أحكامَهم تتعلق بعالم الشَّهادة وتلك الوصلة مِنْ عالم الغيب، وكذا الاستواء على العرش، والمعية، وقربه تعالى، كلها من باب واحد عندي، لا نُدْرِك كيفياتِها في غير أن نقول بتشبيه أو تجسيم كما يقوله الزائغون، فكما أَنَّ تلك الأشياء كلها على ظاهرها بدونِ تأويل عند الأئمة الأربعة، كذلك هذه المواجهة ووصلةِ المناجاة عندي.
والتحقيق عندي: أنَّها كلُّها تجليات من الله سبحانه وقد قلت فيه:
*رأيتُ بليلةٍ ظلماءَ نورًا ... على ألوانِ أطْوَارِ الخَلِيقَهْ
*تجلى في صفاتِ الكونِ شَتَى ... وتلك مله زجاجاتٍ رقيقَهْ
*كمِشكاة ترى المِصْبَاح فيها ... وذلك في زجاجاتٍ أنيقَهْ
*فَحَيَّز ناظري رُؤيَاه حتى ... عَبرَت مِنَ المجازِ إلى الحقيقَهْ
*عبارات ومعنىً ليس إلا ... وكلُّ الكون قد وسِعَت دَقِيقَهْ
*ومَنْ قصد النِّهاية في مداه ... رَأى كلَّ الورَى عبرَ الطريقَهْ
وسيجيء البحث على معنى التَّجَلِّي بما يكفي ويشفي إنْ شاء الله تعالى.
ثم إنَّ تلك الوَصْلَة لمَّا كانت مِنْ عالمَ الغيب لا يكون قطعه إلا فيه، ولا يكون محسوسًا، وهو مَحْمَل حديث: «أَفْطَرَ الحاجمُ والمَحْجُوم»، عندي أعني به إفطار حقيقة الصَّوم بدونِ تأويلٍ في نظر الشَّرْعِ، وإِنْ لم يَكُن إفسادًا في نظر الفقيه. فمن احْتَجم فقد أَفْطَر في نظر الغيب وإنْ بقي صائمًا في نظر الفقيه لما مَرَّ مني من قَبْل، أَنَّ الطَّهارة وإِنْ لمْ تكن شَرِيطة في الصيام لكنَّه لا شَكَّ في كونِها مطلوبة، فإِذا انْتَقَضَت بخروج الدم وانتقصت، انتقض صومه وانتقص، فكان إفطارًا عند الشَّريعة في الجملة، وإِنْ زَعَم أَنَّه صائمٌ ولا سيما إذ كان الصيامُ تحصيلا للتَّقْوَى وتشبهًا بالملائِكة، فإِنَّهم يتنفرون عن الدِّماء في غايته، ولذا قالوا: ﴿وَيَسْفِكُ الدِّمَاء﴾ [البقرة: ٣٠]. فذكروا من نقائِصه ما يُوجِب نقيصة في عالَمِهم وهو معنى قوله: «من أصبح جنبًا فلا صوم له». فإِنَّ الجنابَة قدحت في صَوْمِه وأدخلت فيه نقيصَة، والملائكة لا يدخلون بيتًا فيه جُنب.
وأمّا قول عائشة ﵂: «عدلتمونا بالكلب والحمار». فيبنى على عَدَمِ القَطْعِ الحسي كما هو نَظَرُ الفقيه، وقد مَرَّ مني غير مرة أَنَّ التَعارُضَ بين الأحاديث قد يكونُ قصديًا يعني به الاطلاع على مراتب الشيء، وقد يُرَادُ به التنبيه على اختلاف العوالِم والأَنْظَار، فَترِد عليك الأحاديث في قَطْعِ المرأة الصَّلاة، وترد عليك أَنَّ عائشةَ ﵂ كانت تكون تعترض في قِبلَتِه اعتراض الجِنَازة وهو يُصلِّي، وكذلك يَرِد عليك أَنَّ مَنِ احتجَمَ فقد أَفْطَر، ويَرِد عليك أَنَّه احتجم وهو صائم، وهكذا يُروى لك «من أصبح جُنبًا فلا صوم له»، ويُنقل أنَّه أصبح صائمًا وهو جنب مِنْ غيرِ احتلام، وذلك لأنَّه قد عنى في بعض هذه الرِّوايات حكم هذه الأشياء في عالم الغيب، وفي بعض آخر حكمها في عالم الشَّهادة. وقد مَرَّ منا أَنَّه لا يجبُ توافق الحكم بين العالَمين.
ثم إِنَّ أحمد ﵁ جزم بقَطْع الصَّلاةِ مِنَ الكلبِ الأسود، ووقع هذا القيد في
стр. 562
الرِّوايات أيضًا، وروى: أنَّه شيطان. ولعلَّ فيه معنى الإِيذاء وغيره. ما ليس في غيره، وهكذا سمعنا من الراقيين أَنَّهم يطلبون الكلب الأسود، وسمعنا أَنَّ الجِنَّ يظهرون ويتشكلون بشكل الكلب الأسود، وإنَّما جزم بالقَطْعِ فيه لأنَّه لم تَرِد فيه مادة في الجانبِ المُخَالِف، وتردد في قطع الحمار لأنَّه رُوِيَ فيه حديث ابن عباس ﵄: أنَّه جاء على أتان، كما مَرَّ الآن ولم يَقْطَع ذلك صلاته، ولذا قال فلم ينكر ذلك عَليَّ.
وكذلك تردد في المرأةِ (١) لأنَّه ثبت اعتراض عائشة ﵂ بين يَدَيه وهو يُصلِّي، أمَّا الكلب فلم يَرِدَ فيه شيء بخلافِه فَجَزَم به.
قلت: وفي «الدر المنثور» أنَّ هؤلاءِ الثَّلاثةِ لا يُسَبِّحون، وروى في حديث صحيح (٢) الاستعاذة عند نَهِيقِ الحمار، فهؤلاء كالميت غافلون عن الذِّكْرِ فاعتراضُها حال الصَّلاة التي هي الذِّكْر الأكْبَر عُدَّ قاطعًا لها، ولذكر الله أكبر. ولعلك عَلِمْتَ مِنْ هذا البحث أَنَّ السُّتْرَة يجب أَنْ يكون واجبًا وهو مذهب الشافعي ﵀ واستحبه الحنفية.
قلت: كيف وَوَرَدَ الوعيد في تَرْكِها (٣) فليتَ الحنفية اعتبروها أزيد مما في كتبهم (٤). ولا يخفى أَنَّ الراوي قد يَتَعَرَّض إلى الخُصُوص لتردد فيه، فيُرِيد أَنْ يُشْهَرَ أمرُهُ ويُنوَّهُ ذكره كما فعل ههنا، فلعلَّ النَّاسَ تهاونوا فيها فأَرَاد بتعرُّضِه إليها أَنْ يَهْتَم بها النَّاس وهكذا فَعَله ابنُ عمر ﵄ في رفع اليدين، فَتَعرَّض في حديثهِ إلى الرَّفع في الموضِعين خاصة، وتَعرَّض إلى نفيهِ في السُّجود خاصة، وخَصَّصَهُ بالذِّكْرِ مِنْ سائِر أَفْعَال الصَّلاة، فَدَلَّ على أَنَّ في مض لمطمعًا، والشافعيةُ غفلوا عنه أو تَغَافلوا فإِنَّ الحديثَ يَضُرهم مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى لدلالته على أَنَّ أَمْرَ الرفعِ صار خاملا في زَمَنِه إلى أَنِ احتاج إلى إِثباتِه وتأكيدهِ وتَشْهِيرهِ، وإلا فَمنْ يَتَعرَّض إلى أمر مُسَلَّم بين النَّاس، فذقه أنت فإِنْ كان الأمرُ كذلِك فمن أخمله إلا الصحابة ﵃، وهل كان إذ ذاك غيرهم فانْظُر ماذا ترى.
٤٩٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِى جُحَيْفَةَ قَالَ سَمِعْتُ
стр. 563
أَبِى أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ صَلَّى بِهِمْ بِالْبَطْحَاءِ - وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ - الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ، تَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ الْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ. أطرافه ١٨٧، ٣٧٦، ٤٩٩، ٥٠١، ٦٣٣، ٦٣٤، ٣٥٥٣، ٣٥٦٦، ٥٧٨٦، ٥٨٥٩ تحفة ١١٨١٠
٤٩٥ - قوله: (الظُّهرَ رَكعتين والعَصْرَ رَكعتين) لا دليلَ فيه على الجمع أصلا، لأنَّ الراوي جَمَعَ بينهما في الذِّكْرِ فقط، كما يجمع بل أشراط الساعة، فيذكرها بالواو ويقول: يكون كذا وكذا مثلا. فيزعم الجاهل الغبي أَنَّ الوَقَائِع كلها تَتْرَى مع أَنَّها قَدْ تَكُون بينَها المئات مِنَ السِّنين.
٩١ - باب قَدْرِ كَمْ يَنْبَغِى أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْمُصَلِّى وَالسُّتْرَةِ
٤٩٦ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِى حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَهْلٍ قَالَ كَانَ بَيْنَ مُصَلَّى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ الْجِدَارِ مَمَرُّ الشَّاةِ. طرفه ٧٣٣٤ - تحفة ٤٧٠٧
٤٩٧ - حَدَّثَنَا الْمَكِّىُّ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِى عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ قَالَ كَانَ جِدَارُ الْمَسْجِدِ عِنْدَ الْمِنْبَرِ مَا كَادَتِ الشَّاةُ تَجُوزُهَا. تحفة ٤٥٣٧
٩٢ - باب الصَّلَاةِ إِلَى الْحَرْبَةِ
٤٩٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ أَخْبَرَنِى نَافِعٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ يُرْكَزُ لَهُ الْحَرْبَةُ فَيُصَلِّى إِلَيْهَا. أطرافه ٤٩٤، ٩٧٢، ٩٧٣ - تحفة ٨١٧٢
٩٣ - باب الصَّلَاةِ إِلَى الْعَنَزَةِ
٤٩٩ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ حَدَّثَنَا عَوْنُ بْنُ أَبِى جُحَيْفَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبِى قَالَ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْهَاجِرَةِ، فَأُتِىَ بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ فَصَلَّى بِنَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ، وَالْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ يَمُرُّونَ مِنْ وَرَائِهَا. أطرافه ١٨٧، ٣٧٦، ٤٩٥، ٥٠١، ٦٣٣، ٦٣٤، ٣٥٥٣، ٣٥٦٦، ٥٧٨٦، ٥٨٥٩ تحفة ١١٨١٠
٥٠٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ بَزِيعٍ قَالَ حَدَّثَنَا شَاذَانُ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِى مَيْمُونَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ إِذَا خَرَجَ لِحَاجَتِهِ تَبِعْتُهُ أَنَا وَغُلَامٌ وَمَعَنَا عُكَّازَةٌ أَوْ عَصًا أَوْ عَنَزَةٌ وَمَعَنَا إِدَاوَةٌ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ حَاجَتِهِ نَاوَلْنَاهُ الإِدَاوَةَ. أطرافه ١٥٠، ١٥١، ١٥٢، ٢١٧ - تحفة ١٠٩٤
قال الفقهاء: يُسْتَحب أَنْ يَدْنوَ منها ما استطاع لئلا يَضِيق الطريق على المارين. وعند أبي داود ما رأيت رسول الله ﷺ يصلي إلى عود ولا عمود ولا شجرة إلا جعله على حاجبه الأيمن أو الأيسر ولا يصمُد له صمْدًا.
٤٩٦ - قوله: (وكان بين مُصَلَّى رسولِ الله ﷺ قال الحافظُ ﵁ أي مقامه في صلاتِه يعني به موضِع القدَمين.
стр. 564
قلتُ: بل المرادُ به مَوْضِعُ سجودِه وإلا لا يَبْقَى بينَه وبين القِبْلَة فُسْحَة لسجوده.
٤٩٧ - قوله: (كان جدارُ المسجدِ عند المنبر: وإنَّما تَعَرَّض فيه إلى ذِكْرِ المنبر، لأنَّه معلوم مِنْ عَمَل الأمه أنها تُصَلِّي في يسار المنبر، فليقدر الفاصلة مما بين المنبر وجدار القِبْلة. وفي «الوفاء» للسَّمْهُودي أَنَّ وضع المنبر كان منحرفًا ولم أعرف السر فيه وقد يخطر بالبال أَنَّه رَاعَى فيه جهة القِبْلَة، فكره أَنْ يستدْبِرَها عند الخُطْبَةِ وغيرِها، فَوَضَعَهُ منحرفًا عن جِهَتِها لهذا والله تعالى أعلم.
وفي إسناده مكي بن إبراهيم وهو اسم راوٍ وليست نسبته إلى شيء، وهو تلميذُ أبي حنيفةَ ﵀ وأَظنُّ أنَّه حنفي أيضًا وأكثر ثلاثيات البخاري بإسنادِهِ.
٩٤ - باب السُّتْرَةِ بِمَكَّةَ وَغَيْرِهَا
٥٠١ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ أَبِى جُحَيْفَةَ قَالَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْهَاجِرَةِ فَصَلَّى بِالْبَطْحَاءِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ، وَنَصَبَ بَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةً، وَتَوَضَّأَ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَتَمَسَّحُونَ بِوَضُوئِهِ. أطرافه ١٨٧، ٣٧٦، ٤٩٥، ٤٩٩، ٦٣٣، ٦٣٤، ٣٥٥٣، ٣٥٦٦، ٥٧٨٦، ٥٨٥٩ تحفة ١١٧٩٩ - ١٣٤/ ١
قال الطَّحاوي في مشكِله إِنَّه لا بأْسَ بمرورِ الطَّائِفين أَمَامَ المُصَلِّي عند البيت لأنَّ الطَّواف بالبيتِ صلاة، ولا تُوجَد تلك المسألة في المذاهب الأربعة إلا عند الطَّحاوي. وهذا الباب ناظرٌ إليها إلا أَنَّ الصَّلاة في الحديث كانت على نحو ميل من مكة، ومسألة الطَّحاوي في داخل المسجد. وكانت تلك المسألة مهمة فَتَعَرَّض لها المصنِّف رحمه الله تعالى وترجم عليها.
٩٥ - باب الصَّلَاةِ إِلَى الأُسْطُوَانَةِ
وَقَالَ عُمَرُ الْمُصَلُّونَ أَحَقُّ بِالسَّوَارِى مِنَ الْمُتَحَدِّثِينَ إِلَيْهَا. وَرَأَى عُمَرُ رَجُلاً يُصَلِّى بَيْنَ أُسْطُوَانَتَيْنِ فَأَدْنَاهُ إِلَى سَارِيَةٍ فَقَالَ صَلِّ إِلَيْهَا.
٥٠٢ - حَدَّثَنَا الْمَكِّىُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِى عُبَيْدٍ قَالَ كُنْتُ آتِى مَعَ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ فَيُصَلِّى عِنْدَ الأُسْطُوَانَةِ الَّتِى عِنْدَ الْمُصْحَفِ. فَقُلْتُ يَا أَبَا مُسْلِمٍ أَرَاكَ تَتَحَرَّى الصَّلَاةَ عِنْدَ هَذِهِ الأُسْطُوَانَةِ. قَالَ فَإِنِّى رَأَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَتَحَرَّى الصَّلَاةَ عِنْدَهَا. تحفة ٤٥٤١
قوله: (صلِّ إليها) يعني صلِّ إلى الأُسْطُوَانَة جاعلا إياها سُتْرَة، ولا تُصَلِّ في البين. وكان النَّبي ﷺ يُصلي إلى أُسْطُوَانتِه في اعتكافِه، واستفيدَ منه أنَّ الصَّلاةَ إلى الأُسْطوانةِ مطلوبة من المنفرِد لئلا يَتَحَرَّج بها المارُّون. وفي «مِعْرَاج الدِّرَاية شرح الهداية» - وهو غير مطبوع: أَكْرَهُ للإِمام أنْ يقوم بين السَّارِيَتَيْنِ. ونَقَل الشوكاني عن أبي حنيفةَ رحمه الله تعالى في «النيل»: أَنَّ المُنْفَرِد يُصَلِّي بين السَّارِيَتَيْن بلا كَرَاهة، والمقْتَدون إِنْ كانوا اثنين فقيامُهما بين السَّارِيَتَيْن مَكْروهٌ أيضًا وإلا لا، لكونهم أذن صفًا. ولعل التفقه فيه أَنَّ الاثنين قِطعة مِنَ الصَّف فلم انفردا عنه، وأَمَّا الثلاث فما فوقَه فصفُّ مستَقِل فلا يُكْرَه ولم أَجِدْ هذه المسألة إلا في كتاب الشوكاني ولم يَكْتُب أَنَّه مِنْ أين أخذها، وأقول بعد التَّجرِبة أَنَّ مَذْهَبَ الحنفية ليس محققًا عند الشوكاني فلا
стр. 565
أعتبر به. ولا أَعْتَمِد عليه في نَقْلِ مذهبنا إلا أَنَّ الوجدان يحكُم ههنا، أَنَّ المسألةَ تكونُ كَذلِك والله تعالى أعلم.
٥٠٢ - قوله: (التي عند المُصْحَف) قال الحافظُ رحمه الله تعالى: إِنَّها أُسْطُوَانة مخلقة. ورد عليه السَّمْهُودي وقال: والتي عندَ المصحف غيرها.
ثُمَّ إنَّ الراوي يعلمها بأمارات حدثت في زَمَنِ عثمان ﵁ لا أَنَّها كانت في زَمَنِ النَّبي ﷺ .
قوله: (قال فإِني رأيتُ النَّبيَّ ﷺ ولولا مِثْل هذه الوقائِع الضمنِيَّة لنفيت ثبوت النافلةِ عن النَّبي ﷺ في المسجد.
٥٠٣ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ لَقَدْ رَأَيْتُ كِبَارَ أَصْحَابِ النَّبِىِّ ﷺ يَبْتَدِرُونَ السَّوَارِىَ عِنْدَ الْمَغْرِبِ. وَزَادَ شُعْبَةُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ أَنَسٍ حَتَّى يَخْرُجَ النَّبِىُّ ﷺ . طرفه ٦٢٥ - تحفة ١١١٢
٥٠٣ - قوله: (يبتدرون السَّوَاري عند المَغْرِب) وتلك الصَّلاة مستَحَبَّة عند الشافعية، ومباحة عند أبي حنيفة ومالك، كما قَرَّرَ ابنُ الهمام رحمهم الله تعالى.
وحاصله: أَنَّها تُرِكَ العمل بها ولم يقررها أحد كما قررها الشيخ رحمه الله تعالى فليراجعه. وعن أحمد رحمه الله تعالى في «العيني»: ما صَلَّيتها إلا مرةً حين بلغني الحديث. وكان هذا من دَأَبِ بَعْضِ المحدِّثين أنَّهم كانوا يَعْمَلون بحديث يَبْلغهم مرة خروجًا عن عُهْدَته، وعند الحافظِ رحمه الله تعالى ما صلَّيتها إلا مرة حتى بلغني الحديث، مكان حين، فانقلت منه المراد، وهو غلط من الناسخ، والصحيح كما نَقَلَهُ العيني فليُتنبه. ولعلَّ في «البدائع» أو كتاب الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى: أنَّ أحمد رحمه الله تعالى سُئِل عنهما فلم يهتم بشأنهما، وقال: انْقَطَع بهما العَمَل، فدلَّ أَنَّ الصَّواب كما في العيني، وما في نسخة الحافظ رحمه الله تعالى سَهْوٌ.
وفي الخَارِج أَنَّ الأنْصار كانوا يُصَلُّونها بخلافِ المُهاجرين، وعند أبي داود عن ابنِ عمر ﵄ ما يدل على خُمولها في الصدر الأَوَّل، وفيه «ورخص في الرَّكعتين بعد العصر» ومرجع الضمير عندي ابنُ عمر ﵄ دون النَّبي ﷺ ثم في إسنادِهِ محمد بن جعفر.
قلت: وهو غُنْدَر وقد تَحصَّل الفِقْهَ بمطالعة كُتُبِ زفر رحمه الله تعالى، وكان زُفر رحمه الله تعالى، ذهب إلى البَصْرَة لحاجةٍ له فأصرَّ عليه النَّاس أَن يقيم بها، فتوفي هناك ولم يدركه غُنْدَر، فَحصَّل الفِقَه من كُتُبِه، ثم إنَّ أهلَ البَصْرَة كانوا سَاخِطين عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى، فكان محمد بن جعفر يُلقي على النَّاس ويَذْكُر مسائله، لا يذكر اسم أبي حنيفة حتى إذا مدح النَّاس على مسائِله أَفْصَح باسمِهِ وقال: إنَّها هي مسائل أبي حنيفة، فسكت عليه الناس هكذا ذَكَرَهُ الطَّحاوي.
٩٨ - باب الصَّلَاةِ إِلَى الرَّاحِلَةِ وَالْبَعِيرِ وَالشَّجَرِ وَالرَّحْلِ
٥٠٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِى بَكْرٍ البصري قال: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يُعَرِّضُ رَاحِلَتَهُ فَيُصَلِّى إِلَيْهَا. قُلْتُ أَفَرَأَيْتَ إِذَا هَبَّتِ الرِّكَابُ. قَالَ كَانَ يَأْخُذُ هَذَا الرَّحْلَ فَيُعَدِّلُهُ فَيُصَلِّى إِلَى آخِرَتِهِ - أَوْ قَالَ مُؤَخَّرِهِ - وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ - رضى الله عنه - يَفْعَلُهُ. طرفه ٤٣٠ - تحفة ٨١١٩
والمرادُ به ههنا بيان مسألة السُتْرَة، وأمَّا ذِكْرُ البعير ... الخ، فاحتراسٌ، وتتميمٌ، وكان بوب عليه في الأنجاس مرَّة لبيانِ الفَرْقِ بين الإبْلِ الواحد والعَطَن، فالبعير إذا كان واحدًا في سَفَرِه وأَمِنَ منه لا يكون في معنى العَطَن حيث يكون فيه الأنْجَاس مع كَثْرَةِ الإبل فَيَسْطُو بعضه على بعضٍ ويُخَافُ منه الإِيذاء، إلى غيرِ ذلك مِنَ المعاني.
وتَرْجَم ههنا لبيان السُّتْرَة فقط لا للفَرْق المذكور، ثُمَّ مِنَ العجائبِ ما كتبه ابنُ خَالَوَيه في كتابه المسمَّى بـ: «ليس» أَنَّ البعيرَ في لغةِ العرب بمعنَى الحمار أيضًا.
٥٠٧ - قوله: (آخِرَتِه) ونَقَّح الحنفيةُ مناطَه فقالوا: إنَّ كلَّ شيءٍ بقَدْرِ الذِّراع في غَلْظِ الأُصْبَعِ لَيَصْلُح للسُّتْرَة، أما الخط عند فقدانها ففي «الهداية» أنَّه غير معتبر، وفي «الفتح» عن صاحِبَيْهِ أَنَّه معتبرٌ.
قُلْتُ: وهو الذي يَليقُ به العمل، لحديثٍ فيه عند أبي دَاوُد، وإن كان مضطربًا عند عامة المحدِّثين، فإنَّه رُويَ عن أحمد أنَّه قابِل للعمل، والخطُ يكونُ بشَكْلِ الهِلال، ولعله مانعٌ عن مُرور الشيطان كما نشاهده عن الراقين عند رَقْيِهم بمن صَرَعه الجِنُّ يَخُطُّون حوله خَطًّا ويُسمُّونَه الحِصَار، لأنَّ الجِنَّ يحصر به ولا يستطيع أَنْ يَخْرُج منه، كما فَعَلَه النَّبي ﷺ مع ابنِ مسعود ﵁ في ليلة الجِنِّ، ثُمَّ إنَّ قولَه: إلى آخرتِهِ، يَدُل على أنَّ الغَرْزَ ليس بِشَرْطٍ ويكْفي له الوَضْعُ أيضًا.
٩٩ - باب الصَّلَاةِ إِلَى السَّرِيرِ
٥٠٨ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ أَعَدَلْتُمُونَا بِالْكَلْبِ وَالْحِمَارِ لَقَدْ رَأَيْتُنِى مُضْطَجِعَةً عَلَى السَّرِيرِ، فَيَجِىءُ النَّبِىُّ ﷺ فَيَتَوَسَّطُ السَّرِيرَ فَيُصَلِّى، فَأَكْرَهُ أَنْ أُسَنِّحَهُ فَأَنْسَلُّ مِنْ قِبَلِ رِجْلَىِ السَّرِيرِ حَتَّى أَنْسَلَّ مِنْ لِحَافِى. أطرافه ٣٨٢، ٣٨٣، ٣٨٤، ٥١١، ٥١٢، ٥١٣، ٥١٤، ٥١٥، ٥١٩، ٩٩٧، ١٢٠٩، ٦٢٧٦ - تحفة ١٥٩٨٧
وفي نُسْخَة على السَّرِير وثَبَتَ السرير - بمعنى جارياني - في السِّيَر: وكان نَسْجُه مِنْ سَعَفِ النَّخْلِ والحبال، ولذا حملت عليه، وإن كان السَّرِير تطلق على تخت عندهم أيضًا، فالنُّسخة إن كانت «بعلى» فالمسألة فيه جواز الصَّلاةِ فَوْقَ السَّرِيرِ، وقد مَرَّ مني أنَّها تجوز مطلقًا، لأنَّ الشَّرْطَ في السُّجود هو الإلقاءِ والطَّرْح، وذا يَحْصُل عليه بخلاف القُطْن، فإِنَّه لا يحصُل فيه الإِلقاء، بل يَحْتَاج إلى استمساكِ الرَّأْسِ فلا يَزَال يَخْسِف بهِ، وإِنْ كانت «إلى» فالمسألة فيه مسألة السُّتْرَة
стр. 568
ويكون الحاصل أن النبي ﷺ جعل السرير سترة وحينئذ تكون أمامه خشبته المعروضة دون القائمة، فإِنْ صَلَّى إلى قَائِمَتِهِ فهو ظاهرٌ.
٥٠٨ - أما قوله: (فيتوسطُ السرير) فالظَّاهِر منه أَنَّه صلَّى على الأَرْضِ متوجِهًا إلى وسطه، وعليه تَرِدُ الألفاظ وإن صلح لغة على أنَّه صلَّى فَوْقَ السرير في وسطه.
قوله: (فأَكْرَهُ أَنْ أُسَنَّحَهُ) - يعني آرى آجاؤل - واعْلَم أَنَّ مسألةَ المرورِ في الفقه فيما إذا مرَّ أمامَهُ من جانبٍ إلى جانبٍ، ولا تفصيلِ فيه فيما إذا كان قاعدًا فصلَّى خلفَهُ رجلٌ هل يَنْسَل أم لا؟
قلت: فليعمل بهذا الحديث ولا شك أَنَّ الانسلال أَفْيَد، وهو الخُروج من التَّخْت خُفْيَة، والسُنُوح أَقْرَب من المرور فلذا كانت تكرهه، والمرادُ من السُنُوح أن تواجهه بشخصِها -يعني ميرا شخص سامني آجائي-.
ثم إنَّ المُصلِّي إاذ كان في الصحراء جاز له المرور أمامه فيما وراء موضِع سجوده عند فَخْر الإِسلام واعتبر الشيخ رحمه الله تعالى موضِعَ نظره فلا يجوز له المرورُ فيه. أمَّا إذا كان في المسجد الكبير فيجوز له المرور، وإِنْ كان صغيرًا فلا، والكبير عندي ما كان في أربعين ذِرَاعًا. وراجع المسائل من الفقه. وفي حاشية «العناية» للشيخ سعد الدين: أَنَّه لو أَسْبَلَ غشاوة من السَّقْف كفاه للسُّتْرَة.
قلت: وعلى هذا فَمن كان لا بدَّ أَن يَمُرَّ بين يدي المُصلِّي فَلْسُسْبِلْ منديله أمامَهُ ثُمَّ ليمر، ولعلَّهُ يكون أَيْسر له مِن مرورِه كما هو.
١٠٠ - باب يَرُدُّ الْمُصَلِّى مَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ
وَرَدَّ ابْنُ عُمَرَ فِى التَّشَهُّدِ وَفِى الْكَعْبَةِ وَقَالَ إِنْ أَبَى إِلَاّ أَنْ تُقَاتِلَهُ فَقَاتِلْهُ.
٥٠٩ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ عَنْ أَبِى صَالِحٍ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ قَالَ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ وَحَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِى إِيَاسٍ قَالَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ قَالَ حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ الْعَدَوِىُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ السَّمَّانُ قَالَ رَأَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِىَّ فِى يَوْمِ جُمُعَةٍ يُصَلِّى إِلَى شَىْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فَأَرَادَ شَابٌّ مِنْ بَنِى أَبِى مُعَيْطٍ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَدَفَعَ أَبُو سَعِيدٍ فِى صَدْرِهِ، فَنَظَرَ الشَّابُّ فَلَمْ يَجِدْ مَسَاغًا إِلَاّ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَعَادَ لِيَجْتَازَ فَدَفَعَهُ أَبُو سَعِيدٍ أَشَدَّ مِنَ الأُولَى، فَنَالَ مِنْ أَبِى سَعِيدٍ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَى مَرْوَانَ فَشَكَا إِلَيْهِ مَا لَقِىَ مِنْ أَبِى سَعِيدٍ، وَدَخَلَ أَبُو سَعِيدٍ خَلْفَهُ عَلَى مَرْوَانَ فَقَالَ مَا لَكَ وَلاِبْنِ أَخِيكَ يَا أَبَا سَعِيدٍ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقُولُ «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَىْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ، فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ». طرفه ٣٢٧٤ - تحفة ٤٠٠٠ - ١٣٦/ ١
стр. 569
وفي فِقْهنا: أَنَّه يرده بجهر آية فإِنْ كانت الصَّلاة جهرية يَرْفَعُ بها صوتَه أَزْيَدَ من قراءتِه، وإِنْ كانت سِرِّية ففيها ثلاث أقوال لمشايِخنا، قيل: تَجِبُ سجدة السَّهْو بجهر كلمة، وقيل: بما زاد على الآية، وقيل: بآية.
قلت: يَجُوزُ الجهرُ بآية في الصَّلاةِ السِرِّية لِمَا ثَبَتَ عن النَّبي ﷺ وله أَنْ يَدْفَعه بالتسبيحِ أيضًا. ثُمَّ إِنَّ ابنَ دقيق العيد ذكر تفصيلا فيه لا أَذْكُره خوفًا من تهاونِ النَّاس.
قوله: (قاتله (١)) وهو عندنا محمولٌ على مزيدِ الكرَاهةِ والتقبيح في القلب دون القِتال حسًا، وحَمَلَهُ الشافعية على ظاهره، فَجَوَّزُوا الدرء بالعملِ أيضًا ويُدرأ عندنا بما مَرَّ، وَذَكَر القِتال في سياق المُبَالغة فقط، وكَتَبَ النَّووي تَحْتَه مسائل الدية، أَنَّ قَتْلَ المارِّ وهو عَجِيب لأنَّه ربما يَخْبِطُ النَّاظر فيظن أَنَّ الحديثَ ورد في القَتْل مع أَنَّه ليس بمراد، فكان الأولى أَنْ لا يَذْكُرها، وعلَّله في الحديث أنَّه شيطان.
قلت: ومن يَسْنَح بينه وبين مولاه فإِنَّه شيطان ولا ريب. ثم اعلم أَنَّ الشيطان من عالَمِ الأرواح أعني به أَنَّ له بَدنٌ مثالي يَتَصرف في الأجساد كتصرف الجِنّ، فكما أَنَّ الجنَّ يركب الإِنسان ويصرعه، ثُمَّ يتكلم بلسانه كذلك يَفْعَل الشيطان أيضًا والله تعالى أعلم بحقائق الأمور فأمكن، أن يركب على إنسان ويمر به أمام المُصَلِّي (٢).
١٠١ - باب إِثْمِ الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّى
٥١٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِى النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ
стр. 570
عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ أَرْسَلَهُ إِلَى أَبِى جُهَيْمٍ يَسْأَلُهُ مَاذَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِى الْمَارِّ بَيْنَ يَدَىِ الْمُصَلِّى فَقَالَ أَبُو جُهَيْمٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَىِ الْمُصَلِّى مَاذَا عَلَيْهِ لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ». قَالَ أَبُو النَّضْرِ لَا أَدْرِى أَقَالَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَوْ شَهْرًا أَوْ سَنَةً. تحفة ١١٨٨٤
وفي مُسْنَد البزَّار أربعين سَنَة بالجزم، وفي حديث آخر مئة سنة كذا نَقَله الحافظ رحمه الله تعالى.
١٠٢ - باب اسْتِقْبَالِ الرَّجُلِ الرَّجُلِ وَهُوَ يُصَلِّى
وَكَرِهَ عُثْمَانُ أَنْ يُسْتَقْبَلَ الرَّجُلُ وَهُوَ يُصَلِّى، وَإِنَّمَا هَذَا إِذَا اشْتَغَلَ بِهِ، فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَشْتَغِلْ فَقَدْ قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ مَا بَالَيْتُ إِنَّ الرَّجُلَ لَا يَقْطَعُ صَلَاةَ الرَّجُلِ.
٥١١ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ مُسْلِمٍ - يَعْنِى ابْنَ صُبَيْحٍ - عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَهَا مَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ فَقَالُوا يَقْطَعُهَا الْكَلْبُ وَالْحِمَارُ وَالْمَرْأَةُ. قَالَتْ قَدْ جَعَلْتُمُونَا كِلَابًا، لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِىَّ ﵇ يُصَلِّى، وَإِنِّى لَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، وَأَنَا مُضْطَجِعَةٌ عَلَى السَّرِيرِ، فَتَكُونُ لِى الْحَاجَةُ، فَأَكْرَهُ أَنْ أَسْتَقْبِلَهُ فَأَنْسَلُّ انْسِلَالاً. وَعَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ نَحْوَهُ. أطرافه ٣٨٢، ٣٨٣، ٣٨٤، ٥٠٨، ٥١٢، ٥١٣، ٥١٤، ٥١٥، ٥١٩، ٩٩٧، ١٢٠٩، ٦٢٧٦ - تحفة ١٧٦٤٢، ١٧٦٠٥، ١٥٩٥٢، ١٥٩٧٣
وهل الاستقبال منحصرٌ في المواجهة أو هو أَوْسَع منه، ولعلَّ أهلَ اللُّغة يُخصصونَهُ بالمواجَهة. ثُمَّ الاستقبال المذكور مكروه عندنا مطلقًا بدون تَفْصيل الاشتغال وعَدَمِه، وفَرَّقَ المصنِّف بالاشتغالِ وعَدَمِه.
وحاصل تراجم المصنِّف رحمه الله تعالى: أنَّه لا يَقْطَع الصَّلاةَ شيء كما سيجيء مصرحًا، ولم يُبال بما يُروى في القَطْعِ بالمرورِ، ولذا لم يُخرج له حديثًا. ولنا: ما رُوِيَ عن ابنِ مسعود ﵁ موقوفًا وهو مرفوع حُكْمًا: أَنَّ مَنْ مَرَّ أَمامَ المُصَلِّي فقد قَطَعَ عليه نِصْفَ صَلاتِه. وثَبَت منه أمران: كون المارِّ قَاطِعًا مطلقًا، وكذا ثَبَتَ منه عدم بُطْلان صلاتِه. واضطرب الشارحون في أَنَّ المصنِّف رحمه الله تعالى مِنْ أَي لفظٍ أَخَذَ ترجمَتَه فقالوا مِنْ قِولِه: (وأنا مُضْطجِعَة) ثم تَحيَّرُوا فيه فإِنَّها لا تُؤْخَذ منه.
قلت: بل هي مأخوذة مِنْ قوله: «وأكره أَنْ أستقبله» ففيه كراهة الاستقبالِ صراحةً، ثُمَّ إِنَّ قولها: وأنا مضْطَجِعَة على السرير» صريحٌ في أَنَّ النَّبي ﷺ كان على الأرضِ، وقد مَرَّ مني التفتيش فيه في ذيل شرح لفظ «فيتوسط السرير».
١٠٣ - باب الصَّلَاةِ خَلْفَ النَّائِمِ
٥١٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ حَدَّثَنِى أَبِى عَنْ
وقد عَلِمْتَ من عاداتِ المصنِّف رحمه الله تعالى أَنَّ رجحانِه قَدْ يكون إلى جانب ولا يريد الإِفصاح به، فيضع هناك لفظ «من» كأنَّه يعزوه إلى قائل مُبْهم، ولا يَتكفل به قوله: «وإني على سرير» ... الخ وعدَّه المصنِّف رحمه الله تعالى مِنْ جِنْس المرور ولمَّا كان هذا النَّوع مِنَ المرور غير قاطع، عُلم أَنَّه لا يَقْطَع الصَّلاة شيء وهذا أيضًا مِنْ عاداتِ المصنِّف رحمه الله تعالى أَنَّه إذا اختار جانبًا ذَهَب يهدر جانبًا آخر كأنَّه لم يرد فيه شيء، قلنا كَيْفَ وقد صَحَّ فيه أحاديث عند مُسْلِم وأبي داود مِنْ أَنَّ الحمار والمرأة والكلب قاطعٌ للصَّلاةِ بأي معنىً كان، وإنَّما يَثْبُت خلافه إذا ثَبَت في حديث أَنَّ تلك الأشياء الثلاثة لا تَقْطَع الصَّلاة، فإِنْ أَرَاد بالقَطْعِ القطعَ فقهًا فمن أَنْكَره، ونحن أيضًا نقول: إنَّها لا تقطع بمعنى أَنَّها لا توجِب البطلان، أما إنَّها لا تقطع أصلا فلا نقول به.
١٠٦ - باب إِذَا حَمَلَ جَارِيَةً صَغِيرَةً عَلَى عُنُقِهِ فِى الصَّلَاةِ
٥١٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ الزُّرَقِىِّ عَنْ أَبِى قَتَادَةَ الأَنْصَارِىِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّى وَهْوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلأَبِى الْعَاصِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا، وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا. طرفه ٥٩٩٦ - تحفة ١٢١٢٤
١٠٧ - باب إِذَا صَلَّى إِلَى فِرَاشٍ فِيهِ حَائِضٌ
٥١٧ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ قَالَ أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ عَنِ الشَّيْبَانِىِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ قَالَ أَخْبَرَتْنِى خَالَتِى مَيْمُونَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ قَالَتْ كَانَ فِرَاشِى حِيَالَ مُصَلَّى النَّبِىِّ ﷺ فَرُبَّمَا وَقَعَ ثَوْبُهُ عَلَىَّ وَأَنَا عَلَى فِرَاشِى. أطرافه ٣٣٣، ٣٧٩، ٣٨١، ٥١٨ - تحفة ١٨٠٦٠
٥١٨ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ قَالَ حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِىُّ سُلَيْمَانُ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ قَالَ سَمِعْتُ مَيْمُونَةَ تَقُولُ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يُصَلِّى وَأَنَا إِلَى جَنْبِهِ نَائِمَةٌ، فَإِذَا سَجَدَ أَصَابَنِى ثَوْبُهُ، وَأَنَا حَائِضٌ. وَزَادَ مُسَدَّدٌ عَنْ خَالِدٍ قَالَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِىُّ، وَأَنَا حَائِضٌ. أطرافه ٣٣٣، ٣٧٩، ٣٨١، ٥١٧ - تحفة ١٨٠٦٠ - ١٣٨/ ١
وتدخل فيه مسألتان: الأولى: مسألة الحمل. والثانية: مسألة ثياب الصبي. أَمَّا الحمل فإِنْ كان بالإِشارة فهو عَمَلٌ قليل كما في عالمكيرية، وإِنْ كان الاستمْسَاك فهو عملٌ كثير وفي الخارج أَنَّه كان يُشير بها بالنُّزول عند الركوع ولا بد، فَعَبَّر الراوي عن تَعلقُها بنفسِها، وعَنْ إشارتِه إيَّاها أنَّه صلَّى وهو حاملٌ لها، وإذا رَكَع وضعها، وما للرُّواة وللأنظار الفقهية فهذا توسع لا غير.
قلت: فأين ذهب رفع اليدين؟ وإنَّما فَعَلَ النبي كذلك وهو في الصَّلاة بيانًا للجواز وهو
стр. 573
التَّعليم الفطري، وهو ما يكون في ضمن الأفعال، أما ما يكونُ باللسانِ كما ترى اليوم فهو طريق مستحدثٌ مجعول، فكما أَنَّ الأبناءَ يتعلمون حوائِجَهم عن أوضاع آبائِهِم كذلك الأُمَّة تتعلم دينَها مِنْ نبيها (١).
وأمَّا المسألة الثانية: فقد مَرَّ عن الشيخ ابنِ الهُمام أَنَّ العِبرة فيه بحملِه، فإنْ كان الصبي بحيث يتعلق بنفسه ولا يحتاج إلى حمله، لا تنسب تلك الثياب إليه ولا تُعِد حاملا إياها وإلا نسبت إليه، ويُعدُّ وتفسد صلاته. وفي «المُنية» إذا كان الحصير كبيرًا وأحد جوانِبِه نجس لا بأس بالصَّلاة عليه في الموضع الآخر. وفي إسناده حفص وأنَّه رأى أبا حنيفة رحمه الله تعالى وهو من تَلامذةِ أبي يوسف رحمه الله تعالى، وعبد الواحد بن زياد أيضًا أرى له علاقة مع أبي حنيفة لما عند الدَّارقطني عند اختتامه عنه أنَّه يقول: عن أبا حنيفة ﵁ عن تصدق مال خبيث ومن أين أخذه قال من حديث عاصم بن وفيه أنه دعي إلى لحم شاة ذبحت بغير إذن أهلها فأمره أن يطعمه المساكين.
١٠٨ - باب هَلْ يَغْمِزُ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ عِنْدَ السُّجُودِ لِكَيْ يَسْجُدَ ؟
٥١٩ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِىٍّ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - قَالَتْ بِئْسَمَا عَدَلْتُمُونَا بِالْكَلْبِ وَالْحِمَارِ، لَقَدْ رَأَيْتُنِى وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّى، وَأَنَا مُضْطَجِعَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ غَمَزَ رِجْلَىَّ فَقَبَضْتُهُمَا. أطرافه ٣٨٢، ٣٨٣، ٣٨٤، ٥٠٨، ٥١١، ٥١٢، ٥١٣، ٥١٤، ٥١٥، ٩٩٧، ١٢٠٩، ٦٢٧٦ - تحفة ١٧٥٣٧
ولا عجب إنْ كان يُشير إلى عدم نَقْضِ مسِّ المرأة.
١٠٩ - باب الْمَرْأَةِ تَطْرَحُ عَنِ الْمُصَلِّى شَيْئًا مِنَ الأَذَى
٥٢٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ السُّرْمَارِىُّ قَالَ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى قَالَ حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ بَيْنَمَا رَسُولُ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٩ - كتاب مواقيت الصلاة
واعلم أَنَّ حديث إمَامة جبريل ﵇ أساس الأحاديث في بابِ الأَوقاتِ وإن لم يخرجه الشيخان، لكن في حديثِ البابِ إيماء إليه فَحَصلت له نوعُ رِفعة، فلنشرح أَوَّلا ألفاظَه ثُمَّ لنعرِّج على مباحثِه.
١ - باب مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ وَفَضْلِهَا
وَقَوْلِهِ ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] وَقَّتَهُ عَلَيْهِمْ.
٥٢١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ قَالَ قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا، فَدَخَلَ عَلَيْهِ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا وَهْوَ بِالْعِرَاقِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو مَسْعُودٍ الأَنْصَارِىُّ فَقَالَ مَا هَذَا يَا مُغِيرَةُ أَلَيْسَ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ فَصَلَّى، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ «بِهَذَا أُمِرْتُ». فَقَالَ عُمَرُ لِعُرْوَةَ اعْلَمْ مَا تُحَدِّثُ أَوَإِنَّ جِبْرِيلَ هُوَ أَقَامَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقْتَ الصَّلَاةِ. قَالَ عُرْوَةُ كَذَلِكَ كَانَ بَشِيرُ بْنُ أَبِى مَسْعُودٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ. طرفاه ٣٢٢١، ٤٠٠٧ - تحفة ٩٩٧٧ - ١٣٩/ ١
٥٢١ - قوله: (أَخَّرَ الصَّلاةَ يومًا) وعند البخاري في بدءِ الخلق: «أخر العصر شيئًا» وعند أبي داود «كان قاعدًا على المنبر». فقوله: «يومًا دَلَّ على أنَّه لم يَكُن إذ ذاك أمير المؤمنين.
قوله: (أنَّ جبريل نَزَل) وفي رواية للشافعي رحمه الله تعالى أَنَّه أَمَّهُ عند المقام تلقاء الباب، وهذا يَرد على مَنْ قال إن قِبلتَه ﷺ في مكة كانت بيت المقدس، وإنَّما أَبْهم الأمر لأنَّه كان يُصلي مستقبلا بهما وذاك لأنَّه لا يُمكنه استقبالَ بيت المقدس فيما قلنا. وفي «سيرة محمد بن اسحق» أَنَّه نَزَلَ عند زوال الشمس ولذا سُميت بالأولى فتصدى الناس إلى بيان النكتة في نزوله في الظهر دون الفجر، فقيل: إنه كان نائمًا صبيحة الإِسراء فلم يحب جبرئيل ﵇ إيقاظَه، وهو غلط ومنشأه الخلط بين السفرين في الليلتين ليلة التَعْرِيس وليلة الإِسراء،
стр. 576
وإنَّما نام النَّبي ﷺ في الأول دون الثاني، فما كان وقع في ليلة التعريس نقلوه في ليلة الإِسراء بمجرد اشتراك كونهما في الليل، ولا حاجة إلى بيان النُّكتة على ما حققتُ سابقًا من ادعاء فرضية الصلاتين قبل الإِسراء أيضًا، واتفق الكُل على أَنَّ النَّبي ﷺ كان يُصليهما قبل الإِسراء، وإنَّما تكلموا في صفتِهما هل كانت فريضةً أو تطوعًا.
فذهب جماعة إلى فرضيتهما وهو الذي أختارُه، والأصلُ أَنَّهما صلاتان كانتا على بني إسرائيل كما هو عند النَّسائي فبقيتا على أُمَّةِ محمد ﷺ وصلاهما النَّبي ﷺ وأصحابُه حتى صارت خمسًا، وقد ذَكَرهما القرآن في غير واحدة مِنَ الآيات (١)، وقد تُذْكَر معهما صلاة الليل أيضًا، وهي أيضًا من الابتداء ولم تنسخ بتمامها أصلا، وإنَّما غيَّر في صفتها وبقيت منها الوتر كما سيجيء تقريره، وحَمْلُها على الصلوات الخمس غير مرضي عندي، والوجه فيها: أَنَّ تلك الآيات كانت فيما لم تَكُن فريضة إلا هاتان ولا أجد فَرْقًا في صفة أدائهما قبل الإِسراء وبعده، فقد رُوِيَ في الصحيحين: أنَّه صلى بأصْحابه الفجر بالنَّخْلَة حين ذَهَبَ عامدًا إلى عُكاظ واستمع له الجِنّ، وفيه أنَّه جَهَرَ بالقراءةِ فثبتت الجماعةُ والجهرُ أيضًا، وهذه شاكلتها بعد الإِسراء أيضًا، فما الدليل على أنها كانت نافلةً؟ ومِنْ هذا التحقيق خرج غير واحدة مِنَ الآيات من التأويل وهي التي ذُكِرت فيها الصَّلاتان فقط كقوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩)﴾ [ق: ٣٩] فلا حاجة إلى إدخالِ الصَّلاةِ الخمس فيها.
وما وقع عند الدَّارقطني أنَّه نزل في الصبح فهو أيضًا وَهْمٌ عندي، والتبسَ عليه تَعْليم النَّبي ﷺ أعرابيًا في المدينة بتعليم جبريل إيَّاه في مكة، وكانت أَوَّل صلاة صلَّى به ﷺ هي الفجر، قال ابن كثير: صلاتُه ﷺ في بيت المقدس ذاهبًا كانت تحية المسجد، وآيبًا كانت الفجر.
قوله: (صَلَّى فَصَلَّى) وفي غير صحيح البخاري أَنَّ جبريل ﵇ صَلَّى به مرتين، وما في هذه الرواية يدل على إمامته يومًا فقط، فإِما أَن يُقال إنَّ الرَّاوي اقتصرَ في تلك الرِّوايات، أَوْ يُقال إنَّ الفِعلَ مُطْلَق يَصدُق على مرة كما يصدُق على ألف مرة، فيُقال ضرب لمن ضرب مرة ولمن ضرب مرارًا كذا قاله سيبويه كما في «الجامع الكبير» للشيخ بَلْبَان الفارسي، ولذا قالوا: إنَّ التثنية والجمع من خواص الاسم، وهو في الفعل لحال فاعله، وحينئذ تَنْدَرِج صلاة يوميه في فِعْلٍ واحدٍ، والرواية المُفَصَّلة عند أبي داود وفيها ذكر اليومين وصلاته فيهما مُفَصَّلة، وفي آخرِها «ثم لم يُسْفِر بعد» وتكلَّم المُحدَّثون في الجملة الأخيرَة وإن ثبَتَت فالأمر أيضًا سهل.
ثمَّ قيل: إنَّ الفاء في قوله: «فصلَّى» لبيان صلاتِه في عمره، يعني أنَّ النبي ﷺ صلَّى فيم بعد كما كان جبريل ﵇ علمه، وقيل: بل هي لبيان التعقيب بين أجزاء الصَّلاةِ بحسب الإِمامة والاقتداء. وقد مَرَّ مني أنَّ الفاء قد تَدْخُل الأمرين المتَعاقِبين ذاتًا وإن كانا متقارنين
стр. 577
زمانًا، فلا يخالف مسألةَ الحنفية في مقارَنَة الأَفْعَال بين الإِمام والمقتدي، وليس في أحدٍ من طُرُقِه تفصيل الأوقات إلا في رواية عند أبي داود، وعلله المحدِّثون أيضًا، نعم في حديثِ إِمَامةِ جبريل ﵇ الذي شير إليه في هذا الحديث تفصيل ذلك، وفي مراسيل أبي داود عن الزُّهري والحسن أنَّه صلَّى أربعًا.
قلت: والمرسَلان معلولان لِمَا في البخاري أنَّ الصَّلاة قَبْلَ الهجرةِ كانت مَثْنَى مَثْنَى، وإنَّما قاسها الرَّاوي على الحالةِ الرَّاهِنة فذَكَرها أربعًا.
قوله: (اعلَمْ ما تُحَدِّثُ به) يعني أَنَّك لستَ بصحابي فأْتِ بسنَدِهِ ولا تَرْوِ مرسلا هكذا قالوا: والوجه عندي أَنَّ الاستبعاد على تعليمه فعلا، مع أنَّ التعليم القولي أيضًا كان كافيًا له، ولذا قال: أو إِنَّ جبريل هو أقامَ لرسولِ الله ﷺ ؟ يعني حتى تَعَلَّمَ الصَّلاةَ مِنْ فِعلهِ، فأجابه عروة: إني لا أَرْوِيه إلا بالإِسناد فَخُذْه مني فَذَكَره كما في الكتاب (١).
٥٢٢ - قَالَ عُرْوَةُ وَلَقَدْ حَدَّثَتْنِى عَائِشَةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّى الْعَصْرَ، وَالشَّمْسُ فِى حُجْرَتِهَا قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ. أطرافه ٥٤٤، ٥٤٥، ٥٤٦، ٣١٠٣ - تحفة ١٦٥٩٦
٥٢٢ - (والشمسُ في حُجْرتِها) دلَّ على تَعْجيلِ العصر، وأجاب عنه الطَّحاوي أَنَّ الجُدر كانت قصيرة فلم تكُن الشمس تخرج منها إلا قُبيل الغروب، وكان الطَّحاوي قاله في العصر، فنقله بعضهم في التغليس، وفَهِم أنَّ الطَّحاوي جعلَه وجهًا للتغليس.
وحاصله: أَنَّ الصحابةَ إنَّما ذكروا التَّغْلِيس لِقَصر جُدْرَان مسجدِه فلم يكُنِ الضوء يَدْخله إلا بعد الإِسفار الشديد، ثم اعتُرِض عليه أنَّه تحميق لهم والعياذ بالله، وهذا كما ترى بناء الفاسد على الفاسد.
ثم إنَّ الخلافَ في تأخيرِ العصر في الاستحبابِ دونَ الجواز فَيُسْتَحب تَأْخِيرُها عندنا قَبْل ضَعْفِ الشمس وهو المُرادُ من الإِحمرار والإِصفرار، والتمكُّن مِنَ النَّظرِ إلى قُرص الشمس وانكسارِ الشعاع، فإِنَّ هذه أمور لا تَحْصُل إلا عند ضَعْفِها، فإِذا ضعفت اصفرت، ويُتمكَّن النَّظر إليها. وفي «تحفة المحتاج» للشافعية ﵏، أَنْ يُصلِّي العصر حين يَبْقى ربع النَّهَار أو
стр. 578
خمسه. وصرَّح الشامي منَّا في «شرح قِصة الدَّجال» والتقدير في يومِهِ الطويلِ للصلوات: أنَّه يُصليها إذا بقي خمس النَّهار أو سدسه. فلم يَبْق بين الإِمامين فَرْق كثير، ولكنَّ المشغوفون بالخلافِ يتعسر عليهم التقريب، فيجعلون الخلافَ على طرفي نَقيض فإِذا نُقَّحَ وحقَّق هان، لأنَّه لم يَبْقَ إلا بسدس النَّهار فتشكر. وعند أبي داود في باب الجمعة مرفوعًا: أنَّه قال يومُ الجمعةِ ثنتا عَشْرَةَ، يريد ساعة لا يُوجد مُسْلِمٌ يسأل الله شيئًا إلا أتاه الله ، فالتمسوها آخِرَ ساعةٍ بعد العصر.
وهذا الحديث وإِنْ لم يُسق لهذه المسألة عبارة لكنَّه دلَّ على أَنَّ التَّأْخِير مُسَلَّمٌ في ذهن المُتَكَلِّم حتى ينبع مِنْ أَطْرافِ كلامِه، ويُعلم منه كأنه مفروغ عنه عنده فكأنَّه أَدَّاهُ كالعلم الحُضوري لا يغيب عنه، كذلك التأخير بالعصرِ ههنا فإِنَّه مُتكلم في باب آخر، والتأخيرُ لا يَزال يَخْرج من عَرْضِ كلامِه كالعِلم الحضوري لا يذهل عنه، وعند الترمذي عن أم سَلَمة كان رَسولُ الله ﷺ أشدَّ تعجيلا للظُّهر منكم، وأنتم أَشدُّ تعجيلا للعصر منه، وبوَّب عليه الترمذي بتأخيرِ العَصْرِ واستدل الإِمام محمد بما أخرجَهُ هو، وأخرجه الشيخان: إنَّما أجلكم فيما خلا مِنَ الأُمم كما بين صلاةِ العصر إلى مَغْرِبِ الشمس، وفي الحديث «أنا والسَّاعة كهاتين».
فدلَّ على أنَّ وَقْتَ أَمَّتِه أَقل قليل، فلا يكونُ مِنْ صلاةِ العَصرِ إلى الغُروبِ إلا وقتًا قليلا، وهو محمول على المبالغةِ، وإلا فهو دالٌّ على أزيد من التأخير الذي أَرَدْنَاهُ وسيأتي الكلام فيه.
الفائدة الأولى: في ذِكْرِ الآيات التي فيها الإِيماء إلى الصَّلواتِ الخمس. واعْلَم أَنَّ المفسرينَ تعرضوا إلى عد الآيات التي فيها إيماء إلى الصَّلواتِ الخمس، وهي عندي عدة آيات على ملاحظ مختلفة، واعتبارات شتى، فمنها قوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨)﴾ [الروم: ١٧ - ١٨] ومنها قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ الَّيْلِ﴾ [هود: ١١٤] ومنها قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ الَّيْلِ وَقُرْءانَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨] ومنها قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ (٤٠)﴾ [ق: ٣٩ - ٤٠].
فَذَكَر الصَّلوات الخمس في الآية الأولى في أربعة ألفاظ، فبدأ أَوَّلا بِذِكْرِ طرفي النَّهار وهو الصَّباح والمَساء، فدخلت صلاة الفجر في قوله ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾، والمَغْرِب والعشاء في قوله ﴿حين تمسون﴾ لأنَّ المساء صالحٌ للعشائين، أمَّا صلاة العصر والظهر فَذَكَرهما في قوله: ﴿وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ وذكرها في الآية الثانية في لفظين فقط أي طرفي النَّهار والزلف، وطرفا النَّهار هما نصفاه، فالصبحُ في نصف، والظهر والعصر في نصف آخر، أمَّا العشاءان فأدرجهما في الزُّلَف، وتمسك منها الحافظ مُغْلَطاي على وجوب الوتر، بأنَّ الزُّلَف صيغة جَمْع، وأقله الثلاث، فلا بد أَنْ تكونَ هناك صلاة ثالثة وهي الوتر، وقال الحافظُ ﵀ إِنَّه تشديد من مُغْلَطاي وليس في الآيةِ ما يدلُّ عليه، ولم يِقْدِر على جوابه.
قلت: الْحافظُ وإنْ عَجَزَ عن الجوابِ لكِنْ أقول أنا: لا دليلَ في الآيةِ المذكورةِ على وجوب الوتر، أَمَّا جمعية الزُّلَف فهي باعتبارِ وقوع العشاء في هذه الحصة تارة، وتارةً في
стр. 579
الحصةِ الأُخْرَى، فكانت باعتبار حِصَص الليل وساعاتِه من حيث تعجيلِ العشاء وتأخيره، فأخذها باعْتِبار أنواعِ الصَّلوات.
أما الآية الثالثة: فهي على شَكِلَةِ حديث جبريل ﵇ وبدأ فيها مِنَ الظُّهْرِ، ولف الأربع في قوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ الَّيْلِ﴾ وفَصَل منها الفجر وعدَّها مستقلة، وذلك لأنَّ أَوْقَات الأربع كانت مُسَلْسَلة مِنَ الدُّلُوك إلى الغرب بخلاف الفجر، لأنَّها في طَرَف، وبينهما وبين الظُّهْرِ وقتٌ مُهْمَلٌ جَعَلَهُ الله لِمَنْ فاتَتْهُ وظيفتهُ مِنَ الليلِ أن يؤديها فيه، فتحسب له كأنَّما قَرَأَها من الليل، وهو تأويلُ قوله تعالى: ﴿وجعلنا الليل والنَّهار خِلْفَة لمن أرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أو أراد شكورًا﴾ [الفرقان: ٦٢] والخلافة حيث يخلف ما في النَّهار عمَّا في الليل، وتَعرَّض في الآية الرَّابعةِ عن وَقْتِ الصبحِ والعصر أيضًا، بكون إحداهما قَبْلَ طُلُوعِ الشمس، وأُخْرى قَبْلَ غُرُوبِها تنبيهًا على وقتَيْهِمَا. وَذَكَرَ المَغْرِب والعِشَاء في قوله: ﴿ءانَآء الَّيْلِ﴾ على شاكلة ﴿وَزُلَفًا مِّنَ الَّيْلِ﴾. بقيت الظُّهر فَجَعَلَها في أطرافِ النَّهار، والجمعية ههنا كجمعية الآناء والزلف هناك، باعتبارِ وقوعِ الظُّهْرِ تارةً في أوَّل وقتها، وأُخْرَى في غيره، فهي أيضًا باعتبارِ السَّاعات.
والحاصل: أنَّه حيث ثَنَّى الطَّرَف أَرَادَ به جَانِبيّ النَّهار وحيث ذَكَرَهُ بصيغةِ الجمع قَصَرَهُ على ساعاتِ الوقتِ، باعتبارِ وقوعِ الصَّلاةِ في أَجْزَائِها، لأنَّه لا يكونُ لشيء واحدٍ إلا طَرَفان، فلا تستقيمُ الجمعية إلا بأَخْذِها في الوقت. ولَعَلك عَلِمْتَ أَنَّ مِصْدَاق تلك الآياتِ واحدٌ، وإِنَّما تَفَنَّنَ فيها في العبارات لمعانٍ وَملاحِظ، عليك أَنْ تتأملَ فيها حتى تَذُوقَ حلاوتَها (١).
стр. 580
الفائدة الثانية: واعلم أنَّ القرآن لم يَتَعرض إلى تعيين أوقات الصَّلوات غير الفجر والعصر، فحدَّد أواخِرَهما بطُلوعِ الشمس وغروبِها، وأَمَّا سائر أوقاتها فَتَرَكها (١) على أسامِيها، كما ذَكَرَها الثَّعَالبي في «فقه اللغة» وراجع لها «شرح لأميةِ العجم» مِنْ قوله:
والشمس رأد الضحى كالشمس في الطفل
فإِنَّها كلَّها أسامي عُرْفية لا يُمكِن ضَبطها وتحديدها وإِنْ نُصَّ كالضحى، فإِنَّه اسم لجُزْءٍ مِنَ النَّهارِ يعلمه أَهل العُرْف بدون تَفَكُر، أمَّا لو شئتَ أَنْ تُحَدِّدَه تحديدًا لا وَكَس فيه ولا شطط، فلستُ أَرَاكَ تَقْدِر عليه، وعليه جاء القرآن فقال: ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾ فَذَكَر المساء والصباح، والظهيرة والعَشي، وهذه كلُّها أسامي لجُزْء جُزء مِنَ النَّهار، وإنَّما حَدَّدَ الفجر والعصر، لأنَّه، أمكن تحديدُها بالحس. ولذا انْعَقَد عليه الإِجماع، فلا يُعْلَم في آخرِ وقتِ الفجر والعصر خلاف يعتد به، إلا أَنَ الإِصْطَخري من الشافعية، وحسن بن زياد مِنَ الحنفية ذهبا إلى خُروجِ وقت الفجر بعد الإِسفار، لأن جبريل ﵇ صلَّاها في اليوم الثاني حين أَسْفَرَ. وقال: الوقت ما بين هذين. وهو غريبٌ جدًا.
ولعلَّ مرادهما كراهة تَحرِّيها في ذلك الوقت، وليس مَذْهبًا لأحد أصلا، وإنَّما هو مِنْ ثَمَراتِ المبالغات، والشعف بالخلاف، كما قال بعض من الشافعية: إن الوتر بالثلاث باطل. وكذلك لم يَرِد في الأحاديث غير التقريب، ومَنْ حَمَلَها على غاية التَّحْدِيد، فقد تَكَلَّف بما لا يَقْدِر عليه هو، فإِذا لم تَقْدِر أنتَ على تَحْدِيدِ تلك الأوقات غير التقريب، فكيفَ ساغَ لك أَنْ تَحْمِل كلمات الرواة على أَنَّهم أرادوا به حق التعيين، أَلا تَرَى أَنَّ النَّبي ﷺ لم يَأْمُر الرَّجُلَ حين جاء يسأله عن أَوْقَاتِها إلا بِأَنْ يُصَلِّي مَعَهُ يومين ويُشَاهِدَ أوقات الصَّلوات بعينِه ولم يَكتَفِ
стр. 581
بالتعلِيم القولي، وذلك لأنَّ تحدَيدِها لا يمكن بمجَرَّدِ القولِ، ولعلَّ جبريل ﵇ أيضًا، نَزَلَ لهذا السو فصلَّى به، وعَلَّمَهُ أوقاتها عَمَلا، ولذا تَرَى الرُّواةَ يُحَدِّدُونَ الأوقات، تارةً بِذِكْرِ المَسَافَةِ وأُخْرَى بذِكْرِ ظِلالِ الأشياء، ثُمَّ قد يُبالِغُون فيه حَسَب داعية هناك، وقد يَذْكُرونها برؤية مواقع نَبْلِهم، وفي العصر أنَّ الشَّمْسَ كانت حية، فهل ترى تلك التعبيرات كلها تَنْزِل على التقريب الذي أَرَدْنَاه أو على التحديد الذي راموه.
ثُمَّ أي تحديدٍ في قوله: وكان ظِلُّ الرَّجُل كطوله مَا لم تَحْضُر العصر، فأراد مِنْ أَوَّلِ كلامِهِ التحديد شيئًا ثُمَّ لم يَقْدِر فَعَدَل عنه إلى التقريب، فقال: ما لم تَحْضُر العصر.
ولو أنَّ النَّاس فَهِمُوا هذه الدقيقة، لَمَا ضَرَبوا بَعْضَ الأحاديث على البعض، ولعَلِمُوا أَنَّ الدِّينَ أَبْقَى لهم فُسْحَة مِنْ عندِه وأَرَادَ أَنْ يُبْقي النَّاسَ في يُسر وكم مِنْ أشياء أَهمَلَها الشارع لذلك، ولا تسألوا عن أشياء إن تُبْد لكم تَسُؤْكُم.
الفائدة الثالثة: واعلم أنَّه انعقَدَ الإِجماعُ على أَوَّل وَقْتِ الفجر وآخرها، وكذا في أَوَّلِ وقت الظُّهر، واختلفوا في آخرها، وتَعَدَّدَت فيهِ الرِّوايات عن الإِمام، ومِنْ ههنا اختلف في أَوَّل وقت العصر، واتفقوا في آخرِها، ولهذا اتفقوا في أوَّلِ وقت المَغْرِبِ، وإِنَّما لم يَخْتَلِفوا في الفَجْرِ في أَوَّلِها وآخِرها، لكونِه مُتَعينًا في الحسِّ بانْبِلاجِ الفَجرِ، وطُلوعِ الشَّمْسِ، وكَذا أَوَّل وَقْتِ الظُّهر، لأنَّه مِنْ حين الزَّوال وهو أيضًا مشاهد، وفي آخر وَقْتِ العَصْرِ وأَول المَغْرِب، لأنَّه أيضًا يَنْتَهي بأمرٍ مُشَاهَد.
واخْتَلفوا في آخِر المَغْرِب، وَأَوَّل العِشاء وآخرها شيئًا، ومُعْظَم اختلافِهم في آخرِ وَقْتِ الظُّهْرِ وأَوَّل العصر وليس في سائرها إِلا نذر مِنَ الخِلاف. فقال مالك رحمه الله تعالى: بالاشتراك قَدْرَ أربع رَكَعَاتٍ بين آخر الظُّهْر وأَوَّل العصر، فَوَقْتُ العَصْرِ يَدْخُل عنْدَهُ بمصيرِ ظلِّ الشيء مثله، ولا يَخْرج وَقْتُ الظُّهر إلا بَعْدَ قَدْرِ أَرْبَع رَكَعَاتٍ، فقدر أَرْبَع ركعات مْشْتَرك يَصْلُح للظهر والعصر عنده، وإليه ذَهَب جماعةٌ وبعضٌ مِنَ الشافعية، إلا أنَّهم اختاروا أَدْنَى فاصلة بينهما بدونِ قولٍ بالاشتراك كأَنَّه وقتٌ مُهْمَلٌ عندَهُم (١).
ثُمَّ أكثر الشافعية رحمهم الله تعالى والجمهور إلى أَنَّه يَخْرُجُ وَقْتُ الظُّهْرِ بمصيرِ ظلِّ كل شيءٍ مثلَه ويَدْخل وَقْتُ العَصْر.
وأمَّا الإِمام الهُمام فظاهرُ الرواية عنه في المَشْهُور أَنَّ وَقْتَ الظُّهر لا يخرج إلى أَنْ يَصِيرَ الظلُّ مثلَيه ثُمَّ يَدْخُل وقت العصر وليت شِعْري مِنْ أَيْنَ جعلُوها ظاهر الرواية مَعَ أَنَّ آخِرَ وقْتِها لم يُذْكَر في «الجامع الصغير والكبير» ولا في «الزيادات» ولا في «المبسوط»، وصَرَّح السَّرْخَسي:
стр. 582
أَنَّ محمدًا لم يَتَعَرض إلى آخر وَقْتِ الظهر، وهو ظاهر «موطأه» حيث قال: وأمَّا أبو حنيفة رحمه الله تعالى فإِنَّه قال: لا يَدْخُل وقتُ العَصْرِ حتى يَصِيرَ الظِّلُّ مثليه، ولم يَذْكُر آخر وقتِ الظهر عنه. وفي «البدائع» أنَّ آخر وقْتِهِ لم يُذْكَر في ظاهر الرواية. وكذا ليس ذكرهِ في «السِّيَرَ الكبير» ولم أرَ «السِّيَرَ الصغير» فإِذا خَلَتْ هذه الكُتب الستة عن ذِكْر آخر الوقت عُلِمَ أَنَّه لم يجىء في ظاهرِ الرِّواية، ولعلَّهُم أَرَادوا منه معناه اللُّغوي أي الرِّواية الظاهرة المشهورة على الألسنة دون التي في مُصْطَلَحِهم، والرِّواية الثانية عنه كَمَذْهَبِ الجمهور، وَنَقَلَ السيد أحمد الدَّحْلاني الشافعي رحمه الله تعالى رجوعَ الإِمامِ إلى هذه الرِّواية عن خِزَانة المفتين، والفَتَاوَى الظهرية وهما من المُعْتَبَرات،، وأما خِزَانة الرِّوايات فغير معْتَبَرة عندي، وفي عامةِ كُتُبِنَا أنَّها عن حسن بنِ زياد عن أبي حنيفةَ وجعلها في «المَبْسُوط» السَرْخسي عن محمد وبها أَفْتَى صاحب «الدُّر المختار»، ورَدَّ عليه ابنُ عابدين بأنَّها خِلافُ ظاهرِ الرِّواية فلا يُفْتَى بها، والأَرْجَح عندي ما اخْتَارَهُ صاحبُ «الدُّر المختار»، والثالثة: أَنَّ وقَتَ الظُّهْرِ إلى المثل ولا يَدْخُل وقْتُ العَصْرِ إلا بعد المِثل الثالث، والمِثل الثاني مهملٌ، وهي رواية أسد بن عمرو عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى. والرابعة: كما في «عمدة القاري» وصححها الكَرْخِي أنَّ وَقْتَ الظُّهْرِ إلى أقل مِنْ قامتين ولا يَدْخُل وقْتُ العَصْرِ حتى يَصِير قامتين.
وبه قال مالك رحمه الله تعالى: إلا أنَّه حَدَّدَ الوقتَ المُهْمَل بِقَدْرِ أَرْبَع رَكَعات، وَجَعَلَهُ (١) مشتركًا، ثُمَّ جاء المالكية فافْتَرَقُوا في تفصيلِهِ على فِرقتين: فقيل: إن القَدْرَ المُسْتَثْنَى في آخر المِثل، وقيل: بل مِنَ ابتداء المِثْل الثاني.
فإِذا حَقَّقْتَ الرِّوايات، فاعلم أَنَّ النَّاسَ جَعَلُوها روايات شتى، وهي تَنْحَط على مَحطَ واحدٍ، ومرجع الكُل عندي، أَنَّ المِثْل الأَوَّل وقتٌ مُخْتَصَرٌ بالظُّهْرِ، والمِثل الثالث بالعصر، والثاني يَصْلُح لهما، والمطلوبُ هو الفاصلةُ بينهما في العمل، فإِنْ عَجَّل الظُّهر فَصَلاها بعد الزَّوَال يُعَجِّل العصرَ ويصلِّيها على المِثل، وإِنْ أَخَّرَ الظُّهْرَ فصلاها على المِثل يُصلي العصر أيضًا مؤخِّرًا إبقاءً للفاصِلَة بينهما، فلا يُؤَخِّر الظهر مع تَعْجِيلِ العصر، لأنَّه رُبما يُوجِب الجَمْع مَعَ أَنَّ المطلوبَ هو الفاصلة، نعم تلك الفَاصِلة قد تَرْتَفِع لأَجْلِ السَّفر والمرض، فللمُسَافر أَنْ يَجْمَع بين الظُّهر والعصر في المثل الثاني.
وكَذَلِكَ جَازَ للمستحاضَة أَنْ تَغْتَسِل ثُمَّ تَجْمَعَ بينهما في غُسلٍ واحد، ومِنْ ههنا اندفعت الشُّبْهة (٢) العظيمة، أَنَّ خُروجَ الوقتِ أو دُخولَه
стр. 583
لمَّا كان ناقضًا لطهارة المعذور عندنا كيف أمر المستحاضة أَنْ تَجْمَع بين الصَّلاتين في غُسل واحد، لأنَّه يُوجب عندنا أَنْ تكونَ صلاتُها الثَّانية في حالة الحَدَث.
والحل عندي: أَنَّه أَمَرها بالجمع في الوقت الصَّالح لهما، ومسألة النقض بالخُروج أَوْ الدُّخول فيما خرج الوقت المختص، أو دَخَل الوقت المختص، أمَّا الوقت الصالح لهما فلا كَلامَ فيه وما أَخْرَجَه أبو داود في باب الاستحاضة. والوضوء فيما بين ذلك، حمله بعض الأَعلامِ على ذلك وفَهموا أنَّ المرادَ به الوضوء فيما بين الصَّلاتين لانتقاضِ طهارتها بعد الصَّلاة الأُولى، وهو عندي للحَوائجِ الأُخر، يعني أَنَّه علَّمَها الغُسل لصَلاتِها، فإِنِ احتاجَت إلى غيرها لحمل المصحف، فإِنَّها تَكْتَفي بالوضوء فهذا الوضوء لحاجاتٍ تعتري لها فيما بين ذلك إذا انْتَقَضَتْ طهارتها، وكان تعليمه أيضًا مهمًا وهذا الذي وَعَدْنَاك في باب الاستحاضة في أَمْرِ طهارتِها، فإِنْ سَمَحَت به قريحتُك فهذا سبيلُ الجواب، وإلا كَفَاك رواية أبي داود على الشرح المشهور، ولا رَيْبَ أَنَّ اللفظَ يحتمله أيضًا.
أمَّا ما قلت إنَّ الرِّوايات كلها تشير إلى معنى واحد وكلها شطر للمراد فبأن الرواية الأولى تدل على أَنَّ المِثْل الثاني للظهر، وَدَلَّتِ الثانية على أَنَّه وقت للعصر أيضًا فلزم القول (١) بالاشتراك. وعُلِمَ أَنَّ المِثل الثاني صالح لهما، ولمَّا لم تَقَع العصر في المِثل الأَوَّل والظُّهر في المِثْل الثالث قَطْ لَزِمَ أَنَّ المِثل الأَوَّل وقتٌ مختصٌّ بالظُّهْرِ والثالث بالعصر بحيث لا تَصْلح إحداهما في وَقْتِ الأُخْرى، وأمَّا الرواية الثالثة مِنْ أَنَّ المِثل الثاني وَقْتٌ مُهْمَلٌ فلم تجيء لبيانِ
стр. 584
مسألةِ الوقت بل لبيَانِ ما ينبغي في العمل، وهو الفاصلة بينهما، فينبغي ألا يصلِّيها جميعًا بل يَجْعل بينهما فاصلة، فإِن صَلَّى الظُّهْرَ في المِثل، عليه أَنْ يُصلِّي العصر في المثل الثالث، ويُهْمِل المِثل الثاني في البين؛ ومعنى الإِهمال إهماله عملا، وإِنْ كان في الحقيقة أَقرب إلى الظُّهْرِ لكنَّه إِنْ أَدْخَل فيه العصر تارةً يكون متحملا أيضًا.
وأما الرَّابعة فلبيانِ أنَّ تلك الفاصلة غير متَعيّنة، فيجوز أَنْ تكون بقَدْرِ المِثل الثاني، أو بما دونه كما أشير إليه بالرابعة، ولا استغراب (١) في القولِ بالاشتراك، فإِنَّه ذهب إليه جماعةٌ من السَّلف كما في الطَّحاوي وهو مَذْهَبُ مالك رحمه الله تعالى ورواية عن الإِمام الشافعي رحمه الله تعالى، وهو الذي تُشْعِر به مسائلهم فإِنَّهم قالوا: مَنْ طَهُرَت في آخر العصر يلزمها قضار الظُّهر أيضًا، وكذا مَنْ طَهُرَت في آخر العشاء تَقْضِي المَغْرِب أيضًا، ولولا الاشتراك لَما قالوا بقَضَاءِ الظُّهْر والمغرب بطهارتها في العصر والعشاء.
ونقل الحافظُ في «الفتح» عن ابنِ عباس وعبدِ الرحمن ﵃ مثلَه، فظهرَ الاشتراك شيئًا في سائر المذاهب. لا يقال: إنه يؤول إلى مذهب الشافعية رحمهم الله تعالى في
стр. 585
الجَمْع بين الصَّلاتين، فإِنَّه وقتيٌّ عندهم، كذلكَ يكونُ الجمعُ عند الحنفية أيضًا وقتيًا على هذا التقدير.
قلتُ: كلا، فإِنَّ الجمعَ الوقتي عندهم: هو تقديم إِحدَى الوقتيتين في الوقت المخْتَص للأخرى، أو تأخيرُها إلى الوقتِ المُخْتَص بتلك؛ والحنفيةُ لا يقولون به، فلا يجوزُ العصر عندَهم في المثل الأَوَّل لا في السَّفرِ ولا في المطرِ، ولا يجوز الظُّهْرُ في المثل الثالث كذلك، فتفَارَقا.
فإِنْ قلت: يُخَالف الاشتراكُ قولَه تعالى: ﴿كتابًا موقوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] قلتُ: وماذا فهِمْتَ مراده، وهل فيه توقيت بحسب ظنِّك، أو كما وقَّتَه النَّبي ﷺ ؟ فإِنْ كانت «موقوتًا» بمعنى أنَّه وقَّت لها سبحانه وقتًا وبينه رسولُه، فليراجع له إلى ما بينه النبي ﷺ فإِنْ كان بالاشتراك فهو موقوتٌ بالاشتراك، وإن كان بالافتراق فكذلك.
أمَّا مثل قوله ﷺ «وقت الظهر ما لم تحضر العصر» فهو أيضًا لا ينفي ما قلنا؛ فإِنَّ المراد به وقت الظهر المجموع، يعني مع الوقت المُخْتَص وغيره، ومن العصر وقته المُخْتَص، ثُمَّ إذا ظَهر اختلافٌ بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم وتحقق عندَك خِلافٌ بين الأئمةِ، فإِيّاك وأَنْ تَظُنَّ في هذه المواضع أَنَّ القرآن أَو الأحاديث في يد أحد الطرفين، فإِنَّ القرآن إذا لم يَحْتَمله والأحاديث خالَفته، كيف يَسُوغ لمِثل ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، ومِنَ الأئمةِ مثل مالك رحمه الله تعالى أَنْ يقولَ بما ليس له أَثرٌ في الدِّين بل نصٌّ بخلافِه، فلو كان معنى الموقوت ما كنتَ تَظنُّه لَمَا ذهبَ إليه مالك رحمه الله تعالى وجماعةٌ مِنَ السَّلَف، فخفض عليك شأنَك، ولا تُسْرِع في ردِّ ما لم تَسمعهُ أُذُنَاك؛ فإِنَّه ليس من العِلم وإنَّ مِنَ العِلم لجهلًا.
تنبيه: واعلم أَنَّ السَّرَخْسي نبَّه على أَنَّ وَقْتَ الظُّهْرِ ليس إلى المِثل فقط عند صاحبيه، بل يَبْقَى بعدَه شيئًا أيضًا فكان وَقْتُ الظُّهرِ عندهما مِثلا وشيئًا، لا كما هو المشهور عنهما، أَنَّه إذا صار المِثل فقد دَخَل وقتُ العصرِ وخرجَ وقتُ الظهر (١). إذا أتقنت هذا، فاعلم أنَّ حديث جبريل لا يَصدُق إِذَن إلا على مذهب الحنفية، لأَنَّه ليس فيه إلا تَعْجِيل الصَّلوات كلِّها في اليوم الأول، وتأخير كلها في اليوم الآخر مع إبقاءِ الفَاصلة بينهما، فإِذا صَلَّى الظهر في اليوم الأول حين زالت الشمس صلَّى العصر على المِثل وعَجَّلَ فيها أيضًا، ثُمَّ إذا أَخَّرَ الظُّهْرَ في اليوم الثاني وصلاها في المِثل الثاني أَخَّر العصرَ أيضًا وصلاها بعد المثلين وهذا عينُ مذهبِ الحنفية على ما حققت.
وحديث جبريل صريحٌ في الاشتراك حيث صلَّى العصرَ في اليوم الأَوَّلِ حين صار ظلُّ كلِّ
стр. 586
شيءٍ مثلَه؛ وصلَّى الظُّهْرَ في اليوم الثاني في عين ذلك الوقت. وعند الترمذي تصريح أنَّه صلَّى الظُّهْرَ في اليوم الثاني لوقت العصر بالأمس، فلا مَناص عن القولِ بالاشتراك، ولذا قال به مالك رحمه الله تعالى، ثُمَّ إنَّه يُخالف الشافعي رحمه الله تعالى وغيرَه في أَنَّ وقتَ الظُّهرِ يَخْرجُ بالمِثل، لأنَّه صلاها اليوم الثاني بعد المِثل، فليس فيه ما رامُوه مِنْ كَوْنِ وقتِ الظُّهْرِ إلى المِثل ولذا أَوَّلَ فيه النَّووي بما أَوَّل فراجعه.
وفي الروايات: أَنَّه نَزَل في اليوم الثاني بعد المِثل فعند النَّسائي: «ثُمَّ أتاهُ اليوم الثاني حين كان ظلُّ الرَّجُل مِثل شخصه، فصنع مِثلَ ما صَنع بالأمسِ صلَّى الظُّهْرَ اليوم ... » الخ. وهذا صريحٌ في أَنَّه صلاها في اليومِ الثاني بعد المِثل، وهو وقتُ العصرِ عند الشافعيةِ رحمهم الله تعالى، ولا يَمْشِي فيه تأويل النَّووي.
« ... وصلَّى العصر في اليومِ الثاني حين كان ظِلُّه مثلَيه ... وهذا يَصْدُق لو كان صلاها قَبْلَ خَتم المِثل الثالث أيضًا، ولا بُدَّ من حَمْلهِ عليه كما سيجيء، وعادتُهم قد جرت بحذفِ الكسور. فتحصَّل أنَّه صلَّى الظُّهر تارةً في المِثْل وهو وَقْتُها المُخْتَص وتارةً في المِثْل الثاني وهو الوقْتُ الصَّالح لها، وكذلك صلَّى العصرَ تارةً بعد المِثل الأوَّل، وهو وقتٌ صالحٌ لها أيضًا، وصلاها تارةً بعد المِثل الثاني قبل نهايةِ المِثل الثالث، وهو الوقتُ المُخْتَص بها مع إبقاء الفَاصِلة بين الصَّلاتين في اليومين، وهذا عينُ مذهبنَا ولله الحمد أَوَّلا وآخرًا.
ثم اعلم أَنَّ وقتَ العصرِ عند الشوافِعَ رحمهم الله تعالى على خمسة أنحاء. قال النووي: قال أصحابنا: للعصر خمسة أوقات: وقتُ فضيلة، ووقتُ اختيار، وجوازٍ بلا كراهة، وجوازٍ مع كراهة، ووقتُ عذر. أمَّا وقت الفضيلة: فأَوَّل وقتِها، ووقتُ الاختيار يمتد إلى أَنْ يَصيرَ ظلُّ كلِّ شيءٍ مثلَيه، ووقت الجواز إلى الاصفرار، ووقت الجواز مع الكراهة: حالة الاصفرار إلى الغُروب، ووقت العُذر: هو وقت الظُّهْرِ في حق من يَجْمع بين الظُّهْرِ والعصر لسفرٍ أو مطرٍ، ويكونُ العصر في هذه الأوقاتِ الخمسة أداء، فإِذا فاتَتْ كلها بغروبِ الشمس صارت قضاءٍ. انتهى.
وقسمه الحنفيةُ إلى قسمين: وقتِ الاستحباب، ووقتِ الكراهة، وأرادوا من الاستحباب ما لا يكونُ مكروهًا، ومعلوم أَنَّ جبريل ﵇ لم يَنْزِل لتَعْلِيم الوقت المكروه، فلم يستوعب في اليومين إلا الوقت المستَحب، فلو قلنا: إنَّه صلَّى العصرِ في اليومِ الثاني في المِثلين، يَلْزَم أَنْ تَبْقَى مِنَ الوقت المستحب أيضًا حِصةٌ ما، ولذا قلت: إنَّه صلاها فيه قُبَيل المِثل الثالث، ليُحاط الوقتُ المستَحب في يومَيه، فإِنَّ المِثْلَ إذا لم يتم جاز أَنْ يُقال إِنَّه صلاها على المِثلين، وهذا واسع في اللُّغة بلا نكير.
والحاصل: أَنَّ جبريل ﵇ إنَّما نَزَل لبيان الأوقاتِ التي ينبغي أَنْ يُصلَّى فيها تقريبًا، ولم يَرِد التحديد أصلا، وإنَّما هو من باب التَّفَقُّه فمنهم مَنْ جَعَلَ وقتَ الظُّهْر إلى المِثل نظرًا إلى أحاديث التعجيل، ومنهم مَنْ جَعَلَه إلى المِثل وزيادة تارة وأُخْرَى إلى المِثلين نظَرًا إلى
стр. 587
أحاديث التأخِير، ثُمَّ أَرَاد كلٌّ منهم أَنْ يجعلَه منصوصًا، فآل أمرُهم إلى ما رأيت مِنَ النِّضَال فصارت الحربُ سجالًا (١).
وهكذا أقولُ بالاشتراك بين المَغْرِبِ والعشاء، ففي المغرِبِ أيضًا روايتان عن الإِمام. الأولى: أنَّها إلى الشفقِ الأبيضِ، قالوا: إنَّه ظاهر الرواية. والثانية: أنَّها إلى الأحمر.
قلتُ: الأحمر، وقتٌ مختصٌ بالمغرب، وما بعدَ الأبيضِ وقتٌ مختصٌ بالعشاء، والأبيضُ يصلحُ لهما، والمطلوبُ هو الفاصلة، وترتفعُ تلك المطلوبية في السفرِ والمرض، فيجوزُ الجمعُ فيه كالجمع بين الظُّهرين في المِثل الثاني، وأظنُّ أَنَّ البخاري لم يَذْهَب إلى الجمعِ الوقتي كما اختاره الشافعية، وإليه تومىء الأحاديث لتعرضها إلى التأخيرِ والتعجيل، وهما أَصْدَق وأفيد على نظرِ الحنفيةِ، وإنْ صَدَقا على نظرهم أيضًا، لكِن ليس فيه لطف، لأنَّه إذا كان الجمعُ باعتبار الوقتِ فأي بحثٍ من التأخير والتعجيل، وأي حاجة إلى ذكرِهما؟ ويكفي له ذِكر الجمع فقط
أمَّا على طورنا، ففيه بيان معنى الجمع، لأنَّه لا جمع وقتًا وإنَّما هو جمع بحسب تأخير هذه وتقديم تلك، فذِكر التعجيل والتأخير مما لا بُدَّ منه، وسيجيء تفصيله في موضعه إن شاء الله تعالى.
٢ - باب ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الروم: ٣١]
٥٢٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبَّادٌ - هُوَ ابْنُ عَبَّادٍ - عَنْ أَبِى جَمْرَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا إِنَّا مِنْ هَذَا الْحَىِّ مِنْ رَبِيعَةَ، وَلَسْنَا نَصِلُ إِلَيْكَ إِلَاّ فِى الشَّهْرِ الْحَرَامِ، فَمُرْنَا بِشَىْءٍ نَأْخُذْهُ عَنْكَ، وَنَدْعُو إِلَيْهِ مَنْ وَرَاءَنَا. فَقَالَ «آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ الإِيمَانِ بِاللَّهِ - ثُمَّ فَسَّرَهَا لَهُمْ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَاّ اللَّهُ، وَأَنِّى رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَأَنْ تُؤَدُّوا إِلَىَّ خُمُسَ مَا غَنِمْتُمْ، وَأَنْهَى عَنِ الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالْمُقَيَّرِ وَالنَّقِيرِ». أطرافه ٥٣، ٨٧، ١٣٩٨، ٣٠٩٥، ٣٥١٠، ٤٣٦٨، ٤٣٦٩، ٦١٧٦، ٧٢٦٦، ٧٥٥٦ تحفة ٦٥٢٤
стр. 588
واتقوه أي اخشَوا منه، ومعناه اتخذوه تُقاة.
قوله: (﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلاةَ وَلَا تَكُونُواْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾) وهذا طَرْد وعكس من صنائع البديع، ومِنْ ههنا قال النَّبي ﷺ عند مُسْلِم - «إِنَّ بين الرجلِ وبين الشِّرك والكفر ترك الصلاة». أو كما قال: قال الشاه عبد القادر رحمه الله تعالى: إِنَّ تَرْكَ العِبادة اتباعًا للهوى أيضًا، نوعٌ من الشرك؛ ولذا قال: ﴿وَلَا تَكُونُواْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
٣ - باب الْبَيْعَةِ عَلَى إِقَامَةِ الصَّلَاةِ
٥٢٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنَا قَيْسٌ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ. أطرافه ٥٧، ١٤٠١، ٢١٥٧، ٢٧١٤، ٢٧١٥، ٧٢٠٤ - تحفة ٣٢٢٦ - ١٤٠/ ١
والأصلُ أَنَّ العربَ كانوا يُصافحون عند البيع، فالبيعة بمعنى البيع إلا أنَّه انسلخ عن معناهُ، وصار يُستعمل بمعنى المعاهدة مطلقًا، وهي كما تكون على الإِسلام تكونُ على أمورٍ جزئية أيضًا؛ فالبيعةُ على إقامةِ الصَّلاةِ لمزيد التأكيد.
٤ - باب الصَّلَاةُ كَفَّارَةٌ
٥٢٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنِ الأَعْمَشِ قَالَ حَدَّثَنِى شَقِيقٌ قَالَ سَمِعْتُ حُذَيْفَةَ قَالَ كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ عُمَرَ - رضى الله عنه - فَقَالَ أَيُّكُمْ يَحْفَظُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِى الْفِتْنَةِ قُلْتُ أَنَا، كَمَا قَالَهُ. قَالَ إِنَّكَ عَلَيْهِ - أَوْ عَلَيْهَا - لَجَرِىءٌ. قُلْتُ «فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِى أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ وَالصَّدَقَةُ وَالأَمْرُ وَالنَّهْىُ». قَالَ لَيْسَ هَذَا أُرِيدُ، وَلَكِنِ الْفِتْنَةُ الَّتِى تَمُوجُ كَمَا يَمُوجُ الْبَحْرُ. قَالَ لَيْسَ عَلَيْكَ مِنْهَا بَأْسٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا. قَالَ أَيُكْسَرُ أَمْ يُفْتَحُ قَالَ يُكْسَرُ. قَالَ إِذًا لَا يُغْلَقَ أَبَدًا. قُلْنَا أَكَانَ عُمَرُ يَعْلَمُ الْبَابَ قَالَ نَعَمْ، كَمَا أَنَّ دُونَ الْغَدِ اللَّيْلَةَ، إِنِّى حَدَّثْتُهُ بِحَدِيثٍ لَيْسَ بِالأَغَالِيطِ. فَهِبْنَا أَنْ نَسْأَلَ حُذَيْفَةَ، فَأَمَرْنَا مَسْرُوقًا فَسَأَلَهُ فَقَالَ الْبَابُ عُمَرُ. أطرافه ١٤٣٥، ١٨٩٥، ٣٥٨٦، ٧٠٩٦ - تحفة ٣٣٣٧
٥٢٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِىِّ عَنْ أَبِى عُثْمَانَ النَّهْدِىِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَجُلاً أَصَابَ مِنَ امْرَأَةٍ قُبْلَةً، فَأَتَى النَّبِىَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ (أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَىِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ). فَقَالَ الرَّجُلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِى هَذَا قَالَ «لِجَمِيعِ أُمَّتِى كُلِّهِمْ». طرفه ٤٦٨٧ - تحفة ٩٣٧٦
الفتنة - نكهاركي جيز - وهو كل شيءٍ يَحصُل به التمييز بين الأمرين.
وفي الحديث: «إِنَّ هذه الأُمَّة أكثرهم فتنة». وكنتُ أتفكر فيه أنَّه لِمَ ذاك؟ حتى تبين لي أَنَّ
стр. 589
الأُمم السابقة أُهْلِكَت بعضُها بالإِغْرَاق وأُخْرَى بالقَذْفِ وأنواعٍ من العذاب، وهذه الأُمَّة لمَّا قُدِّر بقاؤها ابتُلِيَت بالفتن للتمْيِيز بين المُخلِص والمُنَافِق، فكان لا بُدَّ منها قال تعالى: ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِى كُلّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة: ١٢٦]، ثُمَّ إنَّ المنافقين كانوا معروفين في عهدِ النَّبي ﷺ يَعرِفُهم أكثرُ الصحابةِ ﵃ بأسمائِهم وأعيانِهم؛ إلا أَنَّ إقامة الشَّهادة عليهم واستباحة بيضتِهِم كان خلافُ المصلحةِ فأغمض عنهم لذلك، فانْدَفَعَ ما يختلجُ في الصُّدورِ.
٥٢٥ - قوله: (فتنةُ الرَّجُلِ في أهلِهِ ومالهِ) يعني أَنَّ الرَّجُلَ يَضْطَرُّ إلى إدخالِ النقائص في دينه من جهةِ هؤلاء؛ ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥].
قوله: (يكفرها الصلاة والصيام) ... الخ فالصَّلاة والصَّوم عبادتان حقيقةً، ومكفِّرتان تبعًا.
شرح قوله: الصوم لي وأنا أجزي به وتحقيق أَنَّ الصومُ يُؤخذُ في كفارة أم لا ؟
واعلم أَنَّهم ذَكَروا لقوله ﷺ «الصومُ لي ... الخ» شروحًا عديدة استوعبها الحافظُ رحمه الله تعالى في «الفتح»، ولم يَتَعرض أحدٌ إلى زيادة فيه أَخْرجَها البخاري وأحمد في «مسنده»؛ ولمَّا كانت الجملة الأخيرة واقعة موقع الاستثناء لا يجوز الخوض في معناه قبل تعيين المُسْتَثنى، فلا بُدَّ علينا أَنْ نأتيك بتمام سياقه؛ ثم لنبحث عن معناه.
أخرجَ البخاري في باب ذِكْر النَّبي ﷺ ورواية عن رَبِّه: «لكل عملٍ كفارة والصومُ لي وأنا أَجْزِي به» وفي «مسند أحمد» «كل عمل كفارة ... الخ» والفرقُ بين اللفظينِ أَنَّ العملَ على لفظ البخاري من السيئات وكَفَّارته من الحسنات؛ والمعنى أَنَّ لكلِّ سيئةٍ من بني آدم كفَّارة من حسنة؛ وعلى لفظ «المُسْنَد» من الحسناتِ؛ فتكون كفارة للسيئات. والمعنى كلُّ حسنة تكونُ كفارة للسيئات، والجملة: «والصوم لي» على كِلا التقديرين وَقَع مَوقِع الاستثناءِ، يعني إلا الصومَ فإِنَّه لي وأنَا أجزي به.
والصواب عندي ما في «المُسْنَد» فصار الحديثُ هكذا: كل عمل كَفَّارة والصومُ لي وأنا أجزي به أي إلا الصوم فإِنَّه لي وأنا أجزي به كما هو في سياق آخر عندَهُ بلفظ الاستثناء هكذا: كلُّ عملِ ابنِ آدمَ له إلا الصوم فإِنَّه لي ... الخ. فَدَلَّ الحديث على أَنَّ الحسنات كُلَّها تُؤْخَذ في الكفَّارات بخلافِ الصومِ فإِنَّه لا يُؤخذ به فيها، ولكِنَّه يُجزَى به لا محالَة، لكونِه له تعالى فهذه خاصةٌ للصوم دون سائر العبادات.
ويخالفه ما أخرجه الترمذي في باب شَأْنِ الحساب والقِصاص عن أبي هريرة ﵁: «المُفْلِس مِنْ أمتي مَنْ يأتي يومَ القِيامة بصَلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ ويأتي قد شَتَم هذا، وقَذَف هذا، وأَكَل مال هذا، وَسَفَك دم هذا، وضَرَب هذا، فيقعُدُ فيَقْتَص هذا مِنْ حسناتِه، وهذا من حسناته، فإِن فَنِيَت حسناتُه قَبْلَ أَنْ يُقْتَصَّ ما عليه من الخطايا أُخِذ من خطايَاهم فَطُرِحَ عليه ثم
стр. 590
طُرِح في النار» انتهى. وهذا صريحٌ في أَنَّ الصيامَ أيضًا يُؤْخَذ في الكفارات كما تُؤْخَذ سائر العبادات.
والوجه فيه عندي: أَنَّ الرَّاوي خَلَطَ فيه بين السِّيَاقينِ، والصحيحُ ما في «الموطأ» لمالك عن أبي هريرة ﵁ أَنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «والذي نفسِي بيده لَخَلُوفِ فَمِ الصَّائمِ أطيبُ عند الله مِنْ رِيح المِسْك إنَّما يَذر شهوتَهُ وطعامَهُ وشرابَهُ مِنْ أَجْلي فالصيامُ لي وأنا أجزي به؛ كلُّ حسنةٍ بعشرِ أمثالها إلى سبعمائةِ ضَعف إلا الصيام فهو لي وأَنَا أجزي به» انتهى. فدلَّ على أَنَّ الخصوصية في الصَّوم أَنَّهُ يَدَع فيه شهوتَه لأجلِه تعالى، وهو معنى قوله: «الصومُ لي». كما تُشعر به الفاء بعد قوله: «إنَّما يَذر شهوتَهُ» ومعنى قوله: «وأنا أجزي به»، أَنَّ أجره غير محدود، يعلمُه الله تعالى، بخلاف أجورِ سائرِ العبادات، فإِنَّها تضعف إلى سبع مئة ضعف. وهذا هو أَصْوَبُ الشُّروح. وما ذَكَرُوه كلها احتمالات، وما أَخرجه البخاري غيره الراوي فكان الاستثناء في الأَصلِ مِنْ تضعيفِ الثَّواب، فَنَقَلَهُ إلى تكفير العمل، فأوهم (١) أَنَّ الصيامَ لا يُؤْخَذ في الكفَّارَة؛ وعلى هذا ليس فيه ما يَدلُّ على خلافِ حديث الترمذي أَنَّ الصومَ لا يُؤْخَذ في الكفَّارة وإنَّما خفي مُراد حديثِ البخاري لاختلالٍ في سِيَاقِه كما علمت.
والحاصل: أَنَّ الحديثَ جاءَ على أربع:
سياق الأول: ما في البخاري: «لكل عملٍ كفارة»؛ والثاني: ما في المسند «كل عمل كفارة». والثالث: «كل عمل ابن آدم له». والرابع: ما في «الموطأ» «كلُّ حسنةٍ بعشرٍ أمثالِها، إلا الصيام ... الخ» وهذه القطعيات كُلُّها صحيحة عندي، ولعلَّه مِنْ بابِ حفظِهِ كل ما لم يحفظ الآخر، لا مِنْ بابِ الرِّواية بالمعنى، وأَحقُّ السِياق: كلُّ عَمَلِ ابنِ آدمَ له إلا الصوم، ووجه كونِه له، ما يَظْهَر مِنْ رِواية «الموطأ» وهو أَنَّ فيه تَرْك الأكلِ، والشربِ، والجماعِ، وليس ذلك في سائر العباداتِ غير الصوم، فإنَّ الصومَ عبارةٌ عن نفس تَرْكِ هذه الأشياء قصدًا، بخلافِ الصَّلاةِ والحج ونحوهِما مِنَ العبادات؛ فإنَّها ليس فيها تَفُويت الأكلِ، والشربِ، فإِنَّ الرَّجُل يأكلُ ثُمَّ يُصلِّي، ويُصَلِّي ثُمَّ يأكل؛ فليست الصَّلاةُ اسمًا لترك هذه الأشياء، وإنْ تَعَطَّلَ فيها عن بعض حوائِجه تلك المدة، والله تعالى أعلم.
قوله: (إذًا لا يُغْلَقَ) قال العلامةُ الكَافِيجي إِنَّ «إذن» و «أنْ» الناصبة شيء واحد، وجاز كتابتها بالتنوينِ أو النُّونِ.
قوله: (بالأغاليط) جمع أغلوطة، كلُّ شيء يلقي الناس في الغلط.
قوله: (مِنَ امرأة قُبْلة) وروايةُ البخاري تَدُلُّ على أَنَّ آية ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيّئَاتِ﴾ نزلت
стр. 591
في تلك القِصة، وفي عامَّةِ الروايات أنَّها نَزَلت قَبْلَها وإنَّما استشهد بها النَّبي ﷺ فيها، ففيه مسامحة عندي.
ثُمَّ اعلم أَنَّ آيات الكفَّارة ثلاث ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ [النساء: ٤٨]. والثانية: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ نُكَفّرْ عَنْكُمْ سَيّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]. والثالثة هذه.
ففي الأولى بيانٌ لكونِ مَغْفِرَةِ الذُّنُوب كُلِّها تَحْتَ المشيئةِ، فإِنْ شَاءَ غَفَرَها، وإنْ شاء عاقب عليها، وفي الثانية ذِكْرٌ لإِنعامه، وإخبَارٌ بِفَضْلِهِ، ووعدٌ منه بِمَغْفِرَة السيئات لِمن اجتنب الكبائر، وليس في التعليق ما يُفيد المعتزلة كما وهم، فإِنَّها سِيقَتْ في الوعدِ دون الإِمكانِ، أَمَّا الإِمكانُ فقد عُلِمَ مِنَ النَّص الأَوَّل.
فَعُلِمَ أَنَّ مَغْفِرَةَ الذُنوبِ كُلُّها ممكِنة ولكنَّها تحت مشيئتِه تعالى؛ وأَمَّا الوعد ففي صورة الاجتنابِ عَنِ الكبائِر لا أَنَّها مستحيلة عند عَدَمِه؛ وأَمَّا في الثالِثَةِ فتنبيه على سبب خاص لها وهو أَنَّ الحسناتِ أَحَد أسبابِ المَغْفِرَةِ للسيئات. وفي قوله: إلا اللمم أيضًا إشارة إلى الوعد بمَغْفِرَةِ الصَّغَائر، فهذا نوعٌ آخر، ووعدٌ آخر، وراجع لِكَفَّارَة الصَّغائِر والكبائِر «عقيدة (١) السَّفَارِيني»، ثُمَّ إنَّ في الزيلعي «شرح الكنز» أَنَّ القُبلة صغيرةٌ، قلت: ولي فيه تردد (٢).
٥ - باب فَضْلِ الصَّلَاةِ لِوَقْتِهَا
٥٢٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ
стр. 592
الْعَيْزَارِ أَخْبَرَنِى قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَمْرٍو الشَّيْبَانِىَّ يَقُولُ حَدَّثَنَا صَاحِبُ هَذِهِ الدَّارِ وَأَشَارَ إِلَى دَارِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ سَأَلْتُ النَّبِىَّ ﷺ أَىُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ قَالَ «الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا». قَالَ ثُمَّ أَىُّ قَالَ «ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ». قَالَ ثُمَّ أَىُّ قَالَ «الْجِهَادُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ». قَالَ حَدَّثَنِى بِهِنَّ وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِى. أطرافه ٢٧٨٢، ٥٩٧٠، ٧٥٣٤ - تحفة ٩٢٣٢
لم يَرِد مِنْ هذه الترجمةِ الإِشارةُ إلى مسألةِ التعجيلِ، بل هي أَوْسَع منه، وأَرَاد الآن مِنَ الصَّلاة لوقتِها أَلا تفوتَ عنه، وأوضحه الحافظُ رحمه الله تعالى.
٥٢٧ - قوله: (أيُّ العَمْلِ أَحبُّ) واسمُ التفضيلِ ههنا بمعنى اسم المفعول، وهو نادرٌ، والأكثر في معنى اسمِ الفاعل.
قوله: (الصَّلاةُ على وقْتِها) وفي لفظٍ: «الصَّلاةُ أَوَّل وقتِها» وأسقطَهُ الحافظُ رحمه الله تعالى مع أَنَّه رواية ثقة لكونه مخالفًا لأكثر الألفاظ، أَمَّا زيادةُ الثقة فقال جماعة: إنها تُقْبلُ مطلقًا. وقال آخرون: بل تُقبل بعد البحث جزئيًا، فإِنْ تحقق أَنَّها صحيحةٌ تُقْبَل وإلا لا. ولا حكم كليًا، وهو الحق عندي. وإليه ذهب أحمد رحمه الله تعالى وابن مَعِيْن وغيرهما كما ذكره الزيلعي في بحث آمين.
قوله: (برُّ الوالدين) أي إطاعتُهما.
٦ - باب الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ كَفَّارَةٌ
٥٢٨ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ قَالَ حَدَّثَنِى ابْنُ أَبِى حَازِمٍ وَالدَّرَاوَرْدِىُّ عَنْ يَزِيدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهَرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ، يَغْتَسِلُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسًا، مَا تَقُولُ ذَلِكَ يُبْقِى مِنْ دَرَنِهِ». قَالُوا لَا يُبْقِى مِنْ دَرَنِهِ شَيْئًا. قَالَ «فَذَلِكَ مِثْلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، يَمْحُو اللَّهُ بِهَا الْخَطَايَا». تحفة ١٤٩٩٨ - ١٤١/ ١
كذا في أكثر الرِّوايات وفي نسخة الكُشْمِيهني إذا صلاهنَّ لوقتها في الجماعة وغيرِها.
قلتُ: ولو حَذَفَ المصنِّف رحمه الله تعالى قوله: «وغيرها» لكان أحسن، لأنَّه يُشْعِر بالتَّوسِيع في أمر الجماعة، وقد يَخْطُرُ بالبَال أنَّ المصنِّف رحمه الله تعالى مع الشافعي رحمه الله تعالى في مسألة الجماعة.
٥٢٨ - قوله: (مِنْ دَرَنهِ شيئًا) ولا يكون مِصداق الدَّرَن إلا صغيرة، لأنَّ الكبيرة صَدَاءٌ يأكلُ الحديد أيضًا.
قوله: (يَمحو) والوضوءُ أيضًا يمحو الخطايا كما في الترمذي.
стр. 593
٧ - باب تَضْيِيعِ الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا
٥٢٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا مَهْدِىٌّ عَنْ غَيْلَانَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ مَا أَعْرِفُ شَيْئًا مِمَّا كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِىِّ ﷺ . قِيلَ الصَّلَاةُ. قَالَ أَلَيْسَ ضَيَّعْتُمْ مَا ضَيَّعْتُمْ فِيهَا. تحفة ١١٣٠
٥٣٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ وَاصِلٍ أَبُو عُبَيْدَةَ الْحَدَّادُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِى رَوَّادٍ أَخِى عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ سَمِعْتُ الزُّهْرِىَّ يَقُولُ دَخَلْتُ عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ بِدِمَشْقَ وَهُوَ يَبْكِى فَقُلْتُ مَا يُبْكِيكَ فَقَالَ لَا أَعْرِفُ شَيْئًا مِمَّا أَدْرَكْتُ إِلَاّ هَذِهِ الصَّلَاةَ، وَهَذِهِ الصَّلَاةُ قَدْ ضُيِّعَتْ. وَقَالَ بَكْرٌ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ الْبُرْسَانِىُّ أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِى رَوَّادٍ نَحْوَهُ. تحفة ١٥١٤
٥٣٠ - قوله: (دخلتُ على أنس رضي الله تعالى عنه) كان أنس قَدِمَ دِمشق في إمارةِ الحَجَّاجِ يشكو الحجاح إلى الوليدِ بن عبد الملك وكان هو الخَلِيفة إِذْ ذاك فما أشكاه؛ وانظر إلى هؤلاء الصحابةِ رضي الله تعالى عنهم. إذا لقوا صُفوف قَيْصَر وكِسْرَى ماذا صنعوا بهم؟ ثُمَّ إذا أوذوا مِنَ المسلمين كيف تخوروا، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤].
قوله: (وهذه الصَّلاة قد ضيعت) وهو على حد قول المتنبي:
*تَخَالَفَ النَّاسُ حتى لا اتفاقَ لهم ... إلا على شَجَبٍ والخُلف في الشَّجَب
٨ - باب الْمُصَلِّى يُنَاجِى رَبَّهُ
٥٣١ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى يُنَاجِى رَبَّهُ فَلَا يَتْفِلَنَّ عَنْ يَمِينِهِ، وَلَكِنْ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى». وَقَالَ سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ لَا يَتْفِلُ قُدَّامَهُ أَوْ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمَيْهِ. وَقَالَ شُعْبَةُ لَا يَبْزُقُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ. وَقَالَ حُمَيْدٌ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ «لَا يَبْزُقْ فِى الْقِبْلَةِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ». أطرافه ٢٤١، ٤٠٥، ٤١٢، ٤١٣، ٤١٧، ٥٣٢، ٨٢٢، ١٢١٤ تحفة ١٣٧٣، ١٢٠٥، ٨١٩ أ، ١٢٦١
٥٣٢ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «اعْتَدِلُوا فِى السُّجُودِ، وَلَا يَبْسُطْ ذِرَاعَيْهِ كَالْكَلْبِ، وَإِذَا بَزَقَ فَلَا يَبْزُقَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، فَإِنَّهُ يُنَاجِى رَبَّهُ». أطرافه ٢٤١، ٤٠٥، ٤١٢، ٤١٣، ٤١٧، ٥٣١، ٨٢٢، ١٢١٤ - تحفة ١٤٤٣ - ١٤٢/ ١
والمُناجَاة مِنْ كلِّ مصلَ إنَّما تكونُ في صلاةِ المنفرد؛ كما يشعِر به.
قوله: (إِنَّ أحدَكُم إذا صلَّى ... ) الخ. فليست تلك الصَّلاةُ جماعة ليتشجع منها أحد من الشافعية رحمهم الله تعالى فيستدل به على الفاتحة، ويقول: إِنَّ الاستماعَ يُخَالِف المناجاة على
стр. 594
أَنَّك قد عَلِمْتَ أَنَّ صَلاةَ الجماعة صلاة واحدة بالعددِ في نظرِ الشَّرْع؛ والإِمام يُناجي فيها فلا تَخْلُو عن المُنَاجَاة على طَوْرِنا أيضًا.
ثُمَّ لو أَخَذْنا المناجاةَ مِنْ كل فليست هي إلا في السِّرية وأمَّا في الجَهْرِية فهي مُنَازَعة لا مناجَاة، ومخالَفة لأمرِ الإِنصات والاستماعِ؛ لا مبادرة إِلى الامتِثَال، ولم أَرَ في نَقْلٍ عن الإِمام أَنَّ القِرَاءةَ في السِّرِية لا تجوز، أَمَّا في الجهرية فأمرُها كما صرَّح به النَّص.
٥٣١ - قوله: (فلا يَتْفِلَنَّ) وقد حققتُ مناطَه أَنَّه كان المُصلِّي على سَمْتٍ حسن، ولذا نَهَى عن إِقْعَاءِ الكَلْبِ، وافْتِرَاشِ الثَّعْلَب، ونَقْرِ الغراب، وبُروك الجَمَل، وأَنْ يَخْفِضَ رَأْسَهُ في الرُّكوعِ كالحمارِ، كلُّ ذلك لأجلِ كونِه على هيئاتٍ حسنة بين يدي رَبِّه، فالبُزَاق في اليمين وإنْ كان منها من أجل الملك لكن رعايته أيضًا لكون المُصَلِّي بين يدي ربِّه في هذا الحين، أَمَّا البُزَّاق أمامَهُ فهو أَشَدُّ وأشد وأَقْبحُ وأقبح.
ثُمَّ إنَّ سِيَاق الحديث - «مَنْ تَفَل أَمَامَهُ في الصَّلاةِ جاء يومَ القيامةِ وتفلُه بين عينَيْهِ» أو كما قال - ليس عندي كسياق: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢]. لأنَّ الحديثَ إنَّما سِيق بيانًا للجزَاءِ مِنْ جنس العمل، بخلاف الآية.
قوله: (اعتدِلوا) وَفَسَّرَهُ ابنُ دقيق العيد برفع العَجِيزة، ومجافاةِ العَضُدَينِ عَنِ الجنْبَين؛ ولم أَزَل أَتَفَكَّر في تفسيره، لأنَّ غايةَ ما يدلُّ عليه لفظُ الاعتدال، هو التعديل على خِلافِ نَقْرِ الدِّيك حتى رأيتُ كلامَ ابنِ العربي في العارضة (١) فتبين منه المرادُ. وحاصله: أَنَّ الاعتدالَ لبيانِ الهيئةِ المتوسِطَّةِ بين القَبْضِ والبَسطِ، فلا يَبْسط في السجودِ بحيث يشبه بالمُسْتَلقى على وجهه، ولا يَقْبِضُ أعضاءَهُ حتى يصير كالعضوِ الواحد، ولا يَحْصُل لكل عضوٍ حظُّه مِنَ السجودِ مع ما في الحديثِ: أنَّ ابنَ آدمَ يَسْجُد على سبعةِ آراب، ولا يَتَيسر هذا إلا في الهيئةِ المسنُونَةِ فتفسيره به بهذا الطَّريق لا أَنَّه مدلولُ اللفظ. ثُمَّ إِنَّ التعديلَ المعروف أيضًا يدخُل في عمومِهِ.
٩ - باب الإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ فِى شِدَّةِ الْحَرِّ
٥٣٣ و ٥٣٤ - حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ عَنْ سُلَيْمَانَ قَالَ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ حَدَّثَنَا الأَعْرَجُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ، وَنَافِعٌ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «إِذَا
стр. 595
اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا عَنِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ». تحفة ٧٦٨٦
٥٣٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْمُهَاجِرِ أَبِى الْحَسَنِ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ عَنْ أَبِى ذَرٍّ قَالَ أَذَّنَ مُؤَذِّنُ النَّبِىِّ ﷺ الظُّهْرَ فَقَالَ «أَبْرِدْ أَبْرِدْ - أَوْ قَالَ - انْتَظِرِ انْتَظِرْ». وَقَالَ «شِدَّةُ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا عَنِ الصَّلَاةِ». حَتَّى رَأَيْنَا فَىْءَ التُّلُولِ. أطرافه ٥٣٩، ٦٢٩، ٣٢٥٨ - تحفة ١١٩١٤
٥٣٦ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ حَفِظْنَاهُ مِنَ الزُّهْرِىِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ». طرفه ٥٣٣ - تحفة ١٣١٤٢
٥٣٧ - «وَاشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ يَا رَبِّ أَكَلَ بَعْضِى بَعْضًا. فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ نَفَسٍ فِى الشِّتَاءِ، وَنَفَسٍ فِى الصَّيْفِ، فَهُوَ أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْحَرِّ، وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ». طرفه ٣٢٦٠ - تحفة ١٣١٤٢
٥٣٨ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبِى قَالَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ». تَابَعَهُ سُفْيَانُ وَيَحْيَى وَأَبُو عَوَانَةَ عَنِ الأَعْمَشِ. طرفه ٣٢٥٩ - تحفة ٤٠٠٦
والباءُ فيه للصِّلَةِ داخلة على المفعولِ به كما في قولِهم: أَخَذْتُ باللجامِ. وقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] وقوله ﷺ قرأ بالفاتحةِ. لا للسببيةِ؛ وتَعَرَّضَ إليهما الزَّمَخْشَرِي تحت قوله تعالى: ﴿وَهُزّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: ٢٥] وفسَّرَهُ أي افعلي فِعْلَ الهزِّ، فهو آكد من هُزي النَّخلة على معنى أَخْذِ الفعل على المعهُوديةِ بين النَّاس؛ وحينئذٍ يصيرُ لازمًا ويحتاجُ لتعديَتِه إلى الباء.
فمعنى قوله هزي النَّخْلَة أي حَرِّكِيها، ومعنى قوله هُزي بالنَّخلة أي افعلي بها فِعْلَ الهزِّ الذي عَلِمَه النَّاس. ويكونُ مُسَلَّمًا فيما بينهم، ولا يكونُ كذلك إلا بَعْدَ الهزِّ بالمُبالَغة، يعني هُزِّيها حتى يقول النَّاس إنه هز، لا هزًا دون هزَ، فإِنَّه وإِنْ كان هزًّا في اللغة أَنَّهم إلا لا يُسَمُّونَه هزًا فيما بينهم، فهُزي كما هو المعروف والمعهود عندهم في هزِّ النَّخْل وهو بالمبالغة، وعلى هذا معنى قوله: «أَبْرِدُوا بالظُّهر» أي افعلوا به فِعْلَ الإِبرادِ، فيدلُّ على المبالغة لا محالة، وهكذا قولُهم: أخذتَ باللجام أي فَعَلْتَ به فِعل الأخذِ، أي أخذتَهُ بالشِّدَّة. فهذا تقريرُ المعهوديةِ المعروفة في هذه الأفعال، وأمَّا المعهوديةُ في المسحِ والقراءةِ والوترِ فكما مرَّ بيانُها وسيأتي بسطهما في مسألة الوتر.
قوله: (من فيح جهنَّم) وترجمته (بهاب) فإِنْ قلت: إنَّ الحَرَّ تابعٌ للشمس في الحسِّ والمشاهدةِ فما معنى تبعيته لجهنَّم؟ قلتُ: والشمس تابعة لجهنَّم ولا يَبْعُد أَنْ يكونَ إلقاءُ القمرين فيها يومَ القيامةِ لهذه المناسبة، والوجه المعروف وإلقاؤهما مشهور.
стр. 596
وتفصيلُ المقام أَنَّ الأَسبابَ إمَّا ظاهرة أو معنوية والأُولَى معلومةٌ بالحسِّ والمشاهدةِ لا حاجةَ إلى التنبيه عليها، وإنَّما تدلُّ الشريعة على أسبابٍ معنويةٍ غير مدرَكة بالحسِّ، وهو الذي يليقُ بشأنِها، فدلَّت على أنَّ معدن الخير والسرور كلها هو الجنَّة، ومعدن المهالك والشرور كلها هو جهنَّم، فالخِزَّانة هي في الجنة والنَّار، وهذه الدارُ مركبة من أشياء المعدنين وليست بخِزَانة في نَفْسِها، فالحرارَة وإِنْ كانت في النَّظرِ الحسي مِنْ أَجْلِ الشمس، إلا أنَّها في النظر الغَيْبي كلها من معدنها، فإِذا رأيتهما أينما كان فهي من معدنها.
فإِنْ قُلْتَ إِنَّ الصيفَ والشتاءَ إذا دارا على النفسين، فينبغي ألا يكون شتاءً عند نفسِ الصيف وبالعكس مع أنَّهما يجتمعانِ في زمنٍ واحدٍ باعتبارِ اختلافِ البلاد. قلت: ولعلَّ تَنَفُّسها بحرِّها من جانب وإِرْسَالها إلى الآخر، فإِذا تَنَفَّس مِنْ جانب صارَ شتاءً وإلى جانب صار صيفًا؛ ولعلَّ الحرَّ والبردَ كيفيتان لا تتلاشيان أصلا بل إذا غَلَب الحرُّ دَفَعَ القَرِّ إلى باطنِ الأرض، وإذا غلب القَرُّ دَفَع الحرَّ، إلى باطنها، لا أَنَّ إِحدى الكيفتين تَنعَدِم عند ظُهورِ الأخرى، وهذا كما في الفَلْسَفَة الجديدةِ أَنَّ الحركاتِ كلَّها لا تَفْنَى بل تَنتَقِل إلى الحرارة. والأصوات كلُّها مِنْ بدء العالم إلى يومِنا هذا موجودة عندهم في الجو فالشيء بعد ما وجِدَ تأَبَّد عندَهم. وأَمَّا عند اليونانيين: فلا حَرارةَ عندهم في الأجسامِ الأثيرية ولا بُرودة.
تحقيق لطيف في حديث الإبراد
واعلم أنَّه عُلِّل الإِبراد بفيح جهنَّم فأشعر بكراهةِ الصَّلاة قَبْلَ الإِبرادِ، لأنَّ التسجيرِ مِنْ آثارِ غضبهِ تعالى، ولذا لا تسجر يوم الجمعة. وعند أبي داود مرفوعًا وصحح أبو داود إرسالَه أَنَّ النبي ﷺ كَرِه الصَّلاةَ نصفَ النَّهارِ إلا يوم الجمعة، وقال «إنَّ جهنم تُسْجَر إلا يوم الجمعة». انتهى.
ولذا قال أبو يوسف رحمه الله تعالى إِنَّ النَّوافِل تصح يوم الجمعة عند نصف النَّهار أيضًا. فإِنْ قلتَ: إنَّ التَّسْجِير ينتهي بالزوالِ فلا كراهة بعده. قلتُ: ولكن يَبْقَى الفيح وإِنِ انتهَى التسْجِير، ولذا أُورِد الحديث: بلفظ «الفيح» وهو أيضًا أَثَر مِنَ التَّسْجِير فلا ينبغي المواجهة عند غضبه تعالى، لأنَّه تعرض لصلاته بالرَّد.
والحاصل: أَنَّا إِنْ نَظَرْنَا إلى التعليل فإِنَّه مُشْعِر بكراهَةِ الوقتِ، وإِنْ ذهبنا إلى عدمِ كراهتِه فلا يَرْتَبط به التعليل، لأنَّه ينبغي أَنْ يكون بأمرٍ حسي نحو قوله: فلا تتحملوا مشقةَ الحرِّ، ليكونَ إشارة إلى أَنَّ أمرَ الإِبرادِ للشفقةِ لا لمعنى في الوقت، بخلافِ الإِحالة إلى حهنَّم، فإِنَّه يوجِّهُ الدهنَ إلى كراهةٍ شرعية لا محالةَ، فإِنْ كان الأمرُ بالإِبراد على الشفقة، فلا كراهة في الصَّلاة بعد الزوال، وإنْ كان لمعنى شرعي ففيها ذلك.
والذي يتبين أَنّ ما هو من آثارِ الغضبِ هو التَّسْجِير دون الفيح، ولهذا المعنى نُهِيَ عن الصَّلاة عندما يستقِل الظِّل بالرمحِ، كما يدل عليه ما أخرجه مسلم: ثُمَّ اقْتُصِر عن الصَّلاةِ فإِنَّ حينئذ تَسْجُر جهنَّم، فإِذا قِيل الفيءُ فصلِّ. انتهى.
стр. 597
وفي حديثِ البابِ إحالة على الفيح دون التسجير، ولعلَّ الفيحَ من آثارِ الرحمة، لأنَّه من أَثَرِ تنفسِ جهنَّم، فلو كان الفيحُ من آثارِ الغضبِ، لَزِمَ أَنْ يكونَ موسمُ الصيف كلُّه أثرًا للغضب، فإِنَّ الصيفَ كلَّه من أجل فَيْحِ جهنم، وحينئذٍ لا تكون في الصَّلاةِ بعدَ الزوال كراهة أصلا، وإِنَّما أُمِرنا بالإِبراد شَفَقَة ورحمة. وحاصلُ التعليل: أَنِ اربعوا على أنفسكم فلا تصلوا في شِدَّةِ الحرِ التي تكون من أجل الفيح، فالتعليل بالحقيقة بشدة الحر وهو أمرٌ حسي فيكون مُشْعِرًا بكونِهِ للشفقة كما قررنا.
أما قوله: «مِنْ فيحِ جهنم» فبيان للسبب الغَيْبي للحرَارة، ولا دَخْلَ له في التعليل، ويؤيدهُ أَنَّ النَّبي ﷺ صلى بعد الزَّوالِ وقال: «ويفتح عند ذلك أبوابُ السماءِ فأُحِبُّ أَنْ يَصعَد لي فيه عَمَل» أو كما قال. فدلَّ على انتهاءِ أَثَرِ التسجيرِ بالزوال، وعدمِ كراهةٍ بعده، وأنَّ أَمْرَ الإِبراد لأجلِ الشفقة فقط. فإِنْ قلتَ: إذا كان في الصَّلاةِ عند التَّسجيرِ تعريضٌ لها بَرَدّها لكونِه مِنْ آثارِ غضبهِ تعالى، فكيفَ بصلاتِهِ ﷺ عند رؤيةِ آثارِ الغضب، فإِنَّه كُلَّما كان يَرى مَهْيَعة بادرَ إلى الصَّلاةِ، وهذا يدلُّ على أَنَّ السنةَ عند غضبه تعالى، هو الالتجاءُ بالصَّلاة.
قلت: فهذه حالات قد تكون بالصَّلاةِ عند السُّخْطِ تعريض لها بالرَّد، وقد تكونُ بفعلها التجاء إليه، وهكذا هو في الدنيا، قد تكونُ عاقبةُ العبدِ بالانسلالِ عن مواجَهةِ مولاه، وقد تكونُ بالخدمةِ له والتملقِ إيَّاه، فقسم النبي ﷺ ههنا أيضًا على الحالات، فما كان من آثار غضبهِ كل يومٍ رأَى الملجأ منه بعَدَمِ المواجهةِ في ذلك الوقت، والتنكبِ إلى جانب، وما كان نادرًا لم يَرَ منه ملجأً إلا إليه، فهذه حالاتٌ تَشْهَدُ بها الفِطرَة السليمة.
ثمَّ اعلم أنَّ حديثَ الإِبرادِ حَمَله الإِمام الشافعي رحمه الله تعالى على معنىً آخر، نقله الترمذي ما نصه: وقال الشافعي رحمه الله تعالى: إنَّما الإِبرادُ بِصلاةِ الظهرِ، إذا كان مسجدًا ينتابه أهله من البعد، فأما المصلي وحده، والذي يُصَلِّي في مسجد قومِه، فالذي أُحِبُّ له أَنْ لا يُؤخِّر الصَّلاة في شدة الحرِّ. انتهى.
ولم يرض الترمذي بهذا التأويل مع كونِه شافعيًا، ولم يصرِّح بخلافِه مع إمامه في موضع من كتابه إلا هذا، فقال: قال أبو عيسى: ومعنى من ذهب إلى تأخير الظهر - وهم الحنفية ﵃ في شدَّةِ الحرِّ هو أولى وأشبه بالاتباع. وأمَّا ما ذهب إليه الشافعي رحمه الله تعالى أَنَّ الرخصةَ لمن ينتابُ مِنَ البُعدِ وللمشقة على الناس فإِنَّ في حديث أبي ذرٍ ما يَدلُّ على خلافِ ما قال الشافعي رحمه الله تعالى - قال أبو ذر ﵁: كنَّا مع النبي ﷺ في سفرٍ فأَذَّنَ بلال ﵁ بصلاةِ الظُّهر فقال النبي ﷺ «يا بلال أَبْرِد ثُمَّ أبرد». فلو كان الأمرُ على ما ذهبَ إليه الشافعي رحمه الله تعالى، لم يكن للإِبرادُ في ذلك الوقت معنىً، لاجتماعهم في السفرِ، وكانوا لا يحتاجون أنْ ينتابوا من البُعد. انتهى.
وقال الطحاوي: إنَّ تعجيلَ الظهرِ قد كان يُفعَل ثُمَّ نُسِخَ، وأَخْرجَ عن المُغِيرَةِ بن شُعْبَة قال صلَّى بنا رسولُ الله ﷺ صلاةَ الظُّهرِ بالهَجِير، ثمَّ قال: «إِنَّ شدَّة الحرِّ من فَيحِ جهنَّم، فأبردوا
стр. 598
بالصَّلاةِ» فأخبر المُغِيرَة في حديثه هذا، أَنَّ أَمْرَ رسولِ الله ﷺ بالإِبرادِ بالظُّهر بعد أَنْ كان يُصلِّيها في الحرِّ. وفي «التلخيص الحبير» أنَّ الترمذي سأل البخاري عن حديث المُغِيرة فصححه، فَعُلِم أَنَّ الإِبرادَ هو الآخر فالآخر مِنْ فِعْلِ رسولِ الله ﷺ وما احتجوا به مِنْ أحاديث التعجيل، إمَّا منسوخٌ أو محمولٌ على الشتاء، لِمَا روى أنسُ بنُ مالكٍ قال: كان رسولُ الله ﷺ إذا اشتدَّ البردُ بكَّر بالصَّلاةِ، وإذا اشتدَّ الحرُّ أبردَ بالصلاةِ ومثلُه عن أبي مَسْعُود.
قال الطحاوي: وهكذا السنَّة عندنا في صلاةِ الظُّهر على ما يذكُرُهُ ابنُ مسعود، وأنس ﵁ من صلاةِ رسول الله ﷺ وأَخْرَجَ أبو داود عن الأسودِ أَنَّ عبدَ الله بنَ مسعود قال: كانت قَدْر صلاةِ رسولِ الله ﷺ في الصيفِ ثلاثة أَقْدَام إلى خمسة أقدام وفي الشتاء خمسة أقدام إلى سبعة أقدام. انتهى.
وأوَّلَه الخَطَّابي فحمله على اختلاف الفُصولِ (١)، فقال: وأمَّا الظِّل في الشتاء، فإِنَّهم يذكرون أَنَّه في تشرين الأول (٢)، خمسة أقدام وشيء، وفي كانون سبعة أقدام أو سبعة أقدام وشيء؛ فمعنى قول ابن مسعود ﵁ عنده: أَنَّ قَدْرَ صلاتِه ﷺ في الشتاء خمسةُ أقدام إلى سبعةِ أقدام، يعني به خمسة أَقْدَام في تشرين الأول وسبعة أقدام في كانون. وهو عندي محمول على التَّارَات والأحيان دون الفُصول، فتارةً صلاها على الخمسة، وتارةً على السبعةِ ولو في فَصْل. والله تعالى أعلم.
١٠ - باب الإِبْرَادِ (٣) بِالظُّهْرِ فِى السَّفَرِ
٥٣٩ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِى إِيَاسٍ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ حَدَّثَنَا مُهَاجِرٌ أَبُو الْحَسَنِ مَوْلًى لِبَنِى تَيْمِ اللَّهِ قَالَ سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ عَنْ أَبِى ذَرٍّ الْغِفَارِىِّ قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِىِّ ﷺ فِى سَفَرٍ، فَأَرَادَ الْمُؤَذِّنُ أَنْ يُؤَذِّنَ لِلظُّهْرِ فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ «أَبْرِدْ». ثُمَّ أَرَادَ أَنْ
стр. 599
يُؤَذِّنَ فَقَالَ لَهُ «أَبْرِدْ». حَتَّى رَأَيْنَا فَىْءَ التُّلُولِ، فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ «إِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ». وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿يَتَفَيَّأُ﴾ [النحل: ٤٨]: تَتَمَيَّلُ. أطرافه ٥٣٥، ٦٢٩، ٣٢٥٨ - تحفة ١١٩١٤ - ١٤٣/ ١
٥٣٩ - قوله: (حتى رأينا فَيْءَ التُّلُولِ) وعند البخاري في الأذان حتى ساوى الظلُّ التُّلُول، وهذا يدلُّ على أَنَّ وَقْتَ الظُّهر يَبْقَى إلى المِثلين لأنَّ التُّلُول في الغالبِ تكونُ منبطحة ولا تكون شاخِصَة فلا يَظْهرُ لها ظِلٌّ إلا بعد غاية التأخيرِ، فالمساواةُ لا تكونُ إلا بالمِثلين. وأقرَّ النَّووي بأَنَّه دالٌّ على التأخير الشديد، وأجابوا عنه بأَنَّه محمولٌ على الجمعِ في السفر (١).
قلتُ: وهذا غيرُ نافذ، لأنَّ الجمعَ الوقتي لم يثبت عندنا أصلا، فهو مِنْ بابِ البِنَاءِ على ما ليس بثابتٍ، ثُمَّ إنَّه ليس بحجة للحنفية أيضًا، لأنَّ الراوي لم يَرْوِ بالمساواة حقيقتها، وتحديدِ الوقت بها، وتعليمِ مسألة المِثل والمِثلين منها، بل هو بصددِ بيان شِدَّةِ تأخيرهِ في ذلك اليوم، فبالغ فيه وعبره بالمساواة والتعبيرات اللاتي تَخْرج في سِياق المبالغةِ، لا تكون مدارًا للمسألة عندي، كالأوصافِ التي أُجريت مَجْرَى المدْحِ أو الذمِّ، ومِنْ هذا الباب ما وقعَ في أشعارِ بعضِ العلماءِ من نحو تعميم في علم النبي ﷺ فتمسكَ به بعضُ من لا عِلْمَ له على كونِ النَّبي ﷺ عالمًا للغيب كُلاًّ وجزءًا، ولم يَقْدِرُوا أَنْ يُفَرِّقوا بين بابِ العقيدة، وبابِ المدح، فإِنَّ المبالغاتِ تُسْتَحْسَن في النوع الثاني دون الأَوَّل، وهكذا بابُ الوعدِ والوعيد، تجيء فيها العبارات مرسلَة عن القُيودِ والشُّرُوط، وهو مُقْتَضى الحالِ فيهما، إلا أَنَّ الجاهلَ يهدِرُ هذه الدَّقائِق فيحملهما على الإِطلاقِ، ثُمَّ يضطرُّ إلى خَرْقِ الإِجماع ومخالَفةِ النُّصوصِ والسُنَّة، فنعوذ بالله مِنَ الجَهْل.
١١ - باب وَقْتِ الظُّهْرِ عِنْدَ الزَّوَالِ
وَقَالَ جَابِرٌ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يُصَلِّى بِالْهَاجِرَةِ.
قوله: (الهَاجِرَة) سمي به لأَنَّ الطُّرُق تُهْجَرُ في هذا الوقتِ.
٥٤٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ أَخْبَرَنِى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ فَصَلَّى الظُّهْرَ، فَقَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَذَكَرَ السَّاعَةَ، فَذَكَرَ أَنَّ فِيهَا أُمُورًا عِظَامًا ثُمَّ قَالَ «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ شَىْءٍ فَلْيَسْأَلْ، فَلَا تَسْأَلُونِى عَنْ شَىْءٍ إِلَاّ أَخْبَرْتُكُمْ مَا دُمْتُ فِى مَقَامِى هَذَا». فَأَكْثَرَ النَّاسُ فِى الْبُكَاءِ، وَأَكْثَرَ أَنْ يَقُولَ «سَلُونِى». فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ السَّهْمِىُّ فَقَالَ مَنْ أَبِى قَالَ