← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 98124

فيض الباري على صحيح البخاري

الكشميري

Полный текст (3 525 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

عَائِشَةَ قَالَتْ كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِىُّ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ مِنْ جَنَابَةٍ. وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ مِثْلَهُ. أطرافه ٢٥٠، ٢٦١، ٢٧٣، ٢٩٩، ٥٩٥٦، ٧٣٣٩ - تحفة ١٧٣٦٧، ١٧٤٩٣ ٢٦٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَبْرٍ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ وَالْمَرْأَةُ مِنْ نِسَائِهِ يَغْتَسِلَانِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ. زَادَ مُسْلِمٌ وَوَهْبٌ عَنْ شُعْبَةَ مِنَ الْجَنَابَةِ. تحفة ٩٦٤ - ٧٥/ ١ ٢٦٣ - قوله: (حدثنا أبو الوليد: حدثنا شعبة) ... إلخ هذا هو الإِسناد في قَدْر ماء وضوئه ﷺ أنه كان ثلثي المُدَّ عند النَّسائي. ١٠ - باب تَفْرِيقِ الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ غَسَلَ قَدَمَيْهِ بَعْدَ مَا جَفَّ وَضُوءُهُ. ٢٦٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ قَالَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِى الْجَعْدِ عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَتْ مَيْمُونَةُ وَضَعْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَاءً يَغْتَسِلُ بِهِ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ، فَغَسَلَهُمَا مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَفْرَغَ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَغَسَلَ مَذَاكِيرَهُ، ثُمَّ دَلَكَ يَدَهُ بِالأَرْضِ، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ ثُمَّ غَسَلَ رَأْسَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى جَسَدِهِ، ثُمَّ تَنَحَّى مِنْ مَقَامِهِ فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ. أطرافه ٢٤٩، ٢٥٧، ٢٥٩، ٢٦٠، ٢٦٦، ٢٧٤، ٢٧٦، ٢٨١ - تحفة ١٨٠٦٤ ١١ - باب مَنْ أَفْرَغَ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ فِى الْغُسْلِ ٢٦٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِى الْجَعْدِ عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ قَالَتْ وَضَعْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ غُسْلًا وَسَتَرْتُهُ، فَصَبَّ عَلَى يَدِهِ، فَغَسَلَهَا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ - قَالَ سُلَيْمَانُ لَا أَدْرِى أَذَكَرَ الثَّالِثَةَ أَمْ لَا - ثُمَّ أَفْرَغَ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَغَسَلَ فَرْجَهُ، ثُمَّ دَلَكَ يَدَهُ بِالأَرْضِ أَوْ بِالْحَائِطِ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، وَغَسَلَ رَأْسَهُ، ثُمَّ صَبَّ عَلَى جَسَدِهِ، ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ، فَنَاوَلْتُهُ خِرْقَةً، فَقَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا، وَلَمْ يُرِدْهَا. أطرافه ٢٤٩، ٢٥٧، ٢٥٩، ٢٦٠، ٢٦٥، ٢٧٤، ٢٧٦، ٢٨١ - تحفة ١٨٠٦٤ فيه تعريض للمالكية، وإشارة إلى أَنَّ الموالاةَ ليست بشرط، واختار فيه مذهب الحنفية. قوله: (ويذكر عن ابن عمر ﵁ أخرجه مالك في موطئه وفيه: أنه غسل رجليه بعدما بلغ المسجد النبوي. فثبت منه تركُ الموالاة. ٢٦٥ - قوله: (فغسل قدميه) قلت: وفيه تأخير غسل القدمين فقط، وليس فيه أنه غسلهما بعد الجَفَاف أو قبله.

стр. 387

١٢ - باب إِذَا جَامَعَ ثُمَّ عَادَ، وَمَنْ دَارَ عَلَى نِسَائِهِ فِى غُسْلٍ وَاحِدٍ ٢٦٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَدِىٍّ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ ذَكَرْتُهُ لِعَائِشَةَ فَقَالَتْ يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَيَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ، ثُمَّ يُصْبِحُ مُحْرِمًا يَنْضَخُ طِيبًا. طرفه ٢٧٠ - تحفة ١٧٥٩٨ قوله: (ومن دار على نسائه في غسل واحد) ومراد البخاري من هذا الغسل هو الذي في الآخر بعد جماع الكُلّ. ٢٦٧ - قوله: (ذَكَرْتُه لعائشة ﵂ وكان عند ابن عمر أن بقاء أثر الطيب بعد الإِحرام أيضًا جنابة، فهذه هي المسألة التي ذَكَرَ لها، وإليه مال مالك ﵁، ومذهب الجمهور أنه لا بأس بالطِّيب قبل الإِحرام، وإن بقي أثره أو جِرْمُه بعده. قوله: (فيطوف على نسائه) وظاهره يخالف القَسْمَ، فقيل: إنه لم يكن واجبًا على النبي ﷺ لقوله تعالى: ﴿وَتُؤْوِى إِلَيْكَ مَن تَشَآء﴾ [الأحزاب: ٥١]- الآية، وقيل: إنه يجوز مطلقًا بعد ختم الدورة الواحدة قبل شروع الدورة الأخرى. قلت: وليُحَرَّر أيستقيم على مسائل الحنفية أم لا؟ فإِني لم أرَ هذا التفصيل في فقهنا أقول هذه واقعة واحدة في حجة الوداع لم تقع إلا مرة واحدة، وإن كانت ألفاظ الراوي تُشْعِر بكونها عادة، ولكن عندي اتباعُ الواقع أولى، لأنه لم يُعْلَم في الخارج غيرُ هذه الواقعة، فليقصرها على موردها. قال ابن الحاجب: إنَّ «كان» لا يدلّ على الاستمرار لغةً لأنه من الكون، إلا أنه يُستفاد منه الاستمرار عُرفًا ولا سيما إذا كان خبره مضارعًا. قلت: وهذا صحيح إلا أن الواقعة ههنا ليست إلا واحدة كما سيجيء. ٢٦٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ قَتَادَةَ قَالَ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَدُورُ عَلَى نِسَائِهِ فِى السَّاعَةِ الْوَاحِدَةِ مِنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَهُنَّ إِحْدَى عَشْرَةَ. قَالَ قُلْتُ لأَنَسٍ أَوَكَانَ يُطِيقُهُ قَالَ كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّهُ أُعْطِىَ قُوَّةَ ثَلَاثِينَ. وَقَالَ سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ إِنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ تِسْعُ نِسْوَةٍ. أطرافه ٢٨٤، ٥٠٦٨، ٥٢١٥ - تحفة ١٣٦٥، ١١٨٦ - ٧٦/ ١ ٢٦٨ - قوله: (وهن إحدى عشرة) التسع منهن منكوحة، وثنتان سُرِّيَتَان. قوله: (قوة ثلاثين) وفي «الحلية» لأبي نعيم: «قوة أربعين كل رجل من رجال أهل الجنة»، وفي إسناده أبو حنيفة ﵁. وأبو نُعيم ليس من مخالفي أبي حنيفة ﵁ بخلاف الخطيب. وفي الترمذي: أن قوة رجل من أهل الجنة كمئة رجل فمن ضرب الأربعين في المئة يحصل أربعة آلاف. كذا ذكره السيوطي. قلت: والذي تحقَّق عندي بعد هدم اختلاف الألفاظ وتعبير الرواة أنه أعطي في الدنيا ما يُعطَى سائرهم في الجنة، لكونه في الدنيا من رجال أهل الجنة، وليست وراءة إلا تعبيرات وتَفَنُّنًا في العبارات، فليحملها عليه.

стр. 388

١٣ - باب غَسْلِ الْمَذْىِ وَالْوُضُوءِ مِنْهُ ٢٦٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ حَدَّثَنَا زَائِدَةُ عَنْ أَبِى حَصِينٍ عَنْ أَبِى عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَلِىٍّ قَالَ كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً فَأَمَرْتُ رَجُلًا أَنْ يَسْأَلَ النَّبِىَّ ﷺ لِمَكَانِ ابْنَتِهِ فَسَأَلَ فَقَالَ «تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ». طرفاه ١٣٢، ١٧٨ - تحفة ١٠١٧٨ ثم الغُسل عند كل جماع مستَحَبٌ عندنا، ولا يُدْرى أنَّه مستحبٌّ فقهيٌّ أو لكونه أنفع، وذهب بعضهم إلى الوجوب. ١٤ - باب مَنْ تَطَيَّبَ ثُمَّ اغْتَسَلَ وَبَقِىَ أَثَرُ الطِّيبِ ٢٧٠ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَأَلْتُ عَائِشَةَ فَذَكَرْتُ لَهَا قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ مَا أُحِبُّ أَنْ أُصْبِحَ مُحْرِمًا أَنْضَخُ طِيبًا. فَقَالَتْ عَائِشَةُ أَنَا طَيَّبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ طَافَ فِى نِسَائِهِ ثُمَّ أَصْبَحَ مُحْرِمًا. طرفه ٢٦٧ - تحفة ١٧٥٩٨ قوله أنها طيبت فانظر كيف عبرت ههنا بكونها واقعة بخلاف الحديث المار عن قريب فعبرت فيه كأنه كان عادة له فقالت فيه كنت أطيب إلخ. فهذا كله من تصرفات الرواة وعلى المشتغل أن يتبع الواقع ولا يذهب بكل تعبير. ٢٧١ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ حَدَّثَنَا الْحَكَمُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَأَنِّى أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ فِى مَفْرِقِ النَّبِىِّ ﷺ وَهْوَ مُحْرِمٌ. أطرافه ١٥٣٨، ٥٩١٨، ٥٩٢٣ - تحفة ١٥٩٢٨ ١٥ - باب تَخْلِيلِ الشَّعَرِ حَتَّى إِذَا ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ أَرْوَى بَشَرَتَهُ أَفَاضَ عَلَيْهِ ٢٧٢ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ غَسَلَ يَدَيْهِ، وَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ اغْتَسَلَ، ثُمَّ يُخَلِّلُ بِيَدِهِ شَعَرَهُ، حَتَّى إِذَا ظَنَّ أَنْ قَدْ أَرْوَى بَشَرَتَهُ، أَفَاضَ عَلَيْهِ الْمَاءَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ. طرفاه ٢٤٨، ٢٦٢ - تحفة ١٦٩٦٩ ٢٧٣ - وَقَالَتْ كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ نَغْرِفُ مِنْهُ جَمِيعًا. أطرافه ٢٥٠، ٢٦١، ٢٦٣، ٢٩٩، ٥٩٥٦، ٧٣٣٩ - تحفة ١٦٩٧٦ ١٦ - باب مَنْ تَوَضَّأَ فِى الْجَنَابَةِ ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ، وَلَمْ يُعِدْ غَسْلَ مَوَاضِعِ الْوُضُوءِ منه مَرَّةً أُخْرَى ٢٧٤ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عِيسَى قَالَ أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى قَالَ أَخْبَرَنَا الأَعْمَشُ عَنْ سَالِمٍ عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ

стр. 389

وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَضُوءًا لِجَنَابَةٍ فَأَكْفَأَ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ فَرْجَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ يَدَهُ بِالأَرْضِ - أَوِ الْحَائِطِ - مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى رَأْسِهِ الْمَاءَ، ثُمَّ غَسَلَ جَسَدَهُ، ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ. قَالَتْ فَأَتَيْتُهُ بِخِرْقَةٍ، فَلَمْ يُرِدْهَا، فَجَعَلَ يَنْفُضُ بِيَدِهِ. أطرافه ٢٤٩، ٢٥٧، ٢٥٩، ٢٦٠، ٢٦٥، ٢٦٦، ٢٧٦، ٢٨١ - تحفة ١٨٠٦٤ - ٧٧/ ١ وحاصله: أنه إذا اغتسل بعد الوضوء فليس عليه أن يفيض الماء على أعضاء وضوئه ثانيًا، فإن شاء أفاض عليها الماء، وإن شاء اكتفى بغسل سائر جسده، فقط ولمَّا قابل الراوي بين أعضاء الوضوء والجسد حيث ذكر أولًا غسلها وذكر بعده غسل الجسد بثم، ظهر أَنَّه أرادَ من الجسد غيرها، وثبت ما رامه المصنَّف رحمه الله تعالى «سائر» الأفصح أنه بمعنى الباقي، من السؤر بمعنى الباقي والفضل، وقيل: بمعنى الجميع من السور أي من سور البلد. ١٧ - باب إِذَا ذَكَرَ فِى الْمَسْجِدِ أَنَّهُ جُنُبٌ، يَخْرُجُ كَمَا هُوَ وَلَا يَتَيَمَّمُ قال النُّحَاة: (كما هو) قد يكون للتشبيه، وقد يكون للمفاجأة، وهو المراد ههنا. قوله: (ولا يتيمم) ولا يجوز للجنب أَنْ يَدْخل المسجد عندنا، فإِنْ دخل ناسيًا يتيمم ثم يخرج، وفي رواية غير مشهورة: يخرج وإن لم يتيمم. كذا في «رد المحتار»، وهي المختارة عندي، وإن كانت غير مشهورة، وهو المتبادَر في الحديث، فإِن النبي ﷺ لو كان تيمم لَذَكَرَهُ الراوي، فهو سكوت في مَعْرِض البيان، وأصل الكلام في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٤٣]- الآية. قال الشافعية ﵃: إنَّ صدرَ الآيةِ في حُكْمِ الصَّلاةِ ثم انتقل إلى حكم المسجد، فلا يجوز للجنب أن يدخلَ فيه إلا بطريق العبور والاجتياز. وقال الحنفية: إن آخِرَها أيضًا في حكم الصلاة كأوَّلها، ومعناه: لا تقربوا الصلاة حال كونكم جنبًا إلا أن تكونوا مسافرين. ويَردُ عليه قوله: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ فإِنه يوجب التكرار على هذا التقدير والجواب أنه أعادُهُ لبيان حكمه، لأنه لم يذكره أوّلًا، فهذا استئناف بإِعادة ما استؤنف عنه، وهو نوع من البلاغة. ويَرِدُ على الشافعية أنه يجب عليهم تقدير المضاف، أي: لا تقربوا مواضع الصلاة ليكون المذكور فيها حكم المساجد، وهذا خلافٌ الظاهر، فإِن المتبادَر أنها في حكم الصّلاة دون المسجد، وأيضًا قوله: ﴿عَابِرِى سَبِيلٍ﴾ وإن صلح للعبور والاجتياز لغةً إلا أنَّ المتبادرَ منه عُرفًا المسافر، فيقال للمسافر: إنَّه عابرُ سبيل وابن سبيل. أقول: والذي تبين لي أن الآية سِيقت لبيان أحكام الصلاة، ثم انسحبت على ذكر مواضعها أيضًا، فالحكم في القطعة الأولى للعبادة، وفي الثانية لمواضع العبادة. فإِن شئت سمَّيتَه صنعةَ الاستخدام أو غيرها. وحاصلها عندي: لا تقربوا الصلاة وأنتم سُكَارى، ولا تقربوا

стр. 390

مواضعها جنبًا إلا أن تكونوا مسافرين، فوافقتُ االشافعية في التفسير، والحنفية في المسألة، وكثيرًا ما فعلته في مواضع. أما الجواب عن الحديث فقد مرَّ معنا في باب الاستقبال والاستدبار: أنه يجوز أن يكون من خصائصه ﷺ لِمَا عند الترمذي في مناقب علي ﵁: عن أبي سعيد مرفوعًا: «لا يَحِلُّ لأحدٍ غيري وغيرك أن يُجْنِبَ في المسجد» (بالمعنى) واستغربه الترمذي، وعدَّه ابن الجوزي في الموضوعات. قال الحافظ ﵁: إن الحديث قوي، وأخرج له متابعات، وقد مرض من قبلُ مفصَّلًا فراجعه. فائدة: واعلم أن الروايات إذا اختلفت عن إمامنا في مسألة، فعامة مشايخنا يسلكون فيها مسلك الترجيح، فيأخذون بظاهر الرواية ويتركون نادِرَها، وليس بسديد عندي ولا سيما إذا كانت الرواية النادرة تتأيد بالحديث، فإِني أحمله على تلك الرواية، ولا أعبأ بكونها نادرة، فإِنّ الرواية إذا جاءت عن إمامنا رحمه الله تعالى لا بد أن يكون لها عنده دليل من حديث أو غيره، فإِذا وَجَدتُ حديثًا يوافقها أحمَلُه عليها. نعم، الترجيح إنما يناسب بين الأقوال المختلفة عن المشايخ، فإِن التضاد عند اختلاف القائلين معقول، وربما يكون التوفيق بينهما خلافَ منشئهم، وحينئذ لا سبيل إلا إلى الترجيح، بخلاف ما إذا جاء الاختلاف عن قائل واحد، فإِنّ الأَولى فيها الجمع، فإِن الأصل في كلام متكلمٍ واحد أن لا يكون بين كلاميه تضاد، فينبغي بينهما الجمع أوّلًا، إلا أن يترجح خلافه، والأسف أنهم إذا مروا بأحاديث مختلفة يبتغون الجمع بينها عامة، وإذا مروا بروايات عن الإِمام إذا هم برجِّحون ولا يسلكون سبيل الجمع، فالأحب إليَّ الجمع بين الروايات عن الإِمام مهما أمكن، إلا أن يقوم الدليل على خلافه، فاعلمه ولا تعجل. ٢٧٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ قَالَ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، وَعُدِّلَتِ الصُّفُوفُ قِيَامًا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا قَامَ فِى مُصَلَاّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ جُنُبٌ فَقَالَ لَنَا: «مَكَانَكُمْ». ثُمَّ رَجَعَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْنَا وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ، فَكَبَّرَ فَصَلَّيْنَا مَعَهُ. تَابَعَهُ عَبْدُ الأَعْلَى عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِىِّ. وَرَوَاهُ الأَوْزَاعِىُّ عَنِ الزُّهْرِىِّ. طرفاه ٦٣٩، ٦٤٠ - تحفة ١٥٣٠٩، ١٥٢٧٥، ١٥٢٠٠ ١٨ - باب نَفْضِ الْيَدَيْنِ مِنَ الْغُسْلِ عَنِ الْجَنَابَةِ ٢٧٦ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو حَمْزَةَ قَالَ سَمِعْتُ الأَعْمَشَ عَنْ سَالِمٍ عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَتْ مَيْمُونَةُ وَضَعْتُ لِلنَّبِىِّ ﷺ غُسْلًا، فَسَتَرْتُهُ بِثَوْبٍ، وَصَبَّ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ صَبَّ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَغَسَلَ فَرْجَهُ، فَضَرَبَ بِيَدِهِ الأَرْضَ فَمَسَحَهَا، ثُمَّ غَسَلَهَا فَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ صَبَّ عَلَى رَأْسِهِ،

стр. 391

وَأَفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ، ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ، فَنَاوَلْتُهُ ثَوْبًا فَلَمْ يَأْخُذْهُ، فَانْطَلَقَ وَهْوَ يَنْفُضُ يَدَيْهِ. أطرافه ٢٤٩، ٢٥٧، ٢٥٩، ٢٦٠، ٢٦٥، ٢٦٦، ٢٧٤، ٢٨١ - تحفة ١٨٠٦٤. ١٩ - باب مَنْ بَدَأَ بِشِقِّ رَأْسِهِ الأَيْمَنِ فِى الْغُسْلِ ٢٧٧ - حَدَّثَنَا خَلَاّدُ بْنُ يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كُنَّا إِذَا أَصَابَتْ إِحْدَانَا جَنَابَةٌ، أَخَذَتْ بِيَدَيْهَا ثَلَاثًا فَوْقَ رَأْسِهَا، ثُمَّ تَأْخُذُ بِيَدِهَا عَلَى شِقِّهَا الأَيْمَنِ، وَبِيَدِهَا الأُخْرَى عَلَى شِقِّهَا الأَيْسَرِ. تحفة ١٧٨٥٠ ٢٧٥ - قوله: (فكبَّر فصلينا معه) ... إلخ واعلم أن في تكبيره ﷺ اختلافًا واضطرابًا ذكره أبو داود، فيُعلم من بعض الألفاظ أنه انصرف بعد أن كَبَّر، ومن بعضٍ آخر أنه انصرف قبل أن يكبِّر، فذهب ابن حِبَّان إلى تعدُّد الواقعة، وبعضُهم إلى وَحْدَتِها. قلت: والذي عندي أنَّ الواقعةَ واحدة وهي كما في البخاري، وفيه تصريح أنه لم يكن كَبَّر كما في باب هل يخرج من المسجد لِعِلَّة: «حتى إذا قام في مصلاه أنتظرنا أن يُكَبِّر»، وعند مسلم في باب متى يقوم الناس للصلاة «حتى إذا قام في مُصَلاة قبل أن يكبِّر ذَكَر فانصرف» وما في أبي داود في بعض ألفاظ «كبَّر» معناه: بلغ موضع التكبير، وكذا أن يكبِّر، وهذا التعبير عام، فإِنهم يُعَبِّرون عن القريب من الشيء بالشيء، وذهب البخاري رحمه الله تعالى إلى أن هذه الواقعة بعد التكبير ثم فرَّع عليه مسألة وهي جواز تقدُّم تحريمة المؤتم على تحريمة الإِمام، وهو مروي عن الشافعي رحمه الله تعالى في رواية، ووجه التفريع أن النبي ﷺ أعاد تحريمته بعد انصرافه، ولا بد لوقوعها في حالة الحَدَث، والظاهر من حال المقتدين أن تحريمتهم السابقة قد اعتُبِرَتْ واعتُدَّ بها، فلزم تقدُّم تحريمتهم على تحريمة الإِمام. قلت: وأصل النزاع في رابطة القدوة: وَسَّع فيها الشافعية وَوَسَّعَ البخاري أزيد منهم، ولما كانت تلك الرابطة عندهم ضعيفة جدًا تحمَّلوا تلك الاختلافات بأنواعها فيما بين المقتدي وإمامه، فجوَّزوا الاقتداء عند اختلاف الصلاتين ذاتًا وصفةً، ومن هذاالباب تقدُّم التحريمة على تحريمة الإِمام، وعدم سراية فساد صلاة الإِمام إلى صلاة المقتدي، وهذا كلّه لأنهم لم يَرَوْها شديدةً، بخلاف الحنفية، فإِنهم شدَّدوا فيها، ولذا عبّروا عنها بلفظ «التضمن» كما في «الهداية»، فانعكست عندهم التفريعات بأسرها. فالحاصل: أن مسائل القدوة عند الشافعية على خلاف مسائل التضمن عند الحنفية. ولما اختار المصنِّف رحمه الله تعالى مسائلهم على أوسع وجه، ذهب إلى جواز تقدم التحريمة أيضًا، ولعلك علمتَ مما سبق تمسك الإِمام البخاري إنما ينهض إذا سلَّمنا أنه ﷺ كان دخل في الصلاة وفرغ عن التكبير، وأن القوم لم يُعيدوا تحريمتهم، وفي كلا الأمرين نَظَرٌ، أما الأول،

стр. 392

فقد عَلِمتَ. وأما الثاني، فلأنه روي أنَّ القومَ أعادوا تحريمتهم كما في الدَّارقطني أنهم كبَّروا بعد انصرافه ﷺ . على أنَّ المسألةَ عند المصنِّف رحمه الله تعالى أن الإِمام إن كان فرغ عن التكبير يجب على القوم أن لا يزالوا قائمين على هيآتهم، مع أنَّ روايةَ أبي داود صريحةٌ في أنه أمرهم بالجلوس. ففيه: عن محمد رحمه الله تعالى مرفوعًا قال: فكبَّر ثم أومأ إلى القوم أن اجلسوا، فذهب فاغتسل، وكأن هذا الراوي يناقض نفسه عند المصنِّف رحمه لله تعالى، فإِنه يذكر تكبير الإِمام، ومع هذا يقول: إنه أمرهم بالجلوس وهذا يناقض ثبوت التكبير عنده، لأنِّ الجلوسَ عنده فيما إذا لم يكبِّر الإِمام، وعبارة المصنِّف رحمه الله تعالى في بعض النسخ هكذا: «قيل لأبي عبد الله: إن بدا لأحدنا مثلَ هذا يفعل كما فعل النبي ﷺ قال: فأي شيء يصنع؟ فقيل: ينتظرونه قيامًا أو قعودًا، قال: إن كان قبل التكبير فلا بأس أن يقعدوا، وإن كان بعد التكبير ينتظرونه قيامًا». وحكى بعض المحدثين عن أبي داود في هذه الواقعة جلوسَ بعضٍ وقيامَ بعض (١). ثم اعلم أنه ينبغي للرسول أن نقع له مثل هذه الواقعة مرة أو مرتين لقوله ﷺ «إنما أُنَسَّى لأَسُنَّ»، ولكونهم بشرًا فينسون كما تَنْسَون، وهذا كمال في حقهم ورحمة في حق أممهم. ٢٠ - باب مَنِ اغْتَسَلَ عُرْيَانًا وَحْدَهُ فِى الْخَلْوَةِ، وَمَنْ تَسَتَّرَ فَالتَّسَتُّرُ أَفْضَلُ وَقَالَ بَهْزٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ «اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ مِنَ النَّاسِ». تحفة ١١٣٨٠ - ٧٨/ ١ هذه الترجمة إذا كان في الفضاء وأَمِنَ من مرور الناس، وفي مراسيل أبي داود: أنه لو اغتسل في الفضاء فليَخُطَّ حوله خطًّا، لأن هناك أيضًا من عباد الله مَن يُسْتَحَى منهم، فالمطلوب التستر، ولو اغتسل عُريانًا لا يكون معصيةً. قوله: (الله أحق) يعني أن الله سبحانه وإن كان يعلم سِرَّهم ونجواهم إلا أنه ينبغي أن يُسْتَحْيَى منه مما يُسْتَحْيَى فيما بين الناس، فهذا من الآداب.

стр. 393

٢٧٨ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَكَانَ مُوسَى يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ، فَقَالُوا وَاللَّهِ مَا يَمْنَعُ مُوسَى أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَنَا إِلَاّ أَنَّهُ آدَرُ، فَذَهَبَ مَرَّةً يَغْتَسِلُ، فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ، فَفَرَّ الْحَجَرُ بِثَوْبِهِ، فَخَرَجَ مُوسَى فِى إِثْرِهِ يَقُولُ ثَوْبِى يَا حَجَرُ. حَتَّى نَظَرَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِلَى مُوسَى، فَقَالُوا وَاللَّهِ مَا بِمُوسَى مِنْ بَأْسٍ. وَأَخَذَ ثَوْبَهُ، فَطَفِقَ بِالْحَجَرِ ضَرْبًا». فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَاللَّهِ إِنَّهُ لَنَدَبٌ بِالْحَجَرِ سِتَّةٌ أَوْ سَبْعَةٌ ضَرْبًا بِالْحَجَرِ. طرفاه ٣٤٠٤، ٤٧٩٩ - تحفة ١٤٧٠٨ ٢٧٨ - قوله: (يغتسلون عُرَاةً) ولعله كان في التِّيْهِ لانعدام العِمَارَات فيها. قوله: (ثوبي يا حجر) يدل على أن فيه شعورًا، ولكنه من نحو العلم الحضوري فقط. قوله: (لَنَدبٌ) ترجمتُه في لساننا: ليكين. قلت: وإنما رُئي عليه من ضربه ندبًا فقط، لأنه قُدِّر منه تفجُّر الأعين، وإلا لانعدم بضرب موسى، وأَنَّى كان للحجر أن يضربه نبي مغضَبًا عليه ثم يبقى موجودًا، ألا ترى أنه وَكَزَ واحدًا من أهلهم فقضى عليه، ولطم المَلَك ففقأ عينه، وأشار النبي ﷺ برُمح إلى رجل ناداه في أُحُد يا محمد، وأراد أن يُبَارُزه فخرَّ يَتَدَهْدَه (١)، ودعا بالويل والثُّبُور حتى ماتمُحْرَقًا، ولذا قيل: شر القتلى من قتله نبي، ولذا لم يثبت عن النبي ﷺ القتال. ٢٧٩ - وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «بَيْنَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا فَخَرَّ عَلَيْهِ جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ أَيُّوبُ يَحْتَثِى فِى ثَوْبِهِ، فَنَادَاهُ رَبُّهُ يَا أَيُّوبُ، أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ عَمَّا تَرَى قَالَ بَلَى وَعِزَّتِكَ وَلَكِنْ لَا غِنَى بِى عَنْ بَرَكَتِكَ». وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ صَفْوَانَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «بَيْنَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا». طرفاه ٣٣٩١، ٧٤٩٣ - تحفة ١٤٧٢٤، ١٤٢٢٤ ٢٧٩ - قوله: (يغتسلُ عريانًا) (٢) أي بعد ما صحّ ممَّا ابتُلي به.

стр. 394

قوله: (عما ترى) أي بعد النجاة إلى الآن. قوله: (لا غنى بي عن بركتك) ما ألطفَ جوابَه وأملحه لفظًا، وأعمق معنىً، وأليق شأنًا، فهذا لا يمكن إألا ممن اصطفاهم الله لنفسه. ومثله جواب موسى ﵇ حين ناداه ربه: ﴿خُذْهَا وَلَا تَخَفْ﴾ [طه: ٢١] فجعل موسى يَلُفُّ ثوبًا على يده ويَمُدُّ إليها يده ليأخذها، فنُودي أَلا تعتمد علينا قال: بلى، ولكني بَشَرٌ خُلِقْتُ من ضعف. وكجواب إبراهيم خليل الله ﵊ قال: ﴿بَلَى وَلَكِن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى﴾ [البقرة: ٢٦٠]. فهؤلاء الأنبياء ﵈ يُلْهَمون جوابَهم من جهته تعالى، وإلا فَمن يتكلم بين يديه إلا من بعد إذنه. ٢١ - باب التَّسَتُّرِ فِى الْغُسْلِ عِنْدَ النَّاسِ يعني لا بأس بالغُسل بينهم إذا كانت له سُترة تستره عن أعين الناس. وحاصل المسألة عندي: أنَّ التسترَ في الفضاء مطلوب ولو بثوب، ولا أقلَّ من خطٍ، وإن لم يفعل وأَمِن المرور لا بأس، أما في المُسْتَحِمّ والمُغْتَسَل - كما في زماننا - فلا بأس بالغُسل عُريانًا. ٢٨٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِى النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّ أَبَا مُرَّةَ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِى طَالِبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أُمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِى طَالِبٍ تَقُولُ ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ وَفَاطِمَةُ تَسْتُرُهُ فَقَالَ «مَنْ هَذِهِ». فَقُلْتُ أَنَا أُمُّ هَانِئٍ. أطرافه ٣٥٧، ٣١٧١، ٦١٥٨ - تحفة ١٨٠١٨ ٢٨٠ - قوله: (فوجدته يغتسل) وفي الروايات أنَّه صلى ثمان ركعات، وفي ابن ماجه تصريح بكون التسليمتين على كل ركعتين ثم إنها كانت صلاة الضحى أو شكرًا للفتح ووافق وقتها فلينظره. ٢٨١ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِى الْجَعْدِ عَنْ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ سَتَرْتُ النَّبِىَّ ﷺ وَهُوَ يَغْتَسِلُ مِنَ الْجَنَابَةِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ ثُمَّ صَبَّ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَغَسَلَ فَرْجَهُ، وَمَا أَصَابَهُ، ثُمَّ مَسَحَ بِيَدِهِ عَلَى الْحَائِطِ أَوِ الأَرْضِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، غَيْرَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ الْمَاءَ، ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ. تَابَعَهُ أَبُو عَوَانَةَ وَابْنُ فُضَيْلٍ فِى السَّتْرِ. أطرافه ٢٤٩، ٢٥٧، ٢٥٩، ٢٦٠، ٢٦٥، ٢٦٦، ٢٧٤، ٢٧٦ - تحفة ١٨٠٦٤ - ٧٩/ ١ ٢٨١ - قوله: (تابعه أبو عَوَانَة) هو وَضَّاح بن يَشْكُر (وابن فُضَيل) اسمه: محمد. ٢٢ - باب إِذَا احْتَلَمَتِ الْمَرْأَةُ ٢٨٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ امْرَأَةُ

стр. 395

أَبِى طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِى مِنَ الْحَقِّ، هَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَا هِىَ احْتَلَمَتْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «نَعَمْ إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ». أطرافه ١٣٠، ٣٣٢٨، ٦٠٩١، ٦١٢١ - تحفة ١٨ ٢٦٤ ٢٣ - باب عَرَقِ الْجُنُبِ وَأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَنْجُسُ ٢٨٣ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ قَالَ حَدَّثَنَا بَكْرٌ عَنْ أَبِى رَافِعٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ لَقِيَهُ فِى بَعْضِ طَرِيقِ الْمَدِينَةِ وَهْوَ جُنُبٌ، فَانْخَنَسْتُ مِنْهُ، فَذَهَبَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ «أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ». قَالَ كُنْتُ جُنُبًا، فَكَرِهْتُ أَنْ أُجَالِسَكَ وَأَنَا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ. فَقَالَ «سُبْحَانَ اللَّهِ، إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ». طرفه ٢٨٥ - تحفة ١٤٦٤٨ ٢٤ - باب الْجُنُبُ يَخْرُجُ وَيَمْشِى فِى السُّوقِ وَغَيْرِهِ وَقَالَ عَطَاءٌ يَحْتَجِمُ الْجُنُبُ وَيُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ، وَيَحْلِقُ رَأْسَهُ، وَإِنْ لَمْ يَتَوَضَّأْ. ٢٨٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُمْ أَنَّ نَبِىَّ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ فِى اللَّيْلَةِ الْوَاحِدَةِ، وَلَهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعُ نِسْوَةٍ. أطرافه ٢٦٨، ٥٠٦٨، ٥٢١٥ - تحفة ١١٨٦ ٢٨٥ - حَدَّثَنَا عَيَّاشٌ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ عَنْ بَكْرٍ عَنْ أَبِى رَافِعٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ لَقِيَنِى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا جُنُبٌ، فَأَخَذَ بِيَدِى، فَمَشَيْتُ مَعَهُ حَتَّى قَعَدَ فَانْسَلَلْتُ، فَأَتَيْتُ الرَّحْلَ، فَاغْتَسَلْتُ ثُمَّ جِئْتُ وَهْوَ قَاعِدٌ فَقَالَ «أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هِرٍّ» فَقُلْتُ لَهُ. فَقَالَ «سُبْحَانَ اللَّهِ يَا أَبَا هِرٍّ إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ». طرفه ٢٨٣ - تحفة ١٤٦٤٨ - ٨٠/ ١ وفي «الدر المختار» أن مُدْمِنَ الخمر لو وُجِدَ ريح الخمر من عَرَقه، فثوبه نَجِس. وفي «المبسوط» لمحمد رحمه لله تعالى أن غُسَالة الميت نَجِسة. وحَمَلَه المشايخ على ما اختلط بها نجاسة خارجة منه، بخلاف الكافر، فإنه جِيفة حيًا وميتًا، فغُسالته نَجِسَة ولو لم يخرج منه شيء. وظني أنَّ المصنَّف رحمه الله تعالى ذهب إلى نجاسة بَدَنِ الكافر، ونُسِب إلى مالك رحمه الله تعالى أيضًا، واختاره الحسن البصري أيضًا، فلو غَمَسَ يدَه في الماء يصير نجسًا، كما ذكره العيني، فكأنه أسوأ من الخنزير أيضًا حيث سؤره طاهر عند مالك في رواية، وهو ظاهر القرآن، فإنه قال: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] ... إلخ. واعلم أن النَّجَس في اللغة: ما كان نَجِسًا في ذاته كَعَذِرَةِ الإنسان وبوله، لا ما اختلطت به النجاسة. وعلى هذا لا ينبغي أن يُطلق النَّجَس على الثوب النَّجِس، بل يقال فيه: إنه متنجّس، لأن أهل اللغة لا يتعارفون إلا ما كان نَجَسًا عندهم، وهو ما يكون متقذِّرًا طبعًا، أما ما يكون نَجِسًا بعد حكم الفقهاء، فإنه بمعزِل عن أنظارهم، ولذا لم يضعوا له لفظًا، ولمّا لم

стр. 396

يكن عندهم لفظ موضوع لهذا النوع من النَّجَس اضطر الفقهاء إلى التوسيع في هذا اللفظ، فاستعملوه في النَّجَسِ والمُتَنَجِّس أيضًا، وأما أصل اللغة فكما قلنا. وحينئذ ظهر معنى ما رُوي عن ابن عباس ﵁: أن المؤمن لا يَنْجُس حيًا وميتًا. ورَفْعُه معلول، وقد مرَّ عليه الوزير محمد بن إبراهيم (١) فقال: لا يصح إطلاقه على المؤمن لا حقيقة ولا مجازًا، وهذا الفاضل زَيديٌّ، وعندهم أحاديث أهل السنة أيضًا حجةٌ، والحافظ رحمه الله تعالى لما جاء إلى الحج أجازه أيضًا في الحديدة كما ذكره في «الدُّرَر الكامنة». وقد مرّ أيضًا أن قوله ﷺ «إن الماء طَهورٌ لا ينجِّسُه شيء»، حمله الشيخ ابن الهُمَام على الماء الخاص، وأخذ اللام للعهد، وقيَّده الطحاوي بقوله: «كما زعمتم»، كما قَيَّد في سؤر الهرة، وانكشف بهذا التحقيق أنه ليس بنَجَسٍ حال كون النجاسة فيه أيضًا، فإن له صورةَ التطهير بإخراج النجاسة ونَزْحِ البئر، فماء الآبار ليس بنَجَس، ولكنه متنجِّس، إلا أنه لمّا كَثُر في الفقه إطلاق النَّجَس على المتنجِّس غُفِل عن هذا الإطلاق حتى لا يَسبقَ إليه ذهن أحد، وعليه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾. واعلم أنَّ في الآية حكمين: الأول: بنجاسة الكافر، والثاني: بحرمة دخولهم في المسجد الحرام. وقد علمتَ مذهب مالك رحمه الله تعالى في الجملة الأولى، وأما في الجملة الثانية فإنَّه قال: إن الكافرَ لا يدخل المسجد الحرام ولا غيرَه، مع أنه ثبت في أحاديث الصحيحين وغيرهما دخولهم في المسجد، ومرّ عليه القاضي أبو بكر بن العربي المالكي وقال: إن تلك الوقائعَ كلَّها قبل عامهم هذا، وإنما النهي فيما بعد عامهم هذا، ثم إن النَّصَ وإن خَصَّصَ المسجد الحرام بالذِّكر لكنه عَمَّم الحكم بالتعليل فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ فالنهي عن دخولهم لكونهم أنجاسًا، فيشمل المساجد كلها ولا يختص بمسجد دون مسجد. وأما الشافعية، فلم أر عنهم شيئًا في نجاسة المشرك، وصرَّحوا أن الكافر لا يدخل المسجد الحرام، فوافقوا مالكًا ﵁ في الحكم، وخالفوه في التعميم. وأما الحنفية فإنهم قالوا: إنَّ المشركَ ليس بنَجَسٍ، وله أن يَدخل المسجدَ الحرام وغيرَه،

стр. 397

كما في «الجامع الصغير»، فأشكلتْ عليهم الآية. قلت: وفي «السِّيَر الكبير» أنَّه لا يدخل المسجد الحرام عندنا أيضًا، كما هو ظاهر النص، واختاره في «الدر المختار» لأن «السِّيَر» آخر تصانيف محمد ﵁. بقي الكلام في الجملة الأُولى بعدُ، فأُجيب عنها أنَّ المرادَ من النجاسة نجاسةُ الشِّرْك دون نجاسة البدن، وهو كما ترى. فإن النجاسة وإن كانت نجاسة الشرك لكن الحكم أن لا يقربوا المسجد الحرام، والجواب حينئذ كما في «الكشاف» أن المراد من عدم القرب نهيهم عن الحج والعمرة فقط (١)، كما في الصحيحين وغيرهما: أن النبي ﷺ بعد نزولها بعث أبا بكرٍ أميرًا، وعليًّا ﵄ لينادي في الناس أن لا يَحُجَّ البيتَ عُريان ولا مشركٌ، فاستُفِيد منه أن الغرض من النهي هو منعهم عن الحج والعمرة، وفيه نظر بعدُ، لأنه يجري البحث في أنه هل يجوز ترك لفظ القرآن بعد ما انكشف الغرض أم لا؟ والذي يظهر أن ترك تعبير القرآن بحيث لا يبقى له حكمٌ وأَثَرٌ عسيرٌ جدًا، وإنما يتوسع بمثله في الأحاديث لفُشوِّ الرواية بالمعنى، وأما في القرآن فإنه مشكل، ولا سيما إذا كانت المناسبة بين الجملتين ظاهرة كما هو هنا. فإنه حكم في القطعة الأولى بكونهم أنجاسًا، ثم فَرَّع عليه أن لا يقربوا، فهذان الحكمان يرتبطان جدًا لما ظهر أثر اللفظ في الحكم أيضًا، ولذا اخترتُ رواية «السِّيَر الكبير» بأن دخولهم في المسجد الحرام غير جائز، وأن النجاسة فيهم أزيد من نجاسة الشِّرك، أما دخولهم في سائر المساجد فالأمر فيه موسَّع، لأن الأصوليين قالوا: إن العموم إنما يكون في الآحاد لا في الأزمنة والأمكنة، وإن ذهب إليه جماعة أيضًا، إلا أن المختار عندي أن العموم في الأفراد والآحاد فَحَسْب، لأن الأحوال والأزمنة والأمكنة ليست موضوعًا لها ليشملها اللفظ. وعلى هذا فالنجاسة عندي محمولة على ما هو المعروف لا على نجاسة الشِّرك، ومع هذا

стр. 398

يقتصر النهي على المسجد الحرام، لأنه ليس من ضرورة العموم في الأفراد العموم في الأمكنة أيضًا ليعمَّ النهي سائر المساجد، وعُلِم من هذا الاختلاف أن العموم في الأفراد قويٌّ، وأما في الأمكنة وغيرها فضعيف، حتى أنكره بعضهم كما علمتَ. وهكذا يعلم من كتبنا أنهم اعتبروا نجاستهم فوق نجاسة الشرك ففي «البدائع» عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى في البئر سقط فيه كافر ثم أُخرج حيًا أنه يُنْزَح كله، وكذا لو أسلم الكافر يجب عليه الغُسل في رواية، كذا في «الذخيرة» عن الحسن بن زياد، فدلّ على أن نجاسة هؤلاء أزيدُ من نجاسة الشِّرْك، إلا أنه لا يُدرى أنه إلى أين تجري وأين تُكَفُّ. وأجاب ابن رُشْد عن الإشكال المذكور: أن إطلاق النَّجَس عليهم أُجْرِي مجرى الذَّمِّ، فالله بالغ في ذمهم ونزَّلهم منزلةَ النَّجَس، لا أنهم أنجاسٌ حقيقةً، فلا يَرِدُ عليه شيء. والحاصل: أن ههنا أربعة أجوبة: الأول: أنَّ المراد من النجاسة نجاسة الشِّرك، وهذا لا ينفع في المسألة الثانية لصراحة الحكم بعدم القُرْبِ، على أنه حُمِل اللفظ على الغير المعروف، والمعروف هو النجاسة المتعارَفة التي تتقذرها الطبائع، ثم إنه لا يرتبط بالمسائل، لأن ما في الفقه يدلُّ على أن نجاستهم فوق نجاسة الشرك، لتعلق بعض أحكام النجاسة بأبدانهم أيضًا. نعم، إن اخترنا رواية «الجامع الصغير» فله وجه ونفاذ. والثاني: أنَّ المرادَ من النجاسة هي التي تُعُورِفت عندهم مع التزام النهي عن دخولهم في المسجد الحرام، كما في رواية «السير الكبير». والثالث: أن المراد من النهي عن القُرْبِ هو الحج والعمرة دون الدخول مطلقًا، وفيه أنه يلزم عليه تركُ تعبير القرآن رأسًا، وهو مُشكل ولا سيما إذا اتضحت المناسبة بين القرينين، فإن الحكم بالنجاسة يدلّ على أن الغرض عدم دخولهم مطلقًا دون المنع عن الحج والعمرة فقط. والرابع: أن اللفظ النَّجَس أُخْرِج مخرج الذَّم، وما يُساق لأجل الذم أو المدح لا يُعتبر فيه اللفظ، ويكون المراد هو المعنى فقط، فكذلك فيما نحن فيه، لما أطلق عليهم النَّجَس ذَمًّا وشناعة لهم لا يجري عليهم ما يجري على النَّجَس حقيقة. قوله: (سبحان الله) وفي النظم لابن وَهْبَان ما معناه: أن إخراج تلك الكلمات عن موضوعها ليس بصحيح. قلت: ورأيت كثيرًا ما يُخْرِجونها عن موضوعها كما ترى ههنا، فإنها وإن وُضِعَتْ للتسبيح لكنه مستعمل في التعجب. ٢٥ - باب كَيْنُونَةِ الْجُنُبِ فِى الْبَيْتِ إِذَا تَوَضَّأَ ٢٨٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ وَشَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِى سَلَمَةَ قَالَ سَأَلْتُ عَائِشَةَ أَكَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَرْقُدُ وَهْوَ جُنُبٌ قَالَتْ نَعَمْ وَيَتَوَضَّأُ. طرفه ٢٨٨ - تحفة ١٧٧٨٥

стр. 399

لعله يشير إلى ما رواه ابن ماجه أن الملائكة لا تشهد بيتا فيه كلب أو جنب أو تصاوير إلا أنه ليس على شرطه. ٢٦ - باب نَوْمِ الْجُنُبِ ٢٨٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَيَرْقُدُ أَحَدُنَا وَهْوَ جُنُبٌ قَالَ «نَعَمْ إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرْقُدْ وَهُوَ جُنُبٌ». طرفاه ٢٨٩، ٢٩٠ - تحفة ٨٣٠٣ وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى عند الطحاوي أنه لا بأس بنوم الجُنُب من غير أن يتوضأ لأن التوضؤ لا يخرجه من حال الجنابة إلى حال الطهارة، وعندهما يتوضأ ثم ينام، لِمَا في «تنوير الحوالك» من «معجم الطبراني»: «أن ملائكة الرحمة لا تَحْضُر جنازة الجُنُب»، فهو ضرر عظيم، ويدور النظر فيما يشتمل المقام على الضرر مع عدم ورود الوعيد والنهي صراحةً، فينظر بعضهم إلى المعنى فيذهب إلى الوجوب، كما في «شرح المنهاج»: أن التسمية واجبةٌ عند الأكل عند الشافعي رحمه الله تعالى في رواية، وكالتسمية قبل الوضوء عند البخاري، فإن الشيطان يشترك في كل أمرٍ لم يُبْدَأ باسم الله ويمحق بركته، وهذه مَضَرَّةٌ عظيمة. ويَنظر بعضهم إلى اللفظ، فإن كان ورد فيه الأمر أو النهي يقول به، وإلا لا، والظاهر أن الوجوب والحُرمة تدور على الخطاب دون المعنى كما مرّ مفصلًا. أقول (١): ولم يثبت عندي نومه ﷺ في حالة الجنابة إلا بالغسل أو الوضوء، وثبت التيمم أيضًا كما في «المصنَّف» لابن أبي شَيبة، كما في «الفتح»، وفي «البحر»: أن التيمم فيما لا تُشترط فيه الطهارة صحيح مع وجدان الماء أيضًا، وهو مختار جماعة، وهو الصحيح عندي، وما رواه أبو إسحاق عن الأسود، عن عائشة ﵂ في نومه ﷺ في حالة الجنابة، فقد

стр. 400

بَيَّنَه الطحاوي (١) مفصَّلًا، وبَعْدَه لا يبقى فيه ما يُخَالفنا بشيء. فساق أولًا حديث عائشة قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا رَجَعَ من المسجد صلى ما شاء الله ثم مال إلى فراشه وإلى أهله، فإن كانت له حاجة قضاها، ثم ينام كهيئته ولا يَمَسّ الماء»، ثم قال الطحاوي: إنه حديث مختصر اختصره أبو إسحاق من حديث طويل فأخطأ في اختصاره إياه. والحديث الطويل ما رواه فهد: حدثنا أبو غسان حدثنا أبو إسحاق قال: أتيت الأسود بن يزيد، وكان لي أخًا وصديقًا، فقلت: يا أبا عمرو حَدِّثْني ما حدَّثَتْكَ عائشة رضي الله تعالى عنها أمُّ المؤمنين عن صلاة رسول الله ﷺ «ينامُ أوَّلَ الليل ويُحيى آخره، ثم إن كانت له حاجة قضى حاجته، ثم ينام قبل أن يَمَسَّ ماء، فإذا كان عند النداء الأول وَثَبَ»، وما قالت: نام فأفاض عليه الماء، وما قالت: اغتسل، وأنا أعلم ما تريد، «وإن كان جُنُبًا توضأ وضوء الرجل للصلاة»، فصرح في هذا الحديث الطويل أنه إن أرادّ أن ينام وهو جُنُب توضأ وضوءه للصَّلاة، وأما قولها: «ولم يمسَّ ماء». فالمراد منه الماء الذي للغُسل، لا على الوضوء، لِمَا رواه غير إسحاق عن الأسود، عن عائشة ﵂: «أن رسول الله ﷺ إذا أراد أن ينام أو يأكل وهو جُنُب يتوضأ»، وهكذا روي عن الأسود من رأيه وهكذا رواه مسلم إلا أن في آخره جملة تناقضه وهي: «وإن لم يكن جُنُبًا توضأ وضوءه للصلاة»، ولم يتعرض إليه أحد. ويمكن أن يوفَّق بينهما أنّ ما في الطحاوي فهو حالُهُ في أول الليل، وما عند مسلم، فهو حالُه في آخر الليل، أي: إن كان جُنُبًا في آخر الليل اغتسل، وإن لم يكن جنبًا توضأ وضوء الرجل للصلاة، وأشار محمد رحمه الله تعالى إلى ما ذكره الطحاوي. نعم كَشَفَه الطحاوي، ثم إني تتبعتُ إلى زمان لأَعْلَم أن مأخذ كلام الطحاوي ما هو؟ فبان لي بعد الفحص البالغ أن أصله يكون من محمد رحمه الله تعالى، ثم الطحاوي يُفَصِّله. قال محمد رحمه الله تعالى في «مُوَطَّئه»: هذا الحديث أوفقُ بالناس. ٢٧ - باب الْجُنُبِ يَتَوَضَّأُ ثُمَّ يَنَامُ ٢٨٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى جَعْفَرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهْوَ جُنُبٌ، غَسَلَ فَرْجَهُ، وَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ. طرفه ٢٨٦ - تحفة ١٦٣٩٩

стр. 401

٢٨٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ اسْتَفْتَى عُمَرُ النَّبِىَّ ﷺ أَيَنَامُ أَحَدُنَا وَهْوَ جُنُبٌ قَالَ «نَعَمْ، إِذَا تَوَضَّأَ». طرفاه ٢٨٧، ٢٩٠ - تحفة ٧٦١٨ ٢٩٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ ذَكَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ تُصِيبُهُ الْجَنَابَةُ مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ ثُمَّ نَمْ». طرفاه ٢٨٧، ٢٨٩ - تحفة ٧٢٢٤ ٢٨٨ - قوله: (غسل فرجه وتوضأ للصلاة) اختصر فيه الراوي اختصارًا مُخِلاًّ، والمراد توضأ وضوءه للصلاة، وانكشف ههنا أن غَسْلَ الذَّكَرِ والوضوء كله مطلوب في الحالة الراهنة، وأنه من أحكام الجنابة كما مَرَّ مرارًا، فلا بد للمشتغل بالفقه أن يراعيَ الأحاديث ويمارسها ويزاولها، لأن في الشرع أحكامًا خَمَلَتْ في الفقه. فإن قلت: إذا كان مقلدًا فلا حاجة له إلى النظر في الأحاديث، ويكفي له قول إمامه الذي يُقَلِّده. قلت: كلا بل لا يتحتَّم التقليد إلا بعد المراجعة إليها، فإنه إذا يمرُّ على الأحاديث والمسائل، ويرى مأخذها، يستقر رأيه، ويطمئن قلبه لا محالة، ويقلد من يقلد بعد ثَلْجِ الصَّدْرِ، كما حررناه من قبلُ، ومن كان تقليده تقليدَ الأعمى، فإنه على رِجْلِ طائر. ٢٨ - باب إِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ ٢٩١ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ ح وَحَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِى رَافِعٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «إِذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ ثُمَّ جَهَدَهَا، فَقَدْ وَجَبَ الْغَسْلُ». تَابَعَهُ عَمْرُو بْنُ مَرْزُوقٍ عَنْ شُعْبَةَ مِثْلَهُ. وَقَالَ مُوسَى حَدَّثَنَا أَبَانُ قَالَ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ مِثْلَهُ. تحفة ١٤٦٥٩ ٢٩ - باب غَسْلِ مَا يُصِيبُ مِنْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ ٢٩٢ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنِ الْحُسَيْنِ قَالَ يَحْيَى وَأَخْبَرَنِى أَبُو سَلَمَةَ أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ الْجُهَنِىَّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَأَلَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَقَالَ أَرَأَيْتَ إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فَلَمْ يُمْنِ. قَالَ عُثْمَانُ يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ. قَالَ عُثْمَانُ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ عَلِىَّ بْنَ أَبِى طَالِبٍ وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ وَطَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ وَأُبَىَّ بْنَ كَعْبٍ - رضى الله عنهم - فَأَمَرُوهُ بِذَلِكَ. قَالَ يَحْيَى وَأَخْبَرَنِى أَبُو سَلَمَةَ أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . طرفه ١٧٩ - تحفة ٩٨٠١، ٣٤٧٧، ١٠٠٩٨، ٣٦٢١ ل، ٤٩٩٧ ل - ٨١/ ١ ٢٩٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ أَخْبَرَنِى أَبِى قَالَ أَخْبَرَنِى أَبُو أَيُّوبَ قَالَ أَخْبَرَنِى أُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ أَنَّهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ فَلَمْ يُنْزِلْ قَالَ «يَغْسِلُ مَا مَسَّ الْمَرْأَةَ مِنْهُ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّى». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْغَسْلُ أَحْوَطُ، وَذَاكَ الآخِرُ، وَإِنَّمَا بَيَّنَّا لاِخْتِلَافِهِمْ. تحفة ١٢

стр. 402

واعلم أنه ذهب جماعة إلى إنكار النسخ في هذا الباب رأسًا، وأن الأمر الآن كما كان يُوهمه ما روي عن ابن عباس ﵁ عند الترمذي من قوله: «إنما الماء من الماء في الاحتلام»، وقد مر معنا تحقيقه في المقدمة وأنه ثبت فيه النسخ البتة، وأنه ينبغي أن يُؤَوَّلَ قول ابن عباس ﵁. وكذلك ما أخرجه البخاري عن عثمان: «أن الرجل إذا جامع امرأته ولم يُمْنِ يتوضأ وضوءه للصلاة، ويغسل ذكره». يُحْمَل على (أنه كان) قَبْلَ جمع عمر ﵁ إياهم وإجماعهم على وجوب الغُسْل بمجاوزة الخِتَانَين. فقد أخرج الطحاوي أن أصحاب رسول الله ﷺ تذاكروا عند عمر بن الخطاب الغُسْلَ من الجنابة، فقال بعضهم: «إذا جاوز الخِتَان الختانَ فقد وَجَبَ الغُسْل»، وقال بعضهم: «إنما الماء من الماء»، فقال عمر ﵁: «قد اختلفتم عليَّ وأنتم أهل بدر الأخيار؟ فكيف بالناس بعدكم؟ فقال عليُّ بن أبي طالب ﵁: يا أمير المؤمنين إن أردتَ أن تَعْلَم ذلك فأرسل إلى أزواج النبي ﷺ فسلهنَّ عن ذلك، فأرسل إلى عائشة ﵂، فقالت: إذا جاوز الخِتَانُ الخِتَانَ فقد وَجَبَ الغُسْل، فقال عمر ﵁ عند ذلك: لا أسمعُ أحدًا يقول: الماء من الماء إلا جعلته نَكَالًا». قال الطحاوي: فهذا عمر ﵁ قد حمل الناس على هذا بحضرة أصحاب رسول الله ﷺ فلم يُنْكِر ذلك عليه مُنْكِر. قلت وهذا أصرح شيء. وأقواه في أن الأمر كما في حديث عائشة ﵂، وأن حديث: «الماء من الماء» منسوخ، ومع ذلك يتسلسل النقل عن عثمان أنه كان يختار حديث: «الماء من الماء» فالذي ينبغي أن نحمله عليه أنه كان قبل إجماع أهل الحَلِّ والعَقْد، وأما بعده فلا ينبغي تلك النسبة إليه كما وقع في «الفتح» ولذا عَدَّه الترمذي فيمن أوجبوا الغُسل بالمجاوزة. وأخرج الطحاوي أيضًا قال: اجتمع المهاجرون: أنه ما أوجبَ الحدَّ من الجلد والرَّجْم أوجبَ الغُسل: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃، فعدَّ عثمان ﵁ أيضًا منهم (١). وعبارة المصنَّف رحمه الله تعالى مع التكرار في الموضعين تُوهِم أنه ذهب إلى إيجاب الغُسل من الإنزال دون المجاوزة، ولذا أَلانَ في الكلام فقال مرة: الغُسْلُ أحوط، وأخرى: الماء أنقى، ويمكن أن يُؤَوَّل قوله: أنَّ الأحوط لا ينحصر في الاستحباب بل يُطْلَق على

стр. 403

الواجب أيضًا عند تعارض الدليلين، يعني إذا تعارض الدليلان فاخترتَ الوجوب احتياطًا مثلًا، صَدَقَ قولُك إنك اخترت الأحوط على الواجب أيضًا. وأما إذا حُمِلَ قوله على الحكم، أي حكم الغسل أحوط، يعني: الأحوط له أن يغتسل، وإن لم يغتسلْ لا بأس، لأن الواجب فيه الوضوء لا غير، فحينئذ لا يكون لقوله وجهٌ، ويخالف الإجماع. قلت: وإن فرضنا أنه أَلانَ الكلامَ واختار استحبابَ الغُسل، فلعله أوَّلَ قولَه ﷺ «إذا جاوز الخِتانُ الختانَ» أنه كناية عن الإنزال لخروج الماء بعدها في الأغلب، وحينئذ لا يكون الحديث المذكور عنده صريحًا في إيجاب الغُسل بالمجاوزة فقط، وإذا لم يَقُمْ عنده دليل على إيجاب الغُسل بمجرَّد المجاوزة أَلانَ في الكلام وقال: الغُسْل أحوط. ولذا لما أراد أن يُخَرِّج حديثًا يدلُّ على عدم وجوب الغسل بالمجاوزة بَوَّب عليه كما سيأتي: «باب غَسْلِ ما يُصِيب من فَرْجِ المرأة»، ونَظَرُه إلى إخراج الأحاديث كما ترى، إلا أنه أراد أن لا يُفْصِح بمراده احتياطًا، ولكنه وَجَّه الناظرين إليه فقط، فإن الموضع مُشْكِل، فأراد أن يُخَرِّج مادتَه من الأحاديث ومن أسماء الصحابة الذين ذهبوا إليه، ويشير إليه فقط ولا يتكلم بشيء. ثم وإن رُوي عند مسلم في هذا الحديث: «وإن لم يُنْزِل» صراحةً لكنه ليس على شرطه ليكون عليه حِجَّة، وما كان على شرطه يَصْلُح أن يُجعل كناية عن الإنزال مع نقل الاختلاف فيه. فهذا وجه ما ذهب إليه البخاري واختيارُه لو كان اختاره. والله أعلم بالصواب. والحاصل: أنَّ المسألةَ منفصلة، وإنما ذكرته بحثًا فقط ليظهر وجه ما للبخاري مع ورود هذه الصرائح في الباب. ***

стр. 404

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٦ - كتاب الحَيض وقول الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] والحيض دم معروف حَدَّده فقهاؤنا، ولا تحديد في الخارج، وإنما يختلف باختلاف الأمصار والأعصار، ولذا ذهب مالك رحمه الله تعالى إلى أنَّه أمكن أن يكون ساعةً أيضًا، وإنما وَقَّتَه في باب العدة فقط، ولم يَرِد في هذا الباب من المرفوع شيء ولو بإسناد ضعيف، ومَرَّ عليه الزيلعي رحمه الله تعالى في تخريج الهداية، فلم يأت إلا بالمناكير - وهو رفيق للحافظ زين الدين العراقي رحمه الله تعالى، وكان يصنِّف في هذه الأيام تخريج الإحياء والزيلعي رحمه الله تعالى «تخريج الهدية»، وكان يرافق أحدُهما الآخر، فإذا ظَفِر أحدُهما بحديث نادر أرسله إلى الآخر ليستفيد منه في تصنيفه، وظني أن الزيلعي رحمه الله تعالى أحفظُ من الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى. وقد صنف الحافظ رحمه الله تعالى «فتح الباري» في اثنين وعشرين سنة، وصنَّف العيني رحمه الله تعالى «عمدة القاري» في عشرة سنين - وصرح ابن العربي رحمه الله تعالى أنه لا توقيت فيه. وكنتُ أتمنى أن أرى مثلَه من قلم حنفي أيضًا إلا أني مع التتبع الكثير لم أرَ أحدًا صرَّح به، ثم ذكر ابن العربي رحمه الله تعالى أنه صنف رسالةً مستقلة في هذا الباب، إلا أنها ضاعت منه في سفر فلم يقدر على جمعها ثانيًا. أما في هذا العصر فلا توجد غير رسالة البِرْكِلي وهو معاصر لصاحب «الدر المختار»، إلا أنها لاشتمالها على الأغلاط قد انقطعت الفائدة منها، لأن المصنِّف رحمه الله تعالى ذكر في خُطبتها أنه جمع هذه الرسالة من كتب مملوءة بالأغلاط، فاجتهد في تصحيحها، ومع ذلك بقيت فيها أغلاط كثيرة. وقد راجعت تلك الرسالة فوجدتُ فيها أغلاطًا كثيرة، وشرحها ابن عابدين واتَّبَعَ الماتن، فاحتوى شرحه أيضًا على الأغلاط. ونِعْمَ ما فعله المالكية حيث وقَّتوه في باب العِدَّة، أما في معاملة بيتها وصلاتها وصيامها، فاعتبروا فيها رأيَها وفَوَّضوها إليه. والحاصل: أن دم الحيض غير موقت شرعًا وعرفًا، وليت الحنفية كتبوا مثله ولكن: *ما كلُّ ما يتمنَّى المرءُ يُدْرِكُه ... تأتي الرِّياح بما لا تشتهي السُّفُنُ وهكذا الأمر في توقيت مُدَّة الحَمْل، فإنها أيضًا غير مُوَقَّتة، فقد تمتد إلى عشرة سنين

стр. 405

لأجل المرض، مع أن فقهاءنا صرَّحوا أن أكثر مدة الحمل سنتان، ولم يكتب أحدٌ منهم أنها مدة طَبْعِيَّة. وأما بالعوارض فيمكن أن تزيد عليها، فلو كتبوه لاسترحنا. وكان ينبغي للفقهاء أن يرجعوا إلى الأطباء. في مثل هذه الأمور، فإنّ لكل فنَ رجالًا، ثم إنه تحديد اجتهادي لا تحديد شرعي، والأصل فيما لم يَرِد فيه التعديد أن يرسل على حيالها ولا يقدَّر كما في أصول الفقه: أن نصب الحدود والمقادير لا يجوز بالقياس. ومرادهم من الحدود والمقادير كأعداد الرَّكَعَات ونحوها دون الحدود التي هي زواجر أو سواتر على اختلاف الرأيين، وعليه جرى السَّرخسِي رحمه الله تعالى في تحديد العمل الكثير والقليل، والماء القليل والكثير، ففوَّضه إلى رأي المبتَلَى به، وهكذا فعل في أَجَلِ السَّلَم وتعريف اللُّقَطَة، فأحاله على رأي المبتَلَى به، وإن حدده أصحابُ المتون. ثم الأصل وإن كان هو التفويض إلا أنَّ نظامَ العالَم لا يستوي إلا بالتقدير، فإن كثيرًا من العوام ليس لهم رأي، ولا ينفع فيهم التفويض أصلًا، فيحتاج إلى التحديد لا محالة، فالتحديد من المجتهد فيما لم يَرِدْ به الشرع إنما هو لقضاء حوائج الناس، كما قالوا في مسألة الطُّهْر: إنه لا حدَّ لأكثره، ومع ذلك حدَّوده عند نَصْبِ العادة في زمن الاستمرار، وفي هذه المسألة ستة أقوال لمشايخنا. والمختار عندي أنها تخرج من عدتها في ثلاثة أشهر، ويُحْسَبُ شهرُها عن طُهر وطَمْثٍ، وهكذا في ممتدة الطهر حيث ليس لها حيلة على مذهبنا إلا بالتربُّص ثلاثة قروء، ولا شك أنه مُعْتَضِد بالنص، فإنها مطلَّقة، وهذه عدتها بالنص إلا أن طُهرها إذا امتدَّ وضاق عليها أمرها لجأنا إلى الإفتاء بمذهب مالك رحمه الله تعالى. فكما أنهم اضطروا إلى التحديد في هذه المواضع لئلا تتعطل عن حوائجها، كذلك اضطروا إلى تحديد أقل الحيض وأكثره، وإن لم يتوقَّت في الخارج. والحاصل: أن المجتهد في هذا التحديد مجبور ومأجور، بل أُهَنِّؤُهُم عليه حيث أخرجوا مخرجًا وسبيلًا للخلائق، وخلصوهم عن المضائق، ولعلك ما نسيتَ ما كنتُ ألقيتُ عليك في كتاب العلم أنَّ الحديثَ أيضًا قد يحتاج إلى الفقه في بعض المَلاحِظ، وهي أمثال هذه، فإنه لا يكفي لك فيها الاقتصار على الحديث، ولا يسع لك قطع النظر عن الفقه. فالفقه لا يتم بدون الحديث، لأن المرء إذا مرَّ بالحديث، وجال نظره فيه، وفَهِمَ مداركه ومعانيه، استقر على الفقه وسكن قلبه، حيث لم يجده رأيًا محضًا غيرَ مستنِدٍ إلى دليل سماوي، وكذلك الحديث لا يستقرّ مراده ولا ينقطع محتملاتُه بدون المراجعة إلى أقوال الفقهاء ومذاهب الأئمة. فإذا ادَّراها وأمعن النظر فيها تبيَّن له الوجوه، ولم يبق له فيما سواها مساغ. فالفقه محتاج إلى الحديث في نفسه، والحديث محتاج إليه للعمل، وهكذا القرآن يبقى معلَّقًا بدون الرجوع إلى ألفاظ الحديث، وأعني بالتعليق أنَّ النظر لا يزال يتردد فيه، ولا يَقْنَع بشيء، حتى إذا رجع إلى الحديث استقر وسكن. وهذا لأن اللغة لم تتكفل إلا ببيان المعاني الموضوعة له دون مراد المتكلِّم، وهو ربما يتعسَّر تحصيلُه في كلام الناس، فكيف بالكلام

стр. 406

المُعْجِز؟ والكلام كلما ارتفع تحمَّل الوجوه واحتمل المعاني، ولذا قال تعالى: ﴿ولقد يَسَّرْنَا القرآنَ للذِّكْرِ فهل من مُدَّكِر﴾ [القمر: ٣٢] وهذا أمر وراء التيسير، فالقرآن يسير ومع ذلك عسير، انقضَّ به ظهر الفحول، ومعنى يُسْرِه قد بَّينَاه. ثم إنَّ الأمرَ إن كان كما سمعت آنفًا من أنه لا تحديد فيه لا في الخارج ولا في الحديث، وإنما التحديد فيه ضرورة بالاجتهاد، فأبو حنيفة رحمه الله تعالى أَسْبَقُ فيه من الكل، وعنده في ذلك إشارات وعبارات من النصوص، كما في حديث أخرجه الترمذي في خُطبة النبي ﷺ في أبواب الإيمان وفيها: «فتمكث إحدَاكُنَّ الثلاث والأربع لا تصلي». اهـ. وتمسَّك به الطحاوي (١) في «مشكله». وما عند ابن ماجه وفيه زيادة: وفي الخارج أن النبي ﷺ لم يكن يُضَاجِعُهُنَّ إلى ثلاثة أيام، ثم يُضَاجِعُهُنَّ بعد أن تَتَّزِرْنَ. وهذه كلها تنزل على مذهبنا لأنه لم ينزل فيه عن الثلاث. ولنا أثر أنس ﵁ صححه في «الجوهر النقي» وإن تأخر عنه البيهقي، وأثر عثمان بن العاص عند الدارقطني. وأورد علينا الشافعية أن الشهر إذا لم يَخْلُ عن طُهْرِ وطَمْثٍ، وتَكَرُّر الطَّمْثِ في الشهر نادرٌ، فيلزم على مذهبكم أن لا يستقيم الحساب، فإن أقلَّ الطُّهر خمسةَ عشرَ اتفاقًا بيننا وبينكم، فلو كان الطَّمْثُ أكثرُه عشرةَ أيام، يلزم أن يبقى خمسة أيام من الشهر مهملًا غير معدود في الطمث ولا في الطهر، بخلافه على مذهبنا حيث قسمنا الشهر عليهما، فجعلنا النِّصف للطَّمْثِ والنصف الآخر للطُّهر. أقول: أما أولًا: فعن الإمام كما في «النهاية»: أن أكثره عشرة، وأقل الطهر عشرون يومًا، فيستقيم الحساب على مذهبنا أيضًا. وأما ثانيًا: فلأن أقلَّ الطهر ليس عندنا خمسة عشر يومًا مطلقًا، بل هو عشرون يومًا في بعض الصور، كما في المُسْتَحاضة المبتدَأة، فيستقيم الحساب ولو في الجملة. وأما ثالثًا: فلأن تكرُّرَ الطهر وإن كان نادرًا إلا أنه ليس معدومًا محضًا، فينبغي النظر إليه أيضًا. وفي «المواهب اللَّدنية» إسنادًا: «أن الله سبحانه لما أهبط حواء أخبرها أنها تَحْمِل كُرْهًا وتضع كُرْهًا» وفي آخره: «ولأُدْمِيَتَّها في شهرٍ مرتين»، ومع هذا ذهبوا إلى أن التكرار نادر، وفي إسناده سُنَيْد، وهو من القدماء ومفسِّر للقرآن. وهذه الرواية عند ابن كثير أيضًا إلا أنه ليست في آخره تلك الزيادة، وحينئذ يمكن أن يكون بناؤه على تكرر الحيض وإن كان نادرًا. ثم إنهم تمسكوا من قوله تعالى: ﴿واللائي يَئِسْنَ من المَحِيضِ فَعِدَّتُهُنَّ ثلاثةُ أشهر﴾ [الطلاق: ٤] حيث حسب فيه الشهر عن طهر وطَمْث، وإذا كان أقلُّ الطهر خمسةَ عشرَ بالاتفاق، فالباقي للطمث لا محالة، وهو خمسة عشر، وبناؤه على تكرر الطمث بعيد لأنه نادر.

стр. 407

قلت: نعم بناؤه ليس على التكرر، إلا أنَّا علمنا من عاداتهن أن طهرهن في الشهر يكون أغلب من الطمث غالبًا، كما في حديث حَمْنَة، حيث عَدّ طمثها ستة أو سبعة، وهكذا هو المعروف في عادات النساء أن طهرهن يكون غالبًا على أيام حيضهن. ولمّا كانت عاداتهن مختلفة جمع القرآن الحيضَ والطهر في الشهر تخمينًا (١). قوله: (فلا تَقْرَبُوهُنَّ) واعلم أنه قد مرَّ مرارًا أن أنظار الأئمة ربما تختلف في أخذ مراتب الآية، فيأخذ واحد مرتبتها العليا وآخر مرتبتها السفلى، ويتحير فيه الناظر، فيزعم أن هذا وافقها وهذا خالفها، والأمر أنهم يَتَحَرَّون العمل بها أجمعون، ويجتهدون فيها بما يستطيعون، إلا أنه تختلف أنظارهم في المراتب، والأصوليون وإن بحثوا عن العموم والخصوص والإطلاق والتقييد، ولكنهم لم يبحثوا في مراتب الشيء وكان لا بد منه فقالوا: إن العموم والخصوص يجري في الأفراد والآحاد، والإطلاق يكون في التقادير وأوصاف الشيء، والمراتب بمعزل عنهما. وظاهر الآية الأمر بالاعتزال مطلقًا، وهو عين ما كان يفعله اليهود، ووجه التفصِّي عنه أن في الاعتزال مراتبَ وهي مجملة فصَّلها الحديث، ولذا قال النبي ﷺ بعد نزولها افعلوا كل شيء إلا النكاح، فمن حاملٍ حَمَلَها على الجماع والاتقاء عن موضع الطَّمْثِ خاصةً، ومن حَاملٍ حَمَلَها على الاستمتاع بما دون السُّرَّة إلى الركبة، لأن حريم الشيء في حكمه، فجعل موضع النجاسة وما يتبعها في حكمٍ واحدٍ، وكلاهما نوعٌ من الاعتزال ومرتبةٌ منه. أما أن المراد في النص أيُّ قدرٍ منه وأيُّ مرتبة، فالله ورسوله أعلم. وسيجيء تحقيق المسألة في بابه. قوله: (يَطْهُرْنَ) قُرِىء بالتخفيف والتشديد، والحنفية يَعُدُّون القراآت كالآيات المستقلة، فيأخدون منها أحكامًا، فحملوا قراءة التشديد على تصرُّم الدم لأقل من العشرة، لأن التَّطَهُّر تَفَعُّل، بمعنى تحصيل الطهارة من فعله وهو الغسل، وحملوا قراءة التخفيف على تصرُّم الدم على العشرة، فإنَّ طَهُرَ لازمٌ، فيحصل الطهور بأمر سماوي بدون صنعه. قالوا: إنه يجامعها في الصورة الأولى بعد الاغتسال، لأن الدم ينقطع مرة ويَدُرُّ أخرى، فيحتمل العَوْد، فلا بد أن

стр. 408

يعتضد الانقطاع بالاغتسال، بخلاف الصورة الثانية، فإنه إذا انقطع على أكثر مدته فلا خشية لعوده، وتطهر حسًا فيجوز الجماع بدون الاغتسال. قيل: إن أبا حنيفة رحمه الله تعالى تفرَّد في إباحة الجماع بلا غُسل، لأن القرآن يدلّ على أن الإتيان إنما يُبَاح له بعد الاغتسال فقال: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] أي اغتسلن ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ قلت: والجماع وإن كان جائزًا بدون الاغتسال لكنه يُستحبُّ لها أن تغتسل ثم يجامعها زوجها، ويجب الغُسل للصلاة إجماعًا، فإنها غير طاهرة حكمًا، وإن طَهُرَتْ حسًا. وحينئذٍ جاز لي أن أقول: إن المراد من التطهر في النص هو التطهُّر بنَحْوَيْهِ. ومعنى قوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ أي وجوبًا تارةً واستحبابًا أخرى ﴿فَأْتُوهُنَّ﴾ ... إلخ، وذلك عندي واسع في اللغة ولا بدع عندي في إدخال مسمًّى واحد وحقيقة واحدة تحت لفظ، وإن اختلفت صفاته من الخارج، كالاستحباب والوجوب، فإن هاتين صفتان تَعْرِضان للحقيقة من الخارج مع بقائها في الصورتين. فإن الصلاة حقيقةٌ واحدة ولا اختلاف في حقيقتها بين الفريضة والنافلة، فإنهما صفتان لها بالنظر إلى لُحُوق الأمر وعدمه، وحينئذ لا ضَيْرَ في إدخال النوعين تحت لفظ واحد، وقد فصَّلناه في رسالتنا «فصل الخطاب» بما لا مزيد عليه. وبالجملةِ الأقربُ عندي أن القرآن إذا لم يتعرض إلى أقلّ الحيض وأكثره - كما كان غير متعين في الخارج - فلا يُبنى الأحكام على أقله وأكثره. فالذي ينبغي أن يُشترط الغُسل للجماع ولا بُدَّ. نعم إن قام دليل للمجتهد من الخارج على أنَّ الدم لا يتجاوز عن العشرة، فله أن يُجيز به قبل الاغتسال لطهارتها حسًا، ولكن المستحسن للقرآن هو الإطلاق، لأنه ينزل بما هو مطلوب، وللمجتهد هو التفصيل، لأنه يبحث عن الفروع. وتفصيله أنَّ القرآنَ عَلَّق الإتيان بالأمرين: الأول: هو الطهارة الحسية، وهو المشار إليه بقوله: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾. والثاني: الاغتسال، وهو المذكور بقوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾. وكأنَّ أصل الكلام هكذا: فإذا طَهُرْنَ وتَطَهَّرْنَ فأتوهن من حيث ... إلخ. وإنما حُذِف أحدُ الفعلين اختصارًا لدلالة ما قبله عليه، وإنما راعى الأمرين لأن من عادة النساء أنهن لا يَطْمَأننَّ في أنفسهن في طُهورهن ما دُمنَ لم يغتسلن، ولا يزال يبقى لهن التردد في عَوْدِ الدم، وإن كان انقطع على عادتهن، فإذا اغتسلن فيطمئن قلبهن، فكما أن الطمأنينة في الخارج لم تحصل لهن إلا بعد الطُّهْر السماوي والاختياري كليهما، كذلك القرآن أخذ مجموع الأمرين على وَفْقِ ما في الخارج. فهذا الذي مشى عليه القرآن، يعني على الإبهام والإجمال بدون عناية إلى تفصيل بين الأقل والأكثر، وبدون تفصيل في البناء عليهما. ثم جاء المجتهد وقسم هذين الأمرين وقال: إن الدم إن تَصَرَّم لأكثر مدته فالدخيل في أمر جماعها هو الطهارة السماوية فقط، فيباح له الجماع بمجرَّد انقطاعه وإن تَصَرَّم لأقل منه فالدخيل هو الطهارة الاختيارية، أي الاغتسال، فلا يجوز الجماع إلا بعده، فينبغي للقرآن الإطلاق في صورة الإطلاق وتفويض التفاصيل إلى

стр. 409

الاجتهاد. فإن القرآن أطلق في الاغتسال لأنه لم يتعرض إلى الأقل والأكثر لعدم تعيينه في الخارج، فإن عَلِم المجتهد من تحرِبته أنَّ الدمَّ لا يتجاوز عن العشرة، فله أن يُخْصِّص هذا الجزئي من اجتهاده لا بحكم النص. وهذا معنى صحيح لا يخالفه النص أصلًا. نعم لو قلنا: إن القرآن شرط الاغتسال فيما تصرم الدم على الأكثر أيضًا لخالفه وناقضه البتة، ولكنك سمعتَ آنفًا أن القرآن لم يُومِ إليه أصلًا، وإنما جاء على عادتهن في الخارج من اعتبار الأمرين. وهناك أمر آخر يُعْلَم من كتاب «الناسخ والمنسوخ» (١) عن الطحاوي أنَّ الفرقَ بين العَشَرة وبين ما دونها إنما نُقِلَ عن الإمام الأعظم رحمه الله تعالى في حق الرَّجْعَةِ خاصةً، فالمطلَّقة إذا انقطع دمها لأقلَّ من العشرة، وأدركت وقتَ الاغتسال والتحريمة انقطع حق الرجعة عنها، وليس للزوج أن يراجعها بعدمضيِّ القُرْءِ الثالث إذا انقطع لأقلها في الصورة المذكورة. فهذا الفرق إنما كان في حق الرجعة خاصة، ثم انتقل إلى الصلاة وغيرها أيضًا، ولا ريب أن الطحاوي أعلم بمذهب أبي حنيفة رحمة الله تعالى لأنه تحصَّل فقهه بثلاث وسائط، فكان ينبغي أن يُعْتَمَد عليها، ولكني لا أعتمد على تلك النسخة لاشتهار المذهب بخلافه، نعم إن ثبت من طريق معتبرة فيكون له وجه. ثم إنهم قالوا: إنه إذا انقطع دمها لأقل من عشرة أيام لم يَحِلَّ وطؤها حتى تغتسل، ولو لم تغتسل ومضى عليها أدنى وقت الصلاة بقَدْرِ أن تقدر على الاغتسال والتحريمة حَلَّ وطؤها. وهذا يُشْعِر بأن مدة الغُسْل عندهم معدودة في زمان الحيض، ومثله ما قالوا في باب الرَّجْعَة: أن دمها إذا انقطع لعشرة أيام انقطعت الرجعة وإن لم تغتسل، وإن انقطع لأقلَّ منها لم تنقطع الرجعة حتى تغتسل، أو يمضيَ عليها وقت صلاة كاملة. قلت: وإنما أخذوه من هذه الآية: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ فإنه اعتُبِرَتْ فيها مدة التطهر من زمان الحيض وأُبيح الجماع بعده، إلا أنهم لا يُفْصِحون بأن مسائلهم تلك مأخوذة من القرآن، فعليك أن تتفكر فيه لينجلي لك الحال. ومن ههنا اندفع ما عرض لابن رُشْد من عدم الارتباط بين الغاية والاستئناف، فقال: إن مَثَلَهُ كمثل قولنا: لا أُعطيك درهمًا حتى تدخل بيتي، فإذا دخلت المسجد فلك كذا. فالغاية غايرت الاستئناف وكذا الاستئناف يغايرها، والصحيح من الكلام أن يقال: فإذا دخلت بيتي ... إلخ، لاتحادهما فيه. وحاصل الجواب: أن معنى قوله: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ ... إلخ أي حتى يَطَّهَّرْنَ ويَطْهُرْنَ ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ وطَهُرْنَ ﴿فإتوهن من حيث أمركم ا﴾ فأخذ أحد الفعلين من المعطوف عليه، وحذف مقابله من المعطوف ليكون ذكر الآخر قرينة على حذفه من المعطوف عليه، فحصل الارتباط في غايته. والجواب الثاني أن قوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ لا يتعلق عندي بالغاية بل

стр. 410

يتعلق بصدر الكلام أي ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ﴾ ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ إلخ. ويقال له الطَّرْدُ والعكس في مصطلحهم فاعلمه (١). ١ - باب كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الْحَيْضِ وَقَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ «هَذَا شَىْءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ» وَقَالَ بَعْضُهُمْ كَانَ أَوَّلُ مَا أُرْسِلَ الْحَيْضُ عَلَى بَنِى إِسْرَائِيلَ، قال أبو عبد الله وَحَدِيثُ النَّبِىِّ ﷺ أَكْثَرُ ٢ - باب الأَمْرِ بِالنُّفَسَاءِ إِذَا نُفِسْنَ ٢٩٤ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ قَالَ سَمِعْتُ الْقَاسِمَ يَقُولُ سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ خَرَجْنَا لَا نَرَى إِلَاّ الْحَجَّ، فَلَمَّا

стр. 411

كُنَّا بِسَرِفَ حِضْتُ، فَدَخَلَ عَلَىَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَبْكِى قَالَ «مَا لَكِ أَنُفِسْتِ». قُلْتُ نَعَمْ. قَالَ «إِنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَاقْضِى مَا يَقْضِى الْحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِى بِالْبَيْتِ». قَالَتْ وَضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ نِسَائِهِ بِالْبَقَرِ. أطرافه ٣٠٥، ٣١٦، ٣١٧، ٣١٩، ٣٢٨، ١٥١٦، ١٥١٨، ١٥٥٦، ١٥٦٠، ١٥٦١، ١٥٦٢، ١٦٣٨، ١٦٥٠، ١٧٠٩، ١٧٢٠، ١٧٣٣، ١٧٥٧، ١٧٦٢، ١٧٧١، ١٧٧٢، ١٧٨٣، ١٧٨٦، ١٧٨٧، ١٧٨٨، ٢٩٥٢، ٢٩٨٤، ٤٣٩٥، ٤٤٠١، ٤٤٠٨، ٥٣٢٩، ٥٥٤٨، ٥٥٥٩، ٦١٥٧، ٧٢٢٩ - تحفة ١٧٤٨٢ يعني به بَدْءَ هذا الجنس، وأنه كيف ظَهَرَ في الدنيا من كَتْمِ العدم، ولا يختص بأول أمره فقط كما مرَّ مفصّلًا في شرح قوله: بَدْءِ الوحي. وفي رواية قوية: «أنَّ نساء بني إسرائيل كُنَّ يذهبن إلى المساجد فأخذن في التشوُّف إلى الرجال، فمُنِعْنَ عن المساجد، فأُلقي عليهن الحيض عقوبةً لهن». وعُلِم منه أن منع النساء عن المساجد سُنَّةٌ ماضية، والبخاري لم يُبَالِ بهذا الحديث، وأخذ من قوله: «هذا شيء كتبه الله على بنات آدم» أنه من الابتداء وليس بدؤه من بني إسرائيل، ولم يوفِّق بينهما أن بدأه وإن كان من بدء الزمان إلا أنه أُلقي على بني إسرائيل قهرًا، فزِيد فيهن شيئًا نِقمةً. والله تعالى أعلم. ٢٩٤ - قوله: (سرف) هذه قصة حَجَّة الوداع، وأنا أبكي لمخافة فوات الحج. قوله: (أنُفِسْتِ) قيل: المجهول في الولادة والمعروف في الحيض، وقيل: لا فرق بينهما. قوله: (غير أن لا تطوفي) إلخ. والسعي يترتب على الطواف فلا تسعى أيضًا (١). قوله: (وضحى) وحمله محمد رحمه الله تعالى في «الموطأ» على دم التمتع، لأنهن كن متمتعاتٍ، والراوي لا يَبحث عن المعاني الفقهية ولا يراعيها، وإنما يرى صلوح اللغة فقط. قوله: (بالبقر) قيل: الأزواج تِسعًا فكيف جاز عنهن بقرًا؟ ولقائل أن يقول: إنه اسم جنس يجوز إطلاقه على البقرتين أيضًا، وعند النسائي: «بقرة» بتاء الوَحْدَة. قلت: وحينئذ غرض الراوي بيان الشركة في البقرة بدون التعرض إلى جميعهن أو بعضهن، فلا يَردِ أنه ثبت شركة جميعهن برواية النسائي. وهذا كالأَلِف واللام للجنس والاستغراق، فإن معنى قوله:

стр. 412

الحمد لله على الأول أنَّ جنسَ الحمد لله لا لغير الله، فمحطُّ الفائدة في جانب الخبر بخلافه في الثاني، فإنه يكون في المبتدأ، ويكون الإيجاب والسلب فيه، يعني: جميع أفراد الحمد لله تعالى دون بعضه، فلم تظهر فائدته في جانب الخبر، وقد بينَّا الفرق بينهما تفصيلًا في المقدمة. واتفق أهل اللغة أن التاء في أسماء البهائم للوَحْدَة دون التأنيث، لكن الأولى في إرجاع الضمير أن يراعى اللفظ أيضًا. وفي «الكشاف»: أن قَتَادة لما ورد الكوفة دعا الناس أن يسألوه عما هم سائلوه، وكان أبو حنيفة ﵁ إذا ذاك صغيرًا، فقام وقال: إن نملَة سليمان كانت ذكرًا أم أُنثى؟ فسكت، فقال أبو حنيفة ﵀: إنها كانت أنثى لقوله تعالى: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾ [النمل: ١٨]. قلت: تأنيث الفعل فيه لأَجْلِ اللفظ فقط، فلم يلزم كونها أنثى، ولم أجد أحدًا من النُّحَاة يوافق الإمام في تلك المسألة غير ابن السِّكِّيت. ٣ - باب غَسْلِ الْحَائِضِ رَأْسَ زَوْجِهَا وَتَرْجِيلِهِ ٢٩٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كُنْتُ أُرَجِّلُ رَأْسَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا حَائِضٌ. أطرافه ٢٩٦، ٣٠١، ٢٠٢٨، ٢٠٣١، ٢٠٤٦، ٥٩٢٥ - تحفة ١٧١٥٤ - ٨٢/ ١ ٢٩٦ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى قَالَ أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ أَخْبَرَنِى هِشَامٌ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّهُ سُئِلَ أَتَخْدُمُنِى الْحَائِضُ أَوْ تَدْنُو مِنِّى الْمَرْأَةُ وَهْىَ جُنُبٌ فَقَالَ عُرْوَةُ كُلُّ ذَلِكَ عَلَىَّ هَيِّنٌ، وَكُلُّ ذَلِكَ تَخْدُمُنِى، وَلَيْسَ عَلَى أَحَدٍ فِى ذَلِكَ بَأْسٌ، أَخْبَرَتْنِى عَائِشَةُ أَنَّهَا كَانَتْ تُرَجِّلُ - تَعْنِى - رَأْسَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهِىَ حَائِضٌ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَئِذٍ مُجَاوِرٌ فِى الْمَسْجِدِ، يُدْنِى لَهَا رَأْسَهُ وَهْىَ فِى حُجْرَتِهَا، فَتُرَجِّلُهُ وَهْىَ حَائِضٌ. أطرافه ٢٩٥، ٣٠١، ٢٠٢٨، ٢٠٣١، ٢٠٤٦، ٥٩٢٥ - تحفة ١٧٠٤٠ ٢٩٦ - قوله: (الحائض) قال الزَّمَخْشَري: إنه بدون التاء للسِّنّ، وبها لمن كانت تحيض في الحالة الراهنة، وهكذا الحامل والمُرضِع. ٢٩٦ - قوله: (مجاور) أي معتكف، وهذه لغة مختصة بأهل المدينة. ٤ - باب قِرَاءَةِ الرَّجُلِ فِى حَجْرِ امْرَأَتِهِ وَهْىَ حَائِضٌ وَكَانَ أَبُو وَائِلٍ يُرْسِلُ خَادِمَهُ وَهْىَ حَائِضٌ إِلَى أَبِى رَزِينٍ، فَتَأْتِيهِ بِالْمُصْحَفِ فَتُمْسِكُهُ بِعِلَاقَتِهِ. ٢٩٧ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ سَمِعَ زُهَيْرًا عَنْ مَنْصُورٍ ابْنِ صَفِيَّةَ أَنَّ أُمَّهُ حَدَّثَتْهُ أَنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْهَا أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ يَتَّكِئُ فِى حَجْرِى وَأَنَا حَائِضٌ، ثُمَّ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ. طرفه ٧٥٤٩ - تحفة ١٧٨٥٨

стр. 413

هكذا المسألة عندنا، وفي «قاضيخان»: أنه يُكْرَه قراءة القرآن عند الجنازة قبل الغُسل وحوالَي النجاسة، وليس هكذا في الحائض، فإن نجاستها مستورة تحت الثياب. قوله: (فتُمْسِكُهُ بعِلاقَته) والمسألة عندنا أن ثوب اللابس في حكم اللابس، والذي على القرآن فهو في حكمه، فيجوز مَسُّه من ثوب منفصل أو غلاف منفصل إذ لم يكن مُشَرَّزًا. فهذه المسائل أقرب إلى مذهب الحنفية. وفي إسناده الفَضْل بن دُكَين، وهو اسم أبو نُعَيم، وقد وقع في إسناد مسلم أبو نُعَيم فقط، فلم يَعْرِفْهُ بعضُ الطلبة، وهو الفَضْل بنُ دُكَيْن كما في إسناد البخاري فاعلمه. ٥ - باب مَنْ سَمَّى النِّفَاسَ حَيْضًا ٢٩٨ - حَدَّثَنَا الْمَكِّىُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ عَنْ أَبِى سَلَمَةَ أَنَّ زَيْنَبَ ابْنَةَ أُمِّ سَلَمَةَ حَدَّثَتْهُ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ حَدَّثَتْهَا قَالَتْ بَيْنَا أَنَا مَعَ النَّبِىِّ ﷺ مُضْطَجِعَةً فِى خَمِيصَةٍ إِذْ حِضْتُ، فَانْسَلَلْتُ فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حِيضَتِى قَالَ «أَنُفِسْتِ». قُلْتُ نَعَمْ. فَدَعَانِى فَاضْطَجَعْتُ مَعَهُ فِى الْخَمِيلَةِ. أطرافه ٣٢٢، ٣٢٣، ١٩٢٩ - تحفة ١٨٢٧٠ قال الشارحون: إنَّ المرادَ منه مجرَّد بيان جواز إطلاق الحيض على النِّفاس وبالعكس، ولمَّا وَرَدَ في الحديث إطلاق النِّفاس على الحيض استفاد منه المصنِّف رحمه الله تعالى أنه يصح إطلاق الحيض على النفاس أيضًا، وإلا فالظاهر في الترجمة أن تكون: «مَن سمَّى الحيضَ نفاسًا» لِمَا في الحديث من إطلاق النفاس على الحيض دون العكس. وقيل: إن في الترجمة تقديمًا وتأخيرًا، فالنِّفَاس مفعول ثان وحيضًا مفعول أول، وكان أصل العبارة هكذا: «من سمى حيضًا النفاس» كما في الحديث. قلت: وهل يجوز أن يكون المفعول الأول نكرة والثاني معرفة؟ فقيل: نعم كما في «حاشية المغني»: *كأنَّ سبيئةً من بيت رأس ... يكون مَزَاحَها عسلٌ وماءُ وأقول: إن المصنِّف رحمه الله تعالى لا يريد بيانَ اللغة فقط، بل يريد أن النِّفاس هو دم الحيض، خرج بعد انفتاح فَمِ الرَّحِم، لأن الحامل إنما لا تَحيض لانسداد فم الرحم، فإذا خرج الولد انفتح فمه وتنفس بالدم، فالنِّفاس هو دم الحيض كان مِحْتَبَسًا في الرحم لأجل المانع فإذا زال المانع دَرّ دُفعةً، وتلافى الطبعُ ما فاته، كما ترى في النوم، فإنك إذا سَهِرْتَ أو أَرْقْتَ يومًا، ثم غلب عليك النوم، فربما تنام أزيدَ مما كنتَ تعتاده تلافيًا لما فات. وذكر بعضهم نُكتة وهي: أن الدم إنما يصير غذاء للولد بعد أربعة أشهر، وبحساب عشرة في كل شهر يحصل أربعون يومًا، وهو أكثر مدة النفاس. ويتفرَّع على هذا التحقيق أنَّ الحامل لا تحيض، وإليه تُشير قواعد الشرع، لأنها لو كانت تحيض كما ذهب إليه الشافعي ينبغي أن ينعدم من الشرع باب الاستبراء، فإن الشرع جعل الطَّمْثَ أمارة لبراءة الرحم، وإذا أمكن الحيض من الحامل أيضًا لم يَبْقَ أمارة للبراءة، فيلزم أن ينعدم هذا الباب رأسًا.

стр. 414

قلت: وقد تحقق عندي أن الحامل أيضًا تحيض إلا أنه لا ينبغي أن يعتبره الشرع لِنَدْرَتِه وقِلّة وقوعه جدًا. ثم من العجائب أن العُلُوق عند الفقهاء لا يكون إلا واحدًا، كما قالوا في التوأمين، ويمكن العلوق على العلوق عند جالينوس، فكان ينبغي للفقهاء أن يستشيروا في هذه الأمور الأطباء، لأنهم أعلم بموضوعهم، ولكل فن رجال. وإنما تنبهت لهذا الشرح مما علقه ابن بَطَّال على الترجمة الآتية: «قول الله : ﴿مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾» [الحج: ٥] فإنه فَهِم منها أن دم الحيض إذا صار غذاءً للولد فكيف تحيض الحامل، ولذا قال: إن غرض البخاري بإدخال هذا الحديث في باب الحيض تقوية مذهب من يقول إن الحامل لا تحيض، فمن ههنا انتقل ذهني إلى أنَّ المرادَ من هذه الترجمة أيضًا هو التقوية لمذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى كما عَلِمْتَ تقريره. قوله: (ثِيَابَ حَيضتي) ويُستفاد منه أنَّ النساءَ كُنَّ يُعْدِدْنَ الثياب لحيضهن أيضًا، وكانت ثيابهن لعامة الأحوال على حِدَةٍ. ٦ - باب مُبَاشَرَةِ الْحَائِضِ ٢٩٩ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِىُّ ﷺ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، كِلَانَا جُنُبٌ. أطرافه ٢٥٠، ٢٦١، ٢٦٣، ٢٧٣، ٥٩٥٦، ٧٣٣٩ - تحفة ١٥٩٨٣ ٣٠٠ - وَكَانَ يَأْمُرُنِى فَأَتَّزِرُ، فَيُبَاشِرُنِى وَأَنَا حَائِضٌ. طرفاه ٣٠٢، ٢٠٣٠ - تحفة ١٥٩٨٢ ٣٠١ - وَكَانَ يُخْرِجُ رَأْسَهُ إِلَىَّ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ، فَأَغْسِلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ. أطرافه ٢٩٥، ٢٩٦، ٢٠٢٨، ٢٠٣١، ٢٠٤٦، ٥٩٢٥ - تحفة ١٥٩٩٠ ٣٠٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ قَالَ أَخْبَرَنَا عَلِىُّ بْنُ مُسْهِرٍ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ - هُوَ الشَّيْبَانِىُّ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَتْ إِحْدَانَا إِذَا كَانَتْ حَائِضًا، فَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُبَاشِرَهَا، أَمَرَهَا أَنْ تَتَّزِرَ فِى فَوْرِ حَيْضَتِهَا ثُمَّ يُبَاشِرُهَا. قَالَتْ وَأَيُّكُمْ يَمْلِكُ إِرْبَهُ كَمَا كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَمْلِكُ إِرْبَهُ. تَابَعَهُ خَالِدٌ وَجَرِيرٌ عَنِ الشَّيْبَانِىِّ. طرفاه ٣٠٠، ٢٠٣٠ - تحفة ١٦٠٠٨ - ٨٣/ ١ ٣٠٣ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ قَالَ حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِىُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ قَالَ سَمِعْتُ مَيْمُونَةَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُبَاشِرَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ أَمَرَهَا فَاتَّزَرَتْ وَهْىَ حَائِضٌ. وَرَوَاهُ سُفْيَانُ عَنِ الشَّيْبَانِىِّ. تحفة ١٨٠٦١ ذهب محمد وأحمد ﵄ إلى أنه يُتَّقى موضعُ الدم فقط، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف والشافعي ﵃ بالاجتناب عما دون السرَّة إلى الركبة، وهو ظاهر النص ﴿فَاعْتَزِلُواْ النّسَآء فِي الْمَحِيضِ﴾ يعني هو أصدق وأكثر تناولًا لمراتبه على مذهبنا، وهو سنة رسول الله ﷺ في عامة الأحاديث كما عند أبي داود: «أنَّ النبي ﷺ كان يأمرهن بالاتِّزَار ثم يُبَاشِرُهُنّ». أما ما رواه أبو داود في حديث أنَّه قال: «ادِني مني، فقلت: إني حائض، فقال:

стр. 415

وإن، اكشفي عن فخذيكِ، فكشفتُ فخذيّ، فوضع خَدَّه وصدره على فخذي وحَنَيْتُ عليه حتى دفىء ونام». فإسناده ضعيف على أنَّ المراد من الكشف هو الكشف عن الثوب الزائد، ولا يتعين في الكشف عن البدن، وبه أجاب النبي ﷺ سائلًا حين سأله عما يَحِلّ له من زوجته فقال: «لك ما فوق الإزار». رواه ابن ماجه بإسناد حسن. وهو الأحوط، وهو غير خفي. أما قوله: «اصنعوا كلَّ شيء إلا النكاح» عند مسلم فيخصَّص عمومه لهذه الأدلة، ويبقى شيوعُه فيما سوى تحت الإزار، لأن عموم الكل في هذا الموضع عموم غير مقصود، والعموم إذا كان غير مقصود فهو ضعيف جدًا كالعموم في قوله تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِن كُلّ شَىْء﴾ [النمل: ٢٣] مع أنها لم تكن أُوتِيَتْ من شيء واحد كله، فكيف بكل شيء، أو يقال: إنه كناية عن الاستمتاع بما تحت الإزار، وإن كان صريحًا في النكاح (١). ٧ - باب تَرْكِ الْحَائِضِ الصَّوْمَ ٣٠٤ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِى مَرْيَمَ قَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ أَخْبَرَنِى زَيْدٌ - هُوَ ابْنُ أَسْلَمَ - عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِى أَضْحًى - أَوْ فِطْرٍ - إِلَى الْمُصَلَّى، فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ «يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ، فَإِنِّى أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ». فَقُلْنَ وَبِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ». قُلْنَ وَمَا نُقْصَانُ دِينِنَا وَعَقْلِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «أَلَيْسَ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ». قُلْنَ بَلَى. قَالَ «فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا، أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ». قُلْنَ بَلَى. قَالَ «فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا». أطرافه ١٤٦٢، ١٩٥١، ٢٦٥٨ - تحفة ٤٢٧١ وفيه خلاف الخوارج، وليس عِدَادهم في أهل السنة لِيُعْتَدَّ بخلافهم، ونُقِل في الحكايات أن حواء ﵍ أُمِرَتْ أن لا تصلَى في أيام حيضها، فقاستِ الصومَ عليها، فعُوتبت وأُوجب عليها قضاؤه. ولم أره روايةً، نعم رأيت أنها إذ دَمِيَتْ بعد نزولها في الدنيا سألتْ آدم ﵇ عنه، فأُوحي إليه أنه عتاب. وعندي هذا العتاب مخصوص بهذه الدار مَن ينزل فيها

стр. 416

يُعَاتَب هذا العتاب، ويُبتلى به، ومن يتركها مهاجرًا إلى الله ويصعد إلى مأواه يخلص منه، كما أن آدم ﵇ حين أكل الحَبَّة وأحس بحاجة الغائط نُودي أن اهبط منها، فإنها ليست بموضع الألواث، واذهب إلى مكان فيه ذلك. ولم يكن يعلم قبلَه عورتَه، فاطلع عليها بعده، وأشا القرآن إليهما. ثم الفرق بين قضاء الصلوات والصيام كما هو مذكور في «الهداية». واعلم أنَّ الطهارةَ شرط للصلاة عند عامتهم، وكذا صرحوا في الحج أن الطهارة في المناسك واجبة في بعضها وسنة في بعضها، كسَتْرِ العورة، فإنه وإن كان فرضًا في الخارج وفي عامة الأحوال إلا أنه من شرائط الصلاة وواجبات الحج، فاتفقوا في اعتبار الطهارة في العبادتين. قلت: وقد تبين لي أنها معتبرَة في الصيام أيضًا، ولم يُنَبِّه عليه أحد، فالعبادات كلها لا تتكامل إلا بالطهارة، ومن أدخل فيها نقيصةً انتقصت عبادته، وعليه قوله ﷺ في الجُنُب «لا صوم له» (١)، وفي المُحْتَجِم: «أفطر الحاجم والمحجوم». ثم لا يخفى عليك أن هذه النقيصة في النظر المعنوي دون نظر الفقيه، فإنه يقتصر على أحكام الدنيا كالغِيبة في الصوم، فإنه إفطار معنًى، لأنها أكل اللحم معنى، وإن لم يكن حسبًا. والحاصل: أنَّ الحدثَ كما ينافي الصلاة كذلك ينافي الصيام أيضًا، وإن كان فرقٌ بين جهتي المنافاة. ٨ - باب تَقْضِى الْحَائِضُ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا إِلَاّ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ لَا بَأْسَ أَنْ تَقْرَأَ الآيَةَ. وَلَمْ يَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِالْقِرَاءَةِ لِلْجُنُبِ بَأْسًا. وَكَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ. وَقَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ كُنَّا نُؤْمَرُ أَنْ يَخْرُجَ الْحُيَّضُ، فَيُكَبِّرْنَ بِتَكْبِيرِهِمْ وَيَدْعُونَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَخْبَرَنِى أَبُو سُفْيَانَ أَنَّ هِرَقْلَ دَعَا بِكِتَابِ النَّبِىِّ ﷺ فَقَرَأَ فَإِذَا فِيهِ «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَ (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ)». الآيَةَ. وَقَالَ عَطَاءٌ عَنْ جَابِرٍ حَاضَتْ عَائِشَةُ فَنَسَكَتِ الْمَنَاسِكَ غَيْرَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، وَلَا تُصَلِّى. وَقَالَ الْحَكَمُ إِنِّى لأَذْبَحُ وَأَنَا جُنُبٌ. وَقَالَ اللَّهُ (وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ). تحفة ٢٤٤٨، ٤٨٥٠ - ٨٤/ ١ ٣٠٥ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ خَرَجْنَا مَعَ النَّبِىِّ ﷺ لَا نَذْكُرُ إِلَاّ الْحَجَّ، فَلَمَّا جِئْنَا سَرِفَ طَمِثْتُ، فَدَخَلَ عَلَىَّ النَّبِىُّ ﷺ وَأَنَا أَبْكِى فَقَالَ «مَا يُبْكِيكِ».

стр. 417

قُلْتُ لَوَدِدْتُ وَاللَّهِ أَنِّى لَمْ أَحُجَّ الْعَامَ. قَالَ «لَعَلَّكِ نُفِسْتِ». قُلْتُ نَعَمْ. قَالَ «فَإِنَّ ذَلِكَ شَىْءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَافْعَلِى مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِى بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِى». أطرافه ٢٩٤، ٣١٦، ٣١٧، ٣١٩، ٣٢٨، ١٥١٦، ١٥١٨، ١٥٥٦، ١٥٦٠، ١٥٦١، ١٥٦٢، ١٦٣٨، ١٦٥٠، ١٧٠٩، ١٧٢٠، ١٧٣٣، ١٧٥٧، ١٧٦٢، ١٧٧١، ١٧٧٢، ١٧٨٣، ١٧٨٦، ١٧٨٧، ١٧٨٨، ٢٩٥٢، ٢٩٨٤، ٤٣٩٥، ٤٤٠١، ٤٤٠٨، ٥٣٢٩، ٥٥٤٨، ٥٥٥٩، ٦١٥٧، ٧٢٢٩ - تحفة ١٧٥٠١ أباح المصنِّف رحمه الله تعالى للحائض والجُنُب أن يقرآ القرآن. قوله: (وقال إبراهيم) وهو النَّخَعِي، وفي قراءة الآية خلاف بين الكرخي والطحاوي، وهما معاصران، وأظن أن الطحاوي كان شيخًا وهذا شَارِخًا إذ ذاك، فذهب الطحاوي إلى إباحة القراءة بما دون الآية لهما، ومنع عنها الكرخي مطلقًا. قلت: ولعلَّ نظر الطحاوي أن التحدي لمَّا لم يقع إلا بالآية، فالإعجاز يكون فيها، بخلاف المفردات، فإنها مستعمَلَة فيما بينهم أيضًا، فلا إعجاز فيها، ولذا لم يقع التحدي بها. على أنّا لو منعنا عنها يلزم الحَجْر عن التكلم، لأن مفرداتِ القرآن ومفردات كلامهم سواسية. وهذه حقيقة عظيمة راعاها الطحاوي ونَبَّه عليها، حيث دل على أن ما دون الآية ومفرداتها لا يسمى قرآنا، ولا يكون له حكمه، فيجوز قراءته ومَسّه، ولو لم يدلَّ عليه لبقينا في حيرة ولم نَدْرِ أن ما دون الآية قرآن أم لا. والذي يَسبِق إلى الذهن في الظاهر أن مجموعَه قرآنٌ بما فيه، فيكون كل لفظ قرآنًا، ويُشْكِل الأمر، فَنَبَّه على أن القرآن لا يُطْلَق على ما دون الآية بل يقال له: إنه من القرآن وجُزء منه، وهو معنى ما في «المشكاة». فَضَّل فيه القرآن على الأذكار مع أنَّ جُلَّ الأذكار جزء من القرآن، فجعلها من كلام الله ولم يجعلها كلامَ الله بعينه، فدلَّ على أنَّ الإعجاز في قيام هيئة الآية. وتلك الكلمات لمّا لم تكن آيةً كاملة لم تكن معجزة، فلم تكن كلام الله، بل من كلام الله فانحطت درجتها عنه. وعندنا تفصيلٌ آخرُ أيضًا، وهو: أن قراءة الآية إن كانت بطريق التلاوة لا يجوز، وإن كانت بطريق الذِّكْر فيجوز. ثم اختُلِف في اشتراط اشتمالها على مضمون الذِّكر وعدمه، ثم إن المصنِّف رحمه الله تعالى أخرج قِطعة من قصة عبد الله بن رَوَاحة في صلاة الليل، وهي مفصَّلة عند الدارقطني، وفيها دليل على أنَّ الجُنُب ليس له أن يقرأ القرآن، «فإن زوجتَه رأتهُ يطأ جاريةً له، فغارت عليها، فوجدته نائمًا، فجلست على صدره وهددته بالقتل، فقال ابن رَوَاحة: ما جامعتُها، فجعل يقرأ أشعارًا يُرِيها كأنه يقرأ قرآنًا، ولم تكن قارئةً، فحسِبته قرآنًا وأرسلته»، فدلّ على أنَّ القرآن كان ممنوعًا على الجنب عندهم بحيث كان يعلمه مَن قرأ ومن لم يقرأ. قوله: (ولم يَرَ ابن عباس ﵁ ... إلخ. ولنا أحاديثُ مرفوعةٌ أخرجها أصحاب السنن. قوله: (وكان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه) وشَرَحَهُ بعضهم أن المراد من الذِّكر هو الذكر القلبي، وليس بسديد عندي، فإنه لا يُقال له ذِكر لغةً، إنما هو فِكرٌ، والذي يعرفه أهل اللغة هو الذكر باللسان، جهرًا كان أو سرًا، والمراد عندي أنه كان يذكر الله في كل أحيانه المتواردة، لأن حال الإنسان على نحوين: حاله المتشابه، والثاني: المتوارد، أعني به كالقيام من القعود وبالعكس، ودخوله في المسجد والخروج منه، وكذا دخوله في السوق والبيت

стр. 418

والخلاء، والخروج منها، وإيواؤه إلى فراشه ونومه ويقظته وغير ذلك. فإذا كان حاله من نوع واحد فهو حال متشابه، وإذا نواردت عليه الأحوال واحدًا بعد واحد فهي الأحوال المتوارِدة، فالمراد من أحيانه وأحواله هي تلك الأحيان والأحوال، وأذكارها مبسوطة في كتب الحديث، وقد أُفرِد لها بالتصنيف أيضًا؛ وإلا فيُشْكِل على الإنسان تصوره وإمكانه، فإن من الأحيان دخولَه في الخلاء ومنها أوانُ تكلمه من غير الذكر، فكيف يَصْدُق أنه كان يذكر في كل أحيانه، فإنه يستلزم أن يكون معطلًا عن سائر الأفعال سواه. وتبيَّن مما قلنا أن أذكارها كانت مبسوطةً ومنسحبة على الأحوال المتواردة كما يُعْلَم بالمراجعة إلى حال الأدعية مع كونه ذاكرًا في عامة الأحوال المتشابهة أيضًا، أو يقال معنى قوله: «كان يذكر الله» أي لم يكون ممنوعًا عنه. قوله: (ويدعون) واعلم أنَّه لا دعاء بعد صلاة العيدين، لأنَّ المطلوب ههنا اتصال الصلاة ولخُطبة، ولا ينفع فيه التمسك بالإطلاقات، وإنما يَسُوغ التمسك من الإطلاقات فيما لم تكن له مادة في خصوص المقام، وصلاته تلك لم تزل إلى تسع سنين، ولم يَنْقُل أحدٌ فيها الدعاء بعدها، فلا يصح فيها التسمك بالإطلاقات: كرفع اليدين في تكبيرات العيدين ثبت في الأحاديث في خصوص هذه الصلاة، فالتمسك على كراهته بقوله: «مالي أراكم رافعي أيديكم كأذناب خيلِ شمس» باطل، وكالجمع في عَرَفَة والمُزْدَلِفة، فإنه ثابت بأدلته، والتمسك بما يخالفه على نفيه باطل، وأمثلته غير قليلة. قوله: (فإذا فيه) ... إلخ. وكتابة آية إلى كافر واسعة عندنا أيضًا. قوله: (وقال الحكم) وفي «الهداية» في باب الأذان: أن الطهارة تُستحبُّ لكل ذِكرٍ، وذهب صاحب «البحر» إلى أن التيمم لمّا لم تُشْتَرَط له الطهارة مفيد مع وجدان الماء أيضًا، كتيممه ﷺ لردِّ السلام في رواية أبي الجُهَيم. قوله: (ولا تأكلوا) ... إلخ. وفيه حكاية وهي أن الشافعية رحمهم الله تعالى أقاموا حفلة في زمن ابن سُرَيج الشافعي رحمه الله تعالى وتناجَوا من قبلُ أن يَسأل فيه سائل عن مسألة المُصَرَّاة لتظهر سخافة مذهب الحنفية، ففعل، فأجابه ابن سُرَيج أن فيها خلافًا بين أبي حنيفة رحمه الله تعالى وبين النبي ﷺ فأقام الحنفية بعدها حفلة أخرى لجوابهم وتناجَوا مثلهم لمثله، فسأل فيها سائل عن متروك التسمية عامدًا، فقام رجل وقال: فيه خلافٌ بين الإمام الشافعي رحمه الله تعالى وبين رَبِّ العزة. ولا حول ولا قوة إلا بالله. ٩ - باب الاِسْتِحَاضَةِ ٣٠٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ قَالَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِى حُبَيْشٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّى لَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَاتْرُكِى الصَّلَاةَ، فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا فَاغْسِلِى عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّى». أطرافه ٢٢٨، ٣٢٠، ٣٢٥، ٣٣١ - تحفة ١٧١٤٩

стр. 419

واشتقاقه من الحيض، فكيف يمكن أن يكون بينهما فرقٌ لغةً، وإنما يقولون: استُحِيضتْ المرأة إذا غلب عليها الدم، ثم الفقهاء يجعلون منه حيضًا واستحاضة على حسب أحكامهم، والحديثُ يُحْمَل على اللغة دون العُرْف الحادِث. ثم إن الفرق بين دم الحيض والاستحاضة عسيرٌ جدًا لا يمكن من حُذَّاقِ الأطباء أيضًا، فلا بد أن يُتَوَسَّع في الأحكام. ثم إن الدِّعامة في هذا الباب عنوانان: الأول: عِدَّة الأيام والليالي، والثاني: الإقبال والإدبار، والأول أقربُ إلى نظر الحنفية، لأنه إحالة على عادته بدون تعرض ألى الألوان، والثاني أقربُ إلى الشافعية لإيمائه إلى التمييز بالألوان. واستفدتُ من «سنن البيهقي» أنَّ المحدثين أيضًا فَهِمُوا بينهما فرقًا ولذا يُغَلِّطون الرواةَ إذا تفرَّد أحدُهم بذكر أحد العنوانَين مكان الآخر، وعليه مشى أبو داود في كتابه فبوَّب مرةً بمَن قال: تدعُ الصلاةَ في عدة الأيام التي كانت تحيضهن، وأخرى: إذا أقبلت الحيضةُ تدعُ الصلاة. ومن ذكر منهم أحدَهما مكان الآخر نُسِب إلى الوَهَم، ولم أدرِ من كتاب البخاري أنه راعى هذا الفرق أم لا. أقول: أما الرواة فإنهم لا يفرقون بينهما حتى إنهم يذكرون أحدهما مكان الآخر كما مرّ في «صحيح البخاري». نعم ذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في «الأم» إلى الفرق بينهما، ثم إنه وإن مرَّ مني أن العنوان الأول أقرب لمذهب الحنفية لكنه ما تبيَّن آخرًا - وأن الإنصاف خيرُ الأوصاف - أنَّ محطَّ هذا العنوان ليس إلغاءَ مسألة التمييز أو اعتبار مسألة العادة، بل هو بيان المقدار يعني أنه فوَّض التردُّدَ في عدد أيام الحيض إلى أيام عادتها، فلتعتبرها على عادتها ستة أو سبعة، فالتفويض إلى العادة لهذا لا لإلغاء مسألة التمييز. وقد مرَّ الكلام فيه مفصلًا في كتاب الغُسل، وإنما ذكرناه ثانيًا لبعض المغايرة وبعض الفوائد. راجع «الجوهر النقي». ١٠ - باب غَسْلِ دَمِ الْمَحِيضِ ٣٠٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِى بَكْرٍ أَنَّهَا قَالَتْ سَأَلَتِ امْرَأَةٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِحْدَانَا إِذَا أَصَابَ ثَوْبَهَا الدَّمُ مِنَ الْحَيْضَةِ، كَيْفَ تَصْنَعُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِذَا أَصَابَ ثَوْبَ إِحْدَاكُنَّ الدَّمُ مِنَ الْحَيْضَةِ، فَلْتَقْرُصْهُ ثُمَّ لِتَنْضَحْهُ بِمَاءٍ، ثُمَّ لِتُصَلِّى فِيهِ». طرفه ٢٢٧ - تحفة ١٥٧٤٣ ٣٠٨ - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ قَالَ أَخْبَرَنِى ابْنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِى عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَتْ إِحْدَانَا تَحِيضُ، ثُمَّ تَقْتَرِصُ الدَّمَ مِنْ ثَوْبِهَا عِنْدَ طُهْرِهَا فَتَغْسِلُهُ، وَتَنْضَحُ عَلَى سَائِرِهِ، ثُمَّ تُصَلِّى فِيهِ. تحفة ١٧٥٠٨ وأجمعت الأُمَّة على نجاسته، ومع ذلك استعمل فيه لفظ النَّضْحِ، فليَتَبَّه. ٣٠٧ - قوله: (سألتِ امرأةٌ) واختُلِف في اسمها.

стр. 420

١١ - باب الاِعْتِكَافِ لِلْمُسْتَحَاضَةِ ٣٠٩ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ خَالِدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ اعْتَكَفَ مَعَهُ بَعْضُ نِسَائِهِ وَهْىَ مُسْتَحَاضَةٌ تَرَى الدَّمَ، فَرُبَّمَا وَضَعَتِ الطَّسْتَ تَحْتَهَا مِنَ الدَّمِ. وَزَعَمَ أَنَّ عَائِشَةَ رَأَتْ مَاءَ الْعُصْفُرِ فَقَالَتْ كَأَنَّ هَذَا شَىْءٌ كَانَتْ فُلَانَةُ تَجِدُهُ. أطرافه ٣١٠، ٣١١، ٢٠٣٧ - تحفة ١٧٣٩٩ - ٨٥/ ١ ٣١٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ خَالِدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتِ اعْتَكَفَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ امْرَأَةٌ مِنْ أَزْوَاجِهِ، فَكَانَتْ تَرَى الدَّمَ وَالصُّفْرَةَ، وَالطَّسْتُ تَحْتَهَا وَهْىَ تُصَلِّى. أطرافه ٣٠٩، ٣١١، ٢٠٣٧ - تحفة ١٧٣٩٩ ٣١١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ عَنْ خَالِدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ بَعْضَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ اعْتَكَفَتْ وَهْىَ مُسْتَحَاضَةٌ. أطرافه ٣٠٩، ٣١٠، ٢٠٣٧ - تحفة ١٧٣٩٩ وفي فقهنا أنَّ المرأةَ تعتكف في مسجد بيتها لا في مسجد الجماعة. قلت: والمراد به بيان الأَولى كما في «البدائع» لأنه قد ثبت اعتكاف بعض أزواج النبي ﷺ في مسجده، ولكنه ﷺ لم يرضَ به، بل أمر مرةً بتقويضِ خِيَمِهِنَّ وقال: «آلبِرَّ يُّردن». فالحاصل: أنه لم يُرَغِّبْهُنَّ في ذلك، فإن فعلنَ من عند أنفسهن لم يَنْهَ صراحةً على شأن خاطرهن، فكأنه رضًى مع الكراهة، كما في النهي عن حضورهن في الجماعة، فما في «الدرّ المختار» من لفظ الكراهة محمول على التنزيه عندي، ولا أجترىء أن أحكم على أمر ثبت في مواجهة النبي ﷺ أنه مكروهٌ تحريمًا، والعَجَب من السيوطي حيث قال في «حاشية النسائي»: إن ارتكاب الكراهة تحريمًا جائز للنبي ﷺ لأنه شارع، فيكون ثوابًا في حقه قلت: والذي علمناه أن ارتكابه معصيةٌ باتفاق بيننا وبين الشافعية، فلا أدري ماذا أراد به وراجع كلام ابن رُشْد لتنقيح المذاهب في مسألة الباب. فائدة: كتب المَقْبِلي أنَّ النَّاسَ سلكوا في الحنفية مسلك التعصُّب، والمَقْبِلي عالم جيد من علماء اليمن. ٣٠٩ - قوله: (العصفر) ترجمته كسمبه، ويَنْبت في الكشمير فيصير زعفران، وينبت الزعفران في الهند فيصير عُصْفُرًا. ١٢ - باب هَلْ تُصَلِّى الْمَرْأَةُ فِى ثَوْبٍ حَاضَتْ فِيهِ ٣١٢ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ أَبِى نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ قَالَتْ عَائِشَةُ مَا كَانَ لإِحْدَانَا إِلَاّ ثَوْبٌ وَاحِدٌ تَحِيضُ فِيهِ، فَإِذَا أَصَابَهُ شَىْءٌ مِنْ دَمٍ، قَالَتْ بِرِيقِهَا فَقَصَعَتْهُ بِظُفْرِهَا. تحفة ١٧٥٧٥ والمحدثون ترجموا لإثبات تعدد ثيابهن ثوب لحيضهن وثوب لطهرهن كما ترى.

стр. 421

قوله. (قالت بريقهن) وعلم منه أن الريق مطهر فما طعن به المدعون العمل بالحديث على فقهنا مردود بالنصر الصريح وحديث الصحيح. ١٣ - باب الطِّيبِ لِلْمَرْأَةِ عِنْدَ غُسْلِهَا مِنَ الْمَحِيضِ ٣١٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ حَفْصَةَ - قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَوْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ حَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ - قَالَتْ كُنَّا نُنْهَى أَنْ نُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَاّ عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَلَا نَكْتَحِلَ وَلَا نَتَطَيَّبَ وَلَا نَلْبَسَ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إِلَاّ ثَوْبَ عَصْبٍ، وَقَدْ رُخِّصَ لَنَا عِنْدَ الطُّهْرِ إِذَا اغْتَسَلَتْ إِحْدَانَا مِنْ مَحِيضِهَا فِى نُبْذَةٍ مِنْ كُسْتِ أَظْفَارٍ، وَكُنَّا نُنْهَى عَنِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ. قَالَ رَوَاهُ هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ عَنْ حَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . أطرافه ١٢٧٨، ١٢٧٩، ٥٣٤٠، ٥٣٤١، ٥٣٤٢، ٥٣٤٣ تحفة ١٨١١٧، ١٨١٣٤، ١٨١٢٢، ١٨١٣٩ ٣١٣ - قوله: (أن تحد على ميت ... ) وهكذا أجاز محمد رحمه الله تعالى الحِدَاد لغير الزوج أيضًا إلى ثلاثة أيام، والإحداد عندنا للمطلَّقة أيضًا، ولم يوافقنا فيه غير إبراهيم النَّخَعِي. ٣١٣ - قوله: (ثوب عَصْبٍ) (١) وقد اختُلف في تفسيره بفقدانه في زماننا، وراجع «معجم البلدان» للحَمَوي الحنفي في ذكر مخاليف اليمن، والمشهور أنه ثوب تُتَّخَذ من (كلاوه)، وأجازه مالك إن لم يكن رفيعًا وثمينًا، ومنعه الحنفية والشافعية كما نقله النووي، ونَسَب إلى أحمد الجواز. وفي «فتح القدير» عن «كافي الحاكم» أن القصب (٢) مكروه، ولا يُدْرَى أنه تصحيفُ عَصْبٍ أو المسألة

стр. 422

فيه؟ ثم لم أزل أتفكَّر في مناط الاستثناء أنه كونه رخيصًا ومحقَّرًا، أو كونه مروّجًا فيهن. وسياق الحديث يدل على أنه كان محقرًا عندهم، ولذا أُبيح في الإحداد، وما فَسَّر به عامةُ الناس يُشْعِر بكونه ثمينًا، ووجهه أنه لم يتنقَّح عندهم المناط حتى إن ابنَ القيِّم مرَّ عليه ولم يكتب شيئًا شافيًا، والذي يظهر لي أن ثوب العَصْب ثمينًا كان أو رخيصًا، خشنًا كان أو رقيقًا، إنما أُبيح لهنّ في الإحداد لأنه كان هو لباسهن إذ ذاك، فلو مُنِعْنَ عنه أيضًا لضاق الأمر عليهن لقلة الثياب إذ ذلك، فكأنه من باب اختلاف عصر وزمان لا دليل وبرهان. ثم إن عند النسائي: «ولا ثوب عَصْب» بدل الاستثناء في هذا الحديث بعينه، فانعكس المراد، ولا أعلم أيهما أصح. والله تعالى أعلم. ويمكن أن يكون تصحيف «إلا» حرف الاستثناء. ٣١٣ - قوله: (كست) قيل: هو كب ويقال: له القُسْط، يوجد في بلاد الكشمير والصين. قوله: (أظفار) وفي نسخة: «ظَفَار» قرية في أطراف البحرين، وإن كانت النسخة «الأظفار» فهو نوع طيب كان النساء يجعلنه على هيأة الظفر، وترجمته "نك". ١٤ - باب دَلْكِ الْمَرْأَةِ نَفْسَهَا إِذَا تَطَهَّرَتْ مِنَ الْمَحِيضِ وَكَيْفَ تَغْتَسِلُ، وَتَأْخُذُ فِرْصَةً مُمَسَّكَةً فَتَتَّبِعُ بِهَا أَثَرَ الدَّمِ ٣١٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مَنْصُورِ ابْنِ صَفِيَّةَ عَنْ أُمِّهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتِ النَّبِىَّ ﷺ عَنْ غُسْلِهَا مِنَ الْمَحِيضِ، فَأَمَرَهَا كَيْفَ تَغْتَسِلُ قَالَ «خُذِى فِرْصَةً مِنْ مِسْكٍ فَتَطَهَّرِى بِهَا». قَالَتْ كَيْفَ أَتَطَهَّرُ قَالَ «تَطَهَّرِى بِهَا». قَالَتْ كَيْفَ قَالَ «سُبْحَانَ اللَّهِ تَطَهَّرِى». فَاجْتَبَذْتُهَا إِلَىَّ فَقُلْتُ تَتَبَّعِى بِهَا أَثَرَ الدَّمِ. طرفاه ٣١٥، ٧٣٥٧ - تحفة ١٧٨٥٩ - ٨٦/ ١ والدَّلك شرط عند مالك كما علمتَ، ولا شك في كونه مطلوبًا عندنا أيضًا. قوله: (فِرْصَة) "أون كى جتيا". ٣١٤ - قوله: (مُمَسَّكَة) قيل: من المِسْك، وقيل: من المَسْك بمعنى الجِلْد، قرىء مُمْسِكَة من الإمساك، وعلى الأوَّلَين يَرِد اعتراض الاشتقاق. راجعه في مواضعه. قوله: (فتطهري بها) فإن كان مُمَسَّكَة من المِسْك فوجه الإشكال أن المِسْكَ لا يُتَطَهَّرُ به، بل يُتَطَيَّب به، فلم تفهم معنى التطهر بالمِسك، وإن كان من المَسْك بالفتح، فوجه الإشكال عدم درايتها طريق التطهر، حتى جذبتها عائشة ﵂ وعلَّمتها. ١٥ - باب غُسْلِ الْمَحِيضِ ٣١٥ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ قَالَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ عَنْ أُمِّهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ قَالَتْ لِلنَّبِىِّ ﷺ كَيْفَ أَغْتَسِلُ مِنَ الْمَحِيضِ قَالَ «خُذِى فِرْصَةً مُمَسَّكَةً، فَتَوَضَّئِى ثَلَاثًا». ثُمَّ إِنَّ النَّبِىَّ ﷺ اسْتَحْيَا فَأَعْرَضَ بِوَجْهِهِ أَوْ قَالَ «تَوَضَّئِى بِهَا» فَأَخَذْتُهَا فَجَذَبْتُهَا فَأَخْبَرْتُهَا بِمَا يُرِيدُ النَّبِىُّ ﷺ . طرفاه ٣١٤، ٧٣٥٧ - تحفة ١٧٨٥٩

стр. 423

٣١٥ - قوله: (توضئي) من الوَضَاءة فهو ههنا على اللغة، فالوُضوء أمرٌ شرعي، والطهاة أمرٌ حسي اعتبرها الشارع وضوءًا لأجل الوضاءة. ١٦ - باب امْتِشَاطِ الْمَرْأَةِ عِنْدَ غُسْلِهَا مِنَ الْمَحِيضِ ٣١٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ أَهْلَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِى حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَكُنْتُ مِمَّنْ تَمَتَّعَ، وَلَمْ يَسُقِ الْهَدْىَ، فَزَعَمَتْ أَنَّهَا حَاضَتْ، وَلَمْ تَطْهُرْ حَتَّى دَخَلَتْ لَيْلَةُ عَرَفَةَ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذِهِ لَيْلَةُ عَرَفَةَ، وَإِنَّمَا كُنْتُ تَمَتَّعْتُ بِعُمْرَةٍ. فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «انْقُضِى رَأْسَكِ، وَامْتَشِطِى، وَأَمْسِكِى عَنْ عُمْرَتِكِ». فَفَعَلْتُ، فَلَمَّا قَضَيْتُ الْحَجَّ أَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ لَيْلَةَ الْحَصْبَةِ فَأَعْمَرَنِى مِنَ التَّنْعِيمِ مَكَانَ عُمْرَتِى الَّتِى نَسَكْتُ. أطرافه ٢٩٤، ٣٠٥، ٣١٧، ٣١٩، ٣٢٨، ١٥١٦، ١٥١٨، ١٥٥٦، ١٥٦٠، ١٥٦١، ١٥٦٢، ١٦٣٨، ١٦٥٠، ١٧٠٩، ١٧٢٠، ١٧٣٣، ١٧٥٧، ١٧٦٢، ١٧٧١، ١٧٧٢، ١٧٨٣، ١٧٨٦ - تحفة ١٦٤٠٤ ٣١٦ - قوله: (فكُنت ممن تمتع ولم يَسُقِ الهدي) واعلم أنَّ النبيَ ﷺ لمَّا خرج للحج نادى به في الناس، وكانت العمرة في أشهر الحج في زمن الجاهلية من أفجر الفجور، فأهلَّ أكثرهم بالحج، ثم لمَّا أراد النبي ﷺ أن يُعَلِّمهم أن العمرة قد دخلت في الحج إلى يوم القيامة أمرهم برفض إحرام الحج وجعله عمرةً، فمن لم يكن عنده هديٌ رفض الحجَّ وصار متمتعًا بغير سَوْق الهدي، أما من كان عندهم هدي فلم يرفضوا إحرامهم لمكان الهدي، ومن ههنا علمتَ أن لا خلاف بين من قال: لا نرى إلا الحج، وبين من ذكر التمتع. ثم المسألة عندنا أن المتمتع يجمع بين العمرة والحج، بأن يأتي أفعال العمرة أولًا ثم يأتي بأفعال الحج، فإن كان غيرَ سائقٍ الهديَ يَحِلّ بعد عمرته ويُحْرِم بالحج يوم التروية، وإلا يبقى محرمًا ثم يُحْرِم بالحج يوم التروية. واختُلف في عائشة ﵂ أنها كانت قارنة أو مُفْرِدة؟ فقال الحنفية: إنها كانت أحرمت بالعمرة أولًا كما في الرواية الآتية: «وكنتُ ممن أَهلَّ بعمرة» ثم إذا حاضت ولم تَطْهُر حتى قَرُبَ الوقوف رفضتها وأحرمت بالحج، وصارت مفرِدةً ثم اعتمرت بعد الفراغ عن الحج مكان عمرتها التي كانت رفضتها. قوله: (امتشطي) من المَشْط يقال: سَرَّح الشعر أي خَلَّص بعضَه عن بعض، ورَجَّلَه أي جعله مستقيمًا حتى لا يبقى فيه الجُعُودة، ويقال امتشطت المرأة شعرها أي مشطتها بالمُشْط وهذا صريح في أنها كانت رفضت عمرتها، وأوَّله الشافعيةُ بأن المراد منه الامتشاط بالرِّفق لئلا تنقض الأشعار، ولا ينافى الإحرام، وهو كما ترى، فكأن النبي ﷺ أمرها بذلك لئلا يناقض مذهب الشافعية رحمهم الله تعالى، بل الامتشاط على ما هو المعروف ولا يخلو عن نقض شعر عادة. على أن النبي ﷺ أمر أبا موسى بنقض إحرامه بمثل هذه الألفاظ كما في الصحيحين. قوله: (وأمسكي عن عمرتك) هذا أيضًا أقرب إلينا، ومعناه عندنا رفضُ العمرة، وقال الشافعية معناه دعي أفعال العمرة مع إبقاء الإحرام على حاله. قلت: إذا كانت أفعال العمرة عندكم داخلة في الحج للقارن، فلا تكون أفعال العمرة إلا أفعال الحج، فما معنى تركها فإنها لا تطوف إلا

стр. 424

طوافًا واحدًا ولا تسعى إلا سعيًا واحدًا، وتُحسب أفعالُها عنهما جميعًا، وإذن لم يبقَ لقوله: (وامسكي عن عمرتك) مصداق. قوله: (مكان عمرتي التي نَسَكْتُ) هذا أيضًا يؤيدنا لأنه يُشْعر برفض عمرتها الأولى، ولذا احتاجت أن تعتمر مكانها أخرى، وأوَّله الشافعية أنها لم ترضَ أن تكتفي بالعمرة المتضمنة وألحَّتْ أن تعتمر منفردة أيضًا مكان عمرتها المتضمنة، فتكون لها في هذه السنة عمرتان: عمرتها المتداخلة في حجها، وعمرتها هذه بعد الفراغ عن الحج. قلت: وما لها أَلَحَّتْ عليه مع أن عمرة النبي ﷺ أيضًا كانت مندمجة في الحج على نظرهم، فإذا كان حالها كحال النبي ﷺ فما الإلحاح وما الاضطراب؟ ١٧ - باب نَقْضِ الْمَرْأَةِ شَعَرَهَا عِنْدَ غُسْلِ الْمَحِيضِ ٣١٧ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ خَرَجْنَا مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِى الْحِجَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهْلِلْ، فَإِنِّى لَوْلَا أَنِّى أَهْدَيْتُ لأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ». فَأَهَلَّ بَعْضُهُمْ بِعُمْرَةٍ، وَأَهَلَّ بَعْضُهُمْ بِحَجٍّ، وَكُنْتُ أَنَا مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، فَأَدْرَكَنِى يَوْمُ عَرَفَةَ وَأَنَا حَائِضٌ، فَشَكَوْتُ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ فَقَالَ «دَعِى عُمْرَتَكِ، وَانْقُضِى رَأْسَكِ وَامْتَشِطِى، وَأَهِلِّى بِحَجٍّ». فَفَعَلْتُ حَتَّى إِذَا كَانَ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ أَرْسَلَ مَعِى أَخِى عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِى بَكْرٍ، فَخَرَجْتُ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ مَكَانَ عُمْرَتِى. قَالَ هِشَامٌ وَلَمْ يَكُنْ فِى شَىْءٍ مِنْ ذَلِكَ هَدْىٌ وَلَا صَوْمٌ وَلَا صَدَقَةٌ. أطرافه ٢٩٤، ٣٠٥، ٣١٦، ٣١٩، ٣٢٨، ١٥١٦، ١٥١٨، ١٥٥٦، ١٥٦٠، ١٥٦١، ١٥٦٢، ١٦٣٨، ١٦٥٠، ١٧٠٩، ١٧٢٠، ١٧٣٣، ١٧٥٧، ١٧٦٢، ١٧٧١، ١٧٧٢، ١٧٨٣، ١٧٨٦، ١٧٨٧، ١٧٨٨، ٢٩٥٢، ٢٩٨٤، ٤٣٩٥، ٤٤٠١، ٤٤٠٨، ٥٣٢٩، ٥٥٤٨، ٥٥٥٩، ٦١٥٧، ٧٢٢٩ - تحفة ١٦٨٢٨ - ٨٧/ ١ ٣١٧ - قوله: (قال هشام ولم يكن في شيء من ذلك هدي ولا صوم ولا صدقة) وهذا مشكل لأنه لا مناص عن الدم، أما دم القِران أو دم الرفض، على اختلاف النَّظَرَين، على أنَّ في الخارج تصريح بذبح النبي ﷺ بقرةً عن نسائه، فلعله لم يبلغ هشامًا فذهب الناس في توجيهه كلَّ مذهب. وأقول: إن الهدي إنما يقال لما يُهدى إلى البيت، فدلَّ من حاقِّ لفظه أنه اسم لما يكون معه من بيته، فالنفي حينئذ محمول على أنها لم تكن ساقت الهدي معها كما كان النبي ﷺ ساقها، فالمنفي هو كون الهدي معها لا الذبح عنها. ثم إن المتبادَر أنه من دماء الحج، فلا يُحْمَل على الأضحية، وإنما عَبَّر عنه بالتضحية لكونه في زمان الأضحية. وراجع الهامش والله تعالى أعلم. ١٨ - باب ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج: ٥] ٣١٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى بَكْرٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «إِنَّ اللَّهَ وَكَّلَ بِالرَّحِمِ مَلَكًا يَقُولُ يَا رَبِّ نُطْفَةٌ، يَا رَبِّ عَلَقَةٌ، يَا رَبِّ مُضْغَةٌ. فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْضِىَ خَلْقَهُ قَالَ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى شَقِىٌّ أَمْ سَعِيدٌ فَمَا الرِّزْقُ وَالأَجَلُ فَيُكْتَبُ فِى بَطْنِ أُمِّهِ». طرفاه ٣٣٣٣، ٦٥٩٥ - تحفة ١٠٨٠

стр. 425

١٩ - باب كَيْفَ تُهِلُّ الْحَائِضُ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ٣١٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ خَرَجْنَا مَعَ النَّبِىِّ ﷺ فِى حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ، فَقَدِمْنَا مَكَّةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَلَمْ يُهْدِ فَلْيُحْلِلْ، وَمَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَأَهْدَى فَلَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ بِنَحْرِ هَدْيِهِ، وَمَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ فَلْيُتِمَّ حَجَّهُ». قَالَتْ فَحِضْتُ فَلَمْ أَزَلْ حَائِضًا حَتَّى كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَلَمْ أُهْلِلْ إِلَاّ بِعُمْرَةٍ، فَأَمَرَنِى النَّبِىُّ ﷺ أَنْ أَنْقُضَ رَأْسِى وَأَمْتَشِطَ، وَأُهِلَّ بِحَجٍّ، وَأَتْرُكَ الْعُمْرَةَ، فَفَعَلْتُ ذَلِكَ حَتَّى قَضَيْتُ حَجِّى، فَبَعَثَ مَعِى عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِى بَكْرٍ، وَأَمَرَنِى أَنْ أَعْتَمِرَ مَكَانَ عُمْرَتِى مِنَ التَّنْعِيمِ. أطرافه ٢٩٤، ٣٠٥، ٣١٦، ٣١٧، ٣٢٨، ١٥١٦، ١٥١٨، ١٥٥٦، ١٥٦٠، ١٥٦١، ١٥٦٢، ١٦٣٨، ١٦٥٠، ١٧٠٩، ١٧٢٠، ١٧٣٣، ١٧٥٧، ١٧٦٢، ١٧٧١، ١٧٧٢، ١٧٨٣، ١٧٨٦، ١٧٨٧، ١٧٨٨، ٢٩٥٢، ٢٩٨٤، ٤٣٩٥، ٤٤٠١، ٤٤٠٨، ٥٣٢٩، ٥٥٤٨، ٥٥٥٩، ٦١٥٧، ٧٢٢٩ - تحفة ١٦٥٤٣ وتناسبه الترجمة الماضية باب من سمى النِّفَاس حيضًا، وقد مرَّ أنَّه لا يريد منها بيان اللغة بل بيان الحُكم، أي الحيض والنفاس اسمان لدم واحدٍ، فما خرج من الحَائِل في أيامه يقال له: الحيض، وما خرج من الحامل بعد الولادة يقال له: النِّفَاس. وراجع الحاشية لابن بَطَّال - وهو مالكي المذهب وشارح متقدم للبخاري - ومن أهم فوائده أنه إذا ذكر مذهبًا ذكر معه أسماء جملةِ من ذهب إليه من الصحابة والتابعين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين. قوله: (مُخَلَّقة) يعني أن الله تعالى إذا أراد أن تَلِدَها سليمةً يجعل دمَ الحيض غذاءه فتلدها مخلَّقة وإن أراد أن يكون غير مخلقة لا يجعله غذاءً لها، وتصير سِقْطًا، فتلدها خَديجًا غير تامة. قيل: إن تلك الأطوار على خلاف ما في الطِّب. قلت: كلا بل هي في الطب كذلك كما ذكره الأنطاكي في «تذكرته». واعلم أن للتقدير أنواعًا، فمنها تقدير أزلي، ومنها مُحْدَث، ومنها ما كُتِب قبل خلق العالَم بخمسين ألف سنة، ومنه ما يكون في ليلة البراءة، ومنه هذا الذي في رَحِم أُمّه. فاعلمه. يعني أنه يجوز لها الإحرام لأنها غير ممنوعة عنه، والحيض ليس من محظوراته. ٣١٩ - قوله: (منّا من أَهَلَّ بعمرة) يعني في الحالة الراهنة، وإن أَهَلَّ بالحج يوم التروية، لا أنه أَهَلَّ بها فقط ولم يحجَّ في تلك السنة مع بلوغه بمكة. ٢٠ - باب إِقْبَالِ الْمَحِيضِ وَإِدْبَارِهِ وَكُنَّ نِسَاءٌ يَبْعَثْنَ إِلَى عَائِشَةَ بِالدُّرْجَةِ فِيهَا الْكُرْسُفُ فِيهِ الصُّفْرَةُ فَتَقُولُ لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ. تُرِيدُ بِذَلِكَ الطُّهْرَ مِنَ الْحَيْضَةِ. وَبَلَغَ ابْنَةَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ نِسَاءً يَدْعُونَ بِالْمَصَابِيحِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ يَنْظُرْنَ إِلَى الطُّهْرِ فَقَالَتْ مَا كَانَ النِّسَاءُ يَصْنَعْنَ هَذَا. وَعَابَتْ عَلَيْهِنَّ. ٣٢٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ
следующие страницы →