عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ - رضى الله عنه - وَهْوَ مَحْصُورٌ فَقَالَ إِنَّكَ إِمَامُ عَامَّةٍ، وَنَزَلَ بِكَ مَا تَرَى وَيُصَلِّى لَنَا إِمَامُ فِتْنَةٍ وَنَتَحَرَّجُ. فَقَالَ الصَّلَاةُ أَحْسَنُ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ، فَإِذَا أَحْسَنَ النَّاسُ فَأَحْسِنْ مَعَهُمْ، وَإِذَا أَسَاءُوا فَاجْتَنِبْ إِسَاءَتَهُمْ. وَقَالَ الزُّبَيْدِىُّ قَالَ الزُّهْرِىُّ لَا نَرَى أَنْ يُصَلَّى خَلْفَ الْمُخَنَّثِ إِلَاّ مِنْ ضَرُورَةٍ لَا بُدَّ مِنْهَا. تحفة ٩٨٢٧، ١٩٣٧٢ أ
٦٩٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانَ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أَبِى التَّيَّاحِ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ لأَبِى ذَرٍّ «اسْمَعْ وَأَطِعْ، وَلَوْ لِحَبَشِىٍّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ». طرفاه ٦٩٣، ٧١٤٢ - تحفة ١٦٩٩
قيل: الأحسن أن يقول: المُفْتَتَن، وقيل: الفَاتِن، ثم قيل: إن المفتون يُطْلَق على الفاتِن أيضًا. والمراد منه: من لا يَحْتَاط في دينه، ولا يَتَقَيَّدُ بالشرع في آدابه وعقائده حتى تذهب به نفسه كل مَذْهَبِ، لا من لم يكن يُحْسِنُ يصلِّي، أو يَقْصُر فيها، ليصِحَّ استدلال المصنِّف ﵀.
٦٩٥ - قوله: (ويُصَلِّي لنا إمام فِتْنَة، ونَتَحَرَّجُ)، وهذا الذي نَّبْهتُك عليه آنفًا: أن الحديثَ لم يُسَقْ لبيان المَخْرَج، ولم يعلِّمهم الاقتداء بهم، ولم يرغِّبهم في تطلُّب الجماعة خلفهم. وإنما وَرَدَ في تسليتهم، وتفريج تحرُّجهم، وتبريد صدرهم، وإذهاب حرِّهم، وإطفاء لوعتهم عندما اضْطَروا إلى الاقتداء بهم، فشقَّ عليهم الاقتداء لِمَا يَرَوْنَه مفتونًا مبتدعًا.
وحمله الشافعية رحمهم الله تعالى على أنه وَرَدَ في صورة العمل، وهدى إلى المخلِّص في تلك الأيام، ونبَّه على ضعف رابطة القدوة جدًا فيمكن لهم أن يتداركوا لأنفسهم ما قَصَرَ فيه إمامهم، حتى يكون تكميله لهم وتقصيره عليه لا عليهم.
وإذ قد عَلِمْت أنه لم يَرد في تقصيرهم في نفس أركان الصلاة؛ بل وَرَدَ في الأمور الخارجية التي أوجبت عليهم التشويش والتحرُّج في الاقتداء بهم، فكيف يمكن التكميل منهم فيما قَصَرَ فيه الإِمام في الخارج؟ وإنما يأتي التكميل من المقتدي فيما فَرَضْنَا أن الإمام قَصَرَ في أجزاء الصلاة، وإذا كان مَبْنَى التحرُّج عمَّا يفعله في الخارج لا يمكن تكميله في المقتدي في الصلاة؛ بل لا يُتَصَوَّر أيضًا.
ثم إن سبب تهُّيج هذه الفتن: أن أمر المؤمنين عثمان رضي الله تعالى عنه كان يَسْتَعْمِلُ أقاربه، وكان بعضهم لا يُحْسِنُون العمل، فَقَدَحَ الناس فيهم، وبلَّغُوا أمرهم إلى عثمان رضي الله تعالى عنه، فلم يصدِّقهم وظنَّ أنهم يَغُرُّون بأقاربه بلا سببٍ، ولعلَّلهم لا يَطِيب بأنفسهم تولية أقاربه، فُيشُون بهم. ومرَّ على ذلك بُرْهةٌ من الزمان حتى جاءه محمد بن أبي بكر يَسْتَعْمِلُه، فأمر مروان - وكان كاتبًا له - أن يَكْتُب إذا جاءكم محمد بن أبي بكر فاقبلوه، فكَتَبَ مروان: فاقتلوه، مكان فاقبلوه، واتَّفق أن محمد بن أبي بكر فَعَلَ فِعْل المُتَلَمِّس، فَفَتَحَ المكتوب، فإِذا فيه أمر القتل، فرجع على أعقابه وقصَّه على عليّ ﵁، فطلب عليّ ﵁ مروان، فلم يفعله عثمان ﵁، وعند ذلك أثارت تلك الفِتَن وهاجت حتى مضى عليه
стр. 737
قَدَرُ الله، ثم إن عثمان ﵁ وإن لم يَعْزِل أقاربه من أجل شكايات الناس، لكنه لم يَحْمِهم أيضًا.
وفي كُتُب التاريخ: أن عليًّا والزُّبَيْر وطلحة ﵃ لمَّا رأوا أن الحال بَلَغَ هذا المَبْلَغ أرسلوا إليه أولادهم أن يَحْرُسُوه، وكانوا يَزْعُمُون قبله أن البغاة لعلهم يستغيثون إليه، فيقضى بمأمولهم ويُنْجِحُ حاجاتهم، ولم يكن يَخْطُر ببالهم ما انتهى إليه الأمر. وبينما هم في ذلك إذ بَلَغَ عليًّا ﵁ نبأ شهادته، ففرَّ ييَعْدُو ولَطَمَ حُسَيْنًا ﵁، وقال: أنت ههنا؟ واستشهد عثمان ﵁، فقال: ليس عندنا به علم، لأن البغاة نزلوا من فوق الجدار، ولم يَدْخُلوا من الباب. ثم رأيت: أن الناس أرادوا أن يُدَافِعُوا عنه فأبى عثمان ﵁، وقال: لا أحب أن تُسْفَكَ قطرةُ دَمِ امرىءٍ مسلمٍ من أجلي، حتى سألوه عُبَيْدة فأجاب: أن كل من يَغْمُدُ السيف منكم فهو حرٌّ. وهكذا منذ بَدْء الزمان: أن من لا يَنْتَصِر لنفسه، لا يُنْصَر له، ويَتَنَحَّى عنه الناس.
قوله: (فقال: الصلاة أحسن) ... الخ، وعُلِمَ منه أن المُسِيء لو فَعَلَ فِعْلا حَسَنًا، فهو حَسَنٌ، ولا يصير قبيحًا.
٥٧ - باب يَقُومُ عَنْ يَمِينِ الإِمَامِ بِحِذَائِهِ سَوَاءً إِذَا كَانَا اثْنَيْنِ
٦٩٧ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمِ قَالَ سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - قَالَ بِتُّ فِى بَيْتِ خَالَتِى مَيْمُونَةَ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعِشَاءَ، ثُمَّ جَاءَ فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ ثُمَّ نَامَ، ثُمَّ قَامَ فَجِئْتُ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَجَعَلَنِى عَنْ يَمِينِهِ، فَصَلَّى خَمْسَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ نَامَ حَتَّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ - أَوْ قَالَ خَطِيطَهُ - ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ. أطرافه ١١٧، ١٣٨، ١٨٣، ٦٩٨، ٦٩٩، ٧٢٦، ٧٢٨، ٨٥٩، ٩٩٢، ١١٩٨، ٤٥٦٩، ٤٥٧٠، ٤٥٧١، ٤٥٧٢، ٥٩١٩، ٦٢١٥، ٦٣١٦، ٧٤٥٢ - تحفة ٥٤٩٦ - ١٧٩/ ١
وهو المسألة عندنا. نعم إذا كان اثنان، فالأحسن أن يتأخَّرا عنه.
٦٩٧ - قوله: (فَصَلَّى أربع ركعاتٍ) وهي السنة بعد العشاء.
قوله: (ثم قام .. فَصَلَّى خمسَ ركعاتٍ)، وهذا القيام لصلاة الليل، وقد عَلِمْتَ الاختلاف في عدد صلاته ﷺ في تلك الليلة، وأن الرَّاوي قد اقتصر فيه على ذكر قطعة من صلاته، وترك باقيها.
٥٨ - باب إِذَا قَامَ الرَّجُلُ عَنْ يَسَارِ الإِمَامِ، فَحَوَّلَهُ الإِمَامُ إِلَى يَمِينِهِ لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُمَا
٦٩٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَمْرٌو عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - قَالَ نِمْتُ عِنْدَ مَيْمُونَةَ وَالنَّبِىُّ ﷺ عِنْدَهَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَتَوَضَّأَ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّى، فَقُمْتُ
стр. 738
عَلَى يَسَارِهِ، فَأَخَذَنِى فَجَعَلَنِى عَنْ يَمِينِهِ، فَصَلَّى ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ نَامَ حَتَّى نَفَخَ - وَكَانَ إِذَا نَامَ نَفَخَ - ثُمَّ أَتَاهُ الْمُؤَذِّنُ، فَخَرَجَ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. قَالَ عَمْرٌو فَحَدَّثْتُ بِهِ بُكَيْرًا فَقَالَ حَدَّثَنِى كُرَيْبٌ بِذَلِكَ. أطرافه ١١٧، ١٣٨، ١٨٣، ٦٩٧، ٦٩٩، ٧٢٦، ٧٢٨، ٨٥٩، ٩٩٢، ١١٩٨، ٤٥٦٩، ٤٥٧٠، ٤٥٧١، ٤٥٧٢، ٥٩١٩، ٦٢١٥، ٦٣١٦، ٧٤٥٢ تحفة ٦٣٦٢، ٦٣٤١ أ
وهكذا فَعَلَه النبيُّ ﷺ مع ابن عبَّاس ﵁ في مبيته في بيت خالته. واسْتَفَدْتُ أن الكراهة إذا طرأت في الصلاة، ينبغي أن تُرْفَع في خلال الصلاة. ولا توجد تلك المسألة في الفقه، وإنما اسْتَنْبَطْتُها من هذا الحديث.
٦٩٨ - قوله: (فصلَّى ثلاثَ عشرةَ ركعةً) هذه ركعات النبيّ ﷺ في تلك الليلة. وقد اختصر فيه الرَّاوي في الرواية المارَّة.
وفي إسناده مَخْرَمة وعند الطَّحَاوي قَيْس بدله، والصواب مَخْرَمة كما في هذا الكتاب. ثم عن مَخْرَمة هذا أن تلك الخمسة هي ركعتان من صلاة الليل وثلاث الوتر، كما قرَّرناه سابقًا. والاضطجاع في تلك الواقعة قبل سنة الفجر بعد صلاة الليل.
٥٩ - باب إِذَا لَمْ يَنْوِ الإِمَامُ أَنْ يَؤُمَّ ثُمَّ جَاءَ قَوْمٌ فَأَمَّهُمْ
٦٩٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ بِتُّ عِنْدَ خَالَتِى فَقَامَ النَّبِىُّ ﷺ يُصَلِّى مِنَ اللَّيْلِ، فَقُمْتُ أُصَلِّى مَعَهُ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ بِرَأْسِى فَأَقَامَنِى عَنْ يَمِينِهِ. أطرافه ١١٧، ١٣٨، ١٨٣، ٦٩٧، ٦٩٨، ٧٢٦، ٧٢٨، ٨٥٩، ٩٩٢، ١١٩٨، ٤٥٦٩، ٤٥٧٠، ٤٥٧١، ٤٥٧٢، ٥٩١٩، ٦٢١٥، ٦٣١٦، ٧٤٥٢ - تحفة ٥٥٢٩
ونية الإمامة ليست بشرطٍ عندنا أيضًا إلا في مسألة المحاذاة، فإِن مسائلها لا تأتي إلا عند نية الإمام إمامتها.
٦٠ - باب إِذَا طَوَّلَ الإِمَامُ، وَكَانَ لِلرَّجُلِ حَاجَةٌ، فَخَرَجَ فَصَلَّى
٧٠٠ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ كَانَ يُصَلِّى مَعَ النَّبِىِّ ﷺ ثُمَّ يَرْجِعُ فَيَؤُمُّ قَوْمَهُ. أطرافه فى ٧٠١، ٧٠٥، ٧١١، ٦١٠٦ - تحفة ٢٥٥٢
٧٠١ - وَحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرٍو قَالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ كَانَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ يُصَلِّى مَعَ النَّبِىِّ ﷺ ثُمَّ يَرْجِعُ فَيَؤُمُّ قَوْمَهُ، فَصَلَّى الْعِشَاءَ فَقَرَأَ بِالْبَقَرَةِ، فَانْصَرَفَ الرَّجُلُ، فَكَأَنَّ مُعَاذًا تَنَاوَلَ مِنْهُ، فَبَلَغَ النَّبِىَّ ﷺ فَقَالَ «فَتَّانٌ فَتَّانٌ فَتَّانٌ» ثَلَاثَ مِرَارٍ أَوْ قَالَ «فَاتِنًا فَاتِنًا فَاتِنٌ» وَأَمَرَهُ بِسُورَتَيْنِ مِنْ أَوْسَطِ الْمُفَصَّلِ. قَالَ عَمْرٌو لَا أَحْفَظُهُمَا. أطرافه ٧٠٠، ٧٠٥، ٧١١، ٦١٠٦ - تحفة ٢٥٥٢ - ١٨٠/ ١
стр. 739
وهذا أيضًا من فروع القدوة، فجوز عند الشافعية أن يتحوَّل المقتدي إلى الاقتداء. وحملوا هذه الواقعة على أنه لم يَخْرُج عن صلاته، بل تحوَّل إلى الانفراد من خلال صلاته.
قلتُ: وعند مسلم صراحةً: «أنه سلَّم ثم صلَّى لنفسه في ناحية المسجد»، وعلَّل النووي هذا اللفظ. وعندنا لا سبيلَ للخروج عنها إلا بعملٍ مُفْسِدٍ، ولا أثر للنيات، فإن نَوَى المقتدي أن يَخْرُجَ عن الاقتداء، أو نَوىَ المُنْفَرِد أن يتحوَّل إلى الاقتداء، ليس له ذلك، وهما على حالهما كما كان. وإنما السبيل أن يسلِّم، أو يَعْمَلَ عملا يَخْرُج به عن صلاته، ثم يَدْخُل في صلاة أخرى.
٧٠١ - قوله: (قال: كان مُعَاذ يُصَلِّي مع النبيِّ ﷺ وعلم أن الكلامَ في صلاة مُعَاذ رضي الله تعالى عنه مع النبيِّ ﷺ وصلاته بقومه طويلٌ يحتاج إلى تَعَمُّل فِكْرٍ، وإمعان نَظَرٍ، وعليه تُبْتَنَى مسألة اقتداء المُفْتَرِض خلف المتنفِّل، واختاره الشافعية. فإن ثَبَتَ أن مُعَاذًا كان يصلِّي مع النبيِّ ﷺ فريضته، ثم كان يصلِّي بقومه أيضًا ثَبَتَ اقتداء المُفْتَرِض خلف المتنفِّل وإلا فلا. ولا يجوز عندنا للتضمُّنِ المُعْتَبرِ بين صلاة الإمام وصلاة المقتدي، وكذا عند أحمد رحمه الله تعالى، وعند مالك رحمه الله تعالى في روايته. وعند الترمذي: أن الإِمام ضامنٌ، فلا بُدَّ أن يكون التضمُّن مُرَاعى.
ثم إن الطَّحَاويَّ ذكر في «شرح معاني الآثار»: أن الفريضة تحتوي على أمرين: ذات الصلاة، ووصف الفرضية، بخلاف النافلة، فليست فيها إلا ذات الصلاة. فإن قلتَ: قد اعْتُبِرَ فيها وصف النفليَّة، فاشتملت على الأمرين أيضًا كالفريضة. قلنا: كلا، فإن النفل وإن كان وصفًا، لكنَّ ذات الصلاة لا تنفك عنه عند الإطلاق بخلاف الفرضية، ولذا يُحْتَاجُ فيها إلى النية الزائدة على نفس الصلاة. فلا تَقَعُ فريضة إلاّ بعد نيتها بخلاف النفل، لأنه أدنى مرتبة الجنس، فَتَقَعُ عليه عند انعدام النية أيضًا.
إذا عَلِمْتَ هذا، فاعلم: أنَّ الإمام إن كان متنفلا فصلاته نصف صلاة المقتدي المُفْتَرِض على الفرض المذكور، والشيء لا يتضمَّن إلا ما هو دونه أو يساويه، ولا يتضمَّن ما فوقه؛ بل يستحيل أن يتضمَّنه، ثم إن ههنا دقيقة أخرى غَفَلَ عنها الناس وغَلِطُوا فيها، حتى وقع فيه بعض من علماء المذاهب الأخرى أيضًا، فيَزْعُمُون أن المذهب عندنا هو التنفُّل دون الإعادة، فيعيدها ويَنْوِي النفل، وإعادة الصلاة بنية النفل هو الذي عَنَوْه بالتنفُّل والمذاهب الأخرى قائلةٌ بالإعادة، أي يصلِّي تلك الصلاة بعينها ولا ينوي النفل، حتى أنهم اختلفوا في أن أيًّا من صلاتيه تقع عن الفريضة: فقال بعضهم: إن الفريضة تَسْقُطُ بأُولى صلاتيه. وقال آخرون: بل تَسْقُطُ بأكمل منهما، ولا يُحْكَم على إحداهما بتًا، كما في «الموطَّأ» عن ابن عمر ﵁ لمَّا سُئل عن ذلك فوَّضه إلى الله.
الحاصل: أن الحنفية عامتهم يُعَبِّرُون في صلاة مُعَاذ ﵁ أنها كانت نافلة خلف
стр. 740
رسول الله ﷺ وفريضة في قومه، وتخالفه ألفاظ الأحاديث جملة. فإن الرواة كافة يُصَرِّحُون بأن مُعَاذًا كان يصلِّي بهم عينَ ما كان يصلِّي خلف النبيِّ ﷺ ولا يقول واحدٌ منهم: إنه كان يُصَلِّي خلف النبيِّ ﷺ نافلةً؛ بل كلهم يقول: إنه كان يصلِّي العشاء خلف النبيِّ ﷺ ويُصَلِّي بهم أيضًا تلك.
وهذا القصور في عبارات المتأخِّرين. والقدماء منا لم يقولوا إلا بالإعادة، ولم يفهم واحدٌ منهم أنه كان ينوي النفل، بل في الكُتُب الأربعة لمحمد رحمه الله تعالى لفظ الإعادة، وهي اسم لتكرار عين الصلاة، فيُصَلِّي العشاء ثم يصلِّيها ثانيًا بذلك الاسم، ولا ينوي النفل. وبه صَرَّح الطحاويُّ في موضعين، فنصُّ الطحاويِّ في واحدٍ منهما: فلا بأس أن يفعل فيها ما ذُكِرَ، ثم من صلاته إياها مع الإمام على أنها نافلة له غير المغرب ... الخ. وفي موضعٍ آخر وممن قال بأنه لا يُعَاد من الصلاة إلا الظهر والعشاء الآخرة: أبو حنيفة وأبو يوسف، ومحمد رحمهم الله تعالى اهـ. فصَرَّح أن الإعادة مُعْتَبَرَةٌ عندنا أيضًا، كما هو عند سائر الأئمة، إلا أنه في الصلاتين فقط.
ومعنى قوله على أنها نافلة: أي أنه لا ينوي النفل، ولكنه تَقَعُ عنه نافلة إذ سَقَطَ فرضه عن ذمته بأُولى صلاتيه إن كان نَوَى بها إسقاط الفريضة، وحينئذٍ اتَّضَحَ أن المذهب أنه يصلِّي صلاةً واحدةً مرتين، بمعنى أنها إن كانت عشاءً يُعِيدُها عشاءً، ولا ينوي غير العشاء، وإن ظهرًا فظهرًا، وهكذا. نعم إن نَوَى إسقاط الفريضة بأُولى صلاتيه لا تقع الأخرى إلا نافلةً، وذلك لأن ذمته قد فَرَغَت بالأُولى، فلا تقع الثانية إلاّ نفلا، ولعلك فَهِمْتَ الآن الفرق بين قولنا: تنقَّل بكذا أو صلّى نافلةً، وبين قولنا: صلَّى على أنها نافلة. فإن الأول يَدُلُّ على نية النفل، والثاني على أنه لم ينو إلاّ عينَ تلك الصلاة، ثم وقعت نفلا بدون نيةٍ منه.
فإن قلتَ: إنك إذا نَوَيْتَ العشاء في الموضعين، فكيف تقع الثانية نافلة؟ قلتُ: كصلاة الصبيان، فإنهم لا يَنْوُون صلواتهم إلاّ بأسمائها كالفجر والظهر وغيرهما، ثم لا تقع عنهم إلاّ نافلةً، لا أنهم يَنْوُون نفلا ويُصَلُّون متنفِّلين من أول الأمر. فهكذا حال من أسقط الفريضة عن ذمته مرةً، فإنه أيضًا ينوي تلك الصلاة، ولا تقع عنه إلاّ نافلةً (١)، وهو الذي عَنَاه الطحاويُّ بقوله: على أنها نافلة.
ثم إن الطحاويَّ لم يَذْكُر بين الأئمة خلافًا في نفس الإعادة، فعُلِمَ أن الإعادة متفقٌ عليها إجماعًا. وإنما الخلافُ في إعادة الكلِّ أو البعض منها، فذَهَبَ الشافعيةُ إلى أنه يُعِيدُ الصلوات الخمس، وذهب الحنفية رحمهم الله تعالى إلى أنه لا يُعِيدُ إِلاّ الظهر والعشاء. فلا ينبغي إقامة الخلاف في نفس الإعادة بعد هذا الصَّدْع والإعلان. ومن ههنا تبيَّن أن من قال: إنه كان يُصَلِّي
стр. 741
في قومه تَطَوُّعًا، فقد أخذ بالثمرة، ثم وقع الناس في المغالطة من تعبيره. مع أن الحق ما حقَّقناه، وخلافه خلاف الصواب.
وإذا تقرَّر هذا، لم يبقَ بيننا وبين الشافعية خلاف في صلاة مُعَاذ ﵁، إلا أنهم قالوا: إن أُولى صلاتيه كانت فريضةً والأخرى نافلةً، وقلنا بعكسه. وحينئذٍ اعْتَدَلْنَا ككفتي الميزان، لا مَزِيَّة لهم علينا، لأن ما ادَّعُوه من باب الرجم بالغيب، فمن أين عَلِمُوا أن صلاة مُعَاذ ﵁ خلف النبيّ ﷺ كانت هي الفريضة ولا يُعْلَمُ حال النية إلاّ من قِبَلِهِ، وما لم يبيِّن هو بنفسه، فجَعَلَ أُولى صلاتيه فريضة تحكم (١)، لِمَ لا يجوز أن تكون تلك نافلة، والأخرى بعكس ما قلتم؟
فإن قلتَ: إن مُعَاذًا رضي الله إذا نَوَى العشاء أول مرة على ما قلتم، وقع عن فريضة لا مَحَالة. قلتُ: كلاّ، فإنك قد عَلِمْتَ في مُفْتَتَحِ الكلامِ أن الفريضةَ تَحْتَاجُ إلى نيةٍ زائدةٍ على أصل الصلاة، وهي نيةُ وصف الفرضية، فإنه يتضمَّن أمرين: الصلاةَ، وذلك الوصف. فإذا أَطْلَق في النية ولم ينوِ هذا الوصف، لا تقع إلاّ نافلةً، ولعلّ صلاة مُعَاذ ﵁ مع النبيِّ ﷺ كانت لإحراز فضيلة جماعة النبيِّ ﷺ وصلاته في قومه كانت لإسقاطها عن ذمته، بل هو الظاهر على أصلنا. فإنه كان إمام قومه، فلا بُدَّ أن ينوي صلاةً يَصِحُّ اقتداؤهم به، وذلك على ما قلنا. ولسنا ندَّعي أنه كان يَفْعَلُ كذلك؛ بل نقول: إنا نتوازن في الفِعَال حذو المثقال، ولا نرضى بِخطَّة عَسْفٍ.
على أنك قد عَلِمْتَ فيما سَلَفَ؛ أن الصلاةَ حقيقةٌ واحدةٌ تَشْتَرِكُ بين الفريضة والتطوُّع، وإنما تختلف من جهة لُحُوق الأمر وعدمه، فإذا لَحِقَ بها الأمر صارت فريضةً، وإلاّ بقيت نافلةً، فلا فرق بينهما إلاّ بلُحُوق الأمر وعدم لُحُوقه، وهو من الخارج لا من نفس حقيقتها، وعلى هذا، ففي الموضعين هي العشاء لا غير، وإنما الفرق بينهما بكون إحدى العشاءين مأمورًا بها، والآخرى غير مأمورٍ بها، وذلك لا يوجب سَلْب اسم العشاء عمَّا لم يُؤْمَر بها. أَلا ترى أن صلاة الصبيان لا تُسَمَّى إلاّ باسم العشاء مع عدم كونهم مأمورين بها؟
فَعُلِمَ أنه لا فرق في إطلاق الاسم على ما هو مأمورٌ بها، وعلى ما ليس بمأمورٍ بها، فهي العشاء في كلا الموضعين، نعم التي نَوَى بها براءة ذمته هي الفريضة لكونها مأمورًا بها بخلاف الأخرى، وذلك إليه، أسقط فريضته من أي صلاتيه شاء، وإنما يَصْعُب فَهْمُهُ على الذهن الذي ارْتَاضَ بإطلاق العشاء على الفريضة فقط، ولم يتَّفِقْ له أن يُعِيدَ العشاء على أنها نافلة كما في هذا الزمان.
وأصْرَحُ ما احتجَّ به الشافعيةُ رحمهم الله تعالى ما رواه الشافعيُّ عن جابر في هذا الحديث
стр. 742
زيادة: «هي لهم فريضةٌ وله تطوُّعٌ»، أي يقع له تطوُّع، وهو في «المشكاة» أيضًا. قلتُ: وعلَّله الطحاويُّ (١)، وكذا علَّله أحمد رحمه الله تعالى وقال: أخشى أن لا يكون محفوظًا، ونقله ابن الجوزي، وأبو البركات الحافظ مجد الدين ابن تيمية الحرَّاني أيضًا، وأراد الحافظ رحمه الله تعالى أن يقوِّيه شيئًا، فأخرج له طُرُقًا عديدةً، لكنه أَلانَ في الكلام، لأن مَقَالة أحمد رحمه الله تعالى بين عينيه.
قلتُ: والوجدان يحكم بأنه مُدْرَجٌ، لأن في إسناده ابن جُرَيْج، ومذهبه جواز اقتداء المُفْتَرِض خلف المُتَنَفِّل، ولعلّ الإدراج جاء من قِبَله، وإنما يتأخَّر في مثل هذه الأمور مَنْ لا يجرِّب الأمور، فلا يمكن أن يَثْبُت على قدميه، أمَّا مَنْ رزقه الله علمًا ووفَّقه، فهو على نور من ربه، يَحْكُمُ بحسب ذوقه: صدَّقه أحدٌ أو لا.
والجواب الثاني له: أنا لو سلَّمنا أن مُعَاذًا ﵁ كان يُصَلِّي بهم مُتَنَفِّلا، فأي دليلٍ عندكم على أنه ﷺ كان يَعْلَمُه أيضًا؟ فَرُبَّ أشياءَ قد فُعِلُت بمحضرٍ منه ﷺ ثم إذا اطَّلَعَ عليها نهى عنها، كالتيمم إلى الآباط والمناكب، والتمعُّك في التراب، وله نظائر غير محصورة، لا سِيَّما إذا كان عندنا ما يَدُلُّ على أنه إذا عَلمَه نَهَى عنه، فقد أخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ أن النبيَّ ﷺ لمَّا بَلَغَه خبرَه نَهَى عنه، وقال: «إمَّا أن تصلِّي معي، وإمَّا أن تخفِّف عن قومك»، وهو في «المسند» لأحمد والبزَّار، وحَكَمَ عليه ابن حَزْم بالإرسال واختلفوا في شرحه على ثلاثة أقوال.
الأول: ما شَرَحَ به الطَّحَاوِيُّ، وهو الأرجح، أي إمَّا أن تصلِّي معي فقط، فلا تُصَلِّ مع قومك، وإمَّا أن تُصَلِّ مع قومك، أي فلا تُصَلِّ معي، فَنَهَى على هذا التقدير عن الإعادة رأسًا، لأن الصلاة مرتين كانت تُوجِبُ التثقيل عليهم، لتأخُّره عَنهم بالصلاة مع النبيِّ ﷺ وهذا الشّرْحُ يُبْنَى على أنه لم يكن عند النبيِّ ﷺ عِلْمٌ من صلاته مرتين، فإذَا عَلِمَه نَهَى عنه، وعلَّمَه أن لا يُصَلِّي إلا مرَّة إمَّا معه، أو مع قومه، وذلك لأنه قال: «إمَّا أن تُصَلِّي معي»، فَعُلِمَ أنه لم يكن عن خبره من أنه يصلِّيها معه أيضًا. ولو كان له عِلْمٌ أنه يصلِّيها معه أيضًا، لم يَقُل له: «إمَّا أن تُصَلِّي معي».
والشرح الثاني للحافظ ابن حَجَر رحمه الله تعالى حيث قال: معناه إمَّا أن تصلِّي معي فقط، أو تُصَلِّي معي وتخفِّف عن قومك. وحاصله: أن المعادلة في الحقيقة بين الشيء
стр. 743
والشيئين، فأمره بالصلاة معه فقط، فإِن أبى إلا أن يصلِّي مع قومه أيضًا، فعليه أن يخفِّف، وذلك لأن «إمَّا» و «أو» يقتضيان التَّقَابُل، ولا يستقيم التَّقَابُل بين الصلاة معه، والتخفيف عن قومه، بل الصحيح منه بين التخفيف والتطويل، أو الصلاة معه والصلاة معهم. وإنما اضْطَر الحافظ رحمه الله تعالى إلى هذا الشرح، لأنه أراد أن تكون إعادته في عِلْم النبيِّ ﷺ لأنه نافعٌ له، وتعسَّر عليه قوله «إمَّا أن تصلِّي معي»، فجعل المقابلة بين الأمر والأمرين. فبناء هذا الشرح على أن النبي ﷺ كان يَعْلَمُ إعادته، فعلَّمه النبيُّ ﷺ إمَّا أن يصلِّي معه فقط، أو يصلِّي على عادته في الموضعين، فحينئذٍ، يخفِّف عنهم.
قلتُ: وحمل الأحاديث على المذهب بحذفٍ وتقديرٍ ممَّا لا يَعْجَزُ عنه الفحول، وهذا يمكن من كل أحدٍ، ولكن الأَرْجَحَ ما تَبَادر إلى الذهن بدون تَسَاهُلٍ وتَمَحُّلٍ، ولذا رجَّح ابن تَيْمَيِة شرح الطَّحَاوِيِّ.
والشرح الثالث لأبي البركات ابن تَيْمَية وهذا نصُّه من «المنتقى» قال: لأنه يَدُلُّ على أنه متى صلّى معه امْتَنَعَتْ إمامته، وبالإجماع لا تَمْتَنِعُ بصلاة النفل معه، فعُلِمَ أنه أراد بهذا القول صلاة الفرض، وأن الذي كان يصلِّي معه كان ينويه نفلا اهـ. وحاصل هذا الشرح: أن مُعَاذًا كان يُصَلِّي مع النبيِّ ﷺ وهو ظاهرٌ، فلا معنى لقوله: «إمَّا أن تُصَلِّي معي» فلا بُدَّ أن يُقَال إن صلاته في ذهن النبيِّ ﷺ لم تكن أصلية، بل كانت نافلة، فأمره أن يُصَلِّي معه، أي الصلاة الأصلية، وهي التي أُرِيدَ بها إسقاط الفريضة، أو يخفِّف عن قومه.
وبناء هذا الشرح على أن تكراره كان في علم النبيِّ ﷺ ولكن ما قدَّر النبيُّ ﷺ من حاله هو أنه يُصَلِّي خلفه نافلةً، ومع قومه فريضةً، فعلَّمه أن لا يفعل كذلك فيما يأتي، بل إمّا أن يصلِّي معه الصلاة الأصلية وينوي بها إسقاط الفريضة، فلا يُصَلِّي مع قومه، وإمَّا أن يصلِّي معه كما كان يُصَلِّي بدون نية إسقاط الفريضة، وحينئذٍ فعليه أن يخفِّف عن قومه.
قلتُ: ولا أراكَ تريبُ في أن أُرَجِّحَ من الشروح ما اختاره الطَّحاوي.
بقي نظير الحافظ بعدم صحة المقابل على هذا التقدير، فأقول في جوابه إن المعادلةَ قائمةٌ ولطيفةٌ، وهي عندي على حدِّ قوله تعالى: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [سبأ: ٨] فقابل بين الافتراء والجِنَّة، والذي يقتضيه سَوْقُ الكلام أن يكون هذا افترى على الله كَذِبًا أم لم يَفْتَرِ لأن المعادل صراحةً هو عدم الافتراء، ولكنه حذفه وأقام مقامه لازمه وهو الجنون، لأن الجنونَ لا افتراءَ له فهكذا نقول: إن أصل الكلام إمَّا أن تصلِّي معه، فاقتصر عليها، ولا تُصَلِّ بهم ثقيلةً أو خفيفةً، وإمَّا أن تُصَلِّي معهم، فعليك أن تخفِّف. وإنما حَذَفَ أن تصلِّي من المعطوف لأن المقصود من الصلاة معهم كان التخفيف، لا نفس الصلاة. فذكر الجزء المقصود ههنا، وحذف الصلاة معهم اختصارًا واعتمادًا على المعادل الآخر.
فأصل المعادلة بين الأربعة، حَذَفَ الاثنين منها، كما حَذْفَ من قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فإذا تَطَهَّرْنَ على ما قررنا، فإن ما بعد الغاية لا يَلْتَئِمُ فيه ممَّا قبلها، والجواب كما مرَّ: أن أصل الكلام حتى يَطْهُرْنَ وَيَتَطَهَّرْنَ .. الخ. فإذا طهرن وتطهرن فَحَذَفَ أحد المعادلين
стр. 744
للقرينة الظاهرة، أما الكلام في إسناد رواية الطَّحَاوِيِّ، فقد ذكرناه في الترمذي.
والجواب الثالث للطَّحَاوِي: أنا لو سلَّمنا أن النبيَّ ﷺ كان يَعْلَمُ صنيعه ذلك، ومع ذلك لم يُنْكِرْ عليه، فأيُّ دليلٍ عندكم على أنه لم يكن في زمنٍ كان يصلِّي فيه الفرائض مرتين، ومرَّ عليه ابن دقيق العيد في «شرح عمدة الأحكام»، وقال: إن الطَّحاويَّ وإن حَمَلَه على زمان تكرار الفرائض، ولكن لم يبيِّن مُسْتَنَده في ذلك. قال الحافظ ﵀: وكأنه لم يَقِفْ على كتاب الطَّحَاويِّ، فإن الطَّحَاوِيَّ قد ذكره في باب صلاة الخوف، وذكر نسخه من قوله: «لا تُصَلُّوا صلاةً في يومٍ مرتين»، قلتُ: ورجاله كلُّهم ثقاتٌ إلاّ خالد، وقد ذَكَرْتُ تحقيقه في درس الترمذي.
فهذه ثلاثة أجوبة للطَّحَاويِّ، وذلك تقريرها، والذي كُشِفَ لي بفضل المفضل المنعام: أنه لا تكرار ههنا أصلا إلا في واقعة، فإن ما يذكره الرواة في عادته هو صلاته مع النبيِّ ﷺ وصلاته في قومه فقط، أمَّا أنه كان يُصَلِّي بهم عينَ ما صلَّى خلف النبيِّ ﷺ فلم يتكلَّم به أحدٌ منهم ولا حرفٍ، وإنما هو من بداهة الوهم (١)، أَلا ترى إلى لفظ البخاريِّ: «كان مُعَاذ بن جبل يُصَلِّي مع النبيِّ ﷺ ثم يَرْجِعُ فَيَؤُمُّ قومه ... » الخ، فأين فيه أنه كان يكرِّر صلاةً واحدةً بعينها، وإنما فيه أن عادته كانت بصلاته معه ﷺ ثم الصلاة بهم بعد رجوعه عنه، وليس فيه أنها كانت عينَ تلك الصلاة.
стр. 745
والذي يتبَّين من الروايات أن ما كان يصلِّيها مع النبيِّ ﷺ هي صلاة المغرب، ثم يَرْجِعُ إلى قومه فَيؤُمُّهم في العشاء. ثم إن مُعَاذًا رضي الله تعالى عنه لم يكن متفرِّدًا في ذلك، بل كان هذا دَأْبُ قومه، فكانوا يُصَلُّون المغرب مع النبيِّ ﷺ ثم يَرْجِعُون ويصلُّون العشاء في ظلمةٍ من الليل. فقد أخرج الطَّحَاوِيُّ في باب القراءة في صلاة المغرب، عن الزُّهْرِيِّ، عن بعض بني سَلَمة: «أنهم كانوا يُصَلُّون مع النبيِّ ﷺ المغرب، ثم يَنْصَرِفُون إلى أهلهم وهم يُبْصِرُون موقع النَّبْلِ على قدر ثلثي ميل». اهـ وعن جابر بن عبد الله قال: «كنا نُصَلِّي مع النبيِّ ﷺ المغربَ، ثم نأتي بني سَلَمة وإنَّا لَنُبْصِر مواقع النَّبْل». اهـ. وعن عليِّ بن بلال قال: «صلَّيت مع نفرٍ من أصحاب رسول الله ﷺ من الأنصار، فحدَّثوني أنهم كانوا يُصَلُّون مع رسول الله ﷺ المغرب ثم يَنْطَلِقُونَ يَرْتَمُونَ لا يَخْفَى عليهم موقع سهامهم، حتى يأتوا ديارهم، وهم في أقصى المدينة في بني سَلَمة». اهـ.
وبنو سَلَمة هؤلاء هم قوم مُعَاذ رضي الله تعالى عنه، وقد عَلِمْتَ من عادته ما كانت ثم إن قصة مُعَاذ رضي الله تعالى عنه يرويها جابر رضي الله تعالى عنه، وهو نفسه يروي ما كانت عادة قومه، فلا تكون عادة مُعَاذ رضي الله تعالى عنه خاصةً مع قطع النظر عن عادة قومه كائنةً ما كانت، فقد أخرج الترمذي عن جابر بن عبد الله: «أن مُعَاذ بن جبل كان يُصَلِّي مع رسول الله ﷺ المغرب، ثم يَرْجِعُ إلى قومه فَيَؤُمُّهم». اهـ. قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
فدلَّ صراحةً على أن مُعَاذًا رضي الله تعالى عنه لم يكن يُصَلِّي العشاء مع النبيِّ ﷺ بل التي كان يصلِّيها معه ﷺ هي المغرب، ثم كان يَرْجِعُ إلى قومه وهم بنو سلمة - فكان يَؤُمُّهم في العشاء، ومرَّ عليه البيهقي، ولمَّا لم يَتَنَبَّه على ما قلنا، علَّل ذكر المغرب زعمًا منه أن الصلاة التي كان يصلِّيها مع النبيِّ ﷺ هي العشاء، قلتُ: كلا، بل هو صحيحٌ، ولا مرد له ولا وجه لإعلاله بعد ما علمنا من عادة قومه أيضًا.
وإذا تبيَّنت وتيقَّنت أن أي صلاتي مُعَاذ كانت مع النبيِّ ﷺ وأيها كانت مع قومه، عَلِمْتَ أنه لا تكرار ههنا، نعم اتَّفَقَ ذلك مرةً واحدةً فقط، حيث صلَّى مُعَاذ المغرب مع النبيِّ ﷺ ثم لم يَزَلْ جالسًا معه ﷺ حتى صلَّى العشاء، فأبطأ عليهم، ثم أمَّهم بنحو سورة البقرة، وبلغ خبره إلى النبيِّ ﷺ فنهى عنه.
فهنا أمران: الأول صلاته مع النبيِّ ﷺ في المغرب ومع قومه في العشاء، وهذه كانت عادته المستمرة. والثاني تكرار العشاء، ولم يكن ذلك عادة له، وإنما وقع مرةً فقط، ثم أنكر عليه النبيُّ ﷺ واختلط على عامتهم هذان الأمران، فكلما يذكر الرَّاوي الأمر الأول يحملونه على الثاني وهو الذي حَمَلَ البيهقيُّ على إعلال لفظ المغرب مع أنه صحيحٌ، وأنكر القاضي (١) أبو بكر بن العربي التكرار أيضًا كما مَّهدت القول فيه.
стр. 746
ثم إن الدليلَ على أن التكرارَ في العشاء لم يكن عادةً له وإن كانت واقعة جزئية، ما ساقه أبو داود في باب تخفيف الصلاة، عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: «كان مُعَاذ رضي الله تعالى يُصَلِّي مع النبيِّ ﷺ ثم يَرْجعُ فَيَؤُمُّنَا». قال مرة: «ثم يَرْجِعُ فيصلِّي بقومه». وهذا هو عادته وعادة قومه، وليس فيه أنه كان يُصَلِّي بهم عينَ ما كان يصلِّيها مع النبيِّ ﷺ وبعد ذلك انتقل الراوي إلى بيان تلك الواقعة، فقال: «فأخَّر النبيُّ ﷺ الصلاةَ - وقال مرةً: العشاء - فصلَّى مُعَاذ ﵁ مع النبيِّ ﷺ الصلاةَ، ثم جاء يَؤُمُّ قومه، فقرأ البقرة» اهـ. وسياقه في المتفق عليه قال: «كان مُعَاذ بن جبل يُصَلِّي مع النبيِّ ﷺ ثم يأتي فَيَؤُمُّ قومه. فصلَّى ليلةً مع النبيِّ ﷺ العشاءَ، ثم أتى قومه فأمَّهم». اهـ.
فانظر هل أدَّاه بطريق الواقعة، أو على شاكلة العادة، ثم انظر إلى ألفاظ الرجل الذي انحرف عن صلاته هل جعله عادةً، أو واقعةً؟ قالا: «وإن مُعَاذًا صلَّى معك العشاء، ثم أتى قومه فافتتح بسورة البقرة». فهذا كان من أمر معاذ ﵁، إلا أنه لمَّا ذُكِرَت واقعة العشاء فيما بعد، سَرَى إليَّ الوَهَمُ أن ما ذُكّرَ قبله من عادته هو أيضًا في العشاء، مع أنه ذَكَرَ أولا عادته، ثم انتقل إلى بيان الواقعة. والوَهَم يَعْمَلُ العجائب، وقد قيل: إن الوَهَم خلاق.
فإِذا تحقَّقت أنه لم تكن هناك إلا واقعة، وعليها غَضِبَ النبيُّ ﷺ غضبًا لم يَغْضَبْ مثله، تحقَّقت أن لا دليل فيها للشافعية، وللحنفية مَسَاغٌ لأن يجعلوا مورد الغضب الأمرين أعني: إطالته، وإعادته. ثم إني تتبعت هذه الواقعة أنها متى كانت، فتبيَّن لي أنها كانت قُبَيْل بدر، وقد ذكرناها في تقرير الترمذي.
هذا وبقي بعدُ خبايا في زوايا الكلام، والعلم عند الله العلام.
٧٠١ - قوله: (وأمره بسورتين) فليحفظ هذا اللفظ، لأن فيه أنه أمره بهما فَيَدُلُّ على الوجوب كما قال الحنفية؛ والشافعية لم يختاروا وجوب السورة، وإليه يُشِيرُ قوله: «فلولا
стр. 747
صلَّيت بسبح اسم ربك الأعلى ... » الخ أمَّا أنا، فلا أرى فرقًا بين الفاتحة والسورة في سِيَاق الأحاديث، غير أن الفاتحة واجبةٌ عينًا، والسورة واجبةٌ بدلا إلا أن من صَرَفَ جميع همته في إثبات الركنية للفاتحة فَتَرَ في إثبات الوجوب للسورة، ولم يَسَعْ له غير السنية، فإن لكل شِرَةٍ فَتْرَة.
٦١ - باب تَخْفِيفِ الإِمَامِ فِى الْقِيَامِ وَإِتْمَامِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ
٧٠٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ سَمِعْتُ قَيْسًا قَالَ أَخْبَرَنِى أَبُو مَسْعُودٍ أَنَّ رَجُلاً قَالَ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّى لأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ مِنْ أَجْلِ فُلَانٍ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا. فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِى مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْهُ يَوْمَئِذٍ ثُمَّ قَالَ «إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَأَيُّكُمْ مَا صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيَتَجَوَّزْ، فَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ وَالْكَبِيرَ وَذَا الْحَاجَةِ». أطرافه ٩٠، ٧٠٤، ٦١١٠، ٧١٥٩ - تحفة ١٠٠٠٤
٦٢ - باب إِذَا صَلَّى لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ
٧٠٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِى الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ مِنْهُمُ الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَالْكَبِيرَ، وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ». تحفة ١٣٨١٥
أراد أن ينبِّه على محل التخفيف، وهو القيام، فيطوِّلُ فيه ويَقْصُرُ بِحَسَبِ التارات والحالات. أمَّا الرُّكوع والسجود، فَيُتِمُّهُمَا في كل حال.
قلتُ: ويُعْلَمُ من سنة النبيِّ ﷺ وهديه أنه كان لركوعه وسجوده مقدارًا محدودًا، بخلاف القيام فإنه كان يَخْتَلِفُ باختلاف الأحوال. ثم إن هذا في الفرائض، بقيت صلاة الليل، فكان ركوعها وسجودها وقيامها كلها غير منتظمةٍ، لأنها كانت صلاته لنفسه، والرجل مخيَّرٌ فيها.
مسألة: تردَّد في «البحر» فيمن يَقْدِرُ أن يصلِّي قائمًا منفردًا وبالجماعة قاعدًا، أيُّهما أفضل له؟ قلتُ: وعندي الأفضل هو الثاني لما عند أبي داود «أن المرضى في عهده ﷺ كان يُؤْتَى بهم إلى المساجد».
٧٠٢ - قوله: (من أجل فلانٍ مِمَّا يُطِيلُ بنا) قيل هو مُعَاذ ﵁، وقيل هو أُبَيّ ﵁، لأنها واقعة الفجر، وتطويل مُعَاذ ﵁ كان في العشاء، ومن يراهما متحدين يلتزم أن مُعَاذًا ﵁ طوَّل فيهما. ومن جعلها قصة أُبَيّ ﵁، ثم رأى جملة: «فإن منكم مُنَفِّرين ... » الخ في حديث مُعَاذ ﵁، حكم بكونها وَهْمًا في حديثه. وصنيع البخاري يَدُلُّ على أنها ثابتة فيهما عنده، وخالفه الحافظ رحمه الله تعالى، وقال: إنها وَهْمٌ في قصة مُعَاذ ﵁.
стр. 748
٦٣ - باب مَنْ شَكَا إِمَامَهُ إِذَا طَوَّلَ
وَقَالَ أَبُو أُسَيْدٍ طَوَّلْتَ بِنَا يَا بُنَىَّ.
٧٠٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِى خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِى حَازِمٍ عَنْ أَبِى مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّى لأَتَأَخَّرُ عَنِ الصَّلَاةِ فِى الْفَجْرِ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا فُلَانٌ فِيهَا. فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا رَأَيْتُهُ غَضِبَ فِى مَوْضِعٍ كَانَ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْهُ يَوْمَئِذٍ ثُمَّ قَالَ «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَمَنْ أَمَّ النَّاسَ فَلْيَتَجَوَّزْ، فَإِنَّ خَلْفَهُ الضَّعِيفَ وَالْكَبِيرَ وَذَا الْحَاجَةِ». أطرافه ٩٠، ٧٠٢، ٦١١٠، ٧١٥٩ - تحفة ١٠٠٠٤
أراد أن ينبِّه على جواز الشِّكَاية في أمر الخير المحض إذا احتاج إليه، فإن الصلاةَ خيرُ موضوعٍ، ثم شَكَى فيها رجلٌ، فهل يَجُوزُ ذلك؟ ولولا أن المصنِّف رحمه الله تعالى نبَّه عليه لربما تحيَّرنا فيه، فهو مهمٌ إذن. ومثله فِعْلُ المصنِّف رحمه الله تعالى في منع القارىء. عند قراءة القرآن، هل يَجُوزُ أن يمنعه عن قراءة القرآن؟ واستدلَّ على جوازه بقول النبيِّ ﷺ «حَسْبُكَ حين بَلَغَ القارىء إلى قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١] إلخ كما سيجيء.
والحاصل: أن الأمرَ إذا كان خيرًا محضًا في طرفٍ يشتدُّ على النفس النهي عنه من طرفٍ آخر، فهدى المصنِّف لمثله: أنه يجوز إذا كان لمعنى صحيحٍ، وفي إسناده قَيْس بن حازم، وقال أحمد رحمه الله تعالى فيه: إنه أفضل التابعين عندي، وقال آخرون: ليس في التابعين أحدٌ رأى العشرة المبشَّرة غيره، ثم مذهبه تَرْك رفع اليدين، كما في «المصنَّف» لابن أبي شَيْبَة، فلو كان الترك معدومًا محضًا، أو حاملا كما قالوا، لَمَا اختاره من كان رَأَى الأجِلَّة من الصحابة ﵃.
والحق أن التركَ لا يمكن إعدامه إلى يوم القيامة، وإن جَلَبَوا عليه بخيلهم ورجِلِهم، فإنه من سنة النبيِّ ﷺ تحيى إلى يوم الدين إن شاء الله تعالى، ولا ندَّعي أن الرفعَ ليس بسنةٍ أو خاملٍ، ولكن نُبيِّن حَمْلَةَ الخصوم علينا، حيث يريدون أن لا يبقى في الجنة للحنفية موضع.
٧٠٥ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِى إِيَاسٍ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ قَالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِىَّ قَالَ أَقْبَلَ رَجُلٌ بِنَاضِحَيْنِ وَقَدْ جَنَحَ اللَّيْلُ، فَوَافَقَ مُعَاذًا يُصَلِّى، فَتَرَكَ نَاضِحَهُ وَأَقْبَلَ إِلَى مُعَاذٍ، فَقَرَأَ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ أَوِ النِّسَاءِ، فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ، وَبَلَغَهُ أَنَّ مُعَاذًا نَالَ مِنْهُ، فَأَتَى النَّبِىَّ ﷺ فَشَكَا إِلَيْهِ مُعَاذًا، فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ «يَا مُعَاذُ أَفَتَّانٌ أَنْتَ - أَوْ فَاتِنٌ ثَلَاثَ مِرَارٍ - فَلَوْلَا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ، وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى، فَإِنَّهُ يُصَلِّى وَرَاءَكَ الْكَبِيرُ وَالضَّعِيفُ وَذُو الْحَاجَةِ». أَحْسِبُ هَذَا فِى الْحَدِيثِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَتَابَعَهُ سَعِيدُ بْنُ مَسْرُوقٍ وَمِسْعَرٌ وَالشَّيْبَانِىُّ. قَالَ
أَيُّوبَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ كَانَ مُعَاذٌ يُصَلِّى مَعَ النَّبِىِّ ﷺ ثُمَّ يَأْتِى قَوْمَهُ فَيُصَلِّى بِهِمْ. أطرافه ٧٠٠، ٧٠١، ٧٠٥، ٦١٠٦ - تحفة ٢٥٠٤ - ١٨٢/ ١
أي كان يريد التطويل، ثم أَخَفَّها في خلال الصلاة، أو أَخَفَّها من أول الأمر، وصلاها ناويًا التخفيف من قبل، فأجاز بهما.
وأعلم أن الشافعية أجازوا بالاختصار والإطالة معًا لقياس العكس، وقالوا: إذا جَازَ التخفيف في الصلاة لمكان الحاجة جَازَ التطويل أيضًا، وفَرَّق الحنفية بينهما، وقالوا: إن الاختصارَ تركُ ما كان لله، والتطويلَ زيادةٌ لغير الله.
قوله: (وعن محمد أخشى عليه عظيمًا)، أي الكفر. واتفقوا على أن المراد منه كفر النعمة. قلتُ: والذي يَعْلَق بقلبي أن ينهى عنهما: أمَّا الطويل، فلسدِّ باب رعاية ذوي الهيئة، دون ذوي الحاجات. وأمَّا الاختصار، فلأن الفقهاء مَنَعُوا النساء عن حضورهنَّ الجماعات منفردات أو مع صبيانهن، فارْتَفَعَ باب الاختصار، واختار صاحب «الفَتَاوى»: جواز الإطالة في الركوع لإدراك الناس إذا لم يكونوا من رفقائه وممَّن يَعْرفُهُ، وإلا لا (١).
٧٠٧ - قوله: (أُرِيدُ أن أطوِّلَ فيها)، وهذا صريحٌ في التخفيف بعد إرادة التطويل، ورأيت في الخارج: «أنه قرأ فيها بالمُعَوِّذَتَيْنِ أو سُورَتَيْنِ مثلهما، فقال أصحابه: تجوَّزت يا رسول الله، فقال: أَمَا رأيت إلى الصبيِّ يَبْكِي، فَخِفْتُ أَن تُفْتَتَنَ به أمه». - بالمعنى.
قوله: (فأسْمَعُ بكاء الصبيِّ)، يمكن أن يكون الصبيان في بيوتهنَّ ويَسْمَعْنَ بكاءهم من المسجد، أو يكونوا في المسجد مع أمهاتهم.
٧٠٩ - قوله: (مِن شِدَّةَ وَجْدِ أُمِّهِ) الوجد: (دل بهرآنا).
٦٧ - باب مَنْ أَسْمَعَ النَّاسَ تَكْبِيرَ الإِمَامِ
٧١٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ قَالَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - قَالَتْ لَمَّا مَرِضَ النَّبِىُّ ﷺ مَرَضَهُ الَّذِى مَاتَ فِيهِ أَتَاهُ بِلَالٌ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ فَقَالَ «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ». قُلْتُ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ، إِنْ يَقُمْ مَقَامَكَ يَبْكِى فَلَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِرَاءَةِ. قَالَ «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ». فَقُلْتُ مِثْلَهُ فَقَالَ فِى الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ «إِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ». فَصَلَّى وَخَرَجَ النَّبِىُّ ﷺ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، كَأَنِّى أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَخُطُّ بِرِجْلَيْهِ الأَرْضَ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ ذَهَبَ يَتَأَخَّرُ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ أَنْ صَلِّ، فَتَأَخَّرَ أَبُو بَكْرٍ - رضى الله عنه - وَقَعَدَ النَّبِىُّ ﷺ
وهذا الذي تَلَوْنا عليك من مذهب المصنِّف رحمه الله تعالى، هو عند الشيخ بدر الدين العَيْني رحمه الله تعالى، فاختار أن الاقتداءَ عنده مُسَلْسَلٌ، يقتدي الصف الثاني بالأول، ثم وثم. ونُسِبَ إلى الشَّعْبِي وابن جَرِير أيضًا. وصرَّح البخاري في «جزء القراءة». أن الركعة لا تُدْرَك بإدراك الركوع. وعلى هذا، فلو اقتدى رجلٌ برجلٍ بركوعه يَصِحُّ اقتداؤه به، ولا يُعَدُّ مُدْركًا للركعة.
قلتُ: وما نَسَبَه إليه العَيْنيُّ ﵀ من تَسَلْسُل الاقتداء، لا يجب أن يكونَ مختارًا له، ولعلَّه اتَّبَعَ في وضع الترجمة لفظ الراوي، ولم يُرِدْ التنبيه على التَّسَلْسُل.
قوله: (ائْتَمُّوا بي ولْيَأْتَمَّ بكم مَنْ بَعْدَكم). أخذه البخاري في الإمامة والاقتداء في الصلاة، فمعناه عنده. ولْيَأْتَمَّ بكم من بَعْدَكم من الصفوف. وقال الجمهور: إن الائتمام في تعليم الدين، فاقتدوا أيُّها الصحابة أنتم بي، وليقتدِ الذين بَعْدَكم فيما يأتي من الزمان بكم، وهكذا كل خَلَفٍ يقتدي بسَلَفِهِ، وليس المراد به إمامة الصلاة والاقتداء فيها خاصة.
٧١٣ - قوله: (فلَّما دَخَلَ في الصلاة، وَجَدَ رسول الله ﷺ في نفسه خِفَّةً، فقام ... ) الخ، وهذا أَصْرَح في أن النبيَّ ﷺ خَرَجَ إليهم في العشاء.
٧٠ - باب إِذَا بَكَى الإِمَامُ فِى الصَّلَاةِ
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ سَمِعْتُ نَشِيجَ عُمَرَ وَأَنَا فِى آخِرِ الصُّفُوفِ يَقْرَأُ ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦].
٧١٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِى مَرَضِهِ «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّى بِالنَّاسِ». قَالَتْ عَائِشَةُ قُلْتُ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ إِذَا قَامَ فِى مَقَامِكَ لَمْ يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ الْبُكَاءِ، فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ. فَقَالَ «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ». قَالَتْ عَائِشَةُ لِحَفْصَةَ قُولِى لَهُ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ إِذَا قَامَ فِى مَقَامِكَ لَمْ يُسْمِعِ النَّاسَ مِنَ الْبُكَاءِ، فَمُرْ عُمَرَ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ. فَفَعَلَتْ حَفْصَةُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَهْ، إِنَّكُنَّ لأَنْتُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ لِلنَّاسِ». قَالَتْ حَفْصَةُ لِعَائِشَةَ مَا كُنْتُ لأُصِيبَ مِنْكِ خَيْرًا. أطرافه ١٩٨، ٦٦٤، ٦٦٥، ٦٧٩، ٦٨٣، ٦٨٧، ٧١٢، ٧١٣، ٢٥٨٨، ٣٠٩٩، ٣٣٨٤، ٤٤٤٢، ٤٤٤٥، ٥٧١٤، ٧٣٠٣ - تحفة ١٧١٥٣ - ١٨٤/ ١
والبكاء إذا كان من وَجَعٍ أو مصيبةٍ يُفْسِدُ، وإن كان من ذِكْرِ الجنة أو النار فهو مطلوبٌ. وقد ثَبَتَ البكاء في الصلاة مرفوعًا، وإنما أخرج المصنِّف رحمه الله تعالى أثر عمر ﵁، لأن المرفوعَ لم يكن على شرطه.
قوله: (وقال عبد الله بن شَدَّاد) وهذا هو صحابي صغير السن، نَكَحَ حَمْزةُ ﵁ أمَّه، وهو الذي يروي حديث: «من كان له إمام، فقراءة الإمام له قراءة»، فلا أقل من أن يكون حديثه مرسل صحابي، مع أنه قد ثَبَتَ مرفوعًا أيضًا، وحقَّقناه في رسالتنا «فصل الخطاب».
стр. 753
٧١ - باب تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ عِنْدَ الإِقَامَةِ وَبَعْدَهَا
٧١٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبَرَنِى عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ قَالَ سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ أَبِى الْجَعْدِ قَالَ سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ». تحفة ١١٦١٩
ويسويه بالنحوين عند الضرورة، والمراد من قوله: «بعدها»: بعد الإقامة قبل التحريمة، وإن جَازَ بعد التحريمة أيضًا. وكان في زمن عمر رضي الله تعالى عنه رجلٌ مُوَكَّلٌ على التسوية، كان يمشي بين الصفوف ويسوِّيهم، وهو واجبٌ عندنا تُكْرَه الصلاة بتركه تحريمًا، وسنةٌ عند الشافعية لانتفاء مرتبة الواجب عندهم، وذهب ابن حَزْم إلى أنه فرضٌ.
ثم اختلفوا في تضعيف الأجر عند اختلاف الصفوف واختلالها، ونَقَل السيُوطي قولين عن الشافعية: الأول: أنه يحصل التضعيف مع وزر النقصان. والثاني: أنه يَحْبَطُ ثواب التضعيف. وعندنا في الصيام أن الثواب يَحْبَطُ في الصوم المكروه، وقيل: يَحْصُل مع النقصان، وعندي يَحْبَطُ في صوم يوم النحر والفطر، فإنه حرامٌ إجماعًا، وفي سائر أيام التشريق يَحْصَل شيءٌ منه. وأمَّا في الصلاة، فَيحْصُلُ أصل التضعيف، ويَنْقُصُ منه ما نَقَصَ فيه من الكراهة، بَقِيَ أن حَبْطَ الثواب لمن خالف فقط، أو للكل؟ قلتُ من عند نفسي: إنه لمن اختلف فقط، ومن سوَّى منهم فقد أَحْرَزَ الأجرَ (١).
٧١٧ - قوله: (عمرو بن مُرَّة): هذا كوفي، ومذهبه تَرْكُ رفع اليدين، وراجع فيه مع النَّخَعِي، فقال له: إن كان أبوه رآه يرفع مرةً، فقد رآه ابن مسعود وأصحابه يتركه خمسين مرةً. وهو عند الطَّحَاويِّ أيضًا، وإسناده جيدٌ. ومعنى قول ابن مسعود ﵁ وأصحابه رَاجِعْهُ من رسالتي «نيل الفرقدين».
قوله: (لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُم): يعني أن الظاهر يُؤَثِّرُ في الباطن، فإذا اختلف في الظاهر، يختلف عليه الباطل أيضًا، ويوجب الخلاف والشقاق فيما بينهم.
٧١٨ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ «أَقِيمُوا الصُّفُوفَ فَإِنِّى أَرَاكُمْ خَلْفَ ظَهْرِى». طرفاه ٧١٩، ٧٢٥ - تحفة ١٠٣٩
стр. 754
٧١٨ - قوله: (فإني أَرَاكُمْ) يعني أنكم إن لا تَسْتَحْيُون من الله فاسْتَحْيُوا مني، فإِني أراكم. وعن أحمد رحمه الله تعالى: أنه كان معجزةً من النبيِّ ﷺ
٧٢ - باب إِقْبَالِ الإِمَامِ عَلَى النَّاسِ عِنْدَ تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ
٧١٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِى رَجَاءٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ حَدَّثَنَا زَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ قَالَ حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ حَدَّثَنَا أَنَسٌ قَالَ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَأَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِوَجْهِهِ فَقَالَ «أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ وَتَرَاصُّوا، فَإِنِّى أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِى». طرفاه ٧١٨، ٧٢٥ - تحفة ٦٥٨
٧١٩ - قوله: (فأقبل علينا)، وعند أبي داود: «أن النبيَّ ﷺ كان يأمرهم بالتسوية مُتَّكِئًا على خشبةٍ منصوبةٍ في المحراب، فإذا رآهم سَوَّوْا صفوفهم كَبَّرَ».
قوله: (أقيموا صُفُوفَكُم، وتَرَاصُّوا). وأعلم أن صفوفَ المصلِّين لمَّا كانت على صفوف الملائكة عند ربهم، كما هو عند أبي داود، بولِغَ في الأمر بالتسوية والتَّرَاصِّ لتكون الحكاية على شاكلة المَحْكِيِّ عنه، ولكونها أكمل طريق لأداء العبادة، ولذا امتازت به الأمةُ المرحومةُ، حتى قيل: إن عبادةَ بني إسرائيل كانت على طريق الحَلَقَة، ولم يكن الصف فيهم.
٧٣ - باب الصَّفِّ الأَوَّلِ
٧٢٠ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ سُمَىٍّ عَنْ أَبِى صَالِحٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «الشُّهَدَاءُ الْغَرِقُ وَالْمَطْعُونُ وَالْمَبْطُونُ وَالْهَدْمُ». أطرافه ٦٥٣، ٢٨٢٩، ٥٧٣٣ - تحفة ١٢٥٧٧
٧٢١ - وَقَالَ «وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِى التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا ﴿إِلَيْهِ﴾ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِى الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِى الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ لَاسْتَهَمُوا». أطرافه ٦١٥، ٦٥٤، ٢٦٨٩ - تحفة ١٢٥٧٠
في كتاب أبي الشيخ أبي حيَّان: أن الصفَّ الأوَّل أمنعُ من الشيطان من سائر الصفوف، وهو عندي من الشمال إلى الجنوب، لا من دخلوا مع الإمام في مَقْصُورَته. وقيل: بل هو الذي خلف الإمام في مقصورته.
وهناك قولٌ ثالثٌ، وهو مهجورٌ: أنهم مَنْ دَخَلُوا في المسجد أولا أينما كانوا.
٧٤ - باب إِقَامَةِ الصَّفِّ مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ
٧٢٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. فَقُولُوا رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ. وَإِذَا
стр. 755
سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ، وَأَقِيمُوا الصَّفَّ فِى الصَّلَاةِ، فَإِنَّ إِقَامَةَ الصَّفِّ مِنْ حُسْنِ الصَّلَاةِ». طرفه ٧٣٤ - تحفة ١٤٧٠٥
٧٢٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «سَوُّوا صُفُوفَكُمْ فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ مِنْ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ». تحفة ١٢٤٣ - ١٨٥/ ١
وهذا لفظ الحديث تَرْجَمَ به، وقد فرَّق الراغب بين التمام والكمال: بأن التمام في الأجزاء، والكمال في الأوصاف. وحينئذٍ ظَهَرَ منه تمسُّك ابن حَزْم.
قلتُ: إن الأوصاف إذا كانت مهمةً تُنَزَّل منزلة الأجزاء، لأنَّا قد عَلِمنا أن المختلِف في الصف لم يُؤْمَر بالإِعادة، ولم يُعَامَل بصلاته معاملة البطلان، ثم إن الحديثَ دلَّ على أن إقامة الصلاة أَمْرٌ وراء الصلاة، ففرَّق بين صلُّوا، وبين أقيموا الصلاة. وأوضحه البَيْضَاوِي وغيره.
٧٥ - باب إِثْمِ مَنْ لَمْ يُتِمَّ الصُّفُوفَ
٧٢٤ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ أَسَدٍ قَالَ أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى قَالَ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّائِىُّ عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ الأَنْصَارِىِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَقِيلَ لَهُ مَا أَنْكَرْتَ مِنَّا مُنْذُ يَوْمِ عَهِدْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ مَا أَنْكَرْتُ شَيْئًا إِلَاّ أَنَّكُمْ لَا تُقِيمُونَ الصُّفُوفَ. وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ قَدِمَ عَلَيْنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ الْمَدِينَةَ بِهَذَا. تحفة ٢٤٩
قال: ما أَنْكَرْتُ شيئًا (١)، إلاّ أنكم لا تُقِيمُون الصلاة، وقد مرَّ عنه في باب تضييع الصلاة: «لا أعرف شيئًا ممّا كان على عهد النبيِّ ﷺ إلا الصلاة، وقد ضُيِّعَتْ». فإنه كان هذا بالشام، والأوَّل في المدينة. وهذا يَدُلُّ على أن أهل المدينة كانوا في ذلك الزمان أمثلَ من غيرهم في التمسُّك بالسنن.
٧٦ - باب إِلْزَاقِ الْمَنْكِبِ بِالْمَنْكِبِ وَالْقَدَمِ بِالْقَدَمِ فِى الصَّفِّ
وَقَالَ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ رَأَيْتُ الرَّجُلَ مِنَّا يُلْزِقُ كَعْبَهُ بِكَعْبِ صَاحِبِهِ.
٧٢٥ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ قَالَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ فَإِنِّى أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِى». وَكَانَ أَحَدُنَا يُلْزِقُ مَنْكِبَهُ بِمَنْكِبِ صَاحِبِهِ وَقَدَمَهُ بِقَدَمِهِ. طرفاه ٧١٨، ٧١٩ - تحفة ٦٦٦
стр. 756
قال الحافظ: المراد بذلك المبالغة في تعديل الصفِّ وسدِّ خلله. قلتُ: وهو مراده عند الفقهاء الأربعة، أي أن لا يَتْرُكَ في البين فرجةً تَسَعُ فيها ثالثًا. بقي الفصل بين الرجلين: ففي «شرح الوقاية» أنه يَفْصِلُ بينهما بقدر أربع أصابع، وهو قول عند الشافعية، وفي قولٍ آخر: قدر شبر.
قلتُ: ولم أجد عند السَّلَفِ فرقًا بين حال الجماعة والانفراد في حقِّ الفصل، بأن كانوا يَفْصِلُون بين قدميهم في الجماعة أزيد من حال الانفراد، وهذه المسألة أوجدها غير المقلِّدين فقط، وليس عندهم إلا لفظ الإِلزاق. وليت شعري، ماذا يَفْهَمُون من قولهم الباء للإِلصاق، ثم يمثِّلُونه: مررت بزيدٍ، فهل كان مروره به متَّصِلا بعضه ببعض، أم كيف معناه؟
ثم إن الأمر لا يَنْفَصِلُ قطُّ إلا بالتعامل، وفي مسائل التعامل لا يُؤْخَذُ بالألفاظ، كلفظ: «فوق الصدر» عند ابن خُزَيْمَة، فإنه من توسُّع الرواة قطعًا، لأنه لم يَعْمَل به أحدٌ من الأئمة، ولا يُوجَدُ الرفع بهذا النوع في كُتُبٍ من الشافعية، إلا في «الحاوي» للماوردي، وهو أيضًا مسامحةٌ عندي. فإِن الرَّاوي أضاف لفظ: «على الصَّدْر» بعد مرور القرون، ثم لم يُرِدْ به إلا قريبًا من الصدر، ولس الطريق أن يُبْنَى الدين على كل لفظٍ جديدٍ بدون النظر إلى التعامل، ومن يَفْعَلُ ذلك لا يَثْبُت قدمه في موضعٍ، ويَخْتَرِعُ كل يومٍ مسألةً، فإن توسُّع الرواة معلومٌ، واختلاف العبارات والتعبيرات غير خَفِيِّ فاعلمه.
فاللفظ وإن كان يَصْلُح للوضع فوق الصدر، لكن لمَّا فَقَدْنا العملَ به عَلِمنا أنه من توسُّع الرواة، فهو بدعةٌ عندي. وسأل عنه أبو داود الإمامَ أحمد رحمه الله تعالى، فقال: ليس بشيءٍ، كذا في كتاب «المسائل». وهذا الذي عُرِضَ للمحدِّثين، فإنهم يَنْظُرُون إلى حال الإسناد فقط، ولا يُرَاعُون التعامل. فكثيرًا ما يَصِحُّ الحديث على طورهم، ثم يَفْقِدُون به العمل، فيتحيَّرون حتَّى أن الترمذي أخرج في «جامعه» حديثين صالحين للعمل، ثم قال: إنه لم يَعْمَل بهما أحدٌ، وذلك لفقدان العمل لا غير، وإلا فإسنادهما صحيحٌ. وكذلك قد يُضَعِّفُون حديثًا من حيث الإسناد، مع أنه يكون دائرًا سائرًا فيما بينهم، ويكون معمولا به فيتضرَّر هناك من جهة أخرى. فلا بُدَّ أن يُرَاعى مع الإسناد التعامل أيضًا، فإن الشرع يَدُور على التعامل والتوارث.
والحاصل: أنا لمَّا لم نَجِد الصحابة والتابعين يفرِّقون في قيامهم بين الجماعة والانفراد، عَلِمْنَا أنه لم يُرِدْ بقوله إلزاق المِنْكَب إلا التَّرَاصّ وترك الفرجة، ثم فَكِّر في نفسك ولا تَعْجَل: أنه هل يمكن إلزاق المِنْكَب مع إلزاق القدم إلا بعد ممارسة شاقة، ولا يمكن بعده أيضًا؟ فهو إذن من مخترعاتهم، لا أثر له في السلف. وعند أبي داود في باب وضع اليُمْنَى على اليُسْرى في الصلاة: «صفُّ القدم، ووضع اليد على اليد من السنة». قلتُ: ومراده استواء القدمين مع التَّجَافِي، فلا يبحثون عن إلزاق الكعبين أصلا، ولا يذكرون فيه إلا الصفّ ثم في النَّسائي في باب الصف بين القدمين: «أن رجلا صفَّ بين القدمين، فقال له ابن مسعود ﵁: خالف السنة، لو راوح كان سنةً». ومراده بعكس ما هناك، أي يَضُمُّ بين قدميه، ولا يَتْرُك فرجةً بينهما. وأراد بالمرواحة: التفريج بين القدمين. فالصف عند أبي داود بعكس ما في النَّسائي فتنبَّه، فإنه ليس من المصطلحات ليَلْزَم بالمخالفة. ولا تتوهَّم أن بين اللفظين تَنَاقُضًا، فإنه يبني
стр. 757
على تعدُّد المعنيين، فالصفُّ بمعنى التفريج والاستواء سنةٌ، وهو بمعنى الضم بينهما مخالفٌ للسنة، فافهم وتشكَّر وما في «القنية»: إلزاق الكعبين في الركوع كما هو في «رد المحتار»، فلا أصل له كما في «السعاية» (١). وتلخَّصَ أن الصفَّ بين القدمين سنةٌ لا غير، لأنهم لا يذكرون. ولا يتعرَّضُون إلى غيره، فحَسْبُهم قدوة.
٧٧ - باب إِذَا قَامَ الرَّجُلُ عَنْ يَسَارِ الإِمَامِ، وَحَوَّلَهُ الإِمَامُ خَلْفَهُ إِلَى يَمِينِهِ، تَمَّتْ صَلَاتُهُ
٧٢٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا دَاوُدُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - قَالَ صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِىِّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِرَأْسِى مِنْ وَرَائِى، فَجَعَلَنِى عَنْ يَمِينِهِ، فَصَلَّى وَرَقَدَ فَجَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ، فَقَامَ وَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. أطرافه ١١٧، ١٣٨، ١٨٣، ٦٩٧، ٦٩٨، ٦٩٩، ٧٢٨، ٨٥٩، ٩٩٢، ١١٩٨، ٤٥٦٩، ٤٥٧٠، ٤٥٧١، ٤٥٧٢، ٥٩١٩، ٦٢١٥، ٦٣١٦، ٧٤٥٢ - تحفة ٦٣٥٦
يُرِيدُ أن هذا القَدْر ليس بعملٍ كثيرٍ ولا مُفْسِدٍ، وصورته كما عند مسلم، وقد مرَّ ثم أن هذه الترجمة قد مرّت مرةً مع تغييرٍ يسيرٍ، وهو أنه كان في الأُولَى «لم تَفْسُد صلاته»، وههنا: «تمَّت صلاته». والوجه فيه: أن المقصودَ أولا كان بيان موضع الإمام والمأموم فقط، وذكر مسألة التحويل إنجازًا، وههنا هي المقصودة. أو يُقَال: إن المقصود في الأول: بيان عمل القليل والكثير، وههنا: بيان تمامية الصلاة، مع أن بعضها صُلِّيت على خلاف ترتيب موضع المأموم حتى قوله عنه.
٧٨ - باب الْمَرْأَةُ وَحْدَهَا تَكُونُ صَفًّا
٧٢٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ إِسْحَاقَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ صَلَّيْتُ أَنَا وَيَتِيمٌ فِى بَيْتِنَا خَلْفَ النَّبِىِّ ﷺ وَأُمِّى أُمُّ سُلَيْمٍ خَلْفَنَا. أطرافه ٣٨٠، ٨٦٠، ٨٧١، ٨٧٤، ١١٦٤ - تحفة ١٧٢
وفي الفقه: أن الصبيَّ إن كان واحدًا يقوم مع البالغين، وإلا فخلف الصفِّ، وكُرِهَ إن قام مع الصفِّ. وأمَّا المرأة، فليس موضعها إلا خلف الصفِّ واحدةً كانت أو جماعةً، ومن مثل هذا ذَهَبَ نظرُ إمامنا إلى أن مُحَاذَاتها مفسدةٌ أنه لم يتحمَّل صفها مع الرجال مطلقًا. ويَحْدُثُ في مثل هذه المواضع أذواقٌ، ومَنْ لم يَذُق لم يَدْرِ.
٧٩ - باب مَيْمَنَةِ الْمَسْجِدِ وَالإِمَامِ
٧٢٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ يَزِيدَ حَدَّثَنَا عَاصِمٌ عَنِ الشَّعْبِىِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - قَالَ قُمْتُ لَيْلَةً أُصَلِّى عَنْ يَسَارِ النَّبِىِّ ﷺ فَأَخَذَ بِيَدِى أَوْ بِعَضُدِى حَتَّى أَقَامَنِى عَنْ يَمِينِهِ، وَقَالَ بِيَدِهِ مِنْ وَرَائِى. أطرافه ١١٧، ١٣٨، ١٨٣، ٦٩٧، ٦٩٨، ٦٩٩، ٧٢٦، ٨٥٩، ٩٩٢، ١١٩٨، ٤٥٦٩، ٤٥٧٠، ٤٥٧١، ٤٥٧٢، ٥٩١٩، ٦٢١٥، ٦٣١٦، ٧٤٥٢ - تحفة ٥٧٦٩
стр. 758
عيَّنه المصنِّف رحمه الله تعالى باعتبار الإمام، وعندي لا مَيْمَنَة له ولا مَيْسَرَة، لكونه اعتبارية في المسجد. أمَّا في الإمام، فيكون باعتبار استقباله إلى القبلة، وهذه المسألة لم يتعرَّض لها الفقهاء. نعم يُحْتَاج إليها في الحديث لِمَا فيه: «أن الرَّحمة تَنْزِلُ أولا على الإمام، ثم على يمينه، ثم على يساره».
٨٠ - باب إِذَا كَانَ بَيْنَ الإِمَامِ وَبَيْنَ الْقَوْمِ حَائِطٌ أَوْ سُتْرَةٌ
وَقَالَ الْحَسَنُ لَا بَأْسَ أَنْ تُصَلِّىَ وَبَيْنَكَ وَبَيْنَهُ نَهْرٌ. وَقَالَ أَبُو مِجْلَزٍ يَأْتَمُّ بِالإِمَامِ وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا طَرِيقٌ أَوْ جِدَارٌ إِذَا سَمِعَ تَكْبِيرَ الإِمَامِ. ١٨٦/ ١
أشار إلى مسألة اتحاد المكان بين الإمام والمأموم. قال الحنفية: إن المسجد كلَّه مكانٌ واحدٌ، فإن حالت الجدران، فهل يُشْتَرَط المنفذ، أو كفى علم انتقالات الإمام فقط، ولو بمجرد صوته؟ فالثاني هو المُفْتَى به، ولا حاجةَ إلى المنافذ أو غيرها، واعتبروا في الصحراء تباعُدَه قدر ثلاث صفوف إذا لم تتصل الصفوف، فإن كان بينهما طريقٌ أو نَهْرٌ تجري فيه السفينة مُنِعَ مطلقًا، ويُعَدُّ كأنه مكانٌ مختلفٌ، ويَشْهَدُ له أثر عمر ﵁، كما في «الحاشية»، ولعلَّه في «المصنَّف» لعبد الرَّزَّاق.
٧٢٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأَنْصَارِىِّ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّى مِنَ اللَّيْلِ فِى حُجْرَتِهِ، وَجِدَارُ الْحُجْرَةِ قَصِيرٌ، فَرَأَى النَّاسُ شَخْصَ النَّبِىِّ ﷺ فَقَامَ أُنَاسٌ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ، فَأَصْبَحُوا فَتَحَدَّثُوا بِذَلِكَ، فَقَامَ لَيْلَةَ الثَّانِيَةِ، فَقَامَ مَعَهُ أُنَاسٌ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ، صَنَعُوا ذَلِكَ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، حَتَّى إِذَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَخْرُجْ، فَلَمَّا أَصْبَحَ ذَكَرَ ذَلِكَ النَّاسُ فَقَالَ «إِنِّى خَشِيتُ أَنْ تُكْتَبَ عَلَيْكُمْ صَلَاةُ اللَّيْلِ». أطرافه ٧٣٠، ٩٢٤، ١١٢٩، ٢٠١١، ٢٠١٢، ٥٨٦١ - تحفة ١٧٩٣٧
٧٢٩ - قوله: (كان رسول الله ﷺ يُصَلِّي من الليل في حُجْرَتِهِ ... ) الخ. اختلف الشارحون في تفسير الحُجْرَة، ما كانت؟ وحملها الطَّحَاوِيُّ رحمه الله تعالى على بيت عائشة ﵂، وحينئذٍ الفاصل هو الجدار. وحملها الشارحون على حُجْرَتِهِ التي كانت تُتَّخَذُ من الحصر لمُعْتَكَفِهِ في رمضان (١). قلتُ: والأرجح عندي أن يُحْمَلَ على التعدُّد، فإن حَمْلَ الجدار على الحصير مجازٌ بعيدٌ.
قوله: (يُصَلُّون بصلاته). أَمْعِن النظر فيه، حيث لم يَقُل: صلاتهم، مع أنه الظاهر، وجعلهم مُصَلِّين بصلاة النبيِّ ﷺ وهل يُصَلِّي أحدٌ صلاةَ أحدٍ؟ وهل يأتي هذا التعبير على
стр. 759
مسائل الحنفية أو الشافعية؟ فقد تكلَّمنا عليه وعلى مثله مِرَارًا، وسنعود إليه في باب الوتر شيئًا إن شاء الله تعالى.
قوله: (فلم يَخْرُجْ ... ) الخ، ومعناه على مختار الشارحين: أي لم يَخْرُج من مُعْتَكَفِهِ إلى حيث كان يُصَلِّي صلاة الليل.
قوله: (إني خَشِيتُ أن تُكْتَبَ عليكم)، وههنا إشكالٌ: وهو أنه كيف خَشِيَ الكتابة، مع أنه قد أَعْلَن بأنَّ الفرائضَ خمسٌ لا تزيد ولا تَنْقُص؟ وأُجِيبَ بأن انحصار فريضة العمر في الخمس لا يُنَافي زيادة فريضةٍ في رمضان خاصةً، فمعناه: خَشِيتُ أن تُكْتَبَ عليكم صلاتكم هذه في رمضان، فلا يُنَافي ما افْتُرِضَ في خارجه. ثم ذَكَرَ له الحافظ رحمه الله تعالى جوابين من عند نفسه. والأرجحُ عندي أن الخَشْيَةَ خَشَيَةُ الجماعة، أي تُكْتَبَ عليكم الجماعةُ فيها، وللجماعة تأثيرٌ في الإِيجاب، ولذا أمرهم أن يُصَلُّوها في بيوتهم، ولا يجتمِعُوا بها. ولمَّا كان للوجوب اختصاصٌ بالجماعة، وَجَبَت صلاة الاستسقاء عندنا في قولٍ لكونها بالجماعة.
وهل للمواظبة والاعتناء دَخْلٌ في إيجاب شيءٍ أو تحريمه؟ فالجواب كما ذكره الشاه وليُّ الله في «حُجَّة الله»: أن الشيءَ قد يَجِبُ ويَحْرُم بالمواظبة أيضًا إذا كان الزمانُ زمانَ نزول الوحيِ، كنذر يعقوب ﵇ بترك أحب الأشياء إليه، وكان أحب الأشياء إليه لحم الإبل، فلم يأكله لنذره واستمرَّ على تَرْكِه ذُرِّيَّتُه تبعًا لأبيهم، فلمَّا تمادى الأمر على ذلك حُرِّم على بني إسرائيل في التوراة.
قلتُ: ويُسْتَفَاد منه: أن حقيقة صلاة الليل مما تَصْلُح أن تكونَ فرضًا وإن لم يَحْكُم به عليها، لا يُقَال خَشْيَة الكِتَابة تَدُلُّ على عدم الكتابة في الحالة الرَّاهِنَةِ، وهذا يُخَالِفُ ما اخْتَرْتَ من وجوب قطعة من الليل، وهي الوتر. قلتُ: كلا، لأني حَمَلْتُ الخَشْيَة على الجماعة، والوتر وإن كانت مكتوبةً عندنا، لكنها ليست بالجماعة.
٨١ - باب صَلَاةِ اللَّيْلِ
٧٣٠ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى فُدَيْكٍ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى ذِئْبٍ عَنِ الْمَقْبُرِىِّ عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ لَهُ حَصِيرٌ يَبْسُطُهُ بِالنَّهَارِ، وَيَحْتَجِرُهُ بِاللَّيْلِ، فَثَابَ إِلَيْهِ نَاسٌ، فَصَلَّوْا وَرَاءَهُ. أطرافه ٧٢٩، ٩٢٤، ١١٢٩، ٢٠١١، ٢٠١٢، ٥٨٦١ - تحفة ١٧٧٢٠
قيل هذه الترجمة أجنبية في تضاعيف تراجمه من هذا الباب، فإن أبوابَ صلاة الليل بعيدةٌ، ولم يَدْخُل المصنِّف رحمه الله تعالى في صفة الصلاة بَعْدُ. قلتُ: وهو إنجازٌ، لأنه لمَّا أخرج حديث: «صلاة الليل» أحبَّ أن يَضَعَ عليه ترجمةً الآن، وإن كانت قبل أوانها على دَأْبِهِ بالإنجاز، ويمكن أن يكون أراد تعيين القصة الماضية وفيه: «كان له حصير»، ومنه فَهِمَ الشارحون أن حُجْرَته كانت من حصيرٍ.
٧٣١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ قَالَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ قَالَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ
стр. 760
عَنْ سَالِمٍ أَبِى النَّضْرِ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اتَّخَذَ حُجْرَةً - قَالَ حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ - مِنْ حَصِيرٍ فِى رَمَضَانَ فَصَلَّى فِيهَا لَيَالِىَ، فَصَلَّى بِصَلَاتِهِ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا عَلِمَ بِهِمْ جَعَلَ يَقْعُدُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ «قَدْ عَرَفْتُ الَّذِى رَأَيْتُ مِنْ صَنِيعِكُمْ، فَصَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِى بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ أَفْضَلَ الصَّلَاةِ صَلَاةُ الْمَرْءِ فِى بَيْتِهِ إِلَاّ الْمَكْتُوبَةَ». قَالَ عَفَّانُ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا مُوسَى سَمِعْتُ أَبَا النَّضْرِ عَنْ بُسْرٍ عَنْ زَيْدٍ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . تحفة ٣٦٩٨
٧٣١ - قوله: (فإِن أفضلَ صلاة المَرْءِ في بيته إلا المكتوبةَ). والحاصل: أن الشريعةَ لا تُحِبُّ التطوعَ في المساجد، والمكتوبات في البيوت.
وأعلم أن مختار الطَّحَاوِيِّ في التراويح: أن الرجل إن كان حافظًا، فالأفضل له أن يُصَلِّي في البيت، وإلا ففي المسجد، وفي «الهداية»: أن السننَ عامةٌ في البيت، ولا أرى سنةَ الفجر ثابتةً عن النبيِّ ﷺ في المسجد. وأتى الحافظ زين الدين العراقي شيخ ابن حَجَر والعَيْنِي رحمهما الله تعالى - برواية تَدُلُّ على أن نسبة أجر الفَضْل في البيت والمسجد لنِسْبَة صلاة الجماعة والفرد - بالمعنى - وإسناده جيدٌ.
٨٢ - باب إِيجَابِ التَّكْبِيرِ وَافْتِتَاحِ (١) الصَّلَاةِ
٧٣٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ أَخْبَرَنِى أَنَسُ بْنُ
стр. 761
مَالِكٍ الأَنْصَارِىُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَكِبَ فَرَسًا، فَجُحِشَ شِقُّهُ الأَيْمَنُ، قَالَ أَنَسٌ - رضى الله عنه - فَصَلَّى لَنَا يَوْمَئِذٍ صَلَاةً مِنَ الصَّلَوَاتِ وَهْوَ قَاعِدٌ، فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا، ثُمَّ قَالَ لَمَّا سَلَّمَ «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. فَقُولُوا رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ». أطرافه ٣٧٨، ٦٨٩، ٧٣٣، ٨٠٥، ١١١٤، ١٩١١، ٢٤٦٩، ٥٢٠١، ٥٢٨٩، ٦٦٨٤ تحفة ١٤٩٧ - ١٨٧/ ١
٧٣٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ خَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ فَرَسٍ فَجُحِشَ فَصَلَّى لَنَا قَاعِدًا فَصَلَّيْنَا مَعَهُ قُعُودًا، ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَالَ «إِنَّمَا الإِمَامُ - أَوْ إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ - لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. فَقُولُوا رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ. وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا». أطرافه ٣٧٨، ٦٨٩، ٧٣٢، ٨٠٥، ١١١٤، ١٩١١، ٢٤٦٩، ٥٢٠١، ٥٢٨٩، ٦٦٨٤ تحفة ١٥٢٣
٧٣٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ قَالَ حَدَّثَنِى أَبُو الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. فَقُولُوا رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ. وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ». أطرافه ٧٢٢ - تحفة ١٣٧٤٣
فاختار أنه فرضٌ واعلم أن التكبير بمعنى الذكر المُشْعِر بالتعظيم فرضٌ عندنا أيضًا أمَّا صيغة: الله أكبر بخصوصها، فقال بعضُ أصحابنا إنها سنةٌ، وذَهَب الشيخ ابن الهُمَام رحمه الله تعالى إلى أنها واجبٌ، وقوَّاه بدلائل، وإليه ذهب صاحب «البحر» و «النهر» وصاحب «تنوير الأبصار»، وهو متن «الدر المختار»، وهو الذي اختاره ابن أمير الحاج في «شرح المنية». واعلم أن ابن نُجَيْم أفقه عندي من الشَّامي لِمَا أرى فيه أن أمارات التفقُّه تَلُوح، والشَّامي مُعَاصِرٌ للشاه عبد العزيز رحمه الله تعالى، وهو أفقه أيضًا عندي من الشَّامي رحمه الله تعالى، وكذا شيخ مشايخنا رشيد أحمد الكَنْكُوهِي - قُدَّسَ سرُّه - أفقه عندي من الشَّامي.
أمَّا السلام: فقالوا إن أولَ التسليمتين واجبٌ، والأخرى سنةٌ، وهو الراجحُ عندي، لكونه
стр. 762
أقرب إلى الحديث، لِمَا ثَبَتَ عندي الاكتفاء بالتسليم الواحد. وقيل: كلاهما واجبان، فيُشْكِلُ عليه الحديث، وقد اسْتَرَحْتُ باختيار القول الأول، فلا تأويل عندي.
ثم اختلف الشارحان في قوله: «وافتتاح الصلاة»، ولم يُدْرِكَا مراده بعد البحث والفحص أيضًا، واختار الحافظ: أن الواو بمعنى مع، لأنه رَأَى أن افتتاح الصلاة في الخارج لا يكون إلا بالتكبير، وما كُشِفَ لي في بيان مراده هو أن المصنِّف يُرِيدُ تَعْيين ما به افتتاح الصلاة، هل هو التكبير أو رفع اليدين؟ فقال إن الصلاة تُفْتَتَحُ بالتكبير، فلو رَفَعَ إحدى يديه، ولم يكبِّر لا يكون شارعًا في الصلاة، وهذا كاختلافهم فيما يَدْخُل به في الحج، وهو إحرام الحجِّ. فعندنا لا يَدْخُلُ في إحرام الحجِّ إلا بالتلبية مع النية، وهذا إحرامٌ قَوْليٌّ، أو بفعلٍ مخصوصٍ بالحجِّ، وهذا إحرامٌ فِعْلِيٌّ. وأما عند الشافعية: فلم يَتَنَقَّح بَعْدُ، وعليه قوله ﷺ «تحريمها التكبير - وفي لفظ - إحرامها التكبير»، يعني كما أن للحجِّ إحرامًا وإحلالا، وهو معروفٌ، كذلك للصلاة تحريمًا وتحليلا: فتحريمها بالتكبير، وتحليها بالتسليم.
فَعُلِمَ أن ما يَدْخُلُ به الرجلُ في صلاته هو التكبير لا رفع اليد فقط، وإنما أَدْرَكْتُ مراده بعدما رأيت حكايةً: أن أبا حنيفة رحمه الله تعالى ذَهَبَ لعيادة أبي يوسف رحمه الله تعالى، وكان مريضًا فقال: إني كُنْتُ ظَنَنْتُ أنه يَبْقَى مِنْ بعدي، فحدَّثت نفسُ أبي يوسف رحمه الله تعالى. بأنه يُشِيرُ إلى إجازته بالقعود للدرس. فلمَّا صَحَّ أرسل أبو حنيفة رحمه الله تعالى إليه رجلا يسأله عن ثلاث مسائل: أولاها أن تحريمة الصلاة ما هي؟ فلم يُحْسِن في جوابه، فَعَلِمَ أنه لا يَلِيقُ أن يَجْلِسَ إليه الناسُ، فنقض حلقته، ودخل في حلقة أبي حنيفة.
وفي «مجموع زيد بن عليّ» - وهو زيدي من مُعَاصِري أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وإمام فِرْقة الزيدية، وهو ثِقَةٌ يروي الأحاديث الصِّحَاح، وهي أقرب المذاهب إلى أهل السنة من سائرهم. وسَبُّ الصحابة حرامٌ عندهم. إلا أن الآفة في كتابه من حيث جهالة ناقليه: أنه لمَّا وَرَدَ الكوفة، قَعَدَ أبو حنيفة رحمه الله تعالى بين يديه إكرامًا له وإجلالا، لكونه من أهل البيت، وفيه: أن أبا جَعْفَر ﵁ سَأَلَ الإمامَ أبا حنيفة رحمه الله تعالى عن تحريمة الصلاة، أهو بالتكبير، أم برفع اليد؟ فقال: بالتكبير. ولمَّا ذَهَبَ الإمام قال: نَعْمَ فقيهٌ. فَفَهِمْتُ أن البخاريَّ رحمه الله تعالى يُشِيرُ إلى هذه المسألة، واختار أن تحريمة الصلاة بالتكبير.
ثم اعلم أن الأصوليين قَسَّمُوا الخِطَاب على نحوين؛ وَضْعِي وتكليفي. فأما التكليفي، فكالوجوب وغيره، وأمَّا الوَضْعِي، فكالسببية والمسببية وعلائق الأشياء فيما بينها، وذلك لأنهم أرادوا تقسيم الأحكام إجمالا، فجعلوا بعضها وَضْعِيَّة، وبعضها تكليفيَّة، وهو حسنٌ ومهمٌ جدًا. فالتكبير والتسليم من الأحكام الوَضْعِيَّة، لأن التكبيرَ سببٌ للدخول، والتسليم سببٌ للخروج، وليس في الصلاة حكمًا وضعيًا غيرهما، ومنه ظَهَرَ وجه تخصُّص هذين في الحديث. ثم إن الخروج في باب الحجِّ يكون بالحَلْق، وهو جناية في غير أوانه، وكذلك السلام، وهو الخروج بصُنْعِه فاعلمه.
٧٣٢ - قوله: (إنما جُعِلَ الإمامُ لِيُؤْتَمَّ) الخ.
стр. 763
يقول العبد الضعيف: والحديث وإن مرَّ مِرَارًا، ويأتي كذلك، إلاّ أنه ظَهَرَ لي الآن أن أتكلَّم على بعض مسائله، وهي مسألة اقتداء القائم بالقاعد، وإن تكلَّمت عليه فيما سَلَفَ أيضًا.
فأقول إن الحديثَ بظاهره يُخَالِفُ كل من اختار وجوب القيام خَلْفَ القاعد من أئمة الحنفية والشافعية. واشتهر عنهم في الجواب عنه أنهم قالوا بالنسخ، وهو الذي اختاره البخاريُّ رحمه الله تعالى، ولا يَعْلَقُ بالقلب، لأن الحديثَ مُشْتَمِلٌ على أجزاءَ كثيرةٍ من تشريع عامَ، وضابطةٍ كلِّيَّةٍ على نحو بيان سنة، وسردِ معاملةٍ بين الإمام والمأموم. فالقول بنسخ جزء من الأجزاء من البيِّن، وإبقاء المجموع على ما كان ثَمَّ بواقعةٍ جزئيةٍ تَحتُمَلُ محامل، مما يُفْضِي إلى الاضْطِراب، ولا يشفي.
ولعَمْري، إنا لو لَمْ نعلم هذه المسألة، لَمَا انتقل ذِهْنُ أحدنا إلى أن صلاةِ النبيِّ ﷺ تلك قاعدًا كانت لبيان النَّسْخِ، وإنما حملناها عليه حِفْظًا للمذهب فقط، وإلا فالجمع بين الأحاديث يَحْصُلُ على مذهب أحمد ومحمد بن الحسن رحمه الله تعالى منا، ولا يُحْتَاج إلى النَّسْخِ. أَلا تَرَى أن ساداتنا لمَّا تَرَكُوا مسألة جواز الاستقبال والاستدبار، لم يُبَالُوا بوقائع تُنْقَلُ في هذا، وقالوا: إنها وقائع غير مُنْكَشِفة الحال. وحديث أبي أيوب تشريعٌ عامٌّ، فلا أَدْرِي، ولَسْتُ إخال أدري أنه ما الفرق بين هذين؟ فَذَهَبُوا إلى النَّسْح ههنا دون هناك.
ولقد تفرَّد الشيخ رحمه الله تعالى بحلِّه، فجمعته من تقاريرٍ له شتى عندي بَعْدَ جِدَ واجتهادٍ تامٍ، وفكرٍ بالغٍ، وتعمُّقِ نَظَرٍ، وإعمالِ درايةٍ، وإتعاب نفسٍ، فاجتمعت عندي عِدَّة أجوبة من كلامه، وها أنا أسردها على ما هذَّبتها، فهل من حرَ يَنْظُرُ بعين الإنصاف، ولا يَسْلُكُ مَسْلَكَ الاعتساف، وإنما وَضَعْتُ هذه في صدر الصحيفة، لأن كلها من الشيخ رحمه الله تعالى، ما خَرَمْتُ منها حرفًا، ولا زِدْتُ عليها حرفًا غير البيان والإِيضاح، وأرجو من الله سبحانه أن يكون هذا هو مراده إن شاء الله تعالى.
تحرير المذاهب: وأعلم أن الشافعيةَ والجمهورَ مع الحنفية رحمهم الله تعالى في وُجُوب القيام خَلْفَ الإِمام القاعد، وعدم جواز القعود خلفه. وذهب أحمد رحمه الله تعالى إلى وُجُوب القُعُود خلف القاعد ولو كان القومُ أصحَّاء ثم ذَكَرُوا له شروطًا: من كون الإمام إمام الحيِّ، ومرضه ممَّا يُرْجَى زواله. ثم فرَّقُوا بين القُعُود الطارىء. والأصلي، فتحمَّلوا قيام القوم في الأوَّل دون الثاني، ووجه الفرق ما نُقِلَ عن أحمد رحمه الله تعالى.
وحاصله: أن وُجُوبَ القُعُود، وكراهة القيام خلف القاعد، إنما هو لأجل الشَبُّه بالأعاجم في إفراط التعظيم لعظمائهم، كما يتَّضِحُ من سِيَاق أبي داود. وذاك إنما يُتَصَوَّرُ إذا كان الإمام قاعدًا من أول الأمر، لأن قيامهم حينئذٍ يُعَدُّ من قيام الأعاجم، حيث إنهم أيضًا يَقُومُون بين يدي أمرائهم الجالسين. وأمَّا إذا أمَّهم الإمام قائمًا، واقتدى به القوم كذلك، ثم طَرَأَ على الإِمام عُذْرٌ فَقَعَدَ فلا يُعَدُّ قيامهم للتعظيم، فإنهم كانوا قائمين من قبل، وإنما أَوْرَث صورةَ التعظيم قعودُ الإمامِ.
وبعبارةٍ أوضح: إن التعظيمَ إنما هو في القيام للقاعد، دون القُعُود للقائم، فههنا قَعَدَ
стр. 764
الإِمام مع كون القوم قائمين، ففيه قُعُودٌ للقائم، دون القيام للقاعد، وبينهما بَوْنٌ بعيدٌ، واسْتَفْتِ قلبَك إن شِئْتَ، فهذا هو الذي دَعَى الإِمامُ إلى الفرق بينهما.
وأمَّا مالك رحمه الله تعالى، فالمشهور عنه أنه لا يَجُوز اقتداء القادر بالقاعد مطلقًا، لا قائمًا ولا قاعدًا. وروى وليد بن مسلم عنه جَوَازَه عند قيام القوم، وحَمَلَها الناسُ على اختلاف الروايتين. وعندي ليس كذلك، بل مذهبهُ هو مجموعُ الروايتين، وقد نَبَّهْتُكَ فيما سَلَفَ أن روايةً قد تَرِدُ عن إمام، ثم تَرِدُ أخرى، وتكون كلتاهما كاشفتين عن وجهة وجهة، ولا يتمُّ المراد إلا بهما، ثم يحملهما الناس على الروايتين. وما الفرق بين الروايتين عن إمامٍ، وبين الحديثين عن النَّبِيِّ ﷺ حيق يَطْلُبُون جهة التوفيق والقدر المشترك بين المرفوعين، ولا يَطْلُبُونها بين الروايتين، ولو سلك الناس هذا المسلك، لاسترحنا كثيرًا.
وحاصل مذهبه على هذا التقدير: تجويزُ القيام خلفَ القاعدِ مع تقبيح ابتغاء اقتداء القائمين بالقاعد مع تمكُّن الاقتداء بالقائم القادر. ولا بحثَ فيها عن الجواز وعدمه، فالروايةُ الأولى عندي لبيان عدم الابتغاء، وأنه ينبغي أن لا يَقْتَدِي القادرُ بالمعذور مهما أمكن الاقتداء بالقادر. والروايةُ الثانيةُ لبيان جوازه في الجملة، فهي تَكْشِفُ الروايةَ الأولى، وتوضِّحُ أن نفي الاقتداء في الرواية الأولى محمولٌ على عدم الانبغاء، لا على النفي رأسًا، فهذه كاشفةٌ عن وِجْهة، وهذه عن وجْهة، والمراد بتمامه في المجموع.
إذا عَلِمْتَ هذا، فاعلم أن ههنا أمرين: الأولُ: قول النبيِّ ﷺ «إذا صلَّى قاعدًا، فصلُّوا قُعُودًا»، والثاني: إشارتُه إليهم بالقعود حين اقتدوا به قائمين. ويجب علينا لتفصِّي عنهما، فنقولُ في الجواب عن القول على ما أَجَابَ به ابن دقيق العيد: إن في قوله: «إذا صلَّى قاعدًا» ... الخ إحالةً على موضع القعود، وليس المراد القعود بدل القيام، أي إذا قَعَدَ الإمامُ في قَعْدَتِهِ فاقعدوا أنتم أيضًا، ولا تختلفوا عليه. ولا بُعْدَ فيه، لأن حديث أنس ﵁ يَشْتَمِلُ على سلسلة في أفعال الصلاة، من القيام إلى الركُوع، ومن الركُوع إلى القيام، ومن القيام إلى السُّجُود، ومن السُّجُود إلى القُعُود، فأي بُعْدٍ في إرادة هذا القيام، وهذا القُعُود. وأوْرَدَ عليه هو بنفسه أن الألطف في هذا المراد: إذا قَعَدَ فاقعدوا، ليُوَافِق قرائنه: إذا كبِّر فكبَّروا ... الخ، مع أنه غَايَرَ بين السياق، وقال: «إذا صلَّى قاعدًا ... الخ، فدَلَّ على أنه لم يُرِدْ به ذلك.
قلتُ: وجوابُه عندي: أن أفعالَ الصلاة على نحوين: بعضُها عبادةٌ كالرُّكُوع والسُّجُود، وبعضُها يُشْبِهُ العادة أيضًا كالقُعُود والقيام، فإِنهما من الأحوال العامة أيضًا ولا يتعيَّنان في العبادة، فأَدْخَل عليها لفظ الصلاة للفرق بين العبادة والعادة والتمحُّض للعبادة، وهكذا فَعَلَه القرآن، فإذا ذَكَرَ الركوعَ والسجودَ أطلقهما، وقال: ﴿ارْكَعُواْ وَاسْجُدُواْ﴾ [الحج: ٧٧] وإذا ذَكَرَ القيامَ أَتْبَعَهُ بلفظٍ يُشِيرُ إلى كونه عبادة، فقال: ﴿وَقُومُواْ لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، ولم يَأْمُر في موضع بالقيام مطلقًا كما أَمَرَ بالركُوع والسجُود، وذلك لأن: ﴿وَقُومُواْ﴾ لا يتعيَّن للعبادة، بخلاف الركوع والسجود.
стр. 765
والجواب الثاني: أن الحديثَ ليس ابتدائيًا ليدُلَّ على مطلوبية القُعُود أو وَجُوبه من جهة الشارع، بل وَرَدَ في سِيَاق التعليم حين تَعَنَّتُوا باقتدائه قاعدًا، فهو إذن لذمِّ التعنُّت في اقتداء القائم بالقاعد، وتفويت المشاكلة المطلوبة بينه وبين إمامه، وكراهية الإِفراط في التعظيم والتشبُّه بالعَجَمِ. وفَرْقٌ بين الأمر بالشيء ابتداءً، وبين الأمر به في نحو سِيَاق الإِصلاح. فإِن الأولَ أقربُ إلى الوُجُوب، والثاني يَنْزِلُ على الإِباحة أيضًا. أَلا تَرَى إلى قوله: «صلُّوا في مَرَابِض الغنم»، ليس الأمر فيه للوُجُوب، لأنه ليس ابتدائيًا كما مرَّ، فكذلك ههنا، وإنما وَرَدَ في سِيَاق الإِصلاح.
وحينئذٍ لم يَخْرُج منه تحريم القيام خَلْفَ القاعد، بل إباحته القُعُود خَلْفَ القاعد أو تحسينه، كما يُسْتَفَادُ من إشارته بالقُعُود، ويَدُلُّ عليه ما عند مسلم في حديث أبي هُرَيْرَة ﵁: «إنما جُعِلَ الإمام لِيُؤْتَمَّ به، فلا تَخْتَلِفُوا عليه». وعند الترمذي كما سيجيء: «فليصنع كما يصنع الإمام»، كل ذلك طلبًا للمشاكلة. ويتَّضِحُ ذلك مما عند أبي داود، في باب الإمام يصلِّي من قُعُود، عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: «رَكِبَ رسولُ اللَّه ﷺ فَرَسًا بالمدينة، فَصَرَعه على جِذْم نخلةٍ، فانفكت قدمه، فأتيناه نَعُودُه فوجدناه في مَشْرُبة لعائشة رضي الله تعالى يُسَبِّح جالسًا، قال: فقمنا خلفه، فَسَكَتَ عنّا، ثم أتيناه مرةً أخرى نَعُودُه فصلَّى المكتوبةَ جالسًا فقُمْنَا خلفه فأشار إلينا فَقَعَدْنا، قال: فلما قضى الصلاة قال: إذا صلَّى الإمامُ جالسًا، فصلُّوا جلوسًا. وإذا صلَّى الإمامُ قائمًا فصلُّوا قيامًا ولا تفعلوا كما يَفْعَلُ أهلُ فارس بعظمائها» اهـ.
فسكوتُه في اليوم الأول دليلٌ صريحٌ على عدم وُجُوب القُعُود خَلْفَ القاعد، وعدم حُرْمة القيام خلفه، ولذا لم يُشِرْ إليهم بالقُعُود، ولا علَّمهم شيئًا في هذا الباب، حتى إذا أحسَّ منهم التعنُّت فيه، حيث جاؤا في اليوم الثاني أيضًا واقتدوا به، فحينئذٍ عَنَّفَهم على تعنُّتهم ذلك وابتغائهم الإِمام القاعد. مع أن النبيَّ ﷺ كان سوَّى لهم إمامًا قادرًا في المسجد النبوي ليصلِّي بهم، ثم صلَّى في المَشْرُبَة مُتَنَحِّيًا عنهم، ومع ذلك لم يَتْرُكُوه حتى اقتدوا به في صلاته قاعدًا، ولمَّا فَعَلُوا ذلك في اليوم الثاني عَلِمَ أنه لم يكن ذلك منهم اتفاقًا، بل كان قَصْدًا فمنعهم عن ذلك.
ولو رَاعَيْتَ معه قوله عند مسلم: «إن كِدْتُم آنفًا تَفْعَلُون فِعْلَ فارس والروم. يَقُومُون على ملوكهم وهم قُعُود، فلا تَفْعَلُوا ائْتَمُّوا بأئمتكم ... » إلخ، لعَلِمْتَ أن النهيَ عن القيام خَلْفَ القاعد إنما هو للإفراط في التعظيم، إلا أنه يُخَالِفُ منصب الائتمام فمعنى الكراهة: هو الإفراط في التعظيم والتشبيه بالتمثُّل للأمراء، ولذا أَغْمَضَ عنهم في مرض الموت، لأنهم لم يَقُومُوا له، وإنما كانوا قائمين من قبل، ثم خَرَجَ النبيُّ ﷺ هو وأمَّهم قاعدًا، فلم يُوجد منهم التعنُّت في الاقتداء، ولا الإفراط في التعظيم. وإنما اسْتَشْعَرَ ذلك منهم في واقعة الجحوش، فنهاهم.
والقول بنسخ الأول من الثاني لا يَقْبَلُه الذَّوْقُ، فإن الراوي لا يذكرهما كالناسخ
стр. 766
والمنسوخ، بل يَذْكُرُ واقعتين في سلسلةٍ واحدةٍ وقعت مرةً كذا، ومرةً كذا، على أنَّا لو حَمْلَنَاهُ عليه يَلْزَم النسخُ مرتين: الأول نسخُ القيام بالقعود، ثم نسخُ القُعُود بالقيام في مرض الموت، على ما اختاره البخاريُّ والجمهور، وكذا لا دليلَ فيه على ما ذَكَرَهُ ابن حِبَّان أنها كانت نافلةً في اليوم الأول، ومكتوبةً في الثاني فسكوتُه في اليوم الأول إنما كان لكون صلاته نافلةً تَجُوزُ فيها الصُّوَرُ كلُّها بخلاف اليوم الثاني، فإنها كانت فريضة، ولا يتحمَّل فيها هذا التوسُّع.
وفيها الخلاف، وذلك لأن كونها مكتوبةً أو نافلةً تعرَّض إليه الراوي من قبله في ذَيْل القصة، لكونه مناطًا لجواز القيام أو حرمته، وليس في الحديث إيماءٌ إليه، ولا بناءٌ عليه، حيث قال: «وإذا صلى قاعدًا، فصلُّوا قُعُودًا»، ولم يُومِىء إلى هذا التفصيل، بل صرَّح أنه كَرِهَ القيام لأجل الإفراط في التعظيم. ويُقِرُّ به ما رامه مالك ﵀ على ما قرَّرناه فنهى عن اقتداء القاعد مطلقًا وإن اقتداه قاعدًا، لأنه فهِمَ أنه تعنَّت في ذلك لِمَ لا يقتدي بإمامٍ قادرٍ مثله؟ وإن كان لا بُدَّ فاعلا فعليه أن يقومَ، فإنه فرضٌ، والكلُّ فيه أميرُ نفسه، فلا يَسْقُطُ عن ذمته، وهو الذي تُظْهِرُه رواية وليد بن مسلم عنه. ويَحُومُ حوله ما اختاره أحمد رحمه الله تعالى، فإِنه فرَّق بين القعود الطارىء والأصلي، بناءً على أن الإِفراطَ في التعظيم، والتشبُّهَ بالأعاجم، إنما هو في الثاني دون الأول.
وعُلِمَ من هذا التقرير: أنه لم يَعَمَلْ بإطلاق الحديث أحدٌ منهم، ثم لو سلَّمنا، فهذا الفرق إنما ذَكَرَه الرَّاوي في صلاة النبيِّ ﷺ وما الدليل على أن الصحابةَ ﵃ أيضًا كانوا مُفْتَرِضِين في اليوم الثاني؟ فجاز أن تكون صلاتُهم على أنها نافلةٌ، بل هو الظاهر، لأن المسجدَ لم يَخْلُ عن الجماعة في هذه الأيام، وهؤلاء لم يَكُونُوا ليتركوا صلاة الجماعة في المسجد، وإنما جاؤوا للعِيَادة، واتَّفَقَ أن وَجَدُوه يَصَلِّي سُبْحَةً أو مكتوبةً، فاقتدوا به على أنها نافلةٌ لهم، والقُعُود في مثلها مطلوبٌ تحصيلا للمشاكلة، وإنما الكلام فيما إذا صلُّوْها فريضةً، وليس في الحديث.
والجواب الثالث: أن الحديثَ لو دَلَّ على وُجُوب القُعُود، وحُرْمة القيام خَلْفَ القاعد لقوله ﷺ «إذا صلَّى قاعدًا» ... الخ، لدَّل على وُجُوب القيام، وحُرْمة القُعُود خَلْفَ الإِمام القائم لقرينةٍ، وهي قوله ﷺ «إذا صلَّى قائمًا ... » الخ، مع أنه لم يَذْهَبْ إليه أحدٌ.
والأصل: أنّ حال المُنْفَرِد مُنْحَصِرٌ في صورتين، وهما: العقودُ والقيام؛ بخلاف حال المصلِّي مع الإِمام، فإنها أربعةٌ ذَكَرَ منها في الحديث اثنان وبقي اثنان وهما: القعود خلف القائم، والقيامُ خلف القاعد فمن تمسَّك به غَفَلَ عن هذين، وقاس حاله مع إمامه على حاله في الانفراد. وهذا يَدُلُّك ثانيًا على أن الحديث لم يَرِدْ إلاّ في طلب المشاكلة، وهو بالقيام خَلْفَ القائم، والقُعُود خَلْفَ القاعد. بقيت صورة الاختلاف، فلم يتعرَّض لها في الحديث، فليَكِلْهُمَا إلى اجتهاد الأئمة، أو إلى حديثٍ آخر، وإلاّ لَزِمَ عدم جواز القُعُود خَلْفَ القائم أيضًا بعين هذا الحديث.
стр. 767
والجواب الرابع: أن الحديث ينبني على فرضٍ ذهني وحكمٍ معهودٍ عند الشارع، وهو: أن القاعد لا يُصَلِّي بالناس في المسجد، والمفترِض القادر لا يُصَلِّي في البيت، وحينئذٍ لا يكون قوله: «وإذا صلَّى قائمًا ... » الخ إلاّ في حقِّ الفرائض. فإِن قوله هذا، وإن كان عامًا في الظاهر، إلا أنه مقصورٌ على المكتوبات بالنظر إلى هذا الفرض، لأن صلاة الإِمام قائمًا في المسجد لا تكون إلا فريضةً. وكذا قوله: «وإذا صلَّى قاعدًا» الخ، وإن وَرَدَ عامًّا، لكنه على الفرض المذكور لم يَرِدْ إلا في النافلة، لأنه إذا فَرَضْنَاه قاعدًا، فلا يكون في المسجد، بل في البيت، ولا يكون فيه إلا النَافلة، أو فريضة المنفرِد.
فهاتان القضيتان وإن كانتا كُلِّيَّتَيْنِ لفظًا لكنهما مَخصُوصَتَان معنى، وكثيرًا ما يَرِدُ الكلامُ على فرضٍ ذهني، ثم إذا عُرِّيَ عن تلك القرائن المُحْتَفَّة والمعهودة بين المخاطَب والمتكلِّم أورث مثل هذه قلقًا، أَلا تَرَى إلى شاكلة أحاديث تنصيف الأجر وَرَدَت بدون تفصيلٍ بين الفرض والنفل، ففي الصِّحَاح عن عِمْرَان بن حُصَيْن مرفوعًا قال: «من صلَّى قائمًا فهو أفضل ومن صلاها قاعدًا، فله نصف أجر القائم. ومن صلاها نائمًا فله نصف أجر القاعد». اهـ. وكذلك ليس في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١] الخ ... ولا في قوله: ﴿فَاذْكُرُواْ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣] تفصيلٌ بين الفرض والنفل.
فلو تعرَّض في واقعة السقوط إلى هذا التفصيل لفَاتَ ذلك الوضع. فإِذا مَشَى في أحاديث تنصيف الأجر على شاكلة الإِبهام مَشَى عليها في أحاديث السُّقُوط أيضًا، ولم يتعرَّض فيها إلى القيام: أنه متى يَجِبُ ومتى لا يَجِبُ؟ وكذا إلى القُعُود أنه متى يُجُوزُ ومتى لا يَجُوزُ؟ بل تركهما على ما عُهِد من شأنهما في الخارج نعم إذا وَقَعَ التميُّزُ في الخارج، وخرجت الأقسام، فصار بعضُها فريضةً وبعضٌ آخر نافلةً، خَرَجَ بنفسه: أن القيام في الفرض لا يَسْقُطُ بخلافه في النافلة.
ثم إنك لو نَظَرْت إلى عادتهم في الخارج، ما كانت؟ لعَلِمْتَ أن الحديثَ مقصورٌ بجزأَيه على (١) النافلة، لأنهم كانوا مَشْغُوفِين بالاقتداء خلفه ﷺ أينما وجدوه يُصَلِّي، وإنما كانوا يَفْعَلُون ذلك من أنفسهم بدون ترغيب منه، كما فعلوه في صلاة الليل، فاقتدوا به، حتى قال لهم النبيُّ ﷺ «خَشِيتُ أن تُكْتَبَ عليكم» فصلاتُهم هذه ما كانت لإِسقاط الفريضة، ولم تكن تُدْعَى لها، ولكنهم كانوا يَدْخُلُون فيها تحصيلا للبركة، وإحرازًا للأجر، وتوفيرًا للثواب، ونَيْلا لشرف
стр. 768
الاقتداء بخاتم الأنبياء ﵊ وهو الذي فَعَلُوه في واقعة السقوط.
وحينئذٍ مخاطبة النبيِّ ﷺ إياهم بهذا الحديث لا يتتناول إلا الصلوات النافلة التي عَلِمَ الدخول فيها من أحوالهم، فهو إذن في حقِّ الصلاة التي لا يُدْعَى لها الناس، وهي النافلة، ولا رَيْبَ أنه يتحمَّل فيها القُعُود من القدرة على القيام. وفي فِقْهِنَا أيضًا: أن الإمام إن صلَّى التراويح قاعدًا، فللقوم أن يَقْعُدُوا أيضًا تحصيلا للمشاكلة. فمعنى قوله: «وإذا صلَّى جالسًا، فصلُّوا جلوسًا»، أي: في الصلاة التي عَرِفْتُ من عادتكم الاقتداء فيها. نعم، إذا غَفَلَ عن عادتهم تلك في الخارج، سَرَى إلى الوهم أنه عامٌّ في أنواع الصلوات كلِّها.
وأمَّا وَجْهُ التفصِّي عن إشارته، فَيَنْكَشِفُ بعد المراجعة إلى ما أَخْرَجَه أبو داود في الأذان، في حديثٍ طويلٍ من أحوال الصلاة، وفيه قال ابن أبي ليلى: وحدَّثنا أصحابنا قال: «كان الرجل إذا جاء يسأل، فيُخْبِرُ بما سَبَقَ من صلاته، وأنهم قَامُوا مع رسول الله ﷺ من بين قائمٍ وراكعٍ وقاعدٍ ومصل مع رسول الله ﷺ ... حتى جاء مُعاذ ﵁، قال: فقال معاذ: لا أراه على حالٍ إلا كُنْتُ عليه، قال: فقال: إن مُعَاذًا قد سَنَّ لكم سنةً، كذلك فافعلوا». اهـ. مختصرًا بدون تغيير في اللفظ.
وله مُتَابِعٌ عند الطبراني، وفي إسناده عُبَيْدُ الله بن زَحْر، ورأيُ البخاري رحمه الله تعالى حسنٌ في حقِّه. ثم وَجَدْتُ له مُتَابِعَيْن آخرين أيضًا، وظاهره: أن الناس كانوا يَدْخُلُون في الجماعات، فَيُصَلُّون أولا لأنفسهم ما فَاتَهم من صلاة إمامهم، حتى إذا قَضَوْه اتبعوه فيما بقي، واشتركوا معه في الأفعال حتى جاء مُعَاذ ﵁، فدخل أولا فيما كان الإِمامُ يصلِّيه، ثم اشتغل بأداء ما فاته من صلاته كما هو شاكلة القضاء اليوم. وأنت تَعْلَمُ أنهم لا بُدَّ لهم في هذه الصورة أن يَخْتَلِفُوا على إمامهم، فيكون أحدهم قاعدًا مع قيام إمامه، وقائمًا مع قعود إمامه، وهو الذي يقوله الراوي «من بين قائمٍ وراكعٍ وقاعدٍ» ... الخ، فيُشِيرُ إلى هذه الاختلافات على إمامهم.
فلعلَّ هؤلاء الذين دَخَلُوا في صلاة النبيِّ ﷺ في مَشْرُبَتِه، واقتدوا به عَمِلُوا بهذه السنة، وقد كانت نُسِخَت، فدلَّهم على أنه يجب مع الإِمام ائتمامه، لا الاختلاف عليه، فعليكم أن تَعْمَلُوا بسنة مُعَاذ ﵁، وهو: القضاء فيما بَعْدُ لئلا يُوجب الاختلاف على الإِمام، فأشار إليهم بالجلوس لذلك. وعليه فليُحْمَل قوله: «وإذا صلَّى جالسًا فصلُّوا جلوسًا»، أي لا تُشْغِلُوا أنفسكم بقضاء ما فات أولا، ليلزم عليكم القيام عند جلوسه، والجلوس عند قيامه، ولكن صَلُّوا أولا بصلاة الإِمام فصَلُّوا جلوسًا إذا صلَّى جالسًا، وكذا في القيام.
وإليه يشير ما عند الترمذي في باب ما يذكر في الرجل يُدْرِكُ الإِمامَ ساجدًا، كيف يصنع عن مُعَاذ ﵁ مرفوعًا: «إذا أتى أحدُكم الصلاةَ والإِمامُ على حالٍ، فليَصْنَعْ كما يَصْنَعُ الإِمامُ». اهـ. يريد أن المسبوقَ ينبغي له أن يَتْبَع إمامَه في الأول، ولا يَشْتَغِلَ بقضاء أول صلاته، وليَصْنَعْ كما يَصْنَعُ إمامَه. وكذلك ما عند أبي داود، في باب الرجل يُدْرِكُ الإِمامَ
стр. 769
ساجدًا ... الخ، عن أبي هُرَيْرَة ﵁ مرفوعًا: «إذا جِئْتُم إلى الصلاة ونحن سجودٌ فاسجدوا ولا تَعُدُّوها شيئًا ... » الخ (١).
ثم ليمعن النظر أنه ما الفرق بين القُعُود عن القيام، وبين القُعُود للتشهُّد؟ فإن قلتُ: إنه بوضع اليدين على السُّرَّة في الأول، وعلى الفخذين في الثاني. قلتُ: هو مسألةٌ اجتهاديةٌ اختارها أبو حنيفة رحمه الله تعالى، ولا تصريحَ لها في الحديث مع أنه يترشَّح من بعض عبارات فقهائنا أنه لا فَرْق بينهما، وحينئذٍ يَلْتَبِسُ الأول والثاني، ولا يتميَّز أحدهما عن الآخر أصلا. وعلى هذا يُمْكِن أن يكونَ النبيُّ ﷺ في القَعْدَة للتشهُّد. وهم فَهِمُوا أنه في القَعْدَة بدل القيام، فَقَامُوا.
وأنت تعلم أنه لا سبيلَ حينئذٍ إلى علمه إلا بالتعليم، فأشار إليهم أن اجلسوا، ليَعْلَمُوا أنه في القَعْدَة للتشهُّد، لا لأن فرض القيام سَقَطَ عنهم بالاقتداء. ولا يُقَال يمكن أن يكون سقوطُ القيام عن ذمَّة المقتدي كسقوط فرض القراءة عندكم، لأنا نقول: كلا، فإن القراءةَ خلف القارىء مُنَازَعةٌ، والقيامَ خلف القائم مُوَافَقةٌ. والوجه: أن القراءةَ يتحمَّلها الإمام عن المقتدي، وتُحْتَسَبُ قراءتُه عن قراءتِه، بخلاف الأفعال من القيام والقعود وسائر الأذكار فإن الإمام لا يتحمَّلها عن المقتدي، وكلٌّ فيها أميرُ نفسه، فلا تتأدّى إلا بفعله ومن ههنا تبيَّن وجه التفصِّي عن إشارته بالقُعُود أيضًا (٢).
وكذا بذكر الواو وحذفها. ولطف الصيغة التي فيها الواو أنها تدلُّ على أن لربنا شيءٌ آخر أيضًا، كما أن له الحمد، وإنما حَذَفَه لِيَذْهَبَ ذهنُ السامع كل مَذْهَبٍ ممكنٍ. وراجع لنكتة الحمد في القَوْمة ما عند مسلم في باب الشفاعة من سجود النبيِّ ﷺ والاستئذان لها، وفيه ثلاثةَ ألفاظ: في لفظٍ: «أنه يَحْمَدُه أولا، ثم يَقَعُ ساجدًا». وفي لفظٍ «أنه يَحْمَدُه ساجدًا». وفي لفظٍ «أنه يَسْجُدُ له ثم يَحْمَدُه». وقد وَرَدَت كلُّها في المقام المحمود.
وظَهَرَ لي أن الوجهَ هو الأول، والباقي من تصرُّفات الرواة، فإِنه يَحْمَدُه أولا، ثم يَخِرُّ ساجدًا، وهذه الحقيقة من تقديم الحمد على السجود سَرَت في الصلاة، فقدَّم الحمد في القَوْمة على السجود لهذا. ولفظ مسلم يقتضي أن السجودَ من خصائص الحَضَرَة الربانية، فحيثما تحقَّقت الرؤية ثَبَتَ السجود هناك، كما في ليلة المِعْرَاج إذا تجلَّى له ربُّه خَرَّ ساجدًا هناك كالثوب البالي. والله أعلى وأجلَّ ولعله بَدَأ بمثله في الشفاعة، فافتتح باب الشفاعة بالتحميد، ثم سَجَدَ ولعلَّ الحمد في القَوْمة ليتدارك المسبوقُ ما فاته من الحمد، كما ذكره في «الفتح» للقنوت، ثم رأيته في البجيرمي عن البرماوي. فهو لإِدراك الذكر فقط، ولو كان أُنْمُوذَجًا من القيام لأدرك الركعة بإِدراكه، وليس كذلك.
ثم المشهور عن إمامنا رحمه الله تعالى التقسيم في التسميع والتحميد بين الإِمام والمقتدي، وهو المذكور في عامة الروايات وعنه: الجمع للإِمام، وهو عند البخاري. وعند الشافعيِّ رحمه الله تعالى: التسميع للمقتدي أيضًا، ولم يذهب إليه أحدٌ من غير ابن سيرين على ما أعلم، والله تعالى أعلم.
٨٣ - باب رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِى التَّكْبِيرَةِ الأُولَى مَعَ الاِفْتِتَاحِ سَوَاءً
٧٣٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ، وَإِذَا
стр. 772
كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا كَذَلِكَ أَيْضًا وَقَالَ «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ». وَكَانَ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِى السُّجُودِ. أطرافه ٧٣٦، ٧٣٨، ٧٣٩ - تحفة ٦٩١٥
قال الحافظ ﵁: قد وَرَدَ الرفعُ في الأحاديث قبل التكبير وبعده ومعه، واختار الأول صاحب (١) «الهداية» منا فَيَرْفَعُ يديه أولا، ثم يكبِّر. أمَّا الثاني، أي التكبير، ثم الرفع فلم يَذْهَبْ إليه أحدٌ من السلف وإن وَرَدَ في الحديث.
قلتُ: إن الصور عندي اثنتان فقط: قبله ومعه. أما الثاني، فهو من تصرُّف الرواة، وليس من السنة في شيءٍ، فإنه قد تبيَّن لي بعد السَّبْر أن الرفعَ بعد انقضاء التكبير لغوٌ، فلو كَبَّرَ حتى فَرَغَ عنه لا يأتي بالرفع أصلا، كذا في الزَّيْلَعِي «شرح الكنز»، وصرَّح به الشافعيُّ رحمه الله تعالى في «الأم» وكذا في «المغني» فَلَزِمَ منه أن الرفعَ للتكبير، فإذا خَتَمَ الكبير، فَاتَ محل الرفع. وذلك لأني سَبَرْت الشرعَ، فرأيتُ أن لا رفعَ عند القيام إلى الثانية والثالثة، مع أن الأظهرَ أن يكونَ الرفعُ فيهما أيضًا، كما كان في الأولى، ولكنه لم يُنْقَل عنه الرفع في هاتين، وذلك لانقضاء التكبير فيهما في الارتفاع، وتمامه إلى القيام، وحينئذٍ لو رَفَعَ لكان بعد التكبير، فلو كان الرفعُ عند الشارع بعده أيضًا لوضعه في قيام الثانية والثالثة البتَّة، كما كان وضعه في قيام الأولى. فَعلِمْتُ منه أن مَرْضِيَّ الشارع تركُ الرفع بعد التكبير، فَقَصَرْتُ على الصورتين فقط، وإن كانت الألفاظ تحتمل الثالثة أيضًا.
٧٣٥ - قوله: (كان يَرْفع يديه) ... الخ (٢) والشافعية يَزْعُمُون أنه أصرحُ حُجَّةً لهم قلتُ بل هو يَضُرُّهم من طَرَفٍ آخر، ويترشَّح منه ما يخالفهم، فإِن كنتَ فَطِنًا تَعْرفُ مظانَّ الكلام، ففكِّر أن ابن عمر ﵁، لِمَ خَصَّصَ الرفع من بين سائر صفات الصلاة؟ وَلِمَ نَّوه بذكره واهتمَّ بأمره؟ يدُلُّك على خمُولِه في زمنه. ولذا لم يتوجَّه إلا إلى الرفع خاصةً، ولعلَّه رأى فيه تركًا فأراد إحياء الرفع، ورمي التاركين بالحصى، ولو لم يكن هناك تاركون، فمَنْ ذا الذي كان يَرْمِيهم؟ نعم، لو كان في طريق من طُرُق روايته ذكرٌ لصفاتٍ أخرى أيضًا لحَمَلْنَاه على الاختصاص فقط، إلا أنه لمَّا لم يتعرَّض إلا إلى هذا الجزء خاصةً، عَلِمْنَا فيه خُمُولا في زمانه، بحيث
стр. 773
احتاج إلى الاستدلال والتفصيل. ولو كان الرفع فاشيًا ولم يكن هناك تاركٌ كما زَعَمُوه فأيُّ حاجةٍ دَعَتْهُ إلى اهتمامه أي اهتمام؟
قوله: (وإذا كبَّر للرُّكوع). قال الشافعية: يبدأ الرفع مع التكبير، ثم يمُدّه حتى يملأَ به الانحناء.
قلتُ: وفيه عُسْرٌ لا يخفى، ثم رأيت في «شرح الإحياء». من التنبيه ذكر أن الرفع مع الانحناء مُتَعَسِّرٌ أو مُتَعَذِّرٌ فإِن كان لا بُدَّ له من الرفع عند الركوع، فالأولى أن يَرْفَعَ أولا، ثم يُكبِّرَ وينحني، ولا ينبغي أن يمشي على ظاهر شاكلة الألفاظ، فإِنها تَدُلُّ على أنه كان يرفع بعد انقضاء التكبير، وهكذا ما اختاره الشافعية رحمهم الله تعالى في الرفع من الركوع من أنه يرفعهما حين الارتفاع أيضًا غَلَطٌ، بل يرفعهما حين يَنْتَصِبُ قائمًا.
وفي كتاب «المسائل» لأبي داود عن أحمد رحمهما الله تعالى: أنه رآه يرفع يديه حين انتصبَ قائمًا. والسِّرُّ في ذلك أنهم فَهِمُوا هذا الرفع للانتصاب، فوضعوه في الارتفاع ليكونَ قبله، مع أنه للذهاب إلى السُّجُود، وحينئذٍ نَاسَبَ أن يكونَ في الانتصاب. وبالجملة إن الرفعَ إن كان في نظر الشارع، فهو في الابتداء: إما في ابتداء الركعة الأولى للافتتاح، أو ابتداء الركوع، أو عند ابتداء السجدة، أو بين السجدتين، والأخيرُ قليلٌ جدًا مع ثبوت ترك الأَوَّلَيْن أيضًا، وكان به اعتناءٌ للصغار دون الكبار، فإِنَّهم كانوا يتركونه أيضًا. أمَّا كَثْرَةُ العمل، فلم تتبيَّن بعدُ، وإن صَرَّح ابن رُشْدٍ في «بداية المجتهد»: أن مالكًا في رواية ابن القاسم اختار الترك من أجل التعامل.
قوله: (وكان لا يفعلُ ذلك في السُّجُود)، والشافعية جَعَلُوه دليلا على ترك الرفع في السُّجُود. قلتُ: بل تعرُّضه إلى النفي في السُّجُود دليلٌ على أنه كان هناك الرافعون في السُّجُود أيضًا، فأراد إخماله بذكر نحو من الاستدلال. والآن كيف ترى الحال في حديث ابن عمر ﵁، فإِنه يريد نفي الرفع في السُّجُود، ويترشَّحُ منه الإيجاب، ويريد إيجابه في الموضعين ويترشَّحُ منه النفي فيهما، وهذا كما قيل: إن في مِضَ لَمَطْمَعًا (١). ثم إن حديث
стр. 774
مالك بن الحُوَيْرِث عند النَّسائي: «أنه رَأَى النبيَّ ﷺ رَفَعَ يديه في صلاته، وإذا رَكَعَ، وإذا رَفَعَ رأسَه من الركوع، وإذا سَجَدَ، وإذا رَفَعَ رأسَه من السجود، حتى يحاذي بهما فروع أذنيه»، اهـ. لم أر أحدًا شَرَحَه، وقد مرَّ عليه ابن القيم في «الهدي»، والحافظ في «الفتح» والعجبُ أنهم يستدلُّون منه ولا يَشْرَحُونه أصلا، فإن ظاهره تعدُّد الرفع في القَوْمة، ففيه الرفع أربع مراتٍ: عند الركوع، وعند الرفع منه وهو في الانتصاب على ما مرَّ، وعند السجود وهو أيضًا في الانتصاب، وعند الرفع منه والذي يَظْهَرُ أنه أراد به ما بين الأمور الأربعة، فهي ثلاث: عند الركوع، وعند الرفع منه، وبين السجدتين، وإنما أَرادَ أنَّ الرفعَ في القَوْمة للمعنيين، فهو رفعٌ واحدٌ للرفع من الركوع وللسجود معًا. فَأَوْهَمَت عبارته بتعدُّد الرفع، ولم يكن مُرَادًا أصلا، ولذا لم يذكره في الرواية الثانية من النَّسائي، فانكشف أنه إيهامٌ لفظي فقط.
ولم يَثْبُت تعدُّد الرفع في القَوْمة عن أحدٍ من السلف، وكل لفظٍ لم يُوجَد مِصْدَاقه مع وفور العمل في الخارج، فهو إيهامٌ تعبيريٌّ لا غير. وبعكسه، إن العمل إذا ثَبَتَ بأمر في الخارج، وتبيَّن مِصْدَاقه، فهو سنةٌ ثابتةٌ لا يمكن رفعها ونفيها من أحدٍ، ولو أَجْلَبَ عليه بَرِجِلِهِ وَخَيْلِهِ، فلا يتمكَّن أحدٌ على نفي الترك رأسًا، كما لا يتمكَّن على إثبات تعدُّد الرفع في القَوْمة نظرًا إلى الألفاظ فقط ما لم يتبيَّن العمل به في الخارج. فالتوارثُ والتعاملُ هو معظم الدين، وقد أرى كثيرًا منهم يتَّبِعُون الأسانيدَ ويتغافلون عن التعامل، ولولا ذلك لَمَا وَجَدْتُ أحدًا منهم يُنْكِرُ ترك الرفع، ولكن الله يفعل ما يشاء.
стр. 775
ويَتَبَادَرُ من كلام الشارحين أن في ذهنهم تعدُّد الرفع في القَوْمة في هذا الحديث، وحنيئذٍ لا بُدَّ للعمل به من بيان صورة، ولكنه لم يتوجَّه أحدٌ منهم إلى أنه ماذا تكون صورة العمل به في الخارج أمَّا أنا فقد أن الرفعَ فيها واحدٌ بالعدد، فهل ثَمَّ داعٍ أو مجيبٍ إذن.
وكذلك في الباب حديث عند ابن ماجة (١) «أن رسول الله ﷺ كان يرفعُ يديه عند كل تكبيرة» ... الخ، وأعلَّه كلُّهم، وما ذلك إلا لأنهم فَقَدُوا به العمل، ولم يستطيعوا أن يَعْمَلُوا بكلِّه، فاضْطَرُّوا إلى الإعلال. وتبيَّن لي شرحُه بعد مرور الأزمان وتقليب الأجفان: أن المراد من الرفع هو انتقال اليدين من مكانٍ إلى مكان، أي كانت يداه تنتقل من مكانٍ إلى مكانٍ عند كل تكبيرةٍ.
فإن قلتَ: إن الرفع بهذا المعنى لا حاجة إلى ذكره، قلتُ: كلا بل أراد به الرَّاوي أن يفهرس الرفع، ومَنْ جنسه الرفع المختلف فيه وإن تغيَّرت شاكلته، واستفدتُ منه مهمةً أخرى وهي: أن شعارَ التكبير هو الرفعُ، فإذا كبَّر رَفَعَ، وحينئذٍ صار تعرُّضه إليه مهمًا جدًا، وراجع له «نيل الفرقدين» وفي التوراة لمَّا وَقَعَ الحَرْبُ بين موسى ﵊ وبين العَمَالِقَة، لم يَزَلْ موسى ﵊ داعيًا رافعًا يديه حتى كادت الشمس تَسْقُطُ، فَثَقُلَت يداه وسَقَطَت، فجاءه هارون ﵊، فأمسكها أن تسقط قبل الفتح. وبالجملة هذا الفهرس كفهرس عدد التكبيرات في بعض الأحاديث، وليس من البديهي المُسْتَغْنَى عنه.
٨٤ - باب رَفْعِ الْيَدَيْنِ إِذَا كَبَّرَ وَإِذَا رَكَعَ وَإِذَا رَفَعَ
٧٣٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِىِّ أَخْبَرَنِى سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضى الله عنهما قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ فِى الصَّلَاةِ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يَكُونَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ حِينَ يُكَبِّرُ لِلرُّكُوعِ، وَيَفْعَلُ ذَلِكَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ وَيَقُولُ «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ». وَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِى السُّجُودِ. أطرافه ٧٣٥، ٧٣٨، ٧٣٩ - تحفة ٦٩٧٩ - ١٨٨/ ١
والحديث وإن مرَّ من قبل أيضًا، لكنّ المصنِّف رحمه الله تعالى دَخَل الآن في المسألة المشهورة (٢). وأعلم أن الأحاديثَ الصِّحاح في الرفع تَبْلُغُ إلى خمسة عشر، وإن سَلَكْنَا مَسْلَك