنَّ الخِثَي والرَّوْثَةَ وعَذِرَةَ الإِنسان، وكذا سائر القَاذُورَات يَحْتَرِز عنها كلُ جاهل وعالمٍ من فِطْرَته، وقَلَّما يتحمَّل أن يتلطَّخ بشيء منها بخلاف البول، فإِنَّ عامةَ العرب لم يكونوا يبالُون به، كما صرَّح به الشارِحون في قصة بول الأعرابي: أنَّ بوله في المسجد كان على عادتهم في قلة المُبَالاة به. ولذا قال: «وما يُعَذَّبان في كبير».
قوله: (ما لم يَيبْسَا) ... إلخ، قيل في وجه تخفيف العذاب: إنَّه من آثار تسبيح الجريدة، وإنما وقته باليَبْس، لأنَّها لا تُسَبِّح بعده. وقيل: بل هو ببركة يده الكريمة، ومثل هذه الواقعة عند مسلم في أواخره، وفيها تصريحٌ باستشفاعه ﷺ لهما، ففي حديث جابر الطويل في صاحبي القبرين: «فأُجِيبت شفاعتي أن يرفع ذلك عنهما ما دام القضيبان رَطْبَان»، وهذا صريحٌ في شفاعته ﷺ وأنَّه لا دَخْل فيه للقضيب، نعم عدم اليَبْس أجلٌ فقط، فالتوقيق ليس لعدم التسبيح بعده، بل لأنَّه ضُرِبَت له هذه المدة.
ثم إنَّ الحافظين بَحَثَا في هاتين القصتين أنهما اثنتان أو واحدة، ومال الحافظ رحمه الله تعالى إلى التعدُّد، وقال: إنَّ ما في الباب قصة المُسْلِمَيْن في المدينة، وما في أواخر مسلم قصة الكَافِرَيْن في سفرٍ، وإلتزام تخفيف العذاب عن الكافر مع عدم النجاة. وذهب الشيخ البدر العَيْني إلى الوَحْدة.
أمَّا إلقاء الرَّيَاحين على القبور، ففي «الفتاوي الهِنْدِيَّة» عن «مطالب المؤمنين»: أنَّه جائزٌ تمسُّكًا بحديث الباب. قلت: وصرَّح العْيَني أنَّه لغوٌ وعَبَثٌ. وقال الخطَّابي: إِنَّ ما يفعله الناس
стр. 337
على القبور لا أصل له كما في النووي، ومُصَنِّف «المطالب» ليس من الكبار لِيُثَق به، بقي البحث في أنَّ المُؤثِّرَ لو كان هو التسبيح، فهل ينقطع عنها التسبيح، بعد اليَبْس، فإِنه يخالف ظاهر قوله تعالى: ﴿وَإِن مّن شَىْء إِلَاّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ﴾ [الإسراء: ٤٤].
البَحْثُ في تسبيح الأشجار، قوله تعالى: ﴿وَإِن مّن شَىْء إِلَاّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ﴾
واعلم أنَّ المفسِّرين أخْرَجُوا آثارًا تحت قوله تعالى: ﴿وَإِن مّن شَىْء إِلَاّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ﴾، ويُسْتَفَاد منها انقطاع التسبيح في زمان، مع أنَّ الآيةَ تدلُّ على العمومِ، ففي الآثار: أنَّ الثوبَ إذا كان أبيض، فإِنَّه يسبِّح، وإذا اتّسَخَ، فإِنه لا يسبِّح، وهكذا الماء إن كان جاريًا يسبِّح، وإن ركد ينقطع عنه التسبيح، وكذلك المرأه إذا حاضت، وأمّا الحمار والكلب، فإنهما لا يُسَبِّحَان أصلًا، ومن ههنا تبيّن لي وجهُ كونهما قاطِعَيْن لصلاة المُصَلِّي، فإِذا كانت دونهما سُتْرةٌ لم يَضُرَّ مرورهما، ولذا غَضِبَت عائشة ﵂، وقالت: «عدَّلْتُمَونا بالكلاب والحُمُر». وقيّد الحائضة وإن لم يكن في عامة الطُرُق، لكنه عند أبي داود: «يقطع الصَّلاة: المرأة الحائضة، والكلب» ولم أرَ أحدًا منهم تنبَّه لهذه الدقيقة.
قلتُ: ولذا يتنجَّس بوقوع النحاسة، كما اختاره الحنفية، وهكذا الحال في الحجر إذا ثَبَتَ في مكانه وإذا أُقْلِع، والشجر إذا كان رَطْبًا وإذا يَبِسَ. والذي تبيَّن لي - والله تعالى أعلم - أنَّ هذه الأشياء كلها تُسَبِّح في الحالين، كما شَهِدَ به النص، إلاّ أنه يتغيّر نوع تسبيحها، فإِن الاتساخَ والرُّكُود والقَطْع والقَلْع موتٌ لهذه الأشياء، وهكذا الإِنسان يُسَبِّح نوعَ تسبيحٍ ما دام حيًا، وإذا مات وصار ترابًا ولَحِق أجزاءه بالعناصر، فإِنَّه لا يُسَبِّح هذا التسبيح، بل بتسبيح العناصر، فيتغيَّر نوعُ تسبيحه، لا أنه لا يُسَبِّح أصلًا، لأنَّ القرآن صرَّح بأن تسبيحَ كل نوعٍ على حِدَة، فقال: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ [النور: ٤١] وهكذا يُسْتَفَاد الاستغراق من عامة الآيات،
стр. 338
إلاّ في آيةٍ واحدةٍ، فإنَّها تُشِيرُ إلى التخصيص، فقال بعد ذكر السجدة - والسجدة والتسبيح من نوع واحد - ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ [الحج: ١٨]، قال الشيخ الأكبر في «الفصوص»: إن بُنْيَة الكافر لا تُسَبِّح، وتسبِّح أجزاءه.
قلت: ومراده ما مرَّ مني: أنَّ الهيئةَ الوحدانية لا تُسَبِّح، وإنما تُسَبِّح أجزاءه وعناصره من نوع تسبيحه.
والحاصل أنَّ الشجرَ الرَّطب يُسيَبِّح تسبيح النبات، وإذا يَبِسَ فإِنه يُسَبِّح تسبيح الجماد، وهو معنى قوله: «ما لم يَيْبَسا» (١).
وليُعْلَم أن قوله تعالى: ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ ليس فيه استثناءٌ صراحةً، فإِن الاستثناء إخراجٌ عن الحكم، وليس له عندهم لفظ سوى «إلاّ» بل خاصٌّ وَرَدَ بنقيض حكم العامّ، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِن مّن شَىْءٍ﴾ [الإسراء: ٤٤] إلخ، فليس فيه استثناء، بل تَعَارُض، فهو يُومِيء إليه.
ثم أقول: ليس العذاب في القبر غير تلك المعاني التي يراها الرجل في حياته من الضيق والإِنشراح، فمن يرى في نومه أنه متلطَّخ بالنجاسات مثلًا، فإِنه تَشُمَئِزُّ نفسه، ويَضِيقُ صدره، وتَطُول عليه ساعاته، كذلك في القبر إذا يرى نفسه متلطِّخة بالنجاسة، فإِنه يَتَنَفَّر عنه، ولعلّ الغِيبَة تتجسَّد لحمًا، ويكون بهذا الطريق عذابه. ونِعْمَ ما قال الصفدي:
*شَرُّ الوَرَى بمساويء الناس مَشْتَغِلٌ ... مثل الذباب يَرْاعَى مَوْضِع العِلَلِ
ولا أجد أحدًا من الحيوانات مُتَتَبِّعًا للنجاسات مثل الذباب والكلب، وفي الكلب معاني أخرى أيضًا، فمن عاداته الوُلُوغ في الأواني، فلا يَمرُّ بآنيةٍ إلاّ ويشَمُّها ويَلَغُ فيها، ومن عاداته أن يَسْطُوَ على الإِنسان، فإِذا هدَّده بالعصى فرَّ، ثم إذا تَغَافَل عنه شيئًا عاد إليه. وهو حال الشيطان، فإِنه أيضًا في مراقبة أحوال الإِنسان، فإِذا وَجَدَ موضع نقص فيه، وكذلك حاله مع الذكر كحال الكلب مع العصى، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١)﴾ [الأعراف: ٢٠١]، فذكر الله مَطْرَدَةً للشيطان، وحياةً للقلب، فتلك الطبائع الإِبليسية التي في جِبْلَة الإِنسان هي التي تتمثَّل في القبر، ويزداد منها عذابًا، لا أُرِيدَ به أن العذاب في القبر تَخْييلٌ فقط، كما تَفَوَّه به بعض الملاحدة، بل أُرِيد تفهيمه وتقريبه إلى الأذهان بنوع من الأمثلة، فيُعَذَّب في القبر كما وَرَدَ في الحديث (٢).
стр. 339
٥٨ - باب مَا جَاءَ فِى غَسْلِ الْبَوْلِ
وَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ لِصَاحِبِ الْقَبْرِ «كَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ». وَلَمْ يَذْكُرْ سِوَى بَوْلِ النَّاسِ.
٢١٧ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنِى رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ حَدَّثَنِى عَطَاءُ بْنُ أَبِى مَيْمُونَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ إِذَا تَبَرَّزَ لِحَاجَتِهِ أَتَيْتُهُ بِمَاءٍ فَيَغْسِلُ بِهِ. أطرافه ١٥٠، ١٥١، ١٥٢، ٥٠٠ - تحفة ١٠٩٤ - ٦ ٥/ ١
٥٩ - باب
٢١٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ قَالَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ مَرَّ النَّبِىُّ ﷺ بِقَبْرَيْنِ فَقَالَ «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِى كَبِيرٍ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يَمْشِى بِالنَّمِيمَةِ». ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً، فَشَقَّهَا نِصْفَيْنِ، فَغَرَزَ فِى كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً. قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ فَعَلْتَ هَذَا قَالَ «لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا». قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى وَحَدَّثَنَا وَكِيعٌ قَالَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ سَمِعْتُ مُجَاهِدًا مِثْلَهُ «يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ». أطرافه ٢١٦، ١٣٦١، ١٣٧٨، ٦٠٥٢، ٦٠٥٥ - تحفة ٥٧٤٧
فَقَصَر البول على بول الناس، ونصَّ عليه، ولم يُرِد به مطلق البول، واختار طهارة بولَ مأْكُول اللحم، وحينئذٍ يقتصر قوله: يستزهوا من البول، على بول النَّاس عنده، بل يُسْتَفَاد من تراجمه: أنه اختار طهارة الأبوال سوى بول الإنسان، وقال الشارحون: إنه اختار مذهب داود الظاهري القائل بطهارة الأبوال والأذبال غير عَذِرَة الإِنسان والخنزير والكلب. قلت: وقد مرّ مني في الباب السابق: لفظ الاستنزاه والاستبراء يُشْعِرُ بأنَّ المراد منه بول الإِنسان، فإِنه لا يتحقَّق إلا في الإِنسان، فلفظ الاستنزاه في هذا الحديث يُوميء إلى أن المُرَاد به بول الناس خاصةً، وحينئذٍ يسقط الاحتجاج به على نجاسة سائر الأبوال.
والقرينة الثانية على أن المراد به بول الناس فقط: ما رُوِيَ عن بني إسرائيل أنهم كانوا إذا أصابهم البول يَقْرِضُون جلدهم بالمَقَاريض. وأوَّلَهَ ابن دقيق العيد، وقال: إن المراد من قطع الجلد هو قطع الفَرْوِ دون قطع الجسد، فإِنه مُسْتَبْعَدٌ.
قلت: ورأيت في بعض الألفاظ قطع الجسد أيضًا، ثم رأيت في «مصنَّف ابن أبي شيبة» (١): «أنهم كانوا مأمورين بقطع الثوب في الدنيا، أمَّا قطع الجلد، فكان عذابهم به في قبورهم». فتبيَّن لي أن هذا القطع كان طريق عذابهم في القبر، وأظنُّ أن أثره باقٍ في هذه الأُمّة أيضًا، وإن كان خُفِّفَ فيه بنوعٍ، والله أعلم.
стр. 340
والقرينة الثالثة: أن الرُّوَاة إنما يَتَنَاقَلُونه في بَوْل الناس، يعني أنَّ الرُّوَاة عند السؤال والجواب والمُرَاجعات إذ يأتون بهذا الحديث يريدون به بول الناس، وهذا يؤيِّد أنه محمولٌ على بول الناس عندهم، ولمَّا لم يكن عندي دليلٌ على التخصيص، رَاعَيْتُ الجانبين، فقلتُ باعتبار تَنَاقُل الرُّوَاة: إن المراد منه بول الناس، وهو مراد أَوْلَى، ولفقدان دليل التخصيص قلتُ: إنَّ المرادَ منه البول مطلقًا، وهو مرادٌ ثانوي. وهذا واسع عندي: أن يقتصر الشيء على أمر باعتبار مراده الأَوْلى ويُعَمَّم يَحَسب مراده الثانوي، ولأنَّه لا فارق بين بول الناس وغيره، فيلحق غيره به أيضًا.
وقد تحقَّق عندي تعدُّد المِصْدَاق، ولم يُنَبِّه عليه أحدٌ، إلاّ بعض شارحي «التلويح» حيث قال: إن خمر العنب مِصْدَاق أَوْلى للفظ الخمر، وما يقوله الجمهور مِصْدَاق ثانوي له. وهكذا أقول في البول، ثم أقول: إنَّ الحُكمُ إذا ورد على اسم يكون بعضُ ما صَدُقَاتِ مُسَمَّاهُ كثيرَ الوقوع، ثم خَصَّص الحديثُ هذا البعضَ الذي هو كثيرُ الوقوع بحكم، فهل يقتصر هذا الحكم على هذا البعض فقط، أو يدور على الاسم مطلقًا؟ والذي يتَّضِح: أنه يدور على الاسم، ولا يَقْتَصِر على هذا البعض، لأن الاقتصار فيه إذا كان لكَثْرَة الوقوع، فلا معنى للتخصيص، وههنا أيضًا كذلك، فإِنَّ حُكْمَ التعذيب وإن اقتصر على بول الناس، كما اختاره البخاري، إلاّ أن تخصيصه بالذكر لكَثْرَة المعاملة معه، فلا يَقْتَصِر الحكمُ عليه، بل يتعدَّى إلى سائر الأبوال، وحينئذٍ لا يحتاج إلى التقرير السابق أيضًا.
أما الأصوليون فلم يذكروا تعدُّد المِصْدَاق، نعم قسَّمُوا العُرْف إلى: لفظِيِّ، وعمليَ، واللفظي: أن يدلّ عليه اللفظ بوضعه. والعمليَّ ما تُرِكَ به العمل في بعض ما صَدُقَاتِه، وإن اشتمل عليه اللفظ لغةً كاللحم، فإِنه لا يُطْلَقُ في العُرْف على لحم السمك، وإن اشتمل عليه لغةً، فاعتبروا اللفظيَّ مطلقًا، وقد يَعْتَبِروُن بالعملي أيضًا، ويجعلونه مخصِّصًا كما في اللحم، فمن حَلَف أن لا يأكل اللحم، فإِنه لا يْحْنَثُ بأكل لحم السمك.
والذي أقول في مثل هذه المواضع: هو إقامة المراتب واختلاف الأحكام في بعض أفراد المُسَمَّى، ففي معنى اللحم مراتب يَسَعُ للمتكلِّم أن يريدَ بعضَها ويَتْرُكَ بعضَها، وهذا أيضًا وجه. وإقامة المراتب لم يتعرَّض إليها الأصوليون أيضًا، وكان مهمًا. وما في حاشية «نور الأنوار» نقلًا عن «مُسْتَدْرَك الحاكم» أنَّ النبي ﷺ لما فَرَغ من دفن سعد، وابْتُلي بعذاب القبر، جاء إلى امرأته فسألها عنه، قالت: كان يرعى غنمًا، ولا يستتر من بولها، فقال: «استنزهوا من البول»، فلم أجده في النسخة المطبوعة ولا في القدر الموجود من النسخة القلمية عندي، ولو ثَبَتَ لكان فصلًا في الباب، وسيأتي بعض الكلام في باب ما يقع من النجاسات ... إلخ.
٦٠ - باب تَرْكِ النَّبِىِّ ﷺ وَالنَّاسِ الأَعْرَابِىَّ حَتَّى فَرَغَ مِنْ بَوْلِهِ فِى الْمَسْجِدِ
٢١٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ عَنْ
стр. 341
أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ رَأَى أَعْرَابِيًّا يَبُولُ فِى الْمَسْجِدِ فَقَالَ «دَعُوهُ». حَتَّى إِذَا فَرَغَ دَعَا بِمَاءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ. أطرافه ٢٢١، ٢٢١ م، ٦٠٢٥ - تحفة ٢١٦
لعلّه يريد بيان ما هو الأنفع فيما بَالَ الرجل في: المسجد، ولم يدخل في مسألة التطهير بعد، وقد مرَّ في باب الماء الذي يُغْتَسل به شعر الإِنسان ... إلخ.
٦١ - باب صَبِّ الْمَاءِ عَلَى الْبَوْلِ فِى الْمَسْجِدِ
٢٢٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ أَخْبَرَنِى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ قَامَ أَعْرَابِىٌّ فَبَالَ فِى الْمَسْجِدِ فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِىُّ ﷺ «دَعُوهُ وَهَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ، أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ». طرفه ٦١٢٨ - تحفة ١٤١١١
حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . أطرافه ٢١٩، ٢٢١ م، ٦٠٢٥ - تحفة ١ ٦٥٧
٦٢ - باب يُهَرِيقُ الْمَاءَ عَلَى الْبَوْلِ
٢٢١ - حَدَّثَنَا خَالِدٌ قَالَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ جَاءَ أَعْرَابِىٌّ فَبَالَ فِى طَائِفَةِ الْمَسْجِدِ، فَزَجَرَهُ النَّاسُ، فَنَهَاهُمُ النَّبِىُّ ﷺ ، فَلَمَّا قَضَى بَوْلَهُ أَمَرَ النَّبِىُّ ﷺ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ، فَأُهْرِيقَ عَلَيْهِ. أطرافه ٢١٩، ٢٢١، ٦٠٢٥ تحفة ١٦٥٧
يَطْهُرُ السَّطْحُ بالصَّبِّ، والجَوْفُ بالجفاف أو بالحفر، لأنَّه إذا صَبَّ الماء يصير جاريًا، واعلم أنَّ في فقهنا مسألة عجيبة وهي: أنَّ دَلْوَين إذا كان أحدهما نَجِسًا والآخر طاهرًا، ثم صُبَّا من الفَوْق معاٌ، يكون مجموع الماء الساقط طاهرًا للجريان، فيراها النَّاظر ويَزْعُم أنَّها متفقٌ عليها بدون اختلاف، مع أنها تُبْنَى على أصل آخر اخْتُلِفَ فيه عندنا، وهو أن الجَرْيَ هل يُشْتَرَطُ له المَدَدَ أم لا؟ فقال بعضهم: إن الماء لا يُسَمَّى جَارِيًا ما لم يكن له مَدَد، وأطلقه آخرون وسمَّاه جاريًا بمجرد الجَرْي. ثم جعلوا يتفرَّعُون على قول من لم يَشْتَرِط المَدَدَ للجَرَيَان، كما رأيت المسألة المذكورة، فينظرها ناظر ويَغْفُل عن الأصل الذي اخْتُلِف فيه، وبظنها مُسَلَّمَة بدون اختلاف، فاعلمه.
قوله: (طائفة المسجد) ... إلخ، وترجمة الناحية عندي (يكسو) وعلى هذا ما في «الموطأ» لمحمد رحمه الله تعالى: «أَحْسِن إلى غنمكِ وأَطِبْ مُرَاحها، وصلِّ في ناحيتها، فإِنَّها من دوابِّ الجنة»، معناه يكسوا ورايكطرف هو كرنما يثره، فيكون دليلًا على نجاسة أزبالَ مأْكُول اللحم وأبوالها، لأنه أمره بالتجنُب عنها، والصَّلاة في الناحية: أي في طرف منه.
стр. 342
قوله: (أعرابي) هو ذو الخُوَيْصِرَة (١) وهو يماني، ورجل آخر تميمي، والأوَّل رجل صالح، والثاني شِقَّي رأس الخوارج، نبَّه عليه ابن الأثير.
٦٣ - باب بَوْلِ الصِّبْيَانِ
٢٢٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ أُتِىَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِصَبِىٍّ، فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَأَتْبَعَهُ إِيَّاهُ. أطرافه ٥٤٦٨، ٦٠٠٢، ٦٣٥٥ - تحفة ١٧١٦٣ - ٦٦/ ١
٢٢٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ أَنَّهَا أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ، لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَجْلَسَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِى حِجْرِهِ، فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ. طرفه ٥٦٩٣ - تحفة ١٨٣٤٢
نَسَبَ ابن بطَّال إلى الشافعية: أن بول الصبي الذي لم يَطْعَم طاهرٌ عندهم، وأنكر عليه الشافعية، وقالوا: إنه نَجِسٌ عندنا إلاّ أَنه يكفي النَّضْح لتطهيره.
قلت: ومذهبهم أنَّه إذا رَشَّ الماء على بوله، فقد طَهُرَ وإن لم تتقاطر منه قطرة، فإِنه صار مغلوبًا، وحينئذٍ لاذنب لابن بطَّال إن نَسَبَ إليهم الطهارة، فإِنَّ النجاسة إذا لم تخرج بشيء، فكيف طَهُرَت بمجرد كونها مغلوبة، وقال الثلاثة: إنه نَجِسٌ يُغْسَل كسائر الأنجاس، إلا أنه لا يحتاج إلى المبالغة في غسله من الدَّلْك والعصر في كل مرَّة، وصرَّح محمد رحمه الله تعالى في «موطئه»: أن في بول الرضيع رُخْصَةً - أي تيسيرًا - وهو مُقْتَضَى الأحاديث، فَوَرَدَ فيه خمسة ألفاظ: أَتْبَعَه بوله، ورَشَّه، ونَضَحَه، وصَبَّه، ولم يَغْسِلْهُ غَسْلًا، كما عند مسلم والآخر صريحٌ في نفي التأكيد.
قال ابن عصفور في حاشية «كتاب سيبويه»: إنَّ المجازَ لمّا كان له تطرُّق في لغة العرب كثيرًا، وضعوا لدفعه طُرُقًا، منها التأكيد، فقولنا: جاءني جاءني: لبيان أنَّ الفعلَ هو المجيء حقيقةً دون مقدماته. وقولنا: جاءني أمس أمس: لدفع تطرُّق المجاز في الزمان، وقالوا: إنَّ لدفع التطرُّق في الفعل طريقٌ آخر، وهو التأكيد بالمفعول المُطْلَق، وعلى هذا قوله: «لم يغسله غسلًا»: للتأكيد ودفع تطرُّق المجاز، فمعناه أنَّه لم يغسله غَسْلًا مؤكَّدًا، وهو الذي أراده بإِثبات الرشّ والنَّضْح، فالنفي والإِثبات يترقيان في المعنى والمآل، فقد عنى بالنفي نفي الغسل مؤكَّدًا، وبالأمر أمر الرشّ ومثله.
стр. 343
ثم المسألة عند اختلاف الألفاظ ينبغي أن تُؤْخَذ بعد رعاية جميع الألفاظ، فَمَنْ نظر إلى لفظ النَّضْح والرشّ، فقد قطع نظره عمّا يجب عليه النظر إليه، وإنَّما اختلفت الألفاظ في بيان تطهيره، لأنه لم يكن فيه تأكيد، فاستخفَّ أمره، وعبَّر عنه تارةً بالنضح والرشّ، وأخرى بالصَّبِّ، فهذا مجرد تعبير وطريق بيان، لا مسألة منضبطة، وهكذا إذا يستخفُّ الأمر تَرِد فيه التعبيرات بكل نحو، ومن ههنا يُسْتَفاد الرخصة. ثم في «الدُّرِّ المختار» مسألةٌ سها فيها صاحبه وهي: أنَّ العَصْرَ إنما يُشْتَرط إذا غسل الثوب في الإِجَّانة، وإلاّ كفى له الصَّبُّ ولو لم يَعْصِرْه.
قلت: وهو سهوٌ بيِّن، فإِنَّ هذه المسألة كانت في النجاسة المرئية، فنقلها في غير المرئية أيضًا، كم في «الخلاصة»، والعجب من ابن عابدين حيث لم يتعقَّب عليه.
ثمَّ إن الطَّحَاوِي (١) أجاب من لفظ الرَّشِّ بوجهٍ آخر، وقال: إنما أراد بالنَّضْح صَبَّ الماء عليه، فقد تُسَمِّي العرب ذلك نَضْجًا، ومنه قول النبي ﷺ «إني لأعرف مدينة يَنْضِحُ البحر بجانبها» فلم يَعْنِ بذلك النَّضْح الرَّش، ولكنه أراد يَلْزَقُ بجانبها. انتهى.
قلت: والنَّضْح في الأصل: إسالة الماء وقتًا فوقتًا، شيئًا فشيئًا، بخلاف الصَّبِّ: فإِنَّه إسالة الماء دفعة، ولذا يُقَال للإِبل الذي يُحْمَل عليه الماء للاستسقاء: النَّاضِح، لأنه يجيء بالماء وقتًا فوقتًا، وإن كان الماء عليه كثيرًا، فالإِنصاف أن النَّضْح في الثوب هو بمعنى الرَّش دون الصَّب وإن لم يكن في البحر، والنَّاضِح كذلك، وهذا لتفاوت مَقَام وَمَقام، فنَضْح البحر وإن كان أَزْيَد من الصَّب والإِسالة، لكن نَضْح الثوب لا يكون كذلك، بل يكون بمعنى الرَّش، لأن نَضْح كل شيء بحَبَسه، فقلة الماء وكَثْرَته في البحر ليس مأخوذًا في نفسه اللفظ، بل هو لأجل المقام. وأما النَّضْحُ لغةً فمعناه: رشُّ الماء شيئًا فشيئًا فقط، وإن كان نَضْح البحر صَبًّا، فاعلمه.
стр. 344
وعفى الله عن النووي حيث قال: والأحاديث الصريحة تَرُدُّ على أبي حنيفة، مع كون ثلاثة ألفاظ من الخمسة لأبي حنيفة رحمه الله تعالى: «أَتْبَعَهُ بوله»، و «صَبَّه» و «لم يَغْسِله غَسْلًا»، على أن لفظ النَّضْح وَرَدَ في تطهير دَمِ الحيض، كما سيأتي، فلم يقل هناك أحد بالتخفيف، كما في بول الصبي.
٦٤ - باب الْبَوْلِ قَائِمًا وَقَاعِدًا
٢٢٤ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِى وَائِلٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ أَتَى النَّبِىُّ ﷺ سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ، فَجِئْتُهُ بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ. أطرافه ٢٢٥، ٢٢٦، ٢٤٧١ - تحفة ٣٣٣٥
٦٥ - باب الْبَوْلِ عِنْدَ صَاحِبِهِ، وَالتَّسَتُّرِ بِالْحَائِطِ
واعلم أنَّ الشارحينَ توجَّهوا إلى أنه لِمَ لَمْ يخرِّج حديث البول قاعدًا مع ذكره في الترجمة؟ قلت: وإنَّما لم يخرِّجه لشهرته، وإنما عمَّم في الترجمة دفعًا لتوهم الاقتصار. وفي الشامي: أنه جائز. قلت: وينبغي التضييق فيه في زماننا، لأنَّه صار من شعار النصارى، ولا ينزل عن كراهة التنزيه. أما بوله (١) ﷺ قائمًا، فمحولٌ على الأعذار. ففي «المستدرك» للحاكم: أَنه كان لوجع في مَأْبِضِه - أي باطن ركبتيه وإسناده وإن كان ضعيفًا، إلاّ أنَّه يصلح لبيان الاحتمالات. وعن الشافعي رحمه الله تعالى: أنَّ العربَ كانت تَسْتَشْفي لوجع الصُّلْب بالبول قائمًا.
وأحسن الوجوه أَنْ يُقال: إن السُبَاطَةَ تكون مُلْقَى الكُنَاسَة، وتكون مخروطية في أكثر الأحوال، فلو بال قاعدًا ارتد إليه بوله. وأمّا بوله بقُرْب الدّور مع أن المعروف من عادته الإِبعاد، فذكر القاضي عِيَاض رحمه الله تعالى: أنَّه كان مشغولًا بأمور المسلمين، فلعلَّه طال عليه المجلس، وحَفَزَه البول، فلم يمكنه التباعد، ولو تباعد لتَضَرَّر.
ويُسْتَفَاد من الحديث: أنه يجوز البول في الصحراء بدون الاستئذان من صاحبها. قال السيوطي رحمه الله تعالى في «حاشية النَّسائي»: إن تثليث الوضوء سنةٌ، وتركَه مكروهٌ تحريمًا. وأمَّا تركه ﷺ التثليث تارةً، فهو موجبٌ للثواب في حقه، فإن البيان واجبٌ عليه، والإتيان بالواجب موجبٌ للثواب قطعًا.
стр. 345
قلت: بل ترك التثليث ليس بمكروهٍ لأحدٍ من الناس عندي بشرط أن لا يتركه أزيد مما ثَبَتَ عن النبيّ ﷺ ولا يَعْتَاد عليه (١).
٢٢٥ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِى وَائِلٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ رَأَيْتُنِى أَنَا وَالنَّبِىُّ ﷺ نَتَمَاشَى، فَأَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ خَلْفَ حَائِطٍ، فَقَامَ كَمَا يَقُومُ أَحَدُكُمْ فَبَالَ، فَانْتَبَذْتُ مِنْهُ، فَأَشَارَ إِلَىَّ فَجِئْتُهُ، فَقُمْتُ عِنْدَ عَقِبِهِ حَتَّى فَرَغَ. أطرافه ٢٢٤، ٢٢٦، ٢٤٧١ - تحفة ٣٣٣٥
٢٢٥ - قوله: (خلف حائِطٍ) ... إلخ، والحائط كانت أمامه.
٢٢٥ - قوله: (فقام كما يقوم) ... إلخ، تشبيهٌ في أصل القيام لا غير.
قوله: (فأشار إليَّ) ... إلخ، ويُسْتَفَاد منه: أنَّ الكلامَ في هذا الحال مما لا ينبغي، ولذا اكتفى بالإِشارة وما عند مسلم فقال: «أدْنُه - باللفظ - فَدَنْوَت ... » إلخ، لعلَّه روايةٌ بالمعنى، والمُتَبَادَرُ أنه لم يتكلَّم في تلك الحال. ومنع مولانا الكَنْكُوهِي رحمه الله تعالى رَدَّ السلام حالة البول، ووسَّع فيه عند الاستنزاه والاستبراء والاستنجاء بالمَدَر. ومنعه مولانا محمد مظهر رحمه الله تعالى في حالة الاستنجاء أيضًا (٢).
٦٦ - باب الْبَوْلِ عِنْدَ سُبَاطَةِ قَوْمٍ
أشار إلى أنَّ البولَ عند السُّبَاطة ممّا لا يحتاج إلى الإذن من صاحبه لكونه معلومًا عُرْفًا.
٢٢٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِى وَائِلٍ قَالَ كَانَ أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِىُّ يُشَدِّدُ فِى الْبَوْلِ وَيَقُولُ إِنَّ بَنِى إِسْرَائِيلَ كَانَ إِذَا أَصَابَ ثَوْبَ أَحَدِهِمْ قَرَضَهُ. فَقَالَ حُذَيْفَةُ لَيْتَهُ أَمْسَكَ، أَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا. أطرافه ٢٢٤، ٢٢٥، ٢٤٧١ - تحفة ٣٣٣٥، ٩٠٠٣
٢٢٦ - قوله: (يُشَدِّد) ... إلخ، فإِنَّه كان يَبُول في القَارُورَة اتقاءً عن الرِشَاش.
قوله: (قُرَضَه)، وفي بعض الروايت الصحيحة: «قَرَض الجلد» أيضًا كما مرَّ، وقد تحقَّق عندي أنَّ هذا القَرْض يكون في القبر تعذيبًا، لا أنه كان في لدنيا تشريعًا، وإن كانت ألفاظ الرُّوَاة تشْعِر بخلافه، وأظُّن أنَّ العذابَ منه في هذه الأمة أيضًا من بقاياه، والله تعالى أعلم.
قوله: (فقال حذيفة ﵁ ردٌّ على تجاوزه عن الحد، لا أمرٌ بالبول قائمًا.
стр. 346
٦٧ - باب غَسْلِ الدَّمِ
انعقد الإجماع على نجاسته، ولذا عبَّر بالغَسْل، وهكذا فعل في البول والمَذِيِّ والمَنِيِّ، فقال: باب ما جاء في غَسْل البول كما مرَّ، وقال: باب غَسْل المَذِيِّ والوضوء منه، وقل: باب غسل المَنِيِّ وفَرْكِهِ، كما سيأتي. فهذا دليلٌ على أنَّه ذهب إلى نجاسة المَنِيِّ على ما أرى، وفي عامة كتبنا؛ أنَّ المسفوح نَجِسٌ، وغير المسفوح ليس بَنجِسٍ، وبحث فيه شارح «المُنْيَة» في الكبيري، وجمع الشَّوْكَاني فقهه في رسالة سمَّاها «الدُّرر البَهِيَّةً»، ووضع فيها مسائل أخشى على العامل بها أن لا يُغْفَر له، منها: طهارة جميع الأشياء سوى دم الحيض، وغائط الإِنسان، وبوله. وقال: إنَّ شَحْم الخنزير ليس بحرامٍ، لأن القرآن سمّى لحمه حرامًا، والشحم ليس بلحمٍ، فلا يكون حرمًا، ونعوذ بالله منه.
٢٢٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ هِشَامٍ قَالَ حَدَّثَتْنِى فَاطِمَةُ عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ جَاءَتِ امْرَأَةٌ النَّبِىَّ ﷺ فَقَالَتْ أَرَأَيْتَ إِحْدَانَا تَحِيضُ فِى الثَّوْبِ كَيْفَ تَصْنَعُ قَالَ «تَحُتُّهُ، ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ، وَتَنْضَحُهُ وَتُصَلِّى فِيهِ». طرفه ٣٠٧ - تحفة ١٥٧٤٣
٢٢٧ - قوله: (وَتَنْضَحُهُ) ... إلخ، وقد مرّ أن النِّضْح ههنا بمعنى الغَسْل عند الكل، وهو المراد عندنا في بول الصبي، فَشاكِلَتُه عندنا من ههنا إلى هناك واحدة، بخلاف الشافعية رحمهم الله تعالى.
٢٢٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ جَاءَتْ فَاطِمَةُ ابْنَةُ أَبِى حُبَيْشٍ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّى امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا، إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَيْسَ بِحَيْضٍ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِى الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِى عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ صَلِّى». قَالَ وَقَالَ أَبِى «ثُمَّ تَوَضَّئِى لِكُلِّ صَلَاةٍ، حَتَّى يَجِىءَ ذَلِكَ الْوَقْتُ». أطرافه ٣٠٦، ٣٢٠، ٣٢٥، ٣٣١ - تحفة ١٧١٩٦ - ٦٧/ ١
٢٢٨ - قوله: (أُسْتَحَاض) بضم الهمزة وفتح المثناة مجهولًا، وهكذا يُقْرَأ، لأن الاستحاضة ليست من صنعها وإنما تلقى عليها من أسباب سَمَاوِيَّة. ومعناه: أنه استمرَّ بي الدم، فلا يَرْقَأ، ولا تريد به الاستحاضة الفقهي: وهي الدماء التي تَنْقُص من عادتها أو تزيد عليها، وأهل اللغة لا يفرِّقون بين الدماء الفقهية، ويقولون: حاضت المرأة، إذا جاء الدم على عادتها، وإذا غَلَب عليها يقولون: أُسْتُحِيضَت، ثم الفقهاء يفصِّلونها إلى دم الحيض والاستحاضة، وهو موضوعهم. وأما اللغويون، فيحكمون على المجموع أنه استحاضة.
قوله: (فلا أَطْهُرُ) أي حِسًّا، ولم تُرِد به الطهارة الشرعية، بل معناه لا أَطْهُر حِسًّا، ولا أزال أتلطَّخ بالدماء لأجل جَرَيان الدم، فلا أَطْهُرُ حِسًّا. والشريعة قد تَحْكُم بالطهارة حال النجاسة الحِسِّية كالمعذور، وقد تحكم بالنجاسة مع الطهارة الحسِّية كالطُّهْرِ المتخلل، فهذه من اعتبار الشرع، فلا تريده، وإنما أرادت: أنَّ دمها غَلَبَ عليها فلا يسكن، ومنعها عن صلاتها، وبه يرتبط الجواب، لأنها لو كانت تَعْلَمُ أنها استحاضة، لم يكن فيه إشكالٌ. وإنما أَشْكَل عليها الأمر،
стр. 347
لأنها إذا استمر بها الدَّمُ لم تستطع أن تتبيَّن حَيْضَها من استحاضتها، فسألت صاحب الشرع.
قوله: (إنما ذلك دم عِرْقٌ) ... إلخ، وهذه عِلَّةٌ منصوصةٌ تدلُّ على أنَّ الخارج من غير السبيلين أيضًا ناقضٌ، لأنه علَّلها بَكونها دم عِرْق، وإنما تحقَّق خروجه عن إحدى السبيلين لخصوص المقام، وإدارةُ الحكم على السبيلين في هذا المقام تركٌ للمَنْطُوق، وأخذٌ بالمسكوت، وهو كما ترى. وما قاله الحافظ رحمه الله تعالى: إنَّ المقصودَ من قوله: «إنه دم عِرْق»، توكيدٌ لعدم كونه دم الحيض، وليس بيانًا لكونه ناقضًا، يأباه السياق أيضًا. ثم إن الحافظ ابن تيمية رحمه الله تعالى أيضًا موافقٌ للشافعية رحمهم الله تعالى في عدم النقض من الخارج من غير السبيلين، مع أن أحمد رحمه الله تعالى نصَّ على نقض الوضوء من الرُّعَاف، وقد مرَّ التصريح به.
قوله: (فإذا أقبلت حيضتُك) بالفتح وبالكسر يوميء إلى التميز بالألوان. واعلم أنه لا عِبْرة للألوان عندنا في أيام الحيض، فما تراه من السَّوَاد إلى الكُدْرَة يكون كلها حيضًا. وذهب الإِمام الشافعي رحمه الله تعالى إلى اعتباره، فجعل الأحمر الشديد والأسود منه حيضًا، ولم يَرَ باقي الألوان حيضًا. ولفظ الإِقبال والإِدبار يؤيده، فإِنه يُعْلَم منه أن دم الحيض دمٌ متميِّزٌ بنفسه، يُعْرَف إذا أقبل وإذا أَدْبَر. فالإحالة على الدم مُشْعِرٌ بأن دم الطمث مُغَايِر لدم الاستحاضة بنفسه، ومُتَمَيِّزٌ كَتمَايُز سائر المَاهِيَّات، ولذا اكتفى بالإحالة على الاسم، لأنه كان من الأشياء المتميِّزة بنفسه، كما في رواية: «فإِنه دمٌ أسود يُعْرَف».
قلت: ولا ريب أن الألفاظ المذكورة أقرب إلى نظرهم، إلا أنَّه يَصْدُق على مذهبنا أيضًا، فإِنه يمكن أن يُعْرَف الإِقبال والإِدبار باعتبار عادتها، فإذا جاء أوانُ حيضها ودَمِيت، فقد أَقْبَل حيضها، وإذا مضى زمان الحيض، فقد أَدْبَر، ثم أقول: إن في الباب لفظ آخر، وهو أن النبي ﷺ أمر مستحاضة أن تَنْظُر عِدَّة الليالي والأيام الي كانت تحيضهنَّ من الشهر، فهذا إحالةٌ ظاهرةٌ على عادتها بدون تفصيلٍ بين الدماء وألوانها، وإن كان يَسُوغ لهم أيضًا أن يحملوه على التمييز، إلاّ أنَّ المُتَبَادر منه عدمه.
فالحاصل: أنَّ العُنوانَ الأول أقرب إلى الشافعية، والعنوان الثاني أقرب إلى الحنفية، وإن أمكن حَمْل أحدهما على الآخر، ولذا وَضَع أبو داود ترجمة بهذا اللفظ، وترجمة أخرى بذاك، لينبِّه على أنهما يُنْبئان عن النظرين.
وأما قوله: «فإِنه دمٌ أسود يُعْرَف»، فقد أخرجه النَّسائي في موضعين، وأشار إلى إعلاله، وفي «العلل» لابن أبي حاتم: أنه مُنْكَرٌ. وحكي الطَّحَاوي (١) عن أحمد رحمه الله تعالى
стр. 348
في «مشكلة»: أنه مُدْرَجٌ. وإن سلَّمنا، فهو محمولٌ على الأغلب، لا أنه هو المَحَطُّ كما فَهِمُوه.
والذي تبيَّن لي أن الأمر في حديث فاطمة بنت أبي حُبَيْش إنما يَدُور على العادة دون التمييز، وإن كان لفظ الإِقبال والإِدبار أقرب إلى التمييز، لأنه أخرجه البخاري بعينه في باب إذا حاضت في شهر ثلاثَ حِيَض، وفيه: «ولكن دَعِي الصَّلاة قدر الأيام التي كنتِ تَحِيضِينَ فيها» مكان الإِقبال والإِدبارد فاتِّضحَ أنَّ الراوي لم يَقْصِد إِلا التَّفَنُن في العبارات، ولم يُرِد من قوله: «أقبلت وأدبرت» معنًى زائدًا عمَّا في قوله: «قدر الأيام التي كنت تَحِيضين فيها (١)»، فالأمر أنها كانت مُعْتَادة تعرف الإِقبال والإِدبار بحَسَب عادتها، لا أنها كانت تْعتَبر بالألوان وإلا لَمَا اختار التعبيرَ المُخِلَّ بالمراد.
قوله: (فاغسلي عنكِ الدم)، المراد منه غَسْل اللَّوْث دون الغَسْل الذي هو فرض بالإِجماع، وهو مرادٌ قطعًا وإن لم يُذْكَر في هذا الطريق، وصحَّ فيه لفظ: «توضيء»، وإن تردَّد فيه مسلم. وقال: وفي حديث حمَّاد بن زيد زيادةُ حرفٍ تركنا ذكره.
قلت: بل هو صحيحٌ بدون تردّد كما أثبته الطَّحَاوي، وأخرج له مُتَابعات أيضًا، فلا تفرُّد، فيه ولا ترُّدد. وأقرّ به الحافظ ﵁ أيضًا: ثم الإِسناد الذي أخرجه الطَّحَاوي فيه أبو حنيفة، ومرّ عليه ابن سيد الناس في «شرح الترمذي» وصحَّحه. وهكذا استشهد أبو عمرو في «التمهيد» بطريق أبي حنيفة والحافظ رحمهما الله تعالى. وإن أقرّ بتلك الزيادة، إلاّ أنه لم يَسْتَعِن بهذا الطريق، ونحن نفهم ما يريد، فافهم أنت أيضًا، والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله.
والحاصل: أنَّ الأمر بالوُضُوء ثابتٌ فيه، ثم هو محمولٌ على الوُجُوب عندنا، وعلى
стр. 349
الاستحباب عند مالك ﵀، لأن عُذْر المْعذُور لا يَنْقُضُ طهارته عنده، ولذا تصدَّى بعض المالكية إلى إسقاطه، والله تعالى أعلم.
ثم ههنا خلافٌ آخر، وهو: أنَّ وضوءَ المَعْذُور للصَّلاة أو للوقت؟ فعند الشافعية للصَّلاة، وعندنا للوقت، فالمستحاضة إذا توضَّأت تصلِّي في الوقت ما شاءت من الفرائض والنوافل، ولا تَبْطُل طهارتُه بهذا العُذْر. وتمسَّك الشافعية بلفظ: «لكل صلاةٍ»، فإِنَّه صريحٌ في أنَّ طهارته اعْتُبِرت في حقّ الصلاة خاصةً، وأجاب عنه الحنفية: بتقدير المضاف، ومعناه: لوقت كل صلاة.
قلت: وأخرج العَيْنِي ﵀ لفظ: «الوقت» عن «المغني» لابن قُدَامة، وإذن لم يَبْقَ هذا تأويلًا مع أنه لا حاجة إليه أيضًا، لأنه شاع في الدُّور الإِسلامية توقيت الأمور بأسامي الصلاة، فتقول: آتيك الظهر، وآتيك العصر، تريد وقته، فقوله: «لكل صلاة» صادقٌ فيما كانت طهارته للوقت أيضًا، ولعلّك فَهِمْتَ أن بين حذف المضاف وبين ما قلنا بَوْن بعيد، والفصل عندي: أَنّ الحديثَ صالحٌ للطرفين، ولا يتعيَّن لأحدٍ منهما.
والمسألة من مراحل الاجتهاد، لأنه لو ثَبَتَ لفظ وقت الصلاة، لم ينفصل منه الأمر أيضًا، لأنه يجري البحث بعده في السبب: هل هو الصلاة أو الوقت؟ ويَسُوغ لهم أن يقولوا: إن اللام للظرف، فوقت الصلاة ظرفٌ للوُضُوء لا سببٌ، وإنما السبب هو الصلاة، كما في قولنا: أتيت فلانًا لخمس مَضَيْنَ من رمضان، فإِن اللام فيه للظرف، لا للسبب، فالوُضُوء يجب على المْعذُور لأجل الصلاة في وقتها عندهم، فصحَّ ما في «المُغْني» «لوقت كل صلاة» على مذهبهم أيضًا، ولذا قلتُ: إن المسألة مفوَّضة إلى الاجتهاد، ولا تدخُلَ تحت النص.
ونظر الإِمام الهُمَام رحمه لله تعالى فيه: أنَّ العِبْرَةَ للوقت دون الصَّلاة، كما أنَّ العِبْرةَ في الجنون والإِغماء أيضًا للوقت، فَمَنْ جنَّ في رمضان بعدما أدرك جزءًا منه، يَلْزَم عليه قضاء رمضان بتمامه. وكذا من أُغْمِي عليه، وأحاط إغماؤه يومًا وليلةً، يسقط عنه قضاؤها، فالجنون والإِغماء عذران اعْتُبِرَ فيهما الوقت أيضًا، إلاّ أنه أخذ في الإِغماء وظيفة اليوم والليلة بتمامها، لأنه فَهِمَ أن بين الصلوات الخمس ربطًا، ولذا قال: إن الترتيب بين الفوائت مستحقٌ، وأخذ في باب الصوم وظيفة الشهر، وأَلْزَم كلَّه بإِدراك بعضه فالشهر في الجنون كالصلوات الخمس في الإِغماء، فمن لم يُدْرِك جزءًا من الشهر، وأحاط به الجنون جميع الشهر، فإِنه لا يَقْضي، كمن أحتاط بِه الإِغماء يومًا وليلةً.
وهكذا في مسألة الرَّجْعَة قالوا: لو انقطع دمها على العشرة، فإِنها تخرج عن عِدَّتها بمجردٍ مُضِيِّ الحَيْضَة الثالثة، وإن انقطع لأقل من العشرة، فإِنها تنتظر قدر الغُسْل، فاعتبروا فيها الوقت أيضًا. والظاهر أَنَّ البحث فيما إذا انقطع الدَّمُ لأقل من العشرة، أنَّ انقطاع حقّ الزوج - وهو الرجعة - يَنُوط بأمرٍ سماويّ - وهو الوقت - أو بفعل اختياري، كغسل المرأة، والذي فَهِمُوه أن إحالته على أمر سماوي أَوْلَى، وهو الوقت، بخلاف الفعل الاختياري، فإِنَّ إبطالَ حقًّ مِنْ فعل أحدٍ غيرُ معقولٍ فلم يَعْتَبِرُوا فيه فِعْلَها - وهو الغُسْل - بخلاف الوقت، فإِنه أمر سَمَاوِيّ، ورَاجِعْ
стр. 350
فيه كلام الطحاوي من كتاب تلميذه أبي جعفر النَّحَّاس، فإِنه أجود وأحسن، ولا يمكن تلخيصه.
وإذا عَلِمْتَ أن الإِمام اعتبر الوقتَ في حميع هذا الباب، سَهُلٌ عليك أن تَعْتَبَرِه في طهارة المَعْذُور، فطهارته أيضًا تَدُور بالوقت دون الصلاة، فإِنها فِعْلُه بخلاف الوقت، فإِنه أمرٌ سماوي، وأمارةٌ للصلاة، وهو الذي يُسْتَفَاد من الشريعة، فإنَّ المَعَذُور لا يزال ينتظر الوقت، فإِذا بلغ آخره يتوضَّأ ويُصَلِي.
والحاصل: أنَّهم اعْتَبَرُوا في الجنون الشهرَ كلَّه، وفي الإِغماء اليومَ والليلةَ، وفي المَعْذُور وقتَ الصلاة الواحدة كلَّه، فهو من مراحل اجتهادٍ لا غير.
تنبيه: وأعلم أنه قد ثَبَتَ في المُسْتَحَاضة الغُسْل لكل صلاةٍ، والحمع بين الصلاتين في غُسْل واستبعده الشَّوْكَانِي، وقال: إن الغُسْلَ لكل صلاة أمرٌ غسيرٌ مما لا يمكن أن يَأْمُرَ به الشرع، وهو مما لا يُصْغَى إليه، فإِنَّه ثابت قطعًا، كما قاله الحافظ رحمه الله تعالى، وأقرَّ به أبو داود، الدارمي: «أنَّ امرأةً مستخاضةً سألت ابن عباس ﵁ عن نفسها، وكانت مُتَحَيِّرَة، فأمرها أن تَغْتَسِلَ عند كل صلاةٍ، فقيل له: إن فيه مَشَقَّة قال: لو شاء الله لشق عليها أزيد منه»، وبمثله أفتى علي ﵁، أمَّا تعدُّد الغُسْل للمُعْتَادة والمُبْتَدئة، فحمله الطحاوي على التبريد، وتقليل الدَّم، ودفع تقطيره، وهو المُسْتَفَاد بأمره زَيْنَب أن تَجْلِسَ في مِرْكَنَ ... إلخ. والغُسْل لكل صلاةٍ أقطعُ للتقطير، فإِنْ تَعَسَّرَ، فالجمع في غُسْلٍ، وإلا فالوضوء لوقت كل صلاة، وهو الواجب عليها، أمَّا سائر الغسلاة فمستحبةٌ لها.
٦٨ - باب غَسْلِ الْمَنِىِّ وَفَرْكِهِ، وَغَسْلِ مَا يُصِيبُ مِنَ الْمَرْأَةِ
٢٢٩ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ الْجَزَرِىُّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كُنْتُ أَغْسِلُ الْجَنَابَةَ مِنْ ثَوْبِ النَّبِىِّ ﷺ ، فَيَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ، وَإِنَّ بُقَعَ الْمَاءِ فِى ثَوْبِهِ. أطرافه ٢٣٠، ٢٣١، ٢٣٢ - تحفة ١٦١٣٥
٢٣٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ حَدَّثَنَا عَمْرٌو عَنْ سُلَيْمَانَ قَالَ سَمِعْتُ عَائِشَةَ ح وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ قَالَ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنِ الْمَنِىِّ يُصِيبُ الثَّوْبَ فَقَالَتْ كُنْتُ أَغْسِلُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَيَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ وَأَثَرُ الْغَسْلِ فِى ثَوْبِهِ بُقَعُ الْمَاءِ. أطرافه ٢٢٩، ٢٣١، ٢٣٢ - تحفة ١ ٦١٣٥
٦٩ - باب إِذَا غَسَلَ الْجَنَابَةَ أَوْ غَيْرَهَا فَلَمْ يَذْهَبْ أَثَرُهُ
٢٣١ - حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ قَالَ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ قَالَ سَأَلْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ فِى الثَّوْبِ تُصِيبُهُ الْجَنَابَةُ قَالَ قَالَتْ عَائِشَةُ كُنْتُ أَغْسِلُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ وَأَثَرُ الْغَسْلِ فِيهِ بُقَعُ الْمَاءِ. أطرافه ٢٢٩، ٢٣٠، ٢٣٢ - تحفة ١٦١٣٥
стр. 351
٢٣٢ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ قَالَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ قَالَ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَغْسِلُ الْمَنِىَّ مِنْ ثَوْبِ النَّبِىِّ ﷺ ، ثُمَّ أَرَاهُ فِيهِ بُقْعَةً أَوْ بُقَعًا. أطرافه ٢٢٩، ٢٣٠، ٢٣١ تحفة ١٦١٣٥
واختار المصنِّف رحمه الله تعالى نجاسة المَنِيِّ كما هو مذهب الحنفية، ووضع تراجم ثلاث تَتْرَى تدلّ على هذا المعنى، فذكر فيها غسله، كما ذكر غسل البول والمَذِيِّ، وكذا في الباب التالي ولم يومىء إلى طهارته وعدَّه مع سائر النجاسات في الباب الآتي: باب إذا أُلْقِيَ على ظهر المصلِّي ... إلخ، وفيه: «وفي ثوبه دمٌ أو جَنَابةٌ، أي مَنِيّ، إلخ، فَعادَل بين الدم والمَنِيِّ، وسَوَّى بينهما، فدلّ على كونه نجسًا عنده.
ثم اعلم أنَّ فقهاءنا رحمهم الله تعالى وضعوا للتطهير أنواعًا: فالاستجمار في السبيلين، والدَّلك في الخُفَّين، والمسح فيما لا تتداخله النحاسة، والجفاف في الأرض، الفَرْك في المَنِيِّ، فهو تطهير له عند الشرع، وإن لم يكن منه القَلْع بالكلية، فقد لا يمكن بالماء أيضًا، كما هو المُتَبَادر من حديث عائشة ﵂ الآتي، وفيه: «ثم أراه فيه بقعة أو بُقَعًا»، لأنَّ الظاهر أن الضمير رَاجِعٌ إلى المَنِيّ (١)، وفي فقهنا: أنه يجب إزالة الرائحة واللون إلاّ ماشقَّ منها، وحينئذٍ لا بأس إن أردنا من الماء: هو المَنِيُّ، ومن البقعة: بقعته، مع أن المُتَبَادَرَ من لفظ الماء: المعروف، ومن البقعة: بقعة الماء،
وحاصله عندي: أنه كان يَذْهَبُ إلى المسجد مع بقاء أثر الغَسْل في ثوبه. ولم يكن يَنْتَظِر الجفاف.
والألفاظ الواردة فيه ثلاثةٌ:
الأول: «وإن بُقَع الماء في ثوبه» يقع الماء مبتدأ، وفي ثوبه خبره.
والثاني: «وأثر الغَسْل في ثوبه».
والثالث: «ثم أراه فيه بقعة».
وهذا الأخير هو الظاهر في مرادهم، إلا أنه لا ينبغي أخذ المسائل من ألفاظ الرُّوَاة لا سِيَّما عند اختلاف ألفاظهم، وكانت المسألة من الحلال والحرام، أو من باب الطهارة والنجاسة، وكذا لا مُسْكة لهم في لفظ الفَرْك، والمسح، والسَّلْت الواردة في هذا الباب، فإِن بعضها تطهيرٌ له، والبعضَ الآخر تقليلٌ في الحالة الراهنة، وإزالةٌ لجُرَمه المُتَقَذَّر وسَتْرُه عن أعين الناس. كذلك رَدَّ البعض بالبعض في المُخَاط في الثوب حالة الصلاة، مع أنَّ النجاسةَ القليلةَ
стр. 352
عفوٌ عندنا (١)، ثم لا دليلَ على أنه صلّى في الثوب الذي مسح عنه المَنِيَّ، ولم يَغْسِلْه، فلا دليلَ لهم في الأحاديث، ما لم يأتوا بما تكون صريحةً في أنَّه صلّى في الثوب حال كون المَنِيِّ فيه ولم يَغْسِلْه، واكتفى بالمسح السَّلْت. والعَجَب منهم حيث يحكمون بنجاسة المَذِيِّ، ويُوجِبُون الغُسْلَ بخروج المَنِيِّ، ومع ذلك ذَهَبُوا إلى طهارته (٢).
٧٠ - باب أَبْوَالِ الإِبِلِ وَالدَّوَابِّ وَالْغَنَمِ وَمَرَابِضِهَا
وَصَلَّى أَبُو مُوسَى فِى دَارِ الْبَرِيدِ وَالسِّرْقِينِ، وَالْبَرِّيَّةُ إِلَى جَنْبِهِ، فَقَالَ هَا هُنَا وَثَمَّ سَوَاءٌ.
٢٣٣ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِى قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَدِمَ أُنَاسٌ مِنْ عُكْلٍ أَوْ عُرَيْنَةَ، فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ، فَأَمَرَهُمُ النَّبِىُّ ﷺ بِلِقَاحٍ، وَأَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا، فَانْطَلَقُوا، فَلَمَّا صَحُّوا قَتَلُوا رَاعِىَ النَّبِىِّ ﷺ وَاسْتَاقُوا النَّعَمَ، فَجَاءَ الْخَبَرُ فِى أَوَّلِ النَّهَارِ، فَبَعَثَ فِى آثَارِهِمْ، فَلَمَّا ارْتَفَعَ النَّهَارُ جِىءَ بِهِمْ، فَأَمَرَ فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وَسُمِرَتْ أَعْيُنُهُمْ، وَأُلْقُوا فِى الْحَرَّةِ يَسْتَسْقُونَ فَلَا يُسْقَوْنَ. قَالَ أَبُو قِلَابَةَ فَهَؤُلَاءِ سَرَقُوا وَقَتَلُوا وَكَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ، وَحَارَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ. أطرافه ١٥٠١، ٣٠١٨، ٤١٩٢، ٤١٩٣، ٤٦١٠، ٥٦٨٥، ٥٦٨٦، ٥٧٢٧، ٦٨٠٢، ٦٨٠٣، ٦٨٠٤، ٦٨٠٥، ٦٨٩٩ - تحفة ٩٤٥ - ٦٨/ ١
٢٣٤ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو التَّيَّاحِ يَزِيدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يُصَلِّى قَبْلَ أَنْ يُبْنَى الْمَسْجِدُ فِى مَرَابِضِ الْغَنَمِ. أطرافه ٤٢٨، ٤٢٩، ١٨٦٨، ٢١٠٦، ٢٧٧١، ٢٧٧٤، ٢٧٧٩، ٣٩٣٢ - تحفة ١٦٩٣
نُسِبَ إلى البخاري أنَّه اختار في النحاسات: مذهب داود الظاهري، كما نقله الكَرماني.
стр. 353
أقوله: أمَّا أنا، فلا أقولُ إلاّ بَقْدرِ ما يظهر من عبارته، وأَسْكُتُ عَمَّا سَكَتَ عنه البخاري، لأنه لا يَلْزَم باختياره بعض جزئيات الظاهرية، اختيار جميعها. وأمَّا الشَّارِحُون فيكتفون بالحكم الإِجمالي، فإِذا رأوا أنه وَافَقَ أحدًا في بعض جزئياته، يحكُمُون عليه أنه اختار مذهب فلان، مع أنه مَجْتَهِدٌ في الفقه، فيأخذ ما شاء من مسائلهم، ويترك ما شاء، وليس من لوازم اختيار البعض، اختيار الكل.
ثم اعلم أنه نُسِبَ إلى الظاهرية: طهارة الأبوال والأزبال مطلقًا، غير عَذِرَة الخنزير والكلب والإِنسان، ولم يتحقَّقَ عندي مذهبه، لأنَّ ابن حَزْم لمَّا مرَّ على حديث: «صلُّوا في مَرَابِض الغنم، ذهب إلى أنَّه منسوخٌ، والناسخ: ما وَرَدَ في تطييب المساجد، وهذا يُشْعِرُ بنجاسة أزبالها عنده. كيفما كان، لا أحبُ أن أعزُو إليه مذهب الظاهرية، فإِن شأنه أرفعُ منه عندي، فالذي يظهر من تراجمه: أنه أخذ الأبوال في الإِبل، وترك الأزبال. وسمَّى بالإِبل لحديث العُرَنِييِّن عنده، ثم زاد لفظ الدواب من عنده، وليس عنده دليل عليها من الحديث، فأبهمه، وهو تعميمٌ بعد تخصيصٍ لدفع توهُّم الاقتصار على المنصوص.
والظاهر عندي: أَنَّه أراد منها المركوب من الحيوانات، ثم زاد عليه «الغنم» للحديث عنده فيها، فما كان له دليلًا عنده سمَّاه، وما لم يكن له دليلًا من الحديث أبهمه، ثم إنه لم يُفْصِح بالحكم بأن تلك الأبوال طاهرةٌ أم نجسةٌ؟ لأنه من عاداته أنَّ الأحاديث إذا صَلُحت للطرفين، يُحِيلُ الحكمَ إلى الناظر، ولا يَجْزِم بجانبٍ إلاّ عند حاجة.
قوله: (مَرَابِضها) .. إلخ، دخل في مسألة الأزبال، ولم يُعَيِّن من الحيوانات غير الإِبل والغنم المذكُورَيْن في الحديث.
قوله: (وصلّى أبو مُوسَى)، والمُتَبَادَرُ من هذا الأثر: أنَّه اختار الطهارة.
قوله: (والسِّرْقِين) ... إلخ، يعني أنَّه لو أراد أن يَتَنَحَّى عن السِّرْقِين لوَسِعِه، فإِنَّ الأرض الطاهرة كانت بجنبه، إلاّ إنَّه لم يُبَال به مبالاةً، وزَعَم أنَّ: ههنا وثَمَّ سواء. لا دليل في قوله: «في السِّرِقِين» على أن الصلاة كانت على السِّرْقِين، فإِنَّ الظرفية مُوَسَّعَة. وسيجيء في البخاري: أنَّ البعيرَ كان خارج المسجد، وعَبَّر عنه الراوي أنَّه كان في المسجد.
واعلم: أنَّ بول الإِنسان وعَذِرَته نَجِسٌ بالإِجماع. واختلفوا في أبوال مَأُكُول اللحم وأزبالها.
فذهب أبو حنيفة والشافعي رحمهما الله تعلى إلى نجاستهما.
واختار مالك رحمه الله تعالى، ومحمد بن الحسن في روايةٍ طهارتهما، وهو مذهب زُفَر. وتمسَّك القائلون بطهارة أبوالها من حديث العُرَنِيِّين، حيثُ أَبَاحَ لهم النبي ﷺ شربها فلو كان نَجِسًا لَمَا أمرهم بشربها. وتمسَّكُوا في مسألة الأزبال من إباحته للصلاة في مَرَابِض الغنم.
стр. 354
فلنبحث أولًا في حديث العْرَنِيِّين بما فيه، ويَظْهَر في ضِمْنِه جواب الخصوم أيضًا.
فنقول: أنَّ في حديث العُرَنِّيين أربعة مباحث: البحث الأول في طهارة الأبوال ونجاستها، والثاني في جواز التدَّاوي بالمحرَّم، والثالث في مسألة الحدود، والرابع في المُثْلَة.
أمّا البحث الأول، فنقول: إن حديثهم إنما يَصْلُح حُجَّةً للطهارة، إن ثَبَتَ أن إباحة الشرب كانت على معنى الطهارة، وإن كانت تَدَاوِيًا، فلا دليلَ فيه على الطهارة أصلًا، فإِنه يَجُوزُ أن يكونَ الشيءُ حرامًا في نفسه، ثم يُبِيحُه الشارع لأجل الضرورة. وما يَتَبَادَرُ من ألفاظ الرواة هو أنه كان لأجل التَّدَاوِي، لأنهم ذكروا في السِيَاق مرضهم. وقالوا: «فاجْتَوَوُا المدينة، فَعُلِم أن الأمر بشرب الأبوال إنما كان استشفاءً. ولا إيماءَ في لفظ الحديث إلى أن بناءه مكان على الطهارة.
وأيضًا عند البخاري، في باب ألبان الأُتُن قال: «كان المسلمون يَتَدَاوَوْن بها - أي بأبوال الإِبل - ولا يَرَوْن به بأسًا». ولِمَا عُرِف من أمر المسلمين أنهم كانوا يَتَدَوَوْن بها، فالأسبق إلى الذهن أن يكون ما في حديث العُرَنِيِّين أيضًا تَدَاوِيًا. وفي كلام بعض الأطباء: أَنَّ رائحةَ بول الإِبل تَفِيدُ الاسْتِسْقَاء. وقال ابن سِينَا: إن أَلبانَ الإِبل تَفِيدُه.
ثم لي فيه بحثٌ آخر: وهو أنَّ التَّداوي كان على طريق الشُرْب، أو على طريق النُّشُوق، فقد يترشَّح من الأحاديث: أنَّه كان على طريق النُّشُوق، دون الشُرْب. فأخرج الطحاوي عن أنس وفيه: «فقال: لو خَرَجْتُم إلى ذَوْدٍ لنا، فَشَرِ: تُم من ألبانها». قال: وذَكَر قَتَادَة: أنه قد حَفِظَ عنه: «أبوالها». فالرَّاوي فَصَلَ ذكر الأبوال عن الألبان، وهكذا في النَّسَائي أيضًا، وعنده: عن سعيد بن المُسَيِّب: «فَبَعَث رسول الله ﷺ إلى لِقَاح ليشربوا من ألبانها، فكانوا فيها». وليس (١) فيه ذكر الأبوال؛ وعنده أيضًا: «فبعثهم النبيّ ﷺ إلى ذَوْدٍ له، فَشَرِبُوا من ألبانها وأبوالها»، وليس فيه: أن الشُّرْب كان بأمره، أو بدون أمره.
فللباحث أن يُمَعِنَ النظر في أن فصل الأبوال عن الألبان تارةً، والاقتصار على الألبان تارةً، ثم رفع الشرب تارةً، وأخرى عدمه، لِمَ ذاك؟ ثم في بعض الطُّرُق ذكر الألبان مقدّم على الأبوال، هكذا: «وأن يَشْرَبُوا من ألبانها وأبوالها»، كما يُشْعِرُ به ألفاظ الطحاوي والنسائي، وقد مرّت.
وحينئذٍ يجوز أن يكون من باب: عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً باردًا، ولا تكون الأبوال للشرب، بل يمكن أن يكون الفعل محذوفًا من المعطوف مثلًا: «ويستنشقوا من أبوالها»، وإنما حُذِفَ
стр. 355
لتقارب الفعلين، سِيَّما إذا ما رُوِيَ في «مصنَّف عبد الرزاق» عن إبراهيم النَّخَعِي: «أنه لا بَأْسَ بأبوال الإِبل، وكانوا يَسْتَنْشِقُون منها». فَعُلِم أن طريق التَّدَاوِي كان هو النُّشُوق، فيكونُ قرينَةً على حذف الفعل من نوعه، إلاّ أن هذا الأثر عند الطحاوي أيضًا، وفيه: «كانوا يَسْتَنْشِفُون بأبوال الإِبل» بدل: «يَسْتَنْشِفُون»، فوقع التردُّد في لفظ المصنِّف، ثم أن هذا كله ذكرته بحثًا محضًا، وليس بمختارٍ عندي، والظاهر أنهم شَربُوا أبوالها أيضًا، ولكنه كان تَدَاوِيًا إن شاء الله تعالى.
أما البحث الثاني: فهو أن التَّدَاوِي بالمحرَّم جائزٌ أم لا؟ فكلام نَقَلَةِ المذهب فيه مُضْطَرِبٌ: ففي «الكنز»: أنَّ الأبوال لا تُشْرَب مطلقًا، لا للتَّدَاوِي، ولا لغيره. وفي رَضَاع «البحر»: أنَّ المذهب عدم الجواز، وجوَّزه مشايخنا رحمهم الله تعالى بقيودِ مذكورةٍ في الكُتُب. وفي «المستصفى»: أنه جائز لأجل الضرورة بالاتفاق. ولا أدري أنه أراد به اتفاق الأئمة، أو اتفاق المشايخ، وفي «فتح القدير»: أنه جائزٌ مطلقًا. وفي «الطحاوي»: أنَّه يجوز عند الضرورة بما سِوَى المُسَكِّرَات (١)، ثم لا يُعْلَم أنه تحقيقه، أو مذهب لأحدٍ. وفي «الدُّرِّ المختار» في موضع: عدم جواز التَّدَاوِي إلا بطاهرٍ، وفي موضع آخر عن «النهاية»: يجوز إذا لم ينفع غيره، وشَهِدَ به طبيبٌ وَرِعٌ حَاذِقٌ مُسْلِمٌ.
وفي «غاية البيان» للشيخ أمير الكاتب والإتْقَاني: أنَّ أبا يوسف رحمه الله تعالى سأل الإِمام أبا حنيفة رحمه الله تعالى عن رجلٍ خَرَج في أَصْبُعه خُرَاج، هل يُعَالِجُها بلف المرارة؟ فنَقَل أنه كرهه، فخرَّج منه بعضَ توسيع.
قلتُ: ولعلّ المذهب أنَّه لا يَجُوز مطلقًا، فاللفظ من صاحب المذهب كان مطلقًا، وفصَّلَهُ المشايخ إلى الضرورة وعدمها، وخَرَّجُوا التفصيل. وأُرِيدَ من التخريج أنَّهم عَيَّنُوا ما كان مُرَاد الإِمام رحمه الله تعالى.، وفصَّلُوا ما كان أَبْهَمَهُ، لا أنهم خَالَفُوه فكان المذهب عدم الجواز، وجاء هؤلاء فجوَّزُوه في حالة دون حالة. وعندي عليه قرائن: فعند الطحاوي عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى: أنه لا بأس بشدِّ السِّنِّ بالذهب، فإِذا حاز شدُّه بالذهب، فالتَّدَاوي بالمحرَّم أَوْلَى.
وفي المتون: أَنَّه يجوز شُرْبُ غير الأشربة الأربعة بقَدْر التَّقْوى دون التَّلَهِّي، ولا أدري أنَّ