قوله. (قالت بريقهن) وعلم منه أن الريق مطهر فما طعن به المدعون العمل بالحديث على فقهنا مردود بالنصر الصريح وحديث الصحيح.
١٣ - باب الطِّيبِ لِلْمَرْأَةِ عِنْدَ غُسْلِهَا مِنَ الْمَحِيضِ
٣١٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ حَفْصَةَ - قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَوْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ حَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ - قَالَتْ كُنَّا نُنْهَى أَنْ نُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَاّ عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَلَا نَكْتَحِلَ وَلَا نَتَطَيَّبَ وَلَا نَلْبَسَ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إِلَاّ ثَوْبَ عَصْبٍ، وَقَدْ رُخِّصَ لَنَا عِنْدَ الطُّهْرِ إِذَا اغْتَسَلَتْ إِحْدَانَا مِنْ مَحِيضِهَا فِى نُبْذَةٍ مِنْ كُسْتِ أَظْفَارٍ، وَكُنَّا نُنْهَى عَنِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ. قَالَ رَوَاهُ هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ عَنْ حَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . أطرافه ١٢٧٨، ١٢٧٩، ٥٣٤٠، ٥٣٤١، ٥٣٤٢، ٥٣٤٣ تحفة ١٨١١٧، ١٨١٣٤، ١٨١٢٢، ١٨١٣٩
٣١٣ - قوله: (أن تحد على ميت ... ) وهكذا أجاز محمد رحمه الله تعالى الحِدَاد لغير الزوج أيضًا إلى ثلاثة أيام، والإحداد عندنا للمطلَّقة أيضًا، ولم يوافقنا فيه غير إبراهيم النَّخَعِي.
٣١٣ - قوله: (ثوب عَصْبٍ) (١) وقد اختُلف في تفسيره بفقدانه في زماننا، وراجع «معجم البلدان» للحَمَوي الحنفي في ذكر مخاليف اليمن، والمشهور أنه ثوب تُتَّخَذ من (كلاوه)، وأجازه مالك إن لم يكن رفيعًا وثمينًا، ومنعه الحنفية والشافعية كما نقله النووي، ونَسَب إلى أحمد الجواز. وفي «فتح القدير» عن «كافي الحاكم» أن القصب (٢) مكروه، ولا يُدْرَى أنه تصحيفُ عَصْبٍ أو المسألة
стр. 422
فيه؟ ثم لم أزل أتفكَّر في مناط الاستثناء أنه كونه رخيصًا ومحقَّرًا، أو كونه مروّجًا فيهن.
وسياق الحديث يدل على أنه كان محقرًا عندهم، ولذا أُبيح في الإحداد، وما فَسَّر به عامةُ الناس يُشْعِر بكونه ثمينًا، ووجهه أنه لم يتنقَّح عندهم المناط حتى إن ابنَ القيِّم مرَّ عليه ولم يكتب شيئًا شافيًا، والذي يظهر لي أن ثوب العَصْب ثمينًا كان أو رخيصًا، خشنًا كان أو رقيقًا، إنما أُبيح لهنّ في الإحداد لأنه كان هو لباسهن إذ ذاك، فلو مُنِعْنَ عنه أيضًا لضاق الأمر عليهن لقلة الثياب إذ ذلك، فكأنه من باب اختلاف عصر وزمان لا دليل وبرهان. ثم إن عند النسائي: «ولا ثوب عَصْب» بدل الاستثناء في هذا الحديث بعينه، فانعكس المراد، ولا أعلم أيهما أصح. والله تعالى أعلم. ويمكن أن يكون تصحيف «إلا» حرف الاستثناء.
٣١٣ - قوله: (كست) قيل: هو كب ويقال: له القُسْط، يوجد في بلاد الكشمير والصين.
قوله: (أظفار) وفي نسخة: «ظَفَار» قرية في أطراف البحرين، وإن كانت النسخة «الأظفار» فهو نوع طيب كان النساء يجعلنه على هيأة الظفر، وترجمته "نك".
١٤ - باب دَلْكِ الْمَرْأَةِ نَفْسَهَا إِذَا تَطَهَّرَتْ مِنَ الْمَحِيضِ
وَكَيْفَ تَغْتَسِلُ، وَتَأْخُذُ فِرْصَةً مُمَسَّكَةً فَتَتَّبِعُ بِهَا أَثَرَ الدَّمِ
٣١٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مَنْصُورِ ابْنِ صَفِيَّةَ عَنْ أُمِّهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتِ النَّبِىَّ ﷺ عَنْ غُسْلِهَا مِنَ الْمَحِيضِ، فَأَمَرَهَا كَيْفَ تَغْتَسِلُ قَالَ «خُذِى فِرْصَةً مِنْ مِسْكٍ فَتَطَهَّرِى بِهَا». قَالَتْ كَيْفَ أَتَطَهَّرُ قَالَ «تَطَهَّرِى بِهَا». قَالَتْ كَيْفَ قَالَ «سُبْحَانَ اللَّهِ تَطَهَّرِى». فَاجْتَبَذْتُهَا إِلَىَّ فَقُلْتُ تَتَبَّعِى بِهَا أَثَرَ الدَّمِ. طرفاه ٣١٥، ٧٣٥٧ - تحفة ١٧٨٥٩ - ٨٦/ ١
والدَّلك شرط عند مالك كما علمتَ، ولا شك في كونه مطلوبًا عندنا أيضًا.
قوله: (فِرْصَة) "أون كى جتيا".
٣١٤ - قوله: (مُمَسَّكَة) قيل: من المِسْك، وقيل: من المَسْك بمعنى الجِلْد، قرىء مُمْسِكَة من الإمساك، وعلى الأوَّلَين يَرِد اعتراض الاشتقاق. راجعه في مواضعه.
قوله: (فتطهري بها) فإن كان مُمَسَّكَة من المِسْك فوجه الإشكال أن المِسْكَ لا يُتَطَهَّرُ به، بل يُتَطَيَّب به، فلم تفهم معنى التطهر بالمِسك، وإن كان من المَسْك بالفتح، فوجه الإشكال عدم درايتها طريق التطهر، حتى جذبتها عائشة ﵂ وعلَّمتها.
١٥ - باب غُسْلِ الْمَحِيضِ
٣١٥ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ قَالَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ عَنْ أُمِّهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ قَالَتْ لِلنَّبِىِّ ﷺ كَيْفَ أَغْتَسِلُ مِنَ الْمَحِيضِ قَالَ «خُذِى فِرْصَةً مُمَسَّكَةً، فَتَوَضَّئِى ثَلَاثًا». ثُمَّ إِنَّ النَّبِىَّ ﷺ اسْتَحْيَا فَأَعْرَضَ بِوَجْهِهِ أَوْ قَالَ «تَوَضَّئِى بِهَا» فَأَخَذْتُهَا فَجَذَبْتُهَا فَأَخْبَرْتُهَا بِمَا يُرِيدُ النَّبِىُّ ﷺ . طرفاه ٣١٤، ٧٣٥٧ - تحفة ١٧٨٥٩
стр. 423
٣١٥ - قوله: (توضئي) من الوَضَاءة فهو ههنا على اللغة، فالوُضوء أمرٌ شرعي، والطهاة أمرٌ حسي اعتبرها الشارع وضوءًا لأجل الوضاءة.
١٦ - باب امْتِشَاطِ الْمَرْأَةِ عِنْدَ غُسْلِهَا مِنَ الْمَحِيضِ
٣١٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ أَهْلَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِى حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَكُنْتُ مِمَّنْ تَمَتَّعَ، وَلَمْ يَسُقِ الْهَدْىَ، فَزَعَمَتْ أَنَّهَا حَاضَتْ، وَلَمْ تَطْهُرْ حَتَّى دَخَلَتْ لَيْلَةُ عَرَفَةَ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذِهِ لَيْلَةُ عَرَفَةَ، وَإِنَّمَا كُنْتُ تَمَتَّعْتُ بِعُمْرَةٍ. فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «انْقُضِى رَأْسَكِ، وَامْتَشِطِى، وَأَمْسِكِى عَنْ عُمْرَتِكِ». فَفَعَلْتُ، فَلَمَّا قَضَيْتُ الْحَجَّ أَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ لَيْلَةَ الْحَصْبَةِ فَأَعْمَرَنِى مِنَ التَّنْعِيمِ مَكَانَ عُمْرَتِى الَّتِى نَسَكْتُ. أطرافه ٢٩٤، ٣٠٥، ٣١٧، ٣١٩، ٣٢٨، ١٥١٦، ١٥١٨، ١٥٥٦، ١٥٦٠، ١٥٦١، ١٥٦٢، ١٦٣٨، ١٦٥٠، ١٧٠٩، ١٧٢٠، ١٧٣٣، ١٧٥٧، ١٧٦٢، ١٧٧١، ١٧٧٢، ١٧٨٣، ١٧٨٦ - تحفة ١٦٤٠٤
٣١٦ - قوله: (فكُنت ممن تمتع ولم يَسُقِ الهدي) واعلم أنَّ النبيَ ﷺ لمَّا خرج للحج نادى به في الناس، وكانت العمرة في أشهر الحج في زمن الجاهلية من أفجر الفجور، فأهلَّ أكثرهم بالحج، ثم لمَّا أراد النبي ﷺ أن يُعَلِّمهم أن العمرة قد دخلت في الحج إلى يوم القيامة أمرهم برفض إحرام الحج وجعله عمرةً، فمن لم يكن عنده هديٌ رفض الحجَّ وصار متمتعًا بغير سَوْق الهدي، أما من كان عندهم هدي فلم يرفضوا إحرامهم لمكان الهدي، ومن ههنا علمتَ أن لا خلاف بين من قال: لا نرى إلا الحج، وبين من ذكر التمتع.
ثم المسألة عندنا أن المتمتع يجمع بين العمرة والحج، بأن يأتي أفعال العمرة أولًا ثم يأتي بأفعال الحج، فإن كان غيرَ سائقٍ الهديَ يَحِلّ بعد عمرته ويُحْرِم بالحج يوم التروية، وإلا يبقى محرمًا ثم يُحْرِم بالحج يوم التروية. واختُلف في عائشة ﵂ أنها كانت قارنة أو مُفْرِدة؟ فقال الحنفية: إنها كانت أحرمت بالعمرة أولًا كما في الرواية الآتية: «وكنتُ ممن أَهلَّ بعمرة» ثم إذا حاضت ولم تَطْهُر حتى قَرُبَ الوقوف رفضتها وأحرمت بالحج، وصارت مفرِدةً ثم اعتمرت بعد الفراغ عن الحج مكان عمرتها التي كانت رفضتها.
قوله: (امتشطي) من المَشْط يقال: سَرَّح الشعر أي خَلَّص بعضَه عن بعض، ورَجَّلَه أي جعله مستقيمًا حتى لا يبقى فيه الجُعُودة، ويقال امتشطت المرأة شعرها أي مشطتها بالمُشْط وهذا صريح في أنها كانت رفضت عمرتها، وأوَّله الشافعيةُ بأن المراد منه الامتشاط بالرِّفق لئلا تنقض الأشعار، ولا ينافى الإحرام، وهو كما ترى، فكأن النبي ﷺ أمرها بذلك لئلا يناقض مذهب الشافعية رحمهم الله تعالى، بل الامتشاط على ما هو المعروف ولا يخلو عن نقض شعر عادة. على أن النبي ﷺ أمر أبا موسى بنقض إحرامه بمثل هذه الألفاظ كما في الصحيحين.
قوله: (وأمسكي عن عمرتك) هذا أيضًا أقرب إلينا، ومعناه عندنا رفضُ العمرة، وقال الشافعية معناه دعي أفعال العمرة مع إبقاء الإحرام على حاله. قلت: إذا كانت أفعال العمرة عندكم داخلة في الحج للقارن، فلا تكون أفعال العمرة إلا أفعال الحج، فما معنى تركها فإنها لا تطوف إلا
стр. 424
طوافًا واحدًا ولا تسعى إلا سعيًا واحدًا، وتُحسب أفعالُها عنهما جميعًا، وإذن لم يبقَ لقوله: (وامسكي عن عمرتك) مصداق.
قوله: (مكان عمرتي التي نَسَكْتُ) هذا أيضًا يؤيدنا لأنه يُشْعر برفض عمرتها الأولى، ولذا احتاجت أن تعتمر مكانها أخرى، وأوَّله الشافعية أنها لم ترضَ أن تكتفي بالعمرة المتضمنة وألحَّتْ أن تعتمر منفردة أيضًا مكان عمرتها المتضمنة، فتكون لها في هذه السنة عمرتان: عمرتها المتداخلة في حجها، وعمرتها هذه بعد الفراغ عن الحج.
قلت: وما لها أَلَحَّتْ عليه مع أن عمرة النبي ﷺ أيضًا كانت مندمجة في الحج على نظرهم، فإذا كان حالها كحال النبي ﷺ فما الإلحاح وما الاضطراب؟
١٧ - باب نَقْضِ الْمَرْأَةِ شَعَرَهَا عِنْدَ غُسْلِ الْمَحِيضِ
٣١٧ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ خَرَجْنَا مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِى الْحِجَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهْلِلْ، فَإِنِّى لَوْلَا أَنِّى أَهْدَيْتُ لأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ». فَأَهَلَّ بَعْضُهُمْ بِعُمْرَةٍ، وَأَهَلَّ بَعْضُهُمْ بِحَجٍّ، وَكُنْتُ أَنَا مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، فَأَدْرَكَنِى يَوْمُ عَرَفَةَ وَأَنَا حَائِضٌ، فَشَكَوْتُ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ فَقَالَ «دَعِى عُمْرَتَكِ، وَانْقُضِى رَأْسَكِ وَامْتَشِطِى، وَأَهِلِّى بِحَجٍّ». فَفَعَلْتُ حَتَّى إِذَا كَانَ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ أَرْسَلَ مَعِى أَخِى عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِى بَكْرٍ، فَخَرَجْتُ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ مَكَانَ عُمْرَتِى. قَالَ هِشَامٌ وَلَمْ يَكُنْ فِى شَىْءٍ مِنْ ذَلِكَ هَدْىٌ وَلَا صَوْمٌ وَلَا صَدَقَةٌ. أطرافه ٢٩٤، ٣٠٥، ٣١٦، ٣١٩، ٣٢٨، ١٥١٦، ١٥١٨، ١٥٥٦، ١٥٦٠، ١٥٦١، ١٥٦٢، ١٦٣٨، ١٦٥٠، ١٧٠٩، ١٧٢٠، ١٧٣٣، ١٧٥٧، ١٧٦٢، ١٧٧١، ١٧٧٢، ١٧٨٣، ١٧٨٦، ١٧٨٧، ١٧٨٨، ٢٩٥٢، ٢٩٨٤، ٤٣٩٥، ٤٤٠١، ٤٤٠٨، ٥٣٢٩، ٥٥٤٨، ٥٥٥٩، ٦١٥٧، ٧٢٢٩ - تحفة ١٦٨٢٨ - ٨٧/ ١
٣١٧ - قوله: (قال هشام ولم يكن في شيء من ذلك هدي ولا صوم ولا صدقة) وهذا مشكل لأنه لا مناص عن الدم، أما دم القِران أو دم الرفض، على اختلاف النَّظَرَين، على أنَّ في الخارج تصريح بذبح النبي ﷺ بقرةً عن نسائه، فلعله لم يبلغ هشامًا فذهب الناس في توجيهه كلَّ مذهب. وأقول: إن الهدي إنما يقال لما يُهدى إلى البيت، فدلَّ من حاقِّ لفظه أنه اسم لما يكون معه من بيته، فالنفي حينئذ محمول على أنها لم تكن ساقت الهدي معها كما كان النبي ﷺ ساقها، فالمنفي هو كون الهدي معها لا الذبح عنها. ثم إن المتبادَر أنه من دماء الحج، فلا يُحْمَل على الأضحية، وإنما عَبَّر عنه بالتضحية لكونه في زمان الأضحية. وراجع الهامش والله تعالى أعلم.
١٨ - باب ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج: ٥]
٣١٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى بَكْرٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «إِنَّ اللَّهَ وَكَّلَ بِالرَّحِمِ مَلَكًا يَقُولُ يَا رَبِّ نُطْفَةٌ، يَا رَبِّ عَلَقَةٌ، يَا رَبِّ مُضْغَةٌ. فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْضِىَ خَلْقَهُ قَالَ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى شَقِىٌّ أَمْ سَعِيدٌ فَمَا الرِّزْقُ وَالأَجَلُ فَيُكْتَبُ فِى بَطْنِ أُمِّهِ». طرفاه ٣٣٣٣، ٦٥٩٥ - تحفة ١٠٨٠
стр. 425
١٩ - باب كَيْفَ تُهِلُّ الْحَائِضُ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ
٣١٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ خَرَجْنَا مَعَ النَّبِىِّ ﷺ فِى حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ، فَقَدِمْنَا مَكَّةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَلَمْ يُهْدِ فَلْيُحْلِلْ، وَمَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَأَهْدَى فَلَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ بِنَحْرِ هَدْيِهِ، وَمَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ فَلْيُتِمَّ حَجَّهُ». قَالَتْ فَحِضْتُ فَلَمْ أَزَلْ حَائِضًا حَتَّى كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَلَمْ أُهْلِلْ إِلَاّ بِعُمْرَةٍ، فَأَمَرَنِى النَّبِىُّ ﷺ أَنْ أَنْقُضَ رَأْسِى وَأَمْتَشِطَ، وَأُهِلَّ بِحَجٍّ، وَأَتْرُكَ الْعُمْرَةَ، فَفَعَلْتُ ذَلِكَ حَتَّى قَضَيْتُ حَجِّى، فَبَعَثَ مَعِى عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِى بَكْرٍ، وَأَمَرَنِى أَنْ أَعْتَمِرَ مَكَانَ عُمْرَتِى مِنَ التَّنْعِيمِ. أطرافه ٢٩٤، ٣٠٥، ٣١٦، ٣١٧، ٣٢٨، ١٥١٦، ١٥١٨، ١٥٥٦، ١٥٦٠، ١٥٦١، ١٥٦٢، ١٦٣٨، ١٦٥٠، ١٧٠٩، ١٧٢٠، ١٧٣٣، ١٧٥٧، ١٧٦٢، ١٧٧١، ١٧٧٢، ١٧٨٣، ١٧٨٦، ١٧٨٧، ١٧٨٨، ٢٩٥٢، ٢٩٨٤، ٤٣٩٥، ٤٤٠١، ٤٤٠٨، ٥٣٢٩، ٥٥٤٨، ٥٥٥٩، ٦١٥٧، ٧٢٢٩ - تحفة ١٦٥٤٣
وتناسبه الترجمة الماضية باب من سمى النِّفَاس حيضًا، وقد مرَّ أنَّه لا يريد منها بيان اللغة بل بيان الحُكم، أي الحيض والنفاس اسمان لدم واحدٍ، فما خرج من الحَائِل في أيامه يقال له: الحيض، وما خرج من الحامل بعد الولادة يقال له: النِّفَاس. وراجع الحاشية لابن بَطَّال - وهو مالكي المذهب وشارح متقدم للبخاري - ومن أهم فوائده أنه إذا ذكر مذهبًا ذكر معه أسماء جملةِ من ذهب إليه من الصحابة والتابعين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.
قوله: (مُخَلَّقة) يعني أن الله تعالى إذا أراد أن تَلِدَها سليمةً يجعل دمَ الحيض غذاءه فتلدها مخلَّقة وإن أراد أن يكون غير مخلقة لا يجعله غذاءً لها، وتصير سِقْطًا، فتلدها خَديجًا غير تامة. قيل: إن تلك الأطوار على خلاف ما في الطِّب. قلت: كلا بل هي في الطب كذلك كما ذكره الأنطاكي في «تذكرته». واعلم أن للتقدير أنواعًا، فمنها تقدير أزلي، ومنها مُحْدَث، ومنها ما كُتِب قبل خلق العالَم بخمسين ألف سنة، ومنه ما يكون في ليلة البراءة، ومنه هذا الذي في رَحِم أُمّه. فاعلمه.
يعني أنه يجوز لها الإحرام لأنها غير ممنوعة عنه، والحيض ليس من محظوراته.
٣١٩ - قوله: (منّا من أَهَلَّ بعمرة) يعني في الحالة الراهنة، وإن أَهَلَّ بالحج يوم التروية، لا أنه أَهَلَّ بها فقط ولم يحجَّ في تلك السنة مع بلوغه بمكة.
٢٠ - باب إِقْبَالِ الْمَحِيضِ وَإِدْبَارِهِ
وَكُنَّ نِسَاءٌ يَبْعَثْنَ إِلَى عَائِشَةَ بِالدُّرْجَةِ فِيهَا الْكُرْسُفُ فِيهِ الصُّفْرَةُ فَتَقُولُ لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ. تُرِيدُ بِذَلِكَ الطُّهْرَ مِنَ الْحَيْضَةِ. وَبَلَغَ ابْنَةَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ نِسَاءً يَدْعُونَ بِالْمَصَابِيحِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ يَنْظُرْنَ إِلَى الطُّهْرِ فَقَالَتْ مَا كَانَ النِّسَاءُ يَصْنَعْنَ هَذَا. وَعَابَتْ عَلَيْهِنَّ.
٣٢٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ
стр. 426
عَائِشَةَ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِى حُبَيْشٍ كَانَتْ تُسْتَحَاضُ فَسَأَلَتِ النَّبِىَّ ﷺ فَقَالَ «ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِى الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْتَسِلِى وَصَلِّى». أطرافه ٢٢٨، ٣٠٦، ٣٢٥، ٣٣١ - تحفة ١٦٩ ٢٩
٢١ - باب لَا تَقْضِى الْحَائِضُ الصَّلَاةَ
وَقَالَ جَابِرٌ وَأَبُو سَعِيدٍ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ "تَدَعُ الصَّلَاةَ". ٨٨/ ١
٣٢١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ قَالَ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قَالَ حَدَّثَتْنِى مُعَاذَةُ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لِعَائِشَةَ أَتَجْزِى إِحْدَانَا صَلَاتَهَا إِذَا طَهُرَتْ فَقَالَتْ أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ كُنَّا نَحِيضُ مَعَ النَّبِىِّ ﷺ فَلَا يَأْمُرُنَا بِهِ. أَوْ قَالَتْ فَلَا نَفْعَلُهُ. تحفة ١٧٩٦٤
ولم يُفْصِح بعبرة التمييز بالألوان، بل أخرج أثرًا عن عائشة ﵂ يدل على هدره.
قوله: (بالدُّرْجَة) (دبيه)
قوله: (القصة البيضاء) (قلعى جونه)
قوله: (وعابت عليهن) قيل: إنَّ النظرَ في جوف الليل مطلوب في نفسه، لأنه إن انقطع دمها تصلي العشاء وإلا لا، فَلِمَ عابت عليهن؟ وأجاب عنه السَّرَخْسِي رحمه الله تعالى بأنه لم يكن يحتاج له إلى السُّرُج والمصابيح، وكان يكفي لها الإحساس بالبلل.
قلت: وهذا ليس بوجيه، لأنه لا يتبين منه أنها رطوبة الفرج أو دم الحيض، فلا بد من السِّراج، وقد كان جوابه تبين لي ثم رأيته في كلام الشَّاطِبي الشافعي مصرحًا. فالوجه أن العيب على تعمقهن أزيد من الحاجة بما لم يُؤْمَرْنَ به، فإنَّ الشرع لم يُضَيِّق عليهن بهذه المثابة، وإنما الأمر أن يكتفين ببِلَّة الكُرْسُف إذا كانت عادتهن معلومة، كما في الفقه أنها إذا وضعت كُرْسُفًا ثم لم تَرَ عليه أثرًا في الصبح تصلي العشاء، ولا إثم عليها، وإن رأته ملوثًا تَعُدُّ نفسها حائضةً.
ومما ينبغي أن ينبَّه عليه في هذا المقام أنه يلزم من كتب الفقه والحديث أنها تُعِيد العشاء إذا علمت أنها طَهُرَتْ في الليل، ولا تكون آثمةً بتركها في الوقت، وذلك لعدم التبين في الوقت وعدم تكليف الشارع إياها بالتعمق. وراجع «القنية» لمسائل الحيض والمعذور. والحاصل: أنَّ الشرعَ إذا لم يأمرها بالمراقبة في كلُّ أوان، وأمرها بأدائها عند ظهور الطهور مع عدم التأثيم على قضائها في الوقت، فعابت عليهن على تعمقهن بما لم يكلفهن الله.
٢٢ - باب النَّوْمِ مَعَ الْحَائِضِ وَهْىَ فِى ثِيَابِهَا
٣٢٢ - حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أَبِى سَلَمَةَ حَدَّثَتْهُ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ حِضْتُ وَأَنَا مَعَ النَّبِىِّ ﷺ فِى الْخَمِيلَةِ، فَانْسَلَلْتُ فَخَرَجْتُ مِنْهَا، فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِى فَلَبِسْتُهَا، فَقَالَ لِى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَنُفِسْتِ». قُلْتُ نَعَمْ، فَدَعَانِى فَأَدْخَلَنِى مَعَهُ فِى الْخَمِيلَةِ. قَالَتْ وَحَدَّثَتْنِى أَنَّ
стр. 427
النَّبِىَّ ﷺ كَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ، وَكُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِىُّ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ مِنَ الْجَنَابَةِ. أطرافه ٢٩٨، ٣٢٣، ١٩٢٩ - تحفة ١٨٢٧٠، ١٨٢٧١، ١٨٢٧٢
وظاهر القرآن أنَّه لا يقربها أصلًا، وقد مرَّ معنا أنه كيف المشي على اللفظ عند وضوح الغرض، ولا سيما عند ظهور المناسبة، وأنه ينبغي أن يُبحث عنه بشكل المقدمة، فإنه يدور النظر فيه كثيرًا كما ترى ههنا، لأنَّ ظاهرَ لفظِ القرآن الاعتزال وعدم القُربان. والغرض الاعتزال عما تحت الإزار مع بقاء الاستمتاع بما فوقه، كما يدلّ عليه قوله ﷺ «لك ما فوقَ الإزار» على نظر الحنفية، مع أنه قد ظهر أثر لفظ الاعتزال، وتأيَّد بقول: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ﴾ (البقرة: ٢٢٢) فهل يُعتمد في مثل هذه المواضع على نظم القرآن، أو يعمل بالغرض المستفاد من الحديث؟
٢٣ - باب مَنِ أَخَذَ ثِيَابَ الْحَيْضِ سِوَى ثِيَابِ الطُّهْرِ
٣٢٣ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ بَيْنَا أَنَا مَعَ النَّبِىِّ ﷺ مُضْطَجِعَةً فِى خَمِيلَةٍ حِضْتُ، فَانْسَلَلْتُ فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِى فَقَالَ «أَنُفِسْتِ». فَقُلْتُ نَعَمْ. فَدَعَانِى فَاضْطَجَعْتُ مَعَهُ فِى الْخَمِيلَةِ. أطرافه ٢٩٨، ٣٢٢، ١٩٢٩ - تحفة ١٨٢٧٠
صَدَعَ بأن تعدد الثياب لهذا المعنى ليس من الإسراف في شيء، كما مر عليه التنبيه من قبل.
٢٤ - باب شُهُودِ الْحَائِضِ الْعِيدَيْنِ، وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ، وَيَعْتَزِلْنَ الْمُصَلَّى
وكذلك يَحْضُرْنَ عندنا أيضًا، كما في «الهداية». وفي «العيني» هكذا عن سِراج الدين البُلْقيني الشافعي، وهو تلميذ مُغَلْطَاي الحنفي. وأما الآن فالفتوى أن لا تخرج الشوابُّ لا في الجمعة، ولا في الجماعات، وهكذا ينبغي، لظهور الفساد في البَرَّ والبحر وقِلّة الحياء، والتواني في أمور الدين. أما على أصل المذهب فيصح للحُيَّضِ أن يَحْضُرْنَ دعوة المسلمين كما يَحْضُرْنَ في عَرَفَة، ويعتزلن المُصلَّى. والمراد بالدعوة: الكلمات الدُّعَائية التي في خلال الخُطبة، لأنه لم يثبت عن النبي ﷺ دُبُرَ صلاة العيدين دعاءٌ ولو مرةً، كما مر آنفًا.
ثم إنَّ كثيرًا من الألفاظ قد شاعت في غير معانيها اللغوية حتى لا تكاد تُدرك معانيها الأصلية، ولا تنتقل إليها الأذهان أصلًا، كالدعاء فإنه شاع الآن في الدعاء بالصورة المعهودة، وليس له في اللغة أصل، وإنما وُضع له لفظ السؤال. والدعاء في اللغة: بكارنا ﴿ادْعُواْ رَبَّكُمْ﴾ [الأعراف: ٥٥] ﴿وَمَا دُعَآء الْكَافِرِينَ﴾ [الرعد: ١٤] إلخ، فاعلمه.
ثم إنَّ المُصَلَّى في الزمان القديم لم يكن له أحكام المساجد، أما الآن فينبغي أن يكون في حُكم المسجد، لإحاطته بالجدران، وبنائه على هيئة المساجد، فينبغي أن لا يَدْخُلْنَه.
стр. 428
٣٢٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ - هُوَ ابْنُ سَلَامٍ - قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ حَفْصَةَ قَالَتْ كُنَّا نَمْنَعُ عَوَاتِقَنَا أَنْ يَخْرُجْنَ فِى الْعِيدَيْنِ، فَقَدِمَتِ امْرَأَةٌ فَنَزَلَتْ قَصْرَ بَنِى خَلَفٍ، فَحَدَّثَتْ عَنْ أُخْتِهَا، وَكَانَ زَوْجُ أُخْتِهَا غَزَا مَعَ النَّبِىِّ ﷺ ثِنْتَىْ عَشَرَةَ، وَكَانَتْ أُخْتِى مَعَهُ فِى سِتٍّ. قَالَتْ كُنَّا نُدَاوِى الْكَلْمَى، وَنَقُومُ عَلَى الْمَرْضَى، فَسَأَلَتْ أُخْتِى النَّبِىَّ ﷺ أَعَلَى إِحْدَانَا بَأْسٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا جِلْبَابٌ أَنْ لَا تَخْرُجَ قَالَ «لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا، وَلْتَشْهَدِ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ». فَلَمَّا قَدِمَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ سَأَلْتُهَا أَسَمِعْتِ النَّبِىَّ ﷺ قَالَتْ بِأَبِى نَعَمْ - وَكَانَتْ لَا تَذْكُرُهُ إِلَاّ قَالَتْ بِأَبِى - سَمِعْتُهُ يَقُولُ «يَخْرُجُ الْعَوَاتِقُ وَذَوَاتُ الْخُدُورِ، أَوِ الْعَوَاتِقُ ذَوَاتُ الْخُدُورِ وَالْحُيَّضُ، وَلْيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُؤْمِنِينَ، وَيَعْتَزِلُ الْحُيَّضُ الْمُصَلَّى». قَالَتْ حَفْصَةُ فَقُلْتُ الْحُيَّضُ فَقَالَتْ أَلَيْسَ تَشْهَدُ عَرَفَةَ وَكَذَا وَكَذَا أطرافه ٣٥١، ٩٧١، ٩٧٤، ٩٨٠، ٩٨١، ١٦٥٢ - تحفة ١٨١١٨، ١٨٣٨٩ أ - ٨٩/ ١
٣٢٤ - قوله: (محمد بن سلام): وهو البِيكَنْدي رفيق أبي حفص الكبير، ويقال لابنه: أبو حفص الصغير، كانت بينه وبين البخاري مودَّة، وأقام البخاري عنده حين أُجلي عن وطنه، وكان يُرسل إليه الهدايا أيضًا، ومع ذلك لم يزل خلافُ البخاري مع الحنفية كما كان.
قوله: (نَدَاوي الكَلْمى)، وهكذا مصرَّح في سيرة محمد بن إسحاق أيضًا.
قوله: (لتلبسها) ... إلخ عُلِم منه أن الجِلْبَاب مطلوب عند الخروج، وأنها لا تخرج إن لم يكن لها جِلْبَاب. والجِلْباب: رداء ساتر من القَرْن إلى القدم. وقد مَرَّ معنا أن الخُمُرَ في البيوت والجلابيب عند الخروج، وبه شرحتُ الآيتين في الحجاب: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] والثانية: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩].
قوله: (العَواتِق) أي مَن قاربْنَ البلوغ. والأصل أنهن بناتٌ مُعْتَقَةٌ عن خدمة والديهِنَّ، ولعلّه كان في عُرفهم أنهم لم يكونوا يستخدمونهن.
قوله: (الحُيَّض) يعني أنهن إذا كُن حُيَّضًا فما يفعلن بحُضورهن المُصَلى؟ فقال العلماء: لإِراءة شوكة المسلمين.
٢٥ - باب إِذَا حَاضَتْ فِى شَهْرٍ ثَلَاثَ حِيَضٍ وَمَا يُصَدَّقُ النِّسَاءُ فِى الْحَيْضِ وَالْحَمْلِ وفِيمَا يُمْكِنُ مِنَ الْحَيْضِ
لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وَيُذْكَرُ عَنْ عَلِىٍّ وَشُرَيْحٍ إِنِ امْرَأَةٌ جَاءَتْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ بِطَانَةِ أَهْلِهَا مِمَّنْ يُرْضَى دِينُهُ، أَنَّهَا حَاضَتْ ثَلَاثًا فِى شَهْرٍ. صُدِّقَتْ. وَقَالَ عَطَاءٌ أَقْرَاؤُهَا مَا كَانَتْ، وَبِهِ قَالَ إِبْرَاهِيمُ. وَقَالَ عَطَاءٌ الْحَيْضُ يَوْمٌ إِلَى خَمْسَ عَشْرَةَ. وَقَالَ مُعْتَمِرٌ عَنْ أَبِيهِ سَأَلْتُ ابْنَ سِيرِينَ عَنِ الْمَرْأَةِ تَرَى الدَّمَ بَعْدَ قَرْئِهَا بِخَمْسَةِ أَيَّامٍ قَالَ النِّسَاءُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ.
стр. 429
٣٢٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِى رَجَاءٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ قَالَ أَخْبَرَنِى أَبِى عَنْ عَائِشَةَ. أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِى حُبَيْشٍ سَأَلَتِ النَّبِىَّ ﷺ قَالَتْ إِنِّى أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ فَقَالَ «لَا، إِنَّ ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَكِنْ دَعِى الصَّلَاةَ قَدْرَ الأَيَّامِ الَّتِى كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِى وَصَلِّى». أطرافه ٢٢٨، ٣٠٦، ٣٢٠، ٣٣١ - تحفة ١٦٨٢٦
وهذه الترجمة لا تستقيم على مذهب أحد، إلا على مذهب مَن اختار عدم التوقيت في الحيض، كمالك رحمه الله تعالى. أما الشافعية ﵏ فأقلُّ الحيض عندهم يوم وليلة، والطُّهر أقلُّه خمسةَ عشرَ يومًا إجماعًا. والعِدَّة عندهم بالأَطهار، فيحتاج إلى خمسةٍ وأربعين يومًا للأَطهار، ويومين للحيضتين، فلا تمضي عدتُها إلا في سبع وأربعين يومًا عندهم. نعم لو فرضنا أنه طلقها في آخر الطُّهْر، فيجب عليها أن تتربص طُهرين آخرَين، وثلاث حِيَض، فلا تمضي عِدَّتُها إلا بثلاثٍ وثلاثين يومًا.
وأما الحنفية فأقلُّه عندهم ثلاثةُ أيام، فلا تمضي عِدّتُها إلا بتسعةٍ وثلاثين يومًا: تسعة أيام لحيَضها، وشهر لطُهرها.
فالحاصل: أن فَتوى عليَ وشُرَيح ﵄ لا تستقيم على المذهبين، وَلْيُمْعِنِ النظرَ فيه كلُّ مَن كانت له عينان، لأنه مؤثر في مسألة أقلّ الحيض وأكثره جدًا. وجمع الحافظ رحمه الله تعالى طُرُقه، وأخرج لمذهبه مخرَجًا، فأتى بروايةٍ من الدارِمي وفيها: «خمسًا وثلاثين» يومًا بدل الشهر، وادَّعى أنَّ الراوي حذف الكسر فاستراح منه. قلت: وإذا تُسومح في حَذْف الخمس فليكن هَيّنًا لَيِّنًا في حقّ الأربعة أيضًا، وليقل: إن الراوي حذف تسعة أيام ولا عجب.
ثم السَّرَخْسي أجاب عنه بوجه آخر، وقال: إنَّه مِن باب التعليق بالمُحال، لأن حرف «إن» يستعمل في المحالات أيضًا، وحينئذ حاصله أنها تُصَدَّقُ إن جاءت ببينة مِن بِطانة أهلها، ولكنه مُحال، لأن القضاة كانوا يعلمون أن مُضي العدة في تلك المدة غير ممكن. وإذا كان الزمانُ زمانَ التدين فلا يشهد لها أحدٌ من بطانة أهلها، فلا يمكن أن تُصَدَّق في هذه المدة وهو كما ترى، على أن في الفقه أنها لا تُصَدَّق عند الخصومة إلا بالشهرين، كذا في «الدر المختار» من باب الرجعة. واختلفوا في تخريجه، فقيل: شهر للحِيَض الثلاث على أن أكثره عشرة، وشهر للطُّهرين. وقيل: بل يُؤخذ للحِيَض الوسط، لا أقلَّ ولا أكثر، وهو خمسة أيام، فيكون نصف الشهر للحيض، والباقي للطهر.
ووجهه: أنَّ المرأةَ إذا ادعت بانقضاء عدتها وأنكره الزوج، وجب رعاية الطرفين، فلم نأخذ بالأقل وأخذنا بالمتيقَّن. ولأن العدة يدخل فيها القضاء، ولا سيما عند الخصومة، وتتعلق بها الأحكام، فإنها تَنْكِح بعدَها زوجًا آخر، وربما يُحتمل أن تكون كَذَبَتْ في أخذ طَمْثها بالأقل، وتكرار الطَّمْث في شهر أيضًا نادر، فلا يحمل القاضي عليه، فلا بد أن لا تُصَدَّق بأقل من شهرين لتنقضيَ عدتها بيقين. وهكذا فعله المالكية رحمهم الله تعالى بعينه، فإن الحيض وإن أمكن عندهم ساعةً لكنهم قدَّرُوه في باب العدة احتياطًا، فما دامت المعاملة كانت في بيتها وما كان أمكن أحكام الصلاة والصيام فَوَّضوه إلى رأيها، وإذا تعلق بها حقُّ العبادة عينوه، لعين ما قلنا.
стр. 430
وأتصرف فيه من قِبل نفسي - وإن لم يكتبه أحدٌ - وأقول: إنه إن لم تقع الخصومة بينها وبين الزوج، وادعت المرأة بانقضاء عدتها في تسعة وثلاثين يومًا تُصدَّقُ ديانةً.
وما في المتون فهو مسألة القضاء عندي قطعًا، فإنهم إذا عينوا الأقل والأكثر من الحيض والطهر في بابيهما، وجعلوه كلية، فمن هدمه في هذا الباب، فإن لم نعتبره في باب العدة تناقضت المسألتان، لأن تحديد الأقل والأكثر يستلزم تصديقها بانقضاء عدتها إذا احتملت المدة، وعدم تصديقها إلا بالشهرين يستلزم هدر هدر هذا التحديد، ولهذا جزمتُ بأن ما في الكتب مسألةُ القضاء دون الدِّيانة.
والحاصل: أنَّ عدمَ تصديقها إلا بالشهرين ليس بناء على عدم الحيض بالثلاث، أو على هدر التحديد المذكور، بل بناؤه على عدم التصديق عند النزاع رعايةً للجانبين. وإن أمكن مضيُّ عدتها بأخذ تسعة أيام للحيض بناءً على أنَّ أقلَّه ثلاثةٌ وشهر للطُّهْرَين، وحينئذ محطُّ الشهر في فتوى شُريح ليس نفيَ الكسر بل نفي الشهرين، فجاز أن يكون الكسر خمسةً كما قال الحافظ رحمه الله تعالى روايةً، أو تسعةً كما قلنا ولا يذهب عليك أن هذا تصرف في التعبير والتقرير فقط، لا تغيير في المسألة. وكم من مواضع سلكتُ فيها هذا المسلك.
قوله: (وما يُصَدَّقُ النِّساءُ) ... إلخ يعني أنه يصدّق بقولهن في باب الحمل والحيض فيما يمكن انقضاء الحيض في تلك المدة، ولذا قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِى أَرْحَامِهِنَّ﴾ (البقرة: ٢٢٨) فنهى عن الكتمان، ولو لم يكن قولُهن معتبرًا لما كان في نهيهن معنى، فإذا نُهين عن الكتمان وجب للقوم أن يعتبروا بقولهن، إلا أن يَقُلن بما يخالف البداهة من انقضاء العدة فيما لم يحتمل انقضاءها فيه، فاستدل به المصنِّف رحمه الله تعالى على عبرة قول المطلَّقة إن ادَّعت بانقضاء عدتها في شهر.
قوله: (ويُذْكَر عن عليِّ وشُرَيح ﵄ ... إلخ وشُرَيح هذا كان قاضيًا منذ نصَّبه عمر ﵁. فمرّ على عليّ ﵁ يومًا، فأمرَهُ أن يحكم في تلك القضية. قال شُرَيح: أَبين يدي الأمير أَحْكُم؟ قال: نعم. ثم حَكَم شُرَيح بما في الكتاب. وفي «الفتح»: أن عليًا صوّبه، وقال: قالون: وهو في لسان الروم بمعنى أحسنت.
قوله: (بِطَانَة أَهْلِها) يعني خواصَّ أهلها (ابنى خاص كنبه مين سى)، وقد سمعت أنَّ هذا الأثر مخالفٌ للشافعية والحنفية، وأقرب بِمَنْ لم يَرَ التوقيت في أمر الحيض. وأجاب عنه الحافظ رحمه الله تعالى بما في الدارمي بزيادة الكسر، وأجبتُ عنه بِحَمْله على الدِّيانة، فلم يخالف ما في المتون من أنها لا تُصَدَّق إلا بالشهرين، فإنه في حقّ القضاء. أما حذف الخمسة أو التسعة فالأمر فيه سهل (١)، وإنما ينازع فيه مَنْ يتعصب لمذهب الحنفية، ولا يتحمل أن
стр. 431
يصيبهم خير من ربهم، على أن محط الشهر نفي الشهرين كما مرّ.
وحاصله: أنَّ شُرَيحًا حكم بالدِّيانة دون القضاء، وحينئذ المقصود أنه لم يحكم بالشهرين الذين كانا بحُكْم القضاء، ولذا حَذَفَ الكسر ولم يتعرض له. بقي أن شُرَيحًا كان قاضيًا، والظاهر من أمره أن يكون حُكمه بحُكْم القضاء.
قلت: ولا يجب على القاضي أن يحكم بحكم القضاء دائمًا، بل له أن يحكم بحكم الديانة إذا تراضى الخصمان. نعم لا يكون حُكْمه بالديانة حجةً ملزِمة وفاصلًا، فلو رضي به الخصمان جاز له أن يحكم بالديانة، كما في «الدر المختار»: ويُفتي القاضي ولو في مجلس القضاء، وهو الصحيح ... إلخ.
وفي «الطحاوي» في باب الصدقات الموقوفات: عن أبي يوسف، عن عطاء بن السائب قال: سألت شُرَيحًا عن رجل جعل داره حَبْسًا على الآخر، فالآخر من ولده؟ فقال: إنما أقضي ولست أُفتي. قال: فناشدته، فقال: لا حبس على فرائض الله ... إلخ. فهذا شُريح القاضي أنكر أولًا أن يُفتيَ بحكم الديانة، ثم إذا ناشده أفتى بها، فهذا دليل على أن للقاضي أن يحكم بالديانة أيضًا.
قوله: (وقال عَطَاءُ) أقْرَاؤها ما كانت. وهو قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى القديم، كما في «النهاية». وأما الجديد فهو مشهور ويُعْلَم منه: أن الأقراء بمعنى الحيض، كما قال به الإمام.
قوله: (وقال مُعْتَمِرٌ) ... إلخ. ولا يَنْحلُّ مرادُ ابن سيرين إلا بعد مراجعة أبي داود مُفَصَّلًا. قال أبو داود: وروى يونس عن الحسن: الحائضُ إذا مدَّ بها الدم - يعني استمر بها وزاد على عادتها - تُمْسِك بعد حيضتها يومًا أو يومين - يعني عن الصلاة والصيام فهي عنده إلى يومين حائضة - فهي - أي بعد يومين - مُستَحاضةٌ. وقال التيميُّ: عن قَتَادة: إذا زاد على أيام حيضها خمسةُ أيام فلتُصَلِّي. قال التيمي: فجعلت أَنْقُصُ حتى بلغتُ يومين، فقال: إذا كان يومين فهو من حيضها. وسُئل ابن سيرين عنه، فقال: النساءُ أعلم بذلك. انتهى. يعني أن ابن سيرين لم يُجِبْ فيما زاد على أيامها خمسة أيام، بخلاف ما نقله التيمي عن قَتادة، فإنه جعلها استحاضةً، واليومين حيضًا.
وهذه المسألة تُسمَّى بالاستظهار عند المالكية: وهي أنها تنتظر بعد أيامها إلى ثلاثة أيام، فإن ظهر الدم فيها فإنه يُعَدُّ من حيضها ويُلحق بما قَبْله، وإلا فيكون استحاضةً. وعندنا إنْ ظهر الدم في العشرة يُعَدُّ المجموع حيضًا، وإن تجاوز عنها رُدّت إلى عادتها. فالعبرة عندنا بظهوره في أيامه أو بعدها، والعبرة عند مالك رحمه الله تعالى بظهوره في ثلاثة أيام، أو بعدها. وقد مرّ معنا أن التمييز بين دم الحيض والاستحاضة مُشْكِل جدًا، فإنهما دمان مشتبهان، ولذا اختُلِف في إفراز الحيض من الاستحاضة، وإنما عَيَّن مَنْ عَيَّن تقريبًا وتسهيلًا لإجراء الأحكام. ثم إنَّ هذا كلّه فيما تجاوز الدم على أيامها، فإن تصرَّم عليها فجوابه كما في الفقه.
стр. 432
تنبيه
وبعض الناس لمّا لم يَدْرِ مسألة الاستظهار عند المالكية كتبوه بالطاء، وهو غلط.
ولعلك علمت من هذه المسائل أنها لو ترقَّبت ولم تُصلِّ، ثم بدا لها أنها كانت طاهرةً ولم تكن حائضة، أنها غيرُ آثمة بِتَرْك صلاتها في تلك المدة، وأن القرآن إنما بَنَى على رأيهن فقال: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢] إلخ لأن رأيهن معتَبر في هذا الباب (١).
تنبيه
واعلم أنه قد سها العيني رحمه الله تعالى في شرح قول صاحب «الكنز»: «ولا حَدَّ لأكثره إلا عند نصب العادة في زمن الاستمرار». والصحيح كما في «البدائع» و «خُلاصة الفتاوى»، ولعل السهو فيه من المتأخرين، ولا أدري وجه ما اختاروه.
٣٢٥ - قوله: (ولكن دَعِي الصلاةَ قَدْرَ الأيام). وقد مرّ في هذه الرواية لفظ الإقبال والإدبار من قَبْل، فدل على أن الرواة لا يعتنون بهذه التعبيرات وإنما هو تفنن منهم، فتارةً كذا، وتارة كذا، وإنما اعتنى بها بعض المحدثين حتى بَنَوا عليها تغليط الرواة، كما مرّ مُفَصَّلًا.
٢٦ - باب الصُّفْرَةِ وَالْكُدْرَةِ فِى غَيْرِ أَيَّامِ الْحَيْضِ
٣٢٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ كُنَّا لَا نَعُدُّ الْكُدْرَةَ وَالصُّفْرَةَ شَيْئًا. تحفة ١٨٠٩٦
هدر البخاري مسألة التمييز بالألوان إلا أنه قيدها بغير أيام الحيض، ومفهومه اعتبارُها في أيام الحيض، ثم أخرج عن أم عَطية أنها قالت: «كنا لا نَعُدُّ الكُدرةَ والصُّفرةً شيئًا». قال الحنفية: معناه أنه لم تكن عندنا مسألة التمييز بالألوان، فكنّا نعدها كلها حيضًا. وقال الشافعية: معناه إن كنا نعد التمييز بالألوان، فنعد الحُمرة والسواد حيضًا، ولا نعد الكُدرة والصُّفرة شيئًا لكونها استحاضةً. والشرح الثالث للبخاري.
وحاصله: أنا كنا نُلغي الألوان في غير أيام الحيض، ومفهومه أنه كنا نعتبرها في أيام الحيض، ففصل بين رؤية الألوان في أيام الحيض وبين رؤيتها في الخارج، وهذا التفصيل من جانبه. وكأن البخاري ذهب إلى التمييز بالألوان من وجهٍ، وهَدَرَه من وجهٍ (٢). وبالجملة لكلامه
стр. 433
ثلاثة شروح: الأول: أنا لم نكن نعتبر الألوان في مدة الحيض وتُعْتَدّ كلها من الحيض. نعم كنا نعتدّ بها إذا رأيناها من غير أيام الحيض، وحينئذ وَافَقَنَا المصنِّف رحمه الله تعالى في مسألة التمييز بالألوان وهدرها. والثاني: إنا لم نكن نَعُدّ الألوان شيئًا من غير أيام الحيض، أما إذا كانت في أيام الحيض فكنا نعتبر بها، وهذا موافق للشافعية. والثالث: عدم عبرتها مطلقًا.
٢٧ - باب عِرْقِ الاِسْتِحَاضَةِ
٣٢٧ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ حَدَّثَنَا مَعْنٌ قَالَ حَدَّثَنِى ابْنُ أَبِى ذِئْبٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ وَعَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ ﷺ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ اسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِنِينَ، فَسَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ فَقَالَ «هَذَا عِرْقٌ». فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ. تحفة ١٦٦١٩، ١٧٩٢٢ - ٩٠/ ١
يعني أنه ليس من دم الرَّحِم بل من العِرْق، واسمه العاذِل. قلت: وإن كانت الاستحاضة دم عِرْق والحيض دم رَحِم، إلا أنه مع ذلك بينهما ارتباط يوجِب الارتباط في الأحكام أيضًا.
٣٢٧ - قوله: (فكانَتْ تَغْتَسِل) ... إلخ. وعند أبي داود: الغُسْل لكل صلاةٍ مرفوعًا أيضًا. وصححه الحافظ رحمه الله تعالى. وعدَّه الشوكاني من التكليف بما لا يُطاق. وحَمَله الطحاوي على العلاج، أي لإزالة التلطخ بالدم في الحالة الراهنة، فهو لتقليل العُذْر لا للعلاج الطبي، والجمع فيه عندنا فعليّ فإن قلتَ: إن طهارة المعذور تُنْتَقَضُ عندكم بخروج الوقت، أو بدخوله فلا يصح الجمع فعلًا أيضًا. قلت: وفيه عند أبي داود: «وتتوضأ فيما بين ذلك». قالوا: فهو لهذا المعنى. والتحقيق عندي يجيء في باب المواقيت، لأن هذا الوضوء عندي للحوائج الأخرى تعرِض له في تلك المدة، لا لأن الطهارة بطلت بخروج الوقت، أو بدخولها على اختلاف القولين، وإن كان اللفظ صالحًا له.
٢٨ - باب الْمَرْأَةِ تَحِيضُ بَعْدَ الإِفَاضَةِ
٣٢٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَىٍّ قَدْ حَاضَتْ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَعَلَّهَا تَحْبِسُنَا، أَلَمْ تَكُنْ طَافَتْ مَعَكُنَّ». فَقَالُوا بَلَى. قَالَ «فَاخْرُجِى».
٣٢٩ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ قَالَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ رُخِّصَ لِلْحَائِضِ أَنْ تَنْفِرَ إِذَا حَاضَتْ. طرفاه ١٧٥٥، ١٧٦٠ - تحفة ٥٧١٠
стр. 434
٣٣٠ - وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ فِى أَوَّلِ أَمْرِهِ إِنَّهَا لَا تَنْفِرُ. ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ تَنْفِرُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ لَهُنَّ. طرفه ١٧٦١ - تحفة ٧١٠٠
ويسقط عنها طواف الصَّدَر إجماعًا وإليه رجع ابن عمر ﵁ بعدما عُلِم المسألة كما في الحديث الآتي:
٣٢٨ - قوله: (لعلها تَحبِسُنا) ... إلخ. وإنما قال هذا لأنه لم يكن يعلم أنها طافت للزيارة، ثم عَلِم أنها لم يبق عليها غير طواف الصَّدَر.
٢٩ - باب إِذَا رَأَتِ الْمُسْتَحَاضَةُ الطُّهْرَ
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّى وَلَوْ سَاعَةً، وَيَأْتِيهَا زَوْجُهَا إِذَا صَلَّتْ، الصَّلَاةُ أَعْظَمُ.
٣٣١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ عَنْ زُهَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «إِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِى الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِى عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّى». أطرافه ٢٢٨، ٣٠٦، ٣٢٠، ٣٢٥ - تحفة ١٦٨٩٨
يعني من استمرَّ بها الدم ثم انقطع حِسًّا فهل تنتظر بعده شيئًا، أو تغتسل وتصلي ولا تراعي عَوْدَة وإن كان ممكنًا؟ فقال ابن عباس ﵁: أنها تغتسل: من ساعته وتصلي ولا تنتظر عَوْدَهُ، ثم إذا وجبت عليها الصلاة - وهي أعظم - كيف لا يأتيها زوجها، وهو أهون. وهذا يُشْعِر بأن المراد من التطهر في النص عند ابن عباس ﵁ هو الغُسْل. وعند الحنفية مُضِيّ الوقت قَدْرَ الاغتسال في حكم الاغتسال، فتحِلّ لزوجها بعد مُضِيِّ الوقت أيضًا (١).
٣٠ - باب الصَّلَاةِ عَلَى النُّفَسَاءِ وَسُنَّتِهَا
٣٣٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِى سُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنَا شَبَابَةُ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ أَنَّ امْرَأَةً مَاتَتْ فِى بَطْنٍ، فَصَلَّى عَلَيْهَا النَّبِىُّ ﷺ فَقَامَ وَسَطَهَا. طرفاه ١٣٣١، ١٣٣٢ تحفة ٤٦٢٥
стр. 435
يعني به أنه يُصلَّى عليها، وزاد: «وسنتها» إشارة لما في الحديث: «فقام وسطها». والسُّنَّةُ فيها عندنا أن يقوم الإمام حِذَاء الصَّدْرِ من الرجل والمرأة كليهما، وما ذهب إليه الإمام الشافعي رحمه الله تعالى هو روايةٌ عن إمامنا أيضًا على أن لفظ الوسط لا يتعين في القيام بحِذَاء العَجِيزة، لأن الساكن منه متحرك والمتحرك ساكن، ولا يتعيَّن فيه واحد منهما، وإنما يكون دليلًا لهم لو كان متحركًا «وسطها» فهو للوسط الحقيقي، ولا يكون إلا واحدًا، بخلاف ما إذا كان ساكنًا، أي «وسطًا» فإنه يَصْدُقُ على الوسط الإضافي فهو متعدِّد، وهو معنى كونه متحرِّكًا. ولعله راعى ما في أبي داود أن أنسًا ﵁ صلى على جنازة، فقيل له: يا أبا حمزة، هكذا كان رسولُ الله ﷺ يصلِّي على الجنازة كصلاتك عليها؟ قال: «نعم». فعبَّر بلفظ السُّنة. ثم عند أَبي داود قام عند عَجِيزتها، فاندفع التأويل المذكور ولا حاجة إلى الجواب، فإنه أيضًا رواية عن إمامنا الأعظم رحمه الله تعالى.
٣١ - باب
٣٣٣ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُدْرِكٍ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ - اسْمُهُ الْوَضَّاحُ - مِنْ كِتَابِهِ قَالَ أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِىُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ قَالَ سَمِعْتُ خَالَتِى مَيْمُونَةَ - زَوْجَ النَّبِىِّ ﷺ أَنَّهَا كَانَتْ تَكُونُ حَائِضًا لَا تُصَلِّى، وَهْىَ مُفْتَرِشَةٌ بِحِذَاءِ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهْوَ يُصَلِّى عَلَى خُمْرَتِهِ، إِذَا سَجَدَ أَصَابَنِى بَعْضُ ثَوْبِهِ. أطرافه ٣٧٩، ٣٨١، ٥١٧، ٥١٨ - تحفة ١٨٠٦٠ - ٩١/ ١
وإنما لم يترجم، لأن هذا الحديث ليس من تلك السلسلة التي وضعها وإن كان مناسبًا في الجملة. وفيه عبد الله بن شدَّاد صحابيّ صغير وتابعي كبير، يروي حديث: «قراءة الإمام له قراءة».
قوله: (مَسجد رسولِ اللهِ ﷺ تعني به مسجد البيت.
٣٣٣ - قوله: (خُمْرَته): وهي التي تحفظ الجبهة عن التراب. وفَهِم الروافض أنها بهذا القدر فقط، وليس كذلك، وإنما أراد أهل اللغة بيان الغَرَض منها، لا أنها مقصورة عليه فقط. وإنما سُمِّي خُمْرَة لاختمار لُحْمتَه من سُدَاه.
وفي الهند قومٌ يُدْعون «خُمْرَة» وأنهم يصنعون الحصير والخُمرة، فدلّ العمل أيضًا على أن الخُمرة هي الحصير الذي يصلح للصلاة عليه، ولا يقتصر على الجبهة فقط.
قوله: (أصابني بعضُ ثوبه). وفي الفقه: أن النجاسة المفسِدَة ما يُعَدُّ المصلي حاملًا لها وما لا يحملها فليست بمفسدة، كما في «العَالْمَكِيرِيَّة»: أن جُنِبًا لو ركب على رجل يصلي وثيابُه نجسةٌ؛ فإن أمسكه فسدت صلاته، وإلا لا. وفي «المنية»: أن الثوب إذا كان واسعًا بحيث لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الطرف الآخر، وأحد طرفيه نجس، فصلى رجلٌ ملتفًّا بالطرف الآخر، جازت صلاته، وإن تحرَّك الطَّرَف الآخر بتحريك ذلك الطرف بطلت صلاتُه.
***
стр. 436
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٧ - كتاب التَّيَمُّم
قول الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦].
١ - باب
والتيمم: القَصْدُ لأمر وقيع، والصعيد: من الصعود: ارتفع من الأرض، سواء كان مُنبتًا، أَو لا. ووافق فيه صاحب القاموس أبا حنيفة رحمه الله تعالى مع أنه يراعي مذهبه في بيان اللغة أيضًا، إلا أنه لم يجد ههنا بدًا من موافقته. وفي «الزُّرْقَاني»: وإنما سمَّى وجه الأرض صعيدًا، لأنه نهاية ما يصعد إليه من الأرض.
نظرة وفكرة في أن أيّ الآيتين نزلت في التيمم
قال ابن العربي: هذه مُعضِلة ما وجدتُ لدائها دواء، لأنا لا نعلم أيَّ الآيتين عَنَتْ عائشةُ رضي الله تعالى عنها. قال ابن بَطَّال: هي آية النساء، أو المائدة. وقال القُرطبي: هي آية النساء، لأن آية المائدة تسمَّى آية الوضوء؛ وآية النساء لا ذِكْرَ فيها للوضوء. قال الحافظ رحمه الله تعالى: وظهر للبخاري ما خفي على جميعهم من أنَّ المراد بها آية المائدة بغير تردد لرواية عمرو بن الحارث إذ صرَّح فيها: فنزلت ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ الآية [المائدة: ٦]، وأشار إليها البخاري فتلاها في الترجمة، لهذا قلت: وهو الأظهر عندي وإن ذهب ابن كثير إلى أنها آية النساء، وجزم به، لأن ما تمسك به في إسناده ربيع بن بدر، وهو ساقط وأخرجه الطحاوي أيضًا (١).
стр. 437
أبدع تفسير لآية التيمم
قوله: ﴿لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَاةَ﴾ واعلم أنَّ الآية سيقت لأحكام الإتيان إلى الصَّلاة لا لأحكام المسجد كما فهمه الشافعية، ولا لأحكام الصلاة نفسها كما فهمه الحنفية. فاحتاج الشافعية إلى تقدير المضاف وقالوا: معناها لا تقربوا مواضع الصلاة، أي المساجد، إلا أن تكونوا عابري سبيل، أي مجتازين بها، فيجوز لكم المرور في حالة الجَنَابة اجتيازًا. ونشأ على مختار الحنفية سوء ترتيب، لأنهم أرادوا بالصلاة فعلَها، أي: لا تصلوا، فلم يرتبط به الاستثناء.
والوجه عندي أنَّه جعل الصلاة في تلك النظرة مأتية كأنها ليست من فعله بل هي منفصلة عنه يرد عليها ويصدر عنها وهي شاكلة الجماعة في المسجد، وعليه قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩]، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٥٨]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَاّ وَهُمْ كُسَالَى﴾ [التوبة: ٥٤]، ففُرِضت الصلاة في هذه الآيات كأنها منفصلة عنه، وكذا في قوله ﷺ «إذا أقيمتِ الصلاةُ فلا تأتوها تَسْعَونَ» وحينئذ معناها أن لا تأتوا الصَّلاةَ في حال السُّكْر، ولا في حال الجنابة إلا أن تكونوا عابري سبيل إلى المسجد، فالعبور ليس في المسجد بل في الطريق إلى المسجد عند الإتيان إلى الصلاة (١).
قوله: (إلا عَابِري سَبِيل). وترجم عليه البخاري. وعدَّ العيني رحمه الله تعالى هناك نحوًا من عشرة أنفس كانوا يقعدون في بيوتهم معطلين، فدعت الحاجة إلى الاستثناء، وأن المرور والاجتياز جائز.
قوله: (وإنْ كُنتُم مُرْضَى) وإنما أعادها مع ذكرها في المائدة، لدفع تَوَهُّم نَسْخ ما في المائدة، فإنه لو اقتصر على قوله: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُواْ﴾ لتوهم نَسْخ تيمم الجُنْب المذكور في المائدة، وتعين إيجاب الغُسْل فقط، فأعادها ثانيًا وتقريرًا للتيمم، وهذا كالتكرار في آية الصيام حيث كرر قوله: ﴿فَمَنْ كان منكم مَرِيضًا أو على سَفَرٍ فعِدَّةٌ من أيام أُخَر﴾ [البقرة: ١٨٤]، واضطرب فيه المفسِّرون، وكتب كلٌ ما بدا له، وأنا أيضًا كنت فيه ما أراني ربي.
стр. 438
وحاصله: أنَّ صدر الآية ليس في رمضان بل في الأيام البيض، وكانت فريضة قبل رمضان ثم نسخها الله بعد، فاحتاج إلى التنبيه بأن صيام البيض وإن نسخت إلا أنَّ مسألة القضاء باقٍ على ما كانت، وإلا لأمكن أن يتوهَّم أحدٌ بنسخِها نسخ مسألة القضاء أيضًا، وسيجىء تقريره في موضعه تفصيلًا إن شاء الله تعالى.
قوله: (أو على سفر) والمراد به السفر الشرعي. ففرق القرآن بين عُبور السبيل والسفر، ودل على أنَّ السفَّر في نظره أمر وراء عبور السبيل. فمن أطلق في السفر وحمله على اللغة فقط وجعل له أحكامًا من القصر والفطر وغيرهما، فكأنَّه لم يراع ما أومأ إليه القرآن، وحينئذ اندفع إيراد التكرار أيضًا. والفرق الثاني: أن آية المائدة وإن سيقت في الحدث الأصغر لكنها انجرت إلى حكم الحدث الأكبر أيضًا، ثم ذَكَر التيمم بعدهما، فلم تكن صريحة في التيمم للجنب، واحتملت أن يكون التيمم فيها مقصورًا على الحدث الأصغر. ولذا نُسِب إلى عمر ﵁ أنه كان يتردد في التيمم للجُنب. ومِثْلُه نُسب إلى ابن مسعود ﵁، بخلاف آية النِّساء، فإنها لما سِيقت للحدث الأكبر من أول الأمر كانت صريحة في التيمم منهما.
والحاصل: أنها في حكم الإتيان عندي، وهكذا أقول في تفسير آية المائدة أنَّ المرادَ من قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٦] ليس هو القيامُ إلى الصلاة - أي التحريمة - بل الذهاب إلى المسجد لأجل الصلاة. يعني إذا قمتم من مجالسكم لأجل الصلاة فتوضئوا، فآية النساء والمائدة كلتاهما على سياق الإتيان إلى المساجد عندي، والله تعالى أعلم. وقد مرَّ الكلام على بقية أجزائه في كتاب الوضوء.
٣٣٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَتْ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِى بَعْضِ أَسْفَارِهِ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ - أَوْ بِذَاتِ الْجَيْشِ - انْقَطَعَ عِقْدٌ لِى، فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْتِمَاسِهِ، وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، فَأَتَى النَّاسُ إِلَى أَبِى بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَقَالُوا أَلَا تَرَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسِ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ. فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِى قَدْ نَامَ فَقَالَ حَبَسْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسَ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ. فَقَالَتْ عَائِشَةُ فَعَاتَبَنِى أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ، وَجَعَلَ يَطْعُنُنِى بِيَدِهِ فِى خَاصِرَتِى، فَلَا يَمْنَعُنِى مِنَ التَّحَرُّكِ إِلَاّ مَكَانُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى فَخِذِى، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ فَتَيَمَّمُوا. فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ مَا هِىَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِى بَكْرٍ. قَالَتْ فَبَعَثْنَا الْبَعِيرَ الَّذِى كُنْتُ عَلَيْهِ، فَأَصَبْنَا الْعِقْدَ تَحْتَهُ. أطرافه ٣٣٦، ٣٦٧٢، ٣٧٧٣، ٤٥٨٣، ٤٦٠٧، ٤٦٠٨، ٥١٦٤، ٥٢٥٠، ٥٨٨٢، ٦٨٤٤، ٦٨٤٥ - تحفة ١٧٥١٩ - ٩١/ ١
٣٣٤ - قوله: (في بعض أسفاره)، أي غزوة بني المُصْطَلِق، وفيها قِصَّةُ الإفْك.
قوله: (بالبَيْدَاءِ) وقد سها النووي في تَعْيينه، وهو موضعٌ بين مكةً والمدينة.
стр. 439
قوله: (ما هي بأَوَّلِ بَرَكَتِكُم يا آلَ أبي بكر) بل هي مسبوقة بغيرها. وفي رواية: «فواللهِ ما نزل بكِ أمرٌ تَكْرَهِينه إلا جعل اللهُ للمسلمين فيه خيرًا» وفي النكاح: «إلا جعل اللهُ لك منه مَخْرجًا وجعل للمسلمين فيه بركة». وهذا يُشْعِر بأنَّ هذه القصة كانت بعد قصة الإفْك. فإن فُقدان القِلادة، والتماسَ الناس، والبركةَ لهم، والمَخْرجَ لها كلُّها في قصة الإفْك، وإليها يتبادر الذهن لشهرتها. فإن جعلناها قصةً في غزوة بني المُصُطَلِق لم يلتئم معه هذا القول، لأن قصة الإفك فيها.
ولقائل أن يقول: لِمَ لا يجوز أن يكون هذا إشارة إلى قصةٍ غيرِ الإفْك؟ ولكنه ليست هناك قصة أخرى اشتهرت بالبركة للمسلمين، والمخرج لها غيرَ قِصَّة الإفْك. فقيل: إن العقد انقطع في تلك الغزوة مرتين. ففي قصة الإفْك: أنها ذَهَبَتْ لِطَلَبِها وتأخرت عنهم حتى أَنهم رحَّلُوا الهَوْدج، وكُنَّ النساء إذ ذاك خفافًا، فظنوا أنها فيه، فارتحلوا وارتحل النبيُّ ﷺ ثم جاء صفوانُ ورأى سوادَ إنسان، وجاء بها إلى القافلة حين ارتفع النهار وشاع ما شاع. وفي هذه القصة أن النبيَّ ﷺ بعث الناس لِطَلَبِها، وكان رأسهم أُسَيد بن حُضَير، فلم يجدوا، ثم رجعوا ووجدوا العِقْد تحت البعير، ثم ارتحلوا وارتحل النبيُّ ﷺ وعائشةُ ﵂ معه. فإذا كان بين القصتين مغايرة، لا بد لنا أن نقول بتعدد الواقعتين.
قلت: وهو كذلك، إلا أنه لا دليل فيه أنهما كانتا في سفر واحد، والذي يظهر أَنَّهما كانتا في سفرين لأمرين:
الأول: لِمَا أخرجه الحافظ رحمه الله تعالى عن الطبراني من طريق عَبَّاد بن عبد الله بن الزبير، عن عائشة ﵂ قالت: لما كان من أمر عِقْدي ما كان، وقال أهل الإفْك ما قالوا، خرجت مع رسول الله ﷺ في غزوة أخرى، فسقط أيضًا عِقْدي حتى حُبِس الناسُ على التماسه، فقال لي أبو بكر: يا بنيةُ في كلِّ سفرٍ تكونين عناءً وبلاءً على الناس، فأنزل الله عزو وجل الرخصة في التيمم. فقال: إنك لَمباركةٌ ثلاثًا. وفي إسناده محمد بن حميد الرازي، وفيه مقال. قلت: ولكنه يُعَدّ في طبقة الحفاظ فالرواية صحيحة عندي.
والثاني: لما أخرجه الطحاوي عن ابن لهِيعة، عن أبي الأسود حدثه: أنَّه سَمِعَ عُروة يخبره عن عائشة ﵂ قالت: أَقْبَلْنا معَ رسولِ الله ﷺ من غزوة له، حتى إذا كنا بالمُعَرَّسِ - قريبًا من المدينة - نَعَسْتُ من الليل، وكانت عليَّ قِلادةٌ، تُدْعَى السِّمْطَ تبلغ السّرَّةَ، فجعلت أَنْعس فخرجَتْ من عُنُقي، فلما نزلتُ مع رسول الله ﷺ لصلاة الصبح، قلت: يا رسول الله، خرّت قِلادتي من عُنُقي. فقال: أيها الناسُ، إنَّ أُمَّكم قد ضَلَّت قِلادتَها فابتغوها، فابتغاها الناس ولم يكن معهم ماء، فاشتغلوا بابتغائها إلى أن حضرَتْهُمُ الصلاةُ ووجدوا القِلادةَ ولم يقدروا على ماء، فمنهم مَن تيمم إلى الكفِّ، ومنهم مَنْ تيمم إلى المَنْكِب، وبعضهم على جسده. فبلغ ذلك رسولَ الله ﷺ فنزلت آيةُ التيمم.
فهذا أيضًا يدلُّ على أنَّ قصة فُقْدان القِلادة وقعت مرتين. وفي إسناده ابن لَهِيعة، ولكنَّ
стр. 440
اختلاطه يؤثر فيما يروى من حفظه، وظَنِّي أنَّ روايتهَ هذه عن الصحيفة، لأنَّه يروي ههنا عن أبي الأَسود وكان عنده صحيفة منه، فإذا كانت روايته تلك عن الصحيفة فلا يضرُّ اختلاطه أصلًا. ولما صحَّت الروايتان في تَعَدُّدِ القصة، هان علينا أن نلتزم تَعَدُّدَ القِصَّتين.
قوله: (يطْعَن) بفتح العين، بمعنى الطعن باليد أو غيرها فهو للطعن حِسًّا، وبضم العين للطعن مَعْنًى.
قوله: (فأَنزلَ اللهُ آيةَ التيممِ) وقد مرَّ الكلامُ فيه أنَّ المرادَ منها آية المائدة.
٣٣٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ح قَالَ وَحَدَّثَنِى سَعِيدُ بْنُ النَّضْرِ قَالَ أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ قَالَ أَخْبَرَنَا سَيَّارٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ - هُوَ ابْنُ صُهَيْبٍ الْفَقِيرُ - قَالَ أَخْبَرَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِى نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِىَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِى أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِىَ الْمَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِى، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِىُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً». طرفاه ٤٣٨، ٣١٢٢ - تحفة ٣١٣٩ - ٩٢/ ١
٣٣٥ - قوله: (أُعطيتُ خمسًا) ومفهوم العدد غير مُعتبر عند الكل، فلا تكون الخصائص منحصرة في هذا العدد فقط، حتى إن السيوطي رحمه الله تعالى صنف فيها تصنيفًا مستقلًا، سماه بـ «الخصائص الكبرى»، وعَدَّ فيه خصائصه تزيد على المئات.
قوله: (جُعِلَت لي الأَرضُ) وقد مرَّ أنَّ الأممَ السابقة كان فيهم التوسيع في الأوقات، والتضييق في الأمكنة بعكس هذه الأمة، فعلينا التضييق في الأوقات، والتوسيع في الأمكنة، وصِفتُنا في الكتب السابقة: أمةٌ يراقِبون الشَّمس، فأوقاتُ صلاتنا وُزِّعت على أحوال الشمس من الطلوع، والغروب، والدُّلوك. وعند الدَّارِمي: ويصلون ولو في الكُناسة.
قلت: وهذا لا ينافي الطهارة، لأنَّه أُخْرِج مُخْرجَ المبالغة، والمعنى: أنهم يراقبون الأوقات فيصلون أينما أدركتهم الصلاة ولو في الكُناسة، وهو قوله ﷺ «صَلُّوا في مَرَابِضِ الغنم». فالصلاة في مرابض الغنم كان لهذا، لا لطهارة أزبال مأكول اللحم كما فَهِمَه الذاهبون إليها، وقد مَرَّ تفصيله فتذكره.
قوله: (طَهورًا) واستدل به المالكية أَنَّ الماءَ لا يكونُ مستعملًا أبدًا، لأنَّ الله تعالى وصَفَهُ بالطَّهور، فقال: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَآء مَآء طَهُورًا﴾ (الفرقان: ٤٨) والطَّهور ما يطهر مرةً بعد أخرى. فلو قلنا: إنه لا يَطْهُر بعد الاستعمال - وإن بقي طاهرًا - لم يصحَّ وَصْفُه بالطُّهورية. وأجاب عنه الشيخ ابن الهُمَام رحمه الله تعالى في «الفتح» فراجعه.
قلت: وأوزان صِيغ المبالغة أربعةٌ في الصرف، والذي وُضع لمعنى التَّكرار هو وزن فَعَّال
стр. 441
كضَرَّاب للذي يضرب مرةً بعد أخرى. والفَعُول وُضِع للقوة، فالطَّهُور ما يكون قويًا في الطهارة، لا كما فَهِمَه المالكية، والله تعالى أعلم.
قوله: (فأيُّما رَجُلٍ من أُمَّتي أَدْرَكَتْهُ الصلاةُ) ... إلخ. قال الحنفية: إنَّه من قبيل إفراد الخاص بحكم العام، فلا يكون مفيدًا للتخصيص. ويكون الحاصل: أنَّ المسجدَ إن كان قريبًا فالمطلوب الصلاة فيه، والاهتمام لها، وإن لم يكن قريبًا كما في السفر فالاهتمام بالوقت، فاعلمه.
٣٣٥ - قوله: (بُعِثْتُ إلى النَّاسِ عامَّةً). قيل إنَّ دعوة نوح ﵇ أيضًا كانت عامَّةً لجميع مَن في الأرض، وإلا لما أُهْلِكوا، لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. فالجواب كما قاله ابن دقيق العيد: يجوز أَنْ يكونَ التوحيدُ عامًّا في بعض الأنبياء وإن كان التزامُ فروع شريعته ليس عامًّا. ويحتمل أنه لم يكن في الأرض عند إرسال نوح ﵇ إلا قومُ نوح ﵇ فبعثته خاصة إلى قومٍ فقط - وإن كانت عامةً صورةً - لعدم وجود غيرهم.
قلت: وقد مرَّ معنا في كتاب العلم أنَّ دعوتَهَم وإن كانت عامة في التوحيد، لكنَّها كانت باختيارهم، بخلاف النبيّ ﷺ فإنَّه كان مأمورًا بالتبليغ لجميع مَنْ في الأرض ﴿فإنْ لم تَفْعَل فما بَلَّغتَ رسالتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧] (١).
٢ - باب إِذَا لَمْ يَجِدْ مَاءً وَلَا تُرَابًا
دخل المصنِّف في مسألة فاقد الطَّهورين، واختار أنَّه يُصلِّي كذلك، وهو أحدُ وجوه الشافعية، ذكرها النَّووي ﵁. وقال أبو حنيفة ﵁: يتشبه بالمصلين ويقضي إذا قَدِرَ بما قَدِر. ثم التشبه إنما هو في الركوع والسجود فقط دون القراءة، ولِما علمنا أنَّ الحُكمَ في الحج والصوم أنَّ الحاج إذا فَسَد حَجُّه يتشبه بالحاج ويمضي في أفعاله، وأنَّ الطَّامِثَ إذا طَهُرت، والكافر إذا أسلم، والصبي إذا بلغ في رمضان، أنهم يتشبَّهون الصائمين، ويُمْسِكُون
стр. 442
بقيَّة يومهم، ألحقنا الصلاة بأخويها، وقلنا: إنه إذا فَقَد الطَّهُورين يتشبَّهُ بالمصلِّين حُرمةً للوقت (١).
٣٣٦ - حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَاءَ قِلَادَةً فَهَلَكَتْ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلاً، فَوَجَدَهَا فَأَدْرَكَتْهُمُ الصَّلَاةُ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَصَلَّوْا، فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ. فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ لِعَائِشَةَ جَزَاكِ اللَّهُ خَيْرًا، فَوَاللَّهِ مَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ تَكْرَهِينَهُ إِلَاّ جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكِ لَكِ وَلِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ خَيْرًا. أطرافه ٣٣٤، ٣٦٧٢، ٣٧٧٣، ٤٥٣٨، ٤٦٠٧، ٤٦٠٨، ٥١٦٤، ٥٢٥٠، ٥٨٨٢، ٦٨٤٤، ٦٨٤٥ - تحفة ١٦٩٩٠
٣٣٦ - قوله: (وليس معهم ماءٌ فَصَلُّوا) يعني أنَّ الماءَ إذا لم يكُن عندهم، وحُكْمُ التيمم لم يَنْزِل بعد، فكانوا كفَاقِد الطَّهورين فَصَلّوا، أي أُسَيد بن حُضَير ورفقاؤه الذين كانوا ذهبوا معه لطلب القِلادة، فَعُلِم أنَّ الأداء واجبٌ، والقضاء غير لازم. قلت: وهذا استدلالٌ مِن فِعْلهم ومن التبادر ببلوغ خبرهم إلى النبيِّ ﷺ وفي كليهما نظر - ولنا في تَرْكِ الصلاةِ ما رُوي عن عمر ﵁ أَنَّه أَجْنَبَ ولم يُصلِّ، على أنَّه قياسٌ لنادرِ الوقوع على كثيرِ الوقوع، فإنَّ فُقْدان الماء مما يَكْثُرُ وقوعُهُ، بخلاف فُقْدان الطَّهورين (٢).
٣ - باب التَّيَمُّمِ فِى الْحَضَرِ، إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ، وَخَافَ فَوْتَ الصَّلَاةِ
وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ. وَقَالَ الْحَسَنُ فِى الْمَرِيضِ عِنْدَهُ الْمَاءُ وَلَا يَجِدُ مَنْ يُنَاوِلُهُ يَتَيَمَّمُ. وَأَقْبَلَ ابْنُ عُمَرَ مِنْ أَرْضِهِ بِالْجُرُفِ، فَحَضَرَتِ الْعَصْرُ بِمَرْبَدِ النَّعَمِ فَصَلَّى، ثُمَّ دَخَلَ الْمَدِينَةَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ فَلَمْ يُعِدْ.
ونُسب إلى أبي يوسف ﵁ أنَّه كان يُنكِرُ التيممَ في الحَضَر لوُجْدَان الماء على الأكثر، وندرة فُقْدانه فيه. واعلم أنَّ في الباب ثلاثَ وقائع على اختلافٍ في ألفاظها، ينبغي للباحث أن يراعيها لأنها يتناقض بعضها ببعض، وتُبْتنى عليها مسائل مختلفة، فليحرِّرها قبل أَخْذ المسائل منها، ليعلم أنها متعددةٌ، أو واحدةٌ والاختلافُ من الرواة، وأنَّ اللفظ الراجح ما هو، ليصحَّ بناءُ المسألة عليها (٣).
стр. 443
فمنها حديث أبي الجُهَيم، ومنها حديث ابن عمر ﵁، ومنها حديث مُهاجر بن قُنْفُذ. أما حديث أبي الجُهَيم ففيه: أنَّ رجلًا سَلَّم عليه وهو مُقْبِلٌ من نحو بئر جَمَل، فكان السلامُ فيه بعدَ البول لا حال البول، وفيه رَدُّهُ ﷺ عليه بعد التيمم، وليس فيه ذِكْرُ العِلّة.
وأمَّا حديث ابن عمر ﵁ ففيه: أنه سَلَّم عليه حالَ البول، وفيه أنه لم يَرُدَّ ﵇. وفيه عند الطحاوي، وأبي داود جواب السلام بعد التيمم، مع ذكر التعليل، والاختلاف في أنَّ السلامَ كان بعد خروجه من غائطٍ أو بولٍ، فاختلف حديثه: ففي الترمذي ومسلم والطحاوي في طريق: أن السلامَ كان حالَ البول، وعند الطحاوي من طريق آخر وأبي داود: أنه كان بعد الخروج من الغائط، أو البول.
أما حديث مهاجر ففيه اختلاف أيضًا، فعند ابن ماجه: أنه سلَّم عليه وهو يتوضأ، فلم يردَّ ﵇ حتى فَرَغ من وضوئه، مع ذكر التعليل. وهكذا عند الطحاوي في طريق. وعنده من طريق آخَرَ وأبي داود: أنه سلَّم عليه وهو يَبُولُ، وعلى الأول فيه استدلالُ الطحاوي على اشتراط الطهارة للأذكار، كما ذَكَره في باب التسمية على الوضوء، على خلاف مذهب الشافعية.
стр. 444
وأورد عليه ابن نُجيم أنه ينتفي منه الاستحباب أيضًا، مع أنها مستحبةٌ في المذهب.
قلت: وهذا غيرُ واردٍ عليه، لأنَّه ذهب إلى نَسْخِهِ وقال: إنَّ الطهارةَ كانت واجبةً للأذكارِ في زمنٍ، ثم نُسِخَت. وذكره في «باب ذِكْر الجُنب، والحائض، والذي ليس على وضوء، وقراءتهم القرآن» عن عبد الله بن علقمة بن الغَفْواء عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ إذا أهْرَاق الماءَ إنما نكلِّمُه فلا يكلِّمُنا، ونسلِّمه فلا يردُّ علينا، حتى نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٦]. انتهى وإذا نُسخ الوجوبُ فلا بأس بقول الاستحباب.
قلت: وفيه جابر الجُعْفي وهو ضعيف، وعلى الثاني يعني إذا كان لفظه: وهو يبول، تَحَوَّلَ إلى مسألة أخرى، وهي ما في حديث ابن عمر ﵁. والذي تبين لي أنَّ قصةَ أبي الجُهَيم، وقصة ابن عمر ﵁ واحدةٌ، لما عند الدارقطني (١) «وكنز العمال» في قصة ابن عمر ﵁ كما في حديث ابن عمر ﵁، يعني أنَّ السلامَ كان حالَ البول. وما في حديث أبي الجُهَيم ففيه تقديم وتأخير في سرد القصة، فمجيئه من نحو بئر جَمَل كان بعد الفراغِ عن البول، وبعد سلامه عليه، يعني كان النبيُّ ﷺ يَبُول فَلَقِيه ذلك الرجُلُ وسَلَّم عليه فلم يردَّ عليه، حتى إذا أقبل من نحو بئر جَمَل بعد البول تَيَمَّمَ وردَّ ﵇.
وأمَّا في حديث مهاجر فإنَّه قِصَّةٌ أخرى، وحينئذ تَحَصَّل أنهما قِصَّتان، غير أنَّ حديثَ مهاجر يتردد بين أَنْ يكونَ فيه مسألةُ اشتراط الطهارة للأذكار، أو عدم رَدّ السلام حالَ البول، على اختلاف لَفْظَيه عند ابن ماجه رحمه الله تعالى، وأبي داود كما عَلِمْتَ، والسلام فيهما حال البول، والجواب: بعد التيمم أو الوضوء مع التعرض إلى التعليل. ويُشْكِل فيه التيمم حال وُجْدَان الماء، وكراهة الذِّكْر بدون طهارة.
والحَل: أنَّ التيممَ للأشياء التي لا تحتاج إلى الطهارة صحيحٌ حال وُجْدَان الماء أيضًا عند صاحب «البحر»، وإن ردَّ عليه الشامي. والصواب عندي: ما اختاره ابن نُجيم صاحب «البحر».
وأما حَلُّ المسألة الثانية: فإن كان الأمر فيه أنَّ الوقائعَ كلها تُرَدُّ على مورد واحد وأن السلام فيها كان حال اشتغاله بالبول كما قررت، كان معنى قوله: «إلا أَني كَرِهت أن أذكرَ اللهَ إلا على طُهْر، أي الطُّهر من البول وعدم اشتغاله له، ويكون حاصل التعليل بقرينة وقت السلام:
стр. 445
أَني كَرِهت أن أذكرَ اللهَ حالَ اشتغالي بالبول، فلم أرد عليك، وإن كان اللفظ عامًا. وفيه نظر من وجهين:
الأول: لِما في «العمدة» عن الطبراني بزيادة وهي: أنَّه دعا بوَضوءٍ فتوضأ، ورَدَّ عليَّ وقال: «إني كرِهت أَنْ أذكرَ اللهَ على غير وضوء». فإن كانت محفوظةً ففيها تصريح بأنَّ الكراهةَ كانت لعدم كونه على الطهارة، لا لاشتغاله بالبول.
والثاني: أنَّه لم يجب بعد الفراغ عن البول أيضًا إلا بالتيمم، أو الوضوء، فعاد الإشكال، لأنه إذا صرفنا قوله: «إلا على طُهر» على معنى الطهر عن البول، وعدم الاشتغال له، فنحن وإن خرجنا منه عن عهدة القول، إلا أنَّه لم يزل فِعلُه واردًا علينا، فإنَّه لم يجب بعد الفراغ أيضًا، فدل فِعْله على أنَّ جواب السلام ينبغي أن يكون على حال الطُّهر. ولكن في «العمدة» عن ابن دقيق العيد أنَّه أَعلَّ الحديث لِما في البزَّار بسند صحيحٍ عن ابن عمر ﵁: أن رجلًا مَرَّ على النبيِّ ﷺ وهو يبولُ فسلم عليه الرجل فرد ﵇، فلما جاوزه ناداه وقال: «إني رددتُ عليك خشيةَ أن تقولَ سلمتُ ولم يُجِبْني، فلا تسلِّم علي، فإنك أنَّ تَفْعَل لا أردُّ عليك». فاضطرب الحديث جدًا، وراجع «نصب الراية».
وما تحرر عندي في هذا الباب: أَنَّ السلامَ كان حالَ البول، والجواب: بعد التيمم مرةً، وبعد أَنْ أَقبل النبيُّ ﷺ من نحو بئر جَمَل، كما ذكره أبو الجُهَيم. فإذا رأيت في القصتين إتيانَه ﷺ من نحو بئر جَمَل حَكَمْتَ أنها قصةٌ واحدةٌ، بقي الاختلاف بكون السلام بعد البول عند أبي الجُهَيم، وحال البول عند ابن عمر ﵁، فالأمر فيه سهل ويُحمل على توسع الرواة. ويقال: إن الواقعة على صرافتها الوضوء أخرى، ثم أظن أنَّ ردَّ السلام واجبٌ على الفورِ، فإن تأخر سقط عنه (١) إلا أن التأخير ههنا لما كان لمانع شرعي، وهو أنه أراد أن يذكرَ اللهَ حالَ الطهارةِ فيحمل فيه التأخير بقدر الوضوء، أو التيمم، ولم يسقط عنه الجواب وساغ له أن يردَّ عليه بعد الوضوء أو التيمم.
وفي «المسند» لأحمد عن عبد الله بن جابر قال: إني سلمت على النبيِّ ﷺ ثلاثَ مرارٍ لا يُجِيبُني كلَّ مرةٍ، حتى دخل حجرته وتوضأ مستعجِلًا، وردَّ عليَّ ثلاث مرار. وليس فيه ذِكر البول، ولا ذِكْر البول، ويَخْرُج منه أنَّ العزيمةَ فيما لم يَخَفِ الفَوْتَ وكان بصدد الطهارة، أن يردَّ بعدها، وهو عند ابن كثير أيضًا. وعبد الله بن جابر اختُلف فيه، قيل: إنه بياضي من بني بياضة، وقيل: عبدي.
وحاصل: المسألة عندي أنَّ الذِّكر المختص بالوقت كقوله: غفرانك، يُؤتى به في وقته
стр. 446
مطلقًا، وأما غير المختص منه، فالمستحب فيه أن يكون على طهارة إلا إذا خاف الفوات، وقد مرَّ عن صاحب «الهداية» في باب الأذان أنَّ الطهارةَ تستحب للأَذكار.
قلت: ومع هذا لا تُكره قراءةُ الأذكار بدونها ولو تنزيهًا، لأنَّه لا يلزم أن يكون كلُّ خلافِ المستحَبِّ مكروهًا تنزيهًا، بل لا بد له من دليل خارج، وهو قد يكون، وقد لا يكون، فلعلَّ الكراهة المذكورة في الحديث طبعي لا فقهي، فإِنَّ الطبائعَ الذكية تَحُسُّ من مثل هذه الأمور كُربة وغُمة، ويفوت عنها الانشراح، فكيف بطبع النبيِّ ﷺ الذي كان في أقصى مراتب النزاهة والنظافة. ثم ههنا فَرْقٌ بين فراغ البول عقيبه، وبينه بعد برهة، فإِنَّ الإنسانَ إذا بَعُدَ عهدُه بهذه الأشياء وطرأ عليه ذهولٌ ما تزول عنه تلك الكراهة، ويصدِّقه وجدانك إن شاء الله تعالى.
ولي ههنا إشكال آخر لما رواه الترمذي، أنَّ النبيَّ ﷺ كان يذكر اللَّهَ في كل أحيانه، ومعناه أنَّه لم يكن ممتنعًا عنه في حالٍ. وقد رُوي عنه عن غيرِ وجهٍ أنه لم يكن يَحْجُرُه عن قراءة القرآن شيءٌ غير الجنابة، فإِما أَنْ يقال كما قاله الطحاوي من النسخ، أو يُفَرَّق بين الكراهة قبل الاستنجاء، وبين الكراهة بعده، ولعلَّك لو نظرت على هذه الأجزاء بالغور والإِمعان سَهُل عليك الأمرُ، وعلمت أَنَّ المسألةَ المشهورة لا تُخَالِفُ الأحاديث (١).
وقد علمت أن مولانا الجنجوهي رحمه الله تعالى كان يُفتي بجواز الردِّ حال الاستبراء، أي بعد الفراغ عن البول حال استعمال الحجارة، وكان مولانا محمد مظهر رحمه الله تعالى يمنع منه.
قلت: أما في الفقه فكما اختاره مولانا الجنجوهي رحمه الله تعالى (٢).
قوله: (ولا يَجِدُ مَنْ يُنَاولِهُ) ... إلخ وعندنا يتيمم وإن كان يجده، لأنَّ القدرة بالغير غير مُعتَبرة عندنا.
قوله: (فلم يُعِد) وهو المسألة عندنا.
واعلم أنَّه جاءت الروايات في صفات التيمم على خمسة أنحاء: المسح إِلى الرُّسْغَين، والمسح إلى نصف الساعد، والمسح إلى المِرْفَق، والمسح إلى نصف العَضُد، وخامسها: المسح إلى الإباط، والمناكب، وضعَّف الحافظ أحاديث المسح إلى نصف العَضُد، ونصف الساعد.
قلت: ولعلَّ الوجه أنَّ مَنْ زاد على الرُّسْغَين بشيءٍ عَبَّروه بنصف الساعد، وكذلك مَنْ زاد على المِرْفَقين عَبَّروه بنصف العَضُد، ولم تكن هاتان صفتين مستقلتين عندهم، وإنما أريد بهما استيعابُ المَحَلّ رُسْغًا كان أو مِرْفَقًا. ولا بد في الاستيعاب من زيادة فَخُيِّل أنهما صِفَتان. أما أحاديث الرُّسغَين فأصحُّها ما في الباب، وحديث الآباط أيضًا قَوِيٌّ، وحَسَّن الحافظ أحاديثَ المَسْح إلى المِرْفقين أيضًا. ثم الاختلاف فيه في موضعين:
الأول: في الضربات، فقال مالك في روايةٍ وأحمد: تكفي ضربةٌ. وذهب أبو حنيفة رحمه الله تعالى وصاحباه ومالك - في رواية «الموطأ» إلى أنَّه ضربتان. والتيمم بالضربتين جائزٌ عند أحمد رحمه الله تعالى أيضًا وإن كان المختار عنده ضربةً واحدةً.
والموضع الثاني الذي اختلفوا فيه: أنَّه إلى أين؟ فعند أحمد إلى الرسغين، وهو رواية عن الإِمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى ذكره صاحب «مراقي الفلاح»، والمختار عندنا وعند الشافعيّ رحمه الله تعالى أنَّه إلى المِرْفقين. وظاهرُ ما في «الموطأ» لمالك رحمه الله تعالى أنَّه يكونُ التيمم إلى المرفقين واجبًا عنده أيضًا، لكنَّ الشارحين حين حملوه على الاستحباب (١).
стр. 449
ولنا ما أخرجه البَغَوي في قصة أبي الجُهَيم أنه ردَّ عليَّ السلامَ بعدما مسح بوجهه وذراعيه، وحَسَّنه، ثم اطلعت على إسناده بعد زمان فوجدت فيه راويًا ساقطًا، وهو إبراهيم بن محمد. ولنا أيضًا ما رواه الدَّارقطني عن جابر عن النبيِّ ﷺ قال «التيممُ ضربةٌ للوجه، وضربةٌ للذِّرَاعَين إلى المِرْفَقَين». واختُلِف في رَفْعِه وَوَقْفِهِ، قال الدَّارقطني: والصواب أنَّه موقوفٌ. ونقله الزَّيْلعي في تخريج «الهداية»، ولم يَنْقل فيه مَقولة الدارقطني، فكنت فيه مترددًا لأني ما جربت عليه أنه يُخفي شيئًا ويَبْتُر النقل، حتى وجدتُ في «التلخيص»: قال الدَّارقطني: «رجاله ثقات» في الصلب، وفي الهامش. والصواب أنَّه موقوف، فعلِمْتُ أنه نقل ما كان في الصلب وترك ما كان في الهامش، ولم يدخله في الصلب.
وأخرجه الطحاوي أيضًا عن جابر ﵁ قال: أتاه رجلٌ فقال: أصابتني جنابةٌ، وإني تَمَعَّكْتُ في التراب، فقال: أصِرت حمارًا؟ وضرب بيديه إلى الأرض فمسح وجهه، ثم ضرب بيديه إلى الأرض فمسح بيديه إلى المِرْفَقين، وقال: هكذا التيمم. والذي يقع في الخاطر أَنَّه مرفوعٌ ومَن صوَّب وَقْفَه إنَّما حمله على ذلك إرجاعُ الضمير إلى جابر ﵁. وعندي مَرْجِعُه إِلى النبي ﷺ وإنما ينقل جابر ﵁ ما كان جرى بين النبيِّ ﷺ وبين هذا الرجل من القصة (١)، ولنا ما رواه البَزَّار عن عَمَّار في قصة، وفيها: أَمَرَنا فَضَرَبْنا واحدة
стр. 450
للوَجْهِ، ثم ضربةً أخرى لليدين إلى المِرْفَقَين. وحَسَّنه الحافظ في «الدراية» (١)، وهي تلخيص نصب الراية، للعلامة الزَّيلعي، وغلط الكاتب في اسمها فكتب «نصب الراية» مكان «الدراية».
٣٤١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ ذَرٍّ عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ قَالَ عَمَّارٌ لِعُمَرَ تَمَعَّكْتُ فَأَتَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ فَقَالَ «يَكْفِيكَ الْوَجْهُ وَالْكَفَّانِ». أطرافه ٣٣٨، ٣٣٩، ٣٤٠، ٣٤٢، ٣٤٣، ٣٤٥، ٣٤٦، ٣٤٧ - تحفة ١٠٣٦٢
٣٤٢ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ ذَرٍّ عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ شَهِدْتُ عُمَرَ فَقَالَ لَهُ عَمَّارٌ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ. أطرافه ٣٣٨، ٣٣٩، ٣٤٠، ٣٤١، ٣٤٣، ٣٤٥، ٣٤٦، ٣٤٧ - تحفة ١٠٣٦٢
٣٤٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ ذَرٍّ عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ عَمَّارٌ فَضَرَبَ النَّبِىُّ ﷺ بِيَدِهِ الأَرْضَ، فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ. أطرافه ٣٣٨، ٣٣٩، ٣٤٠، ٣٤١، ٣٤٢، ٣٤٥، ٣٤٦، ٣٤٧ - تحفة ١٠٣٦٢
٣٤١ - قوله: (يكفيك الوَجْهُ والكَفَّيْن) والظاهر أَنْ يكون «الكفان» وقد مرَّ معنا مفصّلًا أنَّ هذا التعبير مستفاد من قوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ على قراءةِ النصب، ولعله روايةٌ بالمعنى، وحكايةٌ للفعل بالقول وإنَّما كان أشار إليه كما في الرواية المارة: «إنما يكفيك هكذا» وكانت تلك إشارة إلى المعهود، ولِما عَلِمتَ من رواية الطحاوي تعدد الواقعتين، أَمْكَن أن تجعل ما في قصة عمر وعمَّار ﵄ إشارةً إلى ما تعلم من صفته من قبل (٢). وإنما سلك النبيُّ ﷺ مَسْلَك
стр. 451
الاختصار والإِشارة، لأنَّه كان بالغ فيه، فردَّ عليه فِعْلَه بأبلغ وجه، وقال: إنك تَمَعَّكْتَ مع أنه تَكْفِيك هكذا فقط، فليس هذا موضعَ تعليم فقط بل تعليمٌ مع الرد على مبالغته بأبلغ وَجْهٍ كما قال النبيُّ ﷺ في حديث جُبَير بن مُطْعِم حين تَماروا في الغُسْل: أما أنا فأفيض على رأسي ثلاثًا لا يريد بذلك الاقتصار عليه فقط، بل الردّ على المبالغات (١).
٦ - باب الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ، يَكْفِيهِ مِنَ الْمَاءِ
وَقَالَ الْحَسَنُ يُجْزِئُهُ التَّيَمُّمُ مَا لَمْ يُحْدِثْ. وَأَمَّ ابْنُ عَبَّاسٍ وَهُوَ مُتَيَمِّمٌ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ لَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ عَلَى السَّبَخَةِ وَالتَّيَمُّمِ بِهَا.
ولعله اختار مذهب الحنفية وترك مذهب الشافعية ولذا لم يتعرض إلى تفصيل فيه: من كونه مُنْبِتًا أو لا. ولا عجب أن يكون إشارة إلى مسألة أخرى أيضًا، وهي طهارة مطلقةٌ عندنا، وضروريةٌ عند الشافعية، فجعله وضوءَ المسلم فكان طهارةً مُطْلقة كالوضوء.
قوله: (وقال الحسن) ... إلخ واعلم أَنَّ رؤية الماءِ والقدرة على استعماله من نواقض التيمم عندنا، وعند أحمد نواقِضُه تواقضُ الوضوء فقط، وليست الرؤية من نواقضه، فكأَنَّ المصنِّف رَحِمه الله تعالى أشار إلى مذهبه وتمسك بقوله ﷺ «ما لم يُحْدِث».
قوله: (وأَمَّ ابنُ عباس ﵁ وأنكر محمد رحمه الله تعالى إِمَامةَ الميتممِ للمتوضىء، كإنكاره إمامة القاعِدِ للقائم.
قوله: (وقال يحيى بن سعيد) أي القاضي، وليس بالقطان.
قوله: (عَلى السَّبَخَةِ) فاكتفى بنجس الأرض، وترك تفصيل الشافعية كما مرَّ.
٣٤٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنِى يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَوْفٌ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ عَنْ عِمْرَانَ قَالَ كُنَّا فِى سَفَرٍ مَعَ النَّبِىِّ ﷺ وَإِنَّا أَسْرَيْنَا، حَتَّى كُنَّا فِى آخِرِ اللَّيْلِ، وَقَعْنَا وَقْعَةً وَلَا وَقْعَةَ أَحْلَى عِنْدَ الْمُسَافِرِ مِنْهَا، فَمَا أَيْقَظَنَا إِلَاّ حَرُّ الشَّمْسِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ فُلَانٌ ثُمَّ فُلَانٌ ثُمَّ فُلَانٌ - يُسَمِّيهِمْ أَبُو رَجَاءٍ فَنَسِىَ عَوْفٌ - ثُمَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الرَّابِعُ، وَكَانَ النَّبِىُّ ﷺ إِذَا نَامَ لَمْ يُوقَظْ حَتَّى يَكُونَ هُوَ يَسْتَيْقِظُ، لأَنَّا لَا نَدْرِى مَا يَحْدُثُ لَهُ فِى نَوْمِهِ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ عُمَرُ، وَرَأَى مَا أَصَابَ النَّاسَ، وَكَانَ رَجُلاً
وإنما الاختلاف من الرواة في تعيينها والأرجح عندي أنه واقعة خيبر. وما عند أبي داود أنها في غزوة «مؤتة» فغلط، لأنَّ النبيَّ ﷺ لم يكن في تلك الغزوة.
قوله: (لا ضَيْرَ) واعلم أَنَّ النقصان في الأمور الدينية على نحوين: الأول: من جهة النية، والثاني من جهة وجود الشيء. والمُنتَفى ههنا هو الأول فلا ضَيْر من تلقاء النية، أما النقصان باعتبار وجود الشيء فقد وجد، فمعناه لا إثم وإن فاتتهم الصلاة.
قوله: (ارْتَحلوا) قال الشافعية: وإنَّما أمرهم بالارتحال لأنه كان مكانًا حَضَره الشيطان. قلنا: وما لكم تفَرُّون من مكان الشيطان ولا تفرُّون من زمانه، فكلا الأمرين مَرْعيَّان: مكان الشيطان، وزمانه. وقد رُوي: أنَّ الشمسَ تَطْلُع بين قَرْنَي الشيطان، ثم لا أدري أنَّهم قالوه جوابًا فقط أو المسألة عندهم تَرْك الصلاة في مكان الشيطان؟ ولم أر في هذا الباب منهم إلا ما كتبه ابن حجر المكي الشافعيّ في «الزواجر» وهو غير الحافظ رحمه الله تعالى: أن تَرْكَ مكان المعصية من مُكَمِّلات التوبة.
قوله: (فَصَلَّى بالنَّاس) وفي كتاب «الآثار»: أنه جهر فيها أيضًا، فَعُلم منه أنه ينبغي الجَهْر في قضاء الجهرية، وليست تلك المسألة إلا في هذا الكتاب. وفيه اختلاف المشايخ الحنفية. والأرجح عندي ما قررت، ثم إذا فاتته الجماعة هل يجب عليه ابتغاء الجماعة في مسجد آخر غير مسجده؟ فالظاهر أنه لا يجب عليه، ولا يبقى عليه وجوبُ الجماعة بعد فواتها، نعم لا شك في الاستحباب. وفي هذه الواقعة تصريح بأن النبي ﷺ قضى سُنَّة الفجر قبل ركعتيه.
قوله: (قال أبو العالية) ... إلخ. قال البيضاوي: إن الصابئين كانوا عُبَّادًا للنجوم. وقيل: إنهم كانوا يُنْكِرون النبوة، وكانوا على مُضَادَّة الحنفية، ثم صار من ألقاب الذمّ.
قلت: وقد تحقق عندي من التاريخ أنَّ العربَ كنوا يُلَقِّبون أنفسهم بالحَنِفِيَّة، وبني إسرائيل بالصابئية، وكان بنو إسرائيل يعكسونه. ونقل الشهرستاني مناظرتهم في نحو خمسين ورقةً، ويفهم منه أنهم كانوا يُنْكِرون النبوة. ومرَّ عليه الحافظ ابن تيمية رحمه الله تعالى وقال: إنهم كانوا من الفلاسفة، وزعم أنهم كانوا فرقة من أهل الكتاب لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [البقرة: ٦٢] الآية، حيثُ سَوَّى فيه أمرَهم وأمرَ أهلِ الكتاب، ووعد بالأجر لِمَنْ آمن منهم كما وعد لليهود والنصارى فهو صريحٌ في كونهم أهلَ الكتاب، لأنه ذَكر إيمانَ بعضهم.
وقال آخرون: إِنَّ المرادَ بِمَن آمن: مَنْ يؤمن في المستقبل، وحينئذٍ لا يكون فيه دليل على كونهم كَتَابِيَّين. ويكون المعنى: أنَّ الفوزَ بالآخرة لا يختص بجماعة دون جماعة، ولكن مَنْ يؤمن بالله ورسوله فله النجاة سواء كان يهوديًا، أو نصرانيًا، أو غيرهما، وليس كما يزعمه اليهود والنصارى أنَّ الآخرةَ تَخْتَص بهم، ففيه تفصيلٌ بعد الإِجمال. وقد مرَّ معنا في كتاب الإِيمان في باب «الدِّين يُسْر» إن «مَنْ آمن» الثاني استئناف عندي، وقد مرَّ في موضع أنَّ الصابئين عندي مِمَّن
стр. 454
كانوا يريدون تسخيرَ عالم الأمر بنوعٍ من الرياضات، كتسخيرنا الأجنة بالأعمال الحنيفية، فإِنه تخشُّع وتَذَلُّل وتَمَسْكُن وتَضَرُّع من تلك الجهة، وأداء لوظيفة العبودية فقط بدون نية تسخير.
قوله: (أَصْبُ) أَمِل. وستعلم أن الإِمام الهُمام له شَغَفٌ باللغة فنبه ههنا على الفرق بين المهموز والناقص.
٧ - باب إِذَا خَافَ الْجُنُبُ عَلَى نَفْسِهِ الْمَرَضَ أَوِ الْمَوْتَ أَوْ خَافَ الْعَطَشَ، تَيَمَّمَ
وَيُذْكَرُ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ أَجْنَبَ فِى لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فَتَيَمَّمَ وَتَلَا ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] فَذَكَرَ لِلنَّبِىِّ ﷺ فَلَمْ يُعَنِّفْ.
٣٤٥ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ - هُوَ غُنْدَرٌ - عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِى وَائِلٍ قَالَ قَالَ أَبُو مُوسَى لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ لَا يُصَلِّى. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ لَوْ رَخَّصْتُ لَهُمْ فِى هَذَا، كَانَ إِذَا وَجَدَ أَحَدُهُمُ الْبَرْدَ قَالَ هَكَذَا - يَعْنِى تَيَمَّمَ وَصَلَّى - قَالَ قُلْتُ فَأَيْنَ قَوْلُ عَمَّارٍ لِعُمَرَ قَالَ إِنِّى لَمْ أَرَ عُمَرَ قَنِعَ بِقَوْلِ عَمَّارٍ. أطرافه ٣٣٨، ٣٣٩، ٣٤٠، ٣٤١، ٣٤٢، ٣٤٣، ٣٤٦، ٣٤٧ - تحفة ١٠٣٦٠، ٩٢٤٧
٣٤٦ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبِى قَالَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ سَمِعْتُ شَقِيقَ بْنَ سَلَمَةَ قَالَ كُنْتُ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِى مُوسَى فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى أَرَأَيْتَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِذَا أَجْنَبَ فَلَمْ يَجِدْ، مَاءً كَيْفَ يَصْنَعُ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ لَا يُصَلِّى حَتَّى يَجِدَ الْمَاءَ. فَقَالَ أَبُو مُوسَى فَكَيْفَ تَصْنَعُ بِقَوْلِ عَمَّارٍ حِينَ قَالَ لَهُ النَّبِىُّ ﷺ «كَانَ يَكْفِيكَ» قَالَ أَلَمْ تَرَ عُمَرَ لَمْ يَقْنَعْ بِذَلِكَ. فَقَالَ أَبُو مُوسَى فَدَعْنَا مِنْ قَوْلِ عَمَّارٍ، كَيْفَ تَصْنَعُ بِهَذِهِ الآيَةِ فَمَا دَرَى عَبْدُ اللَّهِ مَا يَقُولُ فَقَالَ إِنَّا لَوْ رَخَّصْنَا لَهُمْ فِى هَذَا لأَوْشَكَ إِذَا بَرَدَ عَلَى أَحَدِهِمُ الْمَاءُ أَنْ يَدَعَهُ وَيَتَيَمَّمَ. فَقُلْتُ لِشَقِيقٍ فَإِنَّمَا كَرِهَ عَبْدُ اللَّهِ لِهَذَا قَالَ نَعَمْ. أطرافه ٣٣٨، ٣٣٩، ٣٤٠، ٣٤١، ٣٤٢، ٣٤٣، ٣٤٥، ٣٤٧ - تحفة ١٠٣٦٠، ٩٢٤٧ - ٩٦٦/ ١
قوله: (ويُذْكَرُ أَنَّ عَمْرَو بنَ العاص) ... إلخ. وحديثه في السنن، وهكذا المسألة عندنا. ثم إن التيمم من الجنابة لا ينتقض إلا عن موجِبات الجنابة، ولا ينتقض عن نواقض الوضوء.
٣٤٥ - قوله: (حدثنا بِشْر بن خالد) ... إلخ. وفيه قصة أبي موسى ﵁، وعبد الله بن مسعود ﵄، والترتيب فيه ليس على وجهه، كالترتيب فيما ذكره عن محمد بن سلام، والترتيب الصحيح فيما حدثه عمر بن حَفْص ﵁.
وحاصله: أَنَّ ابن مسعود ﵁ لما أنكر التيمم من الجنابة أورد عليه أبو موسى قِصة عمر وعمار ﵄، ثم لما أجاب عنه ابن مسعود ﵁ وقال: إن عمر ﵁ لم يَقْنَع بقوله، أورد عليه الآية الدالة على التيمم من الجنابة، وحينئذ لم يَدْرِ ابنُ مسعود ﵁ ما يقول، والتجأ إلى إظهار مُضْمَرِه، وصرَّح بأنَّ إنكارَه لأجل المصلحة، لا لإِنكاره التيممَ رأسًا. وانكشف به أنَّ إنكار عمر ﵁ أيضًا كان من هذا القبيل عنده،
стр. 455
فما نسب الترمدي إليهما ليس بصحيح، وكذا عُلم منه أنَّ الملامسة عنده محمولةٌ على الجِماع وإلا لم ترد عليه الآية أصلًا، ولقال: إنَّ التيمم في الآية ليس من الجنابة، بل من مسّ المرأة فتقديره على أنَّ الآية وردت في حكم التيمم من الجنابة دليلٌ على أنَّ الملامسة عنده هي الجِماع، لا كما نسب إليه أبو عمر فهو أيضًا مَحَلُّ تَرَدُّد.
واعلم أنَّه قد وقعت أغلاطٌ كثيرة في نقل مذاهب الصحابة ﵃، لأنها غيرُ مخدومة، وليس جميعها متوارثة بالعمل، فأخذوها من مقولتهم فقط. ومعلوم أنه لا يحصل شيءٌ من النقل فقط، وإنما يُفهم الشيء بعد الممارسة، ولا تكون إلا بعد العمل بها كما رأيت ههنا، فنسبوا إنكار التيمم إلى ابن مسعود ﵁ مشيًا على اللفظ فقط، وهو قوله: «لا يصلي حتى يجد الماءِ»، مع أنك إذا حققت الأمر استبنت أنه لا يُنكِره أصلًا. ثم إذا نُسب إليه الإِنكار من الجنابة فُرِّع عليه أنَّ الملامسة عنده في معنى مسِّ المرأة. هذه كما ترى كلُّها تفريعاتٌ على لفظه فقط، وقد كشفنا لك وجهه، وهذا هو وجه اختلافهم في حجية الوِجادة عندي، لأنها أخذٌ من الكتاب، ومعلوم أن الكتاب ليس كالخطاب، ولذا أقول، إِنه لو أقام بحقه ومارسه حتى أدركه بما فيه، كان حجة قطعًا.
٨ - باب التَّيَمُّمُ ضَرْبَةٌ
٣٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ قَالَ كُنْتُ جَالِسًا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِى مُوسَى الأَشْعَرِىِّ فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى لَوْ أَنَّ رَجُلاً أَجْنَبَ، فَلَمْ يَجِدِ الْمَاءَ شَهْرًا، أَمَا كَانَ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّى فَكَيْفَ تَصْنَعُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ فِى سُورَةِ الْمَائِدَةِ (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا) فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ لَوْ رُخِّصَ لَهُمْ فِى هَذَا لأَوْشَكُوا إِذَا بَرَدَ عَلَيْهِمُ الْمَاءُ أَنْ يَتَيَمَّمُوا الصَّعِيدَ. قُلْتُ وَإِنَّمَا كَرِهْتُمْ هَذَا لِذَا قَالَ نَعَمْ. فَقَالَ أَبُو مُوسَى أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ لِعُمَرَ بَعَثَنِى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِى حَاجَةٍ فَأَجْنَبْتُ، فَلَمْ أَجِدِ الْمَاءَ، فَتَمَرَّغْتُ فِى الصَّعِيدِ كَمَا تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِىِّ ﷺ فَقَالَ «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَصْنَعَ هَكَذَا». فَضَرَبَ بِكَفِّهِ ضَرْبَةً عَلَى الأَرْضِ ثُمَّ نَفَضَهَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهَا ظَهْرَ كَفِّهِ بِشِمَالِهِ، أَوْ ظَهْرَ شِمَالِهِ بِكَفِّهِ، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ أَفَلَمْ تَرَ عُمَرَ لَمْ يَقْنَعْ بِقَوْلِ عَمَّارٍ وَزَادَ يَعْلَى عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ كُنْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِى مُوسَى فَقَالَ أَبُو مُوسَى أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ لِعُمَرَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَنِى أَنَا وَأَنْتَ فَأَجْنَبْتُ فَتَمَعَّكْتُ بِالصَّعِيدِ، فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرْنَاهُ فَقَالَ «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا». وَمَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ وَاحِدَةً أطرافه ٣٣٨، ٣٣٩، ٣٤٠، ٣٤١، ٣٤٢، ٣٤٣، ٣٤٥، ٣٤٦ - تحفة ١٠٣٦٠، ٩٢٤٧
٩ - باب
٣٤٨ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنَا عَوْفٌ عَنْ أَبِى رَجَاءٍ قَالَ حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ الْخُزَاعِىُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلاً مُعْتَزِلاً لَمْ يُصَلِّ فِى
стр. 456
الْقَوْمِ فَقَالَ «يَا فُلَانُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّىَ فِى الْقَوْمِ». فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَصَابَتْنِى جَنَابَةٌ وَلَا مَاءَ. قَالَ «عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ». طرفاه ٣٤٤، ٣٥٧١ - تحفة ١٠٨٧٦ - ٩٧/ ١
وهذا الترتيب أيضًا مقلوب، حيث ذكر فيه قصة عمر وعمَّار ﵄ بعدما كشف عن مراده، مع أنه لا إيراد عليه حينئذ، لأنه إذا أقر بالتيمم من الجنابة فما الإِيراد عليه بقصتهما؟
قوله: ضربةٌ وقد مرَّ معنا أنه وإن اكتفى بالضربة ههنا لكنه مختصر، والجمهور ذهبوا إلى الضربتين كما في الروايات المفصَّلات، فلا يُقْضى بالإِجمال على التفصيل ألا ترى أنه ذُكِر في هذه الرواية أَخصَر مِمَّا ذكره في عامة الروايات، فقال: «ثم مَسَح بها ظَهْرَ كَفِّه بشماله»، فلم يذكر مسح الكفين بتمامها أيضًا، وليس هذا مذهبًا لأحد فاعلمه، فإنه يفيدك في دَعْوى الاختصار في تلك الروايات، والله تعالى أعلم.
انتهى بحسن توفيق الله تعالى الجزء الأول من كتاب "فيض الباري على صحيح البخاري" من أمالي إمام العصر المحدث الشيخ أنور الحنفي الديوبندي ﵀ ويليه الجزء الثاني وأوله: كتاب الصلاة
***
стр. 457
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٨ - كتاب الصَّلاة
سمّيت الصلاة صلاة لكونها متَّبعًا بها فِعْلَ الإِمام، فإن التّالي للسابقِ من الخيل يسمّى مصلِّيًا لكون رأسه عند صَلا السابق. كذا ذكره الباقلاّنِي، وهو الوجه عندي في تسمِيَتِهَا صلاة، لا أنها من تحريك الصلوين، فإِن المُقتدي يصلّي خلفَ الإِمام ويتَّبع فعلَه ويجري معه، ونظرًا إلى هذا الاستصحاب قال صاحب «الهداية»: إن ربط القدة هو للتَّضمُّن، فراعى في صلاة الجماعة التَّضمُّن، أعني أن صلاة الإِمام متضمِّنةٌ لصلاة المقتدي، فلم يكن الإِمام مجليًا والمقتدي مصليًا في الحس فقط، بل بِحَسَب المعنى أيضًا حتى صار الإِمام يَسْتَصْحِبُ صلاةَ المقتدي معه بحيث تَوَقَّفت صلاةُ المقتدي على صلاةِ إِمامِهِ صحةً وفسادًا؛ ولذا قال أصحابنا: إن اتحاد الصّلاتين من شرائط الاقتداء بخلاف الشافعي ﵁، فإنه خَالَفَنا في تلك الفروع كلِّها فلا سِرَايةَ عنده لصلاةَ الإِمام إلى صلاة المقتدي، وجاز الاقتداء عنده عند اختلافِ الصّلاتين فرضًا ونفلا حتى الاختلاف وقتًا أيضًا، وقد بسطناه من قبل. وقد علمت أن البخاري رحمه الله تعالى وسَّع فيه أزيدَ من الشّحافعية رحمهم الله تعالى، ومن هنا أجاز بتقدم تحريمة المقتدي على تحريمة الإِمام.
ثم لا يخفى عليك أن كلَّ عبادة تكون من المخلوق تعظيمًا لخالقه وخشيةً له أسمِّيها صلاة، والصلاة بهذا المعنى تشترك في جميع الخلق وإن اختلفت صورها، فصلاة كلَ ما نَاسَبَهُ، وإليه يُشير قوله تعالى: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ [النور: ٤١] فأشار إلى اشتراك جميع الخَلْقِ في وظيفةِ الصلاةِ مع تغاير صُوَرِهَا كالسّجدة فإِنَّ الخلائِقَ كلُّها تَسْجُدُ لربِّها ولكن كلٌّ بِحَسَبِهَا، قال تعالى: ﴿ولله يسجد من في السماوات والأرض﴾ [الرعد: ١٥] فَوُقوعُ الظِّلال على الأرض هو سجودُها، وبالجملة حقيقةُ الصلاةِ مشتركةٌ في الخلائق كلِّها حتى رأيتُ في حديثٍ في قصة المعراج: «قف يا محمد فإن ربَّكَ يصلي». فَتَحَقَّقَتِ الصلاةُ في جنابه تعالى أيضًا، غير أَنَّ صلاةَ الخالقِ ما ناسَبَهُ، وصلاةَ المخلوقِ ما نَاسَبَهُ، وللبسط موضوع آخر.
واعلم أنَّهم اختلفوا في أن الرُّكوع كان في الأمم السالفة أم لا؟ فقال بعضهم: لا، وتَمَسَّكوا بما في المُسْنَدِ لأبي يَعْلَى عن علي ﵁، وقال بعضهم نعم وتمسكوا من قوله تعالى: ﴿وَارْكَعِي مَعَ الراكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣]. قلت: ورأيت في كتابِ نصرانيّ أن صلاةَ المُنْفَرِدِ عِنْدَهُمْ كانت ساجدًا، والجماعةِ راكعًا، وصلاة اليهود قائمًا وفي بعض الأحوال ساجدًا. ومع هذا أظنُّ أنّه لا بُدَّ من ثبوتِ الرُّكوع في حقِّ أنبيائِهِم، ورأيت عن وَهْبِ بن مُنَبِّه أن الأنبياء السابِقِيْنَ كانوا مأمورِينَ بالوضوءُ عند كلِّ صلاة، وكانوا يصلون كصلاةِ هذه الأُمَّةِ على خلاف شاكلةِ أُمَمِهِمْ، ثم إن الاصطفاف من خصائِصِ هذه الأمة، فصلاتُهُم وإن كانت بالجماعةِ أيضًا إلا أنّه لم يكن فيهم الصَّفُّ.
فَقَالَ رَاجِعْ رَبَّكَ. فَقُلْتُ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّى. ثُمَّ انْطَلَقَ بِى حَتَّى انْتَهَى بِى إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ لَا أَدْرِى مَا هِىَ، ثُمَّ أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ، فَإِذَا فِيهَا حَبَايِلُ اللُّؤْلُؤِ، وَإِذَا تُرَابُهَا الْمِسْكُ». طرفاه ١٦٣٦، ٣٣٤٢ تحفة ١٥٥٦، ١١٩٠١، ٦٥٧٣ ل - ٩٨/ ١
يُعْلَمُ من طريقِ المصنِّف رحمه الله تعالى أنّه سمّى مجموعَ القَطْعين إسراءً، بخلاف عامَّتِهِم فإِنَّهم يُسَمُّون القِطْعة التي من بيته إلى بيتِ المقدس إسراءً، والتي منه إلى السماواتِ العُلى معراجًا، فَفَرْضِيّة الصلاة إنما هي في المعراجِ على طريقهم، ولما كانت القِطْعَتان عنده إسراءً جَعَل فرضِيَّتَها في الإِسْراءِ. ثم إنّ القرآن ذكر إحدى القِطْعَتَيْنِ في سورة النَّجم وهي ما تتعلَّقُ بسيرِ السماواتِ، والرؤيةُ فيها عندي رؤيةُ ربِّه جلَّ سبحانهِ كما اختاره أحمد ﵁، وذَكَرَ أُخْرَاها في سورة بني إسرائيل. والمِعْرَاجُ كان منامًا مرةً ويقظةً أُخْرَى، وقد مرَّ أن النبي ﷺ ربّما كان يَرَى منامًا ما كان يَقَعُ له في اليَقَظَةِ فَلَعَلَّهُ وَقَعَ مِثْلُهُ في قصة المِعْرَاجِ أيضًا. فرآه منامًا أولا ثم عَرَجَ بِهِ يَقَظَةً، وقد مرَّ أن صلاة الفجر والعصر عندي كانت فريضةً قبل المعراج أيضًا كما ذهبَ إليه جماعةٌ، وأما في المعراج فتكاملت خمسًا.
قوله: (وقال ابن عباس ﵁ ... ) يريد أَنْ يُنَبِّهَ على أَنَّ الصلاة كانت قبلَ الإِسْرَاءِ أيضًا كما قال أبو سفيان في حديث هِرَقْلَ.
٣٤٩ - قوله: (أَسودة) جمع سواد. وترجمته «كالبد».
قوله: (عن يمينه ... إلخ) قال الحافظ: قال القاضي عياض: قد جاء أنَّ أرواحَ الكُفَّار معذبةٌ في سِجِّين، وأنَّ أرواحَ المؤمنين مُنَعَّمَةٌ في الجنة، فكيف تكونُ مُجْتَمِعَةً في سماء الدنيا؟ ويُحتمل أن يُقال: إنَّ النَّسَمَ المرئِيّة هي التي لم تدخل الأجسادَ بعدُ، وهي مخلوقةٌ قبلَ الأجسادِ، مُسْتَقَرُّهَا عن يمينِ آدم وشمالِهِ، وقد أَخْبَرَ بِمَا سيصيرونَ إليه فلذلك يَسْتَبْشِرُ إذا نَظَرَ إلى مَنْ عن يمينه، ويَحْزَنُ إذا نظر إلى مَنْ عن يسارِهِ. ثم قال الحافظ: أما ما أخرجه ابن إسحق والبيهقي من طريقه في حديث الإِسراء: «فإذا أنا بآدم تُعْرَضُ عليه أرواحُ ذرِّيَّتِهِ المؤمنينَ، فيقولُ: روحٌ طَيِّبَةٌ ونَفْسٌ طَيِّبَةٌ اجعلُوها في عِلِّيِّيْنَ، ثم تُعْرَضُ عليه أرواحُ ذريته الفُجَّار، فيقول: روحٌ خبيثةٌ ونَفْسٌ خبيثةٌ اجعلوها في سِجِّينَ». فهذا لو صَحَّ لكانَ المصيرُ إليه أولى من جميع ما تَقَدَّمَ، ولكن سنده ضعيف.
قلت: ولا بأس به في مثل هذه الأمور، والجوابُ عندي على ما هو التحقيق عند أربابِ الحقائِقِ: أن الجِهَات تنقلبُ في الآخرة، فتصيرُ العاليةُ يمينًا والسافلةُ شمالا، ولا يَبْقَى هناك فوق ولا تحت، ولما كانت تلك الواقعة في عالم يُشْبِهُ الآخِرَة لم يَبْعُدْ كونُ الأرواح الخبيثةِ التي مُسْتَقَرُّهَا في سِجِّين تحت الأرض على شمالِ آدم ﵊، وكذلك لا بُعْدَ في كون الأرواح الطيبةِ التي مستقرّها عِلِّيِّيْنَ على يمين آدم ﵊، لأن اليمينَ هناك والشمالَ هو الفوقُ والتحتُ عندنا الآن، فالأرواح التي مستقرُّهَا فوقَ السماواتِ أو تحتَ الأَرضينَ ظهرتْ على يمينه أو شِمَالِهِ.
ثم تِلْكَ الأَرواحُ هل هي التي لم تدخل في الأجساد أو التي تجرَّدَتْ عن أجسادِهَا بعد
стр. 460
الموتِ؟ فالجواب: كما مر عن «الفتح» روايته (١): ثم ليعلم أن الرُّوحَ المُجَرَّدَ ليس بمكانيَ وليس له تَعَلُّقٌ بالمكانِ المخصوصِ، بخلافِ حالِ الجَسَدِ فإِنَّه لا يوجد إلا بالمكانِ، والبدنِ المثالي بَيْنَ بَيْنَ. قال الصَّدْرُ الشِّيرَازي: إنَّ النَّفْسَ الناطقةَ مُنْغَمِسَةٌ في شوائبِ المادةِ، ثم تصيرُ بعد الرياضاتِ مجرّدةً تدريجًا، ثم إن الروحَ والنَّسَمَةَ، والنَّفْسَ والذَّرَّ كلَّها أشياءٌ متغايرةٌ وليست حكايةً عن معنىً واحد، ولذا ترجم ابن سيناء الحيوانَ «جان» والروح «روان» ففيها فروق.
ولم يتكلم التُّورِبِشْتِي لما مرّ على شرحِ أحاديث الذَّرِّ إلا بالذَّرِّ، ولم يُغَيِّر هذا اللّفظ ولم يَضَعْ مكانَه لفظًا آخرَ، ففهمتُ أنّه لا يُتْرَك هذا اللّفظ لهذه الدّقيقة، والذّرّ وإن كان قريبًا من الروح لكنّه أُطلق على الجسد أيضًا. قال ابن دقيق العيد ﵀: لو وُجِدَتْ تضانيفُ هذا الفاضِلِ لَنَفَعَتِ الأمة جدًا، ولكنّها تلفت في فتنة التتار. وزعم الناس أنّه شافعي رحمه الله تعالى. قلتُ: بل هو خلاف الواقع وهو حنفي تلميذ البغوي متقدِّم على الإِمام الرازي، وإنما تَوَهَّم من تَوَهَّم لذكره في طبقات الشافعية، وكونِهِ محدثًا.
قوله: (سماء) أَنْكَرَ وجوده المُتَنَوِّرون، وقالوا: ليس فوقنا إلا جوهرًا لطيفًا غيرَ متناهٍ، والنجومُ تجري فيها سابحةً بنفسها. قلت: ولا دليل عليه عندهم، لِمَ لا يجوز أن يكونَ هذا الجَوّ على طبقاتٍ، كلُّ طبقةٍ منها تسمّىِّ سماءً، حتى تكونَ سبعَ سماواتٍ كما أخبر به النص.
قوله: (سماء الدنيا) واختار الشاه عبد القادر: أنَّ النجومَ كلَّها في سماءِ الدُّنْيَا.
قوله: (إدريس) واعلم أن نوحًا ﵊ عُدَّ من أجدادِهِ ﷺ اتفاقًا، وعَدَّ الجمهور إدريسَ ﵊ أيضًا منهم لكونه متقدِّمًا على نوح ﵊ أيضًا، فإذا كان نوح ﵊ من أجدادِهِ فَإِدْرِيسُ ﵊ بالأَوْلَى. وتردَّدَ فيه البخاري وقال: بل هو نبي من الأنبياءِ بعدَ نوح ﵊، ولذا ذَكَرَ أَوّلا نوحًا ﵇، ثم ذكر إلياسَ ﵇، واحْتَجَّ من كلام ابنِ مسعودٍ ﵁ وابنِ عباسٍ ﵁، أنَّ إلياسَ ﵇ هو إدريسُ ﵇، ولا ريب أن إلياسَ ﵇ نبي من أنبياء بني إسرائيل، فثبت تأخُّرُ إدريسَ ﵇ عن نوحٍ ﵇. وتمسك بلفظه الأخ الصالح للنبي ﷺ .
قلتُ: ولا دليل في ذلك لجوازِ أن يكونَ ذلك توسعًا، لأنه لم يواجِهْهُ أحدٌ من الأنبياء ﵈ بلفظِ الابنِ إلا آدمَ ﵇ وهو أبو البشر، وإبراهيم ﵇ وقد أعلن بأُبُوَّتِهِ هو في الدنيا ونَسَبَهُ إليه بنفسِهِ، فينبغي لهما أن يخاطِباه بالابنِ. ثم إنهم اختلفوا في أن إدريسَ ﵇ وإلياسَ ﵇ نبي واحد أو اثنان؟ والذي سَنَحَ لي أنهما اثنان، وإدريسُ ﵇ نبيُّ متقدِّمٌ على نوح ﵊، بخلاف إلياسَ عليه الصَّلاة