وكذا بذكر الواو وحذفها. ولطف الصيغة التي فيها الواو أنها تدلُّ على أن لربنا شيءٌ آخر أيضًا، كما أن له الحمد، وإنما حَذَفَه لِيَذْهَبَ ذهنُ السامع كل مَذْهَبٍ ممكنٍ. وراجع لنكتة الحمد في القَوْمة ما عند مسلم في باب الشفاعة من سجود النبيِّ ﷺ والاستئذان لها، وفيه ثلاثةَ ألفاظ: في لفظٍ: «أنه يَحْمَدُه أولا، ثم يَقَعُ ساجدًا». وفي لفظٍ «أنه يَحْمَدُه ساجدًا». وفي لفظٍ «أنه يَسْجُدُ له ثم يَحْمَدُه». وقد وَرَدَت كلُّها في المقام المحمود.
وظَهَرَ لي أن الوجهَ هو الأول، والباقي من تصرُّفات الرواة، فإِنه يَحْمَدُه أولا، ثم يَخِرُّ ساجدًا، وهذه الحقيقة من تقديم الحمد على السجود سَرَت في الصلاة، فقدَّم الحمد في القَوْمة على السجود لهذا. ولفظ مسلم يقتضي أن السجودَ من خصائص الحَضَرَة الربانية، فحيثما تحقَّقت الرؤية ثَبَتَ السجود هناك، كما في ليلة المِعْرَاج إذا تجلَّى له ربُّه خَرَّ ساجدًا هناك كالثوب البالي. والله أعلى وأجلَّ ولعله بَدَأ بمثله في الشفاعة، فافتتح باب الشفاعة بالتحميد، ثم سَجَدَ ولعلَّ الحمد في القَوْمة ليتدارك المسبوقُ ما فاته من الحمد، كما ذكره في «الفتح» للقنوت، ثم رأيته في البجيرمي عن البرماوي. فهو لإِدراك الذكر فقط، ولو كان أُنْمُوذَجًا من القيام لأدرك الركعة بإِدراكه، وليس كذلك.
ثم المشهور عن إمامنا رحمه الله تعالى التقسيم في التسميع والتحميد بين الإِمام والمقتدي، وهو المذكور في عامة الروايات وعنه: الجمع للإِمام، وهو عند البخاري. وعند الشافعيِّ رحمه الله تعالى: التسميع للمقتدي أيضًا، ولم يذهب إليه أحدٌ من غير ابن سيرين على ما أعلم، والله تعالى أعلم.
٨٣ - باب رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِى التَّكْبِيرَةِ الأُولَى مَعَ الاِفْتِتَاحِ سَوَاءً
٧٣٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ، وَإِذَا
стр. 772
كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا كَذَلِكَ أَيْضًا وَقَالَ «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ». وَكَانَ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِى السُّجُودِ. أطرافه ٧٣٦، ٧٣٨، ٧٣٩ - تحفة ٦٩١٥
قال الحافظ ﵁: قد وَرَدَ الرفعُ في الأحاديث قبل التكبير وبعده ومعه، واختار الأول صاحب (١) «الهداية» منا فَيَرْفَعُ يديه أولا، ثم يكبِّر. أمَّا الثاني، أي التكبير، ثم الرفع فلم يَذْهَبْ إليه أحدٌ من السلف وإن وَرَدَ في الحديث.
قلتُ: إن الصور عندي اثنتان فقط: قبله ومعه. أما الثاني، فهو من تصرُّف الرواة، وليس من السنة في شيءٍ، فإنه قد تبيَّن لي بعد السَّبْر أن الرفعَ بعد انقضاء التكبير لغوٌ، فلو كَبَّرَ حتى فَرَغَ عنه لا يأتي بالرفع أصلا، كذا في الزَّيْلَعِي «شرح الكنز»، وصرَّح به الشافعيُّ رحمه الله تعالى في «الأم» وكذا في «المغني» فَلَزِمَ منه أن الرفعَ للتكبير، فإذا خَتَمَ الكبير، فَاتَ محل الرفع. وذلك لأني سَبَرْت الشرعَ، فرأيتُ أن لا رفعَ عند القيام إلى الثانية والثالثة، مع أن الأظهرَ أن يكونَ الرفعُ فيهما أيضًا، كما كان في الأولى، ولكنه لم يُنْقَل عنه الرفع في هاتين، وذلك لانقضاء التكبير فيهما في الارتفاع، وتمامه إلى القيام، وحينئذٍ لو رَفَعَ لكان بعد التكبير، فلو كان الرفعُ عند الشارع بعده أيضًا لوضعه في قيام الثانية والثالثة البتَّة، كما كان وضعه في قيام الأولى. فَعلِمْتُ منه أن مَرْضِيَّ الشارع تركُ الرفع بعد التكبير، فَقَصَرْتُ على الصورتين فقط، وإن كانت الألفاظ تحتمل الثالثة أيضًا.
٧٣٥ - قوله: (كان يَرْفع يديه) ... الخ (٢) والشافعية يَزْعُمُون أنه أصرحُ حُجَّةً لهم قلتُ بل هو يَضُرُّهم من طَرَفٍ آخر، ويترشَّح منه ما يخالفهم، فإِن كنتَ فَطِنًا تَعْرفُ مظانَّ الكلام، ففكِّر أن ابن عمر ﵁، لِمَ خَصَّصَ الرفع من بين سائر صفات الصلاة؟ وَلِمَ نَّوه بذكره واهتمَّ بأمره؟ يدُلُّك على خمُولِه في زمنه. ولذا لم يتوجَّه إلا إلى الرفع خاصةً، ولعلَّه رأى فيه تركًا فأراد إحياء الرفع، ورمي التاركين بالحصى، ولو لم يكن هناك تاركون، فمَنْ ذا الذي كان يَرْمِيهم؟ نعم، لو كان في طريق من طُرُق روايته ذكرٌ لصفاتٍ أخرى أيضًا لحَمَلْنَاه على الاختصاص فقط، إلا أنه لمَّا لم يتعرَّض إلا إلى هذا الجزء خاصةً، عَلِمْنَا فيه خُمُولا في زمانه، بحيث
стр. 773
احتاج إلى الاستدلال والتفصيل. ولو كان الرفع فاشيًا ولم يكن هناك تاركٌ كما زَعَمُوه فأيُّ حاجةٍ دَعَتْهُ إلى اهتمامه أي اهتمام؟
قوله: (وإذا كبَّر للرُّكوع). قال الشافعية: يبدأ الرفع مع التكبير، ثم يمُدّه حتى يملأَ به الانحناء.
قلتُ: وفيه عُسْرٌ لا يخفى، ثم رأيت في «شرح الإحياء». من التنبيه ذكر أن الرفع مع الانحناء مُتَعَسِّرٌ أو مُتَعَذِّرٌ فإِن كان لا بُدَّ له من الرفع عند الركوع، فالأولى أن يَرْفَعَ أولا، ثم يُكبِّرَ وينحني، ولا ينبغي أن يمشي على ظاهر شاكلة الألفاظ، فإِنها تَدُلُّ على أنه كان يرفع بعد انقضاء التكبير، وهكذا ما اختاره الشافعية رحمهم الله تعالى في الرفع من الركوع من أنه يرفعهما حين الارتفاع أيضًا غَلَطٌ، بل يرفعهما حين يَنْتَصِبُ قائمًا.
وفي كتاب «المسائل» لأبي داود عن أحمد رحمهما الله تعالى: أنه رآه يرفع يديه حين انتصبَ قائمًا. والسِّرُّ في ذلك أنهم فَهِمُوا هذا الرفع للانتصاب، فوضعوه في الارتفاع ليكونَ قبله، مع أنه للذهاب إلى السُّجُود، وحينئذٍ نَاسَبَ أن يكونَ في الانتصاب. وبالجملة إن الرفعَ إن كان في نظر الشارع، فهو في الابتداء: إما في ابتداء الركعة الأولى للافتتاح، أو ابتداء الركوع، أو عند ابتداء السجدة، أو بين السجدتين، والأخيرُ قليلٌ جدًا مع ثبوت ترك الأَوَّلَيْن أيضًا، وكان به اعتناءٌ للصغار دون الكبار، فإِنَّهم كانوا يتركونه أيضًا. أمَّا كَثْرَةُ العمل، فلم تتبيَّن بعدُ، وإن صَرَّح ابن رُشْدٍ في «بداية المجتهد»: أن مالكًا في رواية ابن القاسم اختار الترك من أجل التعامل.
قوله: (وكان لا يفعلُ ذلك في السُّجُود)، والشافعية جَعَلُوه دليلا على ترك الرفع في السُّجُود. قلتُ: بل تعرُّضه إلى النفي في السُّجُود دليلٌ على أنه كان هناك الرافعون في السُّجُود أيضًا، فأراد إخماله بذكر نحو من الاستدلال. والآن كيف ترى الحال في حديث ابن عمر ﵁، فإِنه يريد نفي الرفع في السُّجُود، ويترشَّحُ منه الإيجاب، ويريد إيجابه في الموضعين ويترشَّحُ منه النفي فيهما، وهذا كما قيل: إن في مِضَ لَمَطْمَعًا (١). ثم إن حديث
стр. 774
مالك بن الحُوَيْرِث عند النَّسائي: «أنه رَأَى النبيَّ ﷺ رَفَعَ يديه في صلاته، وإذا رَكَعَ، وإذا رَفَعَ رأسَه من الركوع، وإذا سَجَدَ، وإذا رَفَعَ رأسَه من السجود، حتى يحاذي بهما فروع أذنيه»، اهـ. لم أر أحدًا شَرَحَه، وقد مرَّ عليه ابن القيم في «الهدي»، والحافظ في «الفتح» والعجبُ أنهم يستدلُّون منه ولا يَشْرَحُونه أصلا، فإن ظاهره تعدُّد الرفع في القَوْمة، ففيه الرفع أربع مراتٍ: عند الركوع، وعند الرفع منه وهو في الانتصاب على ما مرَّ، وعند السجود وهو أيضًا في الانتصاب، وعند الرفع منه والذي يَظْهَرُ أنه أراد به ما بين الأمور الأربعة، فهي ثلاث: عند الركوع، وعند الرفع منه، وبين السجدتين، وإنما أَرادَ أنَّ الرفعَ في القَوْمة للمعنيين، فهو رفعٌ واحدٌ للرفع من الركوع وللسجود معًا. فَأَوْهَمَت عبارته بتعدُّد الرفع، ولم يكن مُرَادًا أصلا، ولذا لم يذكره في الرواية الثانية من النَّسائي، فانكشف أنه إيهامٌ لفظي فقط.
ولم يَثْبُت تعدُّد الرفع في القَوْمة عن أحدٍ من السلف، وكل لفظٍ لم يُوجَد مِصْدَاقه مع وفور العمل في الخارج، فهو إيهامٌ تعبيريٌّ لا غير. وبعكسه، إن العمل إذا ثَبَتَ بأمر في الخارج، وتبيَّن مِصْدَاقه، فهو سنةٌ ثابتةٌ لا يمكن رفعها ونفيها من أحدٍ، ولو أَجْلَبَ عليه بَرِجِلِهِ وَخَيْلِهِ، فلا يتمكَّن أحدٌ على نفي الترك رأسًا، كما لا يتمكَّن على إثبات تعدُّد الرفع في القَوْمة نظرًا إلى الألفاظ فقط ما لم يتبيَّن العمل به في الخارج. فالتوارثُ والتعاملُ هو معظم الدين، وقد أرى كثيرًا منهم يتَّبِعُون الأسانيدَ ويتغافلون عن التعامل، ولولا ذلك لَمَا وَجَدْتُ أحدًا منهم يُنْكِرُ ترك الرفع، ولكن الله يفعل ما يشاء.
стр. 775
ويَتَبَادَرُ من كلام الشارحين أن في ذهنهم تعدُّد الرفع في القَوْمة في هذا الحديث، وحنيئذٍ لا بُدَّ للعمل به من بيان صورة، ولكنه لم يتوجَّه أحدٌ منهم إلى أنه ماذا تكون صورة العمل به في الخارج أمَّا أنا فقد أن الرفعَ فيها واحدٌ بالعدد، فهل ثَمَّ داعٍ أو مجيبٍ إذن.
وكذلك في الباب حديث عند ابن ماجة (١) «أن رسول الله ﷺ كان يرفعُ يديه عند كل تكبيرة» ... الخ، وأعلَّه كلُّهم، وما ذلك إلا لأنهم فَقَدُوا به العمل، ولم يستطيعوا أن يَعْمَلُوا بكلِّه، فاضْطَرُّوا إلى الإعلال. وتبيَّن لي شرحُه بعد مرور الأزمان وتقليب الأجفان: أن المراد من الرفع هو انتقال اليدين من مكانٍ إلى مكان، أي كانت يداه تنتقل من مكانٍ إلى مكانٍ عند كل تكبيرةٍ.
فإن قلتَ: إن الرفع بهذا المعنى لا حاجة إلى ذكره، قلتُ: كلا بل أراد به الرَّاوي أن يفهرس الرفع، ومَنْ جنسه الرفع المختلف فيه وإن تغيَّرت شاكلته، واستفدتُ منه مهمةً أخرى وهي: أن شعارَ التكبير هو الرفعُ، فإذا كبَّر رَفَعَ، وحينئذٍ صار تعرُّضه إليه مهمًا جدًا، وراجع له «نيل الفرقدين» وفي التوراة لمَّا وَقَعَ الحَرْبُ بين موسى ﵊ وبين العَمَالِقَة، لم يَزَلْ موسى ﵊ داعيًا رافعًا يديه حتى كادت الشمس تَسْقُطُ، فَثَقُلَت يداه وسَقَطَت، فجاءه هارون ﵊، فأمسكها أن تسقط قبل الفتح. وبالجملة هذا الفهرس كفهرس عدد التكبيرات في بعض الأحاديث، وليس من البديهي المُسْتَغْنَى عنه.
٨٤ - باب رَفْعِ الْيَدَيْنِ إِذَا كَبَّرَ وَإِذَا رَكَعَ وَإِذَا رَفَعَ
٧٣٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِىِّ أَخْبَرَنِى سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضى الله عنهما قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ فِى الصَّلَاةِ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يَكُونَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ حِينَ يُكَبِّرُ لِلرُّكُوعِ، وَيَفْعَلُ ذَلِكَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ وَيَقُولُ «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ». وَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِى السُّجُودِ. أطرافه ٧٣٥، ٧٣٨، ٧٣٩ - تحفة ٦٩٧٩ - ١٨٨/ ١
والحديث وإن مرَّ من قبل أيضًا، لكنّ المصنِّف رحمه الله تعالى دَخَل الآن في المسألة المشهورة (٢). وأعلم أن الأحاديثَ الصِّحاح في الرفع تَبْلُغُ إلى خمسة عشر، وإن سَلَكْنَا مَسْلَك
стр. 776
الإغماض، فإلى ثلاثة وعشرين. ولنا: حديثُ ابن مسعود ﵁ مرفوعًا، ومرسلٌ آخر
стр. 777
في «التخريج» للزَّيْلَعي فقد ثَبَتَ الأمران عندي ثُبُوتًا لا مردَّ له ولا خلاف إلا في الاختيار،
стр. 778
وليس في الجواز. فما في «الكبير» شرح «المنية»، و «البدائع»: أنه مكروهٌ تحريمًا، متروكٌ
стр. 779
عندي. نعم، إن كان عندهما نقلٌ من صاحب المذهب، فهما معذوران، وإلا فالقولُ بالكراهة
стр. 780
في مسألةٍ متواترةٍ بين الصحابة ﵃ شديدٌ عندي.
стр. 781
ثم تَتَبَّعْتُ الكُتُبَ للتصريح بالجواز فوجدتُ أبا بكرٍ الجَصَّاص قد صَرَّحَ في «أحكام القرآن»
стр. 782
تحت قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] أن المسألة إذا وَرَدَت فيها الأحاديثُ
стр. 783
والصِّحَاحُ من الجانبين، فالخلاف فيها لا يكون إلا في الاختيار لا سِيَّما إذا كانت كثيرةَ الوقوع، وعدَّ منها: الترجيعَ في الأذان، وإفرادَ الإِقامة، والجَهْرَ بالتسمية، ورَفْعَ اليدين، وحينئذٍ فاسْتَرَحْتُ حيث تخلَّصت رقبتي من الأحاديث الثابتة في الرفع. والجَصَّاص من القرن الرابع، حتى إن الكَرْخِي الذي هو من مُعَاصِري الطَّحَاوي من تلامذته، فرُتْبَتُهُ أعلى من الكبيري و «البدائع»، وصاحب «البدائع» أرفع رُتْبَةً من الكبيري.
وقد اشتهر في مُتَأَخِّري الحنفية القول بالنسخ، وإنما تعلَّمُوه من الشيخ ابن الهُمَام، والشيخ اختاره تَبَعًا للطَّحَاوِيِّ. وقد عَلِمْتَ أن نسخَ الطَّحَاوِيِّ أعمُّ ممَّا في الكُتُب، فإِن المفضولَ بالنسبة إلى الفاضل، والأضعفَ دليلا بالنسبة إلى أقواه، كلُّه منسوخٌ عنده، كما يتضح ذلك لمن يُطَالِعُ كتابَه، كيفما كان إذا ثَبَتَ عندي القول بالجواز ممَّن هو أقدم في الحنفية، وسَاعَدَتْهُ الأحاديث أيضًا، فلا محيد إلا بالقول به، وخلافه لا يُسْمَع، فمن شاء فلْيَسْمَعْ.
٧٣٦ - قوله: (إذا رَفَع رأسه من الركوع)، وفي «الفتح»: «أنه حين الرفع»، وقد مرَّ مني أنه في الانتصاب دون الانتقال، وهو الصواب، وخلافُه خلاف الحديث وخلاف إمامهم، وعليه فرَّع الشافعيُّ رحمه الله تعالى مذهبه، فاختاره في الموضعين وتَرَكَهُ بين السجدتين، وإن اختار محدِّثوهم بعد القعدة الأولى أيضًا.
قوله: (ويقول: سَمِعَ اللَّهُ لمن حَمِدَه) وقد مرَّ أنه يَرْفَعُ بعد التحميد، ولا يَرْفَعُ مع التحميد.
واعلم أنه تكلَّم السلفُ في معنى رفع اليدين وما قُصِدَ به. ففي «المجموع» شرح «المهذب»: أن الشافعيَّ صلَّى عند محمد بن الحسن رحمه الله تعالى فَرَفَعَ، فسأله عنه، فقال: تعظيمًا لله. وعن ابن عمر ﵁: إنه زينةُ الصلاة. وعلى هذا تكرُّره في الصلاة مُوجِبٌ لإحراز الثواب، وازدياد الزينة.
وفي «فتح القدير» من الجنائز، عن أبي يوسف رحمه الله تعالى: إنه للافتتاح لكونه هيئةَ الدخول في الصلاة، فلا يكون إلا مرةً. ومن ههنا تبيَّن أنه لا يُسْتَبْعَدُ أن يكونَ الاجتهادُ سَرَى في اختيار الرفع، فمن جعله تعظيمًا لله أو زينةً للصلاة أحبَّ تكثيره، ومن رآه للافتتاح قَصَرَه
стр. 784
عليه. ولعلَّ مِلْحَظ الحنفية أن رفعَ اليدين للتحريم فعلا كتحويل الوجه عند التسليم للتحليل فعلا، فينبغي أن يكونَ مرةً فقط كالتسليم. أو للاستقبال والإِقبال على الله والتوجيه إليه، وحينئذٍ نَاسَبَ أن يكونَ في الابتداء فقط، فإِن الآدابَ عند اللقاء لا تتكرر. ثم حرَّرتُ أنه يقوم مقام المصافحة، كما في حديث الحجر الأسود وهو يمينُ الله، واستلامُه يقومُ مقام المصافحة.
أمَّا السلامُ في الصلاة، فهو تحيَّةُ الوَدَاع. وكان يُسَلَّم أولا: «السلامُ على من قِبَل عباده» فعلَّمهم النبيُّ ﷺ مكانه: «السلامُ عليكم ورحمةُ الله». ثم إن قوله ﷺ تحريمها التكبير ... الخ معناه أن التكبيرَ شيءٌ يَحْصُل به الدخول في الصلاة، والتسليمُ شيءٌ يَخْرُج به عن الصلاة، فوضع في التسليم هيئةً تَصْلُح للانصراف، فناسب في وِزَانِهِ أن تكونَ عند الدخول أيضًا هيئةٌ تُؤْذِنُ بالإِقبال على الله، فوضع رفعَ الأيدي مستقبلا إياه. وحينئذٍ تحصَّل أنه للإِقبال دون التعظيم، وإن كان الإِقبالُ أيضًا تعظيمًا، فهو ضمنيٌّ. بل كل فعلٍ في الصلاة، ففيه نوعُ تعظيمٍ، وإنما الكلامُ فيما قُصِدَ به، لا ما تضمَّنه سواء قُصِدَ به أو لا. ثم تبيَّن لي في حكمته أنه من سنة إبراهيم ﵊ حين قال: ﴿هَذَآ أَكْبَرُ﴾ [الأنعام: ٧٨] ولعلَّه يكون رفع إذ ذاك أيضًا، فأصلح الشريعة.
قوله: (وأقام الله أكبر مقامه)، ثم سَبَرْتُ الشريعةَ، فوجدت أنه يُقَال عند رؤية الهلال: الله أكبر، وفي الحديث: «أن النبيَّ ﷺ كان إذا رأى الهلال قال: الله أكبر، وصَرَفَ وجهه عنه»، والصرفُ لئلا يتوهم أن التكبيرَ للهلال. وفي «تاريخ الخميس» - ومصنِّفه شافعي المذهب - عند ذكر إبراهيم ﵇: إن الرفعَ في المواضع الثلاثة كان من ملَّته، ثم تتبعتُه حتى وجدتُ في «تفسير الشاه عبد العزيز» أن رفعَ اليدين من ملَّة إبراهيم ﵊. والذي يَظْهَرُ أن ما هو من دِينِهِ هو الرفعُ فقط، أمَّا حَمْلُه على المواضع الثلاثة فمشى على مذهبه، أو تمشيةً له، فالتكبيرُ عندي للإقبال على الله وقوله: «إني وَجَّهْتُ وجهي للذي .. » الخ للإِخلاص، ولذا اختار أبو يوسف رحمه الله تعالى دعاءَ التوجيه في الصلاة.
والتكبيرُ: أيضًا يَعْمَلُ عملَ التوجيه، فهو لجعل الشيء لله فإِن المشركين كانوا يُهِلُّون بأسماء طواغيتهم لذلك ولذا يكبِّر عند الذبح. ولعلَّه في أذان المولود، وعند صلاة الجِنَازة أيضًا لهذا. فصار على نَقَاضَةِ الإِهلال لغير الله فهذه أنظارٌ ومعانٍ لا يُنَاقِضُ بعضُها بعضًا، فراعها تُعينك في العمل برفع اليدين وتركه والله تعالى أعلم.
٧٣٧ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْوَاسِطِىُّ قَالَ حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ خَالِدٍ عَنْ أَبِى قِلَابَةَ أَنَّهُ رَأَى مَالِكَ بْنَ الْحُوَيْرِثِ إِذَا صَلَّى كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَحَدَّثَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَنَعَ هَكَذَا. تحفة ١١١٨٧
٧٣٧ - قوله: (إذا صلّى كبَّر ورَفَعَ يَدَيْه) وفي «صحيح مسلم» «ثم رفع يديه»، وحَمَلَه الحافظُ على صورتين مُتَغَايِرَتَيْن وقد مرَّ مني أنه لا ينبغي أخذ الصور من تعبيرات الرُّوَاة فقط، بل الأمر كما حقَّقه الشافعيُّ رحمه الله تعالى. ثم هذا حديث مالك بن الحُوَيْرِث بالبَصْرَة،
стр. 785
وحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنه بالمدينة. أمَّا في مكة، فلم يُنْقَلِ الرفع إلا عن صغارهم، وأمَّا أهل الكوفة، فحديثُهم الترك (١).
٨٥ - باب إِلَى أَيْنَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ ؟
وَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ فِى أَصْحَابِهِ رَفَعَ النَّبِىُّ ﷺ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ.
٧٣٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ أَخْبَرَنَا سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ - رضى الله عنهما - قَالَ رَأَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ افْتَتَحَ التَّكْبِيرَ فِى الصَّلَاةِ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ حِينَ يُكَبِّرُ حَتَّى يَجْعَلَهُمَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَإِذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ فَعَلَ مِثْلَهُ، وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. فَعَلَ مِثْلَهُ وَقَالَ «رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ». وَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ حِينَ يَسْجُدُ وَلَا حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ. أطرافه ٧٣٥، ٧٣٦، ٧٣٩ - تحفة ٦٨٤١
فعندنا يَرْفَعُ حِذَاء أُذُنيه، والمشهور عند الشافعية رحمهم الله تعالى حِذَاء مَنْكِبيه. ووردت الأحاديث بالأنواع كلِّها، ورُوي عن الشافعيِّ نفسه رحمه الله تعالى أنه وفَّق بينها: أن يرفَعَ يديه، بأن تكون الكفان حِذَاء المَنْكِبين، والإِبهامان والأصابع حِذَاء شحمتي الأُذُنين وفروع الأُذُنين. وهذا يَدُلُّ على أنه لا خِلافَ فيه بيننا وبين الشافعيِّ رحمه الله تعالى، ومع ذلك لم يَزَلِ الخلافُ يُنْقَلُ فيه.
أقول: إنها صورٌ مختلفةٌ، فتارةً كذا وتارةً كذا، وكلُّ واسعٌ، والخلاف في الأولوية.
٧٣٨ - قوله: (وقال: رَبَّنَا ولك الحمدُ)، وهذه الرواية تَدُلُّ على الجمع بين التسميع والتحميد للإِمام، وعامةُ الروايات على التقسيم، وقد مرَّ. ثم أقول: إن تحميدَ المقتدي في جواب تسميع الإِمام عندي، فلا يقوله إلا في حال الانتصاب، ولا يقوله في الحركة الانتقالية. وعند الشافعية يجمع المقتدي بين التسميع والتحميد أيضًا. قلتُ: وليس له أثرٌ في الأحاديث، ولا عَمِلَ به أحدٌ من السلف غير ابن سيريِن (٢).
٨٦ - باب رَفْعِ الْيَدَيْنِ إِذَا قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ
٧٣٩ - حَدَّثَنَا عَيَّاشٌ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى قَالَ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا دَخَلَ فِى الصَّلَاةِ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا رَكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا قَالَ سَمِعَ
стр. 786
اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. رَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ رَفَعَ يَدَيْهِ. وَرَفَعَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ إِلَى نَبِىِّ اللَّهِ ﷺ . رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ . وَرَوَاهُ ابْنُ طَهْمَانَ عَنْ أَيُّوبَ وَمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ مُخْتَصَرًا. أطرافه ٧٣٥، ٧٣٦، ٧٣٨ - تحفة ٧٥٦٤، ٨٤٨٧، ٨٠١٧
اختار الرفعَ بعد القَعْدة الأولى عند الانتصاب أيضًا، وهو أحدُ الوُجُوه عند الشافعية رحمهم الله تعالى، ونفاه الشافعيُّ رحمه الله تعالى.
٧٣٩ - قوله: (رواه حمَّاد بن سَلَمَة) ... الخ، واعلم أنه اخْتُلِفَ في وقفه ورفعه، فأشار المصنِّف رحمه الله تعالى إلى رفعه، وذهب أبو داود إلى وقفه، حيث قال: الصحيحُ قول ابن عمر ﵁، وليس بمرفوعٍ.
٨٧ - باب وَضْعِ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى
٧٤٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِى حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُونَ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ الْيَدَ الْيُمْنَى عَلَى ذِرَاعِهِ الْيُسْرَى فِى الصَّلَاةِ. قَالَ أَبُو حَازِمٍ لَا أَعْلَمُهُ إِلَاّ يَنْمِى ذَلِكَ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ . قَالَ إِسْمَاعِيلُ يُنْمَى ذَلِكَ. وَلَمْ يَقُلْ يَنْمِى. تحفة ٤٧٤٧
والمختارُ عندنا أن يضعهما تحت السُّرَّة. والمشهورُ عن الشافعيِّ رحمه الله تعالى فوق السُّرَّة وتحت الصدر. وفي «الحاوي» رواية فوق الصدر أيضًا، وهو مؤوَّلٌ عندي كما سيجيء. وعن أحمد رحمه الله تعالى: إن الكلَّ واسعٌ. وذهب مالك إلى الإِرسال في المكتوبات، والوضع في النوافل في رواية القاسم عنه. ثم الوضع عنده تحت السُّرَّة كما نقله الوزير ابن هُبَيْرة في «الأشراف»، بل جعلها الرواية المشهورة عن مالك رحمه الله تعالى، ولم يَرِدْ للإِرسال عن النبيِّ ﷺ شيءٌ. نعم رُوِيَ ذلك عن بعض التابعين، كما في «المصنَّف» لابن أبي شَيْبَة. وأمَّا كيفية الوضع، فلم تَثْبُت فيها الأحاديث من الطرفين، ولا نصَّ فيه، والذي يُظَنُّ أنه كان عندهم على التخيير، وصرَّح ابن المنذر: إن الشرعَ لم يتعرَّض لهيئة الوضع، ولذا لم يَرِدْ في هذا الباب كثيرُ شيءٍ لا عن النبيِّ ﷺ ولا عن الصحابة، غير أنَّ بعضَهم عَمِلَ كذا، وبعضَهم كذا، ولذا خيَّر فيه أحمد رحمه الله تعالى واختاره ابنُ جرير، وصرَّح الترمذيُّ أن كلَّ ذلك واسعٌ عندهم اهـ.
وحاصله: أنه لا نصَّ فيه لأحدٍ، وإنما عُنيَ بالوضع عدم الإِرسال لا غير تحصيلا لهيئة الحِزَام بين يدي الملك. والوضعُ فوقها وتحتها كلُّها صورٌ غير مقصودةٍ على التعيين، وكان الشرعُ أرسله إلى طبائع الناس (١) ليفعلوا فيه ما شاؤوا. ثم إنه وَقَعَ عند ابن خُزَيمَة في حديث
стр. 787
وائل لفظ: «على الصدر» أيضًا، وهو معلولٌ (١) عندي قطعًا، لأنه لم يَعْمَلْ به أحدٌ من السلف، ولا ذهب إليه أحدٌ من الأئمة، إلا ما وقع في كتاب «الأنوار» للأَرْدَبِيلي.
وفي عامة كُتُب الشافعية: فوق السرة وتحت الصدر، قال ابن حَجَر المكي في «شرح المشكاة» إن معناه قريبٌ من الصدر، ولعلَّ هذا هو مَحْمَل كلام «الحاوي» أيضًا. ومرّ عليه ابن القيم في «إعلام الموقِّعين» - وقال: إن الحديثَ رواه ابن خُزَيْمة وجماعةٌ، مع أنه لم يروه غير ابن خُزَيْمة، اللهم إلا أن يكون مراده منه أصل الحديث بدون هذا اللفظ. ثم عند البزَّار في هذه الرواية: عند الصدر، وفي «المصنَّف» لابن أبي شيبة: تحت السُّرَّة، فاضْطَربت الروايةُ جدًا. وأول من نبَّه على تلك الزيادة الأخيرة العلامة القاسم بن قُطْلُوبُغَا. ثم إن لفظ: «تحت السُّرَّة» (٢) لم يوجد في بعض نسخه، فظنَّ المُلاّ حياة السِّنْدِهي أنه وَقَعَ فيه سقطٌ وحذفٌ، ثم صار متن الأثر مرفوعًا.
قلتُ: ولا عجبَ أن يكون كذلك، فإِني راجعت ثلاث نَسُخ «للمصنف»، فما وجدته في واحدةٍ منها. والحاصل أن رواية وائل رواها غيرُ واحدٍ، ولم يَرْوِها أحدٌ على لفظ ابن خُزَيْمَة، وإنما زادها راوٍ بعد مرور الزمان، فهو ساقطٌ قطعًا، فلا يجمد عليها مع فقدان العمل به. ثم إن الشيءَ قد يكون مسمَّى، ولا يكون مدارًا للعمل. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى﴾ [سبأ: ٤٦] ومعلوم أنه لم يذهب أحدٌ إلى أن المأمورَ به هو القيام كذلك، بل معناه منفردًا أو جماعةً. وحينئذٍ لو سلَّمنا تلك الزيادة لم يَلْزَم كون المراد به الوضع على الصدر، بل المراد ما ذكرنا أي الوضع على خلاف الإِرسال.
стр. 788
٨٨ - باب الْخُشُوعِ فِى الصَّلَاةِ
٧٤١ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِى مَالِكٌ عَنْ أَبِى الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «هَلْ تَرَوْنَ قِبْلَتِى هَا هُنَا وَاللَّهِ مَا يَخْفَى عَلَىَّ رُكُوعُكُمْ وَلَا خُشُوعُكُمْ، وَإِنِّى لأَرَاكُمْ وَرَاءَ ظَهْرِى». طرفه ٤١٨ - تحفة ١٣٨٢١ - ١٨٩/ ١
٧٤٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ سَمِعْتُ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ «أَقِيمُوا الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، فَوَاللَّهِ إِنِّى لأَرَاكُمْ مِنْ بَعْدِى - وَرُبَّمَا قَالَ مِنْ بَعْدِ ظَهْرِى - إِذَا رَكَعْتُمْ وَسَجَدْتُمْ». طرفاه ٤١٩، ٦٦٤٤ - تحفة ١٢٦٣
هو مستحبٌّ مع أنه لا بدَّ منه، بل هو الروح، فدلَّ على أن الشيءَ قد يكون مما لا بدَّ منه، ثم لا يكون واجبًا، وذهب الغزالي رحمه الله تعالى إلى أنه فرضٌ. قلتُ: وذلك يُنَاسِبُ منصبه لا منصب الفقهاء؛ لأنه يُوجِب أن لا تَصِحَّ صلوات المسلمين عامة.
٧٤٢ - قوله: (وإِني لأَرَاكُمْ) ... إلخ، وكانت رؤيته من وراء الظهر معجزةً منه، كذا نُقِلَ عن أحمد رحمه الله تعالى، وَثَبَتَ الآن في الفلسفة الجديدة: أن القوة الباصرة في الأعضاء كلِّها.
قوله: (قال: أقيموا الركوع) ... إلخ، وهذه قطعة من حديث مسيء الصلاة، وتدلُّ على أنه كان قَصَر فِي الركوع والسجود شيئًا، وقد وَقَعَ فيه لفظ الانتقاص عند الترمذيِّ، أي: «وما انْتَقَصْتَ انْتَقَصْتَ من صلاتك، فدلَّ على أن ترك التعديل لا يُوجِب البطلان بِلْ يُورِث النقصان، فلا يكون إلا واجبًا كما قلنا. ولا بِدَعَ في أن يكون الواجب عندنا، والفرض، والذي لا يكون شرطًا لصحة الصلاة عند الشافعية سواء، وحينئذٍ لا يبقى نِزَاعٌ في مرتبة الواجب، فإن الخلاف آل إلى التسمية.
قوله: (أَقِيمُوا الركوعَ)، وقد مرَّ الفرقُ بين اركعوا، وأقيموا الركوع. فالثاني أبلغ، لأنه يُسْتَعْمَلُ في موضعٍ لولاه لانعدم الشيءُ، فترجمة قوله: يقيمون الصلاة (بربا ركهتي هين نمازكوحتى كه اكرا به بربانه ركهتي تواو سكي هستي دهي جاتي).
٨٩ - باب مَا يَقُولُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ
٧٤٣ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ - رضى الله عنهما - كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلَاةَ بِپ (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ). تحفة ١٢٥٧
المختارُ عندنا وعند الحنابلة: سبحانك اللهم وبحمدك ... إلخ. وعبد مسلم: أن عمر ﵁ جَهَرَ به مرةً في صلاته للتعليم. واختار الشافعيُّ ما عند البخاريِّ رحمهما الله تعالى: «اللهم باعد» ... إلخ، وهو أولى بالنظر إلى قوة الإِسناد. وما اخترناه أحرى بالنظر إلى العمل. وسُئِلَ أحمد رحمه الله تعالى عنه، فقال: أَخْتَارُ ما اختاره عمر ﵁. واعلم أنه وقع الضررُ الكثيرُ بالاغترار بقوة الأسانيد والإغماض عن التعامل، مع أن الإسناد إنما كان
стр. 789
لصيانة الدين فقط، لئلا يَدْخُل فيه ما ليس منه، فما درَسُوا به وما رَسُوا، حتى خفَّ التعامُلُ في نظرهم، مع أنه الفاصل في الباب عندي. ولا استفتاح عند مالك رحمه الله تعالى، ونقل عنه أبو بكر ابن العربي: أنه كان يَسْتَفْتِحُ بنفسه، ولا يأمر به الناس.
قلت: وحينئذٍ صار حاصله الاستحباب عنده. واستدلَّ بقوله ﷺ «كانوا يَفْتَتِحُون الصلاةَ بالحمد لله رب العالمين». واستدلَّ منه الحنفيةُ على الإسرار بالتسمية، فأجاب عنه الشافعيةُ: أن الحمدَ لله اسم لتلك السورة، فمعناه أنهم كانوا يَفْتَتِحُون الصلاةَ بتلك السورة، والتسميةُ جزءٌ منها فلم يَثْبُت إسرارها. وأجاب عنه الحافظ الزَّيْلعِي: أن الآيةَ بتمامها ليست اسمًا للسورة، وإنما اسمها «الحمد» فقط. ثم إن التسميةَ سنةٌ عندنا في ظاهر الرواية، وواجبٌ في روايةٍ، ورجَّح الشيخ السيد محمود الآلُوسي وجوبها.
٧٤٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ قَالَ حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْكُتُ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَبَيْنَ الْقِرَاءَةِ إِسْكَاتَةً - قَالَ أَحْسِبُهُ قَالَ هُنَيَّةً - فَقُلْتُ بِأَبِى وَأُمِّى يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِسْكَاتُكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ مَا تَقُولُ قَالَ «أَقُولُ اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِى وَبَيْنَ خَطَايَاىَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِى مِنَ الْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَاىَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ».
تحفة ١٤٨٩٦
٧٤٤ - قوله: (يَسْكُتُ بين التكبير وبين القراءة إسْكَاتَةً)، واتفق الثلاثةُ على أن السكوتَ كان للاستفتاح، فجاء البيهقيُّ وتمسَّك منه على أن السكوتَ يُطْلَقُ على القراءة سِرًّا أيضًا. وحينئذٍ يجوز أن يكونَ الأمرُ بالإنصات محمولا على القراءة سِرًّا.
قُلْتُ: لَمْ يُطْلَقْ السكوتُ ههنا على القراءة سِرًّا كما فُهِمَ، بلْ مراده من السكوت: هو سكوته عن التكبير، فهو باعتبار ما قبله لا ما بعده. وهذا على نحوِ ما يقوله أهل العُرْف: قال فلان كذا، ونقل فلان كذا، وسَكَتَ عليه، أي لم يُرِدْه وإن تكلّم بعده، فلم يَصِحَّ النظير.
قوله: (اغسل خطايايَ بالماء والثلج والبَرَد). قال ابن دقيق العيد: معناه أن الناس يَعُدُّون الثلجِ والبَرَد باطلا، فاصرفه يا ألله في غسل خطاياي، وقال آخرون: إن هذه الأشياء فيها قَرٌّ، فَأُحِبُّ أن يُطْفِأَ بها حرّ خطاياه، وحاصله: أن اطفِ حرَّ خطاياي بقَرِّ هذه الأشياء.
٩٠ - باب
٧٤٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى مَرْيَمَ قَالَ أَخْبَرَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ قَالَ حَدَّثَنِى ابْنُ أَبِى مُلَيْكَةَ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِى بَكْرٍ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ صَلَّى صَلَاةَ الْكُسُوفِ، فَقَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ ثُمَّ رَفَعَ، ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ رَفَعَ، ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ قَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ ثُمَّ رَفَعَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ ثُمَّ رَفَعَ فَسَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ،
стр. 790
ثُمَّ رَفَعَ، ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَالَ «قَدْ دَنَتْ مِنِّى الْجَنَّةُ حَتَّى لَوِ اجْتَرَأْتُ عَلَيْهَا لَجِئْتُكُمْ بِقِطَافٍ مِنْ قِطَافِهَا، وَدَنَتْ مِنِّى النَّارُ حَتَّى قُلْتُ أَىْ رَبِّ وَأَنَا مَعَهُمْ فَإِذَا امْرَأَةٌ - حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ - تَخْدِشُهَا هِرَّةٌ قُلْتُ مَا شَأْنُ هَذِهِ قَالُوا حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا، لَا أَطْعَمَتْهَا، وَلَا أَرْسَلَتْهَا تَأْكُلُ». قَالَ نَافِعٌ حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ «مِنْ خَشِيشِ أَوْ خُشَاشِ الأَرْضِ». طرفه ٢٣٦٤ - تحفة ١٥٧١٧ - ١٩٠/ ١
لم يُتَرْجِم فيه بشيءٍ، ثم أخرج حديث الكسوف وتعدُّد الركوع فيه، ولعلَّه قَطَعَ النظر عن الاستفتاح إشارةً إلى مذهب مالك رحمه الله تعالى، ولذا تصدَّى إلى بيان الأذكار، وحَذَفَ دعاء الاستفتاح من الترجمة. ثم أخرج حديثًا فيه: أنه قام طويلا، وركع طويلا، وسجد طويلا، فاندرجت فيه الأدعية، وقد جاءت مفسَّرة في الخارج في عين هذا الحديث.
بقيت مسألة تعدُّد الركوعات، فاعلم أنه صَحَّ عنه ركوعان في «صحيح البخاري» و «الموطأ» لمالك، والروايات قد بَلَغَت فيه إلى خمس ركوعات، كما عند أبي داود، ورواية الثلاث عند مسلم، فذهب النوويُّ إلى حَمْلِها على تعدُّد الوقائع، وهو باطلٌ قطعًا، فإن الكسوفَ لم يقع في عهدِ ﷺ إِلا مرةً يوم مات إبراهيم ﵇، كما حقَّقه المحمود شاه الفرنساوي في رسالته. وقد نقل فيها الحساب القمري إلى الحساب الشمسي، وفي ضمنها عيَّن أعداد الكسوف في زمنه ﷺ وعيَّن وقته، فلم يحقِّق فيه إِلاّ كُسُوفًا واحدًا.
أما خسوف القمر، فهذا الفاضل يكتب فيه شيئًا، وهو في السنة السادسة، كما في «صحيح ابن حِبَّان». ثم إنه غَلِطَ في موضعٍ، حيث أنكر النَّسِيءَ عند العرب، مع أنه ثابتٌ عنهم، فيكون في السنة عندهم ذو الحجة اثنين، هو شائِعٌ في مشركي أهل الهند أيضًا، وهكذا كان عند العرب، وقد أنكره هذا الفاضل وليس بصحيح، فاعلمه.
والحاصل: أن المحقَّق أنها واقعةٌ واحدةٌ فقط، وركع النبيُّ ﷺ فيها ركوعين. أمَّا روايات الثلاث والخمس فكلُّها معلولٌ، كما قاله ابن دقيق العيد، فإنها عند التحقيق آثار الْتَبَسَتْ بالمرفوع. ووجهُ الاجتهاد في تعدُّد الركوع عندهم أنهم لمَّا رأوا النبيَّ ﷺ زَادَ على ركوعٍ واحدٍ، ثَبَتَ عندهم جنسُ الزيادة، فحملوه على الجواز بقدر الحاجة.
ولنا ما عند أبي داود: «فإذا رأيتموه، فصلُّوا كأحدث صلاةٍ صلَّيتموها» - بالمعنى - وأقرَّ بصحته أبو عمر. ووجه التمسُّك منه: أن النبيَّ ﷺ لمَّا صلَّى بهم صلاةَ الكسوف وركع فيها ركوعين، ثم لم يقل: صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي، أو: مثل صلاتي هذه، بل أَحَالَها على أحدثِ صلاةٍ وهي الفجر، فَعُلِمَ أنه وإن كان ركع فيها بنفسه ركوعين، لكن الذي عَلِمْنَاه هو أن نصلِّي بها على شاكلة صلاة الفجر في عدد الركعات والركوع، لأنه لو أراد كذلك لم يكن ليتركَ الأقربَ عند التشبيه واختار الأبعدَ، فإنه كما قيل: جعل البديهي نظريًا. ولكان الأحسن والأسهل حينئذٍ أن يُقَال: صلُّوا كصلاتي هذه. كذا كان يقرِّره شيخي المحمود، ثم جاء «البدائع» مطبوعًا، فرأيت فيه نحوه عن أبي عبد الله البَلْخِيّ، وهو من كِبَار الحنفية.
٧٤٥ - قوله: (هِرَّةٌ)، والتاء فيه للوَحْدَة دون التأنيث. ثم إن النبيَّ ﷺ رآها في جهنم، وإن
стр. 791
كان دخولها في المستقبل، فإن حديدَ النظر يرى ما في المستقبل في زمن الحال بنحوٍ من الوجود، كرؤية الشجرة في البَذْر.
٩١ - باب رَفْعِ الْبَصَرِ إِلَى الإِمَامِ فِى الصَّلَاةِ
وَقَالَتْ عَائِشَةُ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ فِى صَلَاةِ الْكُسُوفِ «فَرَأَيْتُ جَهَنَّمَ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا حِينَ رَأَيْتُمُونِى تَأَخَّرْتُ».
٧٤٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ قَالَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ أَبِى مَعْمَرٍ قَالَ قُلْنَا لِخَبَّابٍ أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِى الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ قَالَ نَعَمْ. قُلْنَا بِمَ كُنْتُمْ تَعْرِفُونَ ذَاكَ قَالَ بِاضْطِرَابِ لِحْيَتِهِ. أطرافه ٧٦٠، ٧٦١، ٧٧٧ - تحفة ٣٥١٧
يريد به أن النظرَ إلى إمامه جائزٌ، وإن كان النظرُ إلى السماءِ ممَّا يُخَافُ عليه خطفُ البصر، فترجمته هذه ناظرة إلى الوعيد الوارد في رفع البصر إلى السماء، واستدلَّ عليه بلفظ: «حين رَأَيْتُمُوني» فدلَّ على جوازه رؤية الإمام.
٧٤٧ - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو إِسْحَاقَ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ يَخْطُبُ قَالَ حَدَّثَنَا الْبَرَاءُ وَكَانَ غَيْرَ كَذُوبٍ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا صَلَّوْا مَعَ النَّبِىِّ ﷺ فَرَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَامُوا قِيَامًا حَتَّى يَرَوْنَهُ قَدْ سَجَدَ. طرفاه ٦٩٠، ٨١١ - تحفة ١٧٧٢
٧٤٧ - قوله: (حتى يَرَوْنَه قد سَجَدَ): محمولٌ على كِبَرِ سِنّهِ.
٧٤٨ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِى مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضى الله عنهما قَالَ خَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى، قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْنَاكَ تَنَاوَلُ شَيْئًا فِى مَقَامِكَ، ثُمَّ رَأَيْنَاكَ تَكَعْكَعْتَ. قَالَ «إِنِّى أُرِيتُ الْجَنَّةَ، فَتَنَاوَلْتُ مِنْهَا عُنْقُودًا، وَلَوْ أَخَذْتُهُ لأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا». أطرافه ٢٩، ٤٣١، ١٠٥٢، ٣٢٠٢، ٥١٩٧ - تحفة ٥٩٧٧
٧٤٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ قَالَ حَدَّثَنَا هِلَالُ بْنُ عَلِىٍّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ صَلَّى لَنَا النَّبِىُّ ﷺ ثُمَّ رَقَا الْمِنْبَرَ، فَأَشَارَ بِيَدَيْهِ قِبَلَ قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ ثُمَّ قَالَ «لَقَدْ رَأَيْتُ الآنَ مُنْذُ صَلَّيْتُ لَكُمُ الصَّلَاةَ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ مُمَثَّلَتَيْنِ فِى قِبْلَةِ هَذَا الْجِدَارِ، فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ فِى الْخَيْرِ وَالشَّرِّ» ثَلَاثًا. أطرافه ٩٣، ٥٤٠، ٤٦٢١، ٦٣٦٢، ٦٤٦٨، ٦٤٨٦، ٧٠٨٩، ٧٠٩٠، ٧٠٩١، ٧٢٩٤، ٧٢٩٥ - تحفة ١٦٤٧
٧٤٨ - (قوله): (تَنَاوَلَ شيئًا)، وفي لَفْظٍ: «أردتُ»، وقد عَلِمْتَ أن عالم الغيب كالمَبْدَأَ لعالم المثال، وعالم المثال كالمَبْدَأَ لعالم الأجسام، وكل مَبْدَأَ تُلْمَحُ فيه التطورات البعدية ولو بنحوٍ من الوجود.
قوله: (الجنةَ والنارَ مُمَثَّلَتَيْنِ) ... إلخ، وهذا أعلى ما يمكن أن يُسْتَدَلَّ به على ثبوت عالم
стр. 792
المثال، ثم إن هذا التمثيل في واقعةٍ أخرى غير واقعة الكسوف. وسقراط وأفلاطون أيضًا أقرَّا بثبوت عالم المثال. وهكذا أرسطو في اثولوجيا. وقد حقَّق فيه أن أفعال الباري لا تُعَلَّل بالأغراض، وقرَّره وأوضحه كما هو حق. وقد قرَّر السيد الجُرْجَانِي في «حاشية حكمة العين»: مسألة وَحْدَة الوجود ببيانٍ أوضح وأَوْفى، فراجعه.
٩٢ - باب رَفْعِ الْبَصَرِ إِلَى السَّمَاءِ فِى الصَّلَاةِ
٧٥٠ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَرُوبَةَ قَالَ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُمْ قَالَ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِى صَلَاتِهِمْ». فَاشْتَدَّ قَوْلُهُ فِى ذَلِكَ حَتَّى قَالَ «لَيَنْتَهُنَّ عَنْ ذَلِكَ أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ». تحفة ١١٧٣ - ١٩١/ ١
وفيه الوعيد، ثم إنه دار البحثُ فيهم في رفع البصر عند الدعاء خارج الصلاة، فأجازه الشيخ عابد السِّنْدهِي في سالته في هذا الموضوع. وكذلك قال الدَّوَّاني: إنه لا غائلةَ في كون السماء قِبْلة للدعاء. والشيخ عابد السِّنْدِهي من شيوخي بواسطتين، لأن الشيخَ محمود الحسن رحمه الله تعالى وقَدَّس سرَّه، قد استجاز من الشاه عبد الغني قُدِّس سره، وهو من تلامذة السِّنْدِهي، ثم الشيخ فخر الدين العراقي ذكر في رسالته «التبيان في حقيقة الزمان والمكان» أن المكانَ أَثرٌ لصفةٍ من صفاته، وهذا هو حال الزمان، فإِن الدهرَ أثرٌ لصفة من صفاته، الفعلية، وإليه أُشير في قوله: «وأنا الدهر».
والتحقيقُ عندي: أن ما من شيءٍ في العالم بقضِّه وقضيضه إِلا ينتهي إلى صفةٍ من صفات الله تعالى، وليس فيه شيءٌ مستقلٌّ. فالزمانُ أثرٌ والدهرُ مَبْدأُ له، نعم ذلك الدهر مرجعه إلى صفةٍ من صفاته تعالى، والله تعالى أعلم بحقيقة الحال، وراجع لتذكرة العراقي «نفحات الأنس» للجامي رحمه الله تعالى.
٩٣ - باب الاِلْتِفَاتِ فِى الصَّلَاةِ
٧٥١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ قَالَ حَدَّثَنَا أَشْعَثُ بْنُ سُلَيْمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ الاِلْتِفَاتِ فِى الصَّلَاةِ فَقَالَ «هُوَ اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ الْعَبْدِ». طرفه ٣٢٩١ - تحفة ١٧٦٦١
٧٥٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ صَلَّى فِى خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلَامٌ فَقَالَ «شَغَلَتْنِى أَعْلَامُ هَذِهِ، اذْهَبُوا بِهَا إِلَى أَبِى جَهْمٍ وَأْتُونِى بِأَنْبِجَانِيَّةٍ». طرفاه ٣٧٣، ٥٨١٧ - تحفة ١٦٤٣٤
٧٥١ - قوله: (يَخْتَلِسُهُ الشيطانُ)، فَمَثَلُ الشيطان كَمَثَلِ الكلب بعينه، حيث يشتركُ معه في كثيرٍ من أوصافه وخواصِّه، فَيَلَغُ في الأواني ويَشَمُّهَا، فَيُفْسِدُ الطعام والشراب كالكلب. وكذلك يَسْطُو على الإِنسان إذا غَفَلَ شيئًا، ثم إذا ذكر الله تَلكَّأ عنه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا
стр. 793
مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١]، وهذا مَثَلٌ للكلبِ بعينه، فإِنه يَسْطُو عليك كلما يجدك غافلا، فإذا رفعت عصاك فرَّ مُسْتَثْفِرًا ذنبه. وهذا هو معنى الخَنَّاس، فحالُ الشيطان مع الذكر كحال الكلب مع العصى. وأشياءُ عالم الغيب كلُّها عندي على الحقيقة بدون تأويلٍ ولا استعارةٍ حتى إن صلاةَ المُلْتَفِت لو مُثِّلَت له، لرأى فيها موضع الالتفات مَجْرُوحَةً مُخْتَلَسَةً.
٩٤ - باب هَلْ يَلْتَفِتُ لأَمْرٍ يَنْزِلُ بِهِ أَوْ يَرَى شَيْئًا أَوْ بُصَاقًا فِى الْقِبْلَةِ ؟
وَقَالَ سَهْلٌ الْتَفَتَ أَبُو بَكْرٍ - رضى الله عنه - فَرَأَى النَّبِىَّ ﷺ .
٧٥٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ رَأَى النَّبِىُّ ﷺ نُخَامَةً فِى قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ، وَهْوَ يُصَلِّى بَيْنَ يَدَىِ النَّاسِ، فَحَتَّهَا ثُمَّ قَالَ حِينَ انْصَرَفَ «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ فِى الصَّلَاةِ فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ، فَلَا يَتَنَخَّمَنَّ أَحَدٌ قِبَلَ وَجْهِهِ فِى الصَّلَاةِ». رَوَاهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ وَابْنُ أَبِى رَوَّادٍ عَنْ نَافِعٍ. أطرافه ٤٠٦، ١٢١٣، ٦١١١ - تحفة ٨٢٧١، ٨٤٦٩، ٧٧٦٤
٧٥٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِى أَنَسٌ قَالَ بَيْنَمَا الْمُسْلِمُونَ فِى صَلَاةِ الْفَجْرِ لَمْ يَفْجَأْهُمْ إِلَاّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَشَفَ سِتْرَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ وَهُمْ صُفُوفٌ، فَتَبَسَّمَ يَضْحَكُ، وَنَكَصَ أَبُو بَكْرٍ رضى الله عنه عَلَى عَقِبَيْهِ لِيَصِلَ لَهُ الصَّفَّ فَظَنَّ أَنَّهُ يُرِيدُ الْخُرُوجَ، وَهَمَّ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يَفْتَتِنُوا فِى صَلَاتِهِمْ، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ، فَأَرْخَى السِّتْرَ، وَتُوُفِّىَ مِنْ آخِرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ. أطرافه ٦٨٠، ٦٨١، ١٢٠٥، ٤٤٤٨ - تحفة ١٥١٨
عن ابن عمر ﵁ أنه قال: «رَأَى رسولُ اللَّهِ ﷺ نُخَامةً في قِبْلَةِ المسجد ... » إلخ والمصنِّف رحمه الله تعالى حَمَله على داخل الصلاة، وفي عامة طُرُقه: «إنه رآه خارج الصلاة»، ولعلَّه نَظَرَ إلى قوله: «وهو يُصَلِّي». ثم إن المناجاة والإقبال على الله المواجهة، كلها حكايات عن شيءٍ واحدٍ.
٩٥ - باب وُجُوبِ الْقِرَاءَةِ لِلإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ فِى الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا فِى الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ وَمَا يُجْهَرُ فِيهَا وَمَا يُخَافَتُ
٧٥٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ شَكَا أَهْلُ الْكُوفَةِ سَعْدًا إِلَى عُمَرَ - رضى الله عنه - فَعَزَلَهُ وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَمَّارًا، فَشَكَوْا حَتَّى ذَكَرُوا أَنَّهُ لَا يُحْسِنُ يُصَلِّى، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَقَالَ يَا أَبَا إِسْحَاقَ إِنَّ هَؤُلَاءِ يَزْعُمُونَ أَنَّكَ لَا تُحْسِنُ تُصَلِّى قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ أَمَّا أَنَا وَاللَّهِ فَإِنِّى
стр. 794
كُنْتُ أُصَلِّى بِهِمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا أَخْرِمُ عَنْهَا، أُصَلِّى صَلَاةَ الْعِشَاءِ فَأَرْكُدُ فِى الأُولَيَيْنِ وَأُخِفُّ فِى الأُخْرَيَيْنِ. قَالَ ذَاكَ الظَّنُّ بِكَ يَا أَبَا إِسْحَاقَ. فَأَرْسَلَ مَعَهُ رَجُلاً أَوْ رِجَالاً إِلَى الْكُوفَةِ، فَسَأَلَ عَنْهُ أَهْلَ الْكُوفَةِ، وَلَمْ يَدَعْ مَسْجِدًا إِلَاّ سَأَلَ عَنْهُ، وَيُثْنُونَ مَعْرُوفًا، حَتَّى دَخَلَ مَسْجِدًا لِبَنِى عَبْسٍ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ أُسَامَةُ بْنُ قَتَادَةَ يُكْنَى أَبَا سَعْدَةَ قَالَ أَمَّا إِذْ نَشَدْتَنَا فَإِنَّ سَعْدًا كَانَ لَا يَسِيرُ بِالسَّرِيَّةِ، وَلَا يَقْسِمُ بِالسَّوِيَّةِ، وَلَا يَعْدِلُ فِى الْقَضِيَّةِ. قَالَ سَعْدٌ أَمَا وَاللَّهِ لأَدْعُوَنَّ بِثَلَاثٍ، اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ عَبْدُكَ هَذَا كَاذِبًا، قَامَ رِيَاءً وَسُمْعَةً فَأَطِلْ عُمْرَهُ، وَأَطِلْ فَقْرَهُ، وَعَرِّضْهُ بِالْفِتَنِ، وَكَانَ بَعْدُ إِذَا سُئِلَ يَقُولُ شَيْخٌ كَبِيرٌ مَفْتُونٌ، أَصَابَتْنِى دَعْوَةُ سَعْدٍ. قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ فَأَنَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ قَدْ سَقَطَ حَاجِبَاهُ عَلَى عَيْنَيْهِ مِنَ الْكِبَرِ، وَإِنَّهُ لَيَتَعَرَّضُ لِلْجَوَارِى فِى الطُّرُقِ يَغْمِزُهُنَّ.
طرفاه ٧٥٨، ٧٧٠ - تحفة ٣٨٤٧ - ١٩٢/ ١
٧٥٦ - حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ حَدَّثَنَا الزُّهْرِىُّ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ». تحفة ٥١١٠
٧٥٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِى سَعِيدُ بْنُ أَبِى سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِىِّ ﷺ فَرَدَّ وَقَالَ «ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ». فَرَجَعَ يُصَلِّى كَمَا صَلَّى ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِىِّ ﷺ فَقَالَ «ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» ثَلَاثًا. فَقَالَ وَالَّذِى بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أُحْسِنُ غَيْرَهُ فَعَلِّمْنِى. فَقَالَ «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، وَافْعَلْ ذَلِكَ فِى صَلَاتِكَ كُلِّهَا». أطرافه ٧٩٣، ٦٢٥١، ٦٢٥٢، ٦٦٦٧ - تحفة ١٤٣٠٤ - ١٩٣/ ١
فعمَّم فيها بالأنواع كلِّها، وَجَهَر به، ولم يتكلَّم في حقِّ المقتدي بحرفٍ وأخفاه، مع أن جملة الخبر ومحطَّ النظر هو ذلك لا غير. وهذا يَدُلُّ على أن في النفس منه شيءٌ: ولو كان هناك مُنْصِفٌ، لكفى له صنيع المصنِّف رحمه الله تعالى، وشفاه في هذا الباب. فإِنه مع شَغَفِهِ بإِيجاب الفاتحة على المقتدي، لم يَجِدْ إلى إثباته سبيلا، وذلك لأن قولَه ﷺ «لا صلاةَ لمن لم يَقْرَأ بفاتحة الكتاب» لم يَقُمْ عنده دليلا على الإيجاب، وإِلا لجَهَر به على عادته، فإِنه إذا وَجَبَت عنده على المقتدي، فكيف بها إذا كان إمامًا عادلا. نعم وجد لها مساغًا في رسالته، فعمل فيها بما قيل.
*لقد وَجَدْتُ مكان القول ذا سَعَةٍ ... فإن وَجَدْتَ لسانًا قائلا فَقُلْ
وكذلك لم يَقْدِر أن يفرِّق بين الفاتحة والسورة، لفقدان الاستدلال على الفرق بينهما.
стр. 795
وأقضي التعجُّب من هؤلاء الذين يَجْعَلُون المصَنِّف رحمه الله تعالى إمامهم في ذلك، ثم لا يَرَوْنَ إلى فَتْرَتِهِ وشِرَتِهم. وإذا فَتَرَ إمامُهم، فما تُغْنِي عنه شِرَتهم، وأين تقع منه. فلْيُغْمِضُو أعينَهم، فإن الصبحَ قد انْبَلَجَ لكلِّ ذي عينين.
فاعلم أن ههنا مسألتين ينبغي التمييزَ بينهما.
الأولى: رُكْنِيَة الفاتحة، ولا بحثَ فيها عن المقتدي، فهي ركنٌ عند من ذهب إليه سواء كان في حقِّ الإِمام، أو المنفرد، أو المقتدي أيضًا، والجمهور فيها مع الشافعية. والثانية: مسألة قراءة المقتدي، فذهب أبو حنيفة وأحمد ومالك رحمهم الله تعالى إلى عدم وجوبها في الجهرية، وهو قول القديم للشافعيِّ، ثم اختار القراءة فيهما حين وَرَدَ بمصر قبل وفاته بسنتين. ثم لا أدري هل اختار في الجهرية الوجوب أيضًا، كما يقول به الشافعية، أو الاستحباب فقط. وكان ينبغي للشافعية رحمهم الله تعالى أن يُفْتُوا بقوله القديم، فإن الشافعيَّ رحمه الله تعالى بقي عليه إلى خمسين سنةً من عمره، ولم يَقُلْ بالقراءة في الجهرية إِلا في سنتين من عمره.
أمَّا في السرية، فقال مالك رحمه الله تعالى باستحبابها فيها، ومنع عنها في الجهرية. وبه قال أحمد رحمه الله تعالى، إِلا أنه أجاز بها في الجهرية إذا لم يَبْلُغْه صوتُ الإمام، ولم يذهب أحدٌ إلى وجوبها إلا الشافعيّ ﵀، تعالى. ففي الزَّيْلَعِي و «البناية»، قال أحمد رحمه الله تعالى: ما سمعنا أحدًا من أهل الإسلام يقول: إن الإِمامَ إِذا جَهَرَ بالقراءة، لا تُجْزِىءُ صلاة من لم يقرأ. اهـ. وهو في «المغني» لابن قُدَامة أيضًا: وقد كان عالمٌ حنبليٌّ قد اتْحَفَنِي بجزءٍ منه، وقد جاء اليوم مطبوعًا، إِلا أنه مملوءٌ من أغلاط الناسخين. وهذا الكتاب من الكُتُب الأربعة التي قال فيها عز الدين بن عبد السلام: أنها من كانت عنده كَفَتْهُ: «السنن الكبرى» للبيهقي، و «المُحَلَّى» لابن حَزْم، و «شرح السنة» للبغوي، و «المغني» لابن قُدَامة. وفي فتاوى الحافظ ابن تَيْمِيَة: بخلاف وجوبها في حال الجهر، فإنه شاذٌّ، حتى نَقَل أحمد رحمه الله تعالى: الإجماع على خلافه. اهـ.
وكفاك كلام أحمد رحمه الله تعالى بهذا الإشباع، ونَقْلُ ابن تَيْمِيَة الإجماع عنه يَدُلُّ على أن وجوبَ القراءة في الجهرية خلاف الإجماع، أو لم يذهب إليه أحدٌ من أهل الإسلام. وأمَّا الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى فالمحقَّق عندي من مذهبه: أنه حَجَرَ عن القراءة في الجهرية، وأجاز بها في السِّرية، كما نَقَله صاحب «الهداية» عن محمد بن الحسن رحمه الله تعالى، وإن أنكره الشيخ ابن الهُمَام رحمه الله تعالى، حيث قال: لم أجده في «الموطأ» وكتاب «الآثار».
قلت: والصواب ما ذكره صاحب «الهداية» فإن تَنَاقُل المشايخ بروايةٍ يكفي لثبوتها، ولا يُشْتَرط أن تكون مكتوبةً في الأوراق أيضًا، فقد تكون روايته عن إمامٍ، وتُنْقَلُ على الألسنة، ولا توجد في الكُتُب (١). واختار ابن الهُمَام ﵀ الكراهةَ تحريمًا مطلقًا. وإنما تَنَحَّيْتُ عنه
стр. 796
لمكان الاختلاف في نقل مذهبنا. وراجع له رسالتي «فصل الخطاب في مسألة أمِّ الكتاب».
هذا ما سمعتَ حالَ الأئمة، أمَّا حال الصحابة ﵃، فالذي يَظْهَرُ بالمراجعة إلى الآثار خصوصًا، لا بإجمال من اختار جانبًا، ثم ذهب يَسْتَرْسِلُ في نقل العمل: أنه ذهب بعضُ السلف إلى تركها رأسًا، وبعضُهم إلى تركها في الجهرية، وبعضُهم إلى إجازتها في الجهرية مرةً، وتركها مرةً كعمر، وأبي هريرة ﵄، وبعضُهم إلى استحبابها فيها مؤكدًا كعُبَادة، وبعضُهم إلى قراءتها في السَّكَتَات، وأقلُ قليل إلى إيجابها، أو تأكُّدِها في الجهرية على كل حالٍ، كمكحول عند أبي داود.
والحاصل: أن من كان يقرأ في الجهرية: أَقلُ قليلٍ، والذي كان يقرأ في سَكَتَاتها: أكثرُ منه، والذي كان يقرأ في السرية دون الجهرية: أكثرُ كثيرٍ، وبعضُهم كان يقرأ في السرية حينًا، ويترك حينًا.
أما حالُ الأحاديث المرفوعة، فليس فيها ما يَدُلُّ على وجوبها على المقتدي، لا في الجهرية، ولا في السرية. وليس فيه عن الصحابة إلا ترجيح أحد جانبيها، ولم يبتدىء الشارعُ في تشريع القراءة للمقتدي بشيءٍ، لا بالفاتحة، ولا بالسورة، لا في السرية، ولا في الجهرية. وإنما ابتدأ بها بعضُهم فكَرِهَها، بل كان خالي الذهن عن قراءتهم، حتى خالَجه بعضٌ منهم، فُعُلِمَ الآن أن فيهم قارئًا أيضًا.
وكذلك لا يُعْلَمُ من حال المقتدين أنهم كانوا يهتمُّون بالفاتحة أَزْيَد من سائر السور، ولكن من كان يقرأ منهم يقرأ ما بدا له، حتى جاء رجلٌ فقرأ بـ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبّكَ الَاعْلَى﴾، وبعضهم قرأ التشُّهد أيضًا، فلا يُعْلَمُ اعتناؤهم بالفاتحة، كما راه الشافعية. وإنما كان من يَقْرَأُ منهم يما يقرأ من عند نفسه بدون أمر من النبيِّ ﷺ ولولا هناك مُنَازَعٌ لَخَفِيَتْ عِنْد قراءةُ من قرأ إلى ما بعده أيضًا، ولكن النبيَّ ﷺ لَمَّا سألهم، فقال بعضُهم: لا، وقال بعضُهم: نعم، واعتذر بعضُهم عن قراءته، فقال هذا يا رسول الله، كما عند أبي داود. كأنه يَعْتَذِر أنه إن لم يَفُتْهُ الاستماع، أباح لهم إباحةً مَرْجُوحَةً، فقال: «إن كنتم لا بُدَّ فاعلين، فلا تفعلوا إِلا بأمِّ القرآن». فعلى الشافعية أن يَشْكُرُوا لهذا المُنَازع حيث أخرج لهم الإباحةَ المَرْجُوحَةَ من أجله.
أمَّا الوجوب، فأين هو؟ وهل تكون شاكلةُ الوجوب أن لا يكون الشارعُ نفسه بخِبْرَةٍ منه، حتى إذا عَلِمَه جعل يسأل عنه ويفتِّشه، بل السؤال عمَّا لا يَعْلَمُ استنكارٌ له قطعًا، فلم يَأْمُرْ بها صراحةً، ولكنه استثناها عن النهيِّ. وهل يُفِيدُ هذا النوع من الاستثناء غير الإباحة. فإن راعيت صحة قوله: «إن كنتم لا بد فاعلين ... » إلخ لا تَخْرُجُ منه الإباحةُ أيضًا إِلا إباحةً مَرْجُوحَةً، وتِلك الإباحة أيضًا ارتفعت كما يُعْلَمُ مما في «السنن»، فانتهى الناس عن القراءة فيما جَهَرَ فيه رسول الله ﷺ فَتَرَكَ القراءةَ فقهاؤُهم، وبقي بعضُهم يقرؤون بعد أيضًا. ولذا قلتُ: إن القارئين في الجهرية كانوا أقل قليلٍ.
ثم ههنا سِرٌّ، وهو: أن النهيَّ عمَّا يكون خيرًا مَحْضًا لا يمكن إِلا من صاحب الوحي، فعن علي رضي الله تعالى عنه: «أن رجلا صلَّى بالمُصَلَّى تطوُّعًا، فقال له الناس: أَلا تَمْنَعُ هَذا يُصَلِّي؟ قال: ما رأيت النبيَّ ﷺ يُصَلِّي، ولكن لا أمنعه مخافةَ أن الْحَقَ بمن نَعَى عليه القرآن،
стр. 797
فقال: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠)﴾ [العلق: ٩ - ١٠] الآية.
ومن هذا الباب: اختلافهم في الأوقات المكروهة، فمنهم من نَهَى عن الصلوات فيها، نظرًا إلى كراهة تلك الأوقات، ومنهم من تَلَكَّأ عن النهيِّ، فأجاز بها فإنها خيرُ موضوعٍ أينما كانت، ومتى كانت، فلم يتقدَّموا إلى الحَجْر عنها. وكذلك القرآن خيرٌ كلُّه والحَجْر عنه موضع تَأْمُّل، فلمَّا قرؤوا به من عند أنفسهم بدون سابقية عهدٍ منه، لم يَرْضَ به، وأَظْهَرَ الكراهة أيضًا. ومع ذلك لم يَنْهَ عنه ما دام أمكن تحمُّله، كحضور النساء في الجماعات، لم يُرَغِّبْهُنَّ فيها أصلا، ولكن مع هذا لم يَنْهَ عنها أيضًا.
وهذا الذي راعاه عمر رضي الله تعالى عنه، حيث كانت زوجته تختلف إلى المساجد في أوقات الصلوات، وكان يُعْجِبُه أن لا تفعل ذلك، فأبت إِلا أَن تَفْعَلَه، ولم يَقْدِر عمر أن ينهاها صراحةً، فجاء يومًا مُتَنَكِّرًا هيئته، ووضع القدم على ذيل مِرْطها، وكانت تذهب لصلاة الصبح بَغَلَسٍ، فاسترجعت وانكفأت، وقالت: ما قال عمر - رضي الله تعالى عنه - حقٌ، فإنَّه فَسَدَ الزمان اليوم. فالقراءة في الجهرية عندي كحُضُورِهِنَّ الجماعات، والإباحة فيهما بمنزلةٍ واحدةٍ، فمن شاء فليتركها على حالها، ومن شاء بالغ فيها. ويَقْرُبه ما نُقِلَ عن الحلواني من فتواه: أنه لا ينبغي أن يُنْهَى العوام عن الصلوات وأن صلُّوها في الأوقات المكروهة، فإنها وإن كُرِهَت على مذهبنا، لكنها تكون جائزةً على مذهب الشافعية، ولو مُنِعُوا عنها أمكن أن يَمْتَنِعُوا عن أصلها، ويتركوها رأسًا.
قلتُ: وهذا التهاونُ لم يكن في زمن الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى، فكان المناسب له أن يَنْهَى عنها كما قد نهى. ثم لمّا ظهرت المذاهب، وفشا التكاسُل في الدين، وتُرِكَ العمل به على المذهب، ناسب للمتأخِّرِين أن لا يمنعوهم عنها لأجل المخافة المذكورة.
والحاصل: أن النهيَّ عن الخير المحض لا يكون إلا إذا لم يتحمَّله المقام أصلا، وذلك أيضًا من جهة الشارع لا غير، كما نهى عن القراءة في الركوع والسجود، لأنه مناجاةٌ، وهذه الهيئة لا تَصْلُح لها أصلا. ومع ذلك جوَّزه البخاريُّ فيهما، وترك حديث مسلم. فإن شئتَ قلتَ: إنه أجاز بها للمقتدي إجازةً مَرْجُوحَةً، ولم يرض بها. وإن شئتَ قلتَ: إنها رخصةٌ لا عزيمةٌ، وهذا أَيْسَرَ على الموجبين.
وأجاب القائلون بالوجوب: إن سؤاله ﷺ «لعلَّكم تَقْرَؤُن خلف إمامكم». كما في «السُّنن»، ليس عن نفس القراءة، بل عن الجهر بها، فمعناه: لعلَّكم تَجْهَرُون بها خلف إمامكم. قلتُ: وهو تأويلٌ لا مُسْكَةَ له في ذخيرة النقل، فإن النبيَّ ﷺ سألهم عن نفس القراءة، وهم يَحْمِلُونه على الجهر بالقراءة، وهل يَلْصَقُ بالقلب أن يكون هناك أحدٌ يَجْهَرُ بها، مع رؤيته أن الصحابةَ ﵃ كلَّهم ساكتون، ولا يَجْهَرُونَ بشيءٍ. ثم لو سلَّمنا أنه كان جَهَرَ بها، فلم يَرِدْ السؤالُ عنه ولا عليه، بل هو عن القراءة، وإنما الجهرُ وسيلةٌ لعلمه ﷺ أنه قرأ شيئًا. واحتال فيه آخرون: إن السؤالَ إنما هو بما زاد على الفاتحة دون الفاتحة نفسها، فمعناه: لعلَّكم تَقْرَؤُن خلف إمامكم ما زاد على الفاتحة أيضًا.
قلت: وهذا أيضًا باطلٌ. ففي الدَّارَقُطْنِي: «هل منكم من أحدٍ يقرأ شيئًا من القرآن»،
стр. 798
وحسَّنه. فدلَّ على أن الفاتحةَ وغيرها عنده سواء، وإن السؤالَ كان عن شيءٍ من القرآن دون السورة، وإنه لا وجوبَ عنده على المقتدي. فقال: «هل منكم من أحد»، فلو كانت واجبةً على الكلِّ لسألهم أجمعين، هكذا: هل تقرؤون أنتم؟ لا: «منكم من أحدٍ»، فإنه يَدُلُّ على أنه ليس عنده هناك قارئًا إِلا أحدٌ منهم، وليست هذا شاكلة الواجب. وفيه أن القراءةَ خلفه تُنَاقِضُ منصب الائتمام، ولذا قال: «خلف إمامكم»، مع أن الظاهر خلفي، فَعَدَل عنه، وانتقل إلى بيان منصب الائتمام لتَعُمَّ الفائدة. وحينئذٍ محطُّها: أن خلف الإمام ليس موضع القراءة. وقد يَحْتَالُون بأن قوله: «فانتهى الناس عن القراءة ... » إلخ من قول الزُّهْرِيِّ ...
قلتُ: ويقضي العجب من قولهم ما حملهم على ذلك، فإننا لو سلَّمناه، فالزُّهْرِيُّ تابعيٌّ، ولا يذكر إلا من حال الصحابةِ ثم إن من جعله من قول الزُّهْرِيِّ غَرَضُه أن الزهريَّ قاله نقلا عن أبي هُرَيْرَة، وأخفى به صوته، فثبَّتهم مَعْمَرٌ فيه، فكان إسناد القول إلى مَعْمَر أو الزهريِّ لهذا، فَزَعَمُوا أنه من تلقاء أنفسهم. فعند أبي داود في حديث ابن أُكَيْمَة الليثي عند بيان الاختلاف، وقال ابن السَّرْح في حديثه: قال مَعْمَر، عن الزُّهْرِيِّ، قال أبو هريرة: «فانتهى الناس». وقال عبد الله بن محمد: الزُّهْرِيُّ من بينهم، قال سُفْيَان: وتكلّم الزهريُّ بكلمةٍ لم أسمعها، فقال مَعْمَر: إنه قال: «فانتهى الناس ... » الخ. نعم بقي شيءٌ، وهو أن قوله ﷺ «لا تفعلوا إلا بأمِّ القرآن»، وإن لم يَدُلَّ على الوجوب، لكن تعليله بقوله: «فإنه لا صلاةَ إلا بها» يَدُلُّ على الوجوب قطعًا، وبه يَتُمُّ الاستدلال.
قلتُ: كلا، فإن قوله قبل التعليل لمَّا دلَّ على الإباحةِ المرجوحةِ ولا بُدَّ، لم يَصْلُح التعليل أن يَدُلَّ على الوجوب في حقِّه. كيف؟ وإنه طفرةٌ من الإباحة إلى الوجوب، وليس بسديدٍ. وهل يناسب عندك أن من كان بصدد إيجاب شيءٍ في آخر كلامه أن يسأل عنه أولا، ويقرِّر إباحته في ابتدائه، ثم يُوجِبه في آخره كأنه سَنَحَ له الآن وجوبُه وإيجابُه، إلا أن يُفْرَضَ أنه تكلَّم خالي الذهن عن الوجوب، فإذا كان عند ختم كلامه سَنَحَ له كسنوح السوانح أن يُوجِبَه، فعلَّله بالوجوب. وهو كما ترى، ليست شاكلة كلام العوام، فضلا عن كلام خير الأنام.
وحينئذٍ وَجَبَ علينا وعليهم أن نَشْرَحَ الحديثَ، فإن ظاهره غير مستقيمٍ. ثم استفتِ نفسك - فإنَّ بين جَنْبَيْك مُفْتٍ - إنه إذا خَاطَبَ المقتدين بذلك الكلام، وسألهم عن القراءة، فهل يُنَاسِبُ الإِيجاب في حقِّهم، أو في حقِّ غيرهم كالمنفرد والإمام؟ فإن كنتَ تستطيعُ أن تسمعَ كلامَ الخصم وتَفْهَمَه، فاعلم أنه إيجابٌ على المنفرد دون المقتدي. اسْتُدِلَّ بإِيجابها في الجنس (١) على إباحتها للمقتدي، ولو لم نأخذه في الجنس، وحملناه في حقّ المقتدي، لنَاقَضَ
стр. 799
آخِرُ الكلام أولَه. فإن أوَّله يَدُلُّ على إباحتها في حقِّ المقتدي إباحةً مَرْجُوحَةً، وتعليل الإباحة بالواجب لا يَصِحُّ إلا باعتبار كون الوجوب وصفًا لها في جنس الصلاة. وبعبارةٍ أخرى: إنهم حَمَلُوا التعليلَ على أنه حكمٌ بالإيجاب في حقِّ المقتدي، ونحن حَمَلْنَاه على كونه وصفًا للفاتحة، وإن لم يتحقَّق هذا الوصف في حقِّ المقتدي. والتعليل بالوصف شائعٌ عندهم، بل هو لطيفٌ جدًا، بل لا عبارةَ - كترجيح الفاتحة من بين السُّوَر مع كونها مباحةً في حقِّ المقتدي - أَدَلُّ وأَوْفَقُ من هذه.
وحاصل الحلّ عندي: أني أَبَحْتُ لكم الفاتحة من بين السُّوَر لمعنى الترجيح فيها، وهو امتيازها بوصفٍ من بين سائر السُّوَر، وهو: وجوبها على المنفرد والإمام عينًا. وليس هذا الوصف في أحدٍ من السُّوَر، فإنها واجبةٌ بدلا، وليست فيها واحدةٌ منها واجبةً عينًا لا على الإِمام ولا على المنفرد. وحينئذٍ صَلَحَت الفاتحةُ أن تتحمَّل قراءته. ونظيره قولك لابن سبع سنين: صلِّ، فإنه لا دينَ لمن لا صلاةَ له. ونظائرُه كثيرةٌ، وإذن هو من باب استدلال الجنس على الجنس الآخر.
وحاصله: أنه على وِزَان قولهم: أكرم زيدًا، فإنه أهلٌ لذلك. أعني: إن إباحةَ الفاتحة في حقِّ المقتدي دون غيرها من السُّوَر، لكونها أصلا لذلك، لأنه لا صلاةَ إلا بها، وإن تحقَّق هذا الوصف في حقِّ غير المقتدي من المنفرد والإمام. وإنما صَلَحَ هذا الوصف مُخَصِّصًا إياها من بين السُّوَر لخلو سائر السُّوَر عنه مطلقًا، فلا يتحقَّق هذا الوصف في شيءٍ منها، لا في حقِّ المنفرد، ولا في حقِّ الإمام، وحينئذٍ لو تحقَّق في الفاتحة في الجنس صَلَحَ مُرَجِّحًا أيضًا. وممن صَرَّح بأن قوله: «لا صلاةَ لمن لم يَقْرَأ ... » الخ، في المنفرد دون المقتدي: الإمام أحمد رحمه الله تعالى عند الترمذي، وسُفْيَان عند أبي داود.
ومما يَدُلُّك على أنه في حقِّ المنفرد دون المقتدي: أن صلاة غير المقتدي تُعْتَبرُ أنها فعله، كالمفعول المطلق عند النُّحَاة. فإِنَّ الضربَ في نحو: ضربت ضربًا، فعلُ المتكلِّم. بخلاف المفعول به، فإنه لا يكون من فِعْلِه، بل فِعْلُه يقع عليه، فهو محل فِعْله، كزيد في نحو: ضربت زيدًا. فإِن زيدًا ليس من فِعْل المتكلِّم، بل فعله - وَقَعَ عليه. والفرق الآخر: أن المفعولَ المطلق إذا كان من فِعْله، يكون قائمًا به لا محالة، فإِن الضربَ قائمٌ بالضارب بخلاف المفعول به، فإِنه إذا لم يكن من فِعْله يكون مُنْفَصِلا عنه، نحو: زيد في المثال المذكور، فإِنه مُنْفَصِلٌ عن الضارب قطعًا. فصلاة غير المقتدي اعْتُبِرَت عند الشرع كالمفعول المطلق، فتكون قائمةً بالمصلِّي، وتُعَدُّ كأنها من فَعْلِهِ، ويَجْرِي عليها ما يَجْرِي على هذا التقدير، ويكون بناء الكلام عليه.
أمَّا صلاة المقتدي فإنها اعتباران في العرف بحَسَب المقامين: مقام بَسْطٍ واستيفاءٍ لتمام الحال، ومقام اكتفاءٍ واختصارٍ، حيث لا تكون داعية لاستيفاء الحال. فيقولون في المقام الأول: إنه صلَّى مع الإِمام، فيَحْكُون عنها كأنها كالمفعول المطلق للإِمام، والمفعول به للمقتدي، فيُضِيفُون الصلاةَ إلى الأمام كأنها من فِعْله، وإلى المقتدي كأنها ليست من فِعْله، فلا تُنْسَبُ إليه إلا كنسبة
стр. 800
المفعول به المنفصِل إلى الفاعل، ويُطْلَقُ عليه أنه يُصَلِّي مقيَّدًا، كالصلاة خلف الإِمام، والصلاة بصلاته. ويقولون في مقام الاختصار: إنه يُصَلِّي، فَيَحْكُمُون بالنظر إلى حكمه المُنْسَحِب عليه، ولا يَذْكُرُون كونه خلف الإِمام حسب داعية المقام، فيُحَلِّلون صلاة الجماعة التي كانت صلاةً واحدةً بالعدد إلى صلواتٍ بحَسَبِ عدد من كان فيها، ويَحْكُون أن فلانًا صلَّى كأنها فِعْله.
وبعبارةٍ أخرى: إن صلاةَ الجماعة صلاةٌ واحدةٌ بالعدد في العُرْف والعبارة، وهو عند أبي داود من إحالة الصلاة ثلاثة أحوال قال: وحدَّثنا أن رسولَ الله ﷺ قال: «لقد أَعْجَبَنِي أن تكونَ صلاةُ المسلمين أو المؤمنين واحدةً». اهـ. لا صلوات بعدد من فيها، وإنما ذلك عند التحليل حتى يَتْرُكُون بيانَ الحال بتمامه، ونَقْلَ صورته بتمامها. وبالجملة كانت صلاةُ الجماعة مُفْرَدَةً لا تثنيةً ولا جمعًا، فحلَّلوها إليهما، حيث يريدون نَقْلَ حاله بالنظر إلى حكم نفسه المُنْسَحِب عليه، وكلا الاعتبارين وَارِدَان في ألفاظ الحديث بحَسَبِ المقامات.
فالأول نحو حديث: «إذا أُقِيمَتِ الصلاة، فلا تَأَتُوها تَسْعَون، وأتوها تَمْشُون وعليكم السَّكِينة». اهـ. جعل الصلاةَ كأنها ليست من فِعْله، بل هي مُنْفَصِلةٌ عنه: أتاها، فهي مَأْتِيةٌ، يَرِدُ عليها، ويَصْدُرُ عنها. وجعلها مفردةً في العبارة لا تثنيةً ولا جمعًا. وكقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩]. وقوله: ﴿وَإِذَا نَدَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٥٨]. وعن عبد الرحمن ابن عبد القاري في قيام رمضان: يُصَلِّي الرجل لنفسه، ويُصَلِّي الرجل، فَيُصَلِّي بصلاته الرَّهْطُ، والناس يُصَلُّون بصلاة قارئهم. وحديث عائشة فيه: «فصلَّى في المسجد، وصلَّى رجالٌ بصلاته». وفي صلاةٍ في مرض موته: فجعل أبو بكرٍ ﵁ يُصَلِّي، وهو قائمٌ، بصلاة النبيِّ ﷺ وفي «الفتح»: عن عِتْبان بن مالك، عن أحمد: «فقاموا وراءه، فصلُّوا بصلاته». وعند النَّسائي من حديث عبد الله بن سَرْجِس، قال: «يا فلان، أيهما صلاتك التي صلَّيت معنا، أو التي صلَّيت لنفسك» اهـ. ففي هذه الأحاديث كلِّها اعْتُبِرَت صلاة الجماعة كأنها ليست من فِعْله، بل من فِعْل الإِمام، ثم المقتدي يأخذ منها حظَّه بنوع ربطٍ مع إمامه.
وأمَّا الاعتبارُ الثاني، فنحو حديث البَيَاضي عند مالك في العمل في القراءة: «أن رسولَ الله ﷺ خَرَجَ على الناسِ وهم يُصَلُّون، وقد عَلَتْ أصواتهم، فقال: إن المُصَلِّي يُنَاجِي ربَّه، فلْيَنْظُرْ بما يُنَاجِيه به، ولا يَجْهَرْ بعضُكم على بعضٍ بالقرآن». اهـ. وكان ذلك في رمضان. وعند ابن عبد البَر: «والناس يُصَلُّون عُصَبًا عُصَبًا»، وهو مَسُوقٌ لغير المقتدي. ومثله حديث السُّتْرَة عند أبي داود: «إذا صلَّى أحدُكم، فلْيُصَلِّ إلى سُتْرته، وليَدْنُ منها». وكذا: «إذا كان أحدُكم يُصَلِّي، فلا يَبْصُق قِبَل وجهه، فإن اللَّهَ قِبَل وجهه إذا صلّى». ساق الكلامَ فيه بالنظر إلى حال المصلِّي في نفسه، ولذا لم يَذْهَبْ أحدٌ إلى إيجاب السُّتْرَة لكلَ في صلاة الجماعة، لأنهم حَمَلُوا الحديثَ المذكورَ في المنفرد، وقد مرَّ تقريره. وإذا سَمَحَت نفسُك بقَبُول هذا ولم تُمَاكِس، فحديث: «لا صلاةَ لمن لم يقرأ بأمِّ القرآن» يَنْسَحِبُ على كل صلاةٍ مفردةٍ من عدد الصلوات في حقَ من يُوصَف بأنها فِعْلُه.
ولذا لم يَصِفْهم في هذا السياق بكونهم خلف الإمام، فإذن هو في صلاة المنفرد أو الإِمام
стр. 801
دون المقتدي. فالحديثِ وَرَدَ في صلاة المنفرد، كما أقرَّ به أحمد وسُفْيَان رحمهما الله تعالى، وهم نَقَلُوه إلى صلاة الجماعة، وأنه جاء بالنظر إلى حاله في نفسه، وهم نقلوه في حاله مع غيره، فسبحان من لا يَسْهُو ولا يَنْسَى. ثم اعلم أنه ليس اعتبارُ الشريعة في قراءة المقتدي أنها ليست عليه، بل اعتبارُها أن قراءةَ الإمام له قراءة. وقد أَخْرَج له الشيخُ ابن الهُمَام رحمه الله تعالى إسنادًا على شرط الشيخين من «المسند» لأحمد بن منيع، وهو مفقودٌ اليوم، فَرَاجَعْتُ له «المطالب العالية في زوائد الحديث الثمانية» للحافظ بن حَجَر رحمه الله تعالى، لأن الحافظَ رحمه الله تعالى قد جَمَعَه من ثمانية «مسانيد»، إلا أني لم أجده فيه، فَحَدَثَ في نفسي اضطرابٌ حتى عَلِمْتُ أن نسخةَ «المسند» المذكور لم تكن عند الحافظ رحمه الله تعالى بتمامها، فحينئذٍ زال القلق، وظَنَنتُ أنه يكون في الحصة التي لم تَبْلُغ الحافظُ رحمه الله تعالى.
ثم في حاشية الشيخ أبي الحسن السِّنْدِهي على «فتح القدير» المسماة «بالبدر المنير» - وهي إلى النكاح فقط: أن العلامة القاسم بن قُطْلُوبغا سأَلَ شَيْخَه ابنَ الهُمَام عن إسناد هذا الحديث. فكتب أنه أخذه من "إتحاف الخيرة بزوائد المسانيد العشرة" للبُوَصَيْري، وقد جمع فيه البوصيري عشرة مسانيد. ثُمَّ كتب الشيخ أن البُوصَيْري ذكر فيه أنه لما سرد هذا الإسناد عند الحافظ رحمه الله تعالى فلم يُتِمَّه. حتى أن الحافظ رحمه الله تعالى تَبَسَّم وقال: وفيه رائحة حديث "مَنْ كان له إمام" ... إلخ فتعجب مِنْ فَرْط ذكائه. ثم قال البُوصيري: فعلمت من تبسُّمه أنه ليس براضٍ عنه غير أنه لم يردَّه صراحةً أيضًا. وليس هذا تخصيصًا بل بابٌ مستقلٌّ ومسألة زائدةٌ في حقِّ المقتدي، كحديث: "البِكْر تُسْتأذنُ في نفسها وإِذْنُها صِمَاتُهَا". فليس قوله: وإِذْنُها صِمَاتُها" تخصيصًا بل وضعًا مستقلا. وعلى هذا فإيجابُ القراءةِ على المقتدي من العمومات، كاشتراط الإِذْن باللسان على البِكْر. ومعلوم أن الشريعةَ إذا أقامت لها بابًا مستقلا وأَفرزتها من الحُكْم العام، فليس لأحد أن يُجْرِها تحت العموم ويجري علهيا أحكامَها. فهكذا لَمَّا علمنا أن الشريعةَ نصبت لأحكام الائتمام بابًا مستقلا، ولغير الائتمام بابًا أيضًا. فَنَقْلُ أحاديثِ أحدِ البابين إلى الآخر إلغاءٌ لِغَرَضِها. فراجع أحاديث الائتمام: لم يأمر في واحدٍ منها المقتدي أن يقرأ مع إمامه، ولم يقل: وإذا قرأ فاقرؤوا، مع أنه مرَّ فيها على جملةِ أفعالِ الصلاة تقريبًا، فترك هذا الرُّكْن الذي قد سبق على سائر الأركان، وصار مدارًا لصحة الصلاة، وسِمَّةً لأهل الحديث مستعبدٌ جدًا، بل صحَّ فيها جملة: "إذا قرأ فأَنْصِتُوا" صحَّحه مسلم، وجمهور المالكية، والحنابلة. ولم يتأخَّر عن تصحيحه إلا مَنِ اختار القراءة خلفَ الإمام، فسرى فِقْهُه إلى الحديث. ثم اعرف الفرق بينَ سياقِ الاستثناء عن صريح النهي كما في قوله: "فلا تفعلوا إلا بأم القرآن"، وبينَ استثناءِ الفاتحة عن أمر الإنصات، أي أَنصتوا إلا بالفاتحة، ولم يَرِد في طريق. فجاء الشافعية وحملوا السياق الأوَّل على الثاني، مع أنه وَرَد في الحديث: "إذا قرأ فأنصتوا" ثم لم يَرِد فيه الاستثناء بالفاتحة. فدلَّ على أن الفاتحة وغيرَها في أَمْر الإنصات سواءٌ. والحاصل: أن لنا في هذه المسألةِ دلالاتٍ من الأحاديث، ونصَّا من القرآن: ﴿إذا قُرىء القرآنُ فاسْتَمِعُوا له وأَنْصِتُوا﴾ وليس عندهم لإيجابِ القراءة في الجهرية والسرية على المقتدي شيءٌ، إلا جَهْرهم بالمبالغات. ثم إنه صحت في هذا الحديثِ زيادة "فصاعدًا" أو ما قام مقامَها نحو: ما تيسر، وما زاد، وحينئذٍ يكون معناه انتفاءَ الصلاة بانتفاء الفاتحة مع عناية
стр. 802
"فصاعدًا" وحاصِلُهُ انتفاءُ الصلاة بانتفاءِ القراءةِ مطلقًا. فلا يصلُح هذا الحديثُ أن يقومَ حجةً على مسألة الرُّكْنِيةِ أَصْلا، لدلالتها على انتفاءِ الصلاةِ بانتفاء القراءة، وقد قلنا به أيضًا. وإنما الكلامُ في انتفاء الصلاةِ بانتفاء الفاتحة خاصة، ولم يدلَّ عليه أصلا، بل متى ما تنظر في الأحاديث ترى أنَّها جعلتِ الصلاةَ عند انتفاءِ القراءةِ بالفاتحة خِدَاجًا لا منفية عن أصلها، كحديث أبي هريرة عند مسلم "مَنْ صَلَّى صلاةً ولم يقرأ فيها بأمِّ القرآنِ فهي خِدَاجٌ".
ومتى نُفَتِ الصلاة، فهو باعتبار انتفاء الفاتحة فما فوقها. وأرى أن هذا يُطْرَد فيما هو على اسم الصحيح أو الحسن، وكفى بهما عن الضِّعَاف. وأرى أن هذا ليس اتفاقًا أو جِزَافًا، بل حكايةٌ عن الواقع وعن الحقيقة. فالصلاةُ بترك الفاتحة خِدَاجٌ، وبترك الفاتحة فما فوقها مَنْفِيَّةٌ، على أن في نفس قوله: «لا صلاةَ لمن لم يقرأ بأمِّ القرآن» بدون قوله: «فصاعدًا»، إشارةً إلى السورة، وبناءً للكلام عليه، وذلك للفرق بين قولهم: قرأها، وقرأ بها. وأَوْضَحَه الحافظُ بن القَيِّم في «بدائع الفوائد».
وحاصلُه: أن الفعل إذا عُدِّي بنفسه، فقلتَ: قرأتُ سورةَ كذا، اقتضى اقتصارُك عليها لتخصيصها بالذكر. وأمَّا إذا عُدِّي بالباء، فمعناه: لا صلاةَ لمن لم يأتِ بهذه السورة في قراءته، أو في صلاته، أو في جملة ما يقرأ به، وهذا لا يقتضي الاقتصارُ عليها، بل يُشْعِرُ بقراءة غيرها معها. اهـ. ثم أَطَالَ الكلامَ في نظائره وتقريره. وعلى هذا، فالفاتحةُ في الحديث تكون من جملة قراءته، فَيُدلُّ على القراءة بغيرها.
هذا، وبالجملة لا حُجَّةَ لهم في الحديث على مسألة الرُّكنية كما عَلِمْتَ، والله تعالى أعلم. ثم أقول: إن المسألةَ إذا كانت مما يَكْثُرُ وقوعها، ثم لا تَجِدُ للعمل بها صورةً ونظمًا عند الشارع، كان ذلك دليلا على عدم اعتبارها في نظره، فنقول: إن أحدًا لو أَدْرَكَ إمامه بعد قراءة الفاتحة، فلا يَخْلُو: إما أن يَقْرَأَ بالفاتحة، ويَشْتِغِلَ بها، لأنه لا صلاةَ لمن لم يقرأ بها. أو يُوَافِقَ إمامه بالتأمين، ثم يقرأ بها. فعلى الأول: يَرْزَمُ ترك الأمر بالموافقة، وعلى الثاني: تَنْقَلِبُ الوظيفة، فإن التأمين شُرِعَ عَقِيبَ الفاتحة لا قبلها (١).
فانتفاهُ التأصيل والتفريع، واختلالُ النظم، دليلٌ على أن المقتدي لم يُوَسَّع له في حلقة القراءة، ولذا تراهم اختلفوا، فقال قائلٌ: إن المقتدي يتبع سكتات الإِمام، ولا ينازِعُ معه. وإذن لا بدَّ للإمام أن يَسْكُت سكتةً تَسَعُ قراءته، وذلك أيضًا غير معهودٍ عنه ﷺ فإنه لم يَثْبُتْ عنه إِلا سكتةً للاستفتاح، والثانية للتأمين، أو ليترادَّ إليه نفسه. أمَّا السكتةُ الطويلة بحيث تَسَعُ الفاتحة،
стр. 803
فتلك قد عرفها الموجِبُون لا غير، كيف وإنه يَسْتَلْزِمُ قلب موضوع الإمامة؟ نعم لا بأس به عندهم، فإنهم يَلْتَزِمُون فوق ذلك من اختلاف نية الإمام والمأموم، وصحة صلاته مع فساد صلاة الإمام، إلى غير ذلك من التوسُّعات في مسائل القُدْوَة كما قد عَلِمْت. وقال قائلٌ: يقرأها بعد الثناء، وقال آخر: بعد قراءة الإمام.
وكل ذلك التشويش، لأن الشريعةَ لم توسِّع له في الحلقة، ولذلك يَطْلُب هذا موضعًا لها، ولا يجده، ثم تَشْمِئزُّ إليه نفسه، لأنه لا صلاةَ إِلا بها، فيضْطَرُّ تارةً بوضعها ههنا، وتارةً ههنا. وهل هذا هو شاكلة الواجب الذي يتكَّرر في كل صلاةٍ أربع مرات؟ ثم لم يَثْبُت له نظمٌ ولا يَسْتَقِرُّ فيه رأيٌ؛ فذقه. وهذا الذي كنتُ أقول فيما مرَّ: إِنَّا لو سلَّمنا الرفعَ عند الرفع من الركوع، فما تكون له صورة العمل؟ فإن الرفعَ عند الرفع من الرُّكُوعُ مُتَعِسِّرٌ أو مُتَعَذِّرٌ، ولذا قلتُ: إن بناء الشرع ليس على الفاتحة، ولا على رفع اليدين. وهذا الذي كنتُ أَقْصِدُ من الاختلال، وعدم التأصيل والتفريع. وقد فَرَغْتُ من مسألة القراءة خلف الإِمام بقدر ما قَصَدْتُ إلقاءه في هذا الكتاب. ومن شاء الاطلاع على تفاصيلها، فليرجع إلى رسالتنا «فصل الخطاب» (١).
стр. 804
٧٥٥ - قوله: (شَكَا أهل الكُوفَة) يعني من جُهَلائِهِمْ الذين كانوا لا يُحْسِنُون الصلاة.
قوله: (وأُخِفُّ): من التخفيف، وفي نسخةٍ: «وأَحْذِف». واستدلَّ منه الشيخُ العَيْنِي رحمه الله تعالى على عدم فرضية القراءة في الأُخْرَيَيْن، وسكت عليه الحافظ رحمه الله تعالى.
قلتُ: والدلائلُ على وجوبها كثيرةٌ، ولم أَرَ لعدم الوجوب إِلا أَثَرَيْن: أحدهما عن ابن مسعود، والآخر عن عليّ ﵄، غير أن الفصلَ إنما يكون بالتعامُل، فلينظره. بقي تمسُّك العَيْني رحمه الله تعالى من نسخة: «أحذف»، فالإِنصافُ أن المرادَ منه التخفيف.
فائدة
واعلم أن الشيخَ العَيْنِي كان أسنَّ من الحافظ رحمهما الله تعالى، وقد بقي بعده ثلاث سنين، وكان عمره تسعين، وكان يُؤَلِّفُ: «شرح الهداية في نور المصباح»، وألَّف: «شرح الكنز» في ثلاثة أشهر.
قوله: (أَمَّا إذا نَشَدْتَنَا ... ) إلخ، يعني إذا تُنْشِدُنا بالله، فاعلم أن ما ذكرناه كان حيلَة للشِّكاية، أمَّا حقيقةُ الأمر، فهو هذا ... إلخ.
قوله: (ارجع فَصَلِّ). هذا الحديث: حديثُ مُسِيء الصلاة. قال الشيخُ تقي الدين ابن دقيق العيد: إنه يجب على المُحَدِّث أن يَجْمَعَ طُرُقه، فإِنه تعليمٌ لشرائع الصلاة من قِبَل صاحب النبوة. قال الحافظ ابن حَجَر رحمه الله تعالى: أني امْتَثَلْتُ أمره، فأخذت عنه ثمانين مسألةً،
стр. 805
ويُعْلَمُ من طُرُقه كما هو عند الترمذي: أن الرجل كان قَصَر في التعديل. وبالجملة، فالإِمام البخاري رحمه الله تعالى أَخْرَج في هذا الباب عِدَّة أحاديث، غير أنه لم يَجدْ حديثًا صريحًا يَدُلُّ على تعيين الفاتحة، ولذا لم يُتِرْجِمْ بها عينًا، نعم في رسالته ذهب كل مذهب.
فائدة
واعلم أن المصنِّف رحمه الله تعالى قد شدَّد الكلامَ على مسائل أبي حنيفة رحمه الله تعالى في رسائله، ولم يكن ذلك يَلِيق برِفْعَة شأنه. وقد سَمِعْتُ من بعض الفضلاء قصةً في وجه نَكَارته من الحنفية، وهي: أن ملك بُخَارا أمر المصنِّف رحمه الله تعالى أن يُعَلِّمَ أبناءه في بيته، فأجاب المصنِّف رحمه الله تعالى: من شاء فليأتنا، ولا حاجةَ لنا إلى الذهاب إلى بيت أحدٍ، فَغَضِبَ عليه الملك وأَجْلاه. فخرج البخاري رحمه الله تعالى إِلى خَرْتَنْك - موضع بَسَمَرْقَنْدِ - وألقى بها عصاه، ودعا ربه: أنه لم يَبْقَ له بعد ذلك في الحياة حاجة، فتُوُفِّيَ في يوم العيد. قيل: إن الذي ساعد الملك على إخراجه أبو حفصٍ الصغير، وهو تلميذ أبي حفصٍ الكبير - تلميذ الإِمام محمد رحمه الله تعالى - وهذا هو سبب نَكَارة البخاري رحمه الله تعالى من الحنفية.
قلتُ: ولي فيه تردُّد لِمَا ذَكَرَ الحافظُ رحمه الله تعالى فى مقدمة «الفتح»: أن أبا حفصٍ الصغير كان رفيقًا للبخاري في أسفاره، حتى أنهما كانا يَتَهَادَان أحدهما إلى الآخر، فما دام لا يتحقَّق للتغاضُب بينهما سببٌ، لا أَثِقُ بتلك الحكاية. والله تعالى أعلم بالصواب.
٩٦ - باب الْقِرَاءَةِ فِى الظُّهْرِ
٧٥٨ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ قَالَ سَعْدٌ كُنْتُ أُصَلِّى بِهِمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلَاتَىِ الْعَشِىِّ لَا أَخْرِمُ عَنْهَا، أَرْكُدُ فِى الأُولَيَيْنِ وَأَحْذِفُ فِى الأُخْرَيَيْنِ. فَقَالَ عُمَرُ - رضى الله عنه - ذَلِكَ الظَّنُّ بِكَ. طرفاه ٧٥٥، ٧٧٠ - تحفة ٣٨٤٧
٧٥٩ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَقْرَأُ فِى الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، يُطَوِّلُ فِى الأُولَى، وَيُقَصِّرُ فِى الثَّانِيَةِ، وَيُسْمِعُ الآيَةَ أَحْيَانًا، وَكَانَ يَقْرَأُ فِى الْعَصْرِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، وَكَانَ يُطَوِّلُ فِى الأُولَى، وَكَانَ يُطَوِّلُ فِى الرَّكْعَةِ الأُولَى مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَيُقَصِّرُ فِى الثَّانِيَةِ. أطرافه ٧٦٢، ٧٧٦، ٧٧٨، ٧٧٩ - تحفة ١٢١٠٨
٧٦٠ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبِى قَالَ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ حَدَّثَنِى عُمَارَةُ عَنْ أَبِى مَعْمَرٍ قَالَ سَأَلْنَا خَبَّابًا أَكَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَقْرَأُ فِى الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ قَالَ نَعَمْ. قُلْنَا بِأَىِّ شَىْءٍ كُنْتُمْ تَعْرِفُونَ قَالَ بِاضْطِرَابِ لِحْيَتِهِ. أطرافه ٧٤٦، ٧٦١، ٧٧٧ - تحفة ٣٥١٧
стр. 806
٩٧ - باب الْقِرَاءَةِ فِى الْعَصْرِ
٧٦١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ أَبِى مَعْمَرٍ قَالَ قُلْتُ لِخَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ أَكَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَقْرَأُ فِى الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ قَالَ نَعَمْ. قَالَ قُلْتُ بِأَىِّ شَىْءٍ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ قِرَاءَتَهُ قَالَ بِاضْطِرَابِ لِحْيَتِهِ. أطرافه ٧٤٦، ٧٦٠، ٧٧٧ - تحفة ٣٥١٧
واعلم أن المصنِّفَ رحمه الله تعالى لمَّا لم يَجِدْ دليلا للفرق بين الفاتحة والسورة كما عَلِمْتَ، ترجم على نفس القراءة: الفاتحة وغيرها سواء. ومن العجائب ما نُسِبَ إلى ابن عباس ﵁ من عدم القراءة في العصرين، وما ينقله بعض الرواة: «إن كنا نعرف قراءته من اضْطِرَاب لحيته، فهو إمارةٌ مَحْضَةٌ، قلتُ: فأين ذَهَبَت الفاتحةُ، لو كانت رُكْنًا عنده، فالقراءة فيهما إنما تُبْنَى على التعامُل والتوارُث، ولمَّا لم يكن هناك اختلافٌ لم ينازع أحدٌ منهم في لفظ الاضْطِرَاب أنه ما يفيد، ولو كان لوَقَعَ الجَلَب والشَّغْبُ؛ وهذا يَدُلُّ على أن المسائل لا تُبْنَى على ألفاظ الرواة فقط بل الفاصلُ هو التعامُل لا غير.
٧٥٩ - قوله: (يُطَوِّل في الأُولى)، وحُمِلَ من جانب الشيخين: على أن الطولَ من أجل الاستفتاح، لا من تِلْقَاءِ القراءة. قلتُ: والظاهرُ مذهب محمد رحمه الله تعالى لِمَا عند أبي داود: «كان يُطَوِّل حتى ينقطع خسخسة الأقدام». أقولُ: والأحسنُ أن يستوي بينهما إِلا إذا رَجَا إدراكَ الناس، فيطوِّل على ما هو في الحديث.
٧٦٢ - حَدَّثَنَا الْمَكِّىُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَقْرَأُ فِى الرَّكْعَتَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَسُورَةٍ سُورَةٍ، وَيُسْمِعُنَا الآيَةَ أَحْيَانًا. أطرافه ٧٥٩، ٧٧٦، ٧٧٨، ٧٧٩ - تحفة ١٢١٠٨
٧٦٢ - قوله: (ويُسْمِعُنا الآية أحيانًا). واختلف مشايخنا في وجوب سَجْدة السهو إذا جَهَرَ في السِّرِّيَّةَ. فقيل: تَجِبُ ولو بكلمةٍ. وقيل: بآيةٍ تامةٍ. وقيل: بأكثر من الآية، وأَخْتَار الثاني، وإن جَازَ حمله على الثالث أيضًا، فإِن الجهرَ بالآية لا يَسْتَلْزِمُ الجهر بتمامها، فإِنك تقول: ضربتُ زيدًا، مع أنك لا تَضْرِبُ إِلا بعضه، فكذلك الفعل إذا وَقَعَ على محلٍ لا يوجب استيعابه لغةً، وحينئذٍ جَازَ أن يعبِّر بجهر الآية فيما إذا جَهَرَ ببعضها، إِلا عند ابن جَنِّي، فإنه يقول: إن قولهم: ضَرَبْتُ زيدًا، مجازٌ فيما إذا ضرب بعضه، وخَالَفَهُ الجمهورُ في ذلك. ثم إن الجهرَ بها كان للتعليم، أعني به تعليمَ ما يَقْرَأُ، لا تعليم الجهر نفسه، وهكذا كان الجهرُ بالتسمية، فلم تكن سنة بل تعليمًا لما يقرأه، واسْتُحْسِنَ الجهرُ بها في السِّرِّيَّة لدفع المارِّ.
٩٨ - باب الْقِرَاءَةِ فِى الْمَغْرِبِ
٧٦٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - أَنَّهُ قَالَ إِنَّ أُمَّ الْفَضْلِ سَمِعَتْهُ
стр. 807
وَهُوَ يَقْرَأُ ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ فَقَالَتْ يَا بُنَىَّ وَاللَّهِ لَقَدْ ذَكَّرْتَنِى بِقِرَاءَتِكَ هَذِهِ السُّورَةَ، إِنَّهَا لآخِرُ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ بِهَا فِى الْمَغْرِبِ. طرفه ٤٤٢٩ - تحفة ١٨٠٥٢ - ١٩٤/ ١
٧٦٤ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ أَبِى مُلَيْكَةَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ قَالَ لِى زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ مَا لَكَ تَقْرَأُ فِى الْمَغْرِبِ بِقِصَارٍ، وَقَدْ سَمِعْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَقْرَأُ بِطُولِ الطُّولَيَيْنِ تحفة ٣٧٣٨
٧٦٣ - قوله: (﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١)﴾ ... إنها لآخِرُ ما سَمِعْتُ من رسول الله ﷺ يَقْرَأُ بِها في المغرب). واعلم أن الاختصار في القراءة مستحبٌّ في المغرب، فحمله الطحَاويُّ على أنه قَرَأَ ببعضها ولم يقرأ بتمامها. ثم لو سُلِّم أنه قرأ بتمامها، فلا بأس أيضًا، فإن التطويلَ أيضًا جائزٌ بشرط عدم التثقيل على القوم، واشتباك النجوم، وقد مرَّ مني: «أن النبيَّ ﷺ خَرَج في مرضه في المغرب أيضًا»، وهو صريحٌ عند النَّسائي. وأوَّله الحافظُ رحمه الله تعالى: أنه خرج من ناحية بيته إلى ناحيةٍ أخرى. ثم إن أبا داود قال: إن تطويلَ القراءة في المغرب منسوخٌ، مع أنك قد عَلِمْتَ أن قِراءته ب: «المرسلات» كان في مرض الموت، فكيف يمكن القولُ بالنسخ إن لم يُحْمَل نسخه على ما قاله الطَّحَاويُّ، وإذا قال الطحاويُّ: إن رفعَ اليدين منسوخٌ، جَلَبُوا عليه من كل جانبٍ، مع أنه يتكلَّم ممن اختار الوُجُوبَ، ونسخُ الوُجُوب لا يُوجِبُ نسخَ الجواز، على أن النسخَ عنده ليس بمعنى رفع المشروعية، بل إذا جاء أمرٌ، ثم ثَبَتَ عنه بخلافه، يُطْلِقُ عليه النسخَ كما عَلِمْت منَّا مرارًا.
واعلم أن في إسناد هذا الحديث: مروان، وفي نفسي منه شيء، فإنه صار سببًا لإثارة فتنة شهادة عثمان وطَلْحَة ﵄، وهو الذي كَتَبَ لمحمد بن أبي بكر: أقتلوه مكان فاقبلوه، كما مرَّ. ومع هذا كان صادق اللهجة غير كذوبٍ، فتُعْتَبَرُ روايته. قال المُقْبَلي - وهو زيدي - إن البخاري لفرط تعصُّبه من الحنفية يأخذ الروايات من الرجال المجهولين، ولا يأخذها من نحو محمد رحمه الله تعالى، وهذا الزيديّ لمّا اشتغل بالحديث فَتَر في زيديته.
٩٩ - باب الْجَهْرِ فِى الْمَغْرِبِ
٧٦٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ فِى الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ. أطرافه ٣٠٥٠، ٤٠٢٣، ٤٨٥٤ - تحفة ٣١٨٩
٧٦٥ - (قوله): (عن محمد بن جُبَيْر بن مُطْعِم عن أبيه ... ) إلخ، وكان جاء لافتكاك أُسَراء بدر، وسَمِعَ هذا الحديث، ثم أَسْلَم بَعْدُ، كما في «معاني الآثار» مفصَّلا (١)، وللمحدِّثين نزاعٌ في أنه هل يُعْتَبَرُ بسماع الكافر أو لا؟
١٠٤ - باب الْقِرَاءَةِ فِى الْفَجْرِ
وَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ قَرَأَ النَّبِىُّ ﷺ بِالطُّورِ.
٧٧١ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ حَدَّثَنَا سَيَّارُ بْنُ سَلَامَةَ قَالَ دَخَلْتُ أَنَا وَأَبِى عَلَى أَبِى بَرْزَةَ الأَسْلَمِىِّ فَسَأَلْنَاهُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَوَاتِ فَقَالَ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يُصَلِّى الظُّهْرَ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ، وَالْعَصْرَ وَيَرْجِعُ الرَّجُلُ إِلَى أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ، وَنَسِيتُ مَا قَالَ فِى الْمَغْرِبِ، وَلَا يُبَالِى بِتَأْخِيرِ الْعِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ وَلَا يُحِبُّ النَّوْمَ قَبْلَهَا، وَلَا الْحَدِيثَ بَعْدَهَا، وَيُصَلِّى الصُّبْحَ فَيَنْصَرِفُ الرَّجُلُ فَيَعْرِفُ جَلِيسَهُ، وَكَانَ يَقْرَأُ فِى الرَّكْعَتَيْنِ أَوْ إِحْدَاهُمَا مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى الْمِائَةِ. أطرافه ٥٤١، ٥٤٧، ٥٦٨، ٥٩٩ - تحفة ١١٦٠٥
٧٧٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِى عَطَاءٌ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - يَقُولُ فِى كُلِّ صَلَاةٍ يُقْرَأُ، فَمَا أَسْمَعَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَسْمَعْنَاكُمْ، وَمَا أَخْفَى عَنَّا أَخْفَيْنَا عَنْكُمْ، وَإِنْ لَمْ تَزِدْ عَلَى أُمِّ الْقُرْآنِ أَجْزَأَتْ، وَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ. تحفة ١٤١٩٠
قوله: (قالت أُمَّ سَلَمَة) إلخ، وهذا في حُجَّة الوداع.
٧٧٢ - قوله: (في كلِّ صلاةٍ يُقْرَأُ) أتردَّدُ في رفعه (١) ووقفه، وأمَّا قوله: (وإن لم تَزِدْ على أُمِّ القرآن)، فمن قول أبي هُرَيْرة ﵁، وهذا يَدُلُّ على استحباب السورة عنده، ثم تبيَّن لي أن أبا هريرة ﵁ إنما قاله في حقِّ المسبوق، لِمَا عند مالك: «من فاتته الفاتحة، فقد فاته خيرٌ كثيرٌ» (٢).
١٠٥ - باب الْجَهْرِ بِقِرَاءَةِ صَلَاةِ الْفَجْرِ
وَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ طُفْتُ وَرَاءَ النَّاسِ وَالنَّبِىُّ ﷺ يُصَلِّى وَيَقْرَأُ بِالطُّورِ.
قوله: (وقالت أَمُّ سَلَمَة ﵂: طُفْتُ وراءَ النَّاس ... ) إلخ، وقد مرَّ أنه كان في حَجَّة الوداع، وكانت أُمُّ سَلَمة ﵂ شاكيةً، فَطَافَتْ من وراء الناس والنبيُّ ﷺ يُصَلِّي صلاة الفجر يَقْرَأ بالطور يَجْهَرُ بها.
٧٧٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِى بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - قَالَ انْطَلَقَ النَّبِىُّ ﷺ فِى طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ، وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمُ الشُّهُبُ،
стр. 810
فَرَجَعَتِ الشَّيَاطِينُ إِلَى قَوْمِهِمْ. فَقَالُوا مَا لَكُمْ فَقَالُوا حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَأُرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُبُ. قَالُوا مَا حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ إِلَاّ شَىْءٌ حَدَثَ، فَاضْرِبُوا مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، فَانْظُرُوا مَا هَذَا الَّذِى حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ فَانْصَرَفَ أُولَئِكَ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ تِهَامَةَ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ وَهْوَ بِنَخْلَةَ، عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ وَهْوَ يُصَلِّى بِأَصْحَابِهِ صَلَاةَ الْفَجْرِ، فَلَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآنَ اسْتَمَعُوا لَهُ فَقَالُوا هَذَا وَاللَّهِ الَّذِى حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ. فَهُنَالِكَ حِينَ رَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ وَقَالُوا يَا قَوْمَنَا ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢)﴾ [الجن: ١ - ٢] فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ [الجن: ١] وَإِنَّمَا أُوحِىَ إِلَيْهِ قَوْلُ الْجِنِّ. طرفه ٤٩٢١ - تحفة ٥٤٥٢ - ١٩٦/ ١
٧٧٣ - قوله: (عَامِدين إلى سُوق عُكَاظٍ)، واتفقوا على أنه قبل الإسراء حين كان النبيُّ ﷺ يَذْهَبُ إليهم لتبليغ الإِسلامِ.
قوله: (وأُرْسِلَتْ عليهم الشُّهُب)، واستشكل الحديث، فإنه يَدُلُّ على أن الحَيْلُولة وإرسال الشهب بَدَأَ من زمن نبوته ﷺ مع أن إرسال الشُّهُبِ من بَدْءِ الزمان، والجواب كما في الهامش عن الكِرْمَاني إنها وإن كانت من قبل أيضًا، إلا أَنه غَلُظَ أمرها في زمنه ﷺ وههنا إشكالٌ آخر: وهو أنه يُعْلَمُ من سِيَاق القصة أن إرسال الشُّهُب وضربهم في مشارق الأرض، كانا في زمانٍ واحدٍ، مع أن ضَرْبهم في الأرض حالُهم في أوائل نبوته، وإرسال الشُّهُب فيما بعدها بكثير (١).
بقي أن هذه الشُّهُب هي النجوم بعينها، أو شيءٌ آخر؟ فالتحقيق أنها هي النجوم بعينها، لا كما في هيئة بطليموس، فإنه ثَبَتَ اليوم الخرق والالتئام في الأجسام الأثيرية، وشُوهِدَت في الشمس مشاعيل وغُبْشَات، ثم الشياطين: أُطْلِقَ عامةً على الجن. وفي كُتُب السير: إن هؤلاء الجن كانوا من نَصِيبِين، وهو قريبٌ من الموصل، وبقربه بابل. قيل: إن قصة هاروت وماروت كانت في زمن إدريس ﵇، وهناك بُعِثَ نوح، وبعده إبراهيم عليهما الصلاة والسلام، ولعلَّ جِنَّ نَصِيبينِ جاؤا لهذه السلسلة.
قوله: (توجَّهُوا ... ) إلخ، ولعلَّهم لمَّا رأوا الشُّهُب تَطَلَّبوا أمرها، فإذا لم يتحقَّق عندهم أمرٌ قَعَدُوا قانطين؛ ثم اتفق أنهم رَأْوْه يُصَلِّي فيما بعده بكثير.
قوله: (بنخلة) موضع عند الطائف، وهي غير بطن النَّخْلة.