إخوتاه ..
الإنسان منا إذا اكتشف الخطأ، ولاح له الحل والصواب فلا شك أن يكون أكثر حماسا لأنَّه يحس أن الفكرة فكرته.
يقول ابن الجوزى: " تأملت حرص النفس على ما منعت منه، فرأيت حرص النفس على ما منعت يزيد على قدر قوة المنع.
رأيت في الأول أنَّ آدم ﵇ أبيحت له الجنة بأثمارها ومنع من شجرة حرص عليها مع وجود الأشجار المغنية عنها.
قال تعالى: " وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِين" [الأعراف/ ١٩]، ولكنَّه أكل من هذه الشجرة، وفي المثل القديم: المرء حريص على ما منع، وتواق إلى ما لم ينل.
ويقال: لو أمر الناس بالجوع لصبروا، ولو نهوا عن تفتيت البعر لرغبوا فيه.
وقالوا: ما أحب شئ إلى الإنسان إلا ما منع.
فلما بحثت عن سبب ذلك وجدت سببين:
أحدهما: أنَّ النفس لا تصبر على الحصر، فإنَّه يكفي حصرها في صورة البدن، فإذا حصرت في المعنى بمنع زاد طيشها، ولهذا لو قعد الإنسان في بيته برغبته شهرا لم يصعب عليه، ولو قيل: لا تخرج من بيتك يوماً لصعب عليه وطال عليه.
الثاني: أنًّ النفس يشق عليها الدخول تحت حكم، ولهذا تجد النفس تستلذ الحرام، ولا تكاد تستطيب المباح، يسهل عليها التعبد بالبدعة؛ لأنه ما ترى وتؤثره على السنة لأنه خلاف ما ترى " أهـ
стр. 212
إخوتاه ..
انتبهوا لهذا الأمر جيداً، دع الناس يتوصلون إلى فكرتك ويقنعون بها أنفسهم دون أن تظهر ذلك لهم، فسوف يظن أنَّ الأمر من قبل نفسه فيذعن لفكرته أكثر من استجابته لنصحك إياه.
ثامنا: عندما تنقد اذكر جوانب الصواب .
حتى يتقبل الآخرون نقدك المهذب وتصحيحك للخطأ أشعرهم بالإنصاف بأن تذكر خلال نقدك جوانب الصواب عندهم.
ففي صحيح البخاري أن النبي ﷺ قال: " نعم الرجل عبد الله لو كان يصلى من الليل. قالت حفصة: فكان بعدُ لا ينام إلا قليلاً. (١).
عبد الله بن مسعود أخذ نفس الطريق لما قال له زياد: كيف يضيع العلم وقد وعته القلوب وحفظته الصدور.
قال: ثكلتك أمك يا زياد، إني لأظنك أفقه أهل المدينة.
إخوتاه ..
عندما يعمل إنسان عملاً فيحقق فيه نسبة نجاح ٢٠ % فأثنِ عليه بهذا الصواب، ثمَّ اطلب منه تصحيح الخطأ ومجاوزة هذه النسبة.
انظر كيف ينظر الشخصان إلى كوب ماء امتلأ حتى النصف، يراه أحدهما أنَّه ناقص إلى النصف، والثاني يراه ممتلئًا حتى النصف.
стр. 213
في تفسير الأحلام لابن سيرين عندما جاء رجل يسأل عن تساقط أسنانه فقال المؤول: سيموت كل أبنائك فمرض الرجل، فسأل آخر فقال له: ستكون آخر أبنائك موتاً.
إخوتاه ..
امدح على قليل الصواب يكثر في الممدوح الصواب، انظر إلى محترفي السيرك عندما نجحوا في ترويض الحيوانات الضخمة والشرسة، ودربوها على أعمال تدعو للدهشة والاستغراب، وطريقتهم في ذلك أنَّهم يطلبون من هذا الحيوان عملاً معيناً فإذا حقق فيه نجاحا ٥ % أعطوه قطعة لحم، وشدوا من أزره، دلالة على رضاهم عنه، ثم يكررون هذا الأمر فيزداد النجاح شيئاً فشيئاً حتى يتوصلوا إلى مقصودهم، فإذا نجحت هذه الطريقة مع الحيوانات فلماذا لا تنجح مع الإنسان وهو من أكثر مخلوقات الله ذكاء وقدرة على تفادى الأخطاء؟!!
إخوتاه
عندما تربى ولدك ليكون كاتباً جيداً، دربه أولاً على الكتابة، وتتبع جوانب الصواب مع مقالة الأول، ومع قليل من الثناء سيزداد الصواب، ويكثر حتى يحقق مرادك.
كذلك إذا أردت أن تقوم الليل وتوقظ ولدك لصلاة القيام قبل الفجر فتشجعه وتقول: ما شاء الله لقد أدركت لحظة جليلة يقول الله فيها: " هل من سائل " فلعلك دعوت لأبيك.
مثل هذا الصنيع سيشجعه ويبدأ في المداومة على القيام، والرسول ﷺ عندما قال: " رحم الله رجلا قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته فإن أبت نضح في وجهها الماء " (١) ذلك على سبيل المداعبة لا الأذى فتفطنوا، المقصود أنَّ قليل الصواب إذا
стр. 214
أثنى عليه يكثر ويستمر.
تاسعا: لا تفتش عن الأخطاء .
حاول أن تصحح الأخطاء الظاهرة، ولا تفتش عن الأخطاء الخفية لتصلحها، لأنَّك بذلك تفسد القلوب، وقد نهي الشارع عن تتبع العورات.
ففي مسند الإمام أحمد عن ثوبان أن رسول الله ﷺ : " لا تؤذوا عباد الله ولا تعيروهم، ولا تطلبوا عوراتهم، فإنه من طلب عورة أخيه المسلم طلب الله عورته حتى يفضحه في بيته " (١)
وعن معاوية أن رسول الله ﷺ قال: " إنك إن تتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت تفسدهم " (٢)
قال الله تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ " [الحجرات / ١٢]؛ لذلك نهى رسول الله ﷺ أن يطرق الرجل أهله ليلاً (٣) ليلتمس عوراتهم، فكان إذا جاء من سفر ليلا بات في المسجد، ثم إذا
стр. 215
أصبح ذهب لأهله، إذ كان يكره أن يأتي الرجل أهله طروقاً (١) ويقول: " إذا دخلت ليلاً فلا تدخل على أهلك حتى تستحد المغيبة، وتمتشط الشعثة ". (٢)
عاشرا: استفسر عن الخطأ مع إحسان الظن والتثبت .
إذا بلغك خطأ عن إنسان فتثبت منه، واستفسر عنه مع إحسان الظن به، فأنت بذلك تشعره بالاحترام والتقدير، كما يحس هو - في الوقت ذاته - بالخجل والحياء أن حدث مثل هذا الخطأ منه.
يمكنك في هذه الأحوال أن تقول مثلاً: زعموا أنَّك فعلت كذا، ولا أظنه يصدر من مثلك.
قال عمر ﵁: " يا أبا إسحاق زعموا أنَّك لا تحسن تصلي، وأنا أنأى بك عن ذلك ".
وهذا عندما اشتكى أهل العراق واليهم من قبل عمر ﵁ -سعد بن أبى وقاص ﵁ فقال سعد:"والله إني لآلو أنِّي أصلى بهم صلاة رسول الله ﷺ . المقصود لابد من استسفسار، وعليك أن تسوقها بمعرض الحديث، وأحسن الظن به وتثبت.
الحادي عشر: اجعل الخطأ هينا ويسيرا وابن الثقة في النفس لإصلاحه .
ابنك ـ مثلاً ـ رسب في الجامعة في مادة من المواد تقول له: الحمد لله، ولكن لن أتنازل عن تقدير العام القادم.
стр. 216
وهذا سيشعر الولد بمدى الخطأ الذي وقع فيه، وسيتشجع لاستدراك ما فاته ويثق في نفسه ويسعى للإصلاح.
الثاني عشر: تذكر أن الناس يتعاملون بعواطفهم أكثر من عقولهم .
هذه غريزة بشرية، فالإنسان عبارة عن جسد وروح، تلك الروح مليئة بالعواطف الجياشة فله كرامة وكبرياء، لا يحب أن يهان أو تجرح مشاعره حتى لو كان أتقى الناس.
لما بلغ أسيد الساعدى فتوى ابن عباس في الصرف أغلظ له في الكلام فقال له ابن عباس: ما كنت أظن أنْ أحداً يعرف قرابتي من رسول الله ﷺ يقول لي مثل هذا يا أبا أسيد.
فلاحظ هذا في تعاملاتك ومحاولاتك لتصحيح الأخطاء، واجعل من ذلك عذرًا للناس إن هم أعرضوا ولم يستجيبوا.
فهذه ثنتا عشرة قاعدة في معالجة الأخطاء، فحاول من الآن أن تعتادها، وأن تجربها في تعاملاتك مع الآخرين، فإنك واجدٌ خيراً كثيراً بإذن الله، وهذا ليس محض دعوى، بل عن تجارب عديدة، فالزمها فإنَّ ثمَّ سلامة الصدر وراحة البال .. فتدبر.
стр. 217
حقوق الأخوة
إذا سألت أخاك حاجة فلم يُجْهِدْ نفسَه في قضائها فتوضأ للصلاة وكبر عليه أربع تكبيرات وعُدَّه في الموتى
стр. 218
حقوق الأخوة فى نظر الإسلام
حقوق الأخوة فى نظر الإسلام تنقسم إلى قسمين:
أ - حقوق عامة.
ب- حقوق خاصة.
أ) الحقوق العامة:
(١) إفشاء السلام.
(٢) رد السلام
(٣) عيادة المريض.
(٤) اتباع الجنائز.
(٥) إجابة الدعوة.
(٦) تشميت العاطس.
(٧) إبرار المقسم.
(٨) نصرة المظلوم.
(٩) الاهتمام بالمنصوح له.
(١٠) التنفيس عن المكروب.
(١١) التيسير على المعسر.
(١٢) الإغضاء عن العيوب.
(١٣) الابتعاد عن الأذى كالحسد والتباغض والظلم والتحقير.
стр. 219
روى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال:-
"حق المسلم على المسلم ستٌّ" قيل: ما هن يا رسول الله؟ قال: "إذا لقيته فسلِّم عليه، وإذا دعاك فأجبْه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فسمِّتْه (١)، وإذا مرض فعده. وإذا مات فاتبعه" (٢).
وروى مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من نفَّس عن مؤمن كرْبة من كُرَب الدنيا نفَّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسَّر على معسر يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه" (٣).
وروى البخاري عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إياكم والظن! فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسَّسوا، ولا تجسَّسوا ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، وكونوا عباد الله إخوانا ... المسلم أخو المسلم؛ لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى ههنا -ويشير إلى صدره- بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم. كل المسلم على المسلم حرام؛ دمه وعرضه وماله" (٤) ...
(أ) الحقوق العامة:
وضع ديننا الحنيف نظامًا محكمًا للتعامل بين أبناء الإسلام، بحيث يثمر مزيدًا من الترابط والتآلف، ويجعل أهل الإسلام نسيجًا واحدًا، ونحن نفتقد في هذه الأيام التطبيق العملي لهذه الآداب، الأمر الذي أدى بدوره إلى اضطراب كثير من الأمور في
стр. 220
أذهان بعض الناس تجاه بعض القضايا العملية مثل إلقاء السلام على البر والفاجر ونحوها، ونحن هنا نريد أن نعيد طرح هذه الواجبات والحقوق؛ لنداوي من خلالها ما صار بين المسلمين من شتات وفرقة، فلربما استعصت علينا أمور، والدواء أيسر مما نتصور.
على كل، يبقى السؤال موجهًا لكل واحد منًّا: أين نحن من تطبيق هذه الحقوق والآداب؟
في الصحيحين عن البراء بن عازب ﵄ قال: أمرنا النبي ﷺ بسبع، ونهانا عن سبع؛ أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنازة، وتشميت العاطس، وإبرار القسم، ونصر المظلوم، وإفشاء السلام، وإجابة الداعي؛ ونهانا عن خواتيم الذهب، وعن آنية الفضة، وعن المياثر (١)، والقسية (٢) والإستبرق والديباج (٣).
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "خمس تجب للمسلم على أخية؛ رد السلام، وتشميت العاطس، وإجابة الدعوة، وعيادة المريض، واتباع الجنائز".
وفي رواية عند مسلم أيضًا: "حق المسلم على المسلم ست". قيل: ما هن يا رسول الله. قال: "إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه" (٤).
وهذه لمحة خاطفة عن هذه الحقوق العامة:
стр. 221
(١) إفشاء السلام
أمرنا رسول الله ﷺ بإفشاء السلام، وعلمنا كيفيته، ورغبنا فيه؛ لأنه يورث المحبة بين إخوة الإسلام، التي تعد من مفاتيح الجنة.
ففي جامع الترمذي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "أفشوا السلام، وأطعموا
الطعام، واضربوا الهام، تورثوا الجنان" (١).
وفي رواية عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "اعبدوا الرحمن، وأطعموا الطعام، وأفشوا السلام، تدخلوا الجنة بسلام" (٢).
قال الحافظ ابن حجر: والمراد بإفشائه نشره سرًّا أو جهرًا.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم" (٣).
ولا يتوقف فضل إفشاء السلام على هذا، فهو سبيل لخفض الجناح بين المسلمين، وسبيل لنفي شبهات الكبر عن النفس، إذ الكبر بطر الحق وغمط الناس، ففي إفشاء السلام سبيل للتواضع، وتعظيم حرمات المسلمين. كما يقول الإمام النووى: والسلام أول أسباب التآلف، ومفتاح استجلاب المودة، وفي إفشائه تمكن ألفة المسلمين بعضهم لبعض، وإظهار شعارهم المميز لهم من غيرهم من أهل الملل، مع ما فيه من رياضة النفس، ولزوم التواضع، وإعظام حرمات المسلمين.
وقد ذكر البخاري ﵀ في صحيحه عن عمار بن ياسر ﵁ أنه
стр. 222
قال: ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان؛ الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم، والإنفاق من الإقتار.
قال الإمام النووي: وبذل السلام للعالم، والسلام على من عرفت ومن لم تعرف، وإفشاء السلام كلها بمعنى واحد. وفيها لطيفة أخرى وهي أنها تتضمن رفع التقاطع والتهاجر والشحناء وفساد ذات البين التي هي الحالقة، وأن سلامه لله لا يتبع فيه هواه، ولا يخص أصحابه وأحبابه به، والله أعلم بالصواب. اهـ.
قال الحافظ ابن حجر: بذل السلام يتضمن مكارم الأخلاق، والتواضع، وعدم الاحتقار، ويحصل به التآلف والتحابب.
ولإفشاء السلام منزلة عظيمة القدر؛ فبه يعلي الله من درجات أهل الايمان، وفي جامع الترمذى عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "أتاني الليلة ربي ﵎ في أحسن صورة -قال: أحسبه قال: في المنام- فقال: يا محمد، هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قال: قلت: لا. قال: فوضع يده بين كتفي حتى وجدت بردها بين ثديي -أو قال: في نحري- فعلمت ما في السماوات وما في الأرض. قال: يا محمد، هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: نعم. قال: في الكفارات، والكفارات: المكث في المساجد بعد الصلوات، والمشي على الأقدام إلى الجماعات، وإسباغ الوضوء في المكاره، ومن فعل ذلك عاش بخير، ومات بخير، وكان من خطيئته كيوم ولدته أمه. وقال: يا محمد، إذا صليت فقل: اللَّهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون. قال: والدرجات إفشاء السلام، وإطعام الطعام، والصلاة بالليل والناس نيام" (١).
ولا يخفى عليكم -إخوتاه- حكم السلام، وكونه سنة عين من المنفرد، وسنة على الكفاية من الجماعة، وإن الأفضل السلام من جميعهم، أما رد السلام فهو فرض
стр. 223
عين على الواحد، وفرض كفاية على الجماعة. قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦].
ومن باب التواصي بالحق أذكركم ونفسي بجملة من الآداب التى عادت مهجورة في حياتنا، ولم يعد أكثرنا يعيرها اهتمامًا.
فمن ذلك:
(١) البدء بالسلام
قال ﷺ : "إنَّ أولى الناس بالله من بدأهم بالسلام" (١)، وفي رواية: قيل: يا رسول الله، الرجلان يلتقيان أيهما يبدأ بالسلام؟ قال: "أولاهما بالله تعالى" (٢).
وعن ابن عمر أنَّ الأغر -وهو رجل من مزينة وكانت له صحبة مع النبي ﷺ -
كانت له أوسق من تمر على رجل من بنى عمرو بن عوف، اختلف إليه مرارًا. قال: فجئت الى النبي ﷺ ، فأرسل معي أبا بكر الصديق، قال: فكل من لقينا سلموا علينا، فقال أبو بكر: ألا ترى الناس يبدءونك بالسلام فيكون لهم الأجر، ابدأهم بالسلام يكن له الأجر (٣).
(٢) صيغة السلام
عن عمران بن حصين قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: السلام عليكم. فرد ﵇، ثم جلس. فقال النبي ﷺ :"عشر". ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم
стр. 224
ورحمة الله. فرد عليه فجلس، فقال: "عشرون". ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فرد عليه فجلس فقال: "ثلاثون".
وفي رواية: ثم أتى آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته. فقال: "أربعون". قال: هكذا تكون الفضائل (١).
(٣) رد السلام
فال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾. وهذا من عبوديات اللسان -كما ذكر ابن القيم في مدارج الساكين (١/ ١١٤) - وهو واجب كما تقدم، وأفضله أن تقول: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
قال ابن القيم في بدائع الفوائد (٢/ ٣٨٣): "مقامات رد السلام ثلاثة: مقام فضل، ومقام عدل، ومقام ظلم؛ فالفضل أن يرد عليه أحسن من تحيته، والعدل أن ترد عليه نظيرها، والظلم أن تبخسه حقه وتنقصه منها فاختير للراد أكمل اللفظين".
(٣) تسليم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد.
فعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "يسلم الراكب على الماشى، والماشى على القاعد، والماشيان أيهما بدأ بالسلام" (٢).
(٣) تسليم الصغير على الكبير والقليل على الكثير.
قال ﷺ : "يسلم الصغير على الكبير، والمار على القاعد، والقليل على
стр. 225
الكثير" (١).
(٤) التسليم عند دخول الدار وإتيان المجالس، وعند مفارقتها.
قال تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النور: ٦١].
وقال ﷺ : "إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلم، فإذا أراد أن يقوم فليسلم، فليست الأولى بأحق من الآخرة " (٢).
(٥) إلقاء السلام على المعروف والمجهول عندك إذا غلب على الظن أنه مسلم
قال ﷺ : "وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف".
قال الحافظ ابن حجر: وفيه من الفوائد أنه لو ترك السلام على من لم يعرف احتمل أن يظهر أنه من معارفه فقد يوقعه في الاستيحاش منه.
ثم قال: إن عرف أنه مسلم فذاك، وإلا فلو سلم احتياطا لم يمتنع حتى يعرف أنه كافر.
وقال ابن بطال في مشروعية السلام على غير المعرفة: استفتاح المخاطبة للتأنيس ليكون المؤمنون كلهم إخوة فلا يستوحش أحد من أحد، وفي التخصيص ما قد يوقع في الاستيحاش ويشبه صدود المتهاجرين المنهي عنه.
تنبيه:
تبقى دائمًا مسألة السلام على أهل المعاصى والفسوق، فمن السلف من ترك
стр. 226
السلام عليهم.
قال الحسن البصرى: ليس بينك وبين الفاسق حرمة.
ومنهم من تمسك بظاهر ما تقدم من الأحاديث في عموم إفشاء السلام على أهل الإسلام؛ على اعتبار أن ذلك سبيل للدعوة والتآلف.
والخوف هنا أن تترك السلام كبرًا والعياذ بالله، وقد يتسرب إليك من العجب ما يتلف عليك قلبك، فأنت أمير نفسك في هذا الأمر.
فإن تركت السلام وعلمت أن ذلك سينبه الرجل فبها ونعمت، أما إذا كان الأمر على خلاف ذلك فإن ترك السلام سيورث البغضاء والتنافر بينك وبينهم، وهذا غير مطلوب بطبيعة الحال.
الحق الثاني: عيادة المريض
أمرنا رسول الله ﷺ بعيادة المرضى، ورغبنا في ذلك لما فيه من الأجر العظيم، وتنزل الرحمات.
عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " فكوا العاني -يعني الأسير- وأطعموا الجائع وعودوا المريض" (١).
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من أصبح منكم
اليوم صائما؟ ". قال أبو بكر ﵁: أنا. قال: "فمن تبع منكم اليوم جنازة؟ " قال أبو بكر ﵁: أنا. قال: "فمن أطعم منكم اليوم مسكينا؟ ". قال أبو بكر ﵁: أنا. قال: "فمن عاد منكم اليوم مريضا؟ ". قال أبو بكر ﵁: أنا. فقال رسول الله ﷺ : "ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة" (٢).
стр. 227
وقال رسول الله ﷺ : "من عاد مريضا لم يزل في خرفة الجنة". قيل: يا رسول الله، وما خرفة الجنة؟ قال: "جناها" (١).
فهنيئًا لك يا من تعود المرضى، هنيئًا هنيئًا؛ فإنك تخوض في رحمة الله تعالى.
عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "من عاد مريضا خاض في الرحمة حتى إذا قعد استقر فيها" (٢)
وعن علي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما من مسلم يعود مسلما غدوة إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي، وإن عاده عشية إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح، وكان له خريف في الجنة" (٣).
ويكفي في الوعيد لمن قصَّر في هذا الحق أن الله يعاتبه يوم القيامة عتابًا شديدًا تقشعر منه الأبدان، فكيف بك أخي حينها، ويكفي من يبادر في فعل هذا الخير أن الله يختصه برحمته ومعيته.
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله يقول يوم القيامة: يا ابن آدم، مرضت فلم تعدني. قال: يا رب، كيف أعودك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده؟ أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟ يا ابن آدم، استطعمتك فلم تطعمني. قال: يارب، وكيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه؟ أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟ يا ابن آدم، استسقيتك فلم تسقني. قال: يارب، كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟! قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه، أما إنك
стр. 228
لو سقيته وجدت ذلك عندي" (١)
ومن آداب العيادة:
(١) التبكير بالزيارة .
فينبغي أن يكون ذلك في أول المرض، لقوله: "إذا مرض فعده" (٢).
(٢) اختيار أفضل الأوقات .
ذلك قال بعض أهل العلم: تستحب العيادة طرفي النهار بكرة وعشيًّا، وتكره وسط النهار.
(٣) الدعاء للمريض .
عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ دخل على أعرابي يعوده، قال: وكان النبي ﷺ إذا دخل على مريض يعوده قال: "لا بأس طهور إن شاء الله". فقال له: لا بأس طهور إن شاء الله (٣).
وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان إذا أتى مريضا أو أتي به قال: "أذهب الباس رب الناس اشف وأنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما" (٤).
وفي رواية: كان يرقي يقول: "امسح الباس، رب الناس، بيدك الشفاء لا كاشف له إلا أنت" (٥)
стр. 229
وأحيانًا كان يقول للمريض: "بسم الله تربة أرضنا، بريقة بعضنا، يشفي سقيمنا بإذن ربنا" (١).
وعن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: "ما من عبد مسلم يعود مريضا لم يحضر أجله فيقول سبع مرات: اسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك إلا عوفي" (٢).
(٤) قراءة القرآن له .
ن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا مرض أحد من أهله نفث عليه بالمعوذات، فلما مرض مرضه الذي مات فيه جعلت أنفث عليه وأمسحه بيد نفسه لأنها كانت أعظم بركة من يدي.
(٥) تخفيف الزيارة .
فينبغي عليك مراعاة حال المريض، وأن تتفقده يومًا وتترك يومًا، فإن كان يؤثر تكرار الزيارة كل يوم، ويستحب طول المكث، ولا يتضجر ولا يشق عليه ذلك فبها، وإلا فعليك أن تقدم ما ينفعه.
قال بعض أهل العلم: يمكث عنده مقدار ما بين خطبتي الجمعة، وقيل: قدر حلب شاة. والراجح مراعاة الحال كما تقدم.
(٦) تذكيره بالله .
فعليك أن تذكره بالله، وتحاول أن تدفع عنه التسخط إن رأيت بوادره، وتحببه في
стр. 230
ربه، وتبشره بتكفير الخطايا، وإن رأيته في مرض الموت فذكره بالوصية ولقنه لا إله إلا الله.
الحق الثالث: اتباع الجنائز .
من حق المسلم على المسلم أن يتبع جنازته، وقد رغبنا رسول الله ﷺ في ذلك، وبين لنا عظم فضل اتباع الجنائز.
عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "من اتبع جنازة مسلم إيمانا واحتسابا وكان معه حتى يصلى عليها ويفرغ من دفنها فإنه يرجع من الأجر بقيراطين، كل قيراط مثل أحد، ومن صلى عليها ثم رجع قبل أن تدفن فإنه يرجع بقيراط" (١).
ولما أخبر ابن عمر بهذا قال: لقد فرطنا في قراريط كثيرة.
والعجب العجاب أن بعضنا يعرف كل هذه السبل لنزول رحمة الله به، ثم لا يريد أن يعمل شيئًا، ثم تراه يشتكي يقول: أين السبيل؟ كيف المنهج؟! أريد العلاج.
العلاج أنت تعرفه، تقرب إلى الله بما تستطيع أن تتقرب به، وكن في زيادة من أعمال الخير والبر، أرأيت صنيع الصديق -كما تقدم قريبًا- وهذه الأعمال العظيمة الكثيرة التى قام بها في وقت يسير، فما بالك تسمع عن هذه الخيرات ولا تكلف نفسك أن تتعب قليلًا لله، حقًّا يا حسرةً على العباد!
أما آداب اتباع الجنائز:
فأولًا: لا تتبع الجنائز بصياح أو نواح أو نار .
في جامع الترمذي عن أبي موسى الأشعرى أن رسول الله ﷺ قال: "ما من ميت يموت فيقوم باكيه فيقول: واجبلاه! واسيداه! أو نحو ذلك إلا وكل به ملكان
стр. 231
يلهزانه: أهكذا كنت؟ " (١).
وفي سنن ابن ماجه عن ابن عمر قال: نهى رسول الله ﷺ أن تتبع جنازة معها رانة (٢).
والرنة: الصوت. يقال: رنت المرأة إذا صاحت.
وينبغي من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التشديد على أهل الميت لئلا يقعوا في هذه المنكرات التى يتأذى بها الميت.
ولما حضرت عمرو بن العاص الوفاة أوصى فقال: فإذا أنا مت فلا تصحبني نائحة، ولا نار (٣).
ومن البدع المنتشرة أن يرفع أحد المشيعين صوته كأن يقول: استغفروا له أو نحوه، وهذا لا يجوز بحال.
روى سعيد بن منصور في سننه أن ابن عمر سمع رجلًا يقول في جنازة: استغفروا له، غفر الله لكم. فقال ابن عمر: لا غفر الله لك.
ثانيًا: الرفق بنعش الميت .
قال عطاء: حضرنا مع ابن عباس جنازة ميمونة بسرف. فقال ابن عباس: هذه زوجة النبي ﷺ فإذا رفعتم نعشها فلا تزعزعوها ولا تزلزلوها وارفقوا (٤).
стр. 232
ثالثًا: الإسراع بالجنازة .
ففي جامع الترمذي عن أبي هريرة يبلغ به النبي ﷺ قال: "أسرعوا بالجنازة، فإن يكن خيرا تقدموها إليه، وإن يكن شرًّا تضعوه عن رقابكم" (١).
فلا يجوز تأخير الصلاة والدفن لزيادة المصلين، ولا بأس بانتظار الولى عن قرب ما لم يُخشَ تغيير الميت.
رابعًا: الصلاة على الميت .
وهي فرض على الكفاية، وقد تقدم عظم فضلها وأنها تعدل قيراطًا مثل أحد، وصفتها مشهورة، لكن التنبيه هنا يكون في إخلاصك الدعاء له، فالجزاء من جنس العمل، فقد ترزق عندما يحل الأجل بمن يخلص لك في الدعاء فتنجو.
خامسًا: السير حيث شاء للماشي والراكب خلفها .
فعن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: قال ﷺ : "الراكب خلف الجنازة، والماشي حيث شاء منها".
وقد سار النبي ﷺ وأبو بكر أمام الجنازة، والقرب منها أفضل.
سادسًا: المكث قليلًا بعد الدفن .
قال عمرو بن العاص في وصيته التي تقدم بعضها: فإذا دفنتموني فشنوا علي التراب شنا ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها؛ حتى أستأنس بكم، وأنظر ماذا أراجع به رسل ربي (٢).
стр. 233
سابعًا: عدم اللغو وإيثار الصمت .
قال ابن قدامة الحنبلى في المغنى: يستحب لمتبع الجنازة أن يكون متخشعًا، متفكرًا في مآله، متعظًا بالموت، وبما يصير إليه الميت، ولا يتحدث بأحاديث الدنيا، ولا يضحك.
رأى بعض السلف رجلًا يضحك في جنازة فقال: أتضحك وأنت تتبع الجنازة؟!! لا كلمتك أبدًا.
الحق الرابع: إجابة الدعوة .
أمرنا رسول الله ﷺ بإجابة دعوة الداعي، وقد ذهب أهل العلم إلى أن هذه الدعوة تختص بوليمة العرس، وجمهور أهل العلم على القول بوجوبها، بل نقل بعضهم اتفاق أهل العلم على ذلك، وذهب آخرون إلى القول باستحبابها، أما سائر الدعوات غير دعوة العرس فرأى الجمهور على استحبابها، ويرى الظاهرية -ووافقهم الشوكانى والمباركفورى وغيرهما- أن الأحاديث على ظاهرها فتشمل كل دعوة، ولا تختص بوليمة العرس، ومن ثم أوجبوا إجابة كل دعوة.
وفي البخاري عن أبي موسى الأشعرى عن النبي ﷺ قال: "فكوا العاني وأجيبوا الداعي" (١).
وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها" (٢).
وفي جامع الترمذي عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "ائتوا الدعوة إذا
стр. 234
دعيتم" (١).
قال الإمام النووي: الأصح في مذهبنا -يعني الشافعية- أنه فرض عين على كل من دعي. يعني في وليمة العرس.
وقال المباركفورى: والحديث دليل على أنه يجب الإجابة إلى كل دعوة من عرس وغيره. وقد أخذ بظاهر هذا الحديث بعض الشافعية فقال بوجوب الإجابة إلى الدعوة مطلقًا عرسًا كان أو غيره بشرطه. ونقله ابن عبد البر عن عبيد الله بن الحسن قاضي البصرة.
وزعم ابن حزم أنه قول جمهور الصحابة والتابعين.
قال: وجزم بعدم الوجوب في غير وليمة النكاح المالكية والحنفية والحنابلة وجمهور الشافعية، وبالغ السرخسى منهم فنقل فيه الإجماع.
ونقل الحافظ ابن حجر في الفتح قول الشافعي: إتيان دعوة الوليمة حق، والوليمة التى تعرف وليمة العرس، وكل دعوة دعى إليها رجل وليمة، فلا أرخص لأحد في تركها، ولو تركها لم يتبين لي أنه عاص في تركها، كما تبين لي في وليمة العرس.
وهذا الخلاف يفيدنا في ضرورة التنبه لمثل هذه الأمور التي تغافلنا عنها، وأدت إلى قطع الأرحام والصلات، ودائمًا أبدًا لا تجد المرء يتعامل مع هذه الدعوة على وجوبها، وأنه يأثم إن لم يجبها، فلينتبه كل منَّا لمثل ذلك.
أما آدابها وشروطها:
فقال الحافظ في الفتح بعد أن حكى وجوب الإجابة الى الوليمة: وشرط وجوبها أن يكون الداعي مكلفًا حرًّا رشيدًا، وأن لا يخص الأغنياء دون الفقراء، وأن لا يظهر قصد التردد لشخص بعينه لرغبة فيه أو رهبة منه، وأن يكون الداعي مسلمًا على
стр. 235
الأصح، وأن يختص باليوم الأول على المشهور، وأن لا يسبق فمن سبق تعينت الإجابة له دون الثاني، وإن جاءا معًا قدم الأقرب رحمًا على الأقرب جوارًا، على الأصح، فإن استويا أقرع، وأن لا يكون هناك من يتأذى بحضوره.
قال النووي: وأما الأعذار التي يسقط بها وجوب إجابة الدعوة أو ندبها، فمنها: أن يكون في الطعام شبهة، أو يخص بها الأغنياء، أو يكون هناك من يتأذى بحضوره معه، أو لا تليق به مجالسته، أو يدعوه لخوف شره، أو لطمع في جاهه أو ليعاونه على باطل، وأن لا يكون هناك منكر من خمر أو لهو أو فرش حرير أو صورة حيوان غير مفروشة أو آنية ذهب أو فضة.
قال: فكل هذه أعذار في ترك الإجابة، ومن الأعذار أن يعتذر إلى الداعي فيتركه. والله تعالى أعلم.
الحق الخامس: تشميت العاطس .
من حق المسلم على أخيه المسلم أن يشمته إذا عطس، وقد أرشدنا رسول الله ﷺ إلى كيفية ذلك.
ففي صحيح البخاري عن أبى هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : "إن الله يحب العطاس، ويكره التثاؤب، فإذا عطس فحمد الله، فحق على كل مسلم سمعه أن يشمته، وأما التثاؤب فإنما هو من الشيطان، فليرده ما استطاع، فإذا قال: ها. ضحك منه الشيطان" (١).
وفيه أيضًا عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله. وليقل له أخوه أو صاحبه: يرحمك الله. فإذا قال له: يرحمك الله. فليقل: يهديكم الله ويصلح بالكم" (٢).
стр. 236
قال الإمام النووي في الأذكار: وكل هذا سنة ليس فيه شيء واجب.
أما آداب التشميت:
(١) أن يبدأ العاطس بالحمد، فإن لم يفعل لم يشمت .
في صحيح مسلم عن أبي بردة قال: دخلت على أبي موسى وهو في بيت بنت الفضل بن عباس فعطست فلم يشمتني، وعطست فشمتها، فرجعت إلى أمي فأخبرتها، فلما جاءها قالت: عطس عندك ابني فلم تشمته، وعطست فشمتها.
فقال: إن ابنك عطس فلم يحمد الله فلم أشمته، وعطست فحمدت الله فشمتها، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا عطس أحدكم فحمد الله فشمتوه، فإن لم يحمد الله فلا تشمتوه" (١).
(٢) فإن زاد على عطسة واحدة فهل يشمت ؟
قال النووي في الأذكار: اختلف العلماء فيه، فقال ابن العربي المالكي: قيل: يقال له في الثانية: إنك مزكوم. وقيل: يقال له في الثالثة. وقيل: في الرابعة. والأصح أنه في الثالثة. قال: والمعنى فيه أنك لست ممن يشمت بعد هذا، لأن هذا الذي بك زكام ومرض لا خفة العطاس. فإن قيل: فإذا كان مرضًا فكان ينبغي أن يُدعى له ويُشمت، لأنه أحق بالدعاء من غيره؟
فالجواب: أنه يُستحبّ أن يُدعى له لكن غير دعاء العطاس المشروع، بل دعاء المسلم للمسلم بالعافية والسلامة ونحو ذلك، ولا يكون من باب التشميت.
(٣) وينبغي على العاطس أن يغطي وجهه بيده أو ثوبه ويغض صوته .
عن أبي هريرة أن النبي ﷺ كان إذا عطس غطى وجهه بيده أو بثوبه وغض بها
стр. 237
صوته (١).
(٤) إذا كانوا جماعة فالأفضل أن يشمت كل واحد أخاه .
لعموم قوله ﷺ : "فحق على كل مسلم سمعه أن يشمته" (٢).
(٥) هل يشمت الشاب المرأة والعكس ؟
ذهب بعض أهل العلم إلى أن الشاب لا يسلم ولا يشمت المرأة وإن كانت عجوزًا، وأن الشابة لا تسلم على الرجل ولا تشمته وإن كان شيخًا (٣).
وهذا كله من باب سد الذرائع، فلو حفظنا أنفسنا من الوقوع في الشبهات كانت لنا البراءة في الدين، وكل متهم وعلى ذمة القضية، "فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه" (٤).
الحق السادس: إبرار المقسم .
من حق المسلم على أخيه المسلم أن يبر قسمه.
عن البراء ﵁ قال: أمرنا النبي ﷺ بإبرار المقسم (٥). ومعنى أن يبرَّ قسمه أي يفعل ما أراده الحالف ليصير بذلك بارًّا.
عن عائشة قالت: أهدت إليها امرأة تمرًا في طبق فأكلت بعضًا وبقي بعض
стр. 238
فقالت: أقسم عليك إلا أكلت بقيته. فقال النبي ﷺ : "أبريها، فإن الإثم على المحنث" (١).
ومن آدابه:
(١) ألا يترتب على الإبرار مفسدة أو مشقة .
قال النووي: إبرار القسم المأمور به في الأحاديث الصحيحة إنما هو إذا لم تكن في الإبرار مفسدة ولا مشقة ظاهرة.
(٢) تكفير الحالف عن يمينه أولى إن كان غير ما حلف عليه أفضل .
عن أبي هريرة قال: أعتم رجل عند النبي ﷺ ثم رجع إلى أهله فوجد الصبية قد ناموا فأتاه أهله بطعامه فحلف لا يأكل من أجل صبيته، ثم بدا له فأكل، فأتى رسول الله ﷺ فذكر ذلك له. فقال رسول الله ﷺ : "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأتها، وليكفر عن يمينه" (٢).
الحق السابع: نصرة المظلوم .
من حق المسلم على المسلم أن ينصره إذا ظلم، وفي عصر عبودية الذات والأنانية والتفاني في خدمة النفس فهذا الكلام يعد عند الكثيرين من العجب العجاب، يقول لك: وماذا أصنع؟ كفى ما بي من الهموم.
وبعضهم يعرف بالشهامة ولكن ليقال: شجاع شهم خدوم. وما يصنع ذلك لله، والحق بين الطرفين، فلا جبن ولا طيش.
стр. 239
قال ﷺ : "انصر أخاك ظالما أو مظلوما". قالوا: يا رسول الله، هذا ننصره مظلوما فكيف ننصره ظالما؟ قال: "تأخذ فوق يديه" (١).
وقد رغبنا رسول الله ﷺ في هذا، وبين لنا عظم أجر من ينصر المظلومين من المؤمنين، ورهبنا من الوعيد الشديد الذي ينتظر من يخذلهم.
عن جابر بن عبد الله وأبي طلحة بن سهل الأنصاري قالا: قال رسول الله ﷺ : "ما من امرئ يخذل امرأ مسلما في موضع تنتهك فيه حرمته، وينتقص فيه من عرضه إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته. وما من امرئ ينصر مسلما في موضع ينقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب نصرته" (٢).
وإذا كان هذا هو عصر الظلم والقهر، والمسلمون يذبحون في كل مكان، فلا أقل من أن تنصرهم ولو بالدعاء، فإذا استطعت غير ذلك لزمك المبادرة إلى أداء هذا الواجب الحتمي، وإلا ستدور الدائرة عليك كما دارت عليهم فاحذر. والله جل وعلا على نصر المؤمنين لقدير، لكنها سنن الله الربانية التي قل من يعيها، ولكنها الرسائل الإلهية كي نعيد النظر في حقيقة إيماننا، ونمحص نياتنا حتى يتحقق وعد الله باستخلاف المؤمنين الأرض والتمكين لهم فيها.
الحق الثامن: التنفيس عن الحروب والتيسير على العسر .
الأصل أن تتعرف على الله في الرخاء ليعرفك في الشدة، فالقانون الإلهي الذي لا يتبدل ينص على أن الجزاء من جنس العمل، والشرع الشريف يرشدنا دائمًا للنظر إلى
стр. 240
المآل والنهاية، وأن نعي ذلك جيدًا، فإذا أنت أعنت أخاك اليوم ستجد من يعينك غدًا، ولكن شريطة الإخلاص، فلا تفعله إلا ابتغاء مرضات الله جل وعلا.
عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة" (١).
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ... " (٢).
قال الإمام النووي: وهو حديث عظيم جامع لأنواع من العلوم والقواعد والآداب. قال: ومعنى (نفس الكربة): أزالها. وفيه: فضل قضاء حوائج المسلمين، ونفعهم بما تيسر من علم أو مال أو معاونة أو إشارة بمصلحة أو نصيحة وغير ذلك، وفضل الستر على المسلمين.
فيا من لا يأمن ذلك اليوم العصيب وكرباته تقرب إلى الله بتنفيس كرب إخوانك، اقض حوائجهم، يسر على معسرهم إن كان لديك سعة، ولا تضن ولا تبخل، فمن يتعامل مع الله لا يخشى الفقر والإقتار.
стр. 241
الحق التاسع: الابتعاد عن الأذى كالحسد والتبغض والظلم والتحقير .
عن أبي موسى الأشعرى ﵁ قال: قالوا: يا رسول الله، أي الإسلام أفضل؟ قال: "من سلم المسلمون من لسانه ويده" (١).
فكفك الأذى عن الناس من أفضل القربات، لأنه دليل على مجاهدة النفس، فالنفس أمارة بالسوء، فمن ملك نفسه في الغضب لم يبطش ولم يتلفظ بما لا يصح، فيسلم الناس منه في كل حال.
ومن كانت الآخرة همَّه لا يتسلل إلى نفسه الحسد والحقد والضغائن، فهذه الأمور تحلق دينه، وهي دليل على ضعف إيمانه، لأنه لا يتصور مؤمن يبطن هذه الأحقاد بداخله لإخوانه، فمجرد الرغبة في زوال النعمة عن أخيك دليل على فساد قلبك، وهذه من كبائر الذنوب، ومن البليات المهلكات، فالحذر الحذر من الوقوع في شيء من ذلك! فمن ورائه البلاء المبين، والتنافس لا يكون إلا في أمور الآخرة، قال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦].
وقد نهانا رسول الله ﷺ عن أن نزلَّ في ذلك فقال: "إياكم والظن! فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تباغضوا، وكونوا عباد الله إخوانا" (٢).
وعن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لا تباغضوا ولا
стр. 242
تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام" (١).
عن الزبير بن العوام أن النبي ﷺ قال: "دبَّ إليكم داء الأمم قبلكم الحسد والبغضاء هي الحالقة، لا أقول: تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين، والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا أفلا أنبئكم بما يثبت ذاكم لكم؟ أفشوا السلام بينكم" (٢).
(ب) الحقوق الخاصة:
وهى أجلُّ وأعظم وأهم وأكبر؛ لأنها قائمة على استخلاص الصفوة المختارة من إخوة الإيمان وجيل الإسلام.
(١) حق أخيك في مالك
المواساة بالمال مع الإخوة على مراتب ثلاث:
الأولى: أن أعلى هذه المراتب هى أن تؤثره على نفسك وتقدم حاجته على حاجتك، وهذه مرتبة الصديقين ومنتهى درجات المتحابين، ولقد قال الله فيهم: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩].
المرتبة الثانية:-
هى أن تترك منزلة نفسك وترضى بمشاركته إياك في مالك، ولقد قال الحسن
стр. 243
يصف الصحابة ومدى وضوح أمر المشاركة عندهم قال: "كان أحدهم يشق إزاره بينه وبين أخيه! "
المرتبة الثالثة: وهى أدنى مراتب الأخوة-:
أن ينزل أخاه منزلة عبده أو خادمه ليقوم بحاجته في فضلة ماله، فإذا سنحت له حاجة وكانت عند أخيه فضلة من حاجته أعطاه ابتداء ولم يحوجه إلى السؤال، فإن أحوجه إلى السؤال فهو غاية التقصير في حق الأخوة.
جاء فتح الموصلى إلى منزل لأخ له كان غائبًا فأمر أهله فأخرجت صندوقه ففتحه وأخذ حاجته. فأخبرت الجارية مولاها. فقال: إن صدقتِ فأنت حرة لوجه الله. سرورًا بما فعل.
قال علي بن الحسين رضى الله عنه لرجل: هل يدخل أحدكم يده في كم أخيه أو كيسه فيأخذ منه ما يريد بغير إذنه؟
قال: لا. قال: فلستم بإخوان.
* قال أحدهم: إذا طلبت من أخيك مالًا فقال: ماذا تصنع به؟ فقد ذهب حق الإخاء.
* أهدى أحد أصحاب رسول الله ﷺ أحد إخوانه رأس شاة، فبعثه الأخ إلى ثان، وبعثه الثاني إلى ثالث حتى عاد إلى الأول بعد أن تداوله سبعة.
* قال أبو سليمان الدارانى: إني لألقم اللقمة أخًا من إخوانى فأجد طعمها في حلقى!
* كان على مسروق دين ثقيل، وكان على أخيه خيثمة دين فذهب مسروق فقضى دين خيثمة وهو لا يعلم، وذهب خيثمة فقضى دين مسروق وهو لا يعلم.
(٢) حق أخيك في نفسك .
وهذه أيضا لها درجات، أدناها القيام بالحاجة عند السؤال والقدرة، ولكن مع
стр. 244
البشاشة والاستبشار.
وأعلاها أن تقدم قضاء حوائجه على قضاء حوائجك، وأن تنقذه مما يلم به من خطر ولو كان في ذلك حتفك.
وقد صور الله هذا الحق الذى ساقه في كتابه الكريم عندما قال موسى ﵇ ﴿رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٥] ردًّا على قول بني إسرائيل له: ﴿إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤].
ورُوى أن خليفة أمر بضرب رقاب ثلاثة من الصالحين فيهم أبو الحسين النوري، فتقدم أبو الحسين ليكون أول من تضرب عنقه. فعجب الخليفة لذلك وسأله عن سببه؟ فقال أبو الحسين: أحببت أن أوثر إخواني بالحياة في هذه اللحظات. فكان ذلك سببًا في نجاتهم جميعًا.
قضى ابن شبرمة حاجة كبيرة لبعض إخوانه. فجاءه بهدية فقال ابن شبرمة، ما هذا؟
قال أخوه: لما أسديته إليَّ.
قال ابن شبرمة: خذ مالك عافاك الله. إذا سألت أخاك حاجة فلم يجهد نفسه في قضائها فتوضأ للصلاة وكبر عليه أربع تكبيرات وعده في الموتى.
وكان الحسن يقول: إخواننا أحب إلينا من أهلنا وأولادنا، وإن أهلنا يذكروننا بالدنيا وإخواننا بالآخرة.
ولكن احذر أيها الأخ أن يدفعك حرصك على نفس أخيك أن ترغبه في ترك الجهاد حتى لا يمسه الضر، وتدبر قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٥٦].
стр. 245
وقوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ١٨].
إن رضيت له التخلف عن ركب الجهاد فما نصحت له ولا قدمت إليه خيرا؛ لأنك حجبت عنه أكرم منزلة يطمع فيها طامع، منزلة الشهداء في سبيل الله.
(٣) حق أخيك في لسانك:
أولهما: أن تصمت عن كل ما يكره، شريطة عدم تعطيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا تسخر منه، ولا تلمزه، ولا تكذبه الحديث، ولا تشتمه، ولا تلقبه بما يكره، ولا تفش له سرًّا، ولا تذكر أهله وأحبابه بسوء، ولا تكشف عن عيب وجدته فيه، إنما تستر عيوبه ما وجدت إلى ذلك سبيلا.
وجميل هنا أن نورد قول المسيح ﵇ لحوارييه:
"كيف تصنعون إذا رأيتم أخًا نائمًا، وقد كشف الريح ثوبه عنه؟
قالوا: نستره ونغطيه.
قال: بل تكشفون عورته.
قالوا: سبحان الله! من يفعل هذا؟
فقال: أحدكم يسمع الكلمة من أخيه فيزيد عليها بأعظم منها".
وقد قال الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ١ - ٣].
فإذا رأيت عيبًا من أخيك فلا تذكره أمام الناس، ولكن انتظر حتى تخلوبه ثم اختر الجو المناسب للكلام بعد أن تذكره بالدعوة التى اجتمعتم عليها والصراط الذي إن انحرفتم عنه وضللتم أخرتم نجاح دعوتكم، ثم اذكر له ما كرهت منه، وإن كان هذا الذى كرهته لا ينبغي السكوت عليه ولا يحتمل فلا شك في أن أخاك المؤمن سيستجيب
стр. 246
لنصحك وهو يقرأ: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾.
ثانيهما: أن تتكلم بما يحب أخوك الاستماع إليه، شريطة ألا يجلب ذلك غرورًا لنفسك أو أن ينحرف بك عن جادة الصدق إلى جادة الكذب، ومما يدخل تحت هذا الحق أيضًا ترك المراء والجدل الخبيث.
قال الحسن: إياك ومماراة الرجال! فإنك لن تعدم فكر حكيم أو مفاجأة لئيم. ثالثهما: الدعاء له حيًّا أو ميتًا؛ لأن الدعاء علامة من علامات المحبة التى تدل على الاهتمام بالأخ والغيرة عليه. فقد قال رسول الله ﷺ .
"إذا دعا الرجل لأخيه في ظهر الغيب قال الملك: ولك مثل ذلك" (١) فلندع لبعضنا في دنيانا هذه، فإن سبق أحدنا أخ إلى ربه فليدع له وليستغفر ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [آل عمران: ١٧٠].
﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠].
﴿قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١٥٠) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٠ - ١٥١].
(٤) حق أخيك في قلبك:
وأما حق أخيك في قلبك فتجمعه كلمتان: العفو والوفاء.
стр. 247
أما العفو عن أخيك، فلأنك تعلم قبل أن تتخذه أخا أنه ليس معصومًا عن الأخطاء، وإلا لكان نبيًّا من أنبياء الله، فلابد له إذا من هنات، ولا بد له من سقطات، وإنما انكشف لك هذه السقطات لقربك منه وطول معاشرتك له، ولعلك لو كنت بعيدًا لما رأيت ما رأيت، فلابد لك من رؤية ما تكره في بعض الأحيان والصمت على ما ترى.
وقد أمر الله بالعفو عن الناس في كثير من آيات الكتاب الكريم: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [الشورى: ٤٠].
واستمع إليه سبحانه وهو يطالب أبا بكر رضى الله عنه بإجراء النفقة ثانية على قريبه الذى سعى بحديث الإفك:
﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢].
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤].
وقد وصف الله المؤمنين بقوله: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩].
وهل تكون رحيمًا إن لم تعفُ عن زلة أخيك؟ ووصفهم أيضا بقوله ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٥٤] كيف تكون ذليلًا على المؤمنين إن لم تعف عن زلاتهم ويصبر على هفواتهم؟ وأما الوفاء فهو الثبات على الحب وإدامته إلى الموت وبعد الموت مع أولاده وأصدقائه، فإن الحب إنما يراد للآخرة، فإن انقطع قبل الموت حبط العمل وضاع السعي، وحادثة إكرام الرسول للعجوز التى كانت تأتيهم في أيام خديجة رضى الله عنها خير دليل على ذلك. وكلما انقطع الوفاء بعدم دوام المحبة شمت الشيطان، فإنه لا يجد متعاونين على بر متواضعين متحابين في الله إلا ويجهد نفسه لإفساد ما بينهما.
стр. 248
ولقد قال بشر الحافى: إذا قصر العبد في طاعة الله سلبه الله من يؤنسه وذلك لأن الإخوان مسلاة عن الهموم وعون على الدين.
واعلم -أخى حفظك الله- أن من الوفاء ألا تتغير حالك في التواضع مع أخيك، وإن ارتفع شأنك واتسعت ولايتك وعظم جاهك فالترفع على الإخوان بما يتجدد من الأحوال لؤم.
стр. 249
الخاتمة
اللهم رب الأرض الدحية والسماوات العلية والبحار المسجرة والرياح المسخرة اسمع ندائي، واستجب دعائي، وثبت لساني واجعلني من المهديين واجعل جميع المسلمين إخوة متحابين يا رحيم يا كريم
стр. 250
الخاتمة
نسأل الله حسنها
إخوتاه ..
ما زالت رياض الأخوة تجمعنا، وما زلت أذكرك بأخيك، ما زلت ألتمس لك رفقة إيمانية تعينك على طاعة الله، تجتمع معها لتتذاكر ويعظ بعضكم بعضًا، أراك قد فترت همتك وأنت في أول درب الالتزام، ولعل بعدك عن الحدب الأخوي عن الأجواء الإيمانية من وراء ذلك الفتور، فهلا شمرت ساعد العزم وبحثت لك عن رفيق الإيمان، ولن تعدم وجوده إذا فكرت فيه قبل أن تفكر في نفسك، إذا أخذت بالأسباب التي سقتها إليك، وتباعدت عن النواقض التي بنيتها لك، وصارت الثمرات نصب عينيك لن تعدم هذا الأخ ـ علم الله ـ
إخوتاه ..
أنت كثير بأخيك، كان أيوب السختيانى يقول: إذا بلغني موت أخ من إخواني فكأنَّي سقط عضو منى.
إخوتاه ..
للأخوة لغة خاصة لا يعرفها إلا من عاشها، ولا يفهمها ولا يعلمها إلا من تذوق حلاوة الحب في الله، إن سم الخياط لا يضيق على المتحابين، والدنيا على سعتها لا تسع المتباغضين.