← Книги сунны

Книги сунны · id 98126

موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان - ت حسين أسد

نور الدين الهيثمي

Полный текст (3 568 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان للحافظ نور الدين على بن أبى بكر الهيثمي (٧٣٥ - ٨٠٧هـ) الجزء الأول حققه وخرج نصوصه حسين سليم أسد الدّاراني دار الثقافة العربية دمشق- ص. ب:٤٩٧١ - بيروت-ص. ب: ٦٤٣٣/ ١١٣

стр. 2

موارد الظمآن

стр. 3

جمِيع الحقوق محفوظَة الطبعة الأولى ١٤١١ هـ - ١٩٩٠ م دار الثقافة العربية دمشق- ص. ب:٤٩٧١ - بيروت- ص. ب: ٦٤٣٣/ ١١٣ المُدِيُر المسؤول أحمد يوسف الدقاق

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تميهد من الواجب عليّ وأنا أقدم لهذا الكتاب أن أوضح للدارسين أموراً ثلاثة، حتى لا يطول التساؤل، وحتى لا تختلف الآراء في التأويل والتخمين. الأمر الأول: بيان السبب الذي جعلني أقدم لِـ "موارد الظمآن" بالمقدمة نفسها التي كتبتها في تقديمي "صحيح ابن حبان". الثاني: هو أن أجيب على سؤال من يطالبني بطبع صحيح ابن حبان بتحقيقي، وهو ما أُحيل عليه في تخريجاتي "مسند أبي يعلى الموصلي" الذي نشرته دار المأمون للتراث. الممثلة بالأستاذين أحمد يوسف الدقاق، وعبد العزيز رباح. الثالث: توضيح السبب الذي دفعني إلى تحقيق هذا الكتاب الذي ما هو إلا جزء من صحيح ابن حبان الذي أطالب بإخراجه. ولتوضيِح هذا- محاولاً الإيجاز ما استطعت، مختصراً مراحل زمنية طويلة، سائلاً الله تعالى السداد والرشاد- أقول: لقد سلمت مؤسسة الرسالة خمسة مجلدات محققة من "صحيح ابن حبان" مع مقدمة لهذا العمل، وذلك وفاءً بالعقد الموقع بيني وبين ممثل المؤسسة الأستاذ رضوان الدعبول، بتاريخ ٦/ ١٢/١٣٩٩هـ الموافق ٧/ ١٠/١٩٧٩ والذي يقضي بأن أقوم بتحقيق هذا السفر العظيم "صحيح ابن حبان"، وبأن تقوم المؤسسة بتعيين مراجع للعمل قبل إرساله إلى الطبع، على أن يثبت اسمي عليه محققاً، كما يثبت اسم المراجع عليه أيضاً مراجعاً.

стр. 5

وبالفعل فقد عينت المؤسسة مراجعاً يحظى بحبي واحترامي وهو الأستاذ الشيخ شعيب الأرناؤوط. وصدر المجلد الأول من هذا الصحيح وقد كتب على غلافه الخارجي: حققه وخرج أحاديثه وعلق عليه شعيب الأرناؤوط وحسين أسد وقلت في نفسي: عسى أن يكون للمؤسسة وجهة نظر تجارية في هذا، والشيخ شعيب- كما قدمت- أخ نحبه ونحترمه، غير أنني استنكرت واستكبرت ما أحدث في المقدمة التي قدمت: فقد حذف منها وأضاف، وأدخل الحواشي في الأصل، وقدم وأخر ... وليت الأمر انتهى عند هذا وإنما أدخل فيها: "وكان الرأي الأخير في البت في درجة كل حديث للأستاذ الشيخ شعيب الأرناؤوط". ورجعت إلى صاحبنا الشيخ شعيب، وطلبت إليه توضيح ذلك فتجاوز الإِجابة عن تساؤلي، وقال بلهجة ما عهدتها منه من قبل: "لقد أعطيت نعيم العرقوسي المجلدين الأخيرين ليكون شريكاً لك في هذا العمل" وهنا كان لا بد لي من إطلاعه على العقد الموقع بيني وبين الأستاذ رضوان، فازداد نفوراً، وقدمت احتجاجي إلى المؤسسة المذكورة، وطالبتها بالالتزام بالعقد، وطال الأخذ والرد، ولكنها- لظروف خاصة بها- آثرت مصلحتها وإرضاء الشيخ شعيب على إمضاء العقد والوفاء بالوعد، وطلب إلي أن أقيلها من العقد لأنها تريد لرئيس مكتب التحقيق فيها الشيخ شعيب أن يحقق الصحيح المذكور بأسلوب مغاير للأسلوب الذي اتبعته في عملي. وهنا تركت الفصل الحق في أمري إلى الله في يوم لا ينفع فيه مال، ولا شهرة، ولا جاه، وأجبتها إلى طلبها. ولم يمض طويل زمن حتى رأيت الجزء الثاني من صحيح ابن

стр. 6

حبان في الأسواق، وإذا على غلافه الخارجي: الإِحسان في تقريب صحيح ابن حبان. المجلد الثاني حققه وشرحه وعلق عليه شعيب الأرناؤوط واستنكرت ذلك أيضاً، وأعلمت المحكمين بذلك فاجتمعا وقابلا بين تحقيقاتي، وبين ما نشر في الجزء الثاني من تحقيقات، ووقَّعا على وثيقة جاء فيها: "وقد تبين لنا أن التحقيقات التي سلمها حسين أسد قد استخدمت من قبل الشيخ شعيب الأرناؤوط الذي نسب العمل إلى نفسه بعد أن أضاف في بعض الأماكن ما لا يزيد عن عشرة بالمئة ١٠/ من تحقيقات حسين أسد". وهنا قال الأستاذ بسام الجابي ممثل المؤسسة: "إن هناك خطأ وقع وعلي أو أوضحه إنصافاً للشركة، فقد تم ذلك بناء على معلومات قديمة كان قد اتفق عليها بين الأستاذ حسين أسد، وبسام الجابي، ولكن هذا الاتفاق نسخ بالاتفاق اللاحق الموقع من قبل الطرفين والملزم لهما بالتقيد بما فيه. وقد تعهد الأستاذ بسام الجابي ألا يتكرر هذا العمل بالنسبة لهذا الجزء والأجزاء الأخرى، وبناءً عليه نفتح صفحة جديدة، وعلى أساسها نحاسب مسقطين أعتراضنا على هذه الطبعة والله على ما نقول وكيل". ثم وقع الحكمان وذلك بتاريخ٢١/ ٦/١٤٠٧هـ الموافق ٢١/ ١/١٩٨٧. وهنا أكد الأستاذ بسام الجابي أن المؤسسة سوف تقوم بإعادة العمل من جديد وبأسلوب مميز ومختلف عن الأسلوب الذي صدر فيه الجزءان.

стр. 7

وخلال هذه الفترة الطويلة كنت منصرفاً إلى تحقيق "مسند أبي يعلى الموصلي" الذي نشرته دار المأمون للتراث، وكنت أحيل على تخريجاتي لصحيح ابن حبان ظناً مني بان العمل سوف يصدر كما قدمته بترقيمي وتخريجي، وما كنت أتصور أن للمراجع حقوقاً كتلك التي جعلها الأخ الشيخ شعيب لنفسه. وفي عام ١٤٠٧هـ الموافق ١٩٨٧ م نشرت دار الكتب العلمية "الإِحسان بترتيب صحيح ابن حبان" كاملاً مع الفهارس، ولكنه غير محقق التحقيق العلمي اللائق بمثل هذا السفر الجليل الذي حاول صاحبه أن يستوعب فيه كل ما صح عن رسول الله ﷺ -فرأيت-وقد اقترح علي بعض الأفاضل- أن تحقيق "موارد الظمآن إلىِ زوائد ابن حبان" أصبح واجباً عليَّ لأن تحقيق هذا الكتاب يُعد تحقيقاً للإِحسان بكامله إذ الأحاديث الواردة في الإحسان قسمان: الأول منها: ورد في الصحيحين، أو في أحدهما، وورود هذه الأحاديث فيهما، أو في أحدهما يزيدنا ثقة بصحتها، واطمئناناً لوجوب الالتزام بما جاء فيها. الثاني منها: هو ما زاد على ما جاء في الصحيحين، وهو ما جمعه الحافظ الهيثمي في "موارد الظمآن" بعد أن رتبه على أبواب الفقه. وهذا القسم من الأحاديث هو الذي يحتاج إلى البحث الدقيق، والتحقيق الجاد، والتأني في الحكم على الأسانيد لبيان حالها. ولذلك فإنني قد عزمت- معتمداً على الله تعالى- على تحقيق هذا الكتاب، مقدماً له بهذه الدراسة القديمة- الحديثة، التي سميتها "مقدمة التحقيق" بنصها الذي قدمته إلى مؤسسة الرسالة في التاريخ المدون في نهايتها، والله ولي التوفيق.

стр. 8

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة التحقيق إنَّ الْحَمْدَ لله، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بهِ مِنْ شُرُورِ أنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيئاتِ أعْمَالِنَا. مَنْ يَهْدِهِ الله فَلَا مُضِل لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ، فَلَا هَادِيَ لَهُ. وَأشْهَدُ انْ لَا إِلهَ إلَاّ اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. (يا أَيهَا الّذِينَ آمَنُوا اتقُوا اللهَ حَق تُقَاتِهِ، وَلَا تَمُوتُن إلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران: ١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا اتَقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً، يُصْلحْ لَكُم أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ. وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاَ عَظِيماً) [الاحزاب:٧٠]. أما بعد: "فإنَّ اللهَ -سبحانه- اخْتار محمداً ﷺ -من عباده، واستخلصَهُ لنفسه من بلاده، فبعثه إلى خلقه بالحقّ بَشيراً، ومنَ النّار لمَنْ زَاغَ عن سبيله نذيراً، لِيَدْعُوَ الخلقَ من عبادِهِ إلى عبادَتِهِ، وَمِن اتَباعِ السّبُل إلى

стр. 9

لُزوم طاعتِهِ. ثم لم يجعَلِ الفَزَعَ عندَ وُقوع حادثةٍ، ولا الهربَ عند وجود نازلةٍ إلاّ إلى الَّذي أُنْزِلَ عليه التَّنزيلُ. وتفَضَّلَ عَلى عبادهِ بِوِلَايَتِهِ التأويل، فَسُنَّتُهُ الفاصلةُ بينَ المتنازعين، وآثارُه القاطعَة بينَ الخصمين" (١). ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]. وقد آمن به مَنْ خاطبهم بقوله ﷺ "أنتم خير أهل الأرض" (٢)، وهم الذين لازَمُوهُ، واتَّبعُوا النورَ الذي أُنزلَ معهُ، وَعَلِمُوا أنَّ الأخذَ بسنّته "اتباعٌ لكتاب اللهِ، واستكمالٌ بطاعة الله، وقوة على دين الله، ليس لأحد تَغييرُها وَلَا تَبْديلُهَا، ولا النظرُ في شيءٍ خَالَفَهَا، مَنِ اهْتَدى بها فهو مُهْتَدٍ، وَمَنِ اسْتنصرَ بها فهو منصورٌ، وَمَنْ تركها اتَّبَعَ غيرَ سبيلِ المؤمنينَ، وَوَلَأه الله ما تولى، وَأصْلاهُ جَهنَّمَ وَسَاءت مَصيراً" (٣). وَلَا يخفى عَلى كل ذي بَصيرة أنَّ الحديثَ النبويَّ هو قولُ الرسول ﷺ وفعلُهُ، وَإقْرَارُهُ. وَفي كلَ ذلكَ هو مُبَيّنٌ وَمُوَضَحٌ لِمَا جاءَ في القرآنِ الكريمِ، من النصُوصِ العَامَّةِ، والْمُطْلَقَةِ، والْمُجْمَلَةِ. وَهُوَ ممَّا أَمَرَهُ اللهُ بِهِ في قَوْلهِ: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) [النحل: ٤٤]. فالرسول ﷺ قد أُمِرَ- بمقتضى هذا النص- أنْ يُبَيِّنَ مَعانيَ القرآن، وما يُؤْخَذُ عَنْهُ مِنْ أحكام في العقائد، والعبادات، والمُعاملات، والأخلاق.

стр. 10

فكان ﷺ بسُنَتِهِ الْقَوْليةِ وَالْفِعْلِيةِ، هُوَ الْمُعَبِّرَ عَنْ كِتَاب اللهِ، الدَّالَّ عَلى مَعانيه، الْهَادِيَ إلى طرق تطبيقه. فالقرآن والحديث شيئان متلازمان، لا ينفك أحدهما عن الآخر، وهما المصدران الأساسيان لدين الإِسلام. ولما كان الحديث النبوي مبيناً للقرآن وشارحاً له- وهو صادر عن المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، والمسدد بتَأْيِيدِ اللهِ لَهُ- فقد افترضَ الله عَلى العباد طاعَتَهُ،- وَقَرَنَ ذَلِكَ بِطَاعَتِهِ- وَاتِّبَاعَ سُنَّتِهِ، والرجُوعَ إِلَيْها فيما اختلفوا فيه من شيء، والرِّضَى بِها، والتَّسْليمَ لَهَا، وَطَرْحَ مَا سِوَاهَا، وَعَدَمَ الْاعْتِدَادِ بقولِ أحدٍ - كائناً من كانَ- إذَا كانَ يُخَالفها، أو يتأوَّلُهَا عَلى غَيْر وجهها، وَقَدْ جَاءَ ذلِكَ صَراحةً في عِدَّةِ آياتٍ مِنْ كتابِ الله: قال تعالى: (فَلا وَرَبِّكَ َلايُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُ ثُمَّ َلا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) [النساء: ٦٥]. وقال: (وَأَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون) [آل عمران: ١٣٢]. وقال: (وَمَنْ يُطِعِ اللهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفيقاً) [النساء: ٦٩]. وقال: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ، وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهمْ حَفِيظاً) [النساء: ٨٠]. وقال: (وَأَطِيعُوا اللهَ، وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا) [المائدة: ٩٢]. وقال: (وَمَا كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَل ضَلَالاً مُبِيناً) [الأحزاب: ٣٦].

стр. 11

وَقَالَ: (وَمَا آتَكمُ الرَسُولُ فَخُذُوهُ، وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) [الحشر: ٧]. ومن هنا اشتدت عنايةُ صَحابة الرسول ﷺ بما صدَرَ عَنْه من أقوال وأفعال فحفظوها في صدورهم، وقَيَّد بَعْضَهَا عَدَدٌ غَيْرُ قَليل منهم في الصحف وبلغوها لمن جاء بعدهم من التَّابعين، بِدِقَة بالغةٍ، وَعِنَاية لا نظيرَ لَهَا. ثمَّ جاءَ عصرُ التابعين، فَحَذَوْا حَذْوَ الصَّحابةِ في حِفْظِ الحديثِ وَكِتَابَتِهِ، فكان العالم منهم يتردَّدُ على صَحابة رسول الله ﷺ الذين كانوا في بلده، فيحفظ مَرْوَيَّاتِهِمْ، وَيَعْقِلُ فَتَاوِيَهُمْ، ويعي تأويلهم لِلآيِ الْكَريمِ. وَاسْتَقَرَّ الأمْرُ عَلَى ذلِكَ إلَى رَأسِ الْمِئةِ الأولى مِنَ الْهِجْرةِ في وِلايةِ الخليفةِ الرَّاشِدِ عمر بن عبد العزيز، فرأى جَمْعَ الحديثِ والسنن، وتَدْوينَهَا تَدْويناً عاماً خشيةَ أن يضيعَ منها شيءٌ بِمَوْتِ حافظيها، فقد روى مالك في "الموطأ" برواية محمد بن الحسن أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أبي بكر بن محمد بن عَمْرو بن حزم- وكان إذ ذاك على إمرة المدينة المنورة موئل العلماء والحفّاظ-: أن انْظُرْ ما كانَ من حديث رسول الله ﷺ أو سُنَّتِهِ، أو حديث عمر، أو نحو هذا، فاكتبه، فإِنِّي خِفْتُ دُرُوسَ العلم، وذهابَ العُلماءِ، وَأوْصَاهُ ان يكتب ما عند عَمْرَةَ بنتِ عبد الرحمن الأنصارية، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وهما على رأس مَن جمع حديث أُم المؤمنين عائشة، وما عندها من العلم. "وَكتَبَ أيْضاً إلى العالم الجليل، المحدّث الحافظ محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري ت (١٢٤) هـ، أنْ يُدَوِّن الحديث والْعِلْمَ، فكان كما قال أبو الزناد: "يَطُوفُ عَلَى الْعُلَمَاءِ، وَمَعَهُ الألْوَاحُ

стр. 12

وَالصحُفُ، يَكْتُبُ كُلَّ مَا يَسْمَعُ" (١). ثُمَّ شاعَ التدوين في الطبقةِ الَّتي تَلِي طبقة الزهري، وَأبي بكر بن حزم، فصنّف عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج بمكة، ت (١٥٠) هـ، وأبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، ت (١٥٦ هـ) بالشَّامِ، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثوري، ت (١٦١ هـ) بالكوفة، وحماد بن سلمة بن دينار، ت (١٧٦ هـ) بالبصرة، وَمَعْمَرُ بْنُ رَاشِد، ت (١٥١ هـ) باليمن، كتابه الجامع (٢)، ومحمد بن إسحاق، ت (١٥١ هـ) صاحب السيرة والمغازي، وعبد الله بن المبارك، ت (١٨١ هـ) بِخُرَاسَان، وهُشَيم بن بشير، ت (١٨٨ هـ) بواسط، وجرير بن عبد الحميد، ت (١٨٨ هـ) بالرَّي، والليث بن سعد ت (١٧٥ هـ) بمصر. ثم تَلاهم كثير من أهل عصرهم في النَّسْج عَلى مِنْوَالِهم، إلى أنْ رَأى بَعْضُ الأَئِمَّةِ منهم أنْ يُفْرِدَ حديثَ النبي ﷺ خاصةً، وَذلِك على رأس المئتين، فصنف عبيد الله بن موسى العبسي، ت (٢١٣ هـ) مُسْنَداً، وصنّف مُسَدَّدُ بْنُ مُسَرْهَدٍ الْبَصْري، ت (٢٢٨ هـ) مُسْنداً، وصنف أسَدُ بن مُوسى الأموي ت (٢١٢ هـ) مُسْنداً، وَصَنَّف نُعَيم بن حمَّاد الخزاعي، ت (٢٢٨ هـ) مُسْنداً- وكانَ نَزِيلَ مِصْرَ. ثُمَّ اقْتَفَى الأئِمَّةُ- بعد ذَلِكَ- أثَرَهُمْ. فَقَلَّما نَجِدُ إِماماً من الحفَّاظ إلا وصنّف حديثه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، ت (٢٤١ هـ).

стр. 13

وإسحاق بن راهويه، ت (٢٣٨ هـ)، وعثمان بن أبي شيبة، ت (٢٣٩ هـ)، وغيرهم من النُّبَلَاءِ. وَمِنْهم مَنْ صَنَّف على الأبواب، وَعَلَى المسانيدِ مَعاً، كأبي بكر بن عبد الله بن أبي شيبة، ت (٢٣٥ هـ). فلما رأى البخاري -رحمه الله تعالى- هذه التَّصانيفَ ورواها، وَانْتَشَقَ رَيَّاهَا، وَاسْتَجْلَى مُحَيَّاهَا، وَجَدَها- بحسب الوضع- جَامِعَةً بين مَا يدخل تَحْتَ التصْحيح والتَّحْسين، والكثير منها يشمله التضعيف فلا يقال لغثه سمين، تحرَّكَتْ هِمَّتُهُ لِجَمْعِ الحديثِ الصَّحيح الذي لا يرتاب فيه أمين. وَقوَّى عَزْمَهُ عَلى ذلكَ ما سَمِعَهُ مِنْ أُسْتاذه- أَمِير المؤمنين في الحديث والفقه- إِسْحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه- وقد كان البخاريُ عِنْدَه-: لو جمعتم كتاباً مُختصراً لصحيح سُنَةِ رَسول الله ﷺ ؟. قالَ: فَوَقَعَ ذلِكَ في قَلْبِي، فَأخَذْتُ في جَمْعِ "الْجَامِعِ الصًحِيح" (١). ثم تلاه تلميذُهُ وَصَاحبُهُ: أبو الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري، فصنف ثاني كتابين مَلآَ الدنيا وَشَغَلا النَّاسَ، فَكَانا الْبِدَايَةَ- وَنِعْمَتِ الْبِدَايَةُ- وكانا النواةَ والمنهج للباحثين في هذا المضمار الشريف. وَلكِنَّهُمَا -رحمهما الله- لَمْ يَسْتَوْعبا الصحيحَ بما جَمَعَاه، وَلا الْتَزَمَا ذلِكَ، وَقَدْ رَوَيْنَا عَن الْبُخَاريَّ أنهُ قَالَ: "مَا أَدْخَلْتُ فِي كِتَابيَ "الْجَامِعَ " إلا مما صحً، وَتَرَكْتُ مِنَ الضَحَاحِ لِمَلالِ الطَولِ". وَرَوَئنَا عَن مُسْلمٍ أنه قال. "لَيْسَ كُلُّ شَيْءٍ عِنْدِي صَحِيحٌ وَضْعَتْهُ هُنَا يعني في صحيحه- وَإِئمَا وَضعْتُ هُنا مَا أَجْمَعُوا عَلَى صِحَتِهِ" (٢).

стр. 14

ورَوى الحازمي والإسْماعيلي عن البخاري قوله: "وَمَا تَرَكْتُ مِنَ الصِّحَاحِ أَكْثَرُ" (١). وَهذِهِ النّقولُ اعْتِرافٌ صَريحٌ مِنْهُمَا بِأَنَّهُمَا لَمْ يَذْكُرَا فِي كِتَابَيْهِمَا كُلَّ الصّحِيحِ. فَالْمَجَالُ إذاً وَاسِعٌ، والميدانُ فَسيحٌ أَمامَ مَنْ تَتَحقَّقُ فيه العزيمَةُ، وَصِدْقُ القَصْدِ، وَسَعَةُ الاطِّلاعِ، ودِقَةُ النَّقْدِ لِيُتِمَّ مَا بَدَأَ بِهِ هذانِ الإِمامان العظيمان. وَقَدْ نَهَضَ لِهَذِهِ الْمَهَمَّةِ، الحافظُ الكبيرُ، شيخ الإِسلام، إمام الأئمة، محمد بن إسحاق بن خزيمة (٢٢٣ - ٣١١ هـ) مُحَاوِلاً استيعابَ الصَحيح في مصنف، قد ضاع مع ما ضاع من ميراثنا العظيم، ولم يبق منه إلا ربعه (٢) ثُمَ تَلَقَّفَ الرَّايَةَ من بعده تلميذه النجيبُ، الإِمامُ الحافطُ، أبو حاتم محمد بن حبان البستي، الذي نحن بصدد التعريف به وبكتابه الضخم المسمى بـ "الْمُسْندُ الصَّحِيحُ عَلَى التَّقاسِيمِ وَالأَنْوَاعِ، مِنْ غَيْرِ وُجُودِ قطعٍ فِي سَنَدِهَا وَلَا ثُبُوتِ جَرْحٍ. فِي نَاقِلِيهَا" (٣)، والمشهور بين أهل العلم ب "صحيح ابن حبان".

стр. 15

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 16

ابن حبان (١) التعريف به وببيئته: هوَ الإمام العَلَاّمَةُ، الحَافظ المجوِّدُ، المحقِّقُ الفَاضِلُ، شَيْخ خراسانَ، محمد بن حبان، بن أحمد بن حبان بن معاذ بن معبد، بن سَعيد بن سَهِيد، ويقال: ابن معبد بن هدية بن مُرَّةَ، بن سعد بن يزيد بن زيد، بن عبد الله بن دَارم ابن مالك، بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم بن مُرة بن أُدّ، بن طابخة بن إلياس، بن مُضر بن معد بن عدنان، أبو حاتم التميمي البستي، القاضي، أحد الأئمة الرحّالين والمصنفين.

стр. 17

وُلِدَ بِبُست (١)؟ تلك البلدة التي ازدهت بجمالها، وكانت دُرَّةً في عِقْد الاسلام إذا مَا عُرِّجَ عَلَى ذكْر عُلمَائِهَا وَرِجَالِهَا: إِذَا قِيلَ: أَيُّ الأرْضِ فِي النَّاسِ زِينَةٌ ... أَجَبْنَا وَقُلْنَا: أَبْهَجُ الأرْضِ بُسْتُها فَلَوْ أَنَّنِي أَدْرَكْتُ يَوْماً عَمِيدَهَا ... لَزِمْتُ يَدَ الْبُسْتِيِّ دَهْراً وَبُسْتُهَا (٢) في هذه البقعة من العالم الإِسْلامي، التي حمل إليها الفاتحون- مَعَ العَدالة والدِّيَانَةِ، والرَّحمَةِ " وَالعِمْرَانِ- الحضارةَ والعلمَ والبيانَ وصُنُوفَ المعرفَةِ. فِي هذِهِ البقعة الطِّيبَةِ وُلِدَ هذا الإِمامُ العظيمُ، فَكَانَ عَدْنَانِيَّ النَّسَبِ، أَفَغَانِيَّ الْمَوْلِدِ وَالنَّشْاةِ. وَتدُور عَجَلَةُ الزَّمَنِ، وَيمْضي أَكْثَرُ مِنْ رُبْع قَرْنٍ عَلَى مولد هذَا الإِمام الكبيرِ، دُونَ أَنْ تُحَدِّثَنَا كُتُبُ التَّرَاجِمِ شَيْئاً عَنْ نَشاتِهِ الَأولَى، وَالأحْداثِ الَّتي تعرَّضَ لَهَا، وَطَلبِهِ للعلم، وَاشْتِرَاكِهِ فِي أحْدَاثِ عَصْرِهِ.

стр. 18

لقد ضَنَّتْ عَلَيْنَا كُتُبُ التَّرَاجِم بكُلِّ ذلِكَ، فَأصْبَحَ ضَائعاً فِي مَتَاهَةِ تاريخ بَعيدٍ لَمْ يُدْرَسْ، وَلَمْ تُسَلِّط، وَلَو شعاعاً وَاحِداً عَلَى جَانبٍ مِنْ جَوانِب هذِهِ الْحَيَاةِ الْكَريمَةِ!! .. أسباب خروجه من بلده: بَعْد مُضي هذهِ الفترةِ الغامِضَةِ، نَجدُ ابنَ حبان شَريداً طَريداً، أُكْره عَلى مُفارقة الأهلِ الذين أَحَبَّ، وَالموْطِنِ الَّذي هَام بِهِ وترعرع فِيه. ونسأل عن سبب ذلكَ، فتحدد لنا كتب التراجم سببين لهذا الإخراج المقيت: يَقولُ الذَّهبي في "ميزان الاعَتدال" ٣/ ٥٠٧: "قال أبو إسماعيل الأنصاري، شيخ الإسلام: سألت يحيى بن عمار عن أبي حاتم بن حبان: رَأيْتَهُ؟. فَقَالَ رَأيتُهُ، وَنَحْن أخْرَجناهُ مِنْ سَجستان، كان لهُ علمٌ كَثيِرٌ، ولم يكنْ لهُ كبيرُ دينٍ، قدمَ علينا، فَأنكرَ الحدَّ لله، فَأخرجْنَاهُ" (١). وقال أبو إسماعيل الأنصاري: "سَمِعْتُ عَبْدَ الصمدِ بْنَ مُحمد بن

стр. 19

محمد يقول: سَمِعْتُ أبي يقول: أنكروا عَلَى ابن حبانَ قَوْلَهُ، النُبُوَّةُ: الْعِلْمُ وَالْعَمَلُ، وَحَكَمُوا عَلَيْهِ بالزَّنْدَقَةِ،- وهَجَرُوهُ، وَكَتَبُوا فِيهِ إِلَى الْخَلِيفَةِ، فَأمَرَ بِقَتْلِهِ. وَسَمِعْتُ غَيْرَهُ يَقُولُ: لِذلِكَ أُخْرِجَ مِنْ سَمَرْقَنْد" (١).

стр. 20

وإمعانُ النَّظَرِ في هذين الخبرَيْن يُوَضِّحُ أُموراً ينبغي التوقف عندها: أولاً: إنهما يَرْسُمان صورَةً لِبَعْضِ أدْعِيَاءِ العِلْم، الذينَ نَما الحسَدُ في نفوسهم، وَترعرع الحِقْدُ في قلوبهم، فتوهموا أن بيَدِهِمْ أمْرَ تَوْجِيهِ الفكر بَيْنَ النَّاسِ، وَمُصَادَرَةَ كُلِّ مَا لا يُناسِبُ مُيُولَهُمْ وأهْوَاءهَم، سِلاحُهُمْ في ذلِكَ إثارَةُ العَوَامِّ مِنَ النَّاسِ، والوشايةُ بهم إلَى الخليفة، يسند ذلِك افتراءٌ مَرْذولٌ، ويدعمُهُ بَاطل مَخْذولٌ. ثانياً: إنهما يحدِّدَان جِهَةَ الرِّحْلَةِ الَّتي قامَ بِهَا ابن حِبَّان، فقد تَوَجَّهَ إلى مَشْرِق الخِلَافَة- الإِسلامية إشفاقاً عَلَى نَفْسِه من هياج الغَوْغَاءِ مِنَ العوامِّ، الذين يقول فيهم أبو يوسف كبير القضاة في زمن الخليفة هارون الرشيد: "لَوْ انَّ العَوَامَّ كُلَّهُمْ عَبِيدي لأَعْتَقْتُهُمْ". وَتَبَرَّأْتُ مِنْ وَلَائِهِمْ"، وَمِنَ المُتَطَفِّلينَ عَلَى مَوَائِدِ الْعِلْمِ، الْحاقِدينَ، ائَذينَ أَرادُوا بِهِ شَرّاً. وَلَعَلَّة اختارَ ذلِكَ المكانَ في أطرافِ الخِلَافَةِ حيث تضعُفُ قبضةُ السُّلطانِ، فَلَا يَنَالُهُ عقابُة، وَلا تَطالُهُ سياطُ عَذَابهِ، حتى إذَا مَا هَدَأ الْحَالُ، وتُنُوسِىَ مَا كَانَ، وَشَعَرَ بِالطُّمَأْنِينَةِ وَالأمْنِ، عَادَ إِلى قلب الخِلافَةِ". وَجَابَ نَواحِيَهَا المختلِفَةَ، لِيُتِمَّ مَا بَدَأ بهِ، وَلِيُشْبِعَ نَهَمَهُ في طلَب الحديثِ، ولقِي الشُّيوخِ،- والأخذ عنهم، والإِفَادة منهم، ليتسنَّى لهُ أن يَتبوا مركزَ الصَّدَارَةِ بَيْنَ أهل العلم في بَلَدِهِ، وَيكُونَ الإمَامَ المَرْجُوعَ إِلَيْهِ في هذَا الْعِلْم الشَريفِ. ثالثاً: يُوَضِّحُ لَنا النَّص أنَّ سمرقند كانت مِنْ أوَائِل الْبلْدان الَّتي حَطَّ فيها عَصَا تَرْحَاله، وَفي هذا البلدِ الطيبِ اتَّصَلَ بشَيْخِهِ أبي حَفْص عمر بن

стр. 21

محمد الهمداني السمرقندي، المتوفى سنة (٣١١) للهجرة (١). وَإِذَا ضممنا إلى هذا ما أجمع عليه مُتَرْجِمُوا ابن حبان، من أنه توفي سنة (٣٥٤ هـ) وهو في عشر الثمانين يتبين لنا: أ- أنَّ مولده كان في عشر الثمانين من القرن الثالث، وَهذا ما ذَهَبَ إليه بعض مَن ترجم له. ب- أن ابن حبان بَدَأ رحْلَتَهُ وَعُمُرُهُ لا يقل عن الخامسة والعشرين، كما أنه لا يزيد عَلى الخامسَةِ وَالثلاثين ج- يَتَحدَّدُ لَنَا مَعْنَى مَا قالَهُ الذهبي في "ميزانه "٣/ ٥٠٦ - وتابعه عليه ابن حجر-: "وَطَلَبَ الْعِلْمَ عَلَى رَأْسِ الثَلَاثِ مِئَةٍ"، فَإِنَهُ يَعْنِي: بَدْأ الرَّحْلَةِ في طَلَب الْعِلْمِ، وَإِلَاّ فَإِنَ ابْنَ حبان عندمَا خَرَجَ مِنْ بلده، كان قد اسْتوعبَ الكثيرَ مِنْ مَعَارِفِ العَصْرِ، وَلا يُمْكنُ أنْ يَغيبَ هذَا عَلَى مِثْلِ الحافِظِ الذَّهَبِي، وَالحافِظِ ابْنِ حَجَرٍ. وقَدْ دامَتْ هذه الرحلةُ المباركَةُ التي زَرَعَ فيها العالَمَ الإسْلامِيَّ مِنْ أقْصاهُ إِلَى أقْصَاه نيفاً وثلاثين عاماً، فقد قال الحاكم- وهو تلميذه-: "كَانَ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ أَوْعِيَةِ الْعِلْمِ في الْفِقْهِ، وَاللُّغَةِ، وَالْحَدِيثِ، وَالْوَعْظِ، وَمِنْ عُقَلَاءِ الرِّجَالَ. قَدِمَ نَيْسَابُورَ سَنَةَ أرْبَعٍ وَثَلاثِينَ وَثلاثِ مِئَةٍ، فَسَارَ إِلَى قَضَاءِ نَسَا، ثُمَ انْصَرَفَ إِلَيْنَا فِي سَنَةِ سِبْعٍ، فَأقَامِ عِنْدَنَا فِي نَيْسَابُورَ، وَبَنَى الْخَانقاه، وَقُرِىءَ عَلَيْهِ جُمْلَةٌ مِنْ مُصَنَّفَاتِهِ، ثُمَّ خرَجَ مِنْ نَيْسَابُورَ إِلَى وَطَنِهِ سَجِستان عَامَ أربعينَ، وكانت الرَّحْلَةُ إِلَيْهِ لِسَمَاعِ حَدِيثِهِ" (٢).

стр. 22

وقد تابعَ الحاكمَ على هذا معظمُ المترجمينَ لابن حِبَّانَ. شيوخه في هذه الرحلة ونتائجها انطلق هذا الإِمام العظيم- وَقَلْبُهُ يَكْتَوي بنار الشوق للأهل، والحنين إلى الوطن- يجوب الأرْضَ، ويصَارعُ أعباءَ الحياةِ وَأوْهَاقَهَا، يُذَلِّلُ الصِّعَابَ متناسياً المتاعبَ. ويتجاوز العقباتِ عَلَّهُ يَجِدُ مَا يُعَزِّيهِ، مُنْصرفاً إلى الجَمْع والتَّحْصِيل، فَكَان يَنْتَزِعُ الْعِلْم مِنْ صُدورِ الرِّجَالِ، وُيدَوِّنُ كلَّ مَا يَسْمَعُ، وَيُسَجِّلُ كُلَّ مَا يُشَاهِدُ، دُونَ أنْ يَصرِفَهُ عَنْ غَايَتِهِ صَارِفٌ. يَقُولُ فِي مُقَدِّمَةِ صحِيحهِ: "لَقَدْ كَتَبْنَا عَنْ أكْثَرَ مِنْ ألْفَيْ شَيْخٍ ... " (١). فَقَدْ زَارَ مُعْظَمَ البلدانِ في الخلافَةِ الإِسْلاميةِ المتراميةِ الأطْرَافِ، وفي كل بلدٍ حَلَّهُ كانَ لَهُ شَيْخٌ. أو شيوخٌ تَلَقَّى عَنْهُمُ العِلْمَ، وَروَى عَنْهُمُ الْحَديثَ، وَقَدْ سَمَّى لَنَا مُتَرْجِمُوهُ بَعْضَ شُيوخِهِ، فَقَالُوا: إِنَهُ أَخَذَ الْعِلْمَ فِي: ١ - مَرْو: عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن محمود بن سليمان، وعن أبي يحيى محمد بن محمد بن خالد المديني. ٢ - سِنْج: عن أبي علي الحسين بن محمد بن مصعب السنجي، وعن أبي عبد الله محمد بن نصر الهُورَقَاني. ٣ - نَسَا: عن الحسن بن سفيان، وعن محمد بن يوسف النسائي، وعن محمد بن محمود بن عديّ النسائي. ٤ - نَيْسَابُور: عن محمد بن إسحاق بن إبراهيم السراج، وعن محمد بن عبد الرحمن بن شيرويه الأزدي. ٥ - أَرْغِيان: عن محمد بن المسيب بن إسحاق الأرغياني.

стр. 23

٦ - جُرْجَان: عن عمران بن موسى بن مجاشع الجرجاني، وأحمد بن محمد بن عبد الكريم الوزان الجرجاني. ٧ - الرَّي: عن العباس بن الفضل بن عاذان المقرئ، وعلي بن الحسن بن مسلم الرازي. ٨ - الْكَرَجِ: عن أحمد بن عمارة بن الحجاج الحافظ، والحسين بن إسحاق الأصبهاني. ٩ - عَسْكَر مُكْرَم: عن عبد الله بن أحمد بن موسى الجواليقى المعروف بـ"عبد ان الأهوازي". ١٠ - تُسْتَر: عن محمد بن أحمد الرقام، وأحمد بن محمد بن زهير الحافظ. ١١ - جُنْدَيْسَابُور: عن عمر بن حفص البزار. ١٢ - الأهواز: عن محمد بن يعقوب الخطيب. ١٣ - الأُبُلَّةَ: عن محمد بن زهير الأُبُلِّي، وعن عمر بن عبد الله بن عمر الهَجَرِيّ، والحسين بن محمد بن بسطام الأبلي. ١٤ - البصرة: عن الفضل بن الحُبَاب الجَمَحِيّ، وأحمد بن عمرو الزَّيْبَقِيّ، وبكر بن أحمد بن سعيد الطاحي، وزكريا بن يحيى الساجي، ومحمد بن علي الصيرفي، وعبد الكريم بن عمر الخطابي، ومحمد بن إبراهيم البدوري، ومحمد بن غدار الحارثي. ١٥ - واسط: عن جعفر بن أحمد بن سنان القطان، وأحمد بن موسى، والخليل بن محمد الواسطي. ١٦ - فم الصِّلح: عن عبد الله بن قحطبة بن مرزوق الصِّلْحِيّ. ١٧ - نَهَر سَابس: عن خلاد بن محمد بن خالد الواسطي. ١٨ - بغداد: عن حامد بن محمد بن شعيب البلخي، والهيثم بن خلف الدوري، وأحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي، وعبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي.

стр. 24

١٩ - الكوفة: عن أبي عبد الله بن زيدان البَجَلي. ٢٠ - مكة المكرمة: عن محمد بن إبراهيم بن المنذر النَيْسَابُورِي، والمفضل بن محمد بن إبراهيم الجندي. ٢١ - سَامُرَّاء: عن علي بن سعيد العسكري. ٢٢ - الْمَوْصِل: عن أبي يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي، وهارون بن المسكين البلدي، وزيد بن علي بن عبد العزيز بن حبان الموصلي، وروح بن عبد المجيد الموصلي، وإبراهيم بن علي بن عبد العزيز العمري. ٢٣ - سِنْجَاد: عن علي بن إبراهيم بن الهيثم الموصلي. ٢٤ - نَصِيبين: عن هاشم بن يحيى النصيبيني، ومسدد بن يعقوب بن إسحاق الفلوسي. ٢٥ - كفرتوثا، من ديار ربيعة: عن محمد بن الحسين بن أبي معشر السلمي. ٢٦ - سرغامرطا، من ديار مضر: عن أحمد بن خالد بن عبد الملك بن مسرح الحرّاني. ٢٧ - الرافقة: عن محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن فروخ البغدادي. ٢٨ - الرقة: عن الحسين بن عبد الله بن يزيد القطان. وأحمد بن محمد بن يحيى الشحام. وعلي بن الحسين العسكري. ٢٩ - مَنْبِج: عن عمر بن سعيد بن سنان الحافظ، وصالح بن الأصبغ بن عامر التنوخي. ٣٠ - حلب: عن أحمد بن داود بن محسن بن هلال المصيصي. ٣١ - أنْطَاكية: عن وصيف بن عبد الله الحافظ. ٣٢ - طَرَسُوس: عن محمد بن يزيد الدرقي، وإبراهيم بن أبي أُمية الطرسوسي. والحسن بن إسحاق بن إبراهيم الخولاني.

стр. 25

٣٣ - أذَنَةَ: عن محمد بن علان الأذني. ٣٤ - صَيْداء: عن محمد بن أبي المعافى بن سليمان الصَّيْداوي. ٣٥ - صُور: عن جعفر بن محمد الهمداني. ٣٦ - بَيْروت: عن محمد بن عبد الله بن عبد السلام البيروتي- مكحول-. ٣٧ - حِمْص: عن محمد بن عبد الله بن الفضل الكَلاعي الرَّاهب. ٣٨ - دمشق: عن أحمد بن عمير بن جوصاء الحافظ الدمشقي، وعن جعفر ابن أحمد بن عاصم الأنصاري الدمشقي، وعن حاجب بن أركين الفرغاني. ٣٩ - عَسْقَلان: عن محمد بن قتيبة اللخمي. ٤٠ - بَيْت المقدس: عن عبد الله بن محمد بن مسلم الخطيب المقدسي. ٤١ - الرمْلَة: عن محمد بن الحسن أبي بكر بن قتيبة العسقلاني. ٤٢ - الفُسْطاط من مصر: عن أحمد بن شعيب بن علي النسائي، وعن سعيد بن داود بن وردان المصري، وعلي بن الحسين بن سليمان. ٤٣ - هَرَاة: محمد بن المنذر بن سعيد المعدل (١). رحم الله ابنَ حبان ما كانَ أصبرَهُ عَلَى تَحَمُّل المشاقّ في سبيل العلم، وَجَمْعِ الحديثِ النبويِّ الشَّريفِ، وَتَلَقَيهِ مِنْ أفْوَاهِ أَساتِيذِهِ الذينَ عُرِفوا به في كل مصر من الأمصار. وَهذَا غَيْضٌ مِنْ فَيْضٍ، من الشيوخِ والعلماء ائَذين اتَّصَلَ بهم وأخذ عنهم العلم. ولكن ما الذي خلّفه ابن حبان للمكتبة الِإسلامية؟ قال الخطيب البغدادي الحافظ، فيما رواه عنه ياقوت في "معجم

стр. 26

البلدان" ١/ ٤١٧: "ومن الكتب الَّتي تَكْثُرُ منافعها، إِنْ كانَتْ عَلَى قَدْرِ مَا تَرْجَمَهَا بهِ وَاضِعُهَا، مصنفات أبيَ حَاتِمٍ محمد بن حبان البُسْتِي، الَّتي ذَكَرَها لِي مَسْعودُ بْنُ نَاصِر السَّجَزيّ ووقفني عَلَى تَذْكِرَةٍ بأسمائِها، ولم يُقَدَّرْ لِيَ الوُصُولُ إلَى النَّظَرِ فِيهَا، لِأنَّهَا غَيْرُ مَوْجُودَةٍ بَيْنَنَا، وَلَا مَعْرُوفَة عِنْدَنَا، وأنَا أذْكُرُ مَا اسْتَحْسَنْتُهُ سِوَى مَا عَدَلْتُ عَنْهُ وَاطَّرَحْتُهُ". وقَدْ ذَكَرَ الخطيبُ اسْمَاءَ طَائِفةٍ كبيرةٍ مِنْ مُؤَلَّفَاتِ ابْنِ حِبَّانَ نقلها عنه ياقوت، فكان لَهُمَا الْفَضْلُ في حِفْظ أسْمَاءِ هذَا التُّرَاثِ الْعِلْمِيّ الْعَظِيمِ. تآليف ابن حبان: وَأمَّا الكُتُبُ الّتِي انْتَهَتْ إِلَيْنَا مِنْ مُؤَلَّفَاتِ هذَا الإمَامِ البَّارِعِ، وَالْحافِظِ النَّاقِدِ، فَهِيَ: ١ - "الْمُسْنَدُ الصَّحيحُ عَلَى التَّقَاسِيم وَالأنْوَاعِ، مِنْ غَيْرِ وُجُودِ قَطْع. فِي سَنَدِهَا، وَلَا ثُبُوتِ جَرْحٍ فِي نَاقِلِيهَا" وَالْمَشْهُور جمنْدَ الْعُلَمَاءِ بِ "صَحِيحِ ابْنِ حِبَّان " وسنتحدث عنه فيما بعد. ٢ - "كِتَابُ الثِّقَات" يقول ابن حبان في مقدمته ١/ ٣: "فَلَمَّا رأيْتُ مَعْرفَةَ السُّنَنِ مِنْ أعْظَمِ أَرْكَانِ الدِّينِ، وَأنَّ حِفْظَهَا يَجِبُ عَلَى أكْثَرِ الْمُسْلِمِينَ، وَأنَّهُ لا سبيلَ إِلَى مَعْرِفَةِ السَّقِيمِ مِنَ الصَّحيحِ، ولا صحة إخراج الدليل من الصريَح، إلا بمعرفة ضعفاء المحدثين، وكيفية ما كانوا عليه من الحالات، فأردت أن أُملي أسامي أكثر المحدّثين، ومن الفقهاء من أهل الفضل والصالحين، ومَن سلك سبيلهم من الماضين". لقد بيّن لنا في هذا النص الدَّافعَ إلى كتابة "الثقات" و"الضعفاء" أيضاً. ولكن ما الخطة التي اتبعها في تأليف كتابه "الثقات"؟. يقول في مقدمته ١/ ١٠ "وأبدأ منهما بالثقات، فنذكر ما كانوا عليه

стр. 27

من الحالات: فأول ما أبدأ في كتابنا هذا ذكر المصطفى ﷺ ، ومولده، ومبعثه، وهجرته إلى أن قبضه الله تعِالى إلى جنته، ثم نذكر بعده الخلفاء الراشدين المهديين بأيامهم إلى أنْ قُتِلَ عَلِي - رحمة الله عليه- ثم نذكر صَحْبَ رسول الله ﷺ واحداً واحداً عَلَى المعجم إذْ هُمْ خَيْرُ النَّاسِ قَرْناً بَعْدَ رَسُولِ الله ﷺ ، ثم نَذكر بَعْدَهُمُ التابعين الذين شافَهُوا أصحابَ رَسولِ الله ﷺ في الأقاليم كُلِّها عَلَى المعجم، إذ هم خير الناس بعد الصحابة قرناً، ثم نذكر القرن الثالث الذين رأوا التابعين، فأذكرهم على نحو ما ذكرنا الطبقتين الأوليين، ثم نذكر القرن الرابع الذين هم أتباع التابعين على سبيل مَن قبلهم. وهذا القرن ينتهي إلى زماننا هذا، ولا أذكر في هذا الكتاب إلا الثقات الذين يجوز الاحتجاج بخبرهم". ونسأل: متى يجوز الاحتجاج بخبر هذا الثقة؟ فيجيبنا: "إذا تعرّى خبره عن خصال خمس، فإذا وجد خبر منكر عن واحد ممّن أذكره في كتابي هذا، فإن الخبر لا ينفك من إحدى خصال خمس: ١ - إمَّا أنْ يكونَ فوق الشَّيْخ الَّذي ذكرتُ اسْمَهُ في كِتَابي هذا، في الإِسناد رَجُل ضعيف. ٢ - أو يكون دونَهُ رجلٌ واهٍ لا يجوزُ الاحتجَاجُ بِرِوَايَتِهِ. ٣ - أو الْخَبَرُ يَكُونُ مُرْسلاً لا يَلْزَمُنَا بهِ الْحُجَّةُ. ٤ - أوْ يَكُونُ مُنْقَطِعاً لَا تَقُومُ بِمِثْلِهِ الحُجَّةُ. ٥ - أوْ يَكُونُ في الإسناد رَجُلٌ مُدَلِّس لم يبيِّنْ سَمَاعَهُ في الخبر من الذي سمعه منه" الثقات ١/ ١٢.

стр. 28

"فَكُلَّ مَنْ ذكرته في كتابي هذَا، إِذَا تَعَرَّى خبره عن الخصال الخمَس التي ذكرتها، فهو عدل يجوز الاحتجاج بخبره، لأن العدل مَن لم يعرف منه الجرح، والجرح ضد التعديل، فمَن لم يعلم بجرح، فهو عدل إذا لم يبيّن ضده، إِذْ لَم- يُكَلَّفِ النَّاسُ مِنَ النَّاسِ مَعْرِفَةَ مَا غَابَ عَنْهُمْ، وَإنَّمَا كُلِّفُوا الْحُكْمَ بِالظَّاهِرِ من الأَشْيَاءِ غير المغيب عنهم، جعلنا الله ممّن أسبل عليهم جَلابيبَ السَّتْر في الدُّنيا، واتَّصل ذلِكَ بالْعَفْوِ عَنْ جِنَايَاتِهِ في العُقْبَى، إِنَّه الفَعَّالُ لما يُريدُ". الثقات ١/ ١٣ - ١٤ آخر مقدمَته. وَقَدْ طُبِعَ هذا الكتاب في تسعة أجزاء، وصنعت لهِ فهارس في مجلد عاشر (١). ٣ - كتاب "الجرح والتعديل" وهو في تراجم الرجال مِنْ جِهَة مَنَازِلهم في الرِّوَايَةِ. وهو مُكَمِّلُ لِكِتَابِهِ "الثِّقَات". ٤ - كتاب "الضُّعَفَاء" الذي قام بتحقيقه المحقّق الفاضل محمود إبراهيم زايد بعنوان "المجروحين من المحدّثين والضعفاء والمتروكين". وتمّ طبعه بثلاثة أجزاء. وقد قال في تقدمته: ١/ ١. "من خير الكتب وأجمعها، فإن ابن حبان يخطو في هذا الكتاب خطوة واسعة في هذا الفن؛ أ- هو أولاً وضع قواعده العشرين في التضعيف والجرح وترك الرجال. ب- يذكر اسم الرجل كاملاً، والحكم عليه، والأسباب التي استند إليها في تكوين هذا الحكم، بينما كان النسائي- وهو أُستاذ ابن حبان- وَمَنْ عاصرَهُ أو مَنْ سَبَقَهُ مق الشيوخ يكتفون في مصنفاتهم عن

стр. 29

ضعفاء الرجال بذكر اسم الراوي، والرأي فيه باختصار شديد مثل: فلان ضعيف، منكر الحديث، ضعّفه فلان، تركه فلان. ج- ينقل بعد هذا رأي الأئمة في الرجال. د- ينهي الترجمة برواية الأحاديث التي أنكرها المحدّثون عليه، ويصدر ذلك بقوله: "قال أبو حاتم: .... " لكن لا يسلم له بكل ما جاء فيه، فقد يندّ عن الصواب في بعض ما ذهب إليه كما بيّنه النقاد. ٥ - كتاب "روضة العقلاء ونزهة الفضلاء" وهو كتاب نفيس في مكارم الأخلاق والخصال المحمودة، وهو مطبوع بتحقيق محي الدين عبد الحميد، ومحمد عبد الرزاق حمزة، ومحمد حامد الفقي سنة (١٩٤٩). ٦ - كتاب "مشاهير علماء الأمصار" قام بتحقيقه مـ: فلايشهمر سنة (١٩٥٩). وقد ضم (١٦٠٢) ترجمة من الصحابة، والتابعين، وأتباع التابعين، ومن تبعهم من الأخيار والصالحين: من الحجاز بحواليها، والعراق بنواحيها، والشام بأطرافها، ومصر بجوانبها، واليمن بما والاها، وخراسان بما دار عليها. هذا ما اطّلعنا عليه من مؤلفات هذا الِإمام التي انتهت إلينا، أما مؤلفاته التي ذكرها مَن ترجم له، ولم نقف عليها، ويغلب على الظن أنها أصبحتِ في حكم المفقود فهي: ١ - كتاب "الهداية إلى علم السنن" الذي قصد فيه إظهارَ الصِّنَاعَتيْنِ، وَهُمَا صِنَاعَتَا الحديثِ والفِقْهِ، يذكر فيه الحديثَ، ويترجم لَه، ثم يذكرُ مَنْ يَتَفَرَّدُ بِذلِكَ الحديثِ، وَمِنْ مَفَارِيدِ أي بَلَدٍ هوَ. ثم يذكر كُلَّ اسْمٍ فِي إسْنَادِهِ مِنَ الصَّحابيِّ إِلَى شَيْخِهِ بما يعرفُ مِنْ نِسْبَتِهِ، ومولده، وتاريخ وفاته، وكنيته وقبيلته، وفضله وتيقظه، ثم يذكر ما في الحديث من الفقه والحكمة. فإن عِارضه خبِر ذكره وجمع بينهما، وإن تَضادَّ لَفْظُهُ مع خَبر آخرَ تَلَطَّفَ للجمع بينهما حتى يعلم ما في كل خبر من صناعة الحديث والفقه معاً.

стр. 30

وقال الكثير من العلماء: وَهذَا مِنْ أنْبَلِ كُتُبِهِ وَأعَزِّهَا. ٢ - كتاب "شعب الإِيمان" يعدّ ابن حبان من أقدم مَن ألّف في ذلك، ثم تبعه الحليمي والبيهقي. ٣ - كتاب "الصحابة" ويتألف من خمسة أجزاء. ٤ - كتاب "التابعين" ويتألف من اثني عشر جزءاً. ٥ - كتاب "أتباع التابعين" ويتألف من خمسة عشر جزءاً. ٦ - كتاب "تبع الأتباع" ويتألف من سبعة أجزاء. ٧ - كتاب "تبع التبع" ويتألف من عشرين جزءاً. ٨ - كتاب "الفصل بين النقلة" ويتألف من عشرة أجزاء. ٩ - كتاب "علل أوهام التواريخ" ويتألف من عشرة أجزاء. ١٠ - كتاب "ما انفرد به أهل المدينة من السنن" ويتألف من عشرة أجزاء. ١١ - كتاب "ما انفرد به أهل مكة من السنن" ويتألف من عشرة أجزاء. ١٢ - كتاب "غرائب الأخبار" ويتألف من عشرين جزءاً. ١٣ - كتاب "ما أغرب الكوفيون عن البصريين" ويتألف من عشرة أجزاء. ١٤ - كتاب "ما أغرب البصريون عن الكوفيين" ويتألف من ثمانية أجزاء. ١٥ - كتاب "الفصل والوصل" ويتألف من عشرة أجزاء. ١٦ - كتاب "موقوف ما رفع" ويتألف من عشرة أجزاء. ١٧ - كتاب "أدب الرحّالة" وهو جزآن. ١٨ - كتاب "علل مناقب أبي حنيفة ومثالبه" وهو عشرة أجزاء. ١٩ - كتاب "علل ما استند إليه أبو حنيفة" عشرة أجزاء. ٢٠ - كتاب "ما خالف الثوري فيه شعبة" ثلاثة أجزاء. ٢١ - كتاب "علل حديث الزهري" وهو عشرون جزءاً. ٢٢ - كتاب "مناقب مالك بن أنس" جزآن. ٢٣ - كتاب "علل حديث مالك" عشرة أجزاء.

стр. 31

٢٤ - كتاب "مناقب الشافعي" جزآن. ٢٥ - كتاب "المعجم على المدن" عشرة أجزاء. ٢٦ - كتاب "المقلّين من الحجازيين" عشرة أجزاء. ٢٧ - كتاب "المقلّين من العراقيين" عشرون جزءاً. ٢٨ - كتاب "الجمع بين الأخبار المتضادّة" جزآن. ٢٩ - كتاب "وصف المعدِّل والمعدَّل" جزآن. ٣٠ - كتاب "ما عند شعبة عن قتادة وليس عند سعيد عن قتادة" جزآن. ٣١ - كتاب "أسامي مَن يعرف بالكنى" ثلاثة أجزاء. ٣٢ - كتاب "كنى مَن يعرف بالأسامي" ثلاثة أجزاء. ٣٣ - كتاب "التمييز بين حديث النضر الحداني، والنضر الخزاز" جزآن. ٣٤ - كتاب "الفصل بين حديث أشعث بن مالك، وأشعث بن سوار" جزآن. ٣٥ - كتاب "الفصل بين حديث منصور بن المعتمر ومنصور بن زاذان" ثلاثة أجزاء. ٣٦ - كتاب "الفصل بين مكحول الشامي ومكحول الأزدي" جزء واحد. ٣٧ - كتاب "ما أسند جنادة عن عبادة" جزء واحد. ٣٨ - كتاب "الفصل بين حديث ثور بن يزيد، وثور بن زيد" جزء واحد. ٣٩ - كتاب "ما جعل عبد الله بن عمر، عبيد الله بن عمر" جِزآن. ٤٠ - كتاب "ما جعل شيبان سفيان، أو سفيان شيبان" ثلاثة أجزاء. ٤١ - كتاب "الأبواب المتفرقة" ثلاثون جزءاً. ٤٢ - كتاب "الفصل بين حدّثنا وأخبرنا" جزء واحد. ٤٣ - كتاب "التاريخ"، وهو من الكتب الكبيرة لذلك لجأ إلى تأليف "الثقات" و"الضعفاء" منه ليسهل العودة إليهما على مَن يريد ذلك. انظر مقدمة "الثقات". ٤٤ - كتاب "وصف العلوم وأنواعها" ثلاثون جزءاً

стр. 32

٤٥ - كتاب "صفة الصلاة" ذكره في "صحيحه". ٤٦ - كتاب "محجّة المبتدئين " ذكره في الصفحة (١٩) من "روضة العقلاء". ٤٧ - كتاب "العالم والمتعلّم" ذكره في الصفحة (٢٧) من "روضة العقلاء". ٤٨ - كتاب "حفظ اللسان " ذكره في الصفحة (٣٦) من "روضة العقلاء". ٤٩ - كتاب "مراعاة العشرة" ذكره في الصفحة (٧٤) من "روضة العقلاء". ٥٠ - كتاب "الثقة بالله" ذكره في الصفحة (١١١) من "روضة العقلاء". ٥١ - كتاب "التوكل" ذكره في الصفحة (١٣٥) من "روضة العقلاء". ٥٢ - كتاب "مراعاة الإِخوان" ذكره في الصفحة (١٥٩) من "روضة العقلاء". ٥٣ - كتاب "الفصل بين الغنى والفقر" ذكره في الصفحة (٢٠٠) من "روضة العقلاء". ٥٤ - كتاب "السخاء والبذل" ذكره في الصفحة (٢٠٥) من "روضة العقلاء". قال الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي لما وقف على تذكرة ابن ناصر السجزي المتضمنة أسماء مصنفات ابن حبان: "سألتُ مسعودَ بن ناصر، فقلت لَهُ: أكُلُّ هذِهِ الْكُتُبِ مَوْجُودَةٌ عِنْدَكُمْ وَمَقْدُورٌ عَلَيْهَا بِبِلَادِكُمْ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا يُوجَدُ مِنْهَا الشَيْءُ الْيَسِيرُ والنزْرُ الْحَقِيرُ" وكان هذا بعد مئة سنة من عصر ابن حبان. قال الخطيب البغدادي: "ومِثْلُ هذِهِ الكُتُب الْجَليلَةِ كانَ يجبُ أن يكثرَ بها النَسْخُ، فيتنافسَ فيهَا أهلُ العلم ويَكْتَبُونَهَاَ وُيجَلِّدُونَهَا إِحْرَازاً لَهَا، ولا أحْسَبُ المانِعَ مِنْ ذلِكَ كانَ إلا قِلَّةَ مَعْرِفَةِ أهْلِ تِلْكَ البلادِ بمَحَلِّ الْعِلْم وَفَضْلِهِ وَزُهْدِهمُ فِيهِ، وَرَغْبَتَهُمْ عَنْهُ، وَعَدَمَ بَصيرَتِهِمْ بِهِ" (١). فإذا ما علمنا أن هذه الثروة الهائلة من الكتب- على تنوّع أبحاثها

стр. 33

واختلاف حجوم أجزائها- قد ضاعت، ما عدا اليسير منها، أدركنا بالغ الخسارة التي منيت بها المكتبة الإسلامية بضياع هذا العلم العظيم. موقفه مما جمع: لقد وفِّق ابن حبان في رحلته الطويلة أيما توفيق، فقد اجتمع له من الشيوخ، والروايات، والأخبار، الشيء الكثير، والعدد الوفير، فقد جاء في مقدمة صحيحه أنه كتب عن أكثر من ألفي شيخ، وهذا العدد الجمّ من الشيوخ يندر أن تجده في إمام من الأئمة، إلا أنه حين شرع في تدوينه الصحيح، أسقط كثيراً من الشيوخ، ولم يعتد بمروياتهم، لأنه لم تتحقق فيهم شروط الصحة التي أبان عنها في مقدمة كتابه، واقتصر على مئة وخمسين شيخاً منهم، أقل أو أكثر، وقد عوَّل على عشرين منهم أدار السنن عليهم، واقتنع بروايتهم عن رواية غيرهم، فقد جاء في المقدمة: "ولم نرو في كتابنا هذا إلا عن مئة وخمسين شيخاً، أقل أو أكثر، ولعلّ معول كتابنا هذا يكون على نحو من عشرين شيخاً، أدرنا السنن عليهم، واقتنعنا بروايتهم عن رواية غيرهم". ويعلّق الِإمام الذهبي على هذا النص، فيقول: "كذا فلتكن الهمّة، هذا مع ما كان عليه من الفقه، والعربية، والفضائل الباهرة، وكثرة التصانيف" (١). وأما الشيخ أحمد شاكر فيقول: "وفي هذا مقنعٌ لمن أراد علماً وطمأنينة" (٢). فابن حبان إذاً لم يكن جامعاً فحسب، وإنما كان ناقداً فذّاً، وعالماً حصيفاً، ومدقِّقاً ذكياً، ومجتهداً جريئاً، له منهجه وأُسلوبه، شجاعاً متقحماً،

стр. 34

تجاوز هيبة الصحيحين، ونقد الشيخين، بل نقض أُسلوب ترتيبهما. ولم يسلم منه حتى شيخه ابن خزيمة، علماً بأنه احتل من نفسه مكانة لم يحتلها غيره من المشايخ الذين اتصل بهم، ونقل العلم عنهم (١). يقول ابن حبّان فيما نقله عنه الحازمي: "فإن الحديث إذا صحّ سنده، وسلم من شوائب الجرح فلا عبرة بالعدد والأفراد، وقد يوجد- على ما ذكرت- حديث، فينبغي أن يناقش البخاري في ترك إخراج أحاديث هي من شرطه، وكذلك مسلم، ومَن بعده" (٢). ولم نعلم- فيما اطّلعنا عليه- أنه كتب في الصحيح بعد مسلم إلا ابن خزيمة. ويقول أيضاً في مقدمة صحيحه: "وإني لما رأيت الأخبار طرقها كَثُرت، ومعرفة الناس بالصحيح منها قلَّت، لاشتغالهم بكتبة الموضوعات، وحفظ الخطأ والمقلوب، حتى صار الخبر الصحيح مهجوراً، لا يكتب، والمنكر المقلوب عزيزاً يستغرب، وأن من جمع السنن من الأئمة الماضين المرضيين، وتكلم عليها أهل الفقه والدين، أمضوا في ذكر الطرق للأخبار، وأكثروا من تكرار المعاد للآثار، قصداً منهم لتحصيل الألفاظ على مَن دام حفظها من الحفّاظ فكان ذلك سبب اعتماد المتعلّم على ما في الكتاب، وترك المقتبس التحصيل للخطات، فتدبرت الصحاح لأسهِّل حفظها على المتعلمين، وأمعنت الفكر فيها لئلا يصعب وعيها على المقتبسين" (٣).

стр. 35

فابن حبَّان إذا لم يكن سائحاً في العالم الِإسلامي، تخلبه الظواهر، وتخدعه المظاهر، وإنما كان باحثاً عن العلم، متشوقاً إلى الِإحاطة بالحقائق، متطلعاً إلى معرفة الأسباب والنتائج ليحكم عليها حكم العالم المجرِّب الخبير، والناقد المتأنّي البصير. ولعلّنا لا نجانب الحق إذا قلنا: إن قِمَّةَ حَصِيلَة هذه الرحلة المباركة كتابه العظيم "التقاسيم والأنواع ... " أو " صحيح ابن حبان ". صحيح ابن حبان: إن الاسم الكامل الذي وضعه أبو حاتم لمصنفه العظيم هو: "المسند الصحيح على التقاسيم والأنواع، من غير وجود قطع في سندها، ولا ثبوت جرح في ناقليها". غير أن العلماء الذين تعرضوا لذكره في مصنفاتهم اختلفوا في تسميته، وكلٌ منهم قد أطلق عليه جزءاً من هذه التسمية الطويلة. فالذهبي ينقل عن الِإدريسي قوله: "صنّف -يعني ابن حبان- المسند الصحيح" (١) ويذكره في الصفحة نفسها باسم "الأنواع" ويقول فيها أيضاً: "وفي صحيحه" أي: صحيح ابن حبان. بينما يطلق عليه في "تذكرة الحفّاظ" (٢) اسم "الأنواع" و"كتاب الأنواع والتقاسيم". وأما أبو عمرو بن الصلاح فقد أطلق عليه في "مقدمته" (٣) اسم "صحيِح أبي حاتم ابن حبان" وسمّاه العراقي "صحيح ابن حبان" وقال أيضاً: "وصحيح أبي حاتم محمد بن حبان البستي"، المسمى بـ"التقاسيم والأنواع". وأطلق عليه محمد بن إسماعيل الصنعاني في كتاب "توضيح

стр. 36

الأفكار لمعاني تنقيح الأنظار" ١/ ٦٤ "صحيح ابن حبان" وبهذه التسمية وسمه السيوطي في "التدريب" ١/ ١٠٩ إذ قال: "صحيح ابن حبان ترتيبه مخترع". وهذا الصحيح- بترتيبه المخترع- ليس موجوداً كاملاً، وإنما الموجود بين أيدينا "الإِحسان في تقريب صحيح ابن حبان" الذي رتبه الفارسي على أبواب الفقه، غير أنه لم يترك شاردة ولا واردة إلا أثبتها، حتى رموز التقاسيم والأنواع التي تدل على مكان وجودها في الأصل. فالفارسي- بحق- قمة شامخة في الأمانة العلمية، وفي المحافظة على الأصل، وفي عمله هذا إبقاء على النسب الواضح بين المؤلَّف وبين صاحبه. وأما نحن فقد اخترنا هذه التسمية "صحيح ابن حبان" للأسباب التالية: ١ - لأن هذا الاسم هو الشائع الذائع في الأوساط العلمية، والعامة، وفي المؤلفات التي يتعرض أصحابها لذكر هذا الصحيح. ٢ - لأنه أخصر التسميات، وأسهلها نطقاً على اللسان، وأعذبها وقعاً على الآذان. ٣ - تأسياً بـ"الجامِع الصحيح" للِإمام البخاري، الذي لم يذع ولم ينتشر بهذا الاسم، وإنما انتشر وذاع باسم "صحيح البخاري". شروط ابن حبان وموقف العلماء منها: تربع ابن حبان على كرسي الأُستاذية- وهو به جدير- بعد أن أفنى نصفَ عُمُرِهِ جوّاباً في الآفاقِ، جَمَّاعاً لِلْعِلْمِ، طَلَّاباً للحق، حَتَّى أصْبَحَ الأسْتَاذَ الْعَلَمَ في أكثر من فَنٍّ، وبخاصة في هذا العلم الشريف، وأصبحت الرحلة إليه لقراءة كتبه عليه، واِلافادة منه. لقد أصبحَ الِإمامَ المجْتَهِدَ الذي يتدبَّرُ الصِّحَاحَ بفكرٍ ثاقبٍ، ورويَّةٍ

стр. 37

مُدْهِشَةٍ، عُمْدَتُهُ فِي ذلِكَ ذكاءٌ نَادِرٌ، وَخِبْرَةٌ طويلةٌ، وممارَسَةٌ أصيلَةٌ، وشجاعَةٌ فِي الْحَقِّ نَادِرَةٌ. فَهُوَ بذلِكَ كله الإمامُ القادِرُ عَلَى الأخْذِ والردِّ، مِنْ كُلِّ شَيْخٍ سَابِقٍ لَهُ فِي هذَا المِضمَارِ النَّبِيل. فَمَا الشُرُوطُ الًتي يَنْبَغِي أنْ تَتَوَفَّرَ فِي الْحَدِيثِ لِيَكُونَ مِنْ مَرْوَيَّاتِهِ، مُثْبَتاً فِي مُدَوَّنَاتِهِ؟ إِنَهُ يُقَررُ ذلِكَ- بِلَهْجَةِ الأُسْتَاذِ الوَاثِقِ فِي مُقَدِّمَةِ صَحِيحِهِ: "وَأمَّا شَرْطُنَا فِي نَقَلَةِ مَا أوْدَعْنَاهُ كِتَابَنَا هذَا مِنَ السُّنَنِ، فَإِنَّنَا لَمْ نحتجَّ فِيهِ إلَاّ بِحَديثٍ اجْتَمَعَ فِي كُل شَيْخٍ مِنْ رُوَاتِهِ خَمْسَةُ أشْيَاءَ: الأول: العدالةُ في الدينِ بالسَّتْر الْجَمِيلِ. والثاني: الصِّدْقُ في الحديثِ بالشَهْرَةِ فِيهِ. والثالث: العَقْلُ بِمَا يُحَدِّثُ مِنَ الْحَدِيثِ. والرابع: العِلْمُ بِمَا يُحِيلُ مِنْ مَعَانِي الآثَارِ. والخامس: المتَعَرِّي خَبَرُهُ فَي التَّدْلِيسِ. فَكُلُّ مَنِ اجْتَمَعَ فِيهِ هذِهِ الخِصَالُ الخَمْسُ، احْتَجَجْنَا بحَديثِهِ، وَبَنَيْنَا الْكِتَابَ عَلَى رِوَايَتهِ وَكُلُّ مَنْ تَعَرَّى عَنْ خَصْلَةٍ مِن هذه الْخِصَالِ الْخَمْسِ، لَمْ نحْتَجَّ بِهِ" (١). لقد كتب هذا المحقّق العظيمِ عن أكثر من ألفي شيخ، ولكن مُعَوَّلَ صَحِيحِهِ عَلَى نَحْوٍ مِنْ عِشْرِينَ شَيْخاَ، اقْتَنَعَ بِرِوَايَتِهِمْ واطَّرَحَ الْبَاقِي. فَكَيْفَ كانَتْ تَحْصُلُ لَهُ الْقنَاعَةُ؟ وَمَا الطَّرِيقُ الّذِي يَسْلُكُهُ لِلْوُصُولِ إِلَيْهَا؟

стр. 38

يقول: "وَقَدِ اعْتَبَرْنَا حَديثَ شَيْخٍ شَيْخٍ، عَلَى مَا وَصَفْنَا مِنَ الاعْتِبَارِ عَلَى سَبيلِ الدِّينِ، فَمَنْ صحَّ عِنْدَنَا مِنْهُمْ أنَّهُ عَدْلٌ احْتَجَجْنَا بهِ، وَقَبلْنَا مَا رَوَاهُ، وَأدْخَلْنَاهُ فِي كِتَابنَا هذَا، وَمَنْ صحَّ عِنْدَنَا أنَّهُ غَيْرُ عَدْلٍ بالَاعْتِبَارَ الَّذِي وَصَفْنَا لَمْ نَحْتَجَّ بِهِ، وَأدْخَلْنَاهُ فِي كِتَاب (الْمَجْرُوحِينَ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ) بِأحَدِ أسْبَابِ الْجَرْحِ" (١). فابن حبان يعتدّ بهذه الشروط الآنفة الذكر في كل شيخ من رواة السند، ومن ثم يحكم على الحديث بالصحة، ويدرجه في كتابه هذا، إذا استوفى الشروط المذكورة، أو يطرحه ويدرجه في "كتاب الضعفاء" إذا أخلّ بواحد منها، وهو في صنيعه هذا يعد نفسه إماماً مجتهداً، لا يقلد أحداً من الأئمة الذين تقدموه، ولا يعبأ بمخالفتهم له فيما انتهى إليه، يقول: "فَمَنْ صحَّ عِنْدِي مِنْهُمْ بِالْبَرَاهِين الْوَاضِحَةِ، وَصِحَّةِ الاعْتِبَارِ- عَلَى سَبِيلِ الدِّينِ- أنَّهُ ثِقَة احْتَجَجْتُ بِهِ، وَلَمْ اعَرِّجْ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَدَحَ فِيهِ. وَمَنْ صَحَّ عِنْدِي بالدلائل النيرة، وَالاعْتِبَارِ الْوَاضِحِ- عَلَى سَبِيلِ الدِّينِ- أنَهُ غَيْرُ عَدْلٍ، لَمْ أحْتَجَّ بِهِ، وَإِنْ وَثَّقَهُ بَعْضُ أئِمَّتِنَا" (٢). وهذه الشروط التي شرطها ابن حبان لتصحيح الحديث في كتابه- وهي شروط دقيقة تتطلب جهداً كبيراً، ويقظة تامة، وإحاطة واسعة- قد التزمها، ووفى بها في عامة ما أدرجه في صحيحه هذا من الأحاديث، ولم يُخِل بذلك إلا فيما لا يخلو منه عالم أو كتاب من السهو والغلط، أو من اختلاف الرأي في الجرح والتعديل، والتوثيق والتضعيف، والتعليل والترجيح. ترتيبه، وموقف العلماء منه: إن ابن حبان الذي يعتقد أن في لزوم السنة "تَمَامَ. السلامه، وَجِمَاعَ

стр. 39

الْكَرَامَةِ، لَا تُطْفَأُ سُرُجُهَا، وَلا تُدْحَضُ حُجَجُهَا، مَنْ لَزِمَهَا عُصِمَ، وَمَنْ خَالَفَهَا نَدِمَ، إِذْ هِيَ الْحِصْنُ الْحَصِينُ، والرُّكْنُ الركِين" (١)، لم يرضَ عن ترتيب الذين "أمْعَنُوا فِي ذكْرِ الطُّرُقِ لِلأخْبَارِ، وَأكْثَرُوا مِنْ تَكْرَارِ الْمُعَادِ لِلآثَارِ، قَصْداً مِنْهُمْ لِتَحْصِيلِ الأَلْفَاظِ عَلَى مَنْ رَامَ حِفْظَهَا مِنَ الْحُفَّاظِ، فَكَان ذلِكَ سَبَبَ اعْتِمَادِ الْمُتَعَلَمِ عَلَى مَا فِي الْكِتَاب، وَتَرْكِ الْمُقْتَبِسِينَ التَّحْصِيلَ لِلْخِطَابِ" (٢). فلا بد إذاً- والحال هذه- من حيلة يحتالها، لِيَحْفَظَ النَّاسُ السُّنَنَ، وَلأِنْ لَا يُعَرِّجُوا عَلَى الْكِتْبَةِ وَالْجَمْعِ إِلّاَ عِنْدَ الْحَاجَةِ، دُونَ الْحِفْظِ وَالْعِلْم بهِ فَمَا الْحِيلَةُ التِي احْتَالَهَا، لِتَحْقِيقِ هذِهِ الغَايَةِ النَّبِيلَةِ؟! يقول: "فَتَدَبَّرْتُ الصِّحَاحَ لأسَهِّلَ حِفْظَهَا عَلَى المتعلِّمِينَ، وَأمْعَنْتُ الْفِكْرَ فِيهَا لِئَلاً يَصْعُبَ وَعْيُهَا عَلَى المقتبسِينَ، فَرأيتُهَا تَنْقَسِمُ خَمْسَةَ أقْسَامٍ مُتَسَاوِيةٍ، مُتَّفِقةِ التَّقْسِيمِ غَيْرِ مُتَنَافِيَةٍ. فأولها: الأوامرُ الَّتي أمَرَ اللهُ عِبَادَهُ بِهَا. والثاني: النَّواهِي الًتي نَهَى عِبَادَهُ عَنْهَا. والثالث: إخْبَارُهُ عَمَّا احْتِيج إِلَى مَعْرِفَتِهَا. والرابع: الإبَاحَاتُ الّتِي أُبِيحَ ارْتِكَابُهَا. والخامس: أفْعَالُ النبِيِّ ﷺ الَّتِي انْفَرَدَ بِفِعْلِهَا. ثمَّ رَأيْتُ كلَّ قِسْمٍ مِنْهَا يَتَنَوَّعُ أنْواعاً كَثِيرَةً" (٣). "فَجَمِيغ أنْوَاعِ السنن

стр. 40

أربعُ مِئَةِ نَوْعٍ عَلَى حَسبِ مَا ذَكَرْنَاهَا" (١). فَهذِهِ إذاً تَقاسيمُهُ الخَمْسَةُ التي يتألفُ منها الصحيحُ، والتي تشتمل عَلَى أربع مِئَةِ نَوْعٍ مِنَ الأنْواعِ وَقَدْ وَضَعَ لِكُلِّ نَوْعٍ مِنْهَا عُنْواناً يَدُلُّ عَلَى فِقْهٍ سَلِيمٍ، وَفَهْمٍ مُسْتَقِيمٍ، وقدكشفَ عنْ غَايَتِهِ مِنْ هذَا التَنْويعِ، وَأوْضَحَ مَا يُريدُ بِقَوْله- فِي الْمُقَدِّمَةِ ١/ ١٣٧ - "قَصْدُنَا فِي تَنْوِيعِ السُّنَنِ الكَشْفُ عَنْ شَيْئَيْنِ: أحَدُهُمَا: خَبَرٌ تَنَازَعَ الأئِمَّةُ فِيه وَفِي تَأْوِيلِهِ، وَالآخَرُ: عُمُومُ خِطَابٍ صَعُبَ عَلَى أكْثِرِ النَاسِ الْوُقُوفُ عَلَى مَعْنَاهُ". فهو إذاً- والحقَّ نَقولُ- العالمُ الذكيُّ، والأستاذُ الكُفْءُ الَّذي يُدرِكُ مَواطِنَ الصُّعوبَةِ فَيُذَلِّلُهَا، وَيدْرِي الأسْبَابَ في تَشَعُّب الآراءِ، فَيُحَاوِلُ جَمْعَهَا وتَسْلِيطَ الأضْوَاءِ عَلَيْهَا لِئَلاّ يَضِلَّ الفَهْمُ، وتَتَشَعَّبَ الآرَاءُ. وَإِذَا سألنا: ما المثالُ الَّذي احتذاهُ فِي ترتيبِ صَحِيحِهِ؟ وَجَدْنا إجابتَهُ مَشْفوعَةً بِالتَّعْلِيلِ "لأنَّ قَصْدَنَا فِي نَظْمِ السُّنَنِ حَذْوُ تَألِيفِ الْقُرْآنِ، لأِنَّ الْقُرْآنَ أُلِّفَ أجْزَاءً فَجَعَلْنَا السُنن أقْسَاماً بِإِزَاءِ القُرْآنِ. وَلَمَّا كَانَتِ الأجْزَاءُ مِنَ الْقُرْآن كُلُّ جُزْءٍ مِنْهَا يَشْتَمِلُ عَلَى سُوَرٍ، جَعَلْنَا كُلَّ قِسْمٍ مِنَ السنن يَشْتَمِلُ عَلَى أَنْوَاعٍ، فَأنْوَاعُ السُنَنِ بِإِزَاءِ سُوَرِ القرْآنِ. وَلَمَّا كَانَتْ كُلًّ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ تَشْتَمِلُ عَلَى آيٍ، جَعَلْنَا كُلَّ نَوْعٍ مِنْ أنْوَاعِ السُّنن يَشْتَمِلُ عَلَى أحَاديثَ. وَالأحَادِيثُ مِنَ السُّنَنِ بِإِزَاءِ الآي مِنْ القُرْآنِ" (٢).
следующие страницы →