← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 98124

فيض الباري على صحيح البخاري

الكشميري

Полный текст (3 525 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

٢٣٢ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ قَالَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ قَالَ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَغْسِلُ الْمَنِىَّ مِنْ ثَوْبِ النَّبِىِّ ﷺ ، ثُمَّ أَرَاهُ فِيهِ بُقْعَةً أَوْ بُقَعًا. أطرافه ٢٢٩، ٢٣٠، ٢٣١ تحفة ١٦١٣٥ واختار المصنِّف رحمه الله تعالى نجاسة المَنِيِّ كما هو مذهب الحنفية، ووضع تراجم ثلاث تَتْرَى تدلّ على هذا المعنى، فذكر فيها غسله، كما ذكر غسل البول والمَذِيِّ، وكذا في الباب التالي ولم يومىء إلى طهارته وعدَّه مع سائر النجاسات في الباب الآتي: باب إذا أُلْقِيَ على ظهر المصلِّي ... إلخ، وفيه: «وفي ثوبه دمٌ أو جَنَابةٌ، أي مَنِيّ، إلخ، فَعادَل بين الدم والمَنِيِّ، وسَوَّى بينهما، فدلّ على كونه نجسًا عنده. ثم اعلم أنَّ فقهاءنا رحمهم الله تعالى وضعوا للتطهير أنواعًا: فالاستجمار في السبيلين، والدَّلك في الخُفَّين، والمسح فيما لا تتداخله النحاسة، والجفاف في الأرض، الفَرْك في المَنِيِّ، فهو تطهير له عند الشرع، وإن لم يكن منه القَلْع بالكلية، فقد لا يمكن بالماء أيضًا، كما هو المُتَبَادر من حديث عائشة ﵂ الآتي، وفيه: «ثم أراه فيه بقعة أو بُقَعًا»، لأنَّ الظاهر أن الضمير رَاجِعٌ إلى المَنِيّ (١)، وفي فقهنا: أنه يجب إزالة الرائحة واللون إلاّ ماشقَّ منها، وحينئذٍ لا بأس إن أردنا من الماء: هو المَنِيُّ، ومن البقعة: بقعته، مع أن المُتَبَادَرَ من لفظ الماء: المعروف، ومن البقعة: بقعة الماء، وحاصله عندي: أنه كان يَذْهَبُ إلى المسجد مع بقاء أثر الغَسْل في ثوبه. ولم يكن يَنْتَظِر الجفاف. والألفاظ الواردة فيه ثلاثةٌ: الأول: «وإن بُقَع الماء في ثوبه» يقع الماء مبتدأ، وفي ثوبه خبره. والثاني: «وأثر الغَسْل في ثوبه». والثالث: «ثم أراه فيه بقعة». وهذا الأخير هو الظاهر في مرادهم، إلا أنه لا ينبغي أخذ المسائل من ألفاظ الرُّوَاة لا سِيَّما عند اختلاف ألفاظهم، وكانت المسألة من الحلال والحرام، أو من باب الطهارة والنجاسة، وكذا لا مُسْكة لهم في لفظ الفَرْك، والمسح، والسَّلْت الواردة في هذا الباب، فإِن بعضها تطهيرٌ له، والبعضَ الآخر تقليلٌ في الحالة الراهنة، وإزالةٌ لجُرَمه المُتَقَذَّر وسَتْرُه عن أعين الناس. كذلك رَدَّ البعض بالبعض في المُخَاط في الثوب حالة الصلاة، مع أنَّ النجاسةَ القليلةَ

стр. 352

عفوٌ عندنا (١)، ثم لا دليلَ على أنه صلّى في الثوب الذي مسح عنه المَنِيَّ، ولم يَغْسِلْه، فلا دليلَ لهم في الأحاديث، ما لم يأتوا بما تكون صريحةً في أنَّه صلّى في الثوب حال كون المَنِيِّ فيه ولم يَغْسِلْه، واكتفى بالمسح السَّلْت. والعَجَب منهم حيث يحكمون بنجاسة المَذِيِّ، ويُوجِبُون الغُسْلَ بخروج المَنِيِّ، ومع ذلك ذَهَبُوا إلى طهارته (٢). ٧٠ - باب أَبْوَالِ الإِبِلِ وَالدَّوَابِّ وَالْغَنَمِ وَمَرَابِضِهَا وَصَلَّى أَبُو مُوسَى فِى دَارِ الْبَرِيدِ وَالسِّرْقِينِ، وَالْبَرِّيَّةُ إِلَى جَنْبِهِ، فَقَالَ هَا هُنَا وَثَمَّ سَوَاءٌ. ٢٣٣ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِى قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَدِمَ أُنَاسٌ مِنْ عُكْلٍ أَوْ عُرَيْنَةَ، فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ، فَأَمَرَهُمُ النَّبِىُّ ﷺ بِلِقَاحٍ، وَأَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا، فَانْطَلَقُوا، فَلَمَّا صَحُّوا قَتَلُوا رَاعِىَ النَّبِىِّ ﷺ وَاسْتَاقُوا النَّعَمَ، فَجَاءَ الْخَبَرُ فِى أَوَّلِ النَّهَارِ، فَبَعَثَ فِى آثَارِهِمْ، فَلَمَّا ارْتَفَعَ النَّهَارُ جِىءَ بِهِمْ، فَأَمَرَ فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وَسُمِرَتْ أَعْيُنُهُمْ، وَأُلْقُوا فِى الْحَرَّةِ يَسْتَسْقُونَ فَلَا يُسْقَوْنَ. قَالَ أَبُو قِلَابَةَ فَهَؤُلَاءِ سَرَقُوا وَقَتَلُوا وَكَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ، وَحَارَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ. أطرافه ١٥٠١، ٣٠١٨، ٤١٩٢، ٤١٩٣، ٤٦١٠، ٥٦٨٥، ٥٦٨٦، ٥٧٢٧، ٦٨٠٢، ٦٨٠٣، ٦٨٠٤، ٦٨٠٥، ٦٨٩٩ - تحفة ٩٤٥ - ٦٨/ ١ ٢٣٤ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو التَّيَّاحِ يَزِيدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يُصَلِّى قَبْلَ أَنْ يُبْنَى الْمَسْجِدُ فِى مَرَابِضِ الْغَنَمِ. أطرافه ٤٢٨، ٤٢٩، ١٨٦٨، ٢١٠٦، ٢٧٧١، ٢٧٧٤، ٢٧٧٩، ٣٩٣٢ - تحفة ١٦٩٣ نُسِبَ إلى البخاري أنَّه اختار في النحاسات: مذهب داود الظاهري، كما نقله الكَرماني.

стр. 353

أقوله: أمَّا أنا، فلا أقولُ إلاّ بَقْدرِ ما يظهر من عبارته، وأَسْكُتُ عَمَّا سَكَتَ عنه البخاري، لأنه لا يَلْزَم باختياره بعض جزئيات الظاهرية، اختيار جميعها. وأمَّا الشَّارِحُون فيكتفون بالحكم الإِجمالي، فإِذا رأوا أنه وَافَقَ أحدًا في بعض جزئياته، يحكُمُون عليه أنه اختار مذهب فلان، مع أنه مَجْتَهِدٌ في الفقه، فيأخذ ما شاء من مسائلهم، ويترك ما شاء، وليس من لوازم اختيار البعض، اختيار الكل. ثم اعلم أنه نُسِبَ إلى الظاهرية: طهارة الأبوال والأزبال مطلقًا، غير عَذِرَة الخنزير والكلب والإِنسان، ولم يتحقَّقَ عندي مذهبه، لأنَّ ابن حَزْم لمَّا مرَّ على حديث: «صلُّوا في مَرَابِض الغنم، ذهب إلى أنَّه منسوخٌ، والناسخ: ما وَرَدَ في تطييب المساجد، وهذا يُشْعِرُ بنجاسة أزبالها عنده. كيفما كان، لا أحبُ أن أعزُو إليه مذهب الظاهرية، فإِن شأنه أرفعُ منه عندي، فالذي يظهر من تراجمه: أنه أخذ الأبوال في الإِبل، وترك الأزبال. وسمَّى بالإِبل لحديث العُرَنِييِّن عنده، ثم زاد لفظ الدواب من عنده، وليس عنده دليل عليها من الحديث، فأبهمه، وهو تعميمٌ بعد تخصيصٍ لدفع توهُّم الاقتصار على المنصوص. والظاهر عندي: أَنَّه أراد منها المركوب من الحيوانات، ثم زاد عليه «الغنم» للحديث عنده فيها، فما كان له دليلًا عنده سمَّاه، وما لم يكن له دليلًا من الحديث أبهمه، ثم إنه لم يُفْصِح بالحكم بأن تلك الأبوال طاهرةٌ أم نجسةٌ؟ لأنه من عاداته أنَّ الأحاديث إذا صَلُحت للطرفين، يُحِيلُ الحكمَ إلى الناظر، ولا يَجْزِم بجانبٍ إلاّ عند حاجة. قوله: (مَرَابِضها) .. إلخ، دخل في مسألة الأزبال، ولم يُعَيِّن من الحيوانات غير الإِبل والغنم المذكُورَيْن في الحديث. قوله: (وصلّى أبو مُوسَى)، والمُتَبَادَرُ من هذا الأثر: أنَّه اختار الطهارة. قوله: (والسِّرْقِين) ... إلخ، يعني أنَّه لو أراد أن يَتَنَحَّى عن السِّرْقِين لوَسِعِه، فإِنَّ الأرض الطاهرة كانت بجنبه، إلاّ إنَّه لم يُبَال به مبالاةً، وزَعَم أنَّ: ههنا وثَمَّ سواء. لا دليل في قوله: «في السِّرِقِين» على أن الصلاة كانت على السِّرْقِين، فإِنَّ الظرفية مُوَسَّعَة. وسيجيء في البخاري: أنَّ البعيرَ كان خارج المسجد، وعَبَّر عنه الراوي أنَّه كان في المسجد. واعلم: أنَّ بول الإِنسان وعَذِرَته نَجِسٌ بالإِجماع. واختلفوا في أبوال مَأُكُول اللحم وأزبالها. فذهب أبو حنيفة والشافعي رحمهما الله تعلى إلى نجاستهما. واختار مالك رحمه الله تعالى، ومحمد بن الحسن في روايةٍ طهارتهما، وهو مذهب زُفَر. وتمسَّك القائلون بطهارة أبوالها من حديث العُرَنِيِّين، حيثُ أَبَاحَ لهم النبي ﷺ شربها فلو كان نَجِسًا لَمَا أمرهم بشربها. وتمسَّكُوا في مسألة الأزبال من إباحته للصلاة في مَرَابِض الغنم.

стр. 354

فلنبحث أولًا في حديث العْرَنِيِّين بما فيه، ويَظْهَر في ضِمْنِه جواب الخصوم أيضًا. فنقول: أنَّ في حديث العُرَنِّيين أربعة مباحث: البحث الأول في طهارة الأبوال ونجاستها، والثاني في جواز التدَّاوي بالمحرَّم، والثالث في مسألة الحدود، والرابع في المُثْلَة. أمّا البحث الأول، فنقول: إن حديثهم إنما يَصْلُح حُجَّةً للطهارة، إن ثَبَتَ أن إباحة الشرب كانت على معنى الطهارة، وإن كانت تَدَاوِيًا، فلا دليلَ فيه على الطهارة أصلًا، فإِنه يَجُوزُ أن يكونَ الشيءُ حرامًا في نفسه، ثم يُبِيحُه الشارع لأجل الضرورة. وما يَتَبَادَرُ من ألفاظ الرواة هو أنه كان لأجل التَّدَاوِي، لأنهم ذكروا في السِيَاق مرضهم. وقالوا: «فاجْتَوَوُا المدينة، فَعُلِم أن الأمر بشرب الأبوال إنما كان استشفاءً. ولا إيماءَ في لفظ الحديث إلى أن بناءه مكان على الطهارة. وأيضًا عند البخاري، في باب ألبان الأُتُن قال: «كان المسلمون يَتَدَاوَوْن بها - أي بأبوال الإِبل - ولا يَرَوْن به بأسًا». ولِمَا عُرِف من أمر المسلمين أنهم كانوا يَتَدَوَوْن بها، فالأسبق إلى الذهن أن يكون ما في حديث العُرَنِيِّين أيضًا تَدَاوِيًا. وفي كلام بعض الأطباء: أَنَّ رائحةَ بول الإِبل تَفِيدُ الاسْتِسْقَاء. وقال ابن سِينَا: إن أَلبانَ الإِبل تَفِيدُه. ثم لي فيه بحثٌ آخر: وهو أنَّ التَّداوي كان على طريق الشُرْب، أو على طريق النُّشُوق، فقد يترشَّح من الأحاديث: أنَّه كان على طريق النُّشُوق، دون الشُرْب. فأخرج الطحاوي عن أنس وفيه: «فقال: لو خَرَجْتُم إلى ذَوْدٍ لنا، فَشَرِ: تُم من ألبانها». قال: وذَكَر قَتَادَة: أنه قد حَفِظَ عنه: «أبوالها». فالرَّاوي فَصَلَ ذكر الأبوال عن الألبان، وهكذا في النَّسَائي أيضًا، وعنده: عن سعيد بن المُسَيِّب: «فَبَعَث رسول الله ﷺ إلى لِقَاح ليشربوا من ألبانها، فكانوا فيها». وليس (١) فيه ذكر الأبوال؛ وعنده أيضًا: «فبعثهم النبيّ ﷺ إلى ذَوْدٍ له، فَشَرِبُوا من ألبانها وأبوالها»، وليس فيه: أن الشُّرْب كان بأمره، أو بدون أمره. فللباحث أن يُمَعِنَ النظر في أن فصل الأبوال عن الألبان تارةً، والاقتصار على الألبان تارةً، ثم رفع الشرب تارةً، وأخرى عدمه، لِمَ ذاك؟ ثم في بعض الطُّرُق ذكر الألبان مقدّم على الأبوال، هكذا: «وأن يَشْرَبُوا من ألبانها وأبوالها»، كما يُشْعِرُ به ألفاظ الطحاوي والنسائي، وقد مرّت. وحينئذٍ يجوز أن يكون من باب: عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً باردًا، ولا تكون الأبوال للشرب، بل يمكن أن يكون الفعل محذوفًا من المعطوف مثلًا: «ويستنشقوا من أبوالها»، وإنما حُذِفَ

стр. 355

لتقارب الفعلين، سِيَّما إذا ما رُوِيَ في «مصنَّف عبد الرزاق» عن إبراهيم النَّخَعِي: «أنه لا بَأْسَ بأبوال الإِبل، وكانوا يَسْتَنْشِقُون منها». فَعُلِم أن طريق التَّدَاوِي كان هو النُّشُوق، فيكونُ قرينَةً على حذف الفعل من نوعه، إلاّ أن هذا الأثر عند الطحاوي أيضًا، وفيه: «كانوا يَسْتَنْشِفُون بأبوال الإِبل» بدل: «يَسْتَنْشِفُون»، فوقع التردُّد في لفظ المصنِّف، ثم أن هذا كله ذكرته بحثًا محضًا، وليس بمختارٍ عندي، والظاهر أنهم شَربُوا أبوالها أيضًا، ولكنه كان تَدَاوِيًا إن شاء الله تعالى. أما البحث الثاني: فهو أن التَّدَاوِي بالمحرَّم جائزٌ أم لا؟ فكلام نَقَلَةِ المذهب فيه مُضْطَرِبٌ: ففي «الكنز»: أنَّ الأبوال لا تُشْرَب مطلقًا، لا للتَّدَاوِي، ولا لغيره. وفي رَضَاع «البحر»: أنَّ المذهب عدم الجواز، وجوَّزه مشايخنا رحمهم الله تعالى بقيودِ مذكورةٍ في الكُتُب. وفي «المستصفى»: أنه جائز لأجل الضرورة بالاتفاق. ولا أدري أنه أراد به اتفاق الأئمة، أو اتفاق المشايخ، وفي «فتح القدير»: أنه جائزٌ مطلقًا. وفي «الطحاوي»: أنَّه يجوز عند الضرورة بما سِوَى المُسَكِّرَات (١)، ثم لا يُعْلَم أنه تحقيقه، أو مذهب لأحدٍ. وفي «الدُّرِّ المختار» في موضع: عدم جواز التَّدَاوِي إلا بطاهرٍ، وفي موضع آخر عن «النهاية»: يجوز إذا لم ينفع غيره، وشَهِدَ به طبيبٌ وَرِعٌ حَاذِقٌ مُسْلِمٌ. وفي «غاية البيان» للشيخ أمير الكاتب والإتْقَاني: أنَّ أبا يوسف رحمه الله تعالى سأل الإِمام أبا حنيفة رحمه الله تعالى عن رجلٍ خَرَج في أَصْبُعه خُرَاج، هل يُعَالِجُها بلف المرارة؟ فنَقَل أنه كرهه، فخرَّج منه بعضَ توسيع. قلتُ: ولعلّ المذهب أنَّه لا يَجُوز مطلقًا، فاللفظ من صاحب المذهب كان مطلقًا، وفصَّلَهُ المشايخ إلى الضرورة وعدمها، وخَرَّجُوا التفصيل. وأُرِيدَ من التخريج أنَّهم عَيَّنُوا ما كان مُرَاد الإِمام رحمه الله تعالى.، وفصَّلُوا ما كان أَبْهَمَهُ، لا أنهم خَالَفُوه فكان المذهب عدم الجواز، وجاء هؤلاء فجوَّزُوه في حالة دون حالة. وعندي عليه قرائن: فعند الطحاوي عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى: أنه لا بأس بشدِّ السِّنِّ بالذهب، فإِذا حاز شدُّه بالذهب، فالتَّدَاوي بالمحرَّم أَوْلَى. وفي المتون: أَنَّه يجوز شُرْبُ غير الأشربة الأربعة بقَدْر التَّقْوى دون التَّلَهِّي، ولا أدري أنَّ

стр. 356

هذه القيود من الإِمام رحمه الله تعالى أو المشايخ؟ فإِن كان من الإِمام، فهو دليلٌ لحوازه عند الضرورة. وعنه: إجازة لُبْس الحرير في الجهاد، فلعلّ في المذهب تضييقًا مع المستثنيات. وأمَّا ما نُقِلَ من عدم الجواز مطلقًا فمحمولٌ على سدِّ الذرائع، ودفع التهاون، ولعلَّهم لم يتحقَّق عندهم الضرورة. وثَبَتَ عند الطحاوي: «أنَّ النبي ﷺ أمر عَرْفَجَة أن يَتَّخِذَ أنفافًا نم ذهب لمَّا أنتن من وَرِقٍ»، وكذا: «أباح للزُّبَيْر بن العَوَّام، وعبد الرحمن بن عَوْف لُبْس الحرير لحِكَّةٍ كانت بهما». وههنا أحاديث كثيرة تدلّ على المنع عند الطَّحاوِي وأبي داود منها: أنه قال: «لا تَدَاوَوْا بحرام». ومنها عند مسلم: «أنها داء ليست بدواء». وعند الطَّحَاوي: «إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرّم عليكم» وأوَّله في «العالمكيرية» بما بَيْنَو عنه السمع. ومعنى النهي عندي: أن يَتَتَبَّع الشفاء من الحرام؛، فلا يَتَدَاوَى من غيره مع وِجْدَان الحلال، فالمطلوب أن لا يَتَدَاوَى من الحرام ما دام تَيَسَّر له الحلال، وإليه يشير لفظ الجعل، فإِنه يُسْتَعْمَل فيما تَصْرفُ فيه عن حقيقته، كما مرّ تحقيقه في الحديث الأول، وبعده في مواضع. قال تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] يعني أنه ليس رزقًا لكم من الله تعالى، ولكنكم تجعلُونه رزقكم من عند أنفسكم، كذلك الله جَعَلَ لكم شفاءً في الحلال، وأنتم تَطْلبونه من الحرام، فَتَجْعَلُون الحرام مكان الحلال، أنتم من عند أنفسكم، فهذا تقيبحٌ لهم. وهكذا سائر الأحاديث لا تدلّ إلاّ على كراهة التَّدَاوِي بالمحرَّم، وعدم ابتغائه في حالة الاختيار، وإنما أُطْلِق في اللفط سدّ للذرائع، ودفعًا لتهاون الناس. ثم إنَّه اختار بعضهم أنه ليس في الحرام شفاء أصلًا، وجَعَل يؤوِّل قوله تعالى: ﴿فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩] بأن المراد من المنافع: هو منافع التجارة دون المنافع البدنية. قلتُ: بل المراد بها المنافع مطلقًا، لا منافع التجارة فقط، لأن ما يكون مأكولًا ومشروبًا، تكون ذاتُه مطلوبةً، بخلاف النقود، فإِنها آلةٌ لتحصيل وليست ذاتُها مطلوبةً، فلو أَرَدْنا بها منافع التجارة فقط، ولم نُرِدْ بها المنافع في أنفسها، لأدَّى إلى جعلها في حكم النقود. ثم لا يَخْفَى عليك أن القرآن تعرَّض ههنا إلى مهمٍ تَحَيَّرَتْ فيه الأفكار، وكَلَّتْ منه الأنظار، وهو: أن الشرع إذ يحرِّم شيئًا، فهل يبقى فيه منفعة للبدن أيضًا؟ فتعرَّض القرآن إلى هذا الأصل العظيم: أنه يحرِّم أشياء مع وُجُود المنافع فيها، لأن ضَرَرَها يكون أَكْثَرَ من نفعها، ولذا قال: ﴿وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩] فسلَّم أن فيهما نَفْعًا إلا أن إثمهما لمَّا كان أكبر حَرَّمَهُمَا، هذدا لا يُعْرَفُ إلاّ من جهته، فهو يْعلَمُ أن الإِثم أكبر، أو النفع أكثر، وبيده الميزان يَخْفِضُ ويَرْفَعُ. ثم إنَّ الحديث إن كان محمولًا على التَّدْاوِي، لم تُسْتَنْبَطْ منه مسألة طهارة الأبوال. وإن

стр. 357

حَمْلْنَاه على الطهارة، لا تُسْتَنْبَط منه مسألة التَّدَاوِي بالمحرَّم. فليت شعري، كيف أخذ الناس هاتين المسألتين من الحديث؟ مع أنَّه لا يمكن أن يُؤْخَذَ منه إلاّ إحداهما (١). وأما البحث الثالث، فقال الشافعية رحمهم الله تعالى: إن في الحديث دليلًا على المُمَاثَلة في القِصَاص. قلت: بل هو محمولٌ عندنا على السِّياسة. وعند النَّسَائي في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَآء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ﴾ ... إلخ [المائدة: ٣٣] أن النبي ﷺ دعا عليهم: اللهم عطشٌ من عطش آل محمد». وإنما دعا عليهم، لأنهم لما اسْتَاقُوا الإبل، وكانت فيها ناقته ﷺ أيضًا عَطِشَ أهله، كما في السِّيَر، فلهذا الدعاء أيضًا دَخْلٌ في هذا التعذيب، ولذا كانوا يَسْتَسْقُون، فما يُسْقَوْن حتى ماتوا عِطَاشًا. ثم إنهم قَطَعُوا الطريق، واستاقوا الإِبل، وقتلوا الرعاة، فجَنُوا جِنَاياتٍ عديدةً، وفي مثله الخِيَار إلى الإِمام: إن شَاءَ جَمَعَ الأَجْزِيَة، وإن شاء اكْتفَى بالقتل. وَرَاجِعْ كُتُبَ الفقه. أما البحث الرابع فبأنه قَبْلَ النهي عن المُثْلَة لِمَا عند النَّسائي: «أن النبي ﷺ لم يَخْطُبْ بعده خُطْبَة إلاّ نَهَى فيها عن المُثْلَة»، وعن ابن سيرين عند الترمذي: إن هذه الواقعة قبل أن تَنْزِلَ الحدود. وتبيَّن في ضِمْن هذه المباحث: أن لا حُجَّة في الحديث على طهارة الأبوال. وأما مسألة الأزبال: فقد ذهب مالك وزُفَر ومحمد رحمهم الله تعالى في رواية: إلى طهارة أزبال مأكول اللحم، ولا حُجَّة لهم فيما رُوِي عن النبي ﷺ «صَلُّوا في مِرَابض الغنم» لأنَّا لمَّا تَتَبَّعْنَا طُرُقه لم نَجِدْ فيه معنىً يُخَالِفُ مذهبنا، فإِن الحديث ما لم تُجْمع طُرُقه، لا ينكشف مُرَادهُ، ويُعْلَم من هذا الطريق: أنَّ الصلاة في المَرَابِض مطلوبٌ أَمَرَ بها صاحب الشرع، ولا يظهر فيه معنى. وهذا الحديث بعينه عند الطحاوي: «أن رجلًا سَأَلَ النبي ﷺ أُصَلِّي في مَرَابِض الغنم؟ قال: نعم»، فدلُ على أن الأمر ليس ابتدائيًا، بل هو في جواب سائل، فلم تَبْقَ فيه شِدَّة، وانكسرت سَوْرَتُهُ، وعنده عن أبي هريرة ﵁: «إذا لم تَجِدُوا إلاّ مَرَابِض الغنم، ومَعَاطِن الإِبل، فصلُّوا في مَرَابِض الغنم، ولا تُصَلّوا في مَعَاطِن الإِبل»، فلم تَبْقَ فيه مطلوبية أصلًا. وعُلِمَ أن أمر الصلاة في المَرَابِض إنما هو عند فُقْدَان مكان سواها، لا أن الصلاة مطلوبة فيها مع وِجْدَان مكان غيرها.

стр. 358

ثم ظَهَرَ أنَّ الحديثَ وَرَدَ على عاداتهم، فإِنهم لم يكن عندهم مكانٍ مستوٍ غير مَرَابضهم، وكانت الغنم أعزَّ أموالهم، فكانوا يَسْكُنُون معها، ويَجْلِسُون في مَرَابِضها، ويَتَحَدَّثُون فيها، بخلاف الإِبل، فإِنه لا يَجْلِس في مكانٍ مُسَطَّح، على أنه لا دليلَ فيه على أنهم كانوا يُصَلُّون على الأبوال والأزبال أيضًا، لأنهم لَمَّا كان مَطْعَمُهم ومَشْرَبُهم ومَسْكَنُهم فيها، فلعلَّهم كانوا يْنَظِّفُون مكانًا لأنفسهم، ولصلواتهم أيضًا. ويدلُّ عليه ما عند محمد (١) في «موطئه»، عن أبي هريرة ﵁: «أَحْسِن مَرَابِضَ الغنم، وأَطِبْ مُرَاحها، وصَلِّ في ناحيته»، ورفعه البيهقي، وأَتردَّد في رفعه، ويمكن أن يكون وهمًا، فدلَّ على الصلاة في الناحية، أي مُنَتَحِيًا عنها. وقد مرّ مني ترجمته في الهندية: يكسو هوكر. وقد مرَّ عن ابن حَزْم أنه ذَهَبَ إلى نَسْخِه، وقال: إنه منسوخٌ بما وَرَدَ في تطييب المساجد وتنظيفها عند أبي داود بسندٍ قوي، ولا أدري ما حَمْلَه على النَّسْخ، إلاّ أن يكونَ اختار نجاسةَ الأزبالِ والأبوالِ. قلتُ: أمّا كونه منسوخًا، فالله أعلم به، ولكن ما تحقَّق لدي هو أنَّ المطلوب من هذه الأمة ابتغاءُ الوقت ومراعاتها، بخلاف بني إسرائيل، فإِنهم كانوا مأمورين بابتغاء الأمكنة، وكانت مُرَاعَاتُها عندهم أهم من مُرَاعَاة الأوقات، ولذا كانوا يطلبون البِيعَ والكنائس عند صلواتهم، ثم لمَّا بُنِيت المساجد أُمِرْنا بتقيُّد المساجد أيضًا. فالصلاة في المَرَابِض إنما كانت قبل بناء المساجد، كما في البخاري في باب الصلاة في مَرَابِض الغنم، عن أنس: «كان يُصَلِّي في مَرَابِض الغنم قبل أن تُبْنَى المساجد». وفي هذه الصفحة قبله بقليل: «وكان يُحِبُّ أن يُصَلِّي حيث أدركته الصلاة، ويُصَلِّي في مَرَابِض الغنم». وفي باب قول الله : ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]: ثنا إبراهيم التَّيْمي، عن أبيه قال: «سمعت أبا ذرٍ قال: قلتُ: يا رسول الله، أيُّ مسجدٌ وضع في الأرض أوَّل؟ قال: المسجد الحرام. قلتُ: ثُمَّ؟ قال: المسجد الأقصى ... ثم أَيْنَما أَدْرَكَتْكَ الصلاة، فصلِّه، فإِن الفَضْلَ فيه». فدلّ على أنَّ الاعتناء أولًا كان بموضع تُدْرِكُهُ الصلاة فيه، ولَمَّا كانوا يَسْكُنُون في المَرَابِضِ، كانوا يُدْرِكُون وَقْتَها فيها، فكانوا يُصَلُّون هناك لهذا. ولذا قَرَنَ الرَّاوي بين الصلاة في المَرَابِض، وبين أَحِبِيَّة الصلاة حيث أَدْرَكَتْهُ، فهذا بمنزلة التَّرَقِي، يعني أنه كان يحب الصلاة، ولو أدركته وهو في المرابض، فَيُصَلِّي فيها أيضًا. أما أدلة النَّجاسة، فأقول: أولًا إنه يُعْلَم من سِيَاق القرآن نحاستها، لأنه عَدَّ الفَرْث مع الدم، وقال: ﴿نُّسْقِيكُمْ مّمَّا فِى بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ [النحل: ٦٦] وأمّا عند الترمذي: «أنه ﷺ نَهَى عن أكل الجَلالة وألبانها»، وفي القاموس: الجَلَّة البَعْرة. فَعْلِمَ المناط، ولا منعنى فيها إلا أنها نَجِسَة، وفي الحديث: «من دَخَلَ المسجد، فَلْيُمِطُ الأَذَى عن نَعْلَيْه»، وقَصْرُه على عَذِره الإِنسان مستبعدٌ جدًا. «وأنَّ النبيّ ﷺ نَهَى عن الصلاة في المَزْبَلة». «وأنه ألقى الرَّوْث، وقال: إنها رِكْسٌ».

стр. 359

وأمّا ما نُقِل من أثر أبي موسى، فلا دليلَ فيه على أنَّ صلاتَه كانت على السِّرْقين، وإنما يُشْتَرَطُ للصلاة طهارة موضع أعضاء السجود، لا غير كما في «فتح القدير». وقي القُدُوري: أن الفرضَ في السجود وَضْعُ الجبهة وإحدى الرجلين فقط، إلاّ أن الصلاة تُكْرَه عندنا إذا كانت النجاسة في حواليه أيضًا. فأثره وإن كان الظاهر منه الطهارة، إلاّ أنه لا يتعيَّن في النجاسة. ٧١ - باب مَا يَقَعُ مِنَ النَّجَاسَاتِ فِى السَّمْنِ وَالْمَاءِ (١) وَقَالَ الزُّهْرِىُّ لَا بَأْسَ بِالْمَاءِ مَا لَمْ يُغَيِّرْهُ طَعْمٌ أَوْ رِيحٌ أَوْ لَوْنٌ. وَقَالَ حَمَّادٌ لَا بَأْسَ بِرِيشِ الْمَيْتَةِ. وَقَالَ الزُّهْرِىُّ فِى عِظَامِ الْمَوْتَى نَحْوَ الْفِيلِ وَغَيْرِهِ أَدْرَكْتُ نَاسًا مِنْ سَلَفِ الْعُلَمَاءِ يَمْتَشِطُونَ بِهَا، وَيَدَّهِنُونَ فِيهَا، لَا يَرَوْنَ بِهِ بَأْسًا. وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ وَإِبْرَاهِيمُ وَلَا بَأْسَ بِتِجَارَةِ الْعَاجِ. ٢٣٥ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِى مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ سَقَطَتْ فِى سَمْنٍ فَقَالَ «أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا فَاطْرَحُوهُ. وَكُلُوا سَمْنَكُمْ». أطرافه ٢٣٦، ٥٥٣٨، ٥٥٣٩، ٥٥٤٠ - تحفة ١٨٠٦٥ ٢٣٦ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا مَعْنٌ قَالَ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ سَقَطَتْ فِى سَمْنٍ فَقَالَ «خُذُوهَا وَمَا حَوْلَهَا فَاطْرَحُوهُ». قَالَ مَعْنٌ حَدَّثَنَا مَالِكٌ مَا لَا أُحْصِيهِ يَقُولُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ. أطرافه ٢٣٥، ٥٥٣٨، ٥٥٣٩، ٥٥٤٠ - تحفة ١٨٠٦٥ ٢٣٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «كُلُّ كَلْمٍ يُكْلَمُهُ الْمُسْلِمُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ يَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَهَيْئَتِهَا إِذْ طُعِنَتْ، تَفَجَّرُ دَمًا، اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالْعَرْفُ عَرْفُ الْمِسْكِ». طرفاه ٢٨٠٣، ٥٥٣٣ تحفة ١٤٦٨١ شَرَع المصنِّف رحمه الله تعالى في بيان مسألة المياه، وقد مرَّ بعض ما يتعلَّق بها في باب

стр. 360

الماء الذي يُغْسَلُ به شعر الإِنسان ... إلخ، وقد قدَّمنا أنَّ المقصودَ هناك كان ذكر مسألة الأسار، وكان ذكر الماء تَبعًا لكونه محلًا لوقوع هذه الأشياء. وأمَّا المقصود من هذه الترجمة فهو ذكر مسألة المياه أصالةً. وذكر الأنجاس فيها، لكونها واقعةً فيها، فَبَيْنَ الحال والمحل رَبْطٌ يُوجِبُ ذكر أحدهما عند ذكر الآخر. وهكذا فَعَلُوه في كُتُب الفقه، فيذكرون الأنجاس في باب المياه، ثم يَقْعِدُون لها فصلًا أيضًا، وذلك لَما نَبَّهُنَاك عليه آنفًا. قوله: (وقال الزُّهْرِيّ: لا بَأْسَ بالماء ما لم يُغِيِّرْهُ طَعْمٌ أو رَيحٌ أو لَونٌ)، هذا صريحٌ في أنه دَخَلَ في مسألة المياه، ثم في تلك العبارة الطَّعْمُ وغيره: صفاتٌ للأشياء الساقطة، وفي المشهورة: وجعلوها صفاتٍ للماء، فقالوا: «ما لم يغيِّر طعمه، أو ريحه، أو لونه». قوله: (قال حَمَّاد: لا بأس بريش الميّتَة)، وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى في الأجزاء التي لا تتداخلها الحياة، كعظم الميتة، وقُرُونِها، وَشَعْرِها، وَوَبرِها. قوله: «قال الزُّهْرِي في عظام الموتى، نحو الفيل) ... إلخ، انتقل فيه إلى ملحقات الباب، والفيل نَجِسُ العين عند أبي يوسف رحمه الله تعالى، وهو ما يكون حرامًا بجميع أجزائه، ولا يكون شيءٌ منه مستثنىً ممَّا يُسْتَثْنَى من سائر الحيوانات. قوله: (وقال ابن سِيرِين وإبراهيمُ: لا بَأْسَ بتجارة العَاجِ)، إنما ذكره لمجرد التَّنَاسُب، وإلا فأصل مسألة الطهارة والنجاسة تَتعلَّق من اللحم، ثم تَسْرِي إلى السؤر، فإِنَّ السؤر يَتْبَعُ اللحم. أمَّا المُلابَسة به، والمعاملة معه، فذلك من المتعلَّقات البعيدة، بقيت التجارة، فإِنها تُبْنَى على المِلْك، دون الطهارة والنجاسة. ثم الشيء إذا تنجَّس، هل يَنْقَطِعُ منه الانتفاع أصلًا أم لا؟ فقال (١) الحنفية رحمهم الله تعالى في دُهْنٍ سقطت فيه فأرة: أن بَيْعَه والاسْتِصْبَاحَ به كله جائزٌ، غير أنه لا يُسْتَصْبَحُ به في المساجد، فدلّ على جواز الانتفاع في الجملة. وأمَّا في شَحْم الميتة، فَحَجَرُوا عنه الانتفاع مطلقًا، حتى لم يجَوِّزُوا تَطْلِيَة السُّفُن أيضًا. فلمّا لم يكن جَوَاز الانتفاع دليلًا على الطهارة ضابطة مطردة، لم يكن في جَوَاز بيع أجزاء الميتة دليلٌ على طهارتها. أما مسألة المياه، ففيها خمسة عشر مذهبًا للعلماء، ونذكر منها أربعة، وسها مولانا عبد الحي رحمه الله تعالى في «حاشية الموطأ» في نقل مذهب الظاهرية. وقد عَلِمْتَ سابقًا أنَّ مالكًا رحمه الله تعالى اعتبر التغيُّر وعدمه، وللمالكية رحمهم الله تعالى ثلاثة أقوال كما في «مختصر ابن الحاجب»، وأشهرها: أن العِبْرَة بالتغيُّر وعدمه، فلو سَقَطَتْ قَطْرَةٌ من البول في قَدَح من الماء لم يَتَنَجَّسْ. وذَهَبَ أحمد رحمه الله تعالى في روايةٍ غير مشهورةٍ عنه، كما في «فتاوى ابن تَيْمِيَّة» رحمه الله تعالى إلى الفَرْق بين النجاسة الجامدة والمائعة، فالجامدة إذًا وَقَعَتْ في الماء وأُخْرَجَتْ من ساعته، لم تُنْجِّسْ، بخلاف المائعة. أمَّا

стр. 361

إذا غيَّرت الماء، وظَهَرَ فيه أثرها، فذلك ممَّا لا خِلافَ في نجَاسته، سواء كانت جامدةً أو مائعةً. أمّا مذهب الإِمام أبي حنيفة والشافعي رحمهما الله تعالى، فَغَنِيٌّ عن البَيَان. إِذا عَلِمْتَ هذا، فاعلم: أن الشارحين عامةً ذَهَبُوا إلى أن البخاري رحمه الله تعالى اختار مذهب مالك رحمه الله تعالى، وذلك لأنه أَخْرَجَ حديث الفأرة، وفيه: «أَلْقُوها وما حولها، وكُلُوا سَمْنَكم»، فدل على أنَّ الباقي طاهرٌ، ولأثر الزُّهْرِي الذي مرَّ في ترجمة الباب. قلتُ: ولا دليلَ فيه على ما قالوا، والظاهر عندي: أنَّه اختار الروايةَ الغيرَ المشهورة عن أحمد رحمه الله تعالى التي ذَكَرْنَاها، وذلك لأنه أخرج أولًا حديث الفأرة، وهي نجاسةٌ جامدةٌ، وأَمَرَ النبي ﷺ فيه بأكل السَّمْنِ بعد إِخراجها، وطَرْح ما حولها. ثم بوَّب بالبول، وهو نجاسةٌ مائعةٌ، وأَخْرَج فيه حديثًا يَدُلُّ على النجاسة، فَخَرَج أن حكم المائعة، على خلاف حكم الجامدة، فَثَبَتَ الجزءان من الحديث. وتلك الرواية لَمَّا لم تَكُن مشهورةً فيما بين القوم، لم يَنْتَقِل إليها أذهانهم، فَحَمَلُوا كلام البخاري رحمه لله تعالى على مذهب مالك رحمه الله تعالى، ولعلَّ أمر الطَّرْح حينئذٍ لا يكون عنده إلا على الاستحباب. فالكلام ههنا في أربع مواضعٍ: الأول في مختار البخاري رحمه الله تعالى عندي، وإيضاحه. والثاني في مختاره عند الشارحين، وإيضاحه. والثالث في الجواب عمَّا تمسَّكَ به الشَّارِحُون من كلامه، والرابع في الجواب عن استدلال البخاري، سواء كان مختاره ما نَسَبَهُ إليه الشارحون، أو ما حقَّقْتهُ. أَمّا الأوَّل فقد عَلِمْتَهُ آنفًا. أمّا الثاني، فقد عَلِمْتَ: أن البخاري رحمه الله تعالى اختار عندهم مذهب مالك رحمه الله تعالى، ولعلّه حملهم على ذلك أمران: الأول أنه بَوَّبَ في المجلد الثاني وقال: باب إذا وقعت الفأرةُ في السَّمْن الجامد والذائب ... إلخ، فعمَّم بالنوعين، والثاني أنه علَّل الزيادة التي رُوِيَتْ في هذا الحديث، وهي: «فإن كان مائعًا، فلا تَقْرَبُوه». قال الترمذي بعد إخراج هذه الزيادة: سَمِعْتُ محمد بن إسماعيل يقول: حديث مَعْمَر، عن الزُّهْرِي، عن سعيد بن المُسَيَّب، عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النبي ﷺ في هذا خَطَأْ. فدلّ الأمران على أن حكمَ الجامد والمائعَ عنده سواءٌ خلافًا للجمهور. وهذا إنما يَصِحُّ على مذهب مالك رحمه الله تعالى فقط، فإِنَّ العِبْرَةَ عنده بالتغيُّر وعدمه، والجامدُ والمائعُ في ذلك سواءٌ، بخلاف الحنفية والشافعية رحمهما الله تعالى، فإِن القليلَ المائعَ عندهم يَتَنَجَّسُ بوُقُوع النجاسة مطلقًا، لعدم إمكان خُلُوصها منه، بخلاف الجامد، فإِنك لا تَطْرَحُ من الذائب شيئًا، إلا ويَخْلُفُه غيره قبل طَرْحِك منه. وبالجملة فرَّق الجمهور بين الجَامِد والمَائِع لِمَا قام عندهم من الدليل، بخلاف مالك رحمه الله تعالى، فإِنه مرّ على أصله، فلمّا سوَّى البخاري بين حكم الجامد والذائب في حكم الطهارة، كما صَرَّح به في المجلد الثاني، وعلَّلَ الزيادة التي تُبْنَى على الفرق بينهما، تَحَدَّسَ للشارحين أنه اختار مذهب مالك رحمه الله تعالى، وهذا إيضاحُ قولهم.

стр. 362

أمّا الثالث، وهو الجواب عنه، فأقول إن تعميمَه في الترجمة الثانية، لا يَنْحَصِر فيما زَعَمُوه، وذلك لأنه يمكن أن يكون أَتَى بِلَفْظِ الجَامِد تَبَعًا للحديث، وأضاف عليه الذَّائِب من قِبَلِهِ توجيهًا للناظر إلى طلب حكمه، فإِنك تَعْلَمُ أن كتابه يحتوي على مسائل الفقه أيضًا، فلا دليلَ فيه على تَسْوِيَة حكمها عنده. وكذلك جواب الزُّهْرِي لا يتعيَّن أن يكونَ للجامد والذائب كليهما، وإن وَقَعَ السؤال عنهما، بل يُمْكِن أن يكونَ أَجَابَ عن الجَامِد لأجل وُرُود الحديث فيه؛ وسَكَتَ عن حكم الذائب. وأمّا (١) ما شَرَحَهُ الحافظ رحمه الله تعالى، فلا أَرْضَى به، وكذا لا دليلَ في إعلاله الزيادة على ما قالوا، فإِنه يُمْكِن أن يكونَ لحالها في نفسها، لا لحال المسألة، بل هو الظاهر. وتَحَصَّل ممَّا ذكرنا أن البخاري لم يَخْتَرْ مذهب مالك رحمه الله تعالى عندي، بل اختار روايةً غير مشهورةٍ عن أحمد رحمه الله تعالى، وهي الفَرْق بين النجاسة الجامدة والمائعة. أمّا الجواب عنه، هو الموضع الرابع، فبأن الحديث الذي أَخْرَجه يَدُلُّ على أنه في الجامد، وليس في الذائب، لِمَا قال ابن العربي: أن السَّمْنَ لو كان مائعًا، لم يكن له حولٌ لأنه لو نُقِلَ من أي جانب مهما نُقِل لخَلَفَه غيره في الحال، فَيَصِيرُ هو أيضًا ممَّا حولها، فيحتاج إلى إلقائه كلِّه، فليس في الحديث دليلٌ على التَّسْوِية بين حكم الجامد والمائع. ونُقِلَ أن (٢) عبد الله بن أحمد سأل أباه أحمد رحمه الله تعالى: أن الطرح إِنما يُمْكِنُ في الجامد دون المائع؟ فَغَضِبَ عليه أحمد رحمه الله تعالى، وأجاب: أنه تَطْرَحُ حَثْية منه. قلتُ: وهذا لا يُتَصَوَّرُ إِلا إذا كان الإِناء وَسِيعًا، والشيء مائعًا ثخينًا، أمَّا إذا كان الإِناء عميقًا كالجَرِّ، والشيء رقيقًا لا يُتَصَوَّرُ فيه ما قال. ولعلَّه غَضِبَ عليه، لأنه ضَاقَ عليه جوابه. ثم إن عبد الله هذا حافظٌ، ومن أجله كُنِّيَ أحمد بأبي عبد الله، وله أخٌ واسمه صالح. وبالجملة: أن الإِلقاء لمَّا لم يُتَصَوَّر إِلا في الجامد، تعيَّن ما لا يُتَصَوَّر فيه الإِلقاء، وهو الذائب نَجِسٌ. فحديث البخاري وإن لم يَدُل عليه بمَنْطُوقه، لكنه بمَفْهومه دليلٌ على الفرق بين حكم الجامد والذائب. ثم مَفْهُوم حديثه، قد جاء مَنْطُوقًا في حديث عند أبي داود عن أبي هُرَيْرَةَ، والنَّسائي عن مَيْمُونَة، وحينئذٍ مَفْهُومه مؤيَّدًا بِمَنْطُوقٍ صريح الحديث. بَقِيَ إعلاله، فالجواب عنه أنه صحَّحها إسحاق بن رَاهُويه، والذُّهْلي في «الزهريات» كما في الفتح. فظهر مما قُلْنَا: أنه لا دليلَ عنده على التَّسْوية بين حكم الجامد والذائب من نصِّ

стр. 363

الحديث، بل حديث البخاري بِمَفْهُومه، وحديث أبي داود والنَّسَائي بِمَنْطُوقه صريحٌ في التَّفْرِقَة بينهما، وهذا هو مذهب الجمهور. ثم نَقَلَ الحافظ في كتاب الأطعمة تحديد ما يُلْقَى، فَرَوى عن عطاء بن يَسَار أنه قَدْر الكفّ. قلت: لو كان المصنِّف رحمه الله تعالى اختار مذهب مالك رحمه الله تعالى لكان لهذا النقل فائدةٌ، أما إذا علمت أنه لم يذهب إليه فلا طائل تحته. نعم ههنا شيء، لعله يختلج في صدرك، وهو أنَّ الأحاديث في نجاسةِ الماء بوقوع النجاسات كلها في المائعات غير حديث الفأرة، فذلك يؤيد رواية أحمد رحمه الله تعالى، أعني الفرق بين المائعة والجامدة. فحديث وُلوغ الكلب والنهي عن البول في الماء الدائم، وحديث المستيقظ كلها في النجاسة المائعة. قلت: تلك الأحاديث إنما جاءت على الوقائع في الخارج، فإِنه لا يتفقُ في الماء الدائم إلا البول لا سيما لأَعراب العرب، فإِنهم لم يكونوا يحترزون عنه، بخلاف الغائط، فإِنه لا أحد يفعله بل يتقذره بطبعه، فلاة حاجة إلى النهي عنه. وكذا لا يتفق في البيوت إلا ولوغ الكلب والهرة، أو وقوع الفَأْرة، وفي الفَلَواتِ إلا ولوغ السِّباع، وكذا من عادات العامة غَسْل الأيدي والوجه بعد الاستيقاظ، ولا بد له من إلقاء اليد، لأن أوانِيهم لم تكن ذوات آذان، فأخذت الأحاديث تلك الوقائع كلها لهذا لا أنها جاءت بما تُنبىء عنه روايةٌ شاذةٌ عن أحمد رحمه الله تعالى. واعلم: أنه لم يصنف أحدٌ، كتابًا في مختارات الإِمام البخاري كما صنفوا في مختارات سائر الأئمة، فالنظر فيها يدور على تراجمه فَيَجُرَّهَا كلٌّ من أهل المذاهب إلى جانبه ويفسِّرُها حسب مسائله، مع أنَّ البخاري عندي سَلَك مَسْلَك الاجتهاد ولم يقلِّد أحدًا في كتابه، بل حَكَم بما حكم به فَهْمُه، ولذا أَوفى حقَّ تراجمه أولًا، ثم انظر أنه هل وافق أحدًا أَم لا؟ ولمَّا لم يدوِّنْ فِقْهَهُ ساغ لي أيضًا أن أعزو إليه ما أفهم من تراجمه، ولذا قد أخالف الشارحين في مختاره كما فعلت في تلك الترجمة. وبعد فليس هذا، إلا ظن أو احتمال، والعلم عند الله العلام، فإن المصنِّف رحمه الله تعالى لو أفصح بِمُرَاده لحكمنا بالجَزْم، ألا أنه كثيرًا ما يذكر مادة الجواب ثم لا يُفْصِحُ به، فيتردد النظر في شَرْح جوابه وذلك غير قليل في كتابه، ومثل ذلك له مقاصدُ أخرى تَعْلَمُها في مواضعها. قوله: (اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّم) وجه تَنَاسُبه مع الباب أن الاعتبار للمعنى دون الصورة، كما أن دمَ الشهيد دمٌ صورةً إلا أنه مِسْكٌ معنىً. فكذلك العبرة في الماء للمعنى وهو التغيُّر وعدمه، وكأنه دفع ما يَرِد: أن النجاسة إذا وقعت في الماء فكيف يبقى الماء طاهرًا؟ فأجاب بأن الاعتبار دون الصورة، فإذا وقعت في الماء ولم يتغير الماء فقد بقي على معناه وهو المعتبر في الباب، كما اعتُبِر في الدم. وقد يقال: إِنَّه يشيرُ إلى أنَّ العِبرة للغالب، فإذا كان ريحُ المسك

стр. 364

غالبًا على لون الدم كان في حُكْم المسك طاهرًا. وكذلك الماء يُعْتبر فيه الغَلَبة. ويمكن أن يكون تَعَرَّضَ إلى العبرة بالأوصاف، فإنه ذَكَرَ في الترجمة الطَّعْم والريح، فأَراد التنبيه على أن الشيء يتغير بأوصافه كما أن الدم تَغَيَّرَ عن أصله لأجل ريح المسك، والله تعالى أعلم. ٧٢ - باب الْمَاءِ الدَّائِمِ ٢٣٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو الزِّنَادِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزَ الأَعْرَجَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ». أطرافه ٨٧٦، ٨٩٦، ٢٩٥٦، ٣٤٨٦، ٦٦٢٤، ٦٨٨٧، ٧٠٣٦، ٧٤٩٥ تحفة ١٣٧٤٤ - ٦٩/ ١ وقد تكلم الشارحون في مناسبة قوله: (نَحْنُ الآخِرُون السَّابِقُون) مع الباب، وذهبوا في بيانها كل مذهب وأبعدوا بُعْدًا بعيدًا. والأمر أنَّ هذا الأعرج كانت عنده صحيفة تحتوي على أحاديث، وقد أخذ عنها البخاري أحاديث، كما أن عند مسلم أيضًا صحيفةً عن همَّام وقد أخذ عنها أيضًا، ثم يشير كلٌّ منهما إلى تلك الصحيفة بطريق مخصوص. أما البخاري فيذكر أول حديثه وهو: «نحنُ الآخِرُون السابِقون» ثم يخرِّجُ ما يكون مناسبًا لترجمته، وأما مسلم فيقول: فَذَكر أحاديثَ منها هذا الحديث. فإِبداء المناسبة في هذه المواضع تَكَلُّفٌ بارد. والوجه ما قلنا: إنَّه إشارةٌ إلى كونِ هذا الحديث من الصحيفة التي أولها حديث: «نحنُ الآخِرُون، السابِقون ... » إلخ، كإِشارة مسلم إليها بقوله: «فذكر أحاديث» وهذا الحديث منها. وقد فَعَل المصنف رحمه الله تعالى مثله في كتاب الجمعة. وكتاب الأنبياء. ٢٣٩ - وَبِإِسْنَادِهِ قَالَ «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِى الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِى لَا يَجْرِى، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ». تحفة ١٣٧٤٢ ٢٣٩ - قوله: (الماء الدَّائم الذي لا يَجْرِي) وقد تَعَسَّر الفَرْقُ على الناس بين الدائم والراكد، حتى كاد يختفي عليهم، فقال بعضهم: الذي لا يجري، صفة كاشفة، وعندي بينهما فرقٌ كثير، فالدائم للماء الذي يدوم أصلُه، ولا ينقطع، سواء كان تحته مددٌ كالبئر أو لا، والراكد ضد الجاري سواء كان دائمًا أو لا. فالدوام باعتبار البقاء الزماني، وحينئذ قيد الذي لا يجري للاحتراز عما كان دائمًا وجاريًا، ولذا لا يذكر هذا القيد مع الراكد، فإِن الراكد معناه أنه لا يجري بخلاف الدائم، فإِنَّه قد يكون جاريًا كالعيون، وقد لا يكون فاحتاج إلى هذا القيد. لا يقال: وحينئذ يقتصر النهي على الماء الذي لا يجري ولا يتناول الذي يجري. قلت: وفي «مجمع الزوائد» النهيُ عن الدائم الذي يجري أيضًا، ولكنه وَهْم عندي، فروى: «الذي يجري» مكان «لا يجري»، والحُكْم عندنا فيهما سواء، فلا يبول فيهما، والأمر في القيود سهل. قوله: (ثُمَّ يَغْتَسِلُ فيه) وقد ذكرنا وجوه الإِعراب فيه في «درس الترمذي» والأمر عندي أنه

стр. 365

على حدِّ قوله تعالى: ﴿ثْمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]، كما قَرَّره الطيبي، فالنهي مقصور، على البول، وثم للاستبعاد وبيان المآل. وهذا الحديث لم يعمل به غيرُ أبي حنيفة رحمه الله تعالى، لأنه اعتبر الجريان وعدمه، وقال: إن الماء الجاري لا يتنجسُ بوقوع النجاسة، بخلاف غير الجاري، ولا تَعَرُّض في الحديث إلى القُلتين وغيرهما. والتغيُّرِ وعدمِهِ. ولذا قلت: إنَّ حديث القُلَّتين (١) أجنبيٌّ في الباب ولا نعلم تناقُله عند المراجعات (٢) مع كون المسألة كثيرةَ الوقوع. فالذي يظهر من الحديث: أنَّ الماء الذي لا يجري يتنجس بمجرد وقوع النجاسة، وإِلا لكان البولُ فيه كَسَكب الماء، ولكان الجاري وغيره مساويًا، فلم يكن للتقييد معنى. وأجاب عنه ابن تيمية بوجوهٍ قد استوفينا الكلام فيه في «درس الترمذي» منها: أنَّ البولَ فيه ليس لمعنى النجاسة كما زعمتُم، بل لأنَّ البول في الماء الدائم يوجِب تغَيُّرِه ولو بعد حين، فإِنَّه لو لم يَنْهَ عنه لاعتاد الناس البولَ فيه، فنهى عنه لهذا. قلنا: وإن كان كلامه لطيفًا إلا أنَّه يخالف الحديثَ وفَهْم الراوي أيضًا، لأنَّ الحديثَ يَسْتَبْعِدُ الاغتسالَ بعد البول. وفي رواية: «ثم يتوضأ منه» ولا استبعاد فيه، ألا أنه يتطهر مما نجَّسَه بنفسه ولا إيماء فيه إلى التغير ولا بناء عليه، لأنه استبعد البول ثُم الغُسْل في الحالة الراهنة لا بعد التَّغَيُّر. وأيضًا أخرج الطحاوي عن أبي هريرة ﵁ أنَّه لمَّا سئل عنه قال: «لعله يَمُرُّ به أخوه المسلم فيشرب منه ويتوضأ». فدل على أنه بعد البول لم يبق صالحًا للشرب والوضوء. وإنما قال: «لعله يمرُ به أخوه المسلم» لأنَّ الشربَ أو التوضؤ ممن بال فيه أبعد وأبعد، فلا يتفق إلا ممن يمر من إخوانه بعده فلا يرى فيه نجاسة في الظاهر فيشرب منه، مع أنه نجس. ومن ههنا عُلِم أن النهي في الحديث ليس من جنس النهي عن التنفس، والبُزَاق في الماء، والتغوط تحت الشجرة، فليس من باب الآداب، ولكنه من باب النجاسة قطعًا. ومنها أَنَّ البولَ نجسٌ، والماء طاهر، إلا أنه لما كان مائعًا لا يمكن تميزه عنه يقينًا معطلين عن استعماله، فتعطيلُه لأجل عدم تميُّزِ النجاسة منه لا لتنجُّسِه. قلت: وهذا عجيب لأنه لا معنى للتنجس إلا اختلاط النجاسة بحيث لا يتميز، وكذا التعلل باستحالة البول وعمده كلّه تفلسف. والحاصل: أنه لم يَعْمل بظاهره إلا إمامُنا، فإِنه لم يفرق بين الراكد والجاري إلا هو، وألغاه الآخرون، فمنهم مَنْ قَسَمَ المياه باعتبار التغير وعدمه، ومنهم مَنْ جعل المدار على القُلَّتين، ولم يعتبر أحد منهم الفرق بين الركود والجريان إلا الإمام الهمام. وكذا لم يعتبر أحد منهم تقسيم الماء الفطري، فإِنه خلق على ثلاثة أنحاء، فراعينا. وأعطينا حُكْم كلِّ قسم على

стр. 366

حِدَة كما حكم به الشرع، وهَدَرهُ وجعلوها كلها بمنزلة واحدة فاضطروا إلى التأويلات، والله تعالى أعلم. ٧٣ - باب إِذَا أُلْقِىَ عَلَى ظَهْرِ الْمُصَلِّى قَذَرٌ أَوْ جِيفَةٌ لَمْ تَفْسُدْ عَلَيْهِ صَلَاتُهُ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا رَأَى فِى ثَوْبِهِ دَمًا وَهُوَ يُصَلِّى وَضَعَهُ وَمَضَى فِى صَلَاتِهِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ وَالشَّعْبِىُّ إِذَا صَلَّى وَفِى ثَوْبِهِ دَمٌ أَوْ جَنَابَةٌ أَوْ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ أَوْ تَيَمَّمَ، فَصَلَّى ثُمَّ أَدْرَكَ الْمَاءَ فِى وَقْتِهِ، لَا يُعِيدُ. قَذَر "كندكى" نُسب إلى مالك رحمه الله تعالى أن طهارةَ الثوب عنده من سُنن اللباس لا من شرائط الصلاة، وكذا طهارةَ المكان سُنةٌ عنده. وذهب جماعة منهم إلى أنها من واجبات الصلاة وليست شريطة للصلاة، كما في «الفتح». وذكر الباجي في «شرح الموطأ» القولَ الأولَ. وظني أن المصنِّف رحمه الله تعالى فرَّق بين الابتداء والبقاء: فلو دخل في الصلاة طاهرًا، ثم أُلقي عليه قَذَرٌ بدون صُنْعِه لم تَفْسُد صلاته. ونحوه عن أبي يوسف رحمه الله تعالى: أن رجلًا لو سجد على موضعٍ نجس، ثم تَنَبَّه من فوره وسجد على مكان طاهر ولم يَمْكُث قَدْر ركنٍ جازت صلاتُه. فدل على الفرق بين الابتداء والبقاء عندنا أيضًا، إلا أنه اشترط الفور. والمصنِّف رحمه الله تعالى وإن لم يفصل بين الفور وعدمه إلا أنه فصل في حالة الاختيار وعدمه، ولعله يتحمل التمادي أيضًا. قوله: (أو جَنَابةٌ)، وقد مرَّ أنه يدل على نجاسة المَنِيِّ عنده. قوله: (لغيرِ القِبْلَة) فإِن كان بعد التحرِّي فكذلك المسألة عندنا، وإن كان بدون التحري فإِنه يعيدُها عندنا. ثم إن هذه واقعة قبل الهجرة «سَلَى» بجه دان، وترجمته: «أو جهري» غلط (منعة) حامي. (يحيل) يعني يقول هذا الآخر: ما فعلت، ويقول له الآخر: ما فعلت تهكُّمًا. وفي نسخة: «يجيل» أي كأن يسقط أحدُهما على الآخر. ٢٤٠ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ أَخْبَرَنِى أَبِى عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَاجِدٌ ح قَالَ وَحَدَّثَنِى أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ حَدَّثَنَا شُرَيْحُ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ قَالَ حَدَّثَنِى عَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّى عِنْدَ الْبَيْتِ، وَأَبُو جَهْلٍ وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ، إِذْ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَيُّكُمْ يَجِىءُ بِسَلَى جَزُورِ بَنِى فُلَانٍ فَيَضَعُهُ عَلَى ظَهْرِ مُحَمَّدٍ إِذَا سَجَدَ فَانْبَعَثَ أَشْقَى الْقَوْمِ فَجَاءَ بِهِ، فَنَظَرَ حَتَّى إِذَا سَجَدَ النَّبِىُّ ﷺ وَضَعَهُ عَلَى ظَهْرِهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ وَأَنَا أَنْظُرُ، لَا أُغَيِّرُ شَيْئًا، لَوْ كَانَ لِى مَنْعَةٌ. قَالَ فَجَعَلُوا يَضْحَكُونَ وَيُحِيلُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَاجِدٌ لَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ،

стр. 367

حَتَّى جَاءَتْهُ فَاطِمَةُ، فَطَرَحَتْ عَنْ ظَهْرِهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ قَالَ «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ». ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَشَقَّ عَلَيْهِمْ إِذْ دَعَا عَلَيْهِمْ - قَالَ وَكَانُوا يُرَوْنَ أَنَّ الدَّعْوَةَ فِى ذَلِكَ الْبَلَدِ مُسْتَجَابَةٌ - ثُمَّ سَمَّى «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَبِى جَهْلٍ، وَعَلَيْكَ بِعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِى مُعَيْطٍ». وَعَدَّ السَّابِعَ فَلَمْ يَحْفَظْهُ قَالَ فَوَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ، لَقَدْ رَأَيْتُ الَّذِينَ عَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَرْعَى فِى الْقَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ. أطرافه ٥٢٠، ٢٩٣٤، ٣١٨٥، ٣٨٥٤، ٣٩٦٠ - تحفة ٩٤٨٤ ٢٤٠ - قوله: (دعَا عليهم) ولا تفصيل فيه أن هذا الدعاء كان خارجَ الصلاة أو داخلَها. وظاهر «الفتح» (١) أنه كان بعد الفراع عن الصلاة. ثم إنه إن ضَمَّ معه كلمة الدعاء «له» أو «عليه» فقال: اللهم عليك بزيد، أو اللهم اهد لزيد، ففيه قولان، ففي قول تَفْسُد، وفي قولٍ آخَر لا تَفْسُد. أقول: وهذا الأخير أختارُ فلا إشكال. أما تمسُّك البخاري بالحديث ففيه نظر، أما أوَّلًا: فلأنه لا يدري أنها كانت فريضةً أو نافلةً. وثانيًا: أنه أعادها أم لا؟. وثالثًا: أنه لا دليل فيه على أنه كان يعلم أن على ظهره سَلَى جَزُور بخصوصه. ويمكن أن يكون أحسَّ منه ثِقْلًا فقط بدون علمه ما هو. ورابعًا: أنه ما الدليل على أنه تَمادى في صلاته لأنها كانت جائزة؟ لمَ لا يجوز أن يكون تَمَادَى عليها إبقاءً لأَثَرِ الظُّلم واستغاثةً في جَنَابِه تعالى، وَتَرَحُّمًا منه كما قال في قصة حمزة ﵁: «لولا صفيته لتركته تأكُلُهُ السِّباع». فهذا أيضًا من باب إبقاء أَثر الشهادة، وتكميل أثر الظلم. وكما في بئر معونة حيث استُشهد رجلٌ منهم وجعل يُلَطِّخ وجهه بدمه يقول: «فزت وربِّ الكعبة» فهذا أيضًا إبقاء للحالة المحمودة وهي الشهادة، فكذلك يمكن هنا أيضًا. وخامسًا: أنه لا دليل فيه على أن هذا السلا كان نجسًا، وفيه نظر لما في طُرُقه: «سلا جزور بين فرث ودم» وسادسًا: لما في «سيرة الدِّمياطي» (٢): أنها كانت أول واقعة دعا فيها النبيُّ ﷺ على أَحَد ولم يثبُت منه قبلها دعاءٌ على أحد فهل يصِح التمسكُ من هذه الواقعة الشاذة الفاذة، التي ترك فيها النبيُّ ﷺ عادته المسمرة؟ يمكن أن يكون دعاؤه ﷺ لحال النجاسة، فلو كان الدعاء لحال النجاسة لم يَجُز التمسك به أصلًا، فإِنه لا يدل إذَن على أن صلاته تلك كانت جائزةً مع

стр. 368

النجاسة، بل الأقرب أنها كانت بَطَلت فحزِن عليها، ولأجل ذلك دعا عليهم. ثم في «الفتح» في المجلد (١) الثامن عن تفسير ابن المنذر: أن هذه الواقعة قبل نزول قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهّرْ﴾ [المدثر: ٤] وإنما نزلت تلك الآية بعد هذه الواقعة، فانفصل الأمر. ومن ههنا تَبيَّن أن الآية إنما سِيقت لاشتراط طهارة الثياب، لا لطهارة الأخلاق كما قالوا. ٧٤ - باب الْبُزَاقِ وَالْمُخَاطِ وَنَحْوِهِ فِى الثَّوْبِ وقَالَ عُرْوَةُ عَنِ الْمِسْوَرِ وَمَرْوَانَ خَرَجَ النَّبِىُّ ﷺ زَمَنَ حُدَيْبِيَةَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَمَا تَنَخَّمَ النَّبِىُّ ﷺ نُخَامَةً إِلَاّ وَقَعَتْ فِى كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ. تحفة ١١٢٥٠، ١١٢٧٠ - ٧٠/ ١ ٢٤١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ بَزَقَ النَّبِىُّ ﷺ فِى ثَوْبِهِ. طَوَّلَهُ ابْنُ أَبِى مَرْيَمَ قَالَ أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ حَدَّثَنِى حُمَيْدٌ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسًا عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . أطرافه ٤٠٥، ٤١٢، ٤١٣، ٤١٧، ٥٣١، ٥٣٢، ٨٢٢، ١٢١٤ - تحفة ٦٧٤، ٧٩٠ وأجمعوا على طهارته إلا أنه نُسب إلى سلمانَ الفارسيّ أنه نَجِسٌ بعد تَفْله. قوله: (وما تَنَخَّمَ النبيُّ ﷺ ... إلخ وقد مرَّ معنا أنَّ طهارةَ فضلات النبيّ ﷺ توجد في كتب المذاهب الأربعة، ثم لا أدري أنها منقولةٌ عن الأئمة أم لا؟ إلا أن القَسْطَلاني نَقَل طهارتها عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى بحوالة العيني ولم أجدها فيه، ولخفاء تلك المسألة لم يُفْصِح بها البخاريُّ في كتابه، ومشى في كتابه على التسوية بينها وبين فضلات سائر الناس في أمر الطهارة والنجاسة، وهكذا فعل في الماء المستَعمل، وضُعِّفَت رواية نجاستِه عن الإِمام درايةً وروايةً، لإِنكارها مشايخ العراق مع كونهم أثبت. ٧٥ - باب لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِالنَّبِيذِ وَلَا الْمُسْكِرِ وَكَرِهَهُ الْحَسَنُ وَأَبُو الْعَالِيَةِ. وَقَالَ عَطَاءٌ التَّيَمُّمُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِنَ الْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ وَاللَّبَنِ. ٢٤٢ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ حَدَّثَنَا الزُّهْرِىُّ عَنْ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ». طرفاه ٥٥٨٥، ٥٥٨٦ - تحفة ١٧٧٦٤

стр. 369

واعلم أنَّ مَحَلَّ الخلافِ (١) فيما إذا أُلقيت في الماءِ تُمَيراتٌ حتى صار حلوًا رقيقًا غير مطبوخ ولا مُسْكر، فإن أَسكر أو طبخ فلا خلاف في عدم الجواز كما في «المبسوط». وفي «البحر» نقلًا عن قاضيخان: أن الإِمام رجع عنه إلى مذهب الجمهور، والطحاوي أيضًا تركه ولم ينتصر للمذهب المرجوع عنه، وأخرج له الترمذي حديثًا، وأبو داود، إلا أنه تكلم فيه بوجوهٍ كلها مدفوع، منها أن في إسناده أبو زيد وهو مجهول. ودفع بأنه مولى عمرو بن حُرَيْث رَوَى عنه راشد بن كَيسان العبسي وأبو روق، كما صرَّح به ابن العربي، مع وُرُوده عن أربعةَ عشرَ طريقًا بسطها العيني في «شرح البخاري». ومنها أن ابن مسعود ﵁ لم يكن في تلك الليلة، ودفع بأن ليلة الجن متعددة، كما في «آكام المرجان في أحكام الجان» والمشهورة منها ما في القرآن، وهي الدائرة على الألسنة، فأراد بالنفي كونه في تلك الليلة خاصة. وعند الترمذي في باب كراهية ما يُسْتنجى به، قال أبو عيسى: وقد روى هذا الحديث إسماعيلُ بن إبراهيم وغيره عن داود بن أبي هند، عن الشَّعْبي عن علقمة، عن عبد الله أنه كان مع النبيِّ ﷺ ليلة الجن الحديثَ بطوله. وهذا صريحٌ في كونه في واحدٍ منها. ثم إن الزيلعي أخرج طُرُقَ هذا الحديث، وفي سنده عليُّ بن زيد بن جُدْعان، وأخرج عنه مسلم مقرونًا مع الغير، واتفقوا على أنه صدوق إلا أنه سيِّىء الحِفْظ. قال ابن دقيق العيد: إنه أحسنُ من حديث أبي زيد، ولم أَرَ أحدًا من المحدِّثين صحَّح حديثًا من أحاديث الوضوء بالنبيذ. وقد مرَّ ابن تيمية على تلك المسألة في «منهاج السنة» (٢) وتكلم كلامًا لطيفًا جدًا، ورأيتُ

стр. 370

روايةً لم أر أحدًا منهم يتمسك بها: أخرجها الزَّيْلعي (١) عن الدارقطني، وفي إسناده سَهْوٌ من الكاتب في موضعين:

стр. 371

الأول: أنه كَتَب «هاشم بن خالد» مع أنه «هِشَام بن خالد» وهو من رواه أبي داود، أخرج عنه في باب الرجل يموتُ بسلاحه، وباب فِيمَنْ سأل اللَّهَ الشهادةَ. والثاني: أن في آخر سنده ابنَ غَيْلان. قال الدارقطني: إنه مجهول. قلت: بل هو عمرو بن غَيْلان كما سماه الزَّيْلعي بعده بقليل. وفي «الإصابة»: أنه صحابي صغير، وفي بعض طرقه عبد الله بن عَمرو بن غَيْلان، وهو من رجال ابن ماجه. وعَدَّه في «السنن الكبرى» تحت المَسْح على الرجلين من العلماء. والصحيح عندي أن عَمرو بن غَيْلان. وبعد هذا التصحيح يمكن تصحيحُ الحديث أيضًا، ولا أقلَّ مِن أن يكون حَسَنًا لذاتِه. ثم إن بعض السلف أيضًا ذهبوا إليه، منهم سفيان وغيره، وهكذا صرَّح له الترمذي وفيه: قال إِسحاق: إن ابتُلي رجلٌ بهذا فتوضأ بالنبيذ وتيمم أحبُّ إليَّ. ومِثْله رواية عندنا أيضًا. قلت: وذهب إليه الأَوزاعي أيضًا وبعضٌ من التابعين، كما في «مصنَّف ابن أبي شَيْبَة». ثم إن الترمذي قال: وقول مَنْ يقول: لا يتوضأ بالنبيد أقربُ إلى الكتاب وأشبه، لأن الله تعالى قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيّبًا﴾ [المائدة: ٦]. قلت: ولعله يشير إلى أن القول بجواز الوضوء بالنبيذ زيادةٌ على الكتاب. قلت: والزيادة عليه إنما تمتنع عندنا فلو كان فيه إشْكال لكان على مذهبنا. أما على مذهب الشافعية فإِنهم يجيزون الزيادة بخبر الواحد، فعبارتُه أقرب إلينا في مسألة الأصول.

стр. 372

والحل عندي أن النبيد وإن كان ماء مقيدًا ألا أنهم يُحُلونه محل المطلق، لأنهم كانوا يجعلون الماء المالح حلوًا بهذا الطريق، كتبريدنا الماء بالثلج فيلقون فيه تميراتٍ ليظهر حلاوتها، ثم يشربونها. وإنما كانوا يفعلون هذه لعِزَّة الماء الحلو عندهم، وهذا الطريق كان معروفًا كما في «بلوغ الأرب في أيام العرب» (١) والكِرماني، وحينئذ دار النظر فيه، فإِن نظرنا إلى الاسم فهو مقيَّد، وإنْ رأينا مَحَل استعماله فهو مطلقٌ، وإن شئت قلت: إنه كان ماءً مطلقًا عندهم عُرْفًا، ولهذا التردد جاءت رواية التيمم مع الوضوء (٢) وراجع له «العقد الفريد» وكتاب «الناسخ والمنسوخ». قوله: (ولا بالمُسْكِرِ) والحديثُ يخالف أبا حنيفة رحمه الله تعالى في مسألة المسكرات، ويوافق الجمهور. وغرض البخاري منه أنه إذا كان حرامًا فعدم جواز الوضوء منه أظهر. قلت: ومسألة المسكر وإن استنصر له الطحاوي وأجاد فيه، إلا أن تَوَاتُرَ الأحاديثِ يخالِفُه. ٧٦ - باب غَسْلِ الْمَرْأَةِ أَبَاهَا الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ امْسَحُوا عَلَى رِجْلِي، فَإِنَّهَا مَرِيضَةٌ. ٢٤٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِى حَازِمٍ سَمِعَ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِىَّ، وَسَأَلَهُ النَّاسُ وَمَا بَيْنِى وَبَيْنَهُ أَحَدٌ بِأَىِّ شَىْءٍ دُووِىَ جُرْحُ النَّبِىِّ ﷺ فَقَالَ مَا بَقِىَ أَحَدٌ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّى، كَانَ عَلِىٌّ يَجِىءُ بِتُرْسِهِ فِيهِ مَاءٌ، وَفَاطِمَةُ تَغْسِلُ عَنْ وَجْهِهِ الدَّمَ، فَأُخِذَ حَصِيرٌ فَأُحْرِقَ فَحُشِىَ بِهِ جُرْحُهُ. أطرافه ٢٩٠٣، ٢٩١١، ٣٠٣٧، ٤٠٧٥، ٥٢٤٨، ٥٧٢٢ - تحفة ٤٦٨٨ لا يريد بيان مسألة الدم فقط، بل نظره إلى خصوص من غَسْل المرأة، لأنه اختار أن مسَّ المرأة غيرُ ناقض. قوله: (عن وجهه) وإنما ذكره طِبْقًا للقِصَّة.

стр. 373

قوله: (قال أبو العالية: امسحوا) ... إلخ يعني قال هذا عند وضوئه. ومعنى المسح على اللغة لا على العرف الحادث بمعنى إمرارِ اليد المُبْتَلَّة (١). ٧٧ - باب السِّوَاكِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِتُّ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَاسْتَنَّ. ٢٤٤ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ غَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِى بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ أَتَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ فَوَجَدْتُهُ يَسْتَنُّ بِسِوَاكٍ بِيَدِهِ يَقُولُ «أُعْ أُعْ»، وَالسِّوَاكُ فِى فِيهِ، كَأَنَّهُ يَتَهَوَّعُ. تحفة ٩١٢٣ ٢٤٥ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ قَالَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِى وَائِلٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ. طرفاه ٨٨٩، ١١٣٦ - تحفة ٣٣٣٦ واعلم أنَّ السواكَ مع كونِه متواتِرًا لم يخرِّج المصنِّفُ أحاديثَ فضيلته، ولم يهتمَّ به في تراجمه، نعم أخرج في باب الجمعة حديثًا جيدًا مع كونه أليق بباب الطهارة، ولا أدري ما وجهه؟ ولعله عدَّه من متعلقات الصلاة كما هو نظر الشافعية، ولذا أخرجه في كتاب الصلاة. ثم الحديث الذي أخرجه في باب الجمعة لفظه: «مع كلِّ صلاةٍ» فلم يعتبِرْه من أجزاء الطهارة، ولذا لم يُذكر في هذا الباب، والله تعالى أعلم. ثم إنَّ الحنفيةَ قائلون باستحبابه عند القيام إلى الصلاة أيضًا إنْ أبطأ بعد الضوء. قوله: (فاستَنَّ): فاستواه على أسنانه، مُشْتَقٌّ من السِّنِّ. ٢٤٥ - قوله: (يَشُوص): أي إجراءِ السِّوَاك في داخل الفم. ٧٨ - باب دَفْعِ السِّوَاكِ إِلَى الأَكْبَرِ ٢٤٦ - وَقَالَ عَفَّانُ حَدَّثَنَا صَخْرُ بْنُ جُوَيْرِيَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ «أَرَانِى أَتَسَوَّكُ بِسِوَاكٍ، فَجَاءَنِى رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الآخَرِ، فَنَاوَلْتُ السِّوَاكَ الأَصْغَرَ مِنْهُمَا، فَقِيلَ لِى كَبِّرْ. فَدَفَعْتُهُ إِلَى الأَكْبَرِ مِنْهُمَا». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ اخْتَصَرَهُ نُعَيْمٌ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ أُسَامَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. تحفة ٧٦٨٩، ٧٤٧٤ - ٧١/ ١ لعله يريد ترتيبَ إعطائه، ويُستفاد منه كونُه من أشياء الفضيلة. ٢٤٦ - قوله: (وقال عفان) ... إلخ هذا مقاولة مع أن عفان شيخُه، فلعله أخذه منه مقاولةً

стр. 374

لا مذاكرةً، وما يُسمع من الشيخ في سلسلة الكلام وإن لم يجلس للتحديث فهو مقاولةٌ، فإِن جلس للتحديث فهو مذاكرةٌ، فالتعهد في المذاكرة أزيدُ من المقاولة، فالمقاولة كمَجْلِس الوعظ. قوله: (أَرَاني أَتَسَوَّكُ) ويُعْلم منه أنها قصةُ الرؤيا، ومن بعض الألفاظ أنها قصةُ اليقظة كما عند أبي داود. فذهب بعضهم إلى التعدد وجُمع بأنه رآه أولًا في الرؤيا، ثم وقع في اليقظة، كذلك وقد كان يرى أشياءَ في المنام ثم تقعُ له مَثْلُها في اليقظة. قوله: (فقيل لي) وعلم منه أنه شيء فيه فضيلة حيثُ نزل فيه الوحيُ. فائدة في معنى الرؤيا واعلم أن ما يرَونه الأنبياءُ ﵈ من أشياءِ الغيب في اليقظة يُقال له: الرؤيا أيضًا، لأن الرؤيا التي يراها النائم في نومه لا يراها غيرُه، وكذلك الأنبياء ﵈ يرون أشياء في اليقظة ولا يراها غيرُهم. وفي «الصحيح» لابن حِبان: أنا بِشارةُ عيسى، ورؤيا أمي، وكانت رأت نورًا من الشرق إلى الغرب عند ولادته، ثم أطلق عليه الرؤيا، وفي سفر الدانيال: أن يختم بعد سبعين أسبوعًا على الرؤيا، وعنى بها مشاهداتٍ الأنبياء ﵈ والنبوة، فما رأى النبي ﷺ كان رؤيا عين وإنما أطلق عليه الرؤيا لما قلنا. وسيجىء مزيد بحث في التفسير. ٢٤٦ - قوله: (قال أبو عبد الله: اختصره نُعَيم) وفي «الميزان»: أن نُعَيمًا هذا كان يُزَوِّرُ حكايات في أبي حنيفة رحمه الله تعالى. لا يقال: إن البخاري إنما أخرجه في الاستشهاد دون الأصول، لأنا نقول: إنه أخرج عنه في الأصول أيضًا كما في باب فضل استقباله القبلة ... إلخ، وفي موضع آخر أيضًا، فينبغي أن يُؤوّل ما في «الميزان» ويقال: إن معنى التزوير عدمُ المبالاة لا أنه كان يزوّر بنفسه. ولا ريب في كونه مخالفًا لأبي حنيفة رحمه الله تعالى، لأنه كان مُنْشئًا وكاتبًا للقاضي أبي مطيع البلخي تلميذ الإِمام فأسر بأمره لأمر ثم كان يرميه بالجَهْمية بعد. ومن مثل هذه الأشياء قال البخاري: «محمد بن الحسن جَهْمي» مع أن محمد بن الحسن يَرُدُّ على الجهم، ويقول: إن الاستواء على العرش صحيح، مَن خالفه فهو جَهْمي، كما في «الفتح» وفي «المسايرة» لابن الهمام: أَنَّ أبا حنيفة ناظر جَهْمًا ثم قال في الآخِر: أخرج عني يا كافر. فالعجب أنهم كيف يَطْعَنوننا بالجهمية، والله المستعان (١).

стр. 375

٧٩ - باب فَضْلِ مَنْ بَاتَ عَلَى الْوُضُوءِ وضوءك للصلاة، وهذا وضوء لحال الأحداث لا لحال الصلاة، وأما الآن فهو خامل عندهم بحيث لا يكادُ يعرفونه، واشتهر عندهم الوضوء لحال الصلاة فقط، لأنَّه في المائدة وهو الذي في كُتب الفقه، وما عند مسلم: «الطُّهُور شَطْرُ الإِيمان» فإِنه يشمل جميع أنواع الوضوء. وصور التطهير، لا أنه الوضوء المعروف فقط. ٢٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الأَيْمَنِ، ثُمَّ قُلِ اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ وَجْهِى إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِى إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِى إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَاّ إِلَيْكَ، اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِى أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِى أَرْسَلْتَ. فَإِنْ مُتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ فَأَنْتَ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَتَكَلَّمُ بِهِ». قَالَ فَرَدَّدْتُهَا عَلَى النَّبِىِّ ﷺ فَلَمَّا بَلَغْتُ «اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِى أَنْزَلْتَ». قُلْتُ وَرَسُولِكَ. قَالَ «لَا، وَنَبِيِّكَ الَّذِى أَرْسَلْتَ». أطرافه ٦٣١١، ٦٣١٣، ٦٣١٥، ٧٤٨٨ - تحفة ١٧٦٣ ٢٤٧ - قوله: (ثم اضْطجِع على شِقِّك الأَيمن) وهو نوم الأنبياء ﵈، لأنَّ التيامنَ من دَأْب الشرع في جميع المواضع، لأنَّ القلبَ لا يزال معلَّقًا فيه، فلا يغرق في النوم ولا يطرأ عليه الغفلة، وعند أبي داود أن نومهم بالاضطجاع على الظهر، فينبغي أن يفعل أولًا كما عند أبي داود، ثم يضطجع كما في «البخاري». والنوم على البطن من ضجعة أهل النار. وقالت الأطباء: إن النوم على الشقِّ الأيسر أيسر وأسهل، وأعون في الهضم، وأنفع للصحة. ٢٤٧ - قوله: (وجهي إليك) "منه ياوه جيز جواقبال على الله كى هى". قوله: (على الفطرة) يعني تموت كما جئت من عند الله تعالى يعني "جيسا خدا تعالى كى يهان سى آئى تهى ويساهى جاؤكى". قوله: (قال لا ونبيك) ... إلخ لأن في لفظ الرسول تكرارًا وتمسك به بعضهم على نفي الرواية بالمعنى، لأنه لم يجوزه تبديل اللفظ. قلت: النهي ههنا لاستلزامه التأكيد، والتأسيس أولى. ثم إنَّ الروايةَ بالمعنى لا تمكن في اللغة العربية، لأنه لا ترادف عند التحقيق، ولا تركيب يؤدي مؤدَّى تركيب آخر. نعم يمكن تأدية المعنى المشترك فقط، فخصائص كل تركيب على حِدَة لا يفيدها تركيب آخر، ثم إنهم قالوا: إن أنسًا ﵁ وابن عمر ممن كانوا يرويان باللفظ وابن مسعود ﵁ ممن كان يروي بالمعنى عند ذُهُول اللفظ مع التنبيه عليه، والإمام رحمه الله تعالى ممن كان يروي باللفظ، لأن يحيى بن مَعِين لمَّا وثَّقَه قال: ولا نَكْذِبُ بين يدي الله، فإنا ما رأينا أحسنَ منه رأيًا، وكان لا يُحَدِّث إلا بما يحفظ، وكتبوا أيضًا: أنه كان من شرائطه عدم النسيان ما يرويه مُدَّةَ عُمُره.

стр. 376

وهو في الأصل منقول عن أبي يوسف رحمه الله تعالى، ثم إنَّ يحيى بن مَعِين ويحيى بن سعيد القَطَّان يقال هما حنفيان. قلت: وهو على طريق السلف لا كما شاع الآن، ثم إن رأيهما لم يكن حسنًا في حق الشافعي رحمه الله تعالى، وإن لم يكن حسنًا فإن الشافعي رحمه الله تعالى أجلُّ من أن يُخَرِّج فيه مثلهُما. فائدة: واعلم أنه ينبغي للجُنُب أن يتوضأ إذا أراد أن ينام لما في «تنوير الحوالك»: عن ميمونة بنت سعد: «هل يَرْقُدُ جُنُبٌ؟ قال: لا أُحِب إلا أن يتوضأ، فإِني أخشى أن يموت فلا يَحْضُره جبرائيل». وقد نقله مولانا عبد الحيّ رحمه الله تعالى في «حاشية الموطأ» أيضًا، وكان ابن عمر ﵁ يفعله إلا أنه لم يكن يمسح في ضوئه هذا، ولعله يكون عنده فيه قدوة، وفيه عندي أحاديث عديدة جيدة عن النبي ﷺ وقد صرَّحَ فقهاؤنا باستحبابه، وصرَّحوا بأن هذا الوضوء لا يُنْتَقَض من البول والغائط راجع «الدُّر المختار» و «عين العلم» (١). ...

стр. 377

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٥ - كتاب الغُسْل وقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)﴾ [المائدة: ٦]. وقوله جل ذكره: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣)﴾ [النساء: ٤٣]. واعلم أنَّ الدَّلْكَ معتبر في الغسل لغةً، وأَقَرَّ به الشيخ ابن الهُمَام رحمه الله تعالى في «الفتح»، ولذا شرطه المالكية، وما لا دَلْكَ فيه لا يسمى غسلًا، بل يقال له: الصَّبّ والإِسالة، ولكنه قد مرَّ معنا مرَّة أنَّ اعتبار جميع مراتب المسمَّى أن بعضها من مراحل الاجتهاد، فأخذ مالك رحمه الله تعالى بجميع مراتبه، وعمَّمه آخرون، ولا يقال فيه: إنه خلافُ النص، فإِن النص لم يتعرَّض إلى المراتب أصلًا، وإنما أمر بالمسمَّى، وقد قلنا به. ١ - باب الْوُضُوءِ قَبْلَ الْغُسْلِ ٢٤٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ ﷺ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِى الْمَاءِ، فَيُخَلِّلُ بِهَا أُصُولَ شَعَرِهِ ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ غُرَفٍ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى جِلْدِهِ كُلِّهِ. طرفاه ٢٦٢، ٢٧٢ - تحفة ١٧١٦٤ ٢٤٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِى الْجَعْدِ عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَتْ تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ غَيْرَ رِجْلَيْهِ، وَغَسَلَ فَرْجَهُ، وَمَا أَصَابَهُ مِنَ الأَذَى، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ، ثُمَّ نَحَّى رِجْلَيْهِ فَغَسَلَهُمَا، هَذِهِ غُسْلُهُ مِنَ الْجَنَابَةِ. أطرافه ٢٥٧، ٢٥٩، ٢٦٠، ٢٦٥، ٢٦٦، ٢٧٤، ٢٧٦، ٢٨١ - تحفة ١٨٠٦٤ وتقديمه على الغسل سنة، والتوضؤ بعده -إن توضأ قبله- بدعةٌ، إلا بالتفاصيل المذكورة

стр. 378

في الفقه - وظني أنَّ هذا الوضوء كاملٌ حتى يمسح فيه أيضًا، وأما غسل الرجلين فأَمْرُه كما في «القُدُوري»: إن كان المغتسَلُ يجتمع فيه الماء يؤخرهما، وإلاّ فيغسلهما مع وضوئه. ثم في «فصول البقراطي» (١): أن الغسل بعد الجماع متصلًا قد يورث عِلَّة. ٢٤٨ - قوله: (غرف) والغَرْفة بالفتح في الإِناء، والغُرفة بالضم في النهر، قال تعالى: ﴿إلا من اغترف غرْفَةً بيده﴾ [البقرة: ٢٤٩]. ٢ - باب غُسْلِ الرَّجُلِ مَعَ امْرَأَتِهِ ٢٥٠ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِى إِيَاسٍ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى ذِئْبٍ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِىُّ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ مِنْ قَدَحٍ يُقَالُ لَهُ الْفَرَقُ. أطرافه ٢٦١، ٢٦٣، ٢٧٣، ٢٩٩، ٥٩٥٦، ٧٣٣٩ - تحفة ١٦٦٢٠ وهكذا بوَّب في الوضوء، ص ٣٢ باب وضوء الرجل مع امرأته، فكأنه تَرَكَ مذهب أحمد رحمه الله تعالى، وقد مرَّ مني تفصيلُ المسألة، وأنَّ الفضل لا يصدق بالغسل حميعًا، وأن مناط أحاديث النهي هو الأَسآر. ٢٥٠ - قوله: (الفَرَق) إناء يسع ثلاثة آصع، فإن كان ملآن يصير لكل منهما صاع ونصف، والمعروف في عادته في الغسل صاع، وقد مرَّ أنَّه لا تحديد فيه، والأمر تقريبي، وإن كان خاليًا فالأمر تحقيقي، ويصير لكل منهما صاعًا صاعًا، فإنَّه لا يلزم بكون الفَرَق هذا القَدْر أن يكون الماء فيه أيضًا كذلك، فيمكن أن يكون الماء على قدر عادته. ٣ - باب الْغُسْلِ بِالصَّاعِ وَنَحْوِهِ ٢٥١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنِى عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ حَدَّثَنِى شُعْبَةُ قَالَ حَدَّثَنِى أَبُو بَكْرِ بْنُ حَفْصٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ يَقُولُ دَخَلْتُ أَنَا وَأَخُو عَائِشَةَ عَلَى عَائِشَةَ فَسَأَلَهَا أَخُوهَا عَنْ غُسْلِ النَّبِىِّ ﷺ فَدَعَتْ بِإِنَاءٍ نَحْوًا مِنْ صَاعٍ، فَاغْتَسَلَتْ وَأَفَاضَتْ عَلَى رَأْسِهَا، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَهَا حِجَابٌ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ قَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَبَهْزٌ وَالْجُدِّىُّ عَنْ شُعْبَةَ قَدْرِ صَاعٍ. تحفة ١٧٧٩٢ وإنَّما ترجم له لعنايته به ولوروده في الأحاديث، والعناية ههنا كعناية أهل المعاني، وقد مرَّ أنه لم يعتن به أحد من الأئمة غير محمد رحمه الله تعالى، فإِنه اعتبره في الغسل اتباعًا للأثر لا تحديدًا وتوقيتًا.

стр. 379

٢٥١ - قوله: (وأخو عائشة) أي رضاعًا. قوله: (الجُدِّي) منسوب إلى الجُدَّة، وهو الأفصح من الجدة، وبالفتح لَحْنٌ. ٢٥٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ قَالَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ هُوَ وَأَبُوهُ، وَعِنْدَهُ قَوْمٌ فَسَأَلُوهُ عَنِ الْغُسْلِ. فَقَالَ يَكْفِيكَ صَاعٌ. فَقَالَ رَجُلٌ مَا يَكْفِينِى. فَقَالَ جَابِرٌ كَانَ يَكْفِى مَنْ هُوَ أَوْفَى مِنْكَ شَعَرًا، وَخَيْرٌ مِنْكَ، ثُمَّ أَمَّنَا فِى ثَوْبٍ. طرفاه ٢٥٥، ٢٥٦ - تحفة ٢٦٤١ - ٧٣/ ١ ٢٥٣ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ وَمَيْمُونَةَ كَانَا يَغْتَسِلَانِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ كَانَ ابْنُ عُيَيْنَةَ يَقُولُ أَخِيرًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ، وَالصَّحِيحُ مَا رَوَى أَبُو نُعَيْمٍ. تحفة ٥٣٨٠ ٢٥٢ - قوله: (ثم أَمَّنا) وعو عند مسلم وأبي داود أبسط منه، وفي إسناده يحيى بن آدم، وهو من رجال الكوفة. راجع له «نيل الفرقدين»، فإن الحافظ رحمه الله تعالى غَلِطَ في شرح أثره. ٤ - باب مَنْ أَفَاضَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثًا ٢٥٤ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ قَالَ حَدَّثَنِى سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدٍ قَالَ حَدَّثَنِى جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَمَّا أَنَا فَأُفِيضُ عَلَى رَأْسِى ثَلَاثًا». وَأَشَارَ بِيَدَيْهِ كِلْتَيْهِمَا. تحفة ٣١٨٦ ٢٥٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مِخْوَلِ بْنِ رَاشِدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِىٍّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يُفْرِغُ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثًا. طرفاه ٢٥٢، ٢٥٦ - تحفة ٢٦٤٢ ٢٥٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ حَدَّثَنَا مَعْمَرُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَامٍ حَدَّثَنِى أَبُو جَعْفَرٍ قَالَ قَالَ لِى جَابِرٌ أَتَانِى ابْنُ عَمِّكَ يُعَرِّضُ بِالْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ كَيْفَ الْغُسْلُ مِنَ الْجَنَابَةِ فَقُلْتُ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَأْخُذُ ثَلَاثَةَ أَكُفٍّ وَيُفِيضُهَا عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ يُفِيضُ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ. فَقَالَ لِى الْحَسَنُ إِنِّى رَجُلٌ كَثِيرُ الشَّعَرِ. فَقُلْتُ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ أَكْثَرَ مِنْكَ شَعَرًا. طرفاه ٢٥٢، ٢٥٥ - تحفة ٢٦٤٣ ٥ - باب الْغُسْلِ مَرَّةً وَاحِدَةً ٢٥٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ

стр. 380

سَالِمِ بْنِ أَبِى الْجَعْدِ عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَتْ مَيْمُونَةُ وَضَعْتُ لِلنَّبِىِّ ﷺ مَاءً لِلْغُسْلِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى شِمَالِهِ فَغَسَلَ مَذَاكِيرَهُ، ثُمَّ مَسَحَ يَدَهُ بِالأَرْضِ، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ، ثُمَّ تَحَوَّلَ مِنْ مَكَانِهِ فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ. أطرافه ٢٤٩، ٢٥٩، ٢٦٠، ٢٦٥، ٢٦٦، ٢٧٤، ٢٧٦، ٢٨١ - تحفة ١٨٠٦٤ وهو جائز عندنا أيضًا. ٢٥٧ - قوله: (ثم أفاض على جسده) وهو موضع الترجمة، وقد حصل لي التردُّد بعد المراجعة إلى طرقه في اكتفاء النبي ﷺ فيه بالمرة الواحدة، ولعله جرى فيه على عادته بالتثليث، فإِن كان في هذه الواقعة هو التثليث، فالترجمة لبيان المسألة فقط. ٦ - باب مَنْ بَدَأَ بِالْحِلَابِ أَوِ الطِّيبِ عِنْدَ الْغُسْلِ ٢٥٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ حَنْظَلَةَ عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ دَعَا بِشَىْءٍ نَحْوَ الْحِلَابِ، فَأَخَذَ بِكَفِّهِ، فَبَدَأَ بِشِقِّ رَأْسِهِ الأَيْمَنِ ثُمَّ الأَيْسَرِ، فَقَالَ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ. تحفة ١٧٤٤٧ - ٧٤/ ١ والحِلاب (١) إناء معروف، وما قيل: إنه تصحيف جُلاب بمعنى كل آب أو بمعنى حَبُّ المَحْلَب فكلُّه شطط، لأنه استعمله المصنَّف رحمه الله تعالى في مواضع، والقول بالتصحيف في المواضع كلها، أو تغليط المصنِّف رحمه الله تعالى بأنه فَهِم معناه حَبُّ المَحْلَب للاستنفاق بينها بعيدٌ جدًا، ولأنه ورد هذا اللفظ في الحديث صراحة وقد استشكل عليهم جمع الحِلاب والطِّيب. قلت: بل الجمع بينهما لكون التقابل بينهما تقابل التضاد، فإِن في الحِلاب يبقى ريح اللَّبَن، فأشار إلى أنه لا بأس بريحه ولونه إنْ ظهر في الماء، وكذا الطِّيب عند الغسل قد يبقى أثره بعد الغسل، فلا بأس به أيضًا. ونظره إلى الترجمة الآتية «باب مَن تطيَّبَ ثم اغتسل وبقي أثر الطيب» وإن كان استعمال الطيب هناك للجِماع ليحصل النشاط لا للغسل، والتطيب قبل الاغتسال أيضًا شائع في بعض البلاد، فيدَّهِنُون أولًا ثم يغتسلون، المعروف في بلادنا التطيب بعد الغسل فقط. والحاصل: أن مَطْمَح نظره في هذه الترجمة أنه لو بقي في الماء أثرُ الحِلاب أو شيء من جنسه، فلا بأس به، وبعبارة أخرى أنه لا بأس بماء اختلط به شيءٌ طاهر. أما مسألة الطيب

стр. 381

فجاء استتباعًا، وحينئذ لا يَرِدُ أنه لا ذِكْرَ له في الحديث على أنهما يشتركان في معنى بقاء الاثر، ففي الحِلاب يبقى أثر اللَّبَن، وفي التطيب يبقى أثر الطيب، فيقول: إنه لا بأس ببقائهما بعد الاغتسال. ٢٥٨ - قوله: (نحوَ الحِلاب)، وفي الطرق إنه كان الحِلاب بعينه. ٧ - باب الْمَضْمَضَةِ وَالاِسْتِنْشَاقِ فِى الْجَنَابَةِ ٢٥٩ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبِى حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ حَدَّثَنِى سَالِمٌ عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ حَدَّثَتْنَا مَيْمُونَةُ قَالَتْ صَبَبْتُ لِلنَّبِىِّ ﷺ غُسْلًا، فَأَفْرَغَ بِيَمِينِهِ عَلَى يَسَارِهِ فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ غَسَلَ فَرْجَهُ، ثُمَّ قَالَ بِيَدِهِ الأَرْضَ فَمَسَحَهَا بِالتُّرَابِ، ثُمَّ غَسَلَهَا، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ، وَأَفَاضَ عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ، ثُمَّ أُتِىَ بِمِنْدِيلٍ، فَلَمْ يَنْفُضْ بِهَا. أطرافه ٢٤٩، ٢٥٧، ٢٦٠، ٢٦٥، ٢٦٦، ٢٧٤، ٢٧٦، ٢٨١ - تحفة ١٨٠٦٤ قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى والثوري: أنهما واجبتان في الغسل واختاره أحمد وإسحاق مطلقًا. قلت: ولا ريب في ثبوتهما في غسله ﷺ وتعيين المراتب من باب الاجتهاد، فصار نظرنا أنهما واجبتان حيث شدَّد الشرع في الجَنَابة ما لم يشدِّد في الحَدَث الأصغر، فَنَهى الجُنُبَ عن قراءة القرآن، ولم يَنْهَ عنها المُحْدِث بالحَدَث الأصغر، فعَلِمنا أن للجنابة سِرايةً إلى الباطن أزيد من الحدث الأصغر، فقلنا بالافتراض. ومَنْ زعم أن الفرض لا يثبت بالخبر الواحد فقد سها، فإِنه يثبت بالخبر أيضًا إلا أنه لا يكون قطعيًا، ولا يجب كونُ كلِّ فرض قطعيًا. نعم ما ثبت بالكتاب يكون قطعيًا قطعًا. ثم إن حفص بن غِياث هذا الذي في الإِسناد من خاصة تلامذة أبي يوسف، والبخاري إذا أخذ حديث الأعمش يعتمد فيه على حفص هذا. قوله: (غُسلًا) الغُسْل بالضم: مصدر واسم، وبالفتح: مصدر، والغِسْل بالكسر: الماء ولكنه نادر. ثم إن استعمال المِنْدِيل جائز. راجع المسألة من «المنية» و «قاضي خان» وفي واحد منهما كراهةُ استعمال المِنْدِيل، وتُحمل على التنزيه. والحاصل: أنه ليس بسنَّة، وتكلم في لفظه واشتقاقه، وهو مشهور. ٨ - باب مَسْحِ الْيَدِ بِالتُّرَابِ لِيَكُونَ أَنْقَى ٢٦٠ - حَدَّثَنَا عبد الله بن الزبير الْحُمَيْدِىُّ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِى الْجَعْدِ عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ، فَغَسَلَ فَرْجَهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ دَلَكَ بِهَا الْحَائِطَ ثُمَّ غَسَلَهَا، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ غَسَلَ رِجْلَيْهِ. أطرافه ٢٤٩، ٢٥٧، ٢٥٩، ٢٦٥، ٢٦٦، ٢٧٤، ٢٧٦، ٢٨١ - تحفة ١٨٠٦٤ ٢٦٠ - قوله: (الحُمَيدي) رفيق الإِمام الشافعي رحمه الله تعالى في سفره، وحامل لواء مذهبه، ومخالف لأبي حنيفة رحمه الله تعالى، ولمّا كان البخاري من تلامذته اتَّبَع شيخَه في الخلاف أيضًا، وهذا هو الدَّأْب من القديم إلى الحديث أن التلامذة يتَّبِعون مشايخهم في

стр. 382

أعمالهم، وأخلاقهم، وشمائلهم، وخصائلهم ومسائلهم. ونقل البخاري قصة حَلْقِ الحجاج رأس الإمام وإصلاحه له، مع أن مدارك الإِمام دقيقة، فإنَّ التيامنَ يمكن أن يكون باعتبار الحالق وباعتبار المحلوق كليهما. وكذا استقبال القِبلة. فليراعِ الحُمَيدي هذه الأمور أيضًا، وليحذر عن الطعن في حق الإِمام الذي مُعْظَم الأُمَّة على أثره. ولمثل هذه الأمور لم يكتب البخاري مناقبه في أحدٍ من تصانيفه، لأنه لما بلغته مَثَالِبُه ومناقبه، وغلب على ظنه مثالبه فقط، أعرض عن مناقبه. ثم إن هذه أمور وعوارض تعتري الرجل، ولا يجب أن يستقرّ عليه رأيه، كما أنك تسمع اليوم فِسقَ رجل فتنفر عنه، ثم تبلغ إليك محاسنه، فيتبدل رأيك فيه وتُحِبّه. فهذه أمور ليست مما يستقر عليه الإنسان، بل تبنى على الإِخبار، وأَجِد في الصحيح كثيرًا من الرواة من تلامذة أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى، لأنه ترجَّح عنده مناقبهم، ولا أر عن الشافعي رحمه الله تعالى حرفًا في هجو الإمام، بل ينقل منه المناقب، حتى إني لم أر مناقب أحمد رحمه الله تعالى أزيد ما رأيته في كلامه. فمنها: أني تحمَّلت عنه وقْرَيْ بعيرٍ من العلم. ومنها: أنه كان يملأ العين والقلب. وأنه إذا تكلم فكأنما ينزل الوحي. وينقل عن أحمد ومالك رحمهما الله تعالى بعضًا من المناقب. وشيئًا من المَثَالِب أيضًا. وسببه وقوع الفتن والمصائب من جهة الحنفية. وفي تاريخ الخطيب لفظ الكفر أيضًا في حق الإمام ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَاّ كَذِبًا﴾ (الكهف: ٥). وهو شافعي في المذهب، وأجاب عنه السلطان ... وسماه «السَّهْم المُصِيب في كَبِدِ الخطيب»، وقد طُبِع الآن، وليراجع في هذه الأمور الخارجُ والواقعُ، ألا ترى ماذا يفعل الناس اليوم؟ وكيف يتَّهِم بعضهم بعضًا. واعلم أن مشايخنا رحمهم الله تعالى اختلفوا في جواز الاقتداء عند الاختلاف في الفروع بين الإمام والمأموم فقيل: إنه جائز إذا عَلِمَ من حال الإِمام أنه يحتاط في مواضع الخلاف وألا لا. وقيل: إذا شاهد إمامه يرتكب ناقضًا من النواقض المختلفة فيها كَمَسِّ المرأة، ومَسِّ الذَّكَر، أو خروج الدم من غير السبيلين، لا يجوز افتداؤه لمن كان يراه ناقضًا، وإلاّ صح. قلت: والذي تحقَّق عندي أنَّه صحيح مطلقًا سواء كان الإِمام محتاطًا أم لا، وسواء شاهد منه تلك الأمور أم لا، فإِني لا أجد من السلف أحدًا إذا دخل في المسجد أنه تفقد أحوال الإِمام أو تساءل عنه بَيْدَ أنهم كانوا يقتدون وينصرفون إلى بيوتهم بلا سؤال ولا جواب. وفي «فتاوى الحافظ ابن تيمية»: أن هارون الرشيد افْتَصَدَ مرةٌ ثم قام ليصلي، وكان أبو يوسف رحمه الله تعالى موجودًا هناك، فاقتدى به مع علم الناقض عنده. فإِن قلت: كيف الاقتداء مع تيقُّن الإِمام على عدم الطهارة عنده؟ قلت: إنما يتوجه السؤال إذا كان الإمام على أمرٍ باطل قطعًا، وهذه المسألة مجتهَدٌ فيها، أمكن فيها أن يكون الحق إلى الإِمام، وأمكنَ أن يكون في جانبٍ آخر، ولذا لا يسعك أن تحكم على صلاة الآخرين أنها باطلة عند الله تعالى، ولكن يَبْذُل الجَهْدَ ويتحرَّى الصواب لينال الثوابَ بقدر الاجتهاد.

стр. 383

ولذا أقول: إن الإِمام إن كان شافعيًا وتكلَّم ناسيًا، ثم مضى في صلاته لعدم كونه ناقضًا عنده، ينبغي أن يَفْسُدَ صلاة المقتدي الحنفي لأن بين المسألتين فرقًا، فإِن مسألة التكلم قليلةُ الوقوع جدًا بل ليست فيه إلا واقعة ذِي اليدين، فإِن تَمَّتْ على نظر الحنفية ينهدم مراد الشافعية عن أصله، وليس في أيديهم غيرها شيء، بخلاف مسألة النواقض، فإِنها كثيرة الوقوع من الصدر الأول، وما تكون كذلك لا يمكن فيها فصل الأمر أبدًا. ثم الذين قالوا بالجواز عند الاختلاف في الفروع افترقوا فرقتين: فقال قائل منهم: إنَّ العبرةَ لرأي الإِمام، فإِن تحقق ناقض على مذهبه وانتقض وضوؤه لا يجوز الاقتداء به، وإلا جاز، ولا عبرة بحال المقتدي، وإليه ذهب الجصَّاص، وهو الذي اختاره لتوارث السلف، واقتداءِ أحدهم بالآخر بلا نكير مع كونهم مختلفين في الفروع، وإنما كانوا يمشون على تحقيقاتهم إذا صلَّوا في بيوتهم، أما إذا بلغوا في المسجد فكانوا يقتدون بلا تقدم وتأخر، ولن يُنْقَل عن إمامنا أنه سأل عن حال الإِمام في المسجد الحرام مع أَنَّه حَجَّ مرارًا. وقال آخرون: إن العبرة لرأي المقتدي، والقول الثالث فيه لنوح أفندي وهو فاضل ذكي متيقِّظ بعد الشيخ ابن الهُمَام، وله حاشية مبسوطة على «الدر المختار»، أودع فيها مباحث لطيفة، ويُعلم منها أنه رجل محقق، واختار أن الاقتداء إنما يصح عند تلاقي الرأيين: أي المقتدي والإِمام. وإلا لا، وهذا القول من جانبه وليس عن السلف. وهناك صورة أخرى وهي أن الإِمام صلى وكان على غير وضوء على رأيه وعلى وضوء على رأي المقتدي، مثلًا: كان شافعيًا فمسَّ امرأة ثم أمَّ الناس، فهذا على وضوءٍ عند الحنفية، ومحدثٌ على مذهبه، فيجري فيه الاختلاف المذكور أيضًا. قال الشيخ ابن الهُمام: إن شيخه سراج الدين تلميذ صاحب الهداية كان يختار مذهب الجصَّاص، وأنكر مرة أن يكون فسادُ الصلاة فيه مرويًا عن المتقدمين، وإنما أوجده المتأخرون، فَذكَّرْتُه بمسألة «الجامع الصغير» في الجماعة الذين تحرَّوا في الليلة المظلمة، وصلَّى كلٌّ إلى جهة، مقتدين بإِمامهم، أنَّ صلاةَ مَن عَلِم إمامه على خطأ فاسدة، لاعتقاده إمامَه على خطأ، فإنها تدل على أن الاعتبار لرأي المقتدي عند السلف أيضًا، وليس إيجادًا من المتأخرين فقط، فلم يجبه شيخه. قلتُ: الفرق ظاهر ونظير الشيخ ابن الهُمَام رحمه الله تعالى، وكذا سكوت شيخه في غير محله، فإِنَّ معاملةَ القِبلة قطعية يمكن فصلها بالرجوع إلى الحِسّ بخلاف النواقض، فإِنه لا سبيل فيها إلى الفصل بعد اختلاف السلف فيها اختلافًا كثيرًا، فلو علم المقتدي إمامه على خطأ في مسألة التحرِّي ينبغي أن لا تصح صلاته، بخلاف الاجتهاديات التي لا تزال الأنظار تدور فيها إلى الأبد، ووجه الفساد في المسألة المذكورة ليس ما فهمه الشيخ من مخالفة اعتقاده لإِمامه، بل هو ترك المتابعة له، وهي من الواجبات. وكان مولانا شيخ الهند رحمه الله تعالى يذهب إلى مذهب الجصَّاص ويستعين بمسألة قضاء القاضي في العقود والفسوخ، فإِنه ينفُذُ ظاهرًا أو باطنًا مع شرائطها المذكورة في الفقه. وقد

стр. 384

سبق مني في المقدمة أن أهل قُبَاء، إنما عَمِلوا بخبر الواحد وتركوا قِبلتهم الثابتة بالقاطع لهذا المعنى، لأنه كان عندهم طريق التحقيق والتثبيت، وفي مثله يجوز أن يكون الخبر ناسخًا للقاطع. والحاصل: أَنَّه لا نزاع في الجزئي القليل الوقوع، وإنما الكلام فيما تواتر فيه الخلاف كالنواقض. ثم لا يذهب عليك أن ابن نُجَيم في باب قضاء الفوائت، وابنَ عابدين في مقدمة «رد المحتار» وسَّعًا سهوًا مُضِرًا، حيث وسَّها للأُمِّيِّ الذي لا يعلم مذهبَ أحدٍ أن يستفتيَ في صلواته الخمسِ أيَّ عالم من علماء المذاهب الأربعة شاء، ويعمل بما شاء من فتاواهم. أقول: وهذا باطل، فإِنَّ حاصله: أن الأُمِّيِّ ليس له مذهب والقياس على مسألة الاقتداء فاسد، فإِن الاقتداء لا مناص فيه عن المتابعة، بخلاف العمل بالمذاهب فإِن له أن يتقيد بمذهب ويتابعه في مسائله. أما العمل بمذهب الشافعي رحمه الله تعالى في صلاة، وبمذهب الحنفية في صلاة أخرى، فمسلكٌ غيرُ مستقيم، والتزام للتناقض، ولا نظير له في الدِّين. وتحقيقه: أنَّ المسائلَ من مذهب واحدٍ تكون مُتَّسِقَة، أعني به أنه تكون بينها سلسلة وارتباط في ذهن المجتهد، فإِذا خلط في هذه المسائل، فيعمل تارةً بهذا وأخرى بهذا، يلزم التناقض، وإن لم يَبْدُ في بادىء الرأي، لأنها ربما تبنى على أصول مختلفة يخالف أحدهما الآخر، فإِذا عمل بتلك المسائل كلها ابتلي بالتناقض من حيث لا يدريه، فإِن تلك المسائل وإن لم تكن متناقضة إلا أن الأصول التي تتفرع عليها تلك المسائل تكون متناقضة، فلا يلوح التناقض بين تلك المسائل في بادىء الرأي مع أنه متحقق بعد الإِمعان. ثم ما في كُتُب الفقه أنّ الرجوع عن التقليد بعد العمل غيرُ جائز، ليس معناه ما فهمه بعض القاصرين أنه لا يجوز كون الشافعي حنفيًا أو بالعكس. وكذا ليس معناه عدم جواز ترك تحقيق بعد سُنُوح تحقيق آخر خلافه، لأنه يجوز التحوُّل من مذهب إمام إلى مذهب إمام آخر إن بدا له ودعته حاجة. وكذا يجوز للمجتهد أن يترك تحقيقه ويختار الجانب الآخر إن رأى فيه الصواب، فإِن الشافعي رحمه الله تعالى كان قائلًا بعدم وجوب الفاتحة على المقتدي في الجهرية، ثم رجع عنه واختار وجوبها قبل وفاته بسنتين. فهذا أيضًا جائز، بل معناه أنه إن اختار تحقيقًا في مسألة ثم عمل عملًا لم يكن صحيحًا على هذا التحقيق، وأراد أن يطلب له صورة الصحة فقال: إني أختار تحقيقًا آخر في تلك المسألة بعينها، تصحيحًا لعمله، فإِنه لا يجوز. كحنفي صلَّى الظهر، ثم ظهر أن الدَّمَ كان يسيل منه، ومقتضاه أن يفسد طُهره، فأراد أن يُبقيها صحيحة فقال: إني أختار مذهب الشافعي رحمه الله تعالى، فهذا غير جائز. وما نقل عن أبي يوسف رحمه الله تعالى أنه توضأ مرةً وصلى به، ثم لما عَلِمَ أن الماء الذي توضأ منه كانت فيه فأرة، وكان أزيد من القُلَّتين، قال: إني أختار مذهب الشافعي رحمه الله تعالى، فَبَعْدَ تسليم صحته أقول: إنه جواب على أسلوب الحكيم، وليس من باب ترك التحقيق بعد العمل به، وغرضه أنا نحكم بنجاسة الماء عند العلم بها كما هو مذهبه، فلم يكن

стр. 385

نجسًا على مذهبه إلا بعد العلم بها، ولم تكن له حاجة إلى ترك تحقيقه، ولكنه نحو تعبير جريًا على أسلوب الحكيم. وإنما أنكرتُه لأنه لم يثبت عندي عن السلف الرجوع بهذا المعنى، وقدوتي في هذا الباب وعمدتي عبد الله بن المبارك، فقد قال الترمذي في باب ما جاء لا طلاقَ قبل النكاح: وذكر عن عبد الله بن المبارك أنه سئل عن رجل حَلَف بالطلاق أن لا يتزوج، ثم بدا له أن يتزوج، هل له رخصة أن يأخذ بقول الفقهاء الذين رخَّصوا في هذا؟ فقال ابن المبارك: إن كان يرى هذا القول حقًا من قَبْلِ أن يُبتلى بهذه المسألة، فله أن يأخذ بقولهم، فأما من لم يرضَ بهذا فلما ابتُليَ أحبَّ أن يأخذ بقولهم، فلا أرى له ذلك اهـ. ٩ - باب هَلْ يُدْخِلُ الْجُنُبُ يَدَهُ فِى الإِنَاءِ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَهَا إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى يَدِهِ قَذَرٌ غَيْرُ الْجَنَابَةِ ؟ وَأَدْخَلَ ابْنُ عُمَرَ وَالْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ يَدَهُ فِى الطَّهُورِ، وَلَمْ يَغْسِلْهَا ثُمَّ تَوَضَّأَ. وَلَمْ يَرَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ بَأْسًا بِمَا يَنْتَضِحُ مِنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ. ٢٦١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ أَخْبَرَنَا أَفْلَحُ عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِىُّ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ تَخْتَلِفُ أَيْدِينَا فِيهِ. أطرافه ٢٥٠، ٢٦٣، ٢٧٣، ٢٩٩، ٥٩٥٦، ٧٣٣٩ - تحفة ١٧٤٣٥ صرَّح في هذه الترجمة بنجاسة المَنِيِّ وعَدَّه من القذر واختار أنَّ الماء المستعمل طاهر، وإليه ذهب الجمهور، وقال مالك: إنه مُطَهِّر أيضًا. قوله: (ولم ير ابن عمر ﵁ ... إلخ وهذا القدر عَفْوٌ عند مشايخنا القائلين بنجاسة الماء المستعمَل أيضًا، وفي «الدر المختار» أنَّ العِبرةَ عند اختلاط المستعمَل مع غيره للغالب. ٢٦٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ غَسَلَ يَدَهُ. طرفاه ٢٤٨، ٢٧٢ - تحفة ١٦٨٦٠ ٢٦٢ - قوله: (غسل يده) يعني إن تيسَّر له الغسل قبل الإِدخال، فإِنه يغسلهما وإلا يسع له أن يدخلها في الإِناء، وتركيبه مذكور في «شرح الوقاية»، ونقل الشيخ العيني ﵁ عن ابن عمر بإِسناد قوي أن الحائض إن أدخلت يدها في الإِناء تنجَّس، ولعل فيه تفصيلًا، عنده. وفي «الفتاوى» لابن تيمية عن أحمد ﵁: أن الجُنُب إن أدخل يده في الماء نجسه، فهاتان المسألتان تدلان على نجاسة الماء المستعمَل، وإنما ذكرتهما لتخليص رقابنا على رواية نجاسة الماء المستعمَل، فكأن لها مُسْكَة أيضًا. وغرض البخاري من هذه الأحاديث إثبات غسل اليدين قبل الاغتراف، والاغتراف قبل غسلهما عند الحاجة ليثبت به طهارة الماء المستعمل، وإن كان التوقي منه مطلوبًا. ٢٦٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِى بَكْرِ بْنِ حَفْصٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ

стр. 386

عَائِشَةَ قَالَتْ كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِىُّ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ مِنْ جَنَابَةٍ. وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ مِثْلَهُ. أطرافه ٢٥٠، ٢٦١، ٢٧٣، ٢٩٩، ٥٩٥٦، ٧٣٣٩ - تحفة ١٧٣٦٧، ١٧٤٩٣ ٢٦٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَبْرٍ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ وَالْمَرْأَةُ مِنْ نِسَائِهِ يَغْتَسِلَانِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ. زَادَ مُسْلِمٌ وَوَهْبٌ عَنْ شُعْبَةَ مِنَ الْجَنَابَةِ. تحفة ٩٦٤ - ٧٥/ ١ ٢٦٣ - قوله: (حدثنا أبو الوليد: حدثنا شعبة) ... إلخ هذا هو الإِسناد في قَدْر ماء وضوئه ﷺ أنه كان ثلثي المُدَّ عند النَّسائي. ١٠ - باب تَفْرِيقِ الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ غَسَلَ قَدَمَيْهِ بَعْدَ مَا جَفَّ وَضُوءُهُ. ٢٦٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ قَالَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِى الْجَعْدِ عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَتْ مَيْمُونَةُ وَضَعْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَاءً يَغْتَسِلُ بِهِ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ، فَغَسَلَهُمَا مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَفْرَغَ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَغَسَلَ مَذَاكِيرَهُ، ثُمَّ دَلَكَ يَدَهُ بِالأَرْضِ، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ ثُمَّ غَسَلَ رَأْسَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى جَسَدِهِ، ثُمَّ تَنَحَّى مِنْ مَقَامِهِ فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ. أطرافه ٢٤٩، ٢٥٧، ٢٥٩، ٢٦٠، ٢٦٦، ٢٧٤، ٢٧٦، ٢٨١ - تحفة ١٨٠٦٤ ١١ - باب مَنْ أَفْرَغَ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ فِى الْغُسْلِ ٢٦٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِى الْجَعْدِ عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ قَالَتْ وَضَعْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ غُسْلًا وَسَتَرْتُهُ، فَصَبَّ عَلَى يَدِهِ، فَغَسَلَهَا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ - قَالَ سُلَيْمَانُ لَا أَدْرِى أَذَكَرَ الثَّالِثَةَ أَمْ لَا - ثُمَّ أَفْرَغَ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَغَسَلَ فَرْجَهُ، ثُمَّ دَلَكَ يَدَهُ بِالأَرْضِ أَوْ بِالْحَائِطِ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، وَغَسَلَ رَأْسَهُ، ثُمَّ صَبَّ عَلَى جَسَدِهِ، ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ، فَنَاوَلْتُهُ خِرْقَةً، فَقَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا، وَلَمْ يُرِدْهَا. أطرافه ٢٤٩، ٢٥٧، ٢٥٩، ٢٦٠، ٢٦٥، ٢٧٤، ٢٧٦، ٢٨١ - تحفة ١٨٠٦٤ فيه تعريض للمالكية، وإشارة إلى أَنَّ الموالاةَ ليست بشرط، واختار فيه مذهب الحنفية. قوله: (ويذكر عن ابن عمر ﵁ أخرجه مالك في موطئه وفيه: أنه غسل رجليه بعدما بلغ المسجد النبوي. فثبت منه تركُ الموالاة. ٢٦٥ - قوله: (فغسل قدميه) قلت: وفيه تأخير غسل القدمين فقط، وليس فيه أنه غسلهما بعد الجَفَاف أو قبله.

стр. 387

١٢ - باب إِذَا جَامَعَ ثُمَّ عَادَ، وَمَنْ دَارَ عَلَى نِسَائِهِ فِى غُسْلٍ وَاحِدٍ ٢٦٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَدِىٍّ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ ذَكَرْتُهُ لِعَائِشَةَ فَقَالَتْ يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَيَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ، ثُمَّ يُصْبِحُ مُحْرِمًا يَنْضَخُ طِيبًا. طرفه ٢٧٠ - تحفة ١٧٥٩٨ قوله: (ومن دار على نسائه في غسل واحد) ومراد البخاري من هذا الغسل هو الذي في الآخر بعد جماع الكُلّ. ٢٦٧ - قوله: (ذَكَرْتُه لعائشة ﵂ وكان عند ابن عمر أن بقاء أثر الطيب بعد الإِحرام أيضًا جنابة، فهذه هي المسألة التي ذَكَرَ لها، وإليه مال مالك ﵁، ومذهب الجمهور أنه لا بأس بالطِّيب قبل الإِحرام، وإن بقي أثره أو جِرْمُه بعده. قوله: (فيطوف على نسائه) وظاهره يخالف القَسْمَ، فقيل: إنه لم يكن واجبًا على النبي ﷺ لقوله تعالى: ﴿وَتُؤْوِى إِلَيْكَ مَن تَشَآء﴾ [الأحزاب: ٥١]- الآية، وقيل: إنه يجوز مطلقًا بعد ختم الدورة الواحدة قبل شروع الدورة الأخرى. قلت: وليُحَرَّر أيستقيم على مسائل الحنفية أم لا؟ فإِني لم أرَ هذا التفصيل في فقهنا أقول هذه واقعة واحدة في حجة الوداع لم تقع إلا مرة واحدة، وإن كانت ألفاظ الراوي تُشْعِر بكونها عادة، ولكن عندي اتباعُ الواقع أولى، لأنه لم يُعْلَم في الخارج غيرُ هذه الواقعة، فليقصرها على موردها. قال ابن الحاجب: إنَّ «كان» لا يدلّ على الاستمرار لغةً لأنه من الكون، إلا أنه يُستفاد منه الاستمرار عُرفًا ولا سيما إذا كان خبره مضارعًا. قلت: وهذا صحيح إلا أن الواقعة ههنا ليست إلا واحدة كما سيجيء. ٢٦٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ قَتَادَةَ قَالَ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَدُورُ عَلَى نِسَائِهِ فِى السَّاعَةِ الْوَاحِدَةِ مِنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَهُنَّ إِحْدَى عَشْرَةَ. قَالَ قُلْتُ لأَنَسٍ أَوَكَانَ يُطِيقُهُ قَالَ كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّهُ أُعْطِىَ قُوَّةَ ثَلَاثِينَ. وَقَالَ سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ إِنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ تِسْعُ نِسْوَةٍ. أطرافه ٢٨٤، ٥٠٦٨، ٥٢١٥ - تحفة ١٣٦٥، ١١٨٦ - ٧٦/ ١ ٢٦٨ - قوله: (وهن إحدى عشرة) التسع منهن منكوحة، وثنتان سُرِّيَتَان. قوله: (قوة ثلاثين) وفي «الحلية» لأبي نعيم: «قوة أربعين كل رجل من رجال أهل الجنة»، وفي إسناده أبو حنيفة ﵁. وأبو نُعيم ليس من مخالفي أبي حنيفة ﵁ بخلاف الخطيب. وفي الترمذي: أن قوة رجل من أهل الجنة كمئة رجل فمن ضرب الأربعين في المئة يحصل أربعة آلاف. كذا ذكره السيوطي. قلت: والذي تحقَّق عندي بعد هدم اختلاف الألفاظ وتعبير الرواة أنه أعطي في الدنيا ما يُعطَى سائرهم في الجنة، لكونه في الدنيا من رجال أهل الجنة، وليست وراءة إلا تعبيرات وتَفَنُّنًا في العبارات، فليحملها عليه.

стр. 388

١٣ - باب غَسْلِ الْمَذْىِ وَالْوُضُوءِ مِنْهُ ٢٦٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ حَدَّثَنَا زَائِدَةُ عَنْ أَبِى حَصِينٍ عَنْ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَلِىٍّ قَالَ كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً فَأَمَرْتُ رَجُلًا أَنْ يَسْأَلَ النَّبِىَّ ﷺ لِمَكَانِ ابْنَتِهِ فَسَأَلَ فَقَالَ «تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ». طرفاه ١٣٢، ١٧٨ - تحفة ١٠١٧٨ ثم الغُسل عند كل جماع مستَحَبٌ عندنا، ولا يُدْرى أنَّه مستحبٌّ فقهيٌّ أو لكونه أنفع، وذهب بعضهم إلى الوجوب. ١٤ - باب مَنْ تَطَيَّبَ ثُمَّ اغْتَسَلَ وَبَقِىَ أَثَرُ الطِّيبِ ٢٧٠ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَأَلْتُ عَائِشَةَ فَذَكَرْتُ لَهَا قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ مَا أُحِبُّ أَنْ أُصْبِحَ مُحْرِمًا أَنْضَخُ طِيبًا. فَقَالَتْ عَائِشَةُ أَنَا طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ طَافَ فِى نِسَائِهِ ثُمَّ أَصْبَحَ مُحْرِمًا. طرفه ٢٦٧ - تحفة ١٧٥٩٨ قوله أنها طيبت فانظر كيف عبرت ههنا بكونها واقعة بخلاف الحديث المار عن قريب فعبرت فيه كأنه كان عادة له فقالت فيه كنت أطيب إلخ. فهذا كله من تصرفات الرواة وعلى المشتغل أن يتبع الواقع ولا يذهب بكل تعبير. ٢٧١ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ حَدَّثَنَا الْحَكَمُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَأَنِّى أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ فِى مَفْرِقِ النَّبِىِّ ﷺ وَهْوَ مُحْرِمٌ. أطرافه ١٥٣٨، ٥٩١٨، ٥٩٢٣ - تحفة ١٥٩٢٨ ١٥ - باب تَخْلِيلِ الشَّعَرِ حَتَّى إِذَا ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ أَرْوَى بَشَرَتَهُ أَفَاضَ عَلَيْهِ ٢٧٢ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ غَسَلَ يَدَيْهِ، وَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ اغْتَسَلَ، ثُمَّ يُخَلِّلُ بِيَدِهِ شَعَرَهُ، حَتَّى إِذَا ظَنَّ أَنْ قَدْ أَرْوَى بَشَرَتَهُ، أَفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ. طرفاه ٢٤٨، ٢٦٢ - تحفة ١٦٩٦٩ ٢٧٣ - وَقَالَتْ كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ نَغْرِفُ مِنْهُ جَمِيعًا. أطرافه ٢٥٠، ٢٦١، ٢٦٣، ٢٩٩، ٥٩٥٦، ٧٣٣٩ - تحفة ١٦٩٧٦ ١٦ - باب مَنْ تَوَضَّأَ فِى الْجَنَابَةِ ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ، وَلَمْ يُعِدْ غَسْلَ مَوَاضِعِ الْوُضُوءِ منه مَرَّةً أُخْرَى ٢٧٤ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عِيسَى قَالَ أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى قَالَ أَخْبَرَنَا الأَعْمَشُ عَنْ سَالِمٍ عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ

стр. 389

وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَضُوءًا لِجَنَابَةٍ فَأَكْفَأَ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ فَرْجَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ يَدَهُ بِالأَرْضِ - أَوِ الْحَائِطِ - مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى رَأْسِهِ الْمَاءَ، ثُمَّ غَسَلَ جَسَدَهُ، ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ. قَالَتْ فَأَتَيْتُهُ بِخِرْقَةٍ، فَلَمْ يُرِدْهَا، فَجَعَلَ يَنْفُضُ بِيَدِهِ. أطرافه ٢٤٩، ٢٥٧، ٢٥٩، ٢٦٠، ٢٦٥، ٢٦٦، ٢٧٦، ٢٨١ - تحفة ١٨٠٦٤ - ٧٧/ ١ وحاصله: أنه إذا اغتسل بعد الوضوء فليس عليه أن يفيض الماء على أعضاء وضوئه ثانيًا، فإن شاء أفاض عليها الماء، وإن شاء اكتفى بغسل سائر جسده، فقط ولمَّا قابل الراوي بين أعضاء الوضوء والجسد حيث ذكر أولًا غسلها وذكر بعده غسل الجسد بثم، ظهر أَنَّه أرادَ من الجسد غيرها، وثبت ما رامه المصنَّف رحمه الله تعالى «سائر» الأفصح أنه بمعنى الباقي، من السؤر بمعنى الباقي والفضل، وقيل: بمعنى الجميع من السور أي من سور البلد. ١٧ - باب إِذَا ذَكَرَ فِى الْمَسْجِدِ أَنَّهُ جُنُبٌ، يَخْرُجُ كَمَا هُوَ وَلَا يَتَيَمَّمُ قال النُّحَاة: (كما هو) قد يكون للتشبيه، وقد يكون للمفاجأة، وهو المراد ههنا. قوله: (ولا يتيمم) ولا يجوز للجنب أَنْ يَدْخل المسجد عندنا، فإِنْ دخل ناسيًا يتيمم ثم يخرج، وفي رواية غير مشهورة: يخرج وإن لم يتيمم. كذا في «رد المحتار»، وهي المختارة عندي، وإن كانت غير مشهورة، وهو المتبادَر في الحديث، فإِن النبي ﷺ لو كان تيمم لَذَكَرَهُ الراوي، فهو سكوت في مَعْرِض البيان، وأصل الكلام في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٤٣]- الآية. قال الشافعية ﵃: إنَّ صدرَ الآيةِ في حُكْمِ الصَّلاةِ ثم انتقل إلى حكم المسجد، فلا يجوز للجنب أن يدخلَ فيه إلا بطريق العبور والاجتياز. وقال الحنفية: إن آخِرَها أيضًا في حكم الصلاة كأوَّلها، ومعناه: لا تقربوا الصلاة حال كونكم جنبًا إلا أن تكونوا مسافرين. ويَردُ عليه قوله: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ فإِنه يوجب التكرار على هذا التقدير والجواب أنه أعادُهُ لبيان حكمه، لأنه لم يذكره أوّلًا، فهذا استئناف بإِعادة ما استؤنف عنه، وهو نوع من البلاغة. ويَرِدُ على الشافعية أنه يجب عليهم تقدير المضاف، أي: لا تقربوا مواضع الصلاة ليكون المذكور فيها حكم المساجد، وهذا خلافٌ الظاهر، فإِن المتبادَر أنها في حكم الصّلاة دون المسجد، وأيضًا قوله: ﴿عَابِرِى سَبِيلٍ﴾ وإن صلح للعبور والاجتياز لغةً إلا أنَّ المتبادرَ منه عُرفًا المسافر، فيقال للمسافر: إنَّه عابرُ سبيل وابن سبيل. أقول: والذي تبين لي أن الآية سِيقت لبيان أحكام الصلاة، ثم انسحبت على ذكر مواضعها أيضًا، فالحكم في القطعة الأولى للعبادة، وفي الثانية لمواضع العبادة. فإِن شئت سمَّيتَه صنعةَ الاستخدام أو غيرها. وحاصلها عندي: لا تقربوا الصلاة وأنتم سُكَارى، ولا تقربوا

стр. 390

مواضعها جنبًا إلا أن تكونوا مسافرين، فوافقتُ االشافعية في التفسير، والحنفية في المسألة، وكثيرًا ما فعلته في مواضع. أما الجواب عن الحديث فقد مرَّ معنا في باب الاستقبال والاستدبار: أنه يجوز أن يكون من خصائصه ﷺ لِمَا عند الترمذي في مناقب علي ﵁: عن أبي سعيد مرفوعًا: «لا يَحِلُّ لأحدٍ غيري وغيرك أن يُجْنِبَ في المسجد» (بالمعنى) واستغربه الترمذي، وعدَّه ابن الجوزي في الموضوعات. قال الحافظ ﵁: إن الحديث قوي، وأخرج له متابعات، وقد مرض من قبلُ مفصَّلًا فراجعه. فائدة: واعلم أن الروايات إذا اختلفت عن إمامنا في مسألة، فعامة مشايخنا يسلكون فيها مسلك الترجيح، فيأخذون بظاهر الرواية ويتركون نادِرَها، وليس بسديد عندي ولا سيما إذا كانت الرواية النادرة تتأيد بالحديث، فإِني أحمله على تلك الرواية، ولا أعبأ بكونها نادرة، فإِنّ الرواية إذا جاءت عن إمامنا رحمه الله تعالى لا بد أن يكون لها عنده دليل من حديث أو غيره، فإِذا وَجَدتُ حديثًا يوافقها أحمَلُه عليها. نعم، الترجيح إنما يناسب بين الأقوال المختلفة عن المشايخ، فإِن التضاد عند اختلاف القائلين معقول، وربما يكون التوفيق بينهما خلافَ منشئهم، وحينئذ لا سبيل إلا إلى الترجيح، بخلاف ما إذا جاء الاختلاف عن قائل واحد، فإِنّ الأَولى فيها الجمع، فإِن الأصل في كلام متكلمٍ واحد أن لا يكون بين كلاميه تضاد، فينبغي بينهما الجمع أوّلًا، إلا أن يترجح خلافه، والأسف أنهم إذا مروا بأحاديث مختلفة يبتغون الجمع بينها عامة، وإذا مروا بروايات عن الإِمام إذا هم برجِّحون ولا يسلكون سبيل الجمع، فالأحب إليَّ الجمع بين الروايات عن الإِمام مهما أمكن، إلا أن يقوم الدليل على خلافه، فاعلمه ولا تعجل. ٢٧٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ قَالَ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، وَعُدِّلَتِ الصُّفُوفُ قِيَامًا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا قَامَ فِى مُصَلَاّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ جُنُبٌ فَقَالَ لَنَا: «مَكَانَكُمْ». ثُمَّ رَجَعَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْنَا وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ، فَكَبَّرَ فَصَلَّيْنَا مَعَهُ. تَابَعَهُ عَبْدُ الأَعْلَى عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِىِّ. وَرَوَاهُ الأَوْزَاعِىُّ عَنِ الزُّهْرِىِّ. طرفاه ٦٣٩، ٦٤٠ - تحفة ١٥٣٠٩، ١٥٢٧٥، ١٥٢٠٠ ١٨ - باب نَفْضِ الْيَدَيْنِ مِنَ الْغُسْلِ عَنِ الْجَنَابَةِ ٢٧٦ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو حَمْزَةَ قَالَ سَمِعْتُ الأَعْمَشَ عَنْ سَالِمٍ عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَتْ مَيْمُونَةُ وَضَعْتُ لِلنَّبِىِّ ﷺ غُسْلًا، فَسَتَرْتُهُ بِثَوْبٍ، وَصَبَّ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ صَبَّ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَغَسَلَ فَرْجَهُ، فَضَرَبَ بِيَدِهِ الأَرْضَ فَمَسَحَهَا، ثُمَّ غَسَلَهَا فَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ صَبَّ عَلَى رَأْسِهِ،
следующие страницы →