الأفكار لمعاني تنقيح الأنظار" ١/ ٦٤ "صحيح ابن حبان" وبهذه التسمية وسمه السيوطي في "التدريب" ١/ ١٠٩ إذ قال: "صحيح ابن حبان ترتيبه مخترع". وهذا الصحيح- بترتيبه المخترع- ليس موجوداً كاملاً، وإنما الموجود بين أيدينا "الإِحسان في تقريب صحيح ابن حبان" الذي رتبه الفارسي على أبواب الفقه، غير أنه لم يترك شاردة ولا واردة إلا أثبتها، حتى رموز التقاسيم والأنواع التي تدل على مكان وجودها في الأصل. فالفارسي- بحق- قمة شامخة في الأمانة العلمية، وفي المحافظة على الأصل، وفي عمله هذا إبقاء على النسب الواضح بين المؤلَّف وبين صاحبه. وأما نحن فقد اخترنا هذه التسمية "صحيح ابن حبان" للأسباب التالية:
١ - لأن هذا الاسم هو الشائع الذائع في الأوساط العلمية، والعامة، وفي المؤلفات التي يتعرض أصحابها لذكر هذا الصحيح.
٢ - لأنه أخصر التسميات، وأسهلها نطقاً على اللسان، وأعذبها وقعاً على الآذان.
٣ - تأسياً بـ"الجامِع الصحيح" للِإمام البخاري، الذي لم يذع ولم ينتشر بهذا الاسم، وإنما انتشر وذاع باسم "صحيح البخاري".
شروط ابن حبان وموقف العلماء منها:
تربع ابن حبان على كرسي الأُستاذية- وهو به جدير- بعد أن أفنى نصفَ عُمُرِهِ جوّاباً في الآفاقِ، جَمَّاعاً لِلْعِلْمِ، طَلَّاباً للحق، حَتَّى أصْبَحَ الأسْتَاذَ الْعَلَمَ في أكثر من فَنٍّ، وبخاصة في هذا العلم الشريف، وأصبحت الرحلة إليه لقراءة كتبه عليه، واِلافادة منه. لقد أصبحَ الِإمامَ المجْتَهِدَ الذي يتدبَّرُ الصِّحَاحَ بفكرٍ ثاقبٍ، ورويَّةٍ
يقول: "وَقَدِ اعْتَبَرْنَا حَديثَ شَيْخٍ شَيْخٍ، عَلَى مَا وَصَفْنَا مِنَ الاعْتِبَارِ عَلَى سَبيلِ الدِّينِ، فَمَنْ صحَّ عِنْدَنَا مِنْهُمْ أنَّهُ عَدْلٌ احْتَجَجْنَا بهِ، وَقَبلْنَا مَا رَوَاهُ، وَأدْخَلْنَاهُ فِي كِتَابنَا هذَا، وَمَنْ صحَّ عِنْدَنَا أنَّهُ غَيْرُ عَدْلٍ بالَاعْتِبَارَ الَّذِي وَصَفْنَا لَمْ نَحْتَجَّ بِهِ، وَأدْخَلْنَاهُ فِي كِتَاب (الْمَجْرُوحِينَ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ) بِأحَدِ أسْبَابِ الْجَرْحِ" (١).
فابن حبان يعتدّ بهذه الشروط الآنفة الذكر في كل شيخ من رواة السند، ومن ثم يحكم على الحديث بالصحة، ويدرجه في كتابه هذا، إذا استوفى الشروط المذكورة، أو يطرحه ويدرجه في "كتاب الضعفاء" إذا أخلّ بواحد منها، وهو في صنيعه هذا يعد نفسه إماماً مجتهداً، لا يقلد أحداً من الأئمة الذين تقدموه، ولا يعبأ بمخالفتهم له فيما انتهى إليه، يقول: "فَمَنْ صحَّ عِنْدِي مِنْهُمْ بِالْبَرَاهِين الْوَاضِحَةِ، وَصِحَّةِ الاعْتِبَارِ- عَلَى سَبِيلِ الدِّينِ- أنَّهُ ثِقَة احْتَجَجْتُ بِهِ، وَلَمْ اعَرِّجْ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَدَحَ فِيهِ. وَمَنْ صَحَّ عِنْدِي بالدلائل النيرة، وَالاعْتِبَارِ الْوَاضِحِ- عَلَى سَبِيلِ الدِّينِ- أنَهُ غَيْرُ عَدْلٍ، لَمْ أحْتَجَّ بِهِ، وَإِنْ وَثَّقَهُ بَعْضُ أئِمَّتِنَا" (٢).
وهذه الشروط التي شرطها ابن حبان لتصحيح الحديث في كتابه- وهي شروط دقيقة تتطلب جهداً كبيراً، ويقظة تامة، وإحاطة واسعة- قد التزمها، ووفى بها في عامة ما أدرجه في صحيحه هذا من الأحاديث، ولم يُخِل بذلك إلا فيما لا يخلو منه عالم أو كتاب من السهو والغلط، أو من اختلاف الرأي في الجرح والتعديل، والتوثيق والتضعيف، والتعليل والترجيح.
ترتيبه، وموقف العلماء منه:
إن ابن حبان الذي يعتقد أن في لزوم السنة "تَمَامَ. السلامه، وَجِمَاعَ
وَفِي رَأْيِنَا انَّ هذَا الْحُكْمَ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَإِنَّمَا هُوَ تَسْويغ لموقفٍ غَيْرِ عَمَلِي مِنْ جَديدٍ قَدْ يَكُونُ مُفِيداً، دَفَعَهُمْ إِلَيْهِ الْحِرْصُ وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى أسْلُوب ألِفُوهُ وَتَمَرَّسُوا بهِ وَعَايَشُوهُ، حَتَّى أصْبَحَ جُزْءاً مِنْ شخصيَّتهم الْعِلْمِيَّةِ وَهُوَ الْمُتَّبَعُ فِي تَصْنِيف أقْدَسِ مَا يَكُونُ بَعْدَ كِتَابِ اللهِ الْعَزيزِ الْحَمِيدِ. لَقَدْ حَكَمُوا عَلَى هذِهِ الطَّريقَةِ دُونَ أيَّةِ مُمَارَسَةٍ، وَوَصَفُوهَا بِالْعُسْرِ دُونَ اخْتِبَارٍ وَتَجْرِيبٍ، وَلَمْ يَتَّبِعْهَا أحدٌ بَعْدَ ابْنِ حِبَّان فَمَاتَتْ بَعْدَهُ.
أقوال العلماء في ابن حبان ومصنفاته:
مما لا يختلف فيه اثنان، أنَّ مِنْ أكْثَرِ الناس معرفةً بالرجلِ تلاميذُهُ الذين تَطولُ مُلازَمَتُهُمْ لَه، لأنهُمْ يَطلِعونَ عَلَى كلِّ أحوالِهِ: في الرِّضَى، وَالغَضَب، وَالْعُسْرِ، وَالْيُسْرِ، وَالْمَنْشَطِ، وَالْمَكْرَهِ لِذلِكَ نَبْدَأُ بِأقوالِ الحاكِمِ في شيخَهِ الإمَام مُحمد بن حبان.
قال الحاكَمُ: "أبو حاتِم البُسْتِيُّ القاضي كَانَ مِنْ أوعيَةِ العِلْم في اللُّغَةِ، والفِقْهِ، وَالْحَدِيثِ، وَالْوَعْظِ، وَمِنْ عُقَلاءِ الرِّجَالِ صَنَّفَ فَخَرَجَ لَهُ مِنَ التَصنِيفِ فِي الْحَدِيثِ مَالَا يُسْبَقُ إِلَيْهِ" (١). وًقَالَ أيضاً: "سمعت أبا علي الحسين بن علي الحافظ- وذكر كتاب المجروحين لأبي حاتم البستي- فقال: كان لعمر بن سعيد بن سنان ابنٌ رحلَ في طلبِ الحديثِ، وأدركَ هؤلاءِ الشيوخَ، وَهذا تَصنيفُهُ، وأسَاءَ القولَ في أبي حاتمٍ. قَالَ الحاكمُ: أبو حَاتِم كبيرٌ في العلومِ، وَكَانَ يُحْسَدُ لِفَضْلِهِ وَتَقَدُّمِهِ" (٢).
стр. 45
ووصفة الخطيب البغداديُّ بقوله:"وكان ابن حبان ثقهً نبيلا فاضلا" (١). وَقَالَ الخطيبُ- بعد أن ذكر عدداً من مصنفات ابن حبان-: "وَمثلُ هذِهِ الكتب الجَليلة، كانَ يَجِبُ أنْ يَكْثُرَ بهَا النَسْخُ فَيَتَنَافَسَ فِيهَا أهلُ الْعِلْمِ، ويَكْتُبُوهَا وُيجَلِّدُوهَا إِحْرَازاً لَهَا، وَلَا أحْسَبُ الْمَانِعَ مِنْ ذلِكَ إلَاّ قِلَّةَ مَعْرِفَةِ أهْلِ تِلْكَ الْبلَادِ بِمَحَلِّ الْعِلْمِ وَفَضْلِهِ، وَزُهْدَهُمْ فِيهِ وَرَغْبَتَهُمْ عَنْهُ، وَعَدَمَ بَصيرَتِهِمْ بِهِ" (٢).
وَقَالَ عبدُ اللهِ بن محمد الأستراباذي: "وَكَانَ- ابنُ حبان- مِنْ فُقَهَاءِ الدِّينِ، وَحُفَّاظِ الآثارِ، وَالْمشْهُورِينَ فِي الأمْصَارِ وَالأقْطَارِ، عَالماً بالطِّبِّ والنُّجُومِ، وَفُنُونِ الْعِلْمِ" (٣).
وَقالَ أبو سَعْدٍ الإِدريسي: "كَانَ مِنْ فُقَهَاءِ الدِّينِ، وَحُفاظِ الآثَارِ، عَالِماً بالطِّبِّ، والنّجُومِ، وَفُنُونِ الْعِلْمِ" (٤).
وَقَالَ يَاقوت الحموي: "كَانَ- ابنُ حبان- مُكْثراً مِنَ الْحَدِيثِ، وَالرِّحْلَةِ، وَالشُّيُوخِ، عَالِماً بالْمُتُونِ وَالأسَانِيدِ، أخْرَجَ مِنْ عُلُوم الْحَدِيثِ مَا عَجَزَ عَنْهُ غَيْرُهُ، وَمَنْ تَأمَّلَ تَصَانِيفَهُ تَامُّلَ مُنْصِفٍ، عَلِمَ أنَّ الرَّجُلَ كَانَ بَحْراً فِي الْعُلُومَ" (٥).
وقال أحمد بن علي بن ثابت البغدادي: "مِنَ الْكُتُبِ الَّتِي تَكْثرُ مَنَافِعُهَا
стр. 46
- إن كانت على قدر ما ترجمها به واضعها- مُصَنَّفَاتُ أبي حَاتِمٍ البستي ... وَلَمْ يُقَدَّرْ لِي الوُصُولُ إلى النَّظَرِ فِيهَا، لأِنَهَا غَيْرُ مَوْجُودَةٍ بَيْنَنَا" (١).
وقال الإمام الذهبي: "وَكَانَ عَارِفاً بالطِّبِّ، وَالنُّجُومِ، وَالْفِقْهِ، رَاساً فِي مَعْرِفَةِ الْحَدِيثِ" (٢).
وَقَالَ السمعاني: "كَانَ أبو حَاتمٍ إمامَ عَصْرِهِ صنّف تصانيف لم يسبق إلى مثلها" (٣).
وقال ابن الأثير: "إِمَامُ عَصْرِهِ، لَهُ تَصَانِيفُ لَمْ يُسْبَقْ إِلَيْهَا" (٤).
وقال الحافظ ابن حجر: "كَانَ مِنْ أئِمَّةِ زَماَنِهِ، وَطَلَبَ الحديثَ عَلَى رَأْسَ سَنَةِ ثَلَاثِ مِئَةٍ". وقال أيضاً: "وَكَانَ عَارِفاً بالطِّبِّ، وَالنُّجُومِ، وَالكَلامِ، وَالْفِقْهِ، رَأْساً فِي مَعْرِفَةِ الْحَدِيثِ". وقال أيضاً: "وَابْنُ حِبَّانَ كَانَ صَاحِبَ فُنُونٍ، وَذَكَاءٍ مُفْرِطٍ، وَحِفْظٍ وَاسِعٍ إِلَى الْغَايَةِ" (٥).
وقال علاءُ الدين الفارسي: "فَإِنَّ مِنْ أجْمَعِ الْمُصَنَّفَاتِ فِي الأخْبَارِ النبوية، وَأنْفَعِ الْمُؤَلَّفَاتِ فِي الآثارِ المحَمَّدِيَّةِ كِتَابَ: التَّقاسِيمِ وَالأنْوَاعِ" (٦). وقال ابن العماد: "العَالِمُ الحَبْرُ، وَالعَلَاّمَةُ الْبَحْرُ، كَانَ حَافِظاً ثَبتاً إِماماً
стр. 47
حُجَّةً، أحَدَ أوْعِيَةِ الْعِلْم ... وَكَانَ مِنْ أوعِيَةِ الْعِلْمِ فِي الحَديثِ، وَالْفِقْهِ، وَاللُّغَةِ، وَالوَعْظِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، حَتَّى الطِّبِّ، وَالنُّجُومِ، والْكَلَامِ" (١).
وقال الأسنوي: "كَانَ مِنْ أوعِيَةِ الْعِلْمِ، لًغَةً، وَحَدِيثاً، وَفِقْهاً، وَوَعْظاً، وَمِنْ عُقَلَاءِ الرِّجَالِ" (٢).
وقال الصفدي: "كَانَ مِنْ فُقَهَاءِ الدِّينِ، وَحُفَّاظِ الآثَارِ، عَالِماً بالطِّبِّ، وَالنُّجُوم وَفُنُونِ الْعِلْمِ" (٣).
وقَال الحافظ ابن كثير: "مُحمدُ بن حبان صَاحِبُ "الأنْوَاعِ والتقاسيم" وَأحَدُ الحُفَّاظِ الْكِبَارِ الْمُصَنِّفِينَ، الْمُجْتَهِدينَ" (٤).
فهذه شهاداتٌ - دون الحصول على واحدة منها خرطُ القَتَادِ- صدرت عن علماء ثقات- متخصصين في الحديث النبوي الشريف رواية ودراية، وفي غيره من العلوم وفنون المعرفة، تدل كلها على أن ابن حبان بلغ مرتبة الإِمامة في علم الحديث، وفي غيره من العلوم، وتدل أيضاً على أن مصنفاته غاية في النفاسة، والد قة، والجدّة، والجودة، والاتقان.
آراء العلماء في هذا الصحيح ومناقشتها:
إنه لمن المؤسف جداً أن مصنفاً عظيماً في الحديث النبوي الشريف، يحاول جامعه أن يستوعب فيه ما صحّ عن رسول الله ﷺ يكون نصيبه الترك والِإهمال، حتى الضياع، إذ لم نجد عالماً تعقب ابن حبان في صحيح، ولا شارحاً له، ولا دارساً منصفاً استقصاه.
стр. 48
نعم لقد أعاد الأمير علاء الدين الفارسي (٦٧٥ - ٧٣٩) ترتيبه على أبواب الفقه، وسمّاه "الِإحسان في تقريب صحيح ابن حبان". وقد خطا الحافظ مغلطاي خطوة أوسع من هذه ولكنها لم تتكامل. قال الحافظ ابن حجر في "لسان الميزان" ٦/ ٧٤: (ومن تخريجاته- يعني: مغلطاي- ترتيب بيان "الوهم والإِيهام" لابن القطان، وزوائد ابن حبّان على الصحيحين، وترتيب صحيح ابن حبان على أبواب الفقة رأيتهما بخطّه ولم يكملا ... ". كما جرّد الحافظ نور الدين علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي زوائده على الصحيحين وسمّاه "موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبّان". كما قام عمر بن علي المعروف بابن الملقن، والمتوفى سنة (٨٠٤) باختصاره وترتيبه على أبواب الفقه أيضاً. وجميع هذه الخدمات ظاهر أنها تتعلق بالشكل، ولم تمسّ المضمون بشرح أو تعليق، أو تقويم يعتمد على النقد الصحيح للإسناد والمتن وفق القواعد التي أرسى قواعدها أساطين هذا الفن. وقد بدأ فعلاً بخدمة هذا المصنّف الجليل الخدمة الفعلية الشيخ الأُستاذ أحمد شاكر، فحقق في جزء واحداً وثلاثين ومئة حديث نشرها مع مقدمات كتبها الحافظ ابن حبان مقدِّماً بها أنواعه وتقاسيمه، وقد جمعها الأمير علاء الدين في "الِإحسان" في مكان واحد.
وأما ما عدا ذلك فأحكام يطلقها قائلها على عجالة من أمره، ثم يتناولها مَنْ بَعْده إمَّا مسلماً بها لحُسْن ظنه وثقته بقائلها، وإما رادّاً لها ردّاً لا يعتمد أيضاً على الدراسة الشاملة، والنقد البصير، والاستقصاء التام، وإليك ما اطّلعنا عليه من أقوال، وقد جعلناها في قسمين ليسهل أمر مناقشتها والرد عليهما:
стр. 49
١ - القسم الأول:
إن أول عبارة نقدية نقرؤها- فيما اطلعنا عليه- هي قول الحازمي في "شروط الأئمة الخمسة" ص: (٣١ - ٣٢): "ابنُ حِبَّان أمْكَنُ فِي الْحديثِ مِنَ الْحَاكِمِ". وبين وفاتيهما ثلاث ومئة سنة.
ثم نقرأ في مقدمة أبي عمرو بن الصلاح المتوفى (٦٤٣ هـ) ص: (١١) بعد وصفه للحاكم بأنه واسع الخطو في شرط الحديث قوله: "وُيقَارِبُهُ فِي حُكْمِهِ صَحيحُ ابْنِ حبان.
ويشْرحُ العِرَاقِي مُرادَ ابن الصَّلاح بقَوْلهِ: "أرادَ أنَّهُ يُقَارِبُهُ فِي التَّسَاهُلِ، فَالْحَاكِمُ أشَدُّ تَسَاهُلاً مِنْهُ، وَهُوَ كَذلِكَ".َ ثُمّ اسْتَشْهَدَ بِقَولِ الَحازِميّ السَابِقِ.
ويقول السخاوي في شرح "ألفية الحديث" ١/ ٣٥: "وابن حبان يداني الحاكم في التساهل وذلك يقتضي النظر في أحاديثه أيضاً، لأنه غير متقيد بالمعدلين، بل ربما يخرج للمجهولين (١) ولا سيما ومذهبه إدراج الحسن في
стр. 50
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 51
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 52
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 53
الصحيح مع أن شيخنا -يعني الحافظ ابن حجر- قد نازع في نسبته إلى التساهل إلا من هذه الحيثية. وعبارته -يعني عبارة ابن حجر-: إن كانت باعتبار وجدان الحسن في كتابه فهي مشاحّة في الاصطلاح لأنه يسمّيه صحيحاً، وإن كانت باعتبار خفّة شروطه، فإنه يخرج في الصحيح ما كان راويه ثقة غير مدلس سمع ممّن فوقه وسمع منه الآخذ عنه، ولا يكون هنا إرسال ولا انقطاع، وإذا لم يكن في الراوي جرح ولا تعديل، وكان كلُّ من شيخه والراوي عنه ثقة، ولم يأتِ بحديث منكر، فهو عنده ثقة. وفي كتاب "الثقات" له كثير ممّن هذه حاله، ولأجل هذا ربما اعْتَرَضَ عليه في جعلهم من الثقات مَنْ لم يعرف اصطلاحَه، وَلا اعْتِرَاضَ عليه فإنه لا يُشَاح في ذلك"
قلت- القائل هو السخاوي-: ويتأيد بقول الحازمي: ابن حبان أمكن في الحديث من الحاكم، وكذا قال العماد ابن كثير: "قد التزم ابن خزيمة وابن حبان الصحة وهما خير من المستدرك، وأنظف أسانيد ومتوناً". وجاء في كشف الظنون ٢/ ٧٧: "قال ابن حجر في "النكت": وفيه -يعني صحيح ابن حبّان- تَسَاهُلٌ، لكنهُ أقلُّ من تَساهُل الحاكم في المستدرك.
стр. 54
قيل: هذا غير مسلم، وليس عند البستي تساهل وإنما غايته أن يسمى الحسن صحيحاً، فإنه وفى بالتزامه، ولم يوف الحاكم. ذكره البقاعي". وقد رَدَّ الإِمام اللكنوي في "الرفع والتكميل" صفحة ١٣٩ دعوى التساهل هذه فقال: "وقد نسب بعضهم التساهل إلى ابن حبان وقال: هو واسع الخطو في باب التوثيق، يوثق كثيراً ممّن يستحق الجرح وهو قول ضعيف. فإنك قد عرفت سابقاً -يعني في الصفحة (١١٧ - ١٢٠) حيث ذكر وصف الذهبي له بالتقعقع، ووصفه بالخساف، وذكر وصف الحافظ ابن حجر له بالتشدد واعتبره من المتعنتين المتشددين،- أن ابن حبان معدود ممّن له تعنت وإسراف في جرح الرجال، ومَن هذا حاله لا يمكن أن يكون متساهلاً في تعديل الرجال، وإنما يقع التعارض بين توثيقه وبين جرح غيره لكفاية ما لا يكفي في التوثيق عند غيره، عنده". ويقول ابن العماد الحنبلي في "شذرات الذهب" ٣/ ١٦: "وأكثر نقاد الحديث على أن صحيح ابن حبان أصحّ من سنن ابن ماجه". ويقول الذهبي في "سير أعلام النبلاء" ١٦/ ٩٧: "وإن كان في تقاسيمه من الأقوال، والتأويلات البعيدة، والأحاديث المنكرة عجائب".
وردنا على كل تعميم سابق أن نضع بين يدي القارئ الكريم ما انتهينا إليه نتيجة دراستنا لأسانيد هذا الكتاب دراسة فاحصة متأنية ماثلة للعيان في تخريجاتنا وتعليقاتنا. لقد ضم الجزء الأول الذي تقدم له (٣٠٤) أربعة وثلاث مئة حديث بالمكرر، وقد قمنا بتصنيفها فكانت ثلاث مجموعات:
الأولى: ما شاركه فيها البخاري ومسلم أو أحدهما، أو البخاري في
стр. 55
غير صحيحه، وأصحاب السنن، وأحمد وغيره، وبلغت (١٨٨) ثمانية وثمانين ومئة حديث.
والثانية: ما شاركه فيها أصحاب السنن الأربعة أو بعضهم، أو الإِمام أحمد، أو مالك، أوالدارقطني، ومنها ما هو صحيح لذاته أو لغيره، ومنها ما هو حسن لذاته أو لغيره، وكلها صالحة للاحتجاج. وقد بلغت (١١٠) عشرة ومئة حديث.
والثالثة: وقد حكمنا بضعفها بمقتضى القواعد التي اتفق عليها جمهور المحدثين وقد يشاركه غيره من أصحاب السنن بتخريجها أو ينفرد بها. وعددها (٦) ستة أحاديث.
وهذه الِإحصائية القائمة على الاستقراء، والدراسة الجادّة، تبيّن لنا أن نسبة الضعيف في صحيح ابن حبان أقل من ٢%، وهذه نسبة قلّما يخلو منها كتاب من كتب السنّة التي تحرى أصحابها الصحة في مروياتهم. وصدق الإِمام الشافعي في قوله: "أبى الله أن تكون العصمة لغير كتابه". وفي رأينا أن الرد على كل ما سبق من تعميمات، كامن في هذه الدراسة والحمد لله أولاً وآخراً.
٢ - القسم الثاني:
لقد جاء في كتاب "توضيح الأفكار لمعاني تنقيح الأنظار" ١/ ٦٤ قولَ ابْنِ النَّحْوي- المعروف بابن الملقن-: "غالبُ صحيحِ ابنِ حبان مُنْتَزَعٌ مِنْ صَحيحِ شَيْخِهِ إِمامِ الأئمةِ محمد بن خزيمة".
ولسَبْر ما في هذا القول من الحق أو المجانبة له، قمنا بإحصاء ما جاء في المجلد الأول من صحيح ابن حبان فبلغ مجموع ما فيه (٥٩٥) خمسة
стр. 56
وتسعين وخمس مئة حديث، ثم رتبناها بحسب شيوخه الذين أكثر الرواية عنهم، فكانت:
١ - من طريق الحسن بن سفيان (٦٤) حديثاً.
٢ - من طريق أبي يعلى الموصلي (٤٨) حديثاً.
٣ - من طريق عبد الله بن محمد الأزدي (٤١) حديثاً.
٤ - من طريق الفضل بن الحباب (٣٦) حديثاً.
٥ - من طريق الحسن بن قتيبة اللخمي (٣٤) حديثاً.
٦ - من طريق محمد بن خزيمة (١٣) حديثاً.
٧ - ومن طريق. . . .
ثم أحصينا كتاب الطهارة عند كل من ابن خزيمة، وتلميذه ابن حبان فوجدناه (٣٠٠) ثلاث مئة حديث عند الشيخ. وثمانيةً وأربعَ مئةِ حديث (٤٠٨) عند التلميذ، منها (٢٨) ثمانية وعشرون حديثاً من طريق شيخه ابن خزيمة، فأين إذاً هذا الانتزاع المدَّعى؟ وهَبْ أن كلام ابن الملقن صحيح - وهو غير صحيح كما رأيت- فإن نشر هذا الكتاب القيِّم يكون العوض عن صحيح ابن خزيمة الذي ضاع ثلاثة أرباعه مع ما ضاع من تراثنا العظيم.
قيمة هذا الصحيح:
لقد أسلفنا القول: إن هذا الصحيح لقي من الإِهمال والترك ما لا يستحقه كتاب لا يتمتع بمعشار ما يتمتع به هذا المصنف العظيم، ولم يلق من الدراسة والعناية والاهتمام ما لقيه غيره من كتب السنّة المطهرة حتى قام علاء الدين الفارسي (٦٧٥١ - ٧٣٥ هـ) بإعادة ترتيبه على أبواب الفقه، فتضلّع به، وسبر ما فيه وهو عالم ذو شأن في هذا المضمار فقال بحق: "فَإِنَّ مِنْ أجْمَعِ المُصَنَّفَاتِ فِي الأخْبَارِ النَبَوِيَّةِ، وَأنْفَعِ المؤلَّفات فِي الآثَارِ المُحَمَّدِيَّةِ كِتَابُ "التَقَاسِيمِ وَالأنْوَاعِ".
стр. 57
وقال العلاّمة أحمد شاكر في مقدمة الجزء الذي حقّقه ص (١١):
"صَحِيحُ ابْنِ حِبَّان كِتَابٌ نَفِيسٌ، جلِيلُ القَدْرِ، عَظِيمُ الْفَائِدَةِ، حَرَّرَهُ مُؤَلِّفُهُ أدَقَّ تَحْرِيرٍ، وَجَوَّدَهُ أحْسَنَ تَجْوِيدٍ، وَحَقَقَ أسَانِيدَهُ وَرِجَالَهُ، وَعَلَّلَ مَا احْتَاجَ إِلَى تَعْلِيلِ مِنْ نُصُوصِ الأحَادِيثِ وَأسَانِيدِهَا، وَتَوَثَّقَ مِنْ صِحَّةِ كُلِّ حَديثٍ اخْتَارَهُ عَلَىَ شَرْطِهِ، وَمَا أظُنُهُ أخَلَّ بِشَيْءٍ مِمَا الْتَزَمَ إِلَاّ مَا يُخْطِىءُ فِيهِ الْبَشَرُ، وَمَا لَا يَخْلُو مِنْهُ عَالِمٌ مُحَقِّق".
ونحن- بعد الدرس- نقول: إن هذا الصحيح الذي نقدمه الآن للقرّاء، فيه من المزايا ما يجعله بالفعل محطّ أنظار الدارسين الغيورين على السنّة المطهرة، الساعين لجمعها ونشرها، فهو يجمع كل خصائص الكتب التي ألِّفت في بابه، ويزيد عليها:
١ - فهو المحاولة الثانية الجادة في تاريخنا العلمي لاستيعاب الأحاديث الصحيحة كلها في مصنّف واحد، واطّراح ما سواها. لذلك فهو- برأينا- أكثر من نواة لمعلمة الحديث الصحيح التي آن وقت جمعها لتكون منار الهدى في يد كل مسلم، تجمع شعث الآراء، وتوحِّد منهج الحياة، وتطرح أسباب الفرقة والخلاف، إذ ليس لأحد قول مع رسول الله- ﷺ . وإننا لنرجو الله تعالى أن يلهم الغيورين على ذلك العمل، وأن يهبهم القدرة على جمعها إنه خير مسؤول وأسرع مَن يجيب.
٢ - لقد توّج الإِمام ابن حبان كل حديث بعنوان فقهي، استنبطه من نص الحديث- صنيع البخاري ﵀ في صحيحه- ولكنه زاد عليه كثيراً، لأنه درس كلِ حديث أولاً، ولأن عدد الأحاديث في صحيح ابن حبّان تزيد على ما عند البخاري ثانياً.
ومنْ تَصَفُّح العناوين يدرك القارئ مقدرة خارقة على النفاذ إلى النص واستشفاف مؤداه، وذكاءً مدهشاً في صياغة العنوان الذي يدل على المحتوى ويوضح المقصود.
стр. 58
٣ - إنه يذيِّل بعض الأحاديث التي يعتقد أن تأويلها مثار اختلاف بتعليقات يكشف المراد منها- حسب رأيه- وهي في كثير من الأحيان لا تعدو الحق، وفي كل الأحيان تدل على سعة علم، ودقة فهم، وتعمّق مذهل في كل معارف العصر، ومعطيات الحياة.
٤ - إنه- وهو الإمام المجتهد في الجرح والتعديل- يعرف ببعض الأشخاص الذين تتشابه أسماؤهم وينص على كل منهم، ويبين درجة كل منهم، حسب الأصول التي أصلها في كتابيه: "الثقات" و"المجروحين".
٥ - وهو لتضلعه بالسنّة، ولعلمه الغزير، ولملاحظته النافذة، وذكائه المتوقد، يدرك بثاقب نظره أين يمكن أن يكون التعارض بين حديثين أو أكثر، فيحاول الجمع بينهما، ويبيّن المراد منهما، ويكشف عن الحالات التي ينبغي العمل بكل منهما، فيها. إننا نقول ذلك لا لننصف الرجل، لأن إنصاف هذا الإِمام العظيم يكمن فيما ترك من آثار، وبخاصة في هذا السفر الجليل الذي شرّفنا الله بخدمته وإخراجه للناس، وهم واجدون فيه تصديقاً لما قاله ياقوت في "معجم البلدان " ١/ ٤١٥: "ومَن تأمَّل تصانيفه تأمل مُنصِف، علم أن الرجل كان بحراً في العلوم".
نهاية المطاف:
لا شك أن ابن حبان قد تعب من السفر الطويل- والسفر قطعة من العذاب- وقد آن لهذا الإِمام العظيم أن يعود إلى وطنه- وفي الإنسان ميل أصيل إلى مدارج الصبا، وملاعب الطفولة- ليضع عصا الترحال، وليمسح عن جبينه المكدود غبار السفر، وشقاوة البعاد، وليريح جسمه من الضنى وألم الفرقة للأهل والأصحاب، ثم ليوزع بعد ذلك ما في جعبته من خير على طالبيه.
стр. 59
لقد تجول في المدرسة الواسعة- العالم الِإسلامي- ليجمع خير ما فيه، وليضع خير ما جمع في مدرسة صغيرة- في بيته- ليوفر على طلاب العلم سنوات العمر ومشاق الرحلات.
قال الحاكم: "أبو حاتم ابن حبان، دارُه التي هي اليوم مدرسة لأصحابه، ومسكن للغرباء الذين يقيمون بها من أهل الحديث والمتفقهة، ولهم جرايات يستنفقونها، وفيها خزانة كتبه في يَدَيْ وصي سلمها إليه ليبذلها لمن يريد نسخ شيء منها في الصفة، من غير أن يخرجها منها، شكر الله عنايته في تصنيفها، وأحسن مثوبته على جميل نيّته في أمرها، بفضله ومنّته".
رحمك الله أيّها الإِمام العظيم، وأسكنَك فسيح جنانه، ما أشدّ غيرتك على الإسلام! وما أكبر حرصك على المسلمين! تجوب العالم الِإسلامي كله، متحملاً المصاعب والمتاعب والمشاق، لتجمع ما يتشوق كل طالب علم إلى جمعه- وليسوا عليه بقادرين، ثم تخضّه لتستخرج ما فيه من زبدة، ولا تكتفي بتيسير الوصول إليه، وإنما ترصد نفقة لكل طالب دخل مدرستك العظيمة، حتى لا يشعر بذل الحاجة، وحتى لا تدفعه عن غايته كآبة الأيام!!
لقد تعبت فيما جمعت فكنت الحريص عليه من الضياع "من غير أن يخرجها منها". وعانيت من الغربة، وشظف العيش وقساوة الحياة فكنت الأب البار لروّاد مدرستك، بيتك الكريم! فماذا فعل الطاعن الحاسد، والمفتري الحاقد؟!
كانت هذه المأثرة العظيمة خاتمة عمله، فأين ومتى كانت وفاة هذا الإمام الكريم؟
стр. 60
لقد نقل ياقوت الحموي بسنده أن أبا حاتم توفي ليلة الجمعة لثماني ليالٍ بقين من شوال سنة أربع وخمسين وثلاث مئة (٣٥٤) للهجرة، ودفن بعد صلاة الجمعة في الصفة التي ابتناها بمدينة "بست" بقرب داره.
بينما ذكر الحافظ أبو عبد الله الغنجار في "تاريخ بخارى" أنه مات بسجستان سنة (٣٥٤) وتعقبه ياقوت بقوله: "وقبره ببست معروف يزار إلى الآن، فإن لم يكن نقل من سجستان إليها بعد الموت، وإلا فالصواب أنه مات ببست". تغمده الله بواسع رحمته، وأسكنه فسيح جنته.
стр. 61
عملنا في هذا الكتاب
[صحيح ابن حبان]
وأما خدمتنا لهذا الكتاب النفيس، والجهد الذي بذلناه ونبذله في سبيل ذلك، فإنه خدمة للسنّة النبوية المطهرة وهو شرف لنا وقربى، وإننا لنحتسب ذلك عند مَن لا يضِيع أجر مَن أحسن عملاً. وإننا إذ نذكر بعض الخطوات التي كانت لنا منهجاً في إخراج هذا الصحيح، إنما نذكرها طمعاً في الإفادة من آراء إخوة لنا يعملون في هذا المضمار الشريف توجيهاً، وإرشاداً، وتداركاً لنقص، ليكون الإخراج أجود وأحكم.
١ - لقد نسخنا النص، ثم قمنا بتفصيله وتنقيطه.
٢ - قابلنا المنسوخ على المخطوط مقابلة واعية لنتدارك الخطأ والنسيان، ولنتلافى السقط والتحريف والتصحيف، فالقلب قد يسهو، والنظر يزيغ، والقلم يطغى.
٣ - درسنا الأسانيد دراسة جادة وفق القواعد التي اتفق عليها جمهور علماء الحديث الشريف، وأثبتنا ما أوصلتنا إليه هذه الدراسة لكل إسناد، في بداية كل حديث من أحاديث هذا الصحيح.
٤ - دللنا على مصادر التخريج، مرتبين؟ هذه المصادر بحسب أقرب شيخ إلى المصنفين الذين خرّجوا هذا الحديث، ثم الشيخ الذي يليه، وهكذا، وأخيراً نذكر الطرق الأُخرى له إن وجدت- وهذا أمر يفيد كثيراً
стр. 62
في الوصول إلى المتابعين لكل راوٍ من رواته.
٥ - الدلالة على الشواهد، وذكر عدد الصحابة الذين رووا الحديث، وبذلك يعرف المتواتر، والمشهور، والمستفيض، والعزيز، والغريب ...
٦ - أشرنا إلى كثير من التصحيفات والتحريفات، وصححناها في مواضعها، وأشرنا إلى ذلك في التعليقات ...
فقد قال الدوري- تاريخ ابن معين ٤/ ٢٤٨ برقم (٤١٩٥) -: "قلت ليحيى: ما تقول في الرجل يُقوِّم للرجل حديثَه، ينزع عنه اللحن؟ فقال: لا بأس به".
وأخرج الخطيب أيضاً في الكفاية ص (١٩٤) بإسناده إلى عيسى بن يونس قال: "قال رجل للأعمش: إن كان ابن سيرين ليسمع الحديث فيه اللحن فيحدّث به على لحنه. فقال الأعمش: إن كان ابن سيرين يلحن، فإن النبي ﷺ لم يلحن، يقول: قوّمه".
وقال الخطيب في الكفاية ص (١٩٨): "وهذا إجماع منهم أن إصلاح اللحن جائز". وقد أخرج الخطيب في الكفاية ص (٢٤٨) بإسناده إلى الأوزاعي أنه قال: "لا بأس بإصلاح الخطأ، واللحن، والتحريف في. الحديث". وسئل النسائي عن اللحن في الحديث فقال: "إن كان شيء تقوله العرب- وإن كان لغة غير قريش فلا تغيِّر، لأن النبي ﷺ كان يكلم الناس بكلامهم، وإن كان مما لا يوجد في لغة العرب، فرسول الله ﷺ ﷺ لا يلحن". انظر معجم البلدان٥/ ٢٨٢.
٧ - شكلنا النص شكلاً كاملاً، ثم شرحنا غريبه، معتمدين في ذلك كتب
стр. 63
اللغة، وأُمهات كتب الحديث وغريبه.
٨ - ذيّلنا الحديث بما يستنبط منه من الأحكام الفقهية، من فتح الباري الذي هو بحق قاموس السنة، للحافظ ابن حجر، وشرح مسلم للنووي، وإكمال إكمال المعلم للأبي، والمفهم لابن المزين القرطبي (٥٧٨ - ٦٥٦ هـ).
٩ - دللنا على المواطن، والأماكن، وحددناها، مع الضبط بالشكل، وبالكتابة.
١٠ - ضبطنا الأعلام، والأنساب، ودللنا على مصادرها.
١١ - أشرنا في كثير من الأحيان إلى الاختلاف في بعض ألفاظ الرواية بين المصنف وبين الشيخين وغيرهما.
١٢ - قسّمنا الكتاب إلى أجزاء متقاربة الحجم، بغضّ النظر عن الكتب والأبواب والأحاديث التي يحتويها كل جزء.
١٣ - ناقشنا الكثير من آراء الحافظ ابن حبان، وأثبتنا ما ذهبنا إليه واعتقدنا أنه الصواب في تعليقاتنا.
١٤ - أعطينا الأحاديث أرقاماً متسلسلة من أول الكتاب إلى آخره.
١٥ - وضعنا لكل جزء فهرساً بحسب العناوين الفقهية التي جعلها المصنف عناوين لحديث أو أحاديث الباب أو الفصل.
١٦ - صنعنا لكل جزء فهرساً لأحاديثه، وذلك ليسهل على المراجع معرفة مكان الحديث.
والله نسأل أن يجزل لنا الثواب، ويغفر لنا يوم الحساب، إنه خير
مسؤول وأكرم مَن يجيب.
١ شعبان سنة (١٤٠٣) هـ
الموافق ١٣ أيار لعام ١٩٨٣ م.
стр. 64
المصنّف والكتاب
أعني: الحافظ الهيثمي، وموارد الظمآن
أما المصنف فإنني أدع التعريف به لحافظ عصره شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي، في كتابه "الضوء اللامع " ٥/ ٢٠٠ - ٢٠٣ إذ يقول: هو "علي بن أبي بكر بن سليمان بن أبي بكر بن عمر بن صالح، نور الدين، أبو الحسن الهيثمي، القاهري، الشافعي، الحافظ، ويعرف بالهيثمي.
كان أبوه صاحب حانوت بالصحراء فولد له هذا في رجب سنة خمس وثلاثين وسبع مئة، ونشأ فقرأ القرآن. ثم صحب الزين العراقي (١) وهو بالغ، ولم يفارقه- سفراً وحضراً حتى مات- بحيث حجّ معه جميع حجّاته، ورحل معه سائر رحلاته، ورافقه في جميع مسموعه بمصر، والقاهرة، والحرمين، وبيت المقدس، ودمشق، وبعلبك، وحلب، وحماة، وحمص، وطرابلس، وغيرها، وربما سمع الزين بقراءته. ولم ينفرد عنه الزين بغير ابن
стр. 65
البابا (١)، والتقي السُّبكى (٢)، وابن شاهد الجيش (٣). كما أن صاحب الترجمة لم ينفرد عنه بغير صحيح مسلم على ابن عبد الهادي (٤).
стр. 66
وممّن سمع عليه سوى ابن عبد الهادي: الميدومي (١)، ومحمد بن إسماعيل بن الملوك (٢)، ومحمد بن عبد الله النعماني، وأحمد بن الرصدي (٣)، وابن القطرواني (٤)، والعُرْضِي (٥)، ومظفر الدين محمد بن
стр. 67
محمد بن يحيى العطار (١)، وابن الخباز (٢)، وابن الحموي (٣)، وابن قيِّم الضيائيهّ (٤)، وأحمد بن عبد الرحمن المرداوي (٥). فمما سمعه على المظفر: صحيح البخاري، وعلى ابن الخباز:
стр. 68
صحيح مسلم، وعليه، وعلى العُرْضي: مسند أحمد، وعلى العُرْضي، والمَيْدُومي: سنن أبي داود، وعلى المَيْدُومِي، وابن الخباز: جزء ابن عرفة. وهو مكثر سماعاً وشيوخاً، ولم يكن الزين يعتمد في شيءٍ من أُموره إلا عليه حتى أنه أرسله مع ولده الولي (١) لما ارتحل بنفسه إلى دمشق، وزوّجه ابنته خديجة، ورزق منها عدة أولاد، وكتب الكثير من تصانيف الشيخ، بل قرأ عليه أكثرها، وتخرّج به في الحديث، بل دربه في إفراد زوائد كتب:
كالمعاجم الثلاثة للطبراني، والمسانيد: لأحمد، والبزار، وأبي يعلى، على الكتب الستة. وابتدأ أولاً بزوائد أحمد فجاء في مجلدين، وكل واحد من الخمسة الباقية في تصنيف مستقل إلا الطبراني الأوسط والصغير فهُما في تصنيف. ثم جمع الجميع في كتاب واحد محذوف الأسانيد سمّاه "مجمع الزوائد" وكذا أفرد زوائد "صحيح ابن حبان" على الصحيحين، ورتب أحاديث "الحلية" لأبي نعيم على الأبواب، ومات عنه مسودّة، فبيّضه وأكمله شيخنا في مجلدين، وأحاديث "الغيلانيات" (٢)، و"الخلعيات" (٣) وفوائد
стр. 69
تمَّام (١)، والأفراد للدارقطني أيضاً على الأبواب في مجلدين، ورتب كلاًّ من "ثقات ابن حبان" و"ثقات العجلي" على الحروف. وأعانه بكتبه،- ثم بالمرور عليها، وتحريرها، وعمل خطبها، ونحو ذلك، وكادت بركة الزين عليه في ذلك وفي غيره. كما أن الزين استروح بَعْدُ بما عمله سيما "المجمع". وكان عجباً في الدين والتقوى والزهد والإِقبال على العلم، والعبادة، والأوراد، وخدمة الشيخ، وعدم مخالطة الناس في شيء، من الأُمور، والمحبة في الحديث وأهله. وحدث بالكثير رفيقاً للزين، بل قَلَّ أن حدث الزين بشيء إلا وهو معه. وكذلك قلّ أن حدّث هو بمفرده لكنهم بعد وفاة الشيخ أكثروا عنه. ومع ذلك فلم يغير حاله، ولا تصدر، ولا تمشيخ. وكان مع كونه شريكاً للشيخ يكتب عنه الأمالي بحيث كتب عنه جميعها. وربما استملى عليه، ويحدّث بذلك عن. الشيخ لا عن نفسه إلا لمن يضايقه، ولم يزل على طريقته حتى مات في ليلة الثلاثاء تاسع عشر رمضان سنة سبع بالقاهرة، ودفن من الغد خارج باب البرقية منها، ﵀ وإيانا.
وقد ترجمه ابن خطيب الناصرية (٢) في حلب، والتقي
стр. 70
الفاسي (١) في "ذيل التقييد"، وشيخنا (٢) في معجمه، وإنبائه، ومشيخة البرهان
الحلبَي (٣)، والْغَرْسُ خليل الأقْفَهْسي (٤) في "معجم ابن ظهيرة"، والتقي ابن
стр. 71
فهد (١) في معجمه، وذيل الحفّاظ، وخلق كالمقريزي (٢) في عقوده. قال شيخنا في معجمه: وكان خيِّراً، ساكناً، ليِّناً، سليم الفطرة، شديد الإنكار للمنكر، كثير الاحتمال لشيخنا ولأولاده، محباً في الحديث وأهله، ثم أشار لما سمعه منه وقرأه عليه. وأنه قرأ عليه إلى أثناء الحج من "مجمع الزوائد" سوى المجلس الأول منه ومواضع يسيرة من إثنائه، ومن أول زوائد مسند أحمد إلى قدر الربع منه.
قال: وكان يَوَدُّني كثيراً ويعينني عند الشيخ، وبلغه أنني تتبعت أوهامه
стр. 72
في "مجمع الزوائد" فعاتبني فتركت ذلك إلى الآن، واستمر على المحبة والمودّة. قال: وكان كثير الاستحضار للمتون، يسرع الجواب بحضرة الشيخ، فيعجب الشيخ ذلك. وقد عاشرتهما مدة فلم أرهما يتركان قيام الليل، ورأيت من خدمته لشيخنا وتأدبه معه من غير تكلف لذلك ما لم أره لغيره، ولا أظن أحداً يقوى عليه.
وقال في إنبائه: إنه صار كثير الاستحضار للمتون جداً لكثرة الممارسة، وكان هيِّناً، ديِّناً، خيِّراً، محبّاً في أهل الخير، لا يسأم ولا يضجر من خدمة الشيخ وكتابة الحديث، سليم الفطرة، كثير الخير والاحتمال للأذى، خصوصاً من جماعة الشيخ. وقد شهد لي بالتقدّم في الفن جزاه الله عنّي خيراً. قال: وكنت قد تتبعت أوهامه في كتابه "المجمع" فبلغني أن ذلك شق عليه فتركته رعاية له. قلت: وكأن مشقته لكونه لم يعلمه هو بل أعلم غيره. وإلا فصلاحه ينبو عن مطلق المشقّة أو لكونها غير ضرورية بحيث ساغ لشيخنا الإِعراض عنها. والأعمال بالنيّات.
وقال البرهان الحلبي: إنه كان من محاسن القاهرة، ومن أهل الخير، غالب نهاره في اشتغال وكتابة، مع ملازمة خدمة الشيخ في أمر وضوئه وثيابه، ولا يخاطبه إلا بسيدي حتى كان في أمر خدمته كالعبد، مع محبته للطلبة والغرباء وأهل الخير وكثرة الاستحضار جداً.
وقال المتقي الفاسي: كان كثير الحفظ للمتون والآثار، صالحاً خيِّراً.
стр. 73
وقال الأقْفَهْسي: كان إماماً، عالماً، حافظاً، زاهداً، متواضعاً، متودِّداً إلى الناس، ذا عبادة وتقشف وورع. انتهى.
والثناء على دينه، وزهده، وورعه، ونحو ذلك كثير جداً بل هو في ذلك كلمة اتفاق. وأما في الحديث فالحق ما قاله شيخنا أنه كان يدري منه فناً واحداً، يعني: الذي دربه فيه شيخهما العراقي. قال: وقد كان مَن لا يدري يظن لسرعة جوابه بحضرة الشيخ أنه أحفظ، وليس كذلك. بل الحفظ: المعرفة. ﵀ وإيانا" (١).
وأما الكتاب فإننا قد بذلنا وسعنا في "مقدمة التحقيق" كي نُظهِر - بالدليل- المكانة الحقّة التي تحتلها هذه الموسوعة الحديثية الكبرى في دنيا كتب الحديث، وليس موارد الظمآن إلا جزءاً من هذه الموسوعة، وهو يمثل أكثر من ثلث ما جاء فيها من أحاديث.
فقد اشتمل صحيح ابن حبان على ثمانية وأربعين وأربع مئة وسبعة آلاف حديث تقريباً، اشترك ابن حبّان والشيخان أو أحدهما في تخريج واحد وثمان مئة، وأربعة آلاف حديث منها، والباقي وهو سبعة وأربعون، وست مئة وألفا حديث تقريباً ليس منها شيء في الصحيحين- إلا ما سها عنه الهيثمي، وجلّ مَن لا يسهو- وإنما شارك ابن حبّان في تخريجها- أو بعضها- مالك، وعبد الرزاق، وأحمد، وأصحاب السنن، أو بعضهم، وهناك قسم- وهو قليل- تفرّد به ابن حبّان.
стр. 74
لقد استلّ الحافظ الهيثمي الأحاديث التي لم ترد في الصحيحين- أو أحدهما- من صحيح ابن حبّان ورتبها على أبواب الفقه ليسهل الرجوع إليها، وليس أجمل من حديث صاحب العمل عن إنتاجه: بدءاً، وغاية، يوضّح الدافع الذي دفعه إلى هذا العمل، والأسلوب الذي اتبعه في عمله، والغاية التي ينشدها ويسعى إلى تحقيقها بعمله هذا.
يقول الحافظ الهيثمي في مقدمته لهذا العمل الجليل: "فقد رأيت أن أُفرد زوائد صحيح أبي حاتم محمد بن حبان البستي ﵁ على صحيح البخاري ومسلم ﵄ مرتباً ذلك على كتب فقه أذكرها لكي يسهل الكشف منها، فإنه لا فائدة في عزو الحديث إلى (صحيح ابن حبّان) مع كونه في شيء منهما (١). وأردت أن أذكر الصحابي فقط، وأُسقط الإِسناد اعتماداً على تصحيحه، فأشار عليَّ سيّدي الشيخ الإمام، العلامة، الحافظ، وليّ الدين أبو زرعة، ابن سيدي الشيخ الإِمام العلاّمة، شيخ الإِسلام أبي الفضل عبد الرحيم بن العراقي بأن أذكر الحديث بسنده، لأن فيه أحاديث تكلم فيها بعض الحفّاظ، فرأيت أن ذلك هو الصواب ... ". وهذا النص يضعنا وجهاً لوجه أمام العمل، والغاية المرجوّة منه، والأسلوب المتبع في ذلك.
١ - أما العمل فهو إفراد زوائد صحيح ابن حبان على صحيح البخاري ومسلم.
٢ - وأما الغاية المرجوّة فهي ذات شقين:
стр. 75
أ- تسهيل الكشف عن الحديث عند الحاجة إلى الرجوع إليه في بابه.
ب- معرفة الأحاديث الصحيحة التي في غير الصحيحين، وهي في هذا الكتاب، وتَكَلّمُ بعض الحفّاظ على بعض أحاديث وردت فيه لا يقلّل من شأن هذه الموسوعة، فقد أبى الله -تعالى- أن تكون العصمة لغير كتابه.
٣ - والأُسلوب المتبع في هذا العمل يقوم على دعامتين:
أ- استلال الأحاديث هذه من صحيح ابن حبان بأسنادها كي يتخلص من عهدة ما قد يكون غير متفق على تصحيحه بين الحفّاظ.
ب- جمع هذه الأحاديث وترتيبها على أبواب الفقه ليكون الرجوع إليها ميسوراً، والكشف عنها سهلاً.
وهنا لا بدّ لنا من السؤال: هل وفي الحافظ الهيثمي بما ألزم به نفسه في هذا الكتاب؟
وبين يدي الإجابة نرى أن: نذكر بأن الإِنسان محدود، ونَسَّاء، ولا يستطيع أن يصرف كل شاردة أو واردة على ذهنه، ولذا فلا بدّ من سهو أو خطأ.
وكمية الأخطاء تبدو كبيرة إذا كان حجم العمل ضخماً وإن كانت نسبة الخطأ ثابتة، فكمية الخطأ في عمل ما شيء، ونسبة الخطأ في هذا العمل شيءآخر.
وقد سها الهيثمي كما يسهو غيره، وأخطأ أيضاً وكلُّ بني آدم خطّاء، وقد علّق الحافظ ابن حجر على هوامش هذه النسخة، فبيّن الأحاديث التي في الصحيحين، أو في أحدهما وأوردها الهيثمي في موارده، ولكن هناك أحاديث أُخرى جازت على الحافظ ابن حجر، وقد نبّهنا على ذلك في تخريجاتنا وتعليقاتنا.