وتفصيلُ المقام أَنَّ الأَسبابَ إمَّا ظاهرة أو معنوية والأُولَى معلومةٌ بالحسِّ والمشاهدةِ لا حاجةَ إلى التنبيه عليها، وإنَّما تدلُّ الشريعة على أسبابٍ معنويةٍ غير مدرَكة بالحسِّ، وهو الذي يليقُ بشأنِها، فدلَّت على أنَّ معدن الخير والسرور كلها هو الجنَّة، ومعدن المهالك والشرور كلها هو جهنَّم، فالخِزَّانة هي في الجنة والنَّار، وهذه الدارُ مركبة من أشياء المعدنين وليست بخِزَانة في نَفْسِها، فالحرارَة وإِنْ كانت في النَّظرِ الحسي مِنْ أَجْلِ الشمس، إلا أنَّها في النظر الغَيْبي كلها من معدنها، فإِذا رأيتهما أينما كان فهي من معدنها.
فإِنْ قُلْتَ إِنَّ الصيفَ والشتاءَ إذا دارا على النفسين، فينبغي ألا يكون شتاءً عند نفسِ الصيف وبالعكس مع أنَّهما يجتمعانِ في زمنٍ واحدٍ باعتبارِ اختلافِ البلاد. قلت: ولعلَّ تَنَفُّسها بحرِّها من جانب وإِرْسَالها إلى الآخر، فإِذا تَنَفَّس مِنْ جانب صارَ شتاءً وإلى جانب صار صيفًا؛ ولعلَّ الحرَّ والبردَ كيفيتان لا تتلاشيان أصلا بل إذا غَلَب الحرُّ دَفَعَ القَرِّ إلى باطنِ الأرض، وإذا غلب القَرُّ دَفَع الحرَّ، إلى باطنها، لا أَنَّ إِحدى الكيفتين تَنعَدِم عند ظُهورِ الأخرى، وهذا كما في الفَلْسَفَة الجديدةِ أَنَّ الحركاتِ كلَّها لا تَفْنَى بل تَنتَقِل إلى الحرارة. والأصوات كلُّها مِنْ بدء العالم إلى يومِنا هذا موجودة عندهم في الجو فالشيء بعد ما وجِدَ تأَبَّد عندَهم. وأَمَّا عند اليونانيين: فلا حَرارةَ عندهم في الأجسامِ الأثيرية ولا بُرودة.
تحقيق لطيف في حديث الإبراد
واعلم أنَّه عُلِّل الإِبراد بفيح جهنَّم فأشعر بكراهةِ الصَّلاة قَبْلَ الإِبرادِ، لأنَّ التسجيرِ مِنْ آثارِ غضبهِ تعالى، ولذا لا تسجر يوم الجمعة. وعند أبي داود مرفوعًا وصحح أبو داود إرسالَه أَنَّ النبي ﷺ كَرِه الصَّلاةَ نصفَ النَّهارِ إلا يوم الجمعة، وقال «إنَّ جهنم تُسْجَر إلا يوم الجمعة». انتهى.
ولذا قال أبو يوسف رحمه الله تعالى إِنَّ النَّوافِل تصح يوم الجمعة عند نصف النَّهار أيضًا. فإِنْ قلتَ: إنَّ التَّسْجِير ينتهي بالزوالِ فلا كراهة بعده. قلتُ: ولكن يَبْقَى الفيح وإِنِ انتهَى التسْجِير، ولذا أُورِد الحديث: بلفظ «الفيح» وهو أيضًا أَثَر مِنَ التَّسْجِير فلا ينبغي المواجهة عند غضبه تعالى، لأنَّه تعرض لصلاته بالرَّد.
والحاصل: أَنَّا إِنْ نَظَرْنَا إلى التعليل فإِنَّه مُشْعِر بكراهَةِ الوقتِ، وإِنْ ذهبنا إلى عدمِ كراهتِه فلا يَرْتَبط به التعليل، لأنَّه ينبغي أَنْ يكون بأمرٍ حسي نحو قوله: فلا تتحملوا مشقةَ الحرِّ، ليكونَ إشارة إلى أَنَّ أمرَ الإِبرادِ للشفقةِ لا لمعنى في الوقت، بخلافِ الإِحالة إلى حهنَّم، فإِنَّه يوجِّهُ الدهنَ إلى كراهةٍ شرعية لا محالةَ، فإِنْ كان الأمرُ بالإِبراد على الشفقة، فلا كراهة في الصَّلاة بعد الزوال، وإنْ كان لمعنى شرعي ففيها ذلك.
والذي يتبين أَنّ ما هو من آثارِ الغضبِ هو التَّسْجِير دون الفيح، ولهذا المعنى نُهِيَ عن الصَّلاة عندما يستقِل الظِّل بالرمحِ، كما يدل عليه ما أخرجه مسلم: ثُمَّ اقْتُصِر عن الصَّلاةِ فإِنَّ حينئذ تَسْجُر جهنَّم، فإِذا قِيل الفيءُ فصلِّ. انتهى.
стр. 597
وفي حديثِ البابِ إحالة على الفيح دون التسجير، ولعلَّ الفيحَ من آثارِ الرحمة، لأنَّه من أَثَرِ تنفسِ جهنَّم، فلو كان الفيحُ من آثارِ الغضبِ، لَزِمَ أَنْ يكونَ موسمُ الصيف كلُّه أثرًا للغضب، فإِنَّ الصيفَ كلَّه من أجل فَيْحِ جهنم، وحينئذٍ لا تكون في الصَّلاةِ بعدَ الزوال كراهة أصلا، وإِنَّما أُمِرنا بالإِبراد شَفَقَة ورحمة. وحاصلُ التعليل: أَنِ اربعوا على أنفسكم فلا تصلوا في شِدَّةِ الحرِ التي تكون من أجل الفيح، فالتعليل بالحقيقة بشدة الحر وهو أمرٌ حسي فيكون مُشْعِرًا بكونِهِ للشفقة كما قررنا.
أما قوله: «مِنْ فيحِ جهنم» فبيان للسبب الغَيْبي للحرَارة، ولا دَخْلَ له في التعليل، ويؤيدهُ أَنَّ النَّبي ﷺ صلى بعد الزَّوالِ وقال: «ويفتح عند ذلك أبوابُ السماءِ فأُحِبُّ أَنْ يَصعَد لي فيه عَمَل» أو كما قال. فدلَّ على انتهاءِ أَثَرِ التسجيرِ بالزوال، وعدمِ كراهةٍ بعده، وأنَّ أَمْرَ الإِبراد لأجلِ الشفقة فقط. فإِنْ قلتَ: إذا كان في الصَّلاةِ عند التَّسجيرِ تعريضٌ لها بَرَدّها لكونِه مِنْ آثارِ غضبهِ تعالى، فكيفَ بصلاتِهِ ﷺ عند رؤيةِ آثارِ الغضب، فإِنَّه كُلَّما كان يَرى مَهْيَعة بادرَ إلى الصَّلاةِ، وهذا يدلُّ على أَنَّ السنةَ عند غضبه تعالى، هو الالتجاءُ بالصَّلاة.
قلت: فهذه حالات قد تكون بالصَّلاةِ عند السُّخْطِ تعريض لها بالرَّد، وقد تكونُ بفعلها التجاء إليه، وهكذا هو في الدنيا، قد تكونُ عاقبةُ العبدِ بالانسلالِ عن مواجَهةِ مولاه، وقد تكونُ بالخدمةِ له والتملقِ إيَّاه، فقسم النبي ﷺ ههنا أيضًا على الحالات، فما كان من آثار غضبهِ كل يومٍ رأَى الملجأ منه بعَدَمِ المواجهةِ في ذلك الوقت، والتنكبِ إلى جانب، وما كان نادرًا لم يَرَ منه ملجأً إلا إليه، فهذه حالاتٌ تَشْهَدُ بها الفِطرَة السليمة.
ثمَّ اعلم أنَّ حديثَ الإِبرادِ حَمَله الإِمام الشافعي رحمه الله تعالى على معنىً آخر، نقله الترمذي ما نصه: وقال الشافعي رحمه الله تعالى: إنَّما الإِبرادُ بِصلاةِ الظهرِ، إذا كان مسجدًا ينتابه أهله من البعد، فأما المصلي وحده، والذي يُصَلِّي في مسجد قومِه، فالذي أُحِبُّ له أَنْ لا يُؤخِّر الصَّلاة في شدة الحرِّ. انتهى.
ولم يرض الترمذي بهذا التأويل مع كونِه شافعيًا، ولم يصرِّح بخلافِه مع إمامه في موضع من كتابه إلا هذا، فقال: قال أبو عيسى: ومعنى من ذهب إلى تأخير الظهر - وهم الحنفية ﵃ في شدَّةِ الحرِّ هو أولى وأشبه بالاتباع. وأمَّا ما ذهب إليه الشافعي رحمه الله تعالى أَنَّ الرخصةَ لمن ينتابُ مِنَ البُعدِ وللمشقة على الناس فإِنَّ في حديث أبي ذرٍ ما يَدلُّ على خلافِ ما قال الشافعي رحمه الله تعالى - قال أبو ذر ﵁: كنَّا مع النبي ﷺ في سفرٍ فأَذَّنَ بلال ﵁ بصلاةِ الظُّهر فقال النبي ﷺ «يا بلال أَبْرِد ثُمَّ أبرد». فلو كان الأمرُ على ما ذهبَ إليه الشافعي رحمه الله تعالى، لم يكن للإِبرادُ في ذلك الوقت معنىً، لاجتماعهم في السفرِ، وكانوا لا يحتاجون أنْ ينتابوا من البُعد. انتهى.
وقال الطحاوي: إنَّ تعجيلَ الظهرِ قد كان يُفعَل ثُمَّ نُسِخَ، وأَخْرجَ عن المُغِيرَةِ بن شُعْبَة قال صلَّى بنا رسولُ الله ﷺ صلاةَ الظُّهرِ بالهَجِير، ثمَّ قال: «إِنَّ شدَّة الحرِّ من فَيحِ جهنَّم، فأبردوا
стр. 598
بالصَّلاةِ» فأخبر المُغِيرَة في حديثه هذا، أَنَّ أَمْرَ رسولِ الله ﷺ بالإِبرادِ بالظُّهر بعد أَنْ كان يُصلِّيها في الحرِّ. وفي «التلخيص الحبير» أنَّ الترمذي سأل البخاري عن حديث المُغِيرة فصححه، فَعُلِم أَنَّ الإِبرادَ هو الآخر فالآخر مِنْ فِعْلِ رسولِ الله ﷺ وما احتجوا به مِنْ أحاديث التعجيل، إمَّا منسوخٌ أو محمولٌ على الشتاء، لِمَا روى أنسُ بنُ مالكٍ قال: كان رسولُ الله ﷺ إذا اشتدَّ البردُ بكَّر بالصَّلاةِ، وإذا اشتدَّ الحرُّ أبردَ بالصلاةِ ومثلُه عن أبي مَسْعُود.
قال الطحاوي: وهكذا السنَّة عندنا في صلاةِ الظُّهر على ما يذكُرُهُ ابنُ مسعود، وأنس ﵁ من صلاةِ رسول الله ﷺ وأَخْرَجَ أبو داود عن الأسودِ أَنَّ عبدَ الله بنَ مسعود قال: كانت قَدْر صلاةِ رسولِ الله ﷺ في الصيفِ ثلاثة أَقْدَام إلى خمسة أقدام وفي الشتاء خمسة أقدام إلى سبعة أقدام. انتهى.
وأوَّلَه الخَطَّابي فحمله على اختلاف الفُصولِ (١)، فقال: وأمَّا الظِّل في الشتاء، فإِنَّهم يذكرون أَنَّه في تشرين الأول (٢)، خمسة أقدام وشيء، وفي كانون سبعة أقدام أو سبعة أقدام وشيء؛ فمعنى قول ابن مسعود ﵁ عنده: أَنَّ قَدْرَ صلاتِه ﷺ في الشتاء خمسةُ أقدام إلى سبعةِ أقدام، يعني به خمسة أَقْدَام في تشرين الأول وسبعة أقدام في كانون. وهو عندي محمول على التَّارَات والأحيان دون الفُصول، فتارةً صلاها على الخمسة، وتارةً على السبعةِ ولو في فَصْل. والله تعالى أعلم.
١٠ - باب الإِبْرَادِ (٣) بِالظُّهْرِ فِى السَّفَرِ
٥٣٩ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِى إِيَاسٍ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ حَدَّثَنَا مُهَاجِرٌ أَبُو الْحَسَنِ مَوْلًى لِبَنِى تَيْمِ اللَّهِ قَالَ سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ عَنْ أَبِى ذَرٍّ الْغِفَارِىِّ قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِىِّ ﷺ فِى سَفَرٍ، فَأَرَادَ الْمُؤَذِّنُ أَنْ يُؤَذِّنَ لِلظُّهْرِ فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ «أَبْرِدْ». ثُمَّ أَرَادَ أَنْ
стр. 599
يُؤَذِّنَ فَقَالَ لَهُ «أَبْرِدْ». حَتَّى رَأَيْنَا فَىْءَ التُّلُولِ، فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ «إِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ». وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿يَتَفَيَّأُ﴾ [النحل: ٤٨]: تَتَمَيَّلُ. أطرافه ٥٣٥، ٦٢٩، ٣٢٥٨ - تحفة ١١٩١٤ - ١٤٣/ ١
٥٣٩ - قوله: (حتى رأينا فَيْءَ التُّلُولِ) وعند البخاري في الأذان حتى ساوى الظلُّ التُّلُول، وهذا يدلُّ على أَنَّ وَقْتَ الظُّهر يَبْقَى إلى المِثلين لأنَّ التُّلُول في الغالبِ تكونُ منبطحة ولا تكون شاخِصَة فلا يَظْهرُ لها ظِلٌّ إلا بعد غاية التأخيرِ، فالمساواةُ لا تكونُ إلا بالمِثلين. وأقرَّ النَّووي بأَنَّه دالٌّ على التأخير الشديد، وأجابوا عنه بأَنَّه محمولٌ على الجمعِ في السفر (١).
قلتُ: وهذا غيرُ نافذ، لأنَّ الجمعَ الوقتي لم يثبت عندنا أصلا، فهو مِنْ بابِ البِنَاءِ على ما ليس بثابتٍ، ثُمَّ إنَّه ليس بحجة للحنفية أيضًا، لأنَّ الراوي لم يَرْوِ بالمساواة حقيقتها، وتحديدِ الوقت بها، وتعليمِ مسألة المِثل والمِثلين منها، بل هو بصددِ بيان شِدَّةِ تأخيرهِ في ذلك اليوم، فبالغ فيه وعبره بالمساواة والتعبيرات اللاتي تَخْرج في سِياق المبالغةِ، لا تكون مدارًا للمسألة عندي، كالأوصافِ التي أُجريت مَجْرَى المدْحِ أو الذمِّ، ومِنْ هذا الباب ما وقعَ في أشعارِ بعضِ العلماءِ من نحو تعميم في علم النبي ﷺ فتمسكَ به بعضُ من لا عِلْمَ له على كونِ النَّبي ﷺ عالمًا للغيب كُلاًّ وجزءًا، ولم يَقْدِرُوا أَنْ يُفَرِّقوا بين بابِ العقيدة، وبابِ المدح، فإِنَّ المبالغاتِ تُسْتَحْسَن في النوع الثاني دون الأَوَّل، وهكذا بابُ الوعدِ والوعيد، تجيء فيها العبارات مرسلَة عن القُيودِ والشُّرُوط، وهو مُقْتَضى الحالِ فيهما، إلا أَنَّ الجاهلَ يهدِرُ هذه الدَّقائِق فيحملهما على الإِطلاقِ، ثُمَّ يضطرُّ إلى خَرْقِ الإِجماع ومخالَفةِ النُّصوصِ والسُنَّة، فنعوذ بالله مِنَ الجَهْل.
١١ - باب وَقْتِ الظُّهْرِ عِنْدَ الزَّوَالِ
وَقَالَ جَابِرٌ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يُصَلِّى بِالْهَاجِرَةِ.
قوله: (الهَاجِرَة) سمي به لأَنَّ الطُّرُق تُهْجَرُ في هذا الوقتِ.
٥٤٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ أَخْبَرَنِى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ فَصَلَّى الظُّهْرَ، فَقَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَذَكَرَ السَّاعَةَ، فَذَكَرَ أَنَّ فِيهَا أُمُورًا عِظَامًا ثُمَّ قَالَ «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ شَىْءٍ فَلْيَسْأَلْ، فَلَا تَسْأَلُونِى عَنْ شَىْءٍ إِلَاّ أَخْبَرْتُكُمْ مَا دُمْتُ فِى مَقَامِى هَذَا». فَأَكْثَرَ النَّاسُ فِى الْبُكَاءِ، وَأَكْثَرَ أَنْ يَقُولَ «سَلُونِى». فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ السَّهْمِىُّ فَقَالَ مَنْ أَبِى قَالَ
وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ، وَنَسِيتُ مَا قَالَ فِى الْمَغْرِبِ، وَلَا يُبَالِى بِتَأْخِيرِ الْعِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ. ثُمَّ قَالَ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ. وَقَالَ مُعَاذٌ قَالَ شُعْبَةُ ثُمَّ لَقِيتُهُ مَرَّةً فَقَالَ أَوْ ثُلُثِ اللَّيْلِ. أطرافه ٥٤٧، ٥٦٨، ٥٩٩، ٧٧١ - تحفة ١١٦٠٥
٥٤١ - قوله: (وأَحَدُنَا يَعْرِفُ جَلِيسَه) وعند أبي داود في باب وَقْتِ صلاة النَّبي ﷺ وكان يُصلِّي الصُّبح وما يَعْرِفُ أحدُنا جَلِيسَه الذي كان يَعْرفُه وكان يَقْرأ فيها الستين إلى المائة. فليحرره فإِنَّ بينهما تضادًا صراحةً، وليس هذا سهوًا من الكاتب، فإِن كان فَمِنَ الراوي، والظاهر أَنَّ الصَّواب ما عند البخاري، لأنَّ هذا الحديث أَخْرَجَهُ مسلم أيضًا بذلك السند، وفيه: «فيصرف الرجلُ الرجلَ فينظُر إلى وجهِ جليسهِ الذي يَعْرِفه فيعرفه» - فهذه القصة بهذا الإِسناد مروية عند الشيخين، وأبي داود، وليس اللفظُ المذكورُ إلا عند أبي داود فهو إمَّا وَهْمٌ مِنْ أحدِ رواته وهو الظاهر، أو من النَّاسخ.
قوله: (وأحدُنا يَذْهَبُ إلى أَقْصَى المدينةِ رَجَعَ والشمسُ حية) والمتبادر من لفظِ الرُّجوعِ أَنَّه المرادُ من المسافة إيابًا وذهابًا، فيدلُّ على شدِّةِ التعجيلِ، والصوابُ أَنَّهما مسافة من جانبٍ فقط، كما تدل عليهِ الرِّواية الآتية في الباب الآتي، وفيها: «فيأتيهم والشمس مرتفعة». وتأويلُ الرجوع (١) أَنَّه رجوع إلى أَهلِهِ في أَقْصَى المدينةِ لا إلى المدينةِ كما هو بَعْدَ عدةِ أحاديثَ مصرحًا في حديث سَيَّار: ثم يرجع أحدنا إلى رحله في أَقْصَى المدينة والشمس حية. فتحقَّقَ أَنَّ تلكَ المسافة من جانبٍ واحد فقط، لا كما كان يُتوهم مِنَ اللفظ الأول.
وقال الطحاوي إنَّه يَدُلُّ على التأخير مكان التعجيل، فإِنَّ الرَّاوي لم يستطع بيان تأخيره إلا بأْنَّ الحياةَ كانت باقية في الشمس، ولم تكُن ماتت بالكُلِّية، فهذا سِياق في التأخيرِ لا في التعجيلِ كما فهموه. على أَنَّ الخِلافَ فيه خلافُ الأفضليةِ كما في الظُّهْرِ في تعجيلها وتأخيرها، وكما في التَّغْلِيس. فذهب الإِمامُ الشافعي رحمه الله تعالى إلى التَّعْجِيل في الكُلِّ «غير العشاء، مشيًا على العمومات والإِطلاقات، كقوله ﷺ في جوابِ سائلٍ أَيُّ الأعمال أفضل: قال: الصَّلاةُ لأَوَّل وقْتِها». وأَخَذَ الحنفيةُ بخصوص سُنَّةِ رسول الله ﷺ رويت في صلواته فقسموها على تلك الأوقات، وهو صَنيعُنا وصنيعهم في مسألة الفاتحة، فإِنَّهم تمسَّكُوا بعمومِ قوله ﷺ «لا صلاةَ إلا بفاتحةِ الكتابِ». ونحن نَزَلنا إلى الخصوصِ، فتمسكنا بقوله: «إذا قرأ فأنصتوا» وأنت تعلم أَنَّ التَّمسكَ بالخصوص أَوْلَى وأقوى، وهو الأوجه فإِنَّ النُّزول من العمومات إلى الخصوص هو السبيلُ الأقوم.
٥٤٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ - يَعْنِى ابْنَ مُقَاتِلٍ - قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَنِى غَالِبٌ الْقَطَّانُ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِىِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ
стр. 602
قَالَ كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالظَّهَائِرِ فَسَجَدْنَا عَلَى ثِيَابِنَا اتِّقَاءَ الْحَرِّ. طرفاه ٣٨٥، ١٢٠٨ - تحفة ٢٥٠
٥٤٢ - قوله: (فسجدْنَا على ثيَابِنَا) وهذا يُفيدنا في مسألة جواز السُّجود على الثياب مطلقًا، وعلى الشافعية رحمهم الله تعالى أَنْ يحملوه على الثِيَابِ المنفصِلَةِ دون الملبوسة.
١٢ - باب تَأْخِيرِ الظُّهْرِ إِلَى الْعَصْرِ
٥٤٣ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - هُوَ ابْنُ زَيْدٍ - عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ صَلَّى بِالْمَدِينَةِ سَبْعًا وَثَمَانِيًا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ. فَقَالَ أَيُّوبُ لَعَلَّهُ فِى لَيْلَةٍ مَطِيرَةٍ. قَالَ عَسَى. طرفاه ٥٦٢، ١١٧٤ - تحفة ٥٣٧٧ - ١٤٤/ ١
قد مَرَّ أَنَّ أمثالَ هذه الألفاظ تُشْعِرُ بأَنَّه اختار في الجمع مسلك الحنفية، ولذا عُبَّر بتأخير واحد إلى الآخر مع أَنَّ أبا داود قد صَرَّح أَنَّه لم يَثْبُت حديث في جمع التقديم ومع هذا ذَهَبَ إليه بعضٌ من الأئمة.
٥٤٣ - قوله: (صلَّى بالمدينة) وهذا الحديثُ صريحٌ فيما رامه الحنفية من الجَمْع فعلا، فإِنَّه ﷺ جَمَعَ في المدينةِ، ولم يكن سفر ولا مطر، فلا بُدَّ أَنْ يكون الجمعُ فعلا فقط. وعند مسلم قال سعيد: فَقُلْتُ لابنِ عباس ما حمله على ذلك؟ قال: أَرَادَ أَلا يُحْرِجَ أُمَّتَهُ. وأَصْرَح منه ما عندَهُ عن أبي الشَّعْثَاء. وهو جابرُ بنُ زيدٍ تلميذ ابن عباس راوي الحديث. قلت: يا أبا الشَّعْثَاء أَظُنُّه أخَّر الظهر، وعَجَّل العصر، وأَخَّر المغرب والعشاء، قال: وأَنَا أظنُّ ذلك، فلم يكن الجمع وقتًا.
ثمَّ هو مصرح عند النَّسائي عن ابن عباس ﵄ نفسه قال: صَلَّيتُ مع النبي ﷺ بالمدينة ثمانيًا جميعًا، وسبعًا جميعًا، أَخَّر الظهر وعجَّل العصر، وأَخَّرَ المغرب وعَجَّل العشاء. انتهى (١).
وحينئذٍ لا يحتاج إلى القولِ بالنَّسْخ، كما اختارَهُ جماعة في تأويلهِ، وحَمَلَهُ النَّووي على المَرَضِ وقوَّاه.
قلتُ: والعَجَبُ منه كيف حَمَلَهُ على المَرَضِ فإِنْ كان النبي ﷺ جَمَعَ بينهما لأَجْلِ المرض، فهل كان القومُ جملتهم مَرْضَى فجمعوا بينهما؟، على أَنَّ الغَرَض مِنْ عدمِ الخوفِ والسَّفرِ ليس انتفاء هذين فقط، بل المقصودُ انتفاء الأعذارِ مطلقًا، ولذا وَرَدَ في بعض ألفاظِهِ ولا مَطَر؛ ولو سلَّمْنَاه فما معنى قوله: أَرَاد أَلا يُحْرِجَ أمته؟ فإِنَّ الواجبَ عليه أَنْ يقول: إِنَّما جُعِل
стр. 603
لأجلِ المرض، وأَقَرَّ الحافظُ رحمه الله تعالى أَنَّ الجَمْعَ فيه على نظر الحنفية، وفي كتاب الصلاة للحافظِ شمس الدين السَّخاوي: أَنَّ وفدًا جاء إلى النبي ﷺ فَجَمَعَ بين الصَّلاتين لأجلهم في المدينة، وهذا صَرِيحٌ في أَنَّ الجَمْعَ لا للمرض كما أَوَّل به النَّووي.
قوله: (فقال أيوب: ولعلَّهُ في ليلةٍ مَطِيرَةٍ) ولعلَّ هذا الاحتمال من راوٍ تحته، وإلا فقد عَلِمْتَ مِنْ مسلم أَنَّ ما فَهِمَهُ تلميذ ابن عباس ﵄ هو الجَمْعُ الصُّوري، كما ذهب إليه الحنفية، فلا بُدَّ أَنْ يكونَ ما في البخاري احتمالا مِنْ راوٍ آخر في ابتداءِ السند.
١٣ - باب وَقْتِ الْعَصْرِ
وقال أبو أسامة عن هشام: من قعر حجرتها.
٥٤٤ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّى الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ لَمْ تَخْرُجْ مِنْ حُجْرَتِهَا. وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ مِنْ قَعْرِ حُجْرَتِهَا. أطرافه ٥٢٢، ٥٤٥، ٥٤٦، ٣١٠٣ - تحفة ١٦٧٦٥، ١٦٨٣٣ أ
ولقد عَلِمْتَ الخِلافَ فيه، أَمَّا الخلافُ في الاستحباب فَذَهَب الحنفيةُ إلى استحباب التأخيرِ، وهو ظاهرُ القرآن، واستدلّ به العيني، وأَظُنُّ أَنَّ أصله من الحافظ قُطْبِ الدين الحلبي أو من الحافظ علاء الدين الحنفي شيخ شيخ الحافظ رحمه الله تعالى (١).
قال تعالى: ﴿وسَبِّح بحمدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشمسِ وقَبْلَ الغُروب﴾ [ق: ٣٩] فجعل الفَجرَ قَبْلَ الطُّلوع، والعصر قَبْلَ الغُروب، ومعلومٌ أَنَّهم لا يمادون في العْرْفِ بطلُوعِ الشَّمس وغُرُوبِها، إلا ما كان أقرب إليه، فإِذا قلت: آتيك قبل الغروب، ثُمَّ أتيته بعد الطُّلوع تعد غَمْرًا وجاهلا، وإنْ كنت صادقًا في قولك فإِنَّك إذا جئت بعد الطُّلوعِ، فقد جئت قَبْلَ الغروب لا مَحَالة، وما ذلك إلا لأنَّ هذا التعبيرَ عندَهُم للإِتيان قُبَيل الغروبِ، فلا يَنتظرونَكَ إلا في هذا الوقت، فلو كان العصرُ بعد المِثْلِ الأوَّل لم يلطف قوله: «قبل الغروب» كما لَطَف إذا صليتها قُبيل الاصفرار والشمس حية، فكأنَّه لم يَبْقَ بعدَها إلا الغروب (٢). ويؤيدُه النَّظَر الفقهي أيضًا، لأنَّ الشريعةَ قد نَهَتْ عن التَّطوعِ بعد هاتينِ الصَّلاتَين فلا صلاةَ بَعْدَ الفَجْرِ حتى تَطْلُع، ولا صلاةَ بعد المغرب حتى تَغْرُب الشمس، ففي تأخيرهما توسيع في التطوعاتِ، وفي التَّعجِيل تضييق لها.
وأَخْرَج الطَّحاوي عن أبي قِلابة أَنَّها سُمِّيت العصر، لأنَّ سبيلها أَنْ تَعْصِر. فَدَلَّ على التأخير وعلى أَنَّ الأوقات متروكة على العُرف عندهم، ولا تحديد فيها فوقه. وعن عُمر كَتَبَ إِلى عُمَّالِه: «صلُّوا العصرَ والشمس مرتفعة بيضاء نَقِية قَدْرَ ما يسيرُ الراكب فرسخين أو ثلاثةً».
стр. 604
وعن أَبي هريرة أَنَّه لم يُصَلِّ العصرَ حتى رأينا الشمسَ على رَأْسِ أَطْوَل جبلِ المدينة، وهو الوقت الذي ذهب إليه الحنفية (١).
٥٤٤ - قوله: (والشمسُ لم تَخْرُج من حُجْرَتِها) قال الطحاوي: إنَّ الشَّمسَ لم تكن تَخْرج من حُجْرتِها إلا بقرب غروبِها لقصر حجرتها، فلا دَلالة فيه على التعجيل.
وَرَدَّ عليه الحافظُ ﵀: بأَنَّه قد عُرِفَ بطريق الاستفاضة، أَنَّ حُجُرَهنَّ لم تكُن مُتَّسِعَة، ولا يكون ضوءُ الشمسِ باقيًا في قَعْرِ الحُجْرة الصغيرةِ إلا والشمس مرتفِعَة، وإلا متى مالت جدًا ارْتَفَع ضوؤها عن قَاعِ الحُجْرَةِ ولو كانت الجُدر قَصِيرة.
وَرَدَّ عليه الحافظُ العيني وقال: لا فَرْقَ بين الحُجْرة الضيقة العَرْصة ومتسعتها بعدما كانت جدرانُها قصيرة أَنَّ الشمس لا تَحْتَجِب عنها إلا عند الغروب، وهذا الفَرْقُ إنَّما يمكِنُ عند ارتفاعِ الجُدْرَان (٢).
ثُمَّ إِنَّ سِيَاقَ حديث أنس ﵁ عند الترمذي - لا دِلالة فيه على التعجيلِ فوقَ ما أَرَدْنَاهُ ووفِقَ ما أَرَادُوه، لأنَّه كان ابتُلي بزمن الحجاج، وكان الحجاج يميتُ الصَّلوات، ويُؤَخِّر صلاةَ الظُّهر إلى وقت العصر، حتى إنَّ الصَّحابة كانوا يُصلُّون العصر إيماءً كما ذكره العيني ﵀. وإِمَّا أنس ﵁ فلم يَكُنْ يَدْخُل في صلاته، فإِذا جاءه أَحَدٌ ممن كان صلَّى معه في آخرِ وَقْتِ الظُّهر، رآه يتهيأ للعصر فكان تعجيله لأَمانته وإلا فقد يرويه هو عند النَّسائي، قال: كان رسولُ الله ﷺ يُصلِّي بنا العصر والشمسُ بيضاء محلقة. فَفَكِّرْ في لفظ التحليق، هل يفيدُ التأخير الذي أَرَدْنَاه أو التعجيل الذي أَرَادُوه؟.
٥٤٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ
الْعَوَالِى فَيَأْتِيهِمْ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ، وَبَعْضُ الْعَوَالِى مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ أَوْ نَحْوِهِ. أطرافه ٥٤٨، ٥٥١، ٧٣٢٩ - تحفة ١٤٩٥
٥٥١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كُنَّا نُصَلِّى الْعَصْرَ ثُمَّ يَذْهَبُ الذَّاهِبُ مِنَّا إِلَى قُبَاءٍ، فَيَأْتِيهِمْ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ. أطرافه ٥٤٨، ٥٥٠، ٧٣٢٩ - تحفة ١٥٣١
٥٥٠ - قوله: (فيذهَبُ الذَّاهِبُ) ... الخ. ولا بَأْسَ أَنْ تكونَ الصَّلاة ههنا بِتَعْجِيلٍ يسير، وهناك بتأخيرٍ كذلك، والفاصلة بقَدْرِ ميل.
قوله: (العَوَالي) تسمى العُمْرانات التي في شرق المدينة بالعَوَالي، والتي في جانب غربها بالسَّوَافِل.
وحاصل الحديث: أنهم كانوا يُصلُّون العصرَ في المسجد النبوي، ثُمَّ ينتشرون إلى القرى في عوالي المدينة، فَيَأْتُونَها والشمسُ مرتفعة، وهذا لا يدلُّ على تأخيرٍ فوق ما أراده الحنفية، فإِنَّه مما يَتَيسر على طريقنا أيضًا.
١٥ - باب إِثْمِ مَنْ فَاتَتْهُ الْعَصْرُ
٥٥٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «الَّذِى تَفُوتُهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ كَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ». تحفة ٨٣٤٥
قال أبو عبد الله: ﴿يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥]، وترت الرجل: إذا قتلت له قتيلًا، أو أخذت له مالًا.
واختلفوا في تفسير الفوات، فقيل: فوات الجماعة، وقيل: دخولُها في الاصفرار كما فَسَّر به الأَوْزَاعي (١) عند أبي داود قال: وذلك أَنْ تَرَى ما على الأرضِ مِنَ الشمسِ صفراء، وقيل: الغروب. ومَنْ فَسَّرَهُ بفواتِ الجماعة، فنظره أنَّ الصَّلاةَ بدون الجماعة كأنَّها لا يُعبأُ بها عند الشرع، فإِذا فاتته الجماعة وكأنَّما فاتته العصر.
والوجه عندي أنَّ الأحاديث لمَّا وردت بالوعيد على كلَ مِنْ هذه الأوصاف، جعلوها تفسيرًا للفواتِ مع أَنَّ كله مستقل برأسه، ومضمون على حياله، لا أنَّها تفسير له. وما تحقق عندي أَنَّ الفواتَ يبدأ مِن الاصفرار وينتهي بالغروب، فإِذا غَرَبَت الشمسُ، فقد فاتَت بجميع مراتبها، فهذا الفَوات هو الكامل.
стр. 607
٥٥٢ - قوله: (وُتِرَ أهلَهُ (١) ومالَهُ) والموتور: هو الذي قُتل له قَتيلٌ فلم يُدْرِك بقصَاصِه ولا دِيَتِهِ. ثُمَّ قيل: ما وجه تخصيص الوتر بالعصر؟.
وأجيب: بأنَّه لا اختصاصَ به، والحديثُ قد وَرَدَ في كلها في مواضعها، ويمكِنُ أَنْ يكونَ خَرَجَ على جوابِ سائلٍ، فلا يَدلُّ على التخصيصِ. قال شارحُ الجامعِ الصغير للسيوطي (٢): إِنَّ الجماعةَ آكد في الفجر والعشاء، لكونِهما أَثْقَلُ الصَّلواتِ على المنافقين، وإِن العصر أفضلُها، وحينئذٍ يَظْهَرُ وجه التخصيص، ولابِدْعَ في تفاوت مراتب الفرض مع تساويها في وَصْفِ الفَرْضِيَّة كالجمعة، فإِنَّها آكد الفرائض كما صَرَّح به ابنُ الهُمام في «الفتح» وقد مرَّ.
قلتُ: وأصابَ هذا القائل إلا أنَّه متأخر، ومثل هذا الدعوى ينبغي أَنْ ينقل من المتقدمين. ثُمَّ لا أَدْرِي أَنَّ الوعيد في فواتِ العصر لكونها أَفْضَل الصلوات كما قال هذا القائل، أو لكونِ وقْتِها مشتملا على الوقت المكروه؟ وأمَّا البخاري فلم يَحْكُم بكونها أفضل الصَّلوات وبوب بفضلها فقط، فقال: باب فضل صلاة العصر.
١٦ - باب مَنْ تَرَكَ الْعَصْرَ
٥٥٣ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِى كَثِيرٍ عَنْ أَبِى قِلَابَةَ عَنْ أَبِى الْمَلِيحِ قَالَ كُنَّا مَعَ بُرَيْدَةَ فِى غَزْوَةٍ فِى يَوْمٍ ذِى غَيْمٍ فَقَالَ بَكِّرُوا بِصَلَاةِ الْعَصْرِ فَإِنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ «مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ». طرفه ٥٩٤ - تحفة ٢٠١٣
فَرْقٌ بين الفوات والترك: فالفوات ما لم يَكُن عن عَمْدٍ، والترك ما كان عمدًا، ولذا عُوقِبَ به بحَبْط العمل، فالحَبْط مِنْ المصائبِ التي جاءت على عمله، والوترُ من وارادات الخارج.
стр. 608
وفي الحديث أَنَّ الأولين قصروا في صلاة العصر، وعن عليّ ﵁ أَنَّ المرادَ منه سليمان ﵊.
قلتُ: وإذا ثَبَتَ عند مُسْلِم: «أَنَّها صلاةٌ كانت عُرضت على بني إسرائيل، فقصَّروا فيها، فإِن أتممتم فلكُم الأجرُ مرتين» - بالمعنى - فأيُّ حاجة إلى حَمْلِه على نبي من الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام فالأَوْلَى أَنْ يراد به مطلق الأمم، وقد فاتت عن النبي ﷺ أيضًا في غزوة الخندق. وحمله الحنفية على عذر المسايفة. الشافعية ﵏ على عَدَمِ نزولِ صلاة الخوف. والمالكية على عدم الوضوء. والله تعالى أعلم.
١٧ - باب فَضْلِ صَلَاةِ الْعَصْرِ
٥٥٤ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِىُّ قَالَ حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ قَيْسٍ عَنْ جَرِيرٍ قَالَ كُنَّا عِنْدَ النَّبِىِّ ﷺ فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةً - يَعْنِى الْبَدْرَ - فَقَالَ «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ لَا تُضَامُّونَ فِى رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا». ثُمَّ قَرَأَ (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ). قَالَ إِسْمَاعِيلُ افْعَلُوا لَا تَفُوتَنَّكُمْ. أطرافه ٥٧٣، ٤٨٥١، ٧٤٣٤، ٧٤٣٥، ٧٤٣٦ - تحفة ٣٢٢٣
٥٥٤ - قوله: (لا تضامُّون) وهو من الضم بمعنى لا تَزْدَحِمون. وفي رواية: من الضَيْم بمعنى الظُّلم أي لا يَحْرُم عن رؤيته أحدٌ أحدًا. وتلك الرؤية إنَّما تكون رؤيته للتجليات عندي دون رؤية عن الذات، كما اختاره الشيخ الأكبر ﵀، وقَسَّمَها إلى رؤية شمسية ورؤية قمرية، ثُمَّ لم يفسرها (١). ثُمَّ إنَّ رواية التجلي هي التي تسمى برؤية الذات؛ ألا تَرَى أَنَّكَ إذا رأيتَ اللَّهَ - جلَّ سبحانه - في منامك تقول: إنك رأيت ذاته مع أنَّك ما رأيت ذاته المباركة، بل نظرت إلى نحو تجلي فقط؟. ولا تنسب إليَّ ما لم أقله. فإِنِّي لا أُنْكِرُ الرؤية، ولكن أريدُ البحث في أَنَّ حقيقةَ الرؤيةِ هي رؤية الذات أَوْ ماذا؟ فالله يَتَجَلَّى لعباده يومَ الحشر على نحو ما تجلَّى لموسى ﵊ فقال: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّا﴾ [الأعراف: ١٤٣] مع أنَّه كان سَأَلَهُ عن رؤية ذاتِه تعالى فتجلَّى له، وذلك لأنَّ رؤية ذاته تعالى لا تكون إلا بالتجلِّي، وفي ضمنِه تنكشف الذات أيضًا على ما تليق بشأنها، وتلك التَّجلِّياتِ لا نهاية لمراتبها، فالله يَعْلَم أنَّه كيف يَتَجَلَّى، ولكن تجلِّيه هو عبارةٌ عن رؤيتِه، وقد مرَّ تقريره في أوائلِ الكتاب شيئًا في شرحِ الحديث الثاني، وهذا على مختارِ الشيخ الأكبر رحمه الله تعالى. وراجع «الفتاوى للشاه عبد العزيز» رحمه الله تعالى؛ فإِنَّه تكلَّم جيدًا في هذا الموضوع.
стр. 609
ثم إنَّه فَرْقٌ بين التجلِّياتِ ونحو الوجه واليد والعين، لأنَّ التَّجلِّيات صُوَرٌ مخلوقة - أُقيمت بين العَبْدِ وربهِ، لتعريفه إياه - وآثارٌ لأفعاله، بخلافِ الوجهِ وغيرِه، فإِنَّها من مبادىء الصفاتِ، وليست منفصلة عنه انفصال التجليات. وإنَّما عبَّر عن تلك المبادىء عن ألفاظٍ مختلفة، لاختلاف أفعالها فيما بعد، فَوَضَعَ لها أَلفاظًا كذلك تنبيهًا على هذا المعنى، وهي في الحقيقة من متعلَّقات الذات لا مغايرة عنها. وسمَّاها البخاري شؤونًا والله تعالى أعلم بحقائق الأمور.
ومن ههنا تبين أَنَّ الاهتمام بها إِنَّما هو لكونِها دخيلا في رؤيتِه تعالى، وعند الدارقطني وقوَّاه أَنَّ النساء تحصل لهن الرؤية في العيدين، ولذا أُمِرْن أن يَحْضُرْنَ العيدين، وهو معنى قولها: «أليست تَشْهَدُ عرفة» تعني به أَنَّ المقصودَ بحضورهنَّ المُصلِّى هو الشهودُ فقط كما في عرفة، وفي (١) الأحاديث أَنَّ بعضهم يَرَى ربه في هذين الوقتين كل يوم (٢).
٥٥٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِى الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِى صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ وَهْوَ أَعْلَمُ بِهِمْ كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِى فَيَقُولُونَ تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ». أطرافه ٣٢٢٣، ٧٤٢٩، ٧٤٨٦ - تحفة ١٣٨٠٩ - ١٤٦/ ١
٥٥٥ - قوله: (يتعاقبون فيكم ملائكةٌ بالليل) ... الخ. وهو على حد قولهم: أكلوني البراغيث. فالواو علامة للجمع، وليست ضميرًا، والعُقْبَة، أي النَّوبة.
واختلف في أَنَّهم الحفظة أو السَّياحون، والطوافون في الأرض، والذين يَطْلُبون مجلس الذكر. فإِنْ قلتَ: وليس فيه ذِكْرُ الطائفة الأخرى، الذين جاءوا في العصر.
قلتُ: وهو موجودٌ مفصلا عند النَّسائي، واختصره الراوي ههنا، وراجع رواية الصحيح لابنِ خزيمةَ، ففيه ذِكْرُ السؤالِ مِنَ الطائفة الأخرى أيضًا، فلا يُقال: إنَّه لِمَ اقتصر فيه على سؤالِ الذين باتوا دون الذين ظلُّوا. وسياقه على ما أخرجه الحافظُ رحمه الله تعالى في «الفتح»:
стр. 610
تجتمع ملائكةُ الليل وملائكة النَّهارِ في صلاة الفجر وصلاة العصر، فيجتمعون في صلاة الفجر، فتصعَدُ ملائكةُ الليل، وتثبتُ ملائكة النَّهار، ويجتمعونَ في صلاةِ العصر، فتصعَدُ ملائكةُ النَّهارِ، وتثبتُ ملائكةُ الليل، فيسألهم ربهم: كيف تركتم عبادي؟ فهذه الرِّواية تَنْفي كثيرًا من الاحتمالاتِ، فهي معتمدةٌ، ويحمل ما نَقَصَ منها على تَقصيرِ بعض الرواة. انتهى مع تغيير.
فإنْ قلتَ: إنَّه ينبغي التعاقب في المغرب مكان العصر، فإِنَّ الطَّرَف الآخر من النَّهارِ، وهو المغرب. قلتُ: وهذه اعتباراتٌ، فعدُّ المغرب ههنا من الليل، والعصر من الطرف الآخر، باعتبارِ أَنَّ النَّهار الشرعي يبتدأُ من طلوع الفجرِ، لا من طلوع الشمس، وينتهي بالعصر لا بالغروبِ، على خلافِ النَّهارِ العُرفي، والصَّلاةُ بعدها مكروهةٌ، فينسد الدفتر فينبغي أَنْ تعتبَر العصرُ آخرًا بهذا الاعتبار أيضًا.
قوله: (تركناهم وهم يصلون (١)) وهل الملائكة يقتدون في الفجر أو لا؟ فلي فيه تردد ففي «الموطأ» لمالك رحمه الله تعالى عن سعيد بن المسيب أنَّه كان يقول: «مَنْ صلَّى بأرضٍ فَلاةٍ صلَّى عن يمينِه مَلَكٌ وعن شمالهِ ملكٌ، فإِنْ أَذَّنَ وأَقَامَ الصَّلاة صلَّى وراءه مِنَ الملائكةِ أمثال الجبال انتهى. فيمكنُ أَنْ يُقال إِنَّ اقتداءهم إذا ثَبَتَ في صلاةٍ ثَبَتَ في جميع الصَّلوات إِلا أَنَّ قولَه تعالى: ﴿إِنَّ قُرْءانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] ليس بصريح في الاقتداء، لأن الشهودَ يمكن أَنْ يكون كما مَرَّ في قولها: «أليست تشهد عرفة» وقوله: «يشهدن دعوة المسلمين». ولذا بَحَثْتُ هناك أَنَّ الشهود يُطْلَق على غير الاقتداء أيضًا، وكذا قوله في الجمعة: «إذا قَعَدَ الإِمامُ على المنبر طووا الصحف وجلسوا يستمعون الذكر». لأنَّه ليس فيه ذِكْر اقتدائهم، فإِنْ كان إطلاقُ الشهودِ على مطلق الحضُور فقولهم: تركناهم وهم يصلون، ظاهر. وإِنْ كان على الاقتداء فلا يَصْدق قولهم إلا باعتبارِ الجنس يعني تركنَاهُم أي الذين ما كنَّا مقتدين بهم دون الذين اقتدينا بهم أو يُحْمَل على المَسْبُوقِ وغيرهم.
قلتُ: ولي ههنا إشكالٌ آخر في عبارة البخاري وهو أَنَّه لِمَ خَصَّصَ الحديث المذكور بترجمةِ فَضْل العصر مَعَ اشتمالِهِ على فَضْل الفجر أيضًا، ثُمَّ إذا بَوَّبَ على فَضْل الفجر لَمْ يُخْرجه هناك، وتلا قوله تعالى: ﴿إِنَّ قُرْءانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ فلعلَّه حَمَلَهُ على فَضْل العصر فقط، لأَنَّ حُضُورَهم في الفجر يُمْكِنُ أَنْ يكون مَحْمُولا على كونِها طرفًا من النَّهار بخلاف العصرِ، فإِنَّ الحضور فيها لِفَضْلِها في نَفْسِها لا لكونها طرفًا من النَّهار، فإِنَّ طرفه في الحس هو المغرب، فلو حضروا من أجل كونِها طرفًا لحضروا في المغرب دون العصر (٢).
стр. 611
فإنْ قلتَ: إذا كان التعاقبُ فيها فما نكتة تخصيص الفَجْرِ في النَّص قلتُ: لِكَونِ القراءة فيها جَهْرِيَّة فكان ذِكْرُ الملائكةِ أهم لدَلالتِه على شِدَّةِ اشتياقهم وشَغَفِهم باستماع القرآن، ولي جزم بأنَّهم يَشْهَدُون صلاةَ الجماعةِ دون المنفرد.
١٨ - باب مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ الْغُرُوبِ
٥٥٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ أَبِى سَلَمَةَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِذَا أَدْرَكَ أَحَدُكُمْ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ، وَإِذَا أَدْرَكَ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ». طرفاه ٥٧٩، ٥٨٠ - تحفة ١٥٣٧٥
قال النَّووي: هذا دليلٌ صريحٌ في أَنَّ مَنْ صلَّى رَكْعَة مِنَ الصُّبح أو العصرِ ثُمَّ خرجَ الوقتُ قَبْلَ سَلامِهِ لا تَبْطُل صلاتُه، بل يُتِمها وهي صحيحة، وهذا مُجْمَعٌ عليه في العصر، وأمَّا في الصُّبح فقال به مالك، والشافعي، وأحمد رحمهم الله تعالى. والعلماء كافة إلا أبا حنيفة رحمه الله تعالى فإِنَّه قال: تَبْطُل صلاة الصبحِ بطُلُوعِ الشمس فيها، لأنَّه دَخَلَ وقتُ النَّهي عن الصَّلاة بخلاف غروب الشمس. والحديثُ حجة عليه. انتهى.
واعلم أنَّ الشمس إنْ طَلَعت أو غَرَبَت في خلال الصَّلاة، فالصَّلاة جائزةٌ عند الثلاثة. وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: تصح عصر اليوم خاصة، أمَّا الفجر فتتحول نفلا عند الشيخين. وهذا معنى ما في المتون من فسادها. وقال محمد رحمه الله تعالى: إِنَّها باطلةٌ أصلا. وفي رواية شاذة عن أبي يوسف رحمه الله تعالى: أنها تصح فريضة وسبيلُها أَنْ يُمسك عنها عند الطُلوعِ مراقبًا للشمس، فإِذا رأى وقت الكراهةِ قد خرج يُتم ما بقي. والحديث يَرِد علينا إلا على تلك الرواية الشاذة.
وأجاب عنه الطحاوي: أَنَّه وَرَدَ في المجانين إذا أفاقوا، والصبيان إذا بَلَغُوا، والنَّصارى إذا أَسْلَمُوا، والحُيَّضِ إذا طَهرن، وقد بقيَ عليهم من وقت الصُّبح مقدار رَكعة أَنَّهم لها مدركون. انتهى.
فمعنى قوله: (أَدْرَك) أي لزمه القضاء دون البناء. والعجب من الحافظِ رحمه الله تعالى حيث رد عليه بما رَدَّ الطحاوي نفسه في كتابه، قال الحافظ رحمه الله تعالى: وللبيهقي من وجه آخر: «مَنْ أَدْرَك رَكعة من الصبحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشمسُ فليصلِّ إليها أخرى». ويُؤْخَذُ من هذا الرد على الطحاوي حيث قال: الإِدراك باحتلام الصبي، وطُهْر الحائض، وإسلامِ الكافر، ونحوها، وأَرادَ بذلك نُصْرَة مذهبه في أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ من الصبح رَكعة تَفْسد صلاتُه لأنَّه لا يكملها إلا في وقْتِ الكراهة.
انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى. مع أَنَّ الطحاوي بعد سَرْدِ جوابه أَورَدَ عليه بعين ما أَوْرَدَ به الحافظ رحمه الله تعالى ما نصه هكذا: فكان من الحجة عليهم - أي الذين أخذوا الإِدراك بمعنى اللزوم دون البناء - لأهلِ المَقَالةِ الأولى - أي الجمهور - ما قد حدثنا عن أبي هريرة عن رسولِ الله ﷺ قال: «مَنْ أَدْرَكَ رَكعةً من صلاة العصرِ قَبْل أَنْ تَغْرُبَ الشمسُ فقد
стр. 612
تمت صلاته؛ وإذا أَدْرَك رَكعةً من صلاة الصبحِ فقد تمت صلاته». ففيما روينا ذِكْرُ البناء بعد طلوعِ الشمس على ما قد دَخَل فيه قَبْل طُلُوعِها انتهى.
فالعجب من الحافظِ رحمه الله تعالى كل العجب أنَّه رَدَّ على الطحاوي ولم يَنْظُر إلى أنَّه رَدَّ عليه بنفسه بعد سطرين. ثُمَّ أقول: إنَّ الطحاوي ليس متفردًا فيه بل في «المدونة»: قال ابن وهب: وبلغني عن أُناس مِنْ أَهْلِ العلم أَنَّهم كانوا يقولون: إنَّما ذلك للحائِض تطهر عند غروب الشمس، أو بعد الصبح، أو النائم، أو المريض يفيق عند ذلك. على أَنَّه يمكِنُ تمشية جوابهِ على مسائِلنا أيضًا. ففي كُتبِ الأصول أَنَّ فخر الإِسلام رحمه الله تعالى والسَرَخْسي رحمهما الله تعالى اختلفا فيمن صار أهلا للصَّلاة في هذه الأوقات أَنَّه يُصلِّيها فيها أو يُمسك في الوقت المكروه. ثُمَّ يقضي بعدها؟ فقال واحد منهما أنَّه يصليها كذلك وصرَّح في «التحرير»، أنَّه ليست فيه رواية عن صاحب المذهب، فينفذ جواب الطحاوي على هذا القولِ بدون تمحل.
أقول: في «الدر المختار» عن «القنية»: أنَّ رجلا لو صلَّى قبل الغروب، ثُمَّ ذهبَ بها إلى الغروب بالتطويلِ لم يُكْرَه عندنا، وهو رواية عن الشافعي رحمه الله تعالى، ومصنِّفه حنفي في الفقه ومعتزلي في الاعتقاد، فلا تُقْبَل تفرداته إلا أَنَّ هذه المسألة رأيتُها في «أصول البزدوي» لفخر الإِسلام أيضًا، فلم أجد مساغًا للإِنكار، وإِنْ كنتُ مترددًا فيها. وما اعْتذر عنه صاحب «التوضيح» بعذر الخُشوعِ والخضوعِ لا ينفع.
وظاهر «الموطأ» أنَّه يصليها إذا أَدْرَكَها بتمامها قبل الغروب، لا كما في المتون أَنَّه يُصلِّيها ولو أَدْرَكَ رَكعة منها قَبْلَ الغروب، ثُمَّ يُتمها بعد الغروب. قال محمد رحمه الله تعالى في باب الرجل يَنْسَى الصَّلاة أو تَفُوتُه عن وقتها: وبهذا نَأْخُذ إلا أَنْ يَذكرها في الساعة التي نهى رسولُ الله ﷺ عن الصَّلاة فيها حين تَطْلُع الشمس حتى ترتفع وتَبْيَضَّ، ونصف النَّهار حتى تَزُول، وحين تَحْمَر الشمس حتى تغيب، إلا عصر يومه فإِنَّه يُصَلِّيها وإِنْ احمرَّت الشمس قَبْل أَنْ تَغْرُب. انتهى. والذي يظهر فيه أَنَّ الظاهر ما ذهب إليه محمدٌ رحمه الله تعالى. ولعلَّ فخر الإِسلام فرَّع على القولِ المرجوح، لأنَّهم اختلفوا في الصورَةِ المذكورة: أنَّ الكراهةَ في الفعلِ فقط، فحينئذ لو أَطَالَها إلى الغُروبِ لا تكون صلاته مكروهة. فاعلمه.
ثم إني تتبعتُ مرادهم بصحةِ عصرِ اليومِ، أَنَّهم يأمرون بأدائها أيضًا أو قائلون بالصحةِ فقط. والوجدان يحكم أَنَّهم إذا قالوا بصحتها فلا بُدَّ أَنْ يحكم بأدائِها أيضًا، لأنَّه معاملة الصَّلاة فإِذا صَحَّت لا بُدَّ من أدائها ولم أجده مصرَّحًا في كتبهم. وينبغي أَنْ يكون الأمر للترغيب فقط. وقد عَلِمْتَ آنفًا أَنَّ الصحةَ فيما إذا أَدْرَكَها بتمامها قَبْل الغروب، لا كما في المتونِ، إِن أَدْرَكَ رَكعة قَبْل الغروب يُتم بعدها. فليحرر.
وجملةُ الكلامِ أَنَّ الحديثَ لا يُفَرِّق بين الفَجْرِ والعصر، وظاهرهُ موافقٌ لما ذَهَبَ إليه الجمهورُ، وتفريقُ الحنفية باشتمالِ العصرِ على الوقْتِ النَّاقص دون الفَجْرِ عَملٌ بإحدى القِطعتين وتركٌ للأخرى بنحوٍ من القياس، وذا لا يَرِد على الطحاوي، فإِنَّه ذَهَبَ إلى النَّسخِ بالكُلِّية مِنْ
стр. 613
الأحاديث التي وَرَدَت في النَّهي عن الصَّلاةِ عند طُلوعِ الشمس وعند غُروبِها، إلا أنَّ المَعْرُوف مِنْ مَذْهَبِ الحنفية خلافه، فإِنَّهم قائلون في العصر بصحتِها كما في الحديث. وذَهَبَ ابنُ حَزْمٍ إلى عكسه، وقال: إنَّ أحاديثَ النَّهي مَنْسُوخةٌ كلُّها بحديث: «مَنْ أَدْرَكَ رَكعة ... » وعلى هذا لا حاجةَ إلى حَمْلِ حديث الإِدراكِ على صلاةِ النَّائم كما حَمَلَ عليه الشافعي رحمه الله تعالى بل لو تَعَمّدَه ينبغي ألا يكون عندَهُ بأْسًا فلم أَرَ جوابًا شافيًا عنه في أحد من كُتب الحنفية بعد.
والذي سَنَحَ لي أَنَّ النَّاس حَمَلوا الحديثَ المذكورَ على المواقيتِ وهو عندي في حق المسبُوق، فيكونُ مفهومه على طريقهم: أَنَّ الرَّكعَة الأُخرى بعد ما طلعت الشمس أو غربت، فتجري فيه الخلافية. وأما على ما اخترتُ فمفهومه: أَنَّ الرَّكعة مع الإِمام ورَكعة أخرى بعده وكلتاهما في الوقت قَبْلَ الطلوع في الفجر، وقَبْلَ الغروب في العصر، فلا تجري فيه الخلافية المذكُورة.
والدليل عليه: أَنَّ هذا الحديث وَرَدَ في أَرْبَعَةِ مَواضِع واتفق الكلُّ في الكلِّ أَنَّها في حق المَسْبُوق، واختلفوا في هذا فقط، فأَدْخَلُوه في مسأَلةِ الوقْتِ وهو عندي محمولٌ على نظائِرهِ.
فالأول: الحديثُ العام الذي أَخْرَجَهُ مُسلم وغيره «فمن أَدْرَك رَكعة من الصَّلاة فقد أَدْرَك» ولا فَرْقَ بين هذا الحديث وحديث الباب، إلا أنَّه عامٌ لجميعِ الصَّلوات: الفجر والعصر وغيرهما سواء، وحديث الباب في حقهما فقط، ونُكتة تخصيصهما بالذِّكر اشتراكهما في بَعْض الأوصافِ، فلهُما دَخْلٌ في الرؤية، ولذا جمعهما الحديث أيضًا، فقال: «من صلَّى البَرْدَيْنِ دَخَلَ الجنَّة». وقد جمعُهما القرآن في غيرِ واحدٍ من الآياتِ، كقوله: ﴿وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩] واتفقوا في الحديث العام أنَّه في حق المسبوقِ قطعًا لِمَا عند مسلم من طريق آخر: «مَنْ أَدْرَكَ رَكعة مِنَ الصَّلاةِ مَعَ الإِمامِ فَقَدْ أَدْرَكَ» ففيه تصريح بكونِه في حق المسبوق. وإسنادُ هذين الحديثين واحدٌ، فأمكن أَن يدَّعي أحدٌ باتحاد الحديثين، عممه الراوي تارة وخصصه أخرى، فيكون مِنْ باب اختلافِ الرواة، أو اختلاف الراوي، تارةً كذا وتارةً كذا، ويكون القيد الثابت في واحدٍ ثابتًا في الآخر، فيكون كل منهما محمولا على المسبوق بالنَّص إلا أني حملتهما على أنَّهما حديثانِ، ثُمَّ قلتُ: إِنهما في حَقِّ المسبوقِ.
والثاني: ما أَخْرَجَه النَّسائي في باب مَنْ أَدْرَك رَكعة من الصَّلاة: عن سالم أَنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «من أَدْرَكَ رَكعة من صلاة مِنَ الصَّلوات فقد أَدْرَكها إلا أنَّه يَقْضي ما فاته». وهذا صريحٌ أَنَّه في حق المسبوقِ، وفيه عن سالم عن أبيه قال: «من أَدْرَكَ رَكعة من الجمعة أو غيرِها فقد تمت صلاتُه» وهو أيضًا في حق المسبوق عندهم.
والثالث: ما أخرجه أبو داود في باب يُدرك الإِمام ساجدًا كيف يصنع. وقد وقَعَ فيه الحديث المذكور قطعة منه عن أبي هريرة مرفوعًا: «إذا جئتم إلى الصَّلاة ونحن سجود فاسجدوا ولا تعدُّوها شيئًا، ومَنْ أَدْرَك الرَكعةَ فقد أدرك الصَّلاة». وأخرجه ابن حِبّان في «صحيحه» فعُلِم أَنَّه صحيحٌ عنده، وحَمَلهُ النَّاس على أَنَّ الرَّكعة فيه بمعنى الركوع، والصَّلاة بمعنى الرَّكعة وهو
стр. 614
عندي على ظاهرِه. وحاصله: أن مُدْرِك الرَّكعة يعدُّ مدركًا للصَّلاة في نظر الشرع، ومَنْ أَدْرَك ما دونها فإِنَّه لا يُعدُّ مُدرِكًا لها، وإِنْ أَدْرَكَ فَضْلَ الجماعة.
والرابع: ما عند العيني عن الدَّارَقُطْني: «مَنْ أَدْرَكَ من صلاةٍ رَكعة قَبْل أَنْ يُقِيم الإِمام صُلْبَهُ فقد أَدْرَكها». فإِذا جعلوا هذه الأربعة في حقِّ المسبوق، جعلتُ حديث الباب أيضًا فيه، ثمَّ هو عندي مضمونٌ واحِدٌ، ذَكَرَهُ النبي ﷺ مِرَارًا في أوقاتٍ مختلفة بطُرُق مختَلِفة، فهي إذن أحاديث لا أَنَّها حديث واحد، والاختلاف مِنَ الرواة وإِنْ أمكن فيه دعوى الاتحاد لكنه خلاف الوجدان.
ثم إنَّه قَدْ ظَهَرَ عندي بعد السبر، أَنَّ الشرعَ أَقامَ لذلك بابًا مستقلا، وعَدَّ مُدرِكَ الرَّكعة مُدْرِكًا للجماعة وكان مُهمًا، ولم يتعرض في موضعٍ إلى إجرَاءِ هذا الباب في المواقيت، فلم يَظْهَر لي بعدُ أَنَّ المُدْرِك لجُزْءٍ مِنَ الوَقْتِ مُدرِكٌ للوقت عنده أم لا؟ فإِذا لم يَظْهَر هذا الباب إلا في إدراك الجماعة كيف يَسُوغُ حملُه على المواقيت؟ فلا يكون إلا في حق المسبوق. فافهمه بالتفكُّر التام.
ثم ما يدلك على أَنَّه في حق المسبوق دون الوقت أنَّه تعرض فيه إلى الرَّكعة ولو جاء في الوقت لتعرَّض إليه، وإنَّما تَوَهَّمَ كونه في مسألة المواقيت من أجل قوله: «قبل أَنْ تَطْلُعَ الشمسُ» فَفَهِمَ منه أَنَّ الرَّكعة قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشمس مع أَنَّه يَتَعلقُ بالفعلِ على معنى: مَنْ أَدْرَكَ الصبح قَبْل أَنْ تَطْلُعَ الشمسُ، لا أَنَّ تلك الرَّكعة قَبْل أَنْ تَطْلُعَ كما فُهِم.
ويتأتي هذا الشرح في جملة ألفاظه بلا كلفة ففي لفظ: «فقد أَدْرَكَ الصَّلاة» وفي لفظ: «فليصلِّ إليها رَكعةً أخرى» وفي معناه: «فليضف» وفي لفظ: «فليتم صلاته». فهذه كلها صادقة في حقِّ المسبوق. نعم، ههنا لفظٌ آخر أخرجَهُ الحافظُ رحمه الله تعالى من البيهقي يهدِمُ الشرحَ المذكور ولفظه: «مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصبح رَكعة قَبْلَ أَنْ تَطْلُع الشمسُ ورَكعَة بعد ما تَطْلُع الشمس فقد أَدْرَكَ الصَّلاة» انتهى. وهذ صريحٌ في أَنَّ الحديث في الوقت لا في حق المسبوق، وأَنَّ الرَّكعةَ هي بعد طُلوعِ الشمس.
قلتُ: وهذه القِطعة من «الكبرى» موجودة عندي، ولم أجد فيه ما نَقَلَهُ الحافظُ رحمه الله تعالى، ثمَّ الشوكاني نَقَلَه في «النيل» عن «الفتح» وحذف حوالة البيهقي، ولعلَّه أيضًا راجعٌ إليه فلم يجدها فيه، ولذا حَذَفَ الحوالة. ولكنَّ الحافظ ﵀ متقنٌ مُتَثَبِّتٌ في النقل عندي فلعلَّهُ يكون في نسخة منه عنده البتة. فالوجه فيه عندي: أَنَّ الحافظَ رحمه الله تعالى سها فيه، حيث نقلهُ إلى مسألة المواقيت مع أنَّه حديث آخر جاء في رَكعتي الفجر، واختصر فيه الرازي اختصارًا مخلاًّ، وهو في الحقيقةِ ليس من ألفاظِ هذا الحديث، والحديث على وجهه كما أخرجَهُ الترمذي عن أبي هريرة مرفوعًا: «مَنْ لم يصلِّ رَكعتي الفجر فليصلهما بعد ما تطلع الشمس». انتهى. وصححه الذهبي فأصلُ الحديث كان هكذا فغيروه كما ترى.
والدليلُ عليه: أَنَّ هذا الحديث موجودٌ عندي بإِحدى وعشرين طريقًا:
خمس في «المسند»، وخمس في الدَّارَقُطْني، وثلاث في البيهقي، وطريقان في «الصحيح
стр. 615
لابن حِبَّان» وطريقان في «المستدرك» وطريق في «الطبقات» للذهبي، وطريق في «كبرى النسائي» وطريق في الطحاوي، وطريق في الترمذي، ومدار الكُلِّ فَتادةُ، والصحابي فيها أبو هريرة.
ثم بعضهم يُصَرِّحُ فيه بمسألةِ أداء رَكعتي الفجر بعد الطُّلُوع. وآخرون يبهمون فيه، وينقلون لفظه قريبًا مما نَقَلَهُ الحافظُ رحمه الله تعالى، وهؤلاء أَرَادُوا مِنَ الرَّكعةِ الصَّلاة، فالرَّكعة قبل الطلوع هي صلاة الفجر، وبعد الطُّلوع هي سُنَّة الفجر، وربما يَقَعُ التخليط مِنَ الرُّواة. ومثله يفهمه المجرب وتنبه عليه الحافظ أيضًا في «تهذيب التهذيب» تحت ترجمة عَزْرَة بن تميم وأخرجه عن أبي هريرة ﵁ بلفظ: «إذا صلَّى أحدُكم رَكعة من الصبح ثمَّ طلعت الشمس فليصلِّ إليها أخرى» انتهى. ثم قال: قال الخطيب: لا يحفظ له عن أبي هريرة ﵁ سوى هذا، وتفرَّد عنه قتادة بالرِّواية ولم يُنبِّه عليه في «الفتح» (١).
ثم ما يَدلُّك على أَنَّه في رَكعتي الفجر دون العصرِ أنَّه ليس في أحد من طُرُقِه ذِكْر العصر، بل في كلِّها ذِكْر الفجر فقط، وذلك لأنَّه لمَّا كان وَرَدَ في سُنَّةِ الفجرِ لم يَذْكُر فيه العصر، ولو كان هذا هو الحديث العام لجاء فيه ذِكْرُ العصر أيضًا في طريق من طرقه (٢). فإِن قلتَ: إذا كان الأمرُ كما وصفتَ من كونِ الحديثِ في حق المَسْبُوقِ فما نُكتة ذِكره. قبل أن تطلع الشمس وقبل أن تغرب الشمس.
قلتُ: أمَّا أَوَّلا: فلأنَّ أواخر أوقاتِها متعينة بالحسِّ، بخلاف سائرِ الأوقات، فإِنَّه لم يَرِد فيه غير التقريب مع أنَّه قد وُقِّت بهما في القرآن أيضًا قال تعالى: ﴿وَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩] فكان عُنْوَانًا لهاتين الصَّلاتين، فجاء في الحديث أيضًا تبعًا للقرآن.
وأمَّا ثانيًا: فلدفع إيهامِ أَنْ يُصلِّي رجلٌ رَكعة قبل الطُّلوعِ، ورَكعة بعدَه، ويصيرُ بذلك مُدْرِكًا للصَّلاة، فَقيَّد بكون الصبحِ قَبْل الطُّلوعِ، وصرَّح أَنَّه يكون مُدرِكًا لها بإِدراكها في الوقت،
стр. 616
ولذا لم يَقُلْ: مَنْ أدرك من الصُّبحِ قَبْل الطُّلوعِ، وإِنَّما قال: «من أَدْرَكَ رَكعة من الصبح» يعني قَدَّم الرَّكعةَ على الصبحِ، ليكونَ إشارةً إلى أنَّ صلاة الصبح قَبْلَ الطُّلوع، ولو قدَّم الصبحَ على الرَّكعة، وقالَ: مِن الصبحِ رَكعة قَبْل أَنْ تَطْلُعَ الشمسُ، لأوهم أَنَّ تلك الرَّكعة قَبْلَ أَنْ تطلُعَ دون الصبح. وتلك اعتبارات ونِكات.
وثالثًا: فإِنَّ صلاة المسبوق عندنا على ترتيب صلاةِ الإِمام، فالرَّكعة الأخرى وإِنْ كان آخرًا حسًا، لكنَّه متقدمٌ حكمًا، فإِذا كانت رَكعة مع الإِمام قَبْلَ طُلوعِ الشمسِ حقيقةً، فَرَكعتُه الأخرى أيضًا قبلَهُ في نظر الشرع (١).
ثُمَّ إِنْ قُلتَ: إنَّ راوي الحديث أبو هريرة وفَتْوَاهُ على وَفْقِ مذهبِ الشافعية رحمهم الله تعالى. قلتُ: إِنَّه يُرْوَى عن ابن عباس ﵄ وفتواهُ كمذهبِ الحنفية كما في «مسند أبي داود الطيالسي». ثم اعلم أَنَّ فتوَى أبي هريرة قد رُوي في بعض الطُرقِ على شاكلةِ المَرْفُوعِ، وليس بمرفوعٍ في الحقيقة، ويظنُّه النَّاظِرُ مرفوعًا، وإِنَّما تنبهتُ له مِنَ البيهقي، لمَا مرَّ على شرح الطحاوي ردَّهُ عليه بفتوى أبي هريرة ﵁، وعبره ههنا بالفتوى فليحمل عليه المبهمات أيضًا (٢).
وفي «تخريج الهداية» للزيلعي: ولا يوجد هذا النقل عند غيره. أنَّ الحديثَ محمولٌ على المسبوقِ عند بعض العلماءِ كما قررتُ سابقًا؛ فهذا هو مَحْمَلُ الحديث عندي. بقي الفَرْقُ بين الفجرِ والعصرِ كما في المذهب، فليكِلْهُ إلى الاجتهاد أو إلى حديثٍ آخر، ألا تَرَى إلى ما نَقَلَهُ الترمذي في معنى الحديث: أنَّه عندَهُم لصاحبِ العُذْرِ، مثل: رجل يَنَامُ عن الصَّلاة، أو يَنْسَاها، فيستيقظُ، ويذكر عند طُلوعِ الشمس وعند غروبها. انتهى. هذا أيضًا اجتهاد، وإلا فلا دَلالةَ عليه في الحديثِ ولا حرف.
فإِذا عَلِمْتَ أَنَّ الحديثَ في حق المسبوقِ عندي وفي إِدْرَاكِ الجماعةِ لا في إِدْرَاكِ الوقْتِ، وأنَّ الصَّلاةَ كلَّها في الوقت وَقْبَل أَنْ تغرب؛ فاعلم أَنَّ المراد من الغرُوب هو الغروبُ الشرعي دون الحسي. والشرعي يَمْتدُّ من الاصفرار إلى الغروب، وحينئذٍ يكونُ حاصل الحديث: أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ رَكعةً من صلاة العصر مع الإِمام قبل الاصفرار فقد أَدْرَكَ العصرَ؛ وذلك لأنَّ الوقتَ فيما بعد الاصفرار إلى الغروب وقت النافق فلا أحب أَنْ يَدْخُل في سياق التعليم، ولا دليل فيه على أنَّه لو أَدْرَك رَكعة قبل الغروب يتمها بَعْدَ الغروب ويكون بذلك مُدْرِكًا لها.
стр. 617
٥٥٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِى إِبْرَاهِيمُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَا سَلَفَ قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ كَمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، أُوتِىَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ فَعَمِلُوا حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ النَّهَارُ عَجَزُوا، فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثُمَّ أُوتِىَ أَهْلُ الإِنْجِيلِ الإِنْجِيلَ فَعَمِلُوا إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ عَجَزُوا، فَأُعْطُوا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، ثُمَّ أُوتِينَا الْقُرْآنَ فَعَمِلْنَا إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَأُعْطِينَا قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، فَقَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ أَىْ رَبَّنَا أَعْطَيْتَ هَؤُلَاءِ قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، وَأَعْطَيْتَنَا قِيرَاطًا قِيرَاطًا، وَنَحْنُ كُنَّا أَكْثَرَ عَمَلاً، قَالَ قَالَ اللَّهُ هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ أَجْرِكُمْ مِنْ شَىْءٍ قَالُوا لَا، قَالَ فَهْوَ فَضْلِى أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ». أطرافه ٢٢٦٨، ٢٢٦٩، ٣٤٥٩، ٥٠٢١، ٧٤٦٧، ٧٥٣٣ - تحفة ٦٧٩٩
٥٥٨ - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِى بُرْدَةَ عَنْ أَبِى مُوسَى عَنِ النَّبِىِّ ﷺ «مَثَلُ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ قَوْمًا يَعْمَلُونَ لَهُ عَمَلاً إِلَى اللَّيْلِ، فَعَمِلُوا إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ، فَقَالُوا لَا حَاجَةَ لَنَا إِلَى أَجْرِكَ، فَاسْتَأْجَرَ آخَرِينَ فَقَالَ أَكْمِلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِكُمْ، وَلَكُمُ الَّذِى شَرَطْتُ، فَعَمِلُوا حَتَّى إِذَا كَانَ حِينَ صَلَاةِ الْعَصْرِ قَالُوا لَكَ مَا عَمِلْنَا. فَاسْتَأْجَرَ قَوْمًا فَعَمِلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ، وَاسْتَكْمَلُوا أَجْرَ الْفَرِيقَيْنِ». طرفه ٢٢٧١ - تحفة ٩٠٧٠ - ١٤٧/ ١
٥٥٧ - قوله: (إنَّما بقاؤُكم) ... الخ. هل المراد منه تقاصُر الأعمار بالنَّسبة إلى كل أُمة، أو بالنسبةِ إلى مجموع الأمم؟ فالظَّاهِرُ هو الثاني.
وحاصله أنَّ الدنيا مَع أَشْهُرِها وسِنِينِها وأَيَّامِها لو فُرِض يومًا واحدًا لكانت زمان هذه الأمة فيهم كما بين العصر والغروب؛ يعني به أنَّه لم يبقَ مِنَ الدنيا إلا قليل. ثم إنَّ دورةَ هذه الأمة ألف سنة كما قال الشيخُ الأكبر، والشيخُ المجدِّد ثُمَّ الشاه عبد العزيز والقاضي ثناء الله مصنِّفُ التفسير المظهري» رحمهم الله تعالى، ويؤيده ما عند ابن ماجه «إنَّ لأمتي نصف يومٍ فإِنِ استقامُوا بعدَهُ استقاموا بقية يومِهِم وإلا فيهلكون سبيل من هلك» - بالمعنى - واتَّفقوا على أَنَّ المرادَ مِنَ اليوم فيه يومَ الآخِرة ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مّمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧] وقد شَهِدَ به التاريخ: أنَّ الداهية الكبرى التي هي فتنة التاتار، نَزَلَت بنا بعد خمس مئة سنة، فتزلزلَ بها بُنيان الدِّين إلا أنَّ الله سبحانه أتمَّ لنا ما وعدنا على رسوله، فتكاملت مدتها ألف سنة وكان الإِسلام في تلك المدة غالبًا على الأديان كلِّها شرقًا وغربًا وهي دورةُ الأمةِ المحمدية وبعدَها سلط علينا الأوروبا فَبَلَغَ حال منائرِ الإِسلام ومنابره إِلى ما ترى. والله المستعان.
وحاصلُ التشبيهين في حديثي ابن عمر وأبي موسى ﵄: أَنَّ العبرةَ عند ربك بالمجموع والخواتيم، فمن دَخَلَ في آخرِ اليوم كان كَمَنْ دَخَلَ في أوَّلهِ في إِحْرَازِ أَجْرِ ذلك اليوم، وهذا هو الأصلُ في باب الاجتماع، لأنَّ الأُمورَ التي تُدعى لها الجماعة لا يمكنُ فيها الشركة مرة واحدة، فلا بُدَّ أَنْ يَشْتَرِكوا فيه واحدًا بعد واحد، حتى أَنَّ مَنْ دَخَل فيها آخرًا يُعَدُّ
стр. 618
ممَّن دخلَها أَوَّلا وإِنْ كان بينهم تفاوت في الأجور، لكنَّهم أَدْرَكوا الدعوة كلهم، فاللَّهُ سبحانه خلق الدُّنيا وسوَّى فيه مأدبة، ودعى لها دعوة، فمنهم مَنْ أَجابَ، ومنهم من صدَّ عنها، ودَخَلْنَا نحنُ في آخِرِهم وأكملنا بقية اليوم، فاستوفينا الأجرَ الموعود في اليوم كله، فكأنَّ الدنيا كلها كيوم واحد عند ربك، والمطلوبُ مِنَ الداخلينَ أَنْ يَعْمَلُوا إلى آخرِ اليوم، فَمنْ عَجَزَ عنه نَقَصَ أجرُهُ، ومَنْ قَامَ به وُفِّيَ أجرُه.
ولمَّا جفَّ القلمُ بالقيراطين لمن يُعْمَل إلى الغروبِ، واتفق أنَّه استأجرنا صاحب المأدبة في آخر اليوم فعملنا إلى مُدَّته استوفينا القيراطين نحن، فنحن وإِنْ دَخَلْنَا في آخر اليوم عند النَّاس إلا أنَّا عُومِلْنَا معامَلَة الذين دخلوا أَوَّلَ اليوم على قاعدة باب الاجتماع، فبقي تقسيم العاملين وعملهم في نظرنا وأما عند ربك فالعبرة بالمجموع والخواتيم.
ومن هذا الباب: «هم القوم لا يَشْقَى جَلِيسهم»، فمن دَخَل معهم كان ملَثهم في استحقاقِ الأجر رحمةً من الله تعالى، ولم يُحْرَم من الأجر، وإِنْ كان في نظرنا هو التقسيم في الداخلين، لكنَّ الله سبحانه نَظَر إلى مجموعِ العمل وعدَّ الداخل في آخره بمن دَخَلَ في أوله، ومن ههنا ظَهَرَت المناسبةُ بين الترجمة والحديثين، بأَن مُدْرِك الرَّكعة مُدْرِكٌ للصَّلاةِ في نَظَرِ الشارع، ومُدْرِك الركوع مُدْركٌ للرَّكعة عنده، ومَنْ أَدْرَكَ من الصَّلاةِ رَكعة فَقَدْ أَدْرَكَ، كمن دَخَل في آخر اليومِ فقد أَدْرَك أَجْرَ اليوم كله، وما في كتاب الإيمان أَنَّ مُدْرِكَ الرَّكعَة لا يُعد مُدْرِكًا للصَّلاة، فمبْنَاه على أمر آخر، وهو نظر آخر ذُكِر في موضِعه.
وإن كنتَ فَهِمْتَه فاعلم أَنَّ حديث: «من أَدْرَكَ الصَّلاة ... » الخ. إنَّما وَرَدَ في باب الاجتماع والجماعة لتعليم أَنَّ الدَّاخلَ فيها إلى أي جزءٍ منها يُعَدُّ داخلا؛ فبين أنَّ المدرِكَ من أَدْرَكَ رَكعة منها وبعدها، وإِنْ أَحْرَزَ شيئًا من الأَجْرِ أيضًا إلا أنَّه لا يُعَدُّ مدرِكًا لها في نظر الشارع.
ثُمَّ إنَّ الناسَ جَرُّوه إلى مسألةِ المواقيتِ، ولم يروا إلى أَنَّ إدْرَاك الوقت بجزءٍ منه بابٌ مستقل، لم يَرِد به الشرع، ولم يَتَعَرِّض إليه، فلو عَلِمْنَاه أَنَّه أيضًا بابٌ عِندهُ لعددناه من جزئياتِه، ولَحَمَلْنَاهُ عليه، بخلافِ إِدْرَاك الصَّلاة من إِدْرَاكِ الرَّكعة، فإِنَّه بابٌ مستقل أَقَامَتْهُ الشريعةُ في مواضع وتَعرَّضَت إِليه، فحملناه عليه، فإِذا علمناه بعد السَّبْر كذلك، لم يَسُغْ لنا أَنْ نحملَهُ على مسألةِ المواقيت.
ثم إنَّ حقيقةَ الإِدْرَاك أَنَّها كانت على شَرَفِ الفوات فتلافاه على نحوِ تَقْصِيرٍ منه وأَدْرَكَها، كَمَنْ سابقَهُ أحد فسبقه فأَدْرَكه هذا بعد جِدَ واجتهاد منه، فهكذا حال مُدْرِك الرَّكعَة، فإِنَّ الإِمام قد سَبَقَهُ بصلاته وتَرَكَهُ خلفه فدخل هذا في الركعة، وأَدْرَكَه في عملهِ بهذا الجِدّ وعدَّهُ الشارعُ داخلا في هذا العمل، وكذلك حال مَنْ أَدْرَكَ الرُّكوع، فإِنَّه كاد أَنْ يَتَخَلف عن الأَجْرِ أي أجر تِلْكَ الرَّكعة فَجَدَّ واجتهدَ حتى أَدْرَكَ ركُوعَها فكأَنَّه أَدْرَك تلك الرَّكعة بما فيها، ولذا سقطت عنه الفاتحة مع أنَّه لا صلاةَ إلا بفاتحةِ الكتاب، وهذا مما قد أجمعوا عليه، فالرُّكوعُ عندي آخر موضع تُحْتَسَب فيه الشِّرْكةُ. وأمَّا مركزُ الصَّلاة فهو موضِع التأمين، وهو نُقْطَةُ مَرْكَزِ الدائرة،
стр. 619
ومجتَمع الملائكة والنَّاس. وهناك وَعْدُ المَغْفِرَة فهو مقام الجمعِ، فمقام السَّبْقِ: التحريمة، ومقام الاحْتِسَاب: الركوع، ومقام الجمع: آمين.
فإِنْ شئتَ أَنْ تَعْرِفَ السابقين بسيماهم، فاحْفَظِ التحريمة تعرفهم وإِنْ شِئْتَ أَنْ تَتَوَسَّم المجتمعينَ مَع الملائِكَة فلا تَنْسَ مَوضِع التأمين تفوز بهم، وإنْ تُرِدْ أَنْ تَقِفَ على مَنْ أَدْرَكُوا الرَّكعَة آخرًا، فاذكر الرُّكوع تَفْرُسهم، ثُمَّ إِنْ فَاتَك التأمين فلا يَفُتك موضع التحميد فإِنَّه أيضًا موضع الوعد تلافيًا لمن فاته التأمين، وقد ورد في الخبر «أَنَّ الصدِّيق الأكبر ﵁ تخلَّف مرةً عن التحريمة وأَدْرَكَ إمامه في الركوع، فأحرم بها، وقال: الله أكبر، ثُمَّ قال: الحمد لله، ثُمَّ رَكَع، فكأَنَّه كان اختصارًا منه للصَّلاة، فلمَّا فَرَغَ النبي ﷺ عن صَلاتِه أُوْحَيَ إليه أَنَّه سمع الله لمن حَمِده». فَجُعِل مكان التَّكْبِير عند الرَّفع مِنَ الرُّكوع، وقد كانوا يُكَبِّرون فيه قَبْل ذلك، فهذا نحو تَلاف فاعلمه.
ثم إِنَّ ههنا بحثًا آخرِ وهو أنَّه ما الذي أُريد مما قصروا فيه وأتممناه؟ فإِن كان المرادُ منه الشريعة فقد قصَّرنا فيها أيضًا، ومنَّا أيضًا مطيعون وعاصون مثلهم، فإِنْ كان مقابلةُ أفاضل هذه الأُمة بمَنْ سَلَفَ مِنْ أَفَاضِلِهم، فلا يَصِح عدُّ أفاضلهم من المقصِّرين، وأفاضلِنا من المؤتمرين، ولَكِن الأحسن حينئذٍ أَنْ يُفَرَّق بالقِلة والكَثْرَة، فإِنَّ أفاضِلَ هذه الأمةِ أكثرُ كثير بمن مضى من قبلهم، وإن كان بين الأَرَاذِل والأراذل فَهُم في التركِ والتقْصِير سواء، مع أَنَّ النبي ﷺ قال: «لَتَّتَّبِعُنَّ سَنَن مَنْ قَبْلَكم شِبرًا بشبر وذراعًا بذراع» فأي أمرٍ قَصَّروا فيه وقُمنا بحقه؟
والذي يَظْهَر أَنَّه باعتبارِ مجموع الأمة، لا باعتبار الأفاضلِ، ولا باعتبارِ الأَرَاذِل. والفَرْق بقِلَّة المقصِّرين فينا وكَثْرَتِهم فيهم، على عكس المطيعين، أَمَّا حديث الاتباع بمن قبلنا فهو ساكتٌ عن بيان القِلة والكَثرة إنَّما أَرَادَ به بيانَ الاشتراك في نوع الفعل، فجاز الاختلافُ بين الكم والكيف.
واحتج القاضي أبو زيد الدَّبُوسي وهو أَوَّلُ من دَوَّنَ علم الخلاف، وهو عِلْمٌ بين الفِقْهِ وأصول الفقه (١) على مسألة المثلين، وتقريره أَنَّ قولَه ﷺ «إنَّما أجلكم ... الخ» يفيد قِلَّة زمان مدة هذه الأمة بالنسبة إلى الأُمم الماضين، وزمان هذه الأمة مشبَّه بما بين العصر والمغرب، فلا بُدَّ أَنْ يكونَ قليلا بالنسبةِ إلى زمانِ النَّصارَى، إلا إذا كان وَقْتُ العصر من حين
стр. 620
صَيْرورَة الظِّل مثلَيْهِ فإِنَّه حينئذٍ يَزيد وقتُ الظُّهْر أي مِنَ الزَّوال إلى المثلين على وَقْتِ العصرِ أي من المثلَين إلى الغُروب وإِنْ كان ابتداء العصرِ من المِثل كانا متساوِيين ولم يصح قولهم نحن أكثرُ عملا.
وتعقب عليه ابن حزم أَنَّ الوقتَ في المِثل يمضي أزيد من بقيةِ الأمثال كلِّها فلو كان وَقْتُ العصرِ من المِثل لبقي وَقْتُ الظُّهْرِ أزيدَ من بقيةِ الأمثال، وصحَّ قولهم نحن أكثر عملا.
قلتُ: وما قالَهُ صحيح إلا أنَّ هذه الزِّيادة لا تَظْهَر إلا في نظر الرياضيين، ولا يأتي التشبيه في مثل هذه الأمورِ الغامضة التي قَلَّمَا يُدْركها أحدٌ مِنْ أَهْلِ العُرْفِ، فلا بُدَّ أَنْ يكونَ في وَقْتِهم زيادة تصلح لكونها مُشَبَّهًا بها، ولا تكونُ إلا إذا زَادَ الوقتُ على المِثْل زيادة، على أَنَّ محمدًا رحمه الله تعالى إنَّما استشهدَ بهِ على مسألةِ استحْبَابِ تأخير الظُّهْرِ لا على المِثلين.
قلتُ: وحديثُ ابنِ عمر ﵁ عندي يحتوي على أَمْرَين مُستَقِلَّين:
الأول: بيان قِلَّة زمانِ هذه الأمة بالنِّسْبَةِ إلى الأُمم السالفة.
والثاني: التشبيه، وهما قِطعتان مستقلتان ليست إحدَاهُما تفسيرًا للأُخرى لِما بينهما من المُغَايَرة، تتضحُ بعدَ النَّظَرِ في سياقِهما، وقد بَلَغَ معنى القِطعة الأُولى مبلغَ التواتر، كقوله: «أنا والساعة كهاتين». فإِذا عَلِمْنَا أنَّ زمانَ هذهِ الأمة أقلّ قليل بالنِّسبةِ إلى الأُممِ وقدَّره بعضهم: بسدس النَّهار - لم يَبْقَ ريب في أَنَّ وَقْتَ الظُّهْرِ أَزيدُ من المِثل، بحيث لا يَبْقَى بعدَه للعصرِ إلا بقَدْرِ السُّدس كما ذَكَرهُ ابن عابِدِين في مسألةِ أَهْلِ البُلغاء، أو بقَدْرِ خُمس النَّهار كما في «الفتح». فحديثُ التمثيل وإِنْ لم يَكُن حجة لنا إلا أَنَّ لِلقِطْعَة الأولى بعد النَّظَرِ إلى الخارجِ حجة لنا قطعًا: أَمَّا لمحمد فظاهر وأمَّا للقاضي فأيضًا ممكن (١).
قوله: (قيراطين قيراطين) والإِعرابُ فيه عندي باعتبار المجموعِ، لأنَّ المعاني المعتورة أيضًا على المجموع إلا أَنَّ كُلَّ كلمةٍ لمَّا كانت صالحة للإِعراب ظَهَر الإِعراب فيها، كما قرروا في: عبد الله، حال كونِه عَلَمًا ومضافًا إليه.
قوله: (هو فضل أوتيهِ من أشاء) قال المتكلمون: إِنَّ المُحال هو الترجح بلا مُرَجِّح دون الترجيح بمرجِّح، فالله سبحانه يَفْعَلُ ما يشاء، ويَحْكُم ما يريد، والمرجِّح إرادتُه ومشيئتُه، ولا حاجةَ بعدَهُ إلى مرجِّح آخر في جانب المقْدُور.
стр. 621
١٩ - باب وَقْتِ الْمَغْرِبِ
وَقَالَ عَطَاءٌ يَجْمَعُ الْمَرِيضُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ.
فأحالَها على اسمِها ولم يُوقِّت.
قوله: (وقال عطاء) ... الخ وهو جمع صُوري عندنا، وفي الحديث: «إنَّ أمتي لن يَزالوا على الخيرِ ما عجَّلوا العصرَ وأخَّروا السَّحور» - بالمعنى - وذلك لوقوعِ التحريفِ فيهما عن أهل الكِتاب. فوجبَ التحذيرُ عنه لتُحْفَظَ الحدود. أَمَّا الاحتياط فيه بعد الوقت فلغوكما قد يفعله الجهلاءُ من الصلحاء.
٥٥٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ قَالَ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ قَالَ حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِىُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو النَّجَاشِىِّ صُهَيْبٌ مَوْلَى رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ سَمِعْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ يَقُولُ كُنَّا نُصَلِّى الْمَغْرِبَ مَعَ النَّبِىِّ ﷺ فَيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا وَإِنَّهُ لَيُبْصِرُ مَوَاقِعَ نَبْلِهِ. تحفة ٣٥٧٢
٥٥٩ - (مواقع نَبْلِهِ) ومعلومٌ أَنَّ السنة المتوارِثة في قراءة المَغْرِب هي التقصير، وإِنْ وَرَدَ التطويلُ أيضًا في بعضِ الأحيان.
٥٦٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَعْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِىٍّ قَالَ قَدِمَ الْحَجَّاجُ فَسَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يُصَلِّى الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ، وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ نَقِيَّةٌ، وَالْمَغْرِبَ إِذَا وَجَبَتْ، وَالْعِشَاءَ أَحْيَانًا وَأَحْيَانًا، إِذَا رَآهُمُ اجْتَمَعُوا عَجَّلَ، وَإِذَا رَآهُمْ أَبْطَوْا أَخَّرَ، وَالصُّبْحَ كَانُوا - أَوْ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يُصَلِّيهَا بِغَلَسٍ. طرفه ٥٦٥ - تحفة ٢٦٤٤
٥٦١ - حَدَّثَنَا الْمَكِّىُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِى عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ قَالَ كُنَّا نُصَلِّى مَعَ النَّبِىِّ ﷺ الْمَغْرِبَ إِذَا تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ. تحفة ٤٥٣٥
٥٦٢ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ صَلَّى النَّبِىُّ ﷺ سَبْعًا جَمِيعًا وَثَمَانِيًا جَمِيعًا. طرفاه ٥٤٣، ١١٧٤ - تحفة ٥٣٧٧
٥٦٠ - (إذا وَجَبَت) ومنه الواجب، وهذا كَمَن شال على رقبته حملا، فتلقاهُ واحدٌ في الطريق فأعطَاهُ حملا آخر ليحمِله فلزمه حمله كالضِّغْث على الإِبَّالة فهكذا الغَرَضُ، ثابت بالدَّليلِ القطعي، ويَلْزَمُ عليه إلا أَنَّ الواجب لمَّا ثَبَتَ بالدليل الظني لَزِمَهُ أيضًا، وسَقَطَ عليه، فالواجبُ هو الساقط بهذا الطريق. قاله فخر الإِسلام.
قوله: (إذا رآهم) وهذا نصٌ في رعاية حال القوم، وعند البيقهي: أَنَّ النَّبي ﷺ كان يقومُ للصَّلاةِ فإِذا رآهم لم يجتمعوا قَعَدَ - بالمعنى - (١).
стр. 622
وفي «المبسوط» في باب التيمم: أَنَّ فضلَ الإِبرادِ بالظُّهْرٍ والإِسفارِ بصلاة الفجر، إِنَّما هو عند عدمِ اجتماعِ القوم، فإِنِ اجتمعوا قَبْلَه فالأفضل التَّعجِيل، وعُلِم من هذه الرِّواية تَعْجِيل العشاء أيضًا لحالِ القوم. وعند أبي داود: أَنَّه كان يقومُ في الرَّكعةِ الأولى مِنْ صَلاةِ الظُّهْرِ حتى لا يَسْمع وَقْعَ قدم وفيه عن أبي قَتادة ﵁: فظَنَنَّا أنَّه يريدُ بذلك أَنْ يُدْرِك الناسُ الركعةَ الأولى. وهذا من تَفْرِيعَات مَنْ ظَنَّ أَنَّ مُدْرِكَ الرُّكوعِ ليس بمدرك للركعة، وإلا فَلَيس مِنَ الصحابة ﵃ مَنْ كان يُنكر إدراك الركعة بإِدْرَاك الركوع فاعلمه.
٢٠ - باب مَنْ كَرِهَ أَنْ يُقَالَ لِلْمَغْرِبِ الْعِشَاءُ
٥٦٣ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ - هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو - قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنِ الْحُسَيْنِ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ قَالَ حَدَّثَنِى عَبْدُ اللَّهِ الْمُزَنِىُّ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ «لَا تَغْلِبَنَّكُمُ الأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمُ الْمَغْرِبِ». قَالَ الأَعْرَابُ وَتَقُولُ هِىَ الْعِشَاءُ. تحفة ٩٦٦١
والعربُ كانوا يَعْكِسُون في التسمية فكانوا يُسمون العشاء العَتَمَة، فَوَرَدَ الشرعُ بإِصلاحِه، وعَلَّمهم ما ناسب كل صلاة اسمها، فهذا مِنْ باب تعليمِ الآداب، لا مِنْ بابِ الأمر والنَّهي.
واعلم أنَّه قد مرَّ منَّا التنبيه على أَنَّ تَعارُضَ الأدلةِ قد يكونُ لإِفادةِ المراتب، وقد يكونُ لكون الشيء مِنْ عالم الغيب.
والثالث لكونِه من باب المحاسِن فيوجد التعبير بالمكروه مع المنع عنه، وهذا لأنَّه يكون جائزًا في مرتبة ولكنَّه يمجُّه السمع، ويَنْبُو عنه الطَّبْع فيكرهه الشرع أيضًا، ولذا يُوجد إطلاق العَتَمَة في الأحاديث، وإنْ كان أقل قليلا مع إظهار الكراهةِ، فيدل على أنَّه مِنْ باب تهذيب الألفاظ فقط، ولو كان من بابِ عَدَمِ الجوازِ أو الكراهة لم يرد به الشرع. نعم، عند أحمد في «مسنده». مَنْ قال منكم يَثْرِب مكان المدينة فليقل المدينة المدينة عشر مرات - بالمعنى - فإِنَّه يُشْعِر بالكراهة شيئًا، والأمر بَعْدُ سهلٌ.
٢١ - باب ذِكْرِ الْعِشَاءِ وَالْعَتَمَةِ وَمَنْ رَآهُ وَاسِعًا
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ «أَثْقَلُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ الْعِشَاءُ وَالْفَجْرُ». وَقَالَ «لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِى الْعَتَمَةِ وَالْفَجْرِ». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَالاِخْتِيَارُ أَنْ يَقُولَ الْعِشَاءُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: ٥٨]. وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِى مُوسَى قَالَ كُنَّا نَتَنَاوَبُ النَّبِىَّ ﷺ عِنْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ فَأَعْتَمَ بِهَا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةُ أَعْتَمَ النَّبِىُّ ﷺ بِالْعِشَاءِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ عَنْ عَائِشَةَ أَعْتَمَ النَّبِىُّ ﷺ بِالْعَتَمَةِ. وَقَالَ جَابِرٌ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يُصَلِّى الْعِشَاءَ. وَقَالَ أَبُو بَرْزَةَ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يُؤَخِّرُ الْعِشَاءَ. وَقَالَ أَنَسٌ أَخَّرَ النَّبِىُّ ﷺ الْعِشَاءَ الآخِرَةَ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو أَيُّوبَ وَابْنُ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهم - صَلَّى النَّبِىُّ ﷺ الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ.
стр. 623
٥٦٤ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ سَالِمٌ أَخْبَرَنِى عَبْدُ اللَّهِ قَالَ صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةً صَلَاةَ الْعِشَاءِ - وَهْىَ الَّتِى يَدْعُو النَّاسُ الْعَتَمَةَ - ثُمَّ انْصَرَفَ فَأَقْبَلَ عَلَيْنَا فَقَالَ «أَرَأَيْتُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ». طرفاه ١١٦، ٦٠١ - تحفة ٧٠٠٣ - ١٤٨/ ١
٢٢ - باب وَقْتِ الْعِشَاءِ إِذَا اجْتَمَعَ النَّاسُ أَوْ تَأَخَّرُوا
٥٦٥ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو - هُوَ ابْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِىٍّ - قَالَ سَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ صَلَاةِ النَّبِىِّ ﷺ فَقَالَ كَانَ يُصَلِّى الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ، وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ، وَالْمَغْرِبَ إِذَا وَجَبَتْ، وَالْعِشَاءَ إِذَا كَثُرَ النَّاسُ عَجَّلَ، وَإِذَا قَلُّوا أَخَّرَ، وَالصُّبْحَ بِغَلَسٍ. طرفه ٥٦٠ تحفة ٢٦٤٤
أَلانَ المصنِّف ﵀ كلامَهُ في هذا الباب، لورُودِ إطلاق العَتَمة أيضًا. وقال: (ومن رآه واسعًا) كأنَّه لا يَحمله على رَقَبَتِه فَيَنْسِب التوسعة فيه إلى مَنْ كان يَرَاه، وهكذا يَفْعَلُ المصنِّف رحمه الله تعالى في غير واحدٍ مِنَ المواضعِ، فَيَضَع لفظ «مَنْ» الموصول، إشارةً إلى أنَّه ذَهَب إليه ذَاهِبٌ فهو سائِغٌ ولا يَجْزِم به لِعَدَم الدَّليل القاطع عنده، أَوْ لِعَدَمِ اختياره لأسبابٍ سَنَحَت له، ثُمَّ أَتى بقطعات عديدة وَرَدَّ فيها إطلاق المشتق، وبطريق العلمية أيضًا.
قوله: (ويُذْكَرُ عن أبي موسى) ... الخ، وهو عند أبي دَاود أيضًا. فمرضه بالنسبة إليه، وإلا فقد أَخْرَجَهُ المصنِّف رحمه الله تعالى موصولا في الباب التالي أيضًا وقد مرَّ منَّا أنَّ المصنِّف رحمه الله تعالى قد يُمَرِّضُ لمعنى غير التضعيف وهو أنَّه يورد الحديثَ بالمعنى وقَدْ يَقْتَصِر على بعضه لوجود الاختلاف في جوازه، وإن كان المصنِّف يَرَى الجواز، نبه عليه الحافظ.
قوله: (نتناوب) يعني كُنَّا نازِلين مِنَ الحَبَشَة في موضع فَكُنَّا نتناوب منه إلى النبي ﷺ وهذا التناوب وَرَدَ في الجمعة أيضًا فانْظُر ماذا يُفيد؟.
قوله: (فَاعْتَمَ به) وهذا على صرافة اللغة، ولا كلام فيه، وإنَّما الكلامُ في إِطلاقِ العَتَمَة لأنَّها غَلَبَت عليها العَلَمِيَّة عندهم، كما قالوا في المُرْسَلِ والمُنْقَطِع لا فَرْقَ بين فعليهما مَعَ ثبوتِ الفَرْقِ بين اسمي المفعول، فيقولون: إنَّه مُرْسَلٌ إذا حَذَفَ التابعيُّ اسم الصحابي خاصة، ويقولون: أَرْسَلَهُ فلانٌ سواء سَقَطَ ذِكْرُ الصحابي أو راوٍ آخر مِنَ السَّنَد فَيُطْلَق المشتق على المنقطع أيضًا. وفي «الفتح» أَنَّ النَّبي ﷺ إنَّما اعتم به لما اشتغل بأبي بكر ﵁ في بعضِ أمور المسلمين.
٥٦٤ - قوله: (فإِنَّ راسَ مئة سَنَةٍ منها لا يَبْقَى ممن هو على ظَهْرِ الأرض أحدٌ) وقد مرَّ بعضُ الكلامِ عليه، والمرادُ به مَنْ كان حيًا في هذا الوقتِ على وجه الأرض، وأَبْعَدَ مَنْ قال: إِنَّ عيسى ﵊ يَنْزِل بجسده المثالي بل يَنْزَل بجسده الأصلي ورده بحر العلوم في «شرح المثنوي» وأيضًا قال بعض الصوفية إِنَّ الخَضِرَ ﵇ حيٌّ من عالم المِثَال.
стр. 624
٢٣ - باب فَضْلِ الْعِشَاءِ
٥٦٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ قَالَتْ أَعْتَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةً بِالْعِشَاءِ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَفْشُوَ الإِسْلَامُ، فَلَمْ يَخْرُجْ حَتَّى قَالَ عُمَرُ نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ. فَخَرَجَ فَقَالَ لأَهْلِ الْمَسْجِدِ «مَا يَنْتَظِرُهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ غَيْرُكُمْ». أطرافه ٥٦٩، ٨٦٢، ٨٦٤ - تحفة ١٦٥٤٤
٥٦٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِى بُرْدَةَ عَنْ أَبِى مُوسَى قَالَ كُنْتُ أَنَا وَأَصْحَابِى الَّذِينَ قَدِمُوا مَعِى فِى السَّفِينَةِ نُزُولاً فِى بَقِيعِ بُطْحَانَ، وَالنَّبِىُّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ، فَكَانَ يَتَنَاوَبُ النَّبِىَّ ﷺ عِنْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ كُلَّ لَيْلَةٍ نَفَرٌ مِنْهُمْ، فَوَافَقْنَا النَّبِىَّ ﵇ أَنَا وَأَصْحَابِى وَلَهُ بَعْضُ الشُّغْلِ فِى بَعْضِ أَمْرِهِ فَأَعْتَمَ بِالصَّلَاةِ حَتَّى ابْهَارَّ اللَّيْلُ، ثُمَّ خَرَجَ النَّبِىُّ ﷺ فَصَلَّى بِهِمْ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ لِمَنْ حَضَرَهُ «عَلَى رِسْلِكُمْ، أَبْشِرُوا إِنَّ مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكُمْ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ يُصَلِّى هَذِهِ السَّاعَةَ غَيْرُكُمْ». أَوْ قَالَ «مَا صَلَّى هَذِهِ السَّاعَةَ أَحَدٌ غَيْرُكُمْ». لَا يَدْرِى أَىَّ الْكَلِمَتَيْنِ قَالَ. قَالَ أَبُو مُوسَى فَرَجَعْنَا فَفَرِحْنَا بِمَا سَمِعْنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . تحفة ٩٠٥٨ - ١٤٩/ ١
اعلم أَنَّ حديثَ عائشة، وحديثَ أبي موسى ﵄ بعده حديثان متعدِّدَان، وواقِعَتان مختلفتان، وإنْ كان سطحهما واحدًا، فما في حديث عائشة ﵂ واقعة قَبْلَ فُشُوِّ الإِسلام، وما في حديث أبي موسى ﵁ واقعة متأخرة جدًا حين قَدِمَ أبو موسى ﵁ مِنَ الحبشة في السَّنَة السابعة، وكان خَرَجَ مِنَ اليمنِ لزيارَةِ النبي الكريم ﵊، فنازعته الرِّيح حتى ألقَتْهُ في الحبشة فَسَكَن بها سبع سنين، ثُمَّ قَدِمَ مع جعفر ﵁ ونَزَل بالبقيع، والبقيع: اسم لكل مكان فيه أُرُوم الشجر من أنواعٍ شتى، وكان مثل هذه الأمكنة كثيرة في أرضِ العرب، فيحتاجُ للتمييز إلى الإِضافات كما ترى ههنا «بقَيع بُطْحَان».
٥٦٦ - قوله: (نَامَ النِّساءُ) ... الخ. أي مَنْ كانوا في المسجد، ويُمكِن أَنْ يُرَاد به أَنَّه حان وَقْتُ النَّومِ. والأول أوجه.
قوله: (ما ينتَظِرُها أحدٌ من أهل الأرضِ غَيْركُم) قال السيوطي رحمه الله تعالى إنَّ الحصر بالنسبة إلى أهل الكتاب (١) وادَّعى في شرح البخاري أَنَّ العِشَاء لم تَكُنْ في أحد مِنَ الأُمَمِ غير هذه الأمة، وتَمَسَّكَ بما عند الطحاوي في باب الصَّلاةِ الوسطى وليس هذا عند غيره: أَنَّ أول مَنْ صلَّى العشاء الآخرة نبينا ﷺ وقد مرَّ مني في أول كتاب الصَّلاة، أنَّ الصَّلاةَ كلها ثَبَتَت عن الأنبياء الآخرين أيضًا، إلا أنَّها لم تكُن مفروضة على أُممهم وكانت على بني إسرائيل الفجر
стр. 625
والعصر فقط كما في النسائي إلا أَنَّ الشيخ السيوطي رحمه الله تعالى ذَهَبَ إلى أنَّ العشاء الآخرة لم يصلِّها نبي أيضًا فيمكِنُ أَنْ يقال: إنَّها مختصة بهذه الأمة بوصفِ الفرضية، ومن دونهم وإنْ صَلوها فعلَى شاكلة النافلة، وحينئذ معنى قوله: ما ينتظرها أي من حيث الفرضية، وقيل (١) إنَّ الإِسلامَ لم يَفْشُ إذ ذاك إلى الأَطْرَافِ كما في متن الحديثِ فيكون الحصر بالنِّسْبَة إلى الكُفَّار.
قال الحافظُ: والمرادُ أنَّها لا تُصَلَّى بالهيئةِ المخصوصة، وهي الجماعة إلا بالمدينة، وبه صرَّح الدَّاودي، لأنَّ مَنْ كان بمكةَ مِنَ المستضعفين لم يكونوا يُصلُّون إلا سِرًا، وأمَّا غير مكة والمدينة مِنَ البلادِ فلم يَكُنِ الإِسلام دَخَلَها.
قلتُ: ويمكِنُ أَنْ يكون قوله بالنسبةِ إلى المسْجِدِ النَّبوي، فإِنَّ المساجدَ اليوم كانت تسعة كما عند الدَّارَقُطْني بإِسنادٍ ضعيف، وراجع كلام السمهوري فإِنَّه أيضًا ذَهَبَ إلى التعدد، وحينئذٍ يمكِنُ أَنْ يكون مراده ما يَنْتَظِرُها غيركم الذين قَدْ صلَّوْها في مساجدهم وَرَقَدوا؛ أمَّا دعوى السيوطي رحمه الله تعالى فتحتاج إلى تأمل.
٢٤ - باب مَا يُكْرَهُ مِنَ النَّوْمِ قَبْلَ الْعِشَاءِ
٥٦٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِىُّ قَالَ حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ عَنْ أَبِى الْمِنْهَالِ عَنْ أَبِى بَرْزَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَ الْعِشَاءِ وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا. أطرافه ٥٤١، ٥٤٧، ٥٩٩، ٧٧١ - تحفة ١١٦٠٦
ولا بَأس به إذا كان عِندَهُ مِنْ يوقِظُهُ، أو كان مِنْ عادتِه أنَّه لا يَسْتَغْرق وقت الاختيار بالنَّوم. وحَمَل الطحاوي الرخصة على ما قَبْلَ دخولِ وَقْتِ العشاءِ والكراهةَ على ما بعدَ دُخولِهِ.
٢٥ - باب النَّوْمِ قَبْلَ الْعِشَاءِ لِمَنْ غُلِبَ
٥٦٩ - حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حَدَّثَنِى أَبُو بَكْرٍ عَنْ سُلَيْمَانَ قَالَ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ أَخْبَرَنِى ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ أَعْتَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْعِشَاءِ حَتَّى نَادَاهُ عُمَرُ الصَّلَاةَ، نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ. فَخَرَجَ فَقَالَ «مَا يَنْتَظِرُهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ غَيْرُكُمْ». قَالَ وَلَا يُصَلَّى يَوْمَئِذٍ إِلَاّ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانُوا يُصَلُّونَ فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ الأَوَّلِ. أطرافه ٥٦٦، ٨٦٢، ٨٦٤ - تحفة ١٦٤٩٩
فقسم على الحالات وأَجَازَ لِمن غَلَبَ عليه النَّوم وكَرِهَهُ لمن لم يكُن كذلك.
٥٦٩ - قوله: (فيما بين أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ) ... الخ. قال الفراء - واسمه يحيى: إنَّ الشَّفَقَ هو البياض، قال الإِتْقَاني في «غاية البيان شرح الهداية»: إنَّ الإِمام محمدًا والفراء ابنا خالة، وهو متقدم عن الشيخ ابنِ الهُمَام رحمه الله تعالى، ونَقَل عن الخليل أَنَّ البياض قد يَبْقَى إلى
стр. 626
نِصْفِ الليل، وهو باطلٌ عندي، فإِنَّ البياض الذي بعد الحُمْرَة يَعْقُبه الظَّلام والبياضات بعدَهُ تكون غير هذا البياض.
ولنا: ما عند الترمذي «حتى يَسْوَد الأفقُ» وليس هذا السواد إلا بَعْدَ البياض، أمَّا اللغة. (١) فالتحقيق فيه عندي: أَنَّ الشَّفَقَ مِنَ الإِشفاقِ والشَّفَقَةِ هي الرِّقة فهو أَمرٌ بينَ البياضِ الناصع، والحُمْرَة القانية. واعلم أَنَّ الوَقْتَ في اليوم الواحدِ من انبلاج الصُّبحِ الصَّادقِ إلى طُلوعِ الشمسِ، يكون كما بين غُروبِها وغُروب الشَّفقِ الأبيض في ذلك اليوم كذا حققَه الرياضيون.
ثم اعلم أنَّ تَرْدِيدَ وَقْتِ العشاء في الأحاديث مِنَ الثُلث والنِّصف إنَّما يُبْنَى على تَرْدِيد القُرْآن في صَلاةِ الليل، قال تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ ... ﴾ [المزمل: ٢ - ٤] فقد وزع الله سبحانَه الليلَ كلَّهُ بين وظيفةِ العشاءِ وصَلاة الليل، فإِن جَعَلَ العشاء في النصف بقي النصف الآخر لصَلاةِ الليل، وإِنْ صلاها في الثلث بقي الثُلثان لصَلاةِ الليل وهكذا، وعليه الترديد في النُّزول، فيعلم مِنْ بعض الرِّوايات أَنَّه مِنَ الثُلث، ومِن بعض آخر أنَّه من النِّصف، ورجحَ الحافظُ أنَّه في الثلث الآخر.
والتحقيقُ فيه عندي أَنَّ الكلَّ صحيح، ويفصل بين النُّزول والنزول، فنوعٌ منه يكون على النِّصف، والآخر على الثُلث، ولا نَدْرِي ما كيفيات تلك النزولات، وأي فروق بينها، وسَيَرِدُ عليك تحقيقُ النزول وأشباهه إن شاء الله تعالى.
٥٧٠ - حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أَخْبَرَنِى ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِى نَافِعٌ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شُغِلَ عَنْهَا لَيْلَةً، فَأَخَّرَهَا حَتَّى رَقَدْنَا فِى الْمَسْجِدِ، ثُمَّ اسْتَيْقَظْنَا ثُمَّ رَقَدْنَا ثُمَّ اسْتَيْقَظْنَا، ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِىُّ ﷺ ثُمَّ قَالَ «لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ غَيْرُكُمْ». وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يُبَالِى أَقَدَّمَهَا أَمْ أَخَّرَهَا إِذَا كَانَ لَا يَخْشَى أَنْ يَغْلِبَهُ النَّوْمُ عَنْ وَقْتِهَا، وَكَانَ يَرْقُدُ قَبْلَهَا. تحفة ٧٧٧٦
٥٧٠ - قوله: (وكان ابنُ عمر ﵁ لا يُبالي أَقَدَّمَها أم أَخَّرَها إذا كان لا يَخْشَى أَنْ يَغلِبَهُ النَّوم) ... الخ، وهذا يدلُّ على جواز النَّوم حين أَمِنَ فَوَاتها.
٥٧١ - قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ قُلْتُ لِعَطَاءٍ وَقَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ أَعْتَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةً بِالْعِشَاءِ حَتَّى رَقَدَ النَّاسُ وَاسْتَيْقَظُوا، وَرَقَدُوا وَاسْتَيْقَظُوا، فَقَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ الصَّلَاةَ. قَالَ عَطَاءٌ
стр. 627
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَخَرَجَ نَبِىُّ اللَّهِ ﷺ كَأَنِّى أَنْظُرُ إِلَيْهِ الآنَ، يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءً، وَاضِعًا يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ فَقَالَ «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِى لأَمَرْتُهُمْ أَنْ يُصَلُّوهَا هَكَذَا». فَاسْتَثْبَتُّ عَطَاءً كَيْفَ وَضَعَ النَّبِىُّ ﷺ عَلَى رَأْسِهِ يَدَهُ كَمَا أَنْبَأَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، فَبَدَّدَ لِى عَطَاءٌ بَيْنَ أَصَابِعِهِ شَيْئًا مِنْ تَبْدِيدٍ، ثُمَّ وَضَعَ أَطْرَافَ أَصَابِعِهِ عَلَى قَرْنِ الرَّأْسِ ثُمَّ ضَمَّهَا، يُمِرُّهَا كَذَلِكَ عَلَى الرَّأْسِ حَتَّى مَسَّتْ إِبْهَامُهُ طَرَفَ الأُذُنِ مِمَّا يَلِى الْوَجْهَ عَلَى الصُّدْغِ، وَنَاحِيَةِ اللِّحْيَةِ، لَا يُقَصِّرُ وَلَا يَبْطُشُ إِلَاّ كَذَلِكَ وَقَالَ «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِى لأَمَرْتُهُمْ أَنْ يُصَلُّوا هَكَذَا». طرفه ٧٢٣٩ - تحفة ٥٩١٥ - ١٥٠/ ١
٥٧١ - قوله: (قال ابنُ عباس ﵁: فَخَرج نبي الله ﷺ كأنِّي أَنْظُر إليهِ الآن) ... الخ، وهذه الواقعة متأَخِرَة جدًا، فإِنَّ ابن عباس ﵁ جاء السنة الثامنة وقد أَدْرَكها، ثُمَّ إِنَّ نحو قوله: (كأَنِّي أَنْظُر) ... الخ، سَمَّاهُ النُحَاة استحضارًا وحكاية للحال والظاهر أَنَّه لم يُرِد بذلك بيان التثبُتِ فقط، بل أَرَادَ شِرْكته فيها.
٥٧١ - قوله: (على الصُّدْغ وناحية اللحية) وهي في اللغة ما نبَتَت على لحييه. ويقال لها في الهندية: دارهى. لهذا المعنى لأنَّها تنبُتُ على الضرس - داره.
٢٦ - باب وَقْتِ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ
وَقَالَ أَبُو بَرْزَةَ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَسْتَحِبُّ تَأْخِيرَهَا.
٥٧٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ الْمُحَارِبِىُّ قَالَ حَدَّثَنَا زَائِدَةُ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ أَخَّرَ النَّبِىُّ ﷺ صَلَاةَ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، ثُمَّ صَلَّى ثُمَّ قَالَ «قَدْ صَلَّى النَّاسُ وَنَامُوا، أَمَا إِنَّكُمْ فِى صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُوهَا». وَزَادَ ابْنُ أَبِى مَرْيَمَ أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ حَدَّثَنِى حُمَيْدٌ سَمِعَ أَنَسًا كَأَنِّى أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ خَاتَمِهِ لَيْلَتَئِذٍ. أطرافه ٦٠٠، ٦٦١، ٨٤٧، ٥٨٦٩ - تحفة ٦٥٧، ٧٩١
وهو مستحبٌ إلى الثُلث، وجائزٌ إلى النِّصف بلا كَرَاهة، وبعدَهُ مع كراهةٍ تنزيهية، كذا حَقَّقَهُ ابنُ أمير الحاج. وإليه ذَهَبَ الطحاوي. واخْتَارَ بعضُهم التحريم إلا أَنَّهم استثنوا منه المسافر، فيجوز له بعد النِّصف بدونِ كَرَاهة.
قلتُ: واستثني المسافر في المغرب أيضًا، فإِنَّ الحنفية إذا قالوا بالجمع الصُّوْري لَزِمَهُم القول بجوازِ تَأْخِيرِها وإِنْ كانت السُّنَّة فيها التعجيل. ونُسِبَ إلى داود الظاهري والحسنِ بنِ زياد من الحنفية أَنَّ وَقْتَ العشاء إلى نِصْفِ الليل.
٥٧٢ - قوله: (ما انتظرتُمُوها) وقد وَرَدَت في فضيلةِ انتظارِ الصَّلاةِ بعد الصَّلاة أحاديث ولم أتحقق لها صورة العمل غير إشارة في «شرح الموطأ» للباجي: أنَّ السَّلف كانوا يَنْتَظِرون الصَّلاة بعد الصَّلاة وهكذا يُسْتَفَادُ من رِوَاية ابنِ ماجه ووجه التَّرَدد أني لا أرى في السَّلفِ شُهرة
стр. 628
جُلوسِهم لانتظار الصَّلوات بعد الصَّلوات مع كَثْرةِ الأحاديث في فضيلتهِ فلا أدري هل المراد به تَعلقُ القلب فقط أو الجلوسُ الحسي أيضًا؟
٢٧ - باب فَضْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ
قلتُ: وهذا مِنْ عادات المصنِّف رحمه الله تعالى أَنَّ الحديثَ إذا اشتمل على فائدةٍ، ويريد أَنْ بُنبِّه عليها، فإِنَّه يَذْكُرَها في الترجمة وإِنْ لم يُناسِب سلسلة التراجم، أعني به أَنَّ التَّراجِمَ إِذا تكون عندهُ مُسَلْسَلَة ثم تَبْدُو له فائدة في الأحاديث المستخرجة ويراها مهمة، فلا يَنْتَظر أَنْ يُبَوِّب لها بابًا، مستقلا، ولكِن يُفَرِّغْ عنها في ذيول هذه التراجم؛ وأسميه إنجازًا فقوله: والحديث، أي: الحديث بعد العشاء وإنْ لم يُناسب ذكره ههنا لأنَّه عَقَدَ الترجمةَ لفضلِ صلاة الفجر ولا مناسبة بينَهُ وبين الحديث بعد العشاء إلا أنَّه لمَّا كان مَذْكُورًا في الحديثِ المترجَم له ذكره إنجازًا. وقد اضطرب في توجيهِهِ الشارحون، ولم يَأْتُوا بشيء فقال بعضُهم: معنى قوله: والحديث أي الذي جاء في فَضْلِ الفجر.
٥٧٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا قَيْسٌ قَالَ لِى جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ كُنَّا عِنْدَ النَّبِىِّ ﷺ إِذْ نَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ فَقَالَ «أَمَا إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا، لَا تُضَامُّونَ - أَوْ لَا تُضَاهُونَ - فِى رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا». ثُمَّ قَالَ «فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا». أطرافه ٥٥٤، ٤٨٥١، ٧٤٣٤، ٧٤٣٥، ٧٤٣٦ - تحفة ٣٢٢٣
٥٧٣ - قوله: (كنَّا عند النبي ﷺ ... الخ، وظاهرٌ أنَّه بعد صَلاةِ العشاء.
قوله: (لا تضامُّون) وهو من الضمِّ أو الضَيمِ بمعنى الظُلم. والمعنى على الأول: أنكم تَرَوْنَهُ بغير مزاحمة بعضهم لبعض. وعلى الثاني: معناه: بغير أن يَظْلِمَ بعضكم بعضًا لا تُضاهون (تمهين شبه نه قال: بريكا). ٥٧٣ - قوله: (﴿فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ﴾) ... الخ، لا أقول إنَّ المرادَ من التسبيح الصَّلاة بل المراد منه هو التسبيحُ المعروف إلا أنَّه ما يكون في ضمن الصَّلاة وهكذا لا أريد مِنْ قوله: «اركعوا واسجدوا» الصَّلاة ابتداء ولكن الركوع والسجود مستعملان في مسماهما؛ ثُمَّ المراد منهما ما يكونان في خِلال الصَّلاة وفائدة هذا التعبير، التنبيه على أَجْزَاء الصَّلاة وتعليمها، وحينئذٍ تَنْسَحب الآية على التسبيحات بعد هاتين الصَّلاتين أيضًا، فالأذكار بعد الفَجْرِ والعَصْرِ متطفلة وتابعة لهما دون الوقت، بخلافِها بعد المغرب فإِنَّها تابعة للمساء والصَّلاة معًا.
٥٧٤ - حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ حَدَّثَنِى أَبُو جَمْرَةَ عَنْ أَبِى بَكْرِ بْنِ أَبِى مُوسَى عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ».
وَقَالَ ابْنُ رَجَاءٍ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ أَبِى جَمْرَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ أَخْبَرَهُ بِهَذَا. تحفة ٩١٣٨
стр. 629
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ عَنْ حَبَّانَ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ حَدَّثَنَا أَبُو جَمْرَةَ عَنْ أَبِى بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ مِثْلَهُ. تحفة ٩١٣٨ - ١٥١/ ١
٥٧٤ - قوله: (من صلى البَرْدَين) فيه تغليب. وفي الجامع الصغير للسيوطي رحمه الله تعالى أَنَّ الرؤية إِنَّما تكون في هذين الوَقْتَين، فجاء التَّخْصِيص لهذا، ثُمَّ رَمَزَ عليه السيوطي بالصحة، ومَنْ خَدَمَهُ أَقرَّ أَنَّ تلك الرُّموز من جانب الشيخ ﵀، وفي «حادي الأرواح» رواية أَنَّ التميز في الجنة بين الليل والنَّهار، إنَّما يكون بإِرخاء السَّتر، وكشفه بين أهل الجنة، وبين ربهم جل وعلا.
٢٨ - باب وَقْتِ الْفَجْرِ
٥٧٥ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ قَالَ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ حَدَّثَهُ أَنَّهُمْ تَسَحَّرُوا مَعَ النَّبِىِّ ﷺ ثُمَّ قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ. قُلْتُ كَمْ بَيْنَهُمَا قَالَ قَدْرُ خَمْسِينَ أَوْ سِتِّينَ - يَعْنِى آيَةً - ح. طرفه ١٩٢١ - تحفة ٣٦٩٦
٥٧٦ - حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ صَبَّاحٍ سَمِعَ رَوْحًا حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ نَبِىَّ اللَّهِ ﷺ وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ تَسَحَّرَا، فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ سَحُورِهِمَا قَامَ نَبِىُّ اللَّهِ ﷺ إِلَى الصَّلَاةِ فَصَلَّى. قُلْنَا لأَنَسٍ كَمْ كَانَ بَيْنَ فَرَاغِهِمَا مِنْ سَحُورِهِمَا وَدُخُولِهِمَا فِى الصَّلَاةِ قَالَ قَدْرُ مَا يَقْرَأُ الرَّجُلُ خَمْسِينَ آيَةً. طرفه ١١٣٤ - تحفة ١١٨٧
قوله: (إنَّ زيدَ بنَ ثابت حدثه) ... الخ، وزيد بن ثابت هذا قَدْ دَخَلَ في صلاةِ ليله ﷺ ومذهبه في الوترِ كمَذْهَبِ الحنفية، وراجع: «كشف الستر عن مسألة الوتر».
واعلم أنَّ الخِلاف فيهِ بيننا وبين الشافعي رحمه الله تعالى في الاستحبابِ دون الجوازِ فمذهبنا على ما يُعْلَم من كلام الطحاوي، أنْ يَشْرَع بغَلَس ثُمَّ يسفر بها بالإِطالة وهو مذهبُ محمد وأبي يوسف رحمهما الله تعالى، كما يُستفاد مِنْ كتاب «الحجج» وصرَّح الطحاوي أنَّه قول أَبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن رحمهم الله تعالى، ولم يَذْكر بينهم خلافًا، ثُمَّ وجدتُ في كتب أركان النَّقل أنَّه مذهب محمد ﵀ فقط، ومذهبُ الشيخين أفضلية الإِسفار بداية ونهاية، وحدُّ الإِسفار عندنا أَنْ يَفْرَغَ عنها، وقد بقي عليها من الوَقْت ما لو أَعَادَ فيه صلاته لعارض وَسِعَهُ قبل الطُّلوع مع رعاية السنن.
ومذهب الثَّلاثة استحباب التَّغْلِيس بداية ونهاية، فَيَدْخُل فيها كما طلع الفجر، ويفرغ عنها في الغَلَس، ويخالفه ما أخرجه المصنِّف عن ابنِ مسعودٍ رحمهما الله تعالى أنَّه قال: ما رأيتُ رسولَ الله ﷺ صلَّى صلاةً في غير وَقْتِها غير ذلك اليوم - يعني الفجر يوم المزدلفة. ومعلومٌ أنَّه لم يُصلِّها في ذلك اليوم إلا وَقَدْ طَلَع عليه الفَجْر، فَعُلِمَ أَنَّ الصَّلاة عَقِيب طُلوعِ الفَجْرِ صلاة في غير وَقْتِها، والصَّلاة في وَقْتِها أَنْ تُصَلَّى وقد دَخَلَت في الإِسفار كما قال النَّبي ﷺ «أسفِرُوا بالفجر ... » الخ، ومِنْ ههنا عُلِمَ أَنَّه لا يَصِحُّ حَمْلُه على تَحَقُّق طُلوع الفَجْرِ، فإِنَّك قد عَلِمْتَ أَنَّ
стр. 630
الصَّلاةَ كما تَحَقَّقت الفجر كانت بمزدلفة ثُمَّ عدَّها ابنُ مسعود ﵁ في غير وَقْتِها فلا تكون مأمورًا بها مع أَنَّا أُمِرْنا أَنْ نُسْفِرَ بها فالإِسفار هو وَقْتُها على نصِّ الحديث، وهي عند تَحقُّقِ الفجرِ في غير وَقْتِها على ما ذَكَرَهُ ابنُ مسعود ﵁، فَعُلِمَ أَنَّ الصَّلاة عند تَحقُّق الفجرِ صلاة في غيرِ وَقْتِها (١).
قال النَّووي: وقد يَحْتَجُّ أصحابُ أبي حنيفة رحمه الله تعالى بهذا الحديث على منعِ الجمعِ بين الصَّلاتين في السفر، لأنَّ ابنَ مسعودٍ ﵁ قد أَخْبَرَ أنَّه ما رآهُ يَجْمَعُ إلا في هذه الليلة، ثمَّ رَدَّ عليه من وجوه منها أَنَّه متروكٌ الظَّاهِر بالإِجماع، لأنَّه لَمْ يَذْكُر الجمع بعرفة أيضًا مع أَنَّه مُجْمَعٌ عليه، ونَقَلَ الحافظُ رحمه الله تعالى رَدَّ النووي وسكت عليه.
قلت: والجمعُ بعَرَفة أيضًا مذكورٌ عند النَّسائي قال كان رَسولُ الله ﷺ يصلِّي الصَّلاةَ لوقْتِها إلا بجمعِ وعَرَفات، فإِنْ كان خَفي على النَّووي فكيف خَفي على الحافظ.
ثم إنَّه نيطت بالإِسفار أَعْظَمِية الأجْرِ، فقال في موضعِ التعليلِ فإِنَّه أعظمُ للأجرِ والصَّلاة قَبْل التحقُّقِ باطلة (٢) فضلا عن حصولِ الأَجْرِ لتحصُلَ بعد التحقُّقِ أَعْظَمِية. وفي رواية النَّسائي «كُلما أَسْفَرْتُم، فدَلَّ على مراتب الإِسفار في أَجْزَاءِ يوم واحد، وأَخْذ التكْرَارِ بحَسبِ الأَيَّام بعيدٌ، وعن يزيد الأَودي عند الطحاوي رحمه الله تعالى، قال: كان علي بن أبي طالب كَرَّم اللَّهُ وَجْهَهُ يُصَلِّي بنا الفجرَ ونحن نَتَرَاءَى الشمس؛ مَخَافَةَ أن تكون قد طلعت. وعن عَليّ بنِ رَبيعة قال: سمعتُ عليًا رضي الله تعالى عنه يقول: يا قنبر أَسْفِر أسْفِر. ومثله عن عمرَ بنِ الخطاب أنَّه كان يُنَوِّر بالفجر. كيف لا وقد أُمِرَ أَنْ يُسْفِرَ بالفجر، وراجعه بأسانيده عند الطحاوي، وعنده عن إبراهيم قال ما اجتمعَ أصحابُ محمد ﷺ على شيء ما اجتمعوا على التَّنوير، وهو مَحْمُولٌ عندي على بدايتِهم في التَّغْلِيس ونهايتُهُم في الإِسفارِ، كما حملُهُ الطحاوي فافهم.
стр. 631
أمَّا ما تمسُّكوا بما نقل في سُنِّيَّة التغليس حتى إذا استشهد عمر رضي الله تعالى عنه، فليس فيه ما يدلُّ على مَذْهَبِهم، فإِنَّ التَّغْلِيس في البداية لا ننكره أيضًا، وما عَمِلَ به عثمان رضي الله تعالى عنه فهو الإِسفار بداية ونهاية، ليكون خُروجهم في وقتٍ يأمنُونَ فيه، ولا يَخافون أن يُغْتَالوا كما اغْتِيل عمر رضي الله تعالى عنه، وأمَّا ما تمسكوا به ممَّا روي في حديث جبريل عند أبي ادود في سِيَاق تأخيرِ عمر بن عبد العزيز في صلاة العصر أنَّه صلَّى الصُّبحَ مرةً أخرى فأَسْفَرَ بها ثُمَّ كانت صلاته بعد ذَلك التَّغْلِيس حتى مات لم يعد إلى أَنْ يُسْفِرَ. فقوله: لم يعد ... الخ علله أبو داود.
وعندي له وجه، ومعناه: أنَّه لم يعد إلى الإِسفارِ كما كان أَسْفَرَ بها في اليوم الثاني، وهكذا كان ينبغي، لأنَّ جبريل ﵇ علَّمه آخر وقتها في ذلك اليوم، وقد عَلِمْتَ أنَّا لا نعني بالإِسفار أَنْ يُصلَّي بها بحيث لا يَبْقَى بعدَهُ وقتٌ، أو يَبْقَى وقتٌ لم يَسعْ للصَّلاةِ، أو وسعها لكنَّه لم يَسع لها مع مراعاةِ الآداب. والدليل عليه ما أَخْرَجَهُ أبو داود في حديث جبريل أنَّه: «لمَّا كان من الغَدِ صلَّى الفجر وانصرف، فقلنا: أَطَلَعَت الشمس؟» انتهى. فدلَّ على شِدَّةِ التأخيرِ بحيث توهم منه «طلوع الشمس ونحوه عند مسلم في حديث أبي موسى في قِصة تَعْلِيم الأوقاتِ أعرابيًّا «أنَّه أَخَّر الفجر من الغد حتى انصرف منها والقائل يقول قد طَلَعت الشمس أو كادت» انتهى.
فالصَّلاتين في هذين اليومين كانتا في شِدَّة الغَلَس مرةً، وفي شدة الإِسفار أخرى، ثُمَّ جَرَى عَمله على التوسط والذي يَظْهَر أَنَّ العملَ في عهدِ النبي ﷺ كان على التَّغْلِيس ولا يجب أن يكونَ بِقَدْرِ ما رامَهُ الشافعية رحمهم الله تعالى مع أَنَّ الزمانَ إذْ ذاك كان زمانَ الشدة في العمل، والنَّاس كانوا يَتَقَيَّدون بصلاةِ الليل، فلم تَكُنِ الجماعة تَخْتَل بالتغليس، ثُمَّ إذا نشأ الإِسلامُ وكَثُرَ المسلمون وعَلِمَ أَنَّ فيهم ضعفًا عَمَلَ بالإِسفار في زمن الصحابة ﵃، لئلا يُفضي إلى تقليل الجماعةِ، وقد عَلِمْتَ فيما سَبَقَ أَنَّ بُطْأَ النَّاس وتعجيلهم ممَّا قد رَاعَاه النَّبي ﷺ أيضًا، فلو اجتمع النَّاس اليوم أيضًا في التَّغْلِيس لقُلنا به أيضًا كما في «مبسوط السَرَخْسي» في باب التيمم أَنَّه يُستحب التَغْلِيس في الفجر، والتعجيل في الظُّهْرِ إذا اجتمع النَّاس، ثُمَّ إنَّا لا ننازعك أنَّ الأمرَ كيف كان في عهدِ النَّبي ﷺ ونرجو منك أن تعذرنا في العمل بالإِسفار، فإِنَّا قد أُمِرْنا به بصريحِ النَّص «أسفروا بالفجر» وليرَ كُلُّ امرىءٍ وظيفتَه ولا يبحث مما كان أو يكون، هذا هو الصراط المستقيم فاتبعوه. وبعد فقد نقل السخاوي عن الحافظِ ابن حجر كما في «شرح الإِحياء» أنَّه أقرَّ بكونِ مذهبِ الحنفية أَقْوَى.
والحاصل: أنَّ العملَ قد بقي مشتركًا بيننا وبينهم فلهم أَنْ يَحمِلُوه على مسائِلهم. ولنا: أَنْ نحمِلَهُ على مختارنا، أمَّا القول أي «اسفروا بالفجر» فهو لنا خالصًا إِنْ شاء الله تعالى فناهيك به إمامًا في حديث عائشة ﵂: «ما يعرفن من الغَلَس» فقوله: «من الغَلَس» ليس مرويًا عن عائشةَ ﵂، بل هو قياسٌ مِنْ راو آخر، كما يُعْلَمُ من ابنِ ماجه، وفيه «تَعْنِي من الغَلَس».
стр. 632
وأمَّا ما عند البخاري «أَنَّه كان يُصلِّي بغَلَس» بطريق العادة فعلى ما علِمت فيه أنه مروي مَتنًا وسندًا عند الدارمي وفيه كان يغلس أو كانوا يغلسون بالشك - بالمعنى - وفي حديثٍ مرفوع «التغليس في الشّتاء والإِسفار في الصيف» وتتبعتُ طرقه فوجدتُ سندَهُ ساقطًا وفي إسنادِه سيف صاحب كتاب «الفتوح» وهو ضعيف بالاتفاق، ثم وجدته في «حلية الأولياء» وليس فيه هذا؛ والله تعالى أعلم.
٥٧٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِى أُوَيْسٍ عَنْ أَخِيهِ عَنْ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِى حَازِمٍ أَنَّهُ سَمِعَ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ يَقُولُ كُنْتُ أَتَسَحَّرُ فِى أَهْلِى ثُمَّ يَكُونُ سُرْعَةٌ بِى أَنْ أُدْرِكَ صَلَاةَ الْفَجْرِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . طرفه ١٩٢٠ - تحفة ٤٦٩٦
٥٧٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ قَالَتْ كُنَّ نِسَاءُ الْمُؤْمِنَاتِ يَشْهَدْنَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْفَجْرِ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ، ثُمَّ يَنْقَلِبْنَ إِلَى بُيُوتِهِنَّ حِينَ يَقْضِينَ الصَّلَاةَ، لَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الْغَلَسِ. أطرافه ٣٧٢، ٨٦٧، ٨٧٢ - تحفة ١٦٥٥٥
لمَّا فَرَغَ عَنْ فَضْلِها شَرَعَ في وقتها.
٥٧٧ - قوله: (كنت أَتَسحَّرُ في أهلي، ثُمَّ يكونُ سُرْعَةٌ بي أَنْ أُدْرِكَ صلاةَ الفجرِ مَعَ رَسولِ الله ﷺ ولعل هذا التَّغْلِيس كان في رمضان خاصة، وهكذا ينبغي عندنا إذا اجتمعَ النَّاس، وعليه العمل في دار العلوم بديوبند من عهد الأكابر.
٢٩ - باب مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْفَجْرِ رَكْعَةً
٥٧٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ وَعَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ وَعَنِ الأَعْرَجِ يُحَدِّثُونَهُ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصُّبْحِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ». طرفاه ٥٥٦، ٥٨٠ - تحفة ١٢٢٠٦، ١٤٢١٦، ١ ٣٦٤٦
٣٠ - باب مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصَّلَاةِ رَكْعَةً
٥٨٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ». طرفاه ٥٥٦، ٥٧٩ - تحفة ١٥٢٤٣
أخرجه أَوَّلا بتخصيص العصر، ثُمَّ بتخصيصِ الفجر، ثُمَّ أَخْرَجَهُ مطلقًا، باب مَنْ أَدْرَك من الصَّلاة رَكعة، فأَمْكَنَ أَنْ يَكُون إشارةً إلى أَنَّ الحديثَ في العصرِ والفجرِ أيضًا في حَقِّ المَسْبُوق، كالحديث المُطْلَق، وقد مرَّ تقريره.
стр. 633
٣١ - باب الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ
٥٨١ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِى الْعَالِيَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ شَهِدَ عِنْدِى رِجَالٌ مَرْضِيُّونَ وَأَرْضَاهُمْ عِنْدِى عُمَرُ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَشْرُقَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ. تحفة ١٠٤٩٢ - ١٥٢/ ١
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ سَمِعْتُ أَبَا الْعَالِيَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ حَدَّثَنِى نَاسٌ بِهَذَا. تحفة ١٠٤٩٢
توجه المصنِّف رحمه الله تعالى إلى مسألةِ الأوقاتِ المكروهةِ، وَقَدْ وَقَعَ فيها انتشار كثير، ووجهُه: أنَّ الأحاديثَ تَنهَى عن الصَّلاة في تلك الأوقات، ثُمَّ تَرِدُ أحاديث أخرى بجوازِ الصَّلاةِ فيها، وقد تَنْسَحِب بعمومِها على تلك الأوقاتِ فَيَحْدُثُ التجاذب بين العمومين، فمنهم مَنْ يَتَحرى أحاديث النَّهي على عمومِها ويخصص بها أحاديث الجواز ومنهم مَنْ يَظُنُّ أَنَّ الشريعةَ إذا وَرَدَتْ بالصَّلاة في تلك الأوقاتِ بعينها، فما لنا ألا نخصصها من تلك العموماتِ، كما في الرَّكعتين بعد العصر، فعموم قوله: «لا صلاة بعد العصر حتى تَغْرُبَ الشمس» يُوجِبُ نفيها، وخصوصُ ثبوت هاتين الرَّكعتين يُوجِب تخصيصهما عن هذا العموم. فهذا هو سِرُّ الخلافِ بين الأئمة رحمهم الله تعالى (١).
واعلم أَنَّ الأوقات المكروهة عندنا خمسة:
الطلوع، والغروب، والاستواء. وهذه الثلاثة لا تجوز فيها الصَّلاةُ مطلقًا، لا صَلاة جنازة، ولا سجدة تلاوة إلا عصر يومه، وأمَّا بعد الفجرِ حتى تَطْلُع الشمس، وبعد العصر حتى تَغْرُبَ الشمس، فيكره فيهما التَّنفُّل، ولا بأس بأن يُصلَّى في هذين الفوائت وسجدةَ التلاوة، والصَّلاةَ على الجنازة. وإنَّما فَرَّقنا بين حكمها لوضوحِ معنى الكَرَاهة، فإِنَّها في الثلاثة الأول لمعنى في الوقتِ وهو مقارنةُ الشيطان، فاستوى فيها الفرائض وغيرها، وأمَّا في الأخيرين فقد ظَهَرَ أَنْ لا كَرَاهة في الوقتِ، ألا تَرَى أَنَّه لو نَوَى فَرْضَ الوقتِ فيهما، أو شَغَلَهُ بالإِطالة جاز. فالكراهةُ لحقُ الفَرْضِ لا لأَجْلِ الوقْتِ، ولو كانت للوقْتِ لَمَا جازَ تأخيرُ الفَجْرِ والعصر إلى آخر وقتها، وَلَمَا وَرَدَ النهيُ بعد ما قبلها علمنا أَنَّ الكراهةَ فيهما لمعنى في غير الوقت، وهو حقُّ الفَرْضِ ليصير الوقتُ المشغول به فلم تَظْهَر في حق سائرِ الفرائض، وما في معناها وهي الواجبات بعينها كسجدةِ التِّلاوةِ بخلافِ رَكْعَتيِ الطَّوافِ لأنَّ وجوبَها لغيرِه، وقد تَعَسَّرَ الفَرْقُ على شارحي الهداية بين سجدةِ التِّلاوة، وركعتي الطواف، فراجعه وحرره.
والحاصل: أَنَّ الحنفيةَ قالوا بكراهةِ تلك الأوقاتِ كلِّها لأجلِ قيامِ الدَّليل. واعترض عليه الشيخ ابن الهُمَام: أَنَّ النَّهْيَ في هذين الوقْتَيْن أيضًا مطلقٌ كما في الثلاثةِ المذكورةِ، وتخصيصُ النَّص بالرأي لا يجوزُ ابتداءً.
стр. 634
أقول: أمَّا مسألةُ التَّخْصِيص بالرأي فهي ما ذَكَرَهُ الشيخ وإنْ كان عَملُهم بخلافها، فإِنَّهم يُخصِّصُونَ الأحاديثَ في الأخلاقِ والمعاملات بالرأي بلا تساؤل؛ نعم، يتأخرون عن تَخْصِيصِ أحاديث العباداتِ، وذلك لانجلاء الوجُوهِ في الطائفة الأولى وخفائِها في الثانية، وقد صرَّح ابنُ دقيق العيد أَنَّ الوجه إذا كان جليًا جازَ التخصيصُ بالرأي بلا نَكير على أنَّه ليس تَخْصِيصًا ابتداءً، بل خَصَّصَ منه الوتْرَ، فعند الدَّارَقُطْني: «من فاتَ عنهُ وِتْرُهُ فليصلِّها بعد الصُّبح - بالمعنى - وصَحَّحهُ العراقي في «شرح الترمذي» وهو عند أبي داود أيضًا إلا أَنَّ لفظَهُ: «فليصَلِّها إذا ذَكَرَها». وعند الترمذي «فليصلها إذا أصبح». وهو مرسلٌ قوي الإِسناد، وعنده مرفوعًا أيضًا إلا أَنَّ فيه عبد الرحمن بن زيد بن أَسْلَم، وهو ضعيفٌ.
والحاصل: أنَّ النَّهيَ وإنْ ورد في كلِّها إلا أنَّ الإِمامَ فَرَّقَ بين حكمها لمَّا رأى من اختلافِ شاكلة الشريعة فيها، فإِنَّها عَلَّقتِ النَّهي في هذين على الفجرِ والعصر، فدَلَّ على أنَّه ليس فيهما ما يُوجِبُ نُقْصَانَ الوقت، ثم ثَبَتَ عنه ﷺ الرَّكعتين بعد العصر أيضًا، فَدَلَّ على أَنَّ فيهما صلُوحًا وتوسعًا، بخلافِ تلك الثلاثة؛ وأمَّا الآخرون فَلَم يُفَرِّقوا بينهما وتَرَكُوها على شَاكِلةٍ واحدة. فَنَظَرُ الحنفية دقيق.
وأمَّا مالك رحمه الله تعالى فأَسْقَطَ الاستواء مِنْ بينِ الأوقاتِ المكروهةِ، وَجَوَّزَ في الأربعةِ الفرائضَ دون النَّوافِل، ولعلَّه رَأَى أَنَّ الفَرائِضَ مِنْ إقامةِ الله فلا بَأْسَ باستثنائِها لقوتِها، فأَخْرَجَها عن النَّهي بخلاف النَّوافِل فإِنَّها مِنْ تِلْقَاءِ العبد.
وأمَّا الشافعي رحمه الله تعالى فوافقنا في اعتبارِ الخَمْسةِ إلا أنَّه جَوَّزَ فيها الفرائضَ، والواجبات، وذوات الأسبابِ مِنَ النَّوافِل، ولم يُفَرِّق بينهما في الحُكْمِ كمالك رحمه الله تعالى، وإنَّما فَرَّقَ في النوافل بين ذواتِ الأسبابِ وغيرِها، لأنَّ النَّوافِلَ التي أقامَ الشرعُ لها أسبابٌ ورَغَّب فيها بنفسِها بدونِ تفصيلٍ كتحية المسجد - فكأنَّها خارجة عن قضيةِ النَّهي من جهته فليتركها على حالها - جائزة في جميع الأوقات. وأمَّا التي لا أَسْبَابَ لها مِنْ تِلْقَاءِ الشَّرع بل هي في طوع العبد إِنْ شاء فعل وإِنْ لم يَشَأ لم يَفْعَل، لا تَرْغيب فيها بخصوصِها فليمتنع عنها في تلك الأوقات.
قلتُ: ولعلَّك عَلِمْتَ أنَّ الصَّلوات كلَّها إذا جازت في تلكَ الأوقات - المكتوباتِ، والتطوعاتِ من ذواتِ الأسباب، خَرَجَ أَكْثَرُ الأَفْرَادِ من أحاديث النَّهي، ولم يَبْقَ تَحْتَها إلا غير ذواتِ الأسباب من النَّوافِل، فصار عمومها قليل الجَدْوَى مَعَ صحةِ الأحاديثِ فيها بل تواترها في الوقتين الأخيرين، كما قال به أبو عمرو. فأخذناها بالنواجذ وعَمِلْنا بها مهما أمكنَ وجَعَلْنَاها أُسوة في البابِ، وسائرها مخصوصة بخلاف الخُصوم فإِنَّهم قد عَكَسوا الأمرَ وخَصَّصُوا الأحاديث العامَّة والضوابطَ الكلِّية بكل واقِعة وَرَدَت عليهم فأشعر به أيهما أولى؟ إلقاء الصَّلواتِ في أوقاتِ الشيطان أو صونُها عنها؟
وَذَهَب بعضُ السَّلَف إلى جواز الصَّلاةِ بعد العصر والفجر، وحملوا النَّهيَ على سَدِّ الذرائعِ أي لِئَلا تَقَع صلواتُهم في عين الطُّلُوع والغروب، فالأوقاتُ المكروهة عندَهُم ثلاثة، والنَّهيُ عن
стр. 635
هاتين الصَّلاتين ليس لكونِهما مِنَ الأوقاتِ المكروهة بل صِيانَةً للصَّلواتِ عن الوقوع في عينيهما، وهو ظاهر قوله ﷺ «لا يتحرَّى أحدكم فيصلِّي عند طلوعِ الشمس وعند غروبها». فالنُّطقُ وإِنْ كان بعد الطُّلوع وبعد الغروب إلا أَنَّ المحط هو عين الطُّلوع والغروب، وأنت تَعْلَم أَنَّه لم يَبْقَ حينئذٍ تحت أحاديث النَّهي عن هاتين الصَّلاتين فَرْد، وبقيت الأحاديث بلا مصداق.
٥٨٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ هِشَامٍ قَالَ أَخْبَرَنِى أَبِى قَالَ أَخْبَرَنِى ابْنُ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا تَحَرَّوْا بِصَلَاتِكُمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبَهَا». أطرافه ٥٨٥، ٥٨٩، ١١٩٢، ١٦٢٩، ٣٢٧٣ - تحفة ٧٣٢٢
٥٨٣ - وَقَالَ حَدَّثَنِى ابْنُ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِذَا طَلَعَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأَخِّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَإِذَا غَابَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأَخِّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَغِيبَ». تَابَعَهُ عَبْدَةُ. طرفه ٣٢٧٢ - تحفة ١٠٥٤٤، ٧٣٢٢
٥٨٢ - قوله: (لا تَحَرَّوْا بصلاتِكُم طلوعَ الشمسِ ولا غُروبَها) قال الشافعية رحمهم الله تعالى: إنه لا دَخْل لتحري العبد في الفرائضِ وكذا في ذواتِ الأسبابِ مِنَ النَّوافِل فإِنَّها ليست من تَحَرِّيه، وإنما هي مِنْ جِهَةِ الله تعالى، فلم تَبْقَ تحتَهُ إلا غير ذواتِ الأسباب، وهي التي فيها دَخْلٌ لتَحَرِّيهِ، وقد مرَّ أنَّ ظاهرَهُ أَوْفَقُ مِمَّا ذهب إليه بعض السلف.
قلتُ: إذا صَدَعَ الشرعُ بكونِ الأوقاتِ الثلاثةِ أوقاتًا للشيطانِ، وبيَّنَ معنى الكراهة لكلِّ ذي عينينِ، فالجمودُ على ظاهرِ لفظِ التَّحرِّي لا نَدْرِي أهو مِنْ لَفْظِ النبي ﷺ أَوْ مِنْ جِهَةِ الرَّاوي جمود جامد، ثُمَّ إنَّك إنْ كان عندَكَ ذوقٌ مِنَ العربية فافهم أَنَّ قوله: «لا تَحَرَّوْا» ليس مدارًا للحُكْمِ بل تقبيحٌ عليه أيُّ تقبيح، فإِنَّه إذا تهاونَ في أَمْرِ الصَّلاة وفَعَلَ فِعْلَ المُنافِقِ ولم يحافظها على ما أَمَرَه الله، فصلاها متى أَرَادَ فكأنَّه أَلْزَمَهُ أنَّه يتحرَّى بذلك طلوع الشمس، فتهاونُه وقِلةُ مبالاتِه أُقيم مَقَامَ التَحرِّي على حد قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَاّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مّنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠] فكأَنَّ تأخرهم عن تصديق الرُّسل وتأخيرهم فيه أُقيمَ مَقَام نَظَرِهم إلى إتيان الله في ظُلل من الغمام، فإِذن هو لمزيدِ التقبيح، وراجع الطيبي للفَرْقِ بين قوله: «لا تَحَرَّوْا بصلاتكم» وقوله: «لا يَتَحَرَّى أحدكم فيصلي» ... الخ.
قوله: (وقبل أن تغرب) وقد مرَّ مني أنَّ المرادَ منه قبل الاصفرار وهو الغروب الشرعي، والصَّلاة بعده مكروهة، فلا يَدْخُل في سياقِ التعليم، وأمر القرآن أرفع منه، فلا يُحْمَل نَظْمُه إلا على الأحب فالأحب في نظر الشارع، ولذا أقول: إنَّ المرادَ من قوله: ﴿مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْءانِ﴾ [المزمل: ٢٠] ليس هو الآية، لأنَّه يُوجِب أَن تدخل الكراهة في نَظْمِ النَّص.
٥٨٤ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ أَبِى أُسَامَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعَتَيْنِ وَعَنْ لِبْسَتَيْنِ وَعَنْ صَلَاتَيْنِ نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى