← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 98127

الأخوة أيها الإخوة

محمد حسين يعقوب

Полный текст (255 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

بذل الندى وكف الأذى واحتمال الأذى روائح نسيم المحبة تفوح من المحبين وإن كتموها وتظهر عليهم دلائلها وإن أخفوها وتبدو عليهم وإن ستروها

стр. 177

السبب العاشر عاشرا: بذل الندى وكف الأذى واحتمال الأذى إخوتاه .. هذا من أكبر الأسباب لتعميق أواصر الأخوة، وهذا هو تعريف أهل العلم لحسن الخلق. قالوا: الدين كله خلق، فمن زاد عليك في الخلق، زاد عليك في الدين. فديننا دين الأخلاق، قال ﷺ : " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق " (١) فعلم رسول الله ﷺ الناس الأخلاق، رغم أنَّ أصول الأخلاق كانت موجودة في العرب، ولكنه جاء ليتممها ويكملها ويجملها، ويضعها في إطارها الحقيقي، حين تستعمل هذه الأخلاق لوجه الله تعالى، فقد كانوا كرماء لكن هذا الكرم ليقال، لا لرضا ذي الجلال، فتعلموا الإخلاص والصدق في القول والعمل، فالذي يتخلق بالأخلاق الحميدة يبتغي وجه الناس إن لم يجد ثمرة ذلك ربما غير وجهه وانقلب على عقبيه، أمَّا الذي يبتغي وجه الله فيقول: " إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا " [الإنسان /٩ـ١٠] فكان جزاؤهم من جنس

стр. 178

عملهم " فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا " [الإنسان/١١ - ١٢] عن أبي هريرة ﵁ قال: أن رجلا قال: يا رسول الله ﷺ -إنَّ لي قرابة أصلهم ويقطعونني، وأحسن إليهم ويسيئون إليَّ، وأحلم عنهم ويجهلون عليَّ. فقال ﷺ :لئن كنت كما قلت فكأنَّما تسفهم المل، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك. (١) فلا بد من الصبر، لابد من احتمال الأذى، وتذكر أنك لا تعامل بشراً، بل تعامل رب كل شيء، تعامل الله ﷻ . إخوتاه .. إنَّ أعالي الجنان يسكنها أصحاب الأخلاق العالية جزاءًا وفاقًا، قال ﷺ " أنا زعيم ببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه" (٢) وقال ﷺ : " إن من أحبكم إلي وأقربكم منِّي مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا ". (٣) وقال ﷺ : " إنَّ الرجل ليدرك بحسن خلقه درجة قائم الليل صائم النهار" (٤)

стр. 179

إخوتاه .. إننا نعاني اليوم في هذا العصر المادي الملوث من سوء الأخلاق، فأنت تلمح في واقع هذه الأمة من الصور السيئة ما يندى له جبين المرء خجلا، انظر إلى قاموس الألفاظ السيئة والبذيئة الذي شاع بين الناس الآن بسبب الإعلام والأغاني التافهة والانصياع وراء التدمير الأخلاقي الذي يشنه أعداء هذه الأمة على أفرادها من واقع الغزو الثقافي والفكري. انظر إلى المرأة الحيية الرقيقة العفيفة وقد علا صوتهاـ اليوم ـ وتلفظت بما يخدش الحياء، وسارت كاسية عارية، وشابهت الرجال في كل شيء كما خدعوها، سوء أخلاق وإهمال في التربية تولد عنه ما نحن فيه من البلاء المستطير. انظر لفضائل الأخلاق وقد هُجِرت، وألقيت في واد سحيق، فأين الجود والعلم والحلم والوفاء والمروءة والشهامة والشجاعة والبذل والصبر؟!! أين الألفاظ الكريمة؟!! أين التواصل والتحابب والمواساة؟!! كلمات لا يعرف لها الوجود إلا اسمها. وإنَّما الأمم الأخلاق ما بقيت ....... فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا أرأيت لماذا هذه الانتكاسة الخطيرة لأمتنا؟ لأن هذه الأخلاق الحميدة افتقدها واقع المسلمين وحل محلها من سوء الخلق ما تقشعر له الأجساد من فرطه، شماتة وأذى وتحامل وحسد وغيبة ونميمة وبغض وتشاحن وتقاطع وحب النفس وعبودية الذات وأنانية مفرطة وعجب، فاللهم الطف بنا، ولا تعجل بهلاكنا. إخوتاه .. " بذل الندى " أين الكرم والإيثار في واقع حياتكم؟!! في وصف الأنصار قال تعالى: " وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ

стр. 180

مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ " [الحشر/٩] نعم هذه هي القضية، إمَّا بذل وإيثار، وإمَّا شح النفس التي لا ترضى أبدا. قال ﷺ : " لو أنَّ لابن آدم وادياً من ذهب أحب أن يكون له واديان، ولن يملأ فاه إلا التراب، ويتوب الله على من تاب" (١) أريدك أن تعطي أخاك من جهدك، تؤثر أخاك على نفسك، فيورث ذلك في القلوب محبة لا تنقضي، فكيف يُتصور أن يبيعك هذا الأخ يوماً من الأيام؟ بل ستجد قلوبا صافية وودًا غامرًا، وانظر إلى إيثار السلف والتمس مسلكا على نهجهم. جاء العيد فبعث رجل من السلف جارية إلى صديق له لتخبره أنه ليس عنده ما يكسو به عياله، فبعث الصديق إليه بصرةٍ فيها ستون دينارا لم يكن عنده غيرها، فجاء رجل للأول يخبره بأنَّه ليس عنده شيء فأعطاه الصرة التي أخذها، ثم بعث الصديق الثاني للرجل الثالث يخبره بأنه ليس عنده شيء فأعطاه الصرة فوجدها صرته بخاتمها هي هي، فمضى إلى صاحبه يستفسر فعلم بالأمر، فاجتمعوا وتقاسموها كل أخذ عشرين دينارا. إخوتاه .. أسألكم بالله ألم يكن هؤلاء بشراً مثلنا، فبماذا فضلوا علينا؟ نعم إنَّه الإيمان ومعرفة الله ورسوله والامتثال للأمر واجتناب النهي، فهؤلاء هم الذين تمثلوا الإسلام واقعاً حياً لا مجرد كلام. إخوتاه .. " كف الأذى " بمعنى ألا يتعرض أخوك لما يضره بسببك، فتحفظ جوارحك عنه

стр. 181

فلا تؤذيه بيدك بالبطش وسلب المال والضرب ونحو ذلك، ولا تؤذيه بلسانك بالشتم والغيبة والنميمة، ولا تؤذيه بالتخاذل عن نصرته في وقت يحتاج إليك فيه. قال رسول الله ﷺ " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده " (١) ويقول ﷺ : "ما من امرئ يخذل امرأ مسلما في موضع تنتهك فيه حرمته، وينتقص فيه من عرضه إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته " (٢) فبسبب هذا السكوت والتقاعس يخذلك الله بسببه، أحد الإخوة يقول لي: أنَّه جلس مجلسا استهزئ فيه برسول الله ﷺ فسكت ولا أنكر ولا أعرض، فكانت عاقبته أن فتن في دينه وترك الالتزام فلم يثبته الله وخذله ووكله إلى نفسه فضاع وتاه وضل وابتعد، ولولا رحمة الله به ما عاد أبدًا. إخوتاه .. قال ﷺ : " والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن، قيل: ومن يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه " (٣) فإنَّ الجار لا يقدر بثمن، لما أراد جار محمد بن ميمون السكري بيع البيت، قال للمشتري: أبيعك بثلاثة آلاف، البيت بألف، وجوار أبي حمزة بألفين. فقد تبتلى بجار يجعلك تنفر من المكان ولو كان جنة، ولكن نعم الجوار إذا كان جارك رجلا صالحا تقيا إذا رأيته ذكرت الله، ساعتها تحمد الله على نعيم الدنيا.

стр. 182

إخوتاه .. "واحتمال الأذى " فلا يتوقف الأمر عند كف الأذى، بل ينبغي أن تكون حليما، وهذه الصفة لم يعد لها ظهور في أيامنا هذه. فالغضب سريعاً ما يتسلل إلى النفوس عند أقل موقف، والأصوات صارت عالية، والضغوط النفسية يعاني منها كل واحد، وليس ذلك إلا من جراء التكالب على الدنيا، وطلبها على غير الوجهة الشرعية بأن تصبح مطية للآخرة. إخوتاه .. إياكم والغضب فإنه جمرة من النار يلقيها الشيطان ليضل الناس، وقد أوصانا رسول الله ﷺ بذلك فقال لمن سأله الوصية " لا تغضب " (١) فما زال يرددها عليه؛ إذ الغضب ملاك كل شر. فينبغي ألا تسير خلف جهل الناس، بل لا يزيدك جهل الناس إلا حلما، تتحمل الأذى فالصبر مفتاح الفرج، والصبر ضياء، وليكن رسول الله ﷺ قدوتك، تذكر كيف تحمل الأذى وصبر. روى البخاري أنَّ رسول الله ﷺ ذكر بعض الأنبياء وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: اللهم اغفر لقومي فإنَّهم لا يعلمون. (٢) قال بعض الشراح: يحدث عن نفسه لما آذاه الناس بالطائف، وقد لبث فيهم شهرًا يدعوهم فما آمن به أحد، ولم ينته الأمر عند ذلك حتى سلطوا عليه السفهاء ليضربوه بالحجارة ـ بأبي هو وأمي ـ فضربوه حتى أدمى عقبيه، فجلس ليتقي الحجارة فضربوه

стр. 183

في رأسه، فوضع يديه على رأسه، فواجهوه بالحجارة ولم يتركوه، إلا عندما وقع بحفرة ظناً منهم أنَّه مات. فجاء ملك الجبال ليطبق عليهم الأخشبين، فقال: بل أرجو أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا. (١) إخوتاه .. أذكركم بهذا، وأتصور أنه لو جاءنا ملك الجبال الآن لقلنا جميعا: نعم هيا انسفهم نسفا، مع أن الناس مضللون، وقلوبهم قريبة فلو ذاقوا حلاوة الإيمان لأحبوا الله، فقط عصبوا أعينهم عن رؤية الدين، وبمجرد أن يزال هذا الغمام ستجد الاستجابة بإذن الله تعالى. إخوتاه .. دائما أقولها لكم: هذه الدنيا لا تفرق بينكم، هذه الدنيا اجعلها تحت حذائك، فالدنيا لا تفقدك أخاك مهما كانت الظروف والملابسات. فلابد من " كف الأذى "و" بذل الندى "و" احتمال الأذى ". ـ والله من وراء القصد ـ

стр. 184

نواقض الأخوة ذو النقص يصحب مثله والشكل يألف شكله فاصحب أخا الفضل لكي تقفو بفعله فعله أما ترى المسك دأبا يكسب طيبا محله

стр. 185

نواقض الأخوة إخوتاه .. تقدمت السبل الذي يمكنك بطرقها أن تعمق أواصر الأخوة وتقوي من روابطها، وبقي أن نعرف أنَّ بعض الأمور لا تجتمع مع المحبة الصادقة في الله، بل هي تعكر صفو الأخوة عادةً، وينقض بسببها هذا الصرح. إذ الضد يظهر حسنه الضد وبضدها تتميز الأشياء من هذه الأمور: (١) سوء الظن . فلا بد من التماس الأعذار لسلامة الصدور، فمثلاً: أخ لك طلبت منه مبلغاً من المال فرفض تقول في نفسك: جزاه الله خيرا أنا أعرف جيداً أنه لو استطاع أن يقترضهم لي لفعل لكن الأخ معذور ليس معه، أما إذا أسأت الظن فستقول: هذا بخيل إنَّه يمتلك الآلاف بل الملايين، ويضن بها علىَّ، فتعيش سقيم الصدر، ويورث ذلك من الغل والضغينة ما يفسد دينك. إذا تأخر أخوك عنك وأنت مريض، فقل في نفسك: سبحان الله مشغول، تراكمت عليه الهموم، فرج الله همه، وأزال كربه. قال ﷺ " إياكم والظن فإنَّ الظن أكذب الحديث " (١) فأحسنوا الظن، وعليكم أن تحملوا الكلام دائما على محمل جميل فبذلك تدوم المحبة، أما إذا أسأت

стр. 186

الظن لحظة فسوف تنتهي الأخوة وتضيع. (٢) الغيبة . إخوتاه .. شر الناس ذو الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه، يقول لأخيه أمامه ما يشرح الصدور، ثم ما يلبث أن يغتابه ويسئ إليه في غيبته، وهذه من علامات النفاق ـ والعياذ بالله ـ. والغيبة ذكرك أخاك بما يكره ولو كان الأمر فيه، والمغتاب شخص جبان لا يقدر أن يواجه صاحبه فيتكلم من ورائه. قال تعالى" وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ " [الحجرات / ١٢]. ولاحظوا أنَّه يأكل لحم أخيه الميت، فلو كان حيا ما استطاع، فينتظر عندما يموت ويأكل لحمه، فاجتمع أمران حرمة الميت فينتصر الله له، وأن هذا الجسد يتعفن فيأكل حراما. إخوتاه .. إنَّ أكل لحم المسلم حرام، والغيبة أن تأكل لحم أخيك ميتا وهو غائب، فاجتمع عليك من الشر مالا يحمد عقباه، كالجبن وإساءة الظن وعدم المراقبة لله بل مراقبة البشر. إخوتاه .. نزهوا أسماعكم عن استماع مثل هذه الأحاديث، كما تنزهوا ألسنتكم من النطق بها، وإنَّ السفيه ينظر إلى أخبت شئ في وعائه فيحرص أن

стр. 187

يفرغه في أوعيتكم، ولو ردت كلمة السفيه لسعد رادها كما شقي بها قائلها. (٣) السخرية والاحتقار والهمز واللمز والتنابز . قال تعالى: " إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ " [الحجرات/١٠ - ١٢]. ذكر الله في هذه الآيات السياج العام حول الحقوق الشخصية لكل مسلم ..... وقد قال ﷺ : " ألا إن دماؤكم وأموالكم وأعراضكم بينكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ..." (١). فأعراض المسلمين حرام، وأموال المسلمين حرام، ودماء المسلمين حرام، والنيل من أعراض المسلمين يبدأ أولاً: بالسخرية، وللأسف أصبحت السخرية داء من أدواء الأمة، والسبب في ذلك الأفلام والتمثيليات والمسرحيات والتفكة بالكلام الفارغ، كله سخرية فلا يضحك الناس ـ الآن ـ إلا بالسخرية من الآخرين، والاستهزاء بهم نتيجة احتقارهم لهم.

стр. 188

قال ﷺ : " بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم" (١) فمثل هذا قد امتلأ سوءً، ولكن السؤال لماذا تحتقر أخاك؟ هل لأنَّه أقل منك في المؤهل؟ أو في المركز الاجتماعي؟ أو أقل منك مالا؟ أو أنَّه ليس وسيما مثلك؟ أخي .. اعلم أنَّ كل ذلك لا يساوى عند الله شيئا، فما يغنى عنك مالك وجاهك ومؤهلك وشكلك، كل ذلك سيهلك لا محالة، ويبقى ما قدمت من العمل الصالح. " إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ " [الحجرات / ١٣]. وقد قال ﷺ : " التقوى ههنا " (٢) وأشار إلى صدره، بمعنى أنَّ محلها القلب، وكيف بنا لو احتقرنا مؤمنا أفضل من ملء الأرض مثلنا، لكنه خفي تقي نقي آثر الآخرة، وترك الدنيا التي نتباهى بها. انتبه ـ أخي ـ فلا ينبغي أن ينقدح في قلبك احتقار أحد كائنا من كان، فعليك أن تبتعد عن السخرية والاحتقار، وسبيلك لذلك أن تعتقد اعتقادًا جازمًا أن كل الناس أفضل منك. ولا يكون لك ذلك حتى تُعظِّم جنايتك، وترى نفسك بعين الصغار، وتديم ذم النفس التي أودت بك إلى مثل هذه المهالك من الذنوب والمعاصي، وعليك أن تسئ الظن بها " فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى " [النجم/٣٢] إخوتاه .. " ولا تلمزوا أنفسكم " واللمز: العيب بمعنى لا تعيبوا أنفسكم، فسمى الله أخاك بالنفس كما قال تعالى: " فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ..." [النور / ٦١]. بمعنى على إخوانكم، فلا تعب على أخيك؛ لأنك إذا عبته فقد عبت نفسك، فأنت

стр. 189

وهو شئ واحد. ثم عليك أن تحسن إليه فتناديه بأحب الأسماء إليه " وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ " فلا تذكر اسماً له يكرهه، وهذا طريق لتعميق أواصر الأخوة أن تحسن لفظك، ولا تنطق أمامه إلا بما يحب. (٤) الحسد . إخوتاه .. هذا الداء العظيم الفتاك ينساب في النفوس البشرية في لحظات الغفلة الإيمانية كما ينساب الماء في أغصان الشجر، فإن لم ينتبه إليه المسلم ويقطع دابره فسيكون سماً زعافًا يفتك بالجسم الأخوي. قال تعالى: " فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ " [المائدة / ٣٠] حسد أخاه فقتله، دب إليه الحسد، وهو داء الأمم السابقة، والحسد يغلى في قلب الشخص، والحسود شخص سيئ الأدب مع الله؛ لأنَّه ينظر إلى نعمة الله على أخيه، فيتمنى لو زالت عنه " أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ " [النساء / ٥٤] ..... وقال النبي ﷺ : " دب إليكم داء الأمم قبلكم، الحسد والبغضاء هي الحالقة، لا أقول: تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين. والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أنبئكم بما يثبت ذلكم لكم أفشوا السلام بينكم " (١) فلماذا تحسد أخاك أنْ منَّ الله عليه بشيء، فهذا ليس من قبل نفسه بل هو من عند الله ثم ألا تعلم أنَّ الله أعلم بالشاكرين، فما يدريك بحقائق الأمور فربما أعطاك

стр. 190

فطغيت، وربما أعطى غيرك ليبتليه أيكفر أم يشكر؟! فالحسود يسئ الظن بالله، ويسئ الأدب مع الله، وتراه متسخطاً لا يرى نعمة الله عليه، ولا يزري نفسه على ما خبت، بل غاية شغله النظر لنعم الله على عباده، ولذلك يفسد قلبه ودينه، ويقع في المهالك اللهم سلم سلم. والحسد يظهر في الأقوال والتصرفات، فإذا رأى أخوك أنك تحسده فإنه ينقطع عنك، ويبتعد وتسوء بينكما العلاقة فتنتهي الأخوة، وعلاج ذلك أن ترضى بما قسم الله لك، ولا تتطلع إلى ما في أيدي الناس، وأن تسأل الله من فضله، وأن تحب الخير للمسلمين. (٥) المماراة والمنافسة . من أشد الأسباب لإثارة نار الحقد بين الإخوان المماراة والمنافسة، وهذا بداية التقاطع؛ لأن التقاطع يقع أولاً بالأقوال ثم بالأبدان. كان أبو أيوب اليقظان ميمون بن مهران الحكيم إمامَ أهل الجزيرة، وكان حميد السيرة، سديد السريرة، وعمل كاتبا لعمر بن عبد العزيز قال عنه ابنه: إنَّ أبى لم يبلغ ما بلغ إلا أنه يكره أن يعصى الله. قيل له: يا أبا أيوب .. مالك لا تفارق أخا لك عن قلى. قال: إني لا أماريه ولا أشاريه، وما بلغني عن أخ لي مكروه قط إلا كان إسقاط المكروه عنه أحب إليَّ من تحقيقه عليه، فإن قال: " لم أقل " أحب إلىَّ من ثمانية تشهد عليه. إخوتاه .. لماذا لا نتعامل بهذه النفسية؟ خاصة وأنَّ الفتن تتلاحق بنا في هذه الأيام، لماذا يكون من بعض الإخوة من يذهب للدعاة والشيوخ ويفسد ذات البين يقول له: استمع

стр. 191

لهذا الشريط فإنَّ الشيخ فلان قال عنك: كيت وكيت. لا .. لا هذا ليس من دأب الإخوة إطلاقا، بل تأليف القلوب واجب، حتى أجاز رسول الله ﷺ حال التخاصم أن تنمى خيراً، ولا تقل إلا خيرا، وهذا الذي يسمونه بالكذب بين المتخاصمين. تذهب لهذا فتقول له: إنَّ الرجل يقول: إنَّك رجل صالح، وطيب الأخلاق، وأنك على خير جم، وأنك ... وأنك ... وأنه يحبك، ويريد أن يتصالح معك، فما زلت تنمى الخير حتى تنشرح الصدور. فمن يقول ذلك اليوم؟ للأسف الشديد كل يسعى لإشعال نار الفتنة، ونهاية المطاف ستحرقنا جميعا، لأننا كلنا في خندق واحد، فاللهم ألف بين قلوب المسلمين. إخوتاه .. لابد أن نحب ذلك، أن نرضى أن نسقط أقوال إخواننا إن اعتذروا عنها، أو زعموا أنهم لم يقولوها. قال تعالى في قصة يوسف عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: " يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ" [يوسف / ٥]. وقال جلا وعلا: " وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا " [الإسراء / ٥٣] .... لذلك دائما ما أنصحك ـ حبيبي في الله ـ أن تقول قولا حسنا لا بل قل القول الأحسن، فالكلام قبيح وحسن وأحسن، والله يأمرك أن تتوخى في كلامك دائما القول الأحسن الذي لا يحتمل إلا وجها واحدا حتى لا ينزغ الشيطان؛ ذلك لأنَّ الله يعلم صنيع الشيطان في التفرقة بين عباده " إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ "، كنت أقول: إن من محاسن إخوة التبليغ أنَّه عندما يقوم أحدهم ليلقى البيان تجد البقية جميعاً يلتمسون أن

стр. 192

يسدد الله أخاهم، فيدعون له أن يرزقه الله الفصاحة، ويفتح عليه، ويهدى به وهكذا. لكنَّك تجد من الإخوة في المقابل محترفي اصطياد الأخطاء، هذا صوفي ... وهذا أشعرى .. وهذا يحدث بأحاديث ضعيفة ... وهذا يخبط خبط عشواء. أخيَّ ... هلا نظرت إلى نفسك، إذا كان الإمام يخطئ لو كان وراءه مأموم لم يحسن الوضوء، فيلبس القرآن على الإمام، فكيف بمن لم يحسن الاستماع، لابد أنه سيلبس على المتكلم، نسأل الله لنا ولكم العافية من أمراض القلوب والأبدان. قال الإمام أبو حازم الأعرج: " لقد رأيتنا في مجلس زيد بن أسلم أربعين فقيها أوفي خصلة فينا التواصي بما في أيدينا، وما رأيت في مجلسه متماريين ولا متنازعين في حديث لا ينفعنا ". فالتماري والجدال الأخرق يكون فيما لا ينفع، أما ما ينفعك في دينك وآخرتك فيدخل من باب النصيحة لله ولرسوله ولعامة المسلمين. (٦) القطيعة والتحامل القلبي . الأصل في علاقة المسلم مع أخيه المسلم العفو والتسامح؛ لأنَّ الله تعالى الذي يعبدونه يتصف بصفات الكمال التي منها العفو والكرم. اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا. قال تعالى: " إِن تُبْدُواْ خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوَءٍ فَإِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا " [النساء / ١٤٩]. وقال تعالى: " وَأَنْ تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلْتَقْوَى وَلَاْ تَنْسَواْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ " [البقرة/٢٣٧] .... فما دمت تعفو فالجزاء من جنس العمل، فإن الله سيعفو عنك، نسأل الله تعالى أن يعفو عنا، فالعفو من حقوق أخيك عليك، فإنَّ أخاك ليس بمعصوم عن الخطأ، فلابد له من هنات وسقطات، ومع القرب تبدو هذه السقطات، ولو

стр. 193

ابتعدت ما رأيت ما رأيت. لذلك حثك الله جل وعلا في مثل هذا أن تعفو " فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ " [الشورى/٤٠] وانظر لهذه الآية التي عدها بعض أهل العلم من أرجى آيات القرآن، يقول الله فيها لأبى بكر الصديق الذي منع النفقة على قريبه "مسطح " لما بدر منه تجاه أم المؤمنين في حادثة الإفك ما بدر. قال تعالى: " وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ " [النور / ٢٢]. فانظر إلى هذه الكلمات الندية الجميلة الرائعة التي يخاطب الله بها القلب ويستثير بها العاطفة ويستجيش بها النفس، إنَّ القرآن لا يعرف اللباب والقشور، لا يعرف أن يترك مثل هذه الأمور الفرعية والجزئية في سبيل الأمور الأصلية والقضايا الأهم، لا إنَّ الأمر كله دين، ولا يمكن أن يسكت الوحي عن أي حادثة فيها مخالفة دون بيان، فانظر كيف تكلم عن حادثة الإفك وعلم المسلمين فيها كيف يتعاملون مع مثل هذه القضايا الشائكة، ثم ثنَّى بذكر هذه الحادثة. فما لبث أبو بكر ﵁ أن استجاب وعاد لينفق عليه مرة أخرى. إخوتاه ...... هكذا يكون التعامل بترك التحامل القلبي، قال تعالى: " وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ " [آل عمرن / ١٣٣ - ١٣٤]. فأهل الإيمان يتصفون بالعفو والرحمة " رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ " [الفتح / ٢٩] "أَذِلَّةٍ عَلَى

стр. 194

المؤْمِنِينَ " [المائدة / ٥٤]، وكيف تكون ذليلا على المؤمنين وأنت لا تعفو عنهم؟!! إخوتاه .. من الواجبات الضرورية للمسلم على أخيه " الوفاء "، فإذا هجرك أخوك أو أساء إليك فلا تنسى سابق إحسانه. عن عائشة قالت: جاءت عجوز إلى النبي ﷺ وهو عندي. فقال لها رسول الله ﷺ من أنت؟ قالت أنا جثامة المزنية، فقال: بل أنت حسانة المزنية، كيف كنتم؟ كيف حالكم؟ كيف أنت بعدنا؟ قالت: بخير بأبي أنت وأمي يا رسول الله. فلما خرجت قلت: يا رسول الله تقبل على هذه العجوز هذا الإقبال. فقال: إنها كانت تأتينا زمن خديجة وإنَّ حسن العهد من الإيمان (١). وتقول أمنا عائشة ﵂ كان النبي إذا ذكر خديجة أثنى عليها فأحسن الثناء، قالت: فغرت يوما. فقلت: ما أكثر ما تذكرها حمراء الشدق قد أبدلك الله بها خيرا منها. قال: ما أبدلني الله خيرا منها، قد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله ولدها إذ حرمني أولاد النساء (٢). فالمقصود أنَّ الوفاء مطلوب، وهو من المعاني المفقود ـ أيضا ـ في حياة المسلمين في هذا الزمان. قال الإمام الشافعي: احفظ وداد من عاملك لحظة، ولا تنسَ جميل من أفادك لفظة. هذا هو الوفاء حقا اللهم اجعلنا من عبادك الأوفياء.

стр. 195

إخوتاه .. الوفاء الثابت على الحب وإدامته حتى بعد الممات، بل إنَّه لا يموت معكم، فإذا كان البعث قمت محباً لأخلائك؛ لذلك لا تنس أخاك، ولا تنس إن منَّ الله عليك بالجنة فسل عنى، وحينها يلزمك أن تشفع لأخيك عند ربك فللمؤمنين شفاعة، اللهم ارزقنا الجنة، وما يقرب إليها من قول أو عمل. إخوتاه .. ستنقطع الروابط غداً إلا الأخوة الإيمانية، قال تعالى: " يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ " [عبس / ٣٤ـ٣٧] وقال جل وعلا:" يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْويهِ وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيه " [المعارج١١ـ١٤]، فكل الوشائج تقطع إلا وشيجة ورابطة الأخوة في الله؛ لأنَّ هذا الحب لم يرد به إلا الآخرة. إخوتاه .. لابد من دوام الوصال، والوفاء بالعهد الأخوي، فإذا مات أخوك صل أولاده وأصدقاءه من بعده. أخاف أن تنقض هذه الرابطة قبل أن تموت فيحبط العمل ويضيع السعي، فمن أحدث قبل السلام بطلت صلاته، ومن أكل قبل المغرب بطل صومه، فحذار حذار أن ينقطع وفاؤك بأخيك فتشمت الشيطان فيك، فإنَّه لا يجد متحابين في الله متعاونين على طاعته متواضعين على خير وبر إلا أجهد نفسه لإفساد ما بينهما، رب نعوذ بك من همزات الشياطين ونعوذ بك رب أن يحضرون.

стр. 196

إخوتاه ...... قال بشر: إذا قصر العبد في طاعة الله سلبه الله من يؤنسه. قال تعالى: " وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ " [الزخرف / ٣٦]. فالأخوة مسلاة عن الهموم، عون على الدين، ومن الوفاء ألا يتغير حالك مع أخيك وإن ارتفع شأنك، واتسعت ولايتك، وعظم جاهك، وزاد مالك وقويت صحتك، فإنَّ الترفع على الإخوة بما استجد من الأحوال لؤم. إخوتاه .. في صحيح مسلم عن أبى هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين والخميس فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئا، إلا رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء فيقال: انظروا هذين حتى يصطلحا ثلاثاً. (١) سامح أخاك، قل: اللهم قد وهبت من أخطأ في حقي خطأه صدقة منِّى عليه، فلعل الله يقبل صدقتك. (٧) التجريح . إخوتاه .. إن طول العهد بالأخوة والتقاء الوجوه نفسها مع بعضها البعض مع التقارب في العمر ـ خاصة إن كان في عمر الرباط الأخوي ـ مع أهميته وفائدته إلا أنَّه محفوف بآفات منها: (١) تزيين بعضهم لبعض فيورث النفاق.

стр. 197

(٢) الكلام والخلطة أكثر من الحاجة، وهذا من السموم التي تفسد القلوب " فضول الكلام " و" فضول المخالطة ". (٣) أن يصير ذلك عادة وشهوة فينقطع بها عن المقصود. (٤) ظهور الأخطاء ووضوح العيوب. هذا كلام ابن القيم ﵀، والمقصود أن من نواقض الأخوة الخلطة الفاسدة التي تكون على غير الوجهة الشرعية، فيصير اللقاء كأنَّه جراحات يجرح كل منكم الآخر ويؤذيه في دينه. ناهيك عن التجريح الآخر الذي ينتج عن فساد ذات البين، وكل ذلك دواؤه الاستعانة بالله تعالى وإخلاص النية وتجديدها، أن يظل شغل الإخوة الشاغل كيف يتعاونون على طاعة الله، لا أن يتلاقوا على المشاكلة فحسب. أخي .. أوصيك ونفسي بأن تتواصى بالإخلاص وصدق النية في إرضاء الله ـ جل وعلا ـ بلقاءاتنا. (٨) الأخذ وعدم العطاء . لا شك أنَّ مثل هذا السلوك إذا تتابع حتى صار ظاهرة يسبب شيئا في الصدر، وهذه شيم البخلاء الذين يجمعون ولا ينفقون، يأخذون ولا يعطون وعياذاً بالله أن يكون منا بخيلٌ. قال بعض أهل العلم في تفسير قوله تعالى " وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة " [البقرة / ١٩٥] هو البخل. وقال الله تعالى: " وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا" [الاسراء / ٢٩]. ولا تجتمع خصلتان في مؤمن سوء الخلق

стр. 198

والبخل، وأى داء أدوأ من البخل. فالمقصود ـ إخوتاه ـ أنَّ مثل هذا يوغر الصدور، فلابد من تعاون وتآلف، فعود نفسك البذل، ولا أطالبك بأن تنتظر المقابل فذلك دليل فساد النية، ولكن أطالبك يا من تعطى فتمنع، وتأخذ ولا تنفق أن تتقى الله في إخوانك فإني أخشى أن يهلكك العجب والأثرة، وتتمكن منك هذه الأمراض القذرة مثل الشح والبخل وسوء الخلق. قال تعالى: "وَإِذَاْ حُيْيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ الْلَهَ كَاْنَ عَلَي كُلْ شَيْءٍ حَسِيبًا " [النساء/٨٦]. وقال تعالى: "إِنَّ اللَهَ لَاْ يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا الَّذِيْن يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بالبُخْلِ " [النساء/٣٦ - ٣٧] فإذا وجدت إخوانك يشكون هذا الصنيع فيك، فقل في نفسك: أخي مرآة عيوبي، واذهب في الحال وشاركهم في أي عمل، وجد من نفسك ومالك، وعامل الناس أفضل مما تحب أن يعاملوك به ........................ (٩) معرفة الحقوق ونسيان الواجبات (الأنانية والأثرة) ..... كثيرٌ من الأخوة يشتكون من هذا السمت السيئ في بعض إخوانهم، فتجد الأخ يعرف ماله جيدا ويطالب أخاه أن يصنع كذا وكذا بموجب ماله من حق عليه، وينسى ويتغافل عن حقوق أخيه والواجبات التي عليه تجاه الآخرين. وهذه الأثرة آفة الإنسان وغول فضائله، إذا سيطرت نزعتها على المرء محقت خيره ونمت شره، وحاصرته في كل صنائعه، وجعلته محصورا في نطاق ضيق خسيس، ولا يعرف فيه غير شخصه، ولا يشعر بفرح أو حزن إلا لما يحسه من خير أو شر لنفسه. هذا الصنف من الناس وقع في عبودية الذات، ولا يحصل منه الخير أبدا، يعامل الناس في حدود ما يصل إليه عن طريقهم، لا يعرف إلا تحقيق آماله هو ولو على

стр. 199

حساب الآخرين، وهذا عنوان الكبر الذي هو بطر الحق وغمط الناس، وهذا بريد التعاسة ـ علم الله ـ. إخوتاه .. لا ينبغي أن يكون فينا من هذا وصفه، فيا أيها الأناني يا صاحب الأثرة إن تعصبك لنفسك هو طريق الخذلان والحرمان، فلا تقلب الأمور فبدل أن تحب أخاك تحب نفسك، وبدل أن تؤثر أخاك تؤثر نفسك، فتتحول الأمور إلى صراعات بين عنصريات وقوميات وطبقيات، وتتعدد صور الهلاك والفساد نسأل الله لنا ولكم العافية. إخوتاه .. أحيوا خلق الإيثار، وحب الخير للمسلمين، والإعانة على الطاعة. (١٠) عدم الاحتكام إلى شرع الله في العلاقات . هذا لاشك من نواقض الأخوة المهلكة، لأنَّ أساس العلاقة والرابطة هو الإيمان، ومن مقتضيات الإيمان رد النزاع إلى الله ورسوله ليحكم بينهم. فمن يحيد عن هذه الجادة ويترك بعض ما أنزل الله يهلك في الخصومات والتنازعات. قال تعالى: " فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ " [المائدة/١٤] أي أنهم لما غفلوا عن قدر مما ذكرهم الله به فيما أمرهم به ونهاهم عنه كانت العاقبة الوقوع في العداوات وفساد البين بالتشاحن والتباغض.

стр. 200

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "إذا ترك الناس بعض ما أنزل الله جهلا أو هوى وقعت بينهم العداوة والبغضاء، إذ لم يبق هنا حق جامع يشتركون فيه، بل تقطعوا أمرهم بينهم زبراً، كل حزب بما لديهم فرحون ". إخوتاه .. مع غياب الشرع تبدو المصلحة الشخصية والنظرة المادية والشهوة الخفية والأغراض الذاتية، فيتحول الناس إلى حياة الغاب، لا بقاء إلا لقوة المخلب والناب. هذه موازين مقلوبة، وأعراف منكرة، وتصورات مشوهة، مجتمع الجهل والأثرة والشهوة، أما في مجتمع الإسلام فنقيض ذلك تماما نسأل الله لنا ولكم العافية.

стр. 201

فن معالجة الأخطاء أخ لي كأيام الحياة إخاؤه تلون ألوانا كثيرة خطوبها إذا عبت منه خلة فهجرته دعتني إليه خلة لا أعيبها

стр. 202

فن معالجة الأخطاء ... إذا حدث بينك وبين أخيك ما تكره، تريد أن تعالج هذا الخطأ؛ فماذا تصنع؟ وقد تقدم معنا الحديث عن " الإغضاء وعدم الاستقصاء "، فما من بشر إلا ويخطئ،، وإلا فأنت تبحث عن المعصوم، ولا عصمة لغير الأنبياء، ولا نبي بعد النبي محمد ﷺ فلا ترم محالا. وهنا سوف أدلك على الطرق التي إذا اتبعتها تجاوزت هذه العقبات، فأحسن النية والعزم. أولا: اللوم للمخطئ لا يأتي بخير غالباً . تذكر أن اللوم لا يأتي بنتائج إيجابية في الغالب، فحاول أن تتجنبه. يقول أنس ﵁: خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين، فما قال لي: أفٍ، ولا لم صنعت، ولا أَلا صنعت " (١) إنَّه في مثل هذه الأوضاع قد يستغرب بعضنا أو يستكثر أو يرى أن هذا ضرب من المحال أن يمر الأمر دون عتاب أو لوم. وهذا الشأن من قبيل انشغال القلب بالعلويات عن السفاسف، فرسول الله ﷺ كان مشغولا بالوحي وبعلو الدرجة بأن يكون في الرفيق الأعلى، أقل من ذلك لا، بأن ينال الوسيلة التي لم ينلها بشر. كان أنس يقول: أن النبي ﷺ كان إذا حدثه بعض أهله في شئ من ذلك يقول

стр. 203

" دعوه فلو قدر أو قال لو قضى أن يكون كان " (١) فانظر إلى تعلق القلب بالله، والرضا بقدره، وسكون القلب تحت مجارى الأقدار. ولهذا انتبهوا فهذا أول درجات علو الهمة، " نهي رسول الله ﷺ أن يرجل الرجل شعره إلا غبًا ". (٢) إخوتاه .. لا تكونوا كهؤلاء الذين لا يهتمون إلا بالتلاوم والتعاتب، فإنَّ هذا مضيعة للوئام بين الأنام. قال معاذ بن جبل: إذا كان لك أخ في الله فلا تماره. ثانياً: أبعد الحاجز الضبابي عن عين المخطئ . المخطئ ـ أحيانا ـ لا يشعر بأنَّه مخطئ، فغالباً لا أحد يحب الخطأ، ولا يحب أن يخطئ، ومن كان هذا وصفه فمن العسير أن توجه له لوما مباشراً وعتاباً قاسياً، وهو يرى أنَّه مصيب. فلابد أن يشعر أنَّه أخطأ حتى يبحث عن الصواب، فينبغي أن تتوخى ـ بدايةً ـ أن تزيل عنه الغشاوة ليبصر الخطأ.

стр. 204

انظر لرسول الله في معاملته للفتى الذي جاءه يستأذنه في الزنا فأقبل القوم عليه فزجروه فأدناه ﷺ ، وبدأ يزيل عن عينه الغشاوة فيسأله أتحبه لأمك؟ لابنتك؟ لأختك؟ لعمتك؟ لخالتك؟ والشاب يقول كل مرة: لا جعلني الله فداءك فيجيبه رسول الله ﷺ ولا الناس يحبونه لأمهاتهم ... لبناتهم ... لأخواتهم ... لعماتهم .... لخالاتهم، ثم وضع يده عليه وقال: " اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه وحصن فرجه ". فلم يكن بعد ذلك يلتفت إلى شئ من مثل هذا (١) إخوتاه .. لما تكلم الله تعالى في تأديب الزوجة جعل ذلك على ثلاثة مراحل " وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا " [النساء / ٣٤]. فقال أهل العلم: إذا غلب على الظن أن الضرب لا يأتي بنتيجة حرم الضرب، لأنَّه من جنس الأذى المجرد، وهو حرام. وانظر كيف قدم الله الموعظة الحسنة لإزالة الغيوم قبل أن يتدرج الأمر للتعنيف ليعلمنا هذا الدرس دائما في معاملاتنا. إخوتاه لابد من إزالة هذا الضباب لكن برفق ولين، وقد تقدم معنا قصته ﷺ مع معاوية بن الحكم لما شمت العاطس في الصلاة بصوت عال، فما نهره ولا شتمه ولا وبخه بل قال له: " إنَّ هذه الصلاة لا يصلح فيها شئ من كلام الناس إنَّما هو التسبيح والتكبير

стр. 205

وقراءة القرآن " (١) وقصته مع الأعرابي الذي بال في المسجد، وترفقه به في إيضاح وجه الخطأ الذي ارتكبه (٢) وهذا الذي ينبغي أن نكون عليه. ثالثا: اختيار العبارات اللطيفة في إصلاح الأخطاء . إذا كنا ندرك أنَّ من البيان لسحراً، فلماذا لا نستخدم هذا السحر الحلال في معالجة الأخطاء؟! فمثلاً: حينما يخطئ إنسان فقل له: لو فعلت كذا، أو ما رأيك أن تفعل كذا؟ أو اقترح عليك هذا الفعل، أو أرأيت هذه الوجهة لو توليت إليها .. وغير ذلك من العبارات اللطيفة التي لا تعرف خشونة عبارات التعنيف، والتي لا تخلو من سباب وشتم وتعيير، يقول: أعدم سمعك؟ أزال عنك عقلك؟ أجننت؟ يا كذا ... يا كذا إلى آخر ما ينبغي التنصل منه. إخوتاه .. لاشك أن البون شاسع بين اللطف والخشونة، بين الرقة والعنف، فلماذا لا ترق وتلطف بإخوانك؟! كان ﷺ يستخدم مثل هذه العبارات اللطيفة في حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ " لو أنَّكم تطهرتم ليومكم هذا " (٣). وكان يقول ﷺ : " ما على أحدكم إنْ وجد أنْ يتخذ ثوبين ليوم الجمعة سوى

стр. 206

ثوبي مهنته " (١) ولما أراد كعب بن مالك أنْ يتصدق بماله كله لتكون من تمام توبته قال له ﷺ : " أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك " (٢) ولما أعتقت أمنا ميمونة بن الحارث ﵁ جارية لها قال لها رسول الله ﷺ : ـ " أما إنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك ". (٣) إخوتاه .. إنَّ هذه العبارات الجميلة تأثيرها ساحر، فهي تحمل في طيها مشاعر التقدير والاحترام مختلطة بالحب والشفقة، ومن ثمَّ يشعر من تحدثه بإنصافك له، وحينها تزول الغشاوة ويعترف بالخطأ. واعلم أنَّ كل كلمة قاسية في العتاب لها مرادف من الكلمات الطيبة، قال الصينيون في مثل سائر عندهم: نقطة العسل تصيد من الذباب ما لا يصيد برميل من العلقم. هذا وقع الكلمة الطيبة تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها، بخلاف الكلام المر الذي لا يستسيغه أحد.

стр. 207

رابعا: ترك الجدال أكثر إقناعاً من الجدال . تجنب الجدال في معالجة الأخطاء، فهذه الطريقة أكثر وأعمق أثراً من استخدامك الجدال نفسه، وتذكر أنَّك عندما تنتصر في الجدال على خصمك المخطئ فإنَّك تجبره للإذعان لك، وفي غالب الأمر يحز ذلك في نفسه، ويحقد عليك ويحسدك، فحاول أن تتجنب ذلك من البداية، والنصوص الشرعية لم تذكر الجدال إلا في موضع الذم غالباً، والمحمود منه ما كان عن محاورة هادئة مع طالبٍ للحق بصورة حسنة جميلة، قال تعالى: " وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ " [النحل/ ١٢٥]. ذُكر عن الإمام مالك ﵁ -أنَّه قيل له: يا أبا عبد الله الرجل يكون عالما بالسنة أيجادل عنها؟ قال: لا، ولكنَّه يخبر بالسنة، فإن قبلت وإلا سكت. وهذه حقيقة واقعية أنَّ طالب الحق إذ سمع السنة قبلها، وأمَّا المعاند والمكابر فلا يقنعه أقدر الناس على الجدال. إخوتاه .. بالجدال تخسر المجال، والداعية ليس في حاجة إلى أن يخسر الناس، قال عبد الله بن الحسن ﵀: " المراء يفسد الصداقة القديمة، ويحل العقدة الوثيقة، وأقل ما فيه أن تكون المغالبة، والمغالبة أمتن أسباب القطيعة " حتى لو كان المجادل محقا، ينبغي ترك الجدال. قال ﷺ " بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر إلا أن تروا شحا مطاعا، وهوى متبعا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذى رأى برأيه، فعليك بخاصة نفسك ودع العوام " (١)

стр. 208

وقال ﷺ " أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا " (١). إخوتاه .. تذكروا أنَّ المخطئ يربط الخطأ بكرامته، فيدافع عنه كمن يدافع عن شرفه وكرامته، فإذا تركنا له مخرجاً سهلاً، وجعلنا له فرصة للعودة ما تغلقت عليه الأبواب. قال تعالى عن نبيه ﷺ : "عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ " [التحريم / ٣]، وكذلك استن. خامسا: ضع نفسك موضع المخطئ ثم ابحث عن الحل . حاول أن تعرف كيف يفكر الآخرون، من أي قاعدة ينطلقون؟ فحينئذٍ تكون قد عثرت على نصف الحل، ضع نفسك موضع المخطئ، حاول أن تفكر من وجهة نظره هو، فكر في الخيارات الممكنة التي تتقبلها واختر له ما يناسبه. وهذه الطريقة المثلى في الاعتذار عن الآخرين، وبها يسلم صدرك. وهي أمارة على حسن الظن فتأمل!! سادسا: ما كان الرفق في شئ إلا زانه . فالله رفيق يحب الرفق، وما كان رسول الله ﷺ فظاً، ولا غليظاً، ولا معنتاً، ولا متعنتا بل كان ـ بأبي هو وأمي ـ معلماً ميسراً. والله ـ جلا وعلا ـ لا يضع رحمته إلا على رحيم، والمؤمن هين لين؛ لذلك قال

стр. 209

- ﷺ -للأشج بن قيس: " إنَّ فيك خصلتين يحبهما الله الحلم والأناة " (١). وقال رسول الله ﷺ : " المؤمنون هينون لينون كالجمل الأنف إذا قيد انقاد، وإذا أنيخ على صخرة استناخ " (٢) وقال عمرو بن العاص:﵁" كان رسول الله ﷺ يقبل بوجهه وحديثه على شر القوم يتألفه بذلك، وكان يقبل بوجهه وحديثه علىَّ حتى ظننت أنى خير القوم (٣). وقال جرير بن عبد الله البجلي: " ما حجبني رسول الله ﷺ منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسم في وجهي ". (٤) إخوتاه .. إننا بحاجة لشيء من العطف على أخطاء الناس أو حتى حماقاتهم، نريد شيئاً من الود الحقيقي لهم، نبغي شيئاً من العناية غير المتصنعة باهتماماتهم وهمومهم. فعندما نلمس الجانب الطيب في نفوس الناس نجد أن هناك خيرا كثيرا، قد لا تراه العيون عند الوهلة الأولى، لكن ستكشف هذا النبع الخير فيهم حين يصفو لك حبهم ومودتهم وثقتهم، هذا في مقابل القليل الذي أعطيتهم إياه من نفسك، إذا كان ذلك عن صدق وصفاء وإخلاص.

стр. 210

إخوتاه .. هذه الثمرة الجميلة تنكشف لمن يروم أن يشعر الناس بالأمن من جانبه، بالثقة في مودته، بالعطف الحقيقي على معاناتهم، شئ من سعة الصدر في أول الأمر كفيل بأن يتحقق لك ذلك كله أقرب مما تتوقعه، ليس لأني أقول ذلك، ولكن الله هو الذي قال: " ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ " [فصلت /٣٤ـ٣٥]. سابعا: دع الآخرين يتوصلون لفكرتك . عندما يخطئ إنسان فقد يكون المناسب في تصحيح الخطأ أن تجعله يكتشف الخطأ بنفسه ثم تجعله يكتشف الحل. من الشواهد في هذا الصدد ما ذكره الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ من قصة الشيخ / عبد الرحمن البكري حينما ذهب إلى الهند فوجد أحد علمائها يلعن الشيخ / محمد بن عبد الوهاب في نهاية كل درس، فقام الشيخ البكري ونزع غلاف كتاب التوحيد، ودعا الشيخ لمنزله ثم استأذنه ليأتي بالطعام، وكان الكتاب قريباً من الشيخ الهندي فأخذ يتصفحه، وأعجب به حتى عندما عاد إليه الشيخ البكري وجده يهز رأسه متعجبا ويقول: لمن هذا الكتاب؟!، هذه التراجم وعناوين الفصول شبه تراجم البخاري، هذا ـ والله ـ نفسه البخاري. قال الشيخ البكري ـ فقلت: ألا تذهب للشيخ الغزوى نسأله، وكان صاحب مكتبة فأخبرهم أنَّه للشيخ محمد بن عبد الوهاب. فصاح العالم الهندي بصوت عال: الكافر. فسكتنا وسكت قليلا، ثم هدأ غضبه واسترجع، ثم كان بعد ذلك يدعو تلاميذه للدعاء للشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، وتفرق تلاميذه في البلاد وهم على عادة شيخهم في الدعاء للشيخ.

стр. 211

إخوتاه .. الإنسان منا إذا اكتشف الخطأ، ولاح له الحل والصواب فلا شك أن يكون أكثر حماسا لأنَّه يحس أن الفكرة فكرته. يقول ابن الجوزى: " تأملت حرص النفس على ما منعت منه، فرأيت حرص النفس على ما منعت يزيد على قدر قوة المنع. رأيت في الأول أنَّ آدم ﵇ أبيحت له الجنة بأثمارها ومنع من شجرة حرص عليها مع وجود الأشجار المغنية عنها. قال تعالى: " وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِين" [الأعراف/ ١٩]، ولكنَّه أكل من هذه الشجرة، وفي المثل القديم: المرء حريص على ما منع، وتواق إلى ما لم ينل. ويقال: لو أمر الناس بالجوع لصبروا، ولو نهوا عن تفتيت البعر لرغبوا فيه. وقالوا: ما أحب شئ إلى الإنسان إلا ما منع. فلما بحثت عن سبب ذلك وجدت سببين: أحدهما: أنَّ النفس لا تصبر على الحصر، فإنَّه يكفي حصرها في صورة البدن، فإذا حصرت في المعنى بمنع زاد طيشها، ولهذا لو قعد الإنسان في بيته برغبته شهرا لم يصعب عليه، ولو قيل: لا تخرج من بيتك يوماً لصعب عليه وطال عليه. الثاني: أنًّ النفس يشق عليها الدخول تحت حكم، ولهذا تجد النفس تستلذ الحرام، ولا تكاد تستطيب المباح، يسهل عليها التعبد بالبدعة؛ لأنه ما ترى وتؤثره على السنة لأنه خلاف ما ترى " أهـ

стр. 212

إخوتاه .. انتبهوا لهذا الأمر جيداً، دع الناس يتوصلون إلى فكرتك ويقنعون بها أنفسهم دون أن تظهر ذلك لهم، فسوف يظن أنَّ الأمر من قبل نفسه فيذعن لفكرته أكثر من استجابته لنصحك إياه. ثامنا: عندما تنقد اذكر جوانب الصواب . حتى يتقبل الآخرون نقدك المهذب وتصحيحك للخطأ أشعرهم بالإنصاف بأن تذكر خلال نقدك جوانب الصواب عندهم. ففي صحيح البخاري أن النبي ﷺ قال: " نعم الرجل عبد الله لو كان يصلى من الليل. قالت حفصة: فكان بعدُ لا ينام إلا قليلاً. (١). عبد الله بن مسعود أخذ نفس الطريق لما قال له زياد: كيف يضيع العلم وقد وعته القلوب وحفظته الصدور. قال: ثكلتك أمك يا زياد، إني لأظنك أفقه أهل المدينة. إخوتاه .. عندما يعمل إنسان عملاً فيحقق فيه نسبة نجاح ٢٠ % فأثنِ عليه بهذا الصواب، ثمَّ اطلب منه تصحيح الخطأ ومجاوزة هذه النسبة. انظر كيف ينظر الشخصان إلى كوب ماء امتلأ حتى النصف، يراه أحدهما أنَّه ناقص إلى النصف، والثاني يراه ممتلئًا حتى النصف.

стр. 213

في تفسير الأحلام لابن سيرين عندما جاء رجل يسأل عن تساقط أسنانه فقال المؤول: سيموت كل أبنائك فمرض الرجل، فسأل آخر فقال له: ستكون آخر أبنائك موتاً. إخوتاه .. امدح على قليل الصواب يكثر في الممدوح الصواب، انظر إلى محترفي السيرك عندما نجحوا في ترويض الحيوانات الضخمة والشرسة، ودربوها على أعمال تدعو للدهشة والاستغراب، وطريقتهم في ذلك أنَّهم يطلبون من هذا الحيوان عملاً معيناً فإذا حقق فيه نجاحا ٥ % أعطوه قطعة لحم، وشدوا من أزره، دلالة على رضاهم عنه، ثم يكررون هذا الأمر فيزداد النجاح شيئاً فشيئاً حتى يتوصلوا إلى مقصودهم، فإذا نجحت هذه الطريقة مع الحيوانات فلماذا لا تنجح مع الإنسان وهو من أكثر مخلوقات الله ذكاء وقدرة على تفادى الأخطاء؟!! إخوتاه عندما تربى ولدك ليكون كاتباً جيداً، دربه أولاً على الكتابة، وتتبع جوانب الصواب مع مقالة الأول، ومع قليل من الثناء سيزداد الصواب، ويكثر حتى يحقق مرادك. كذلك إذا أردت أن تقوم الليل وتوقظ ولدك لصلاة القيام قبل الفجر فتشجعه وتقول: ما شاء الله لقد أدركت لحظة جليلة يقول الله فيها: " هل من سائل " فلعلك دعوت لأبيك. مثل هذا الصنيع سيشجعه ويبدأ في المداومة على القيام، والرسول ﷺ عندما قال: " رحم الله رجلا قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته فإن أبت نضح في وجهها الماء " (١) ذلك على سبيل المداعبة لا الأذى فتفطنوا، المقصود أنَّ قليل الصواب إذا

стр. 214

أثنى عليه يكثر ويستمر. تاسعا: لا تفتش عن الأخطاء . حاول أن تصحح الأخطاء الظاهرة، ولا تفتش عن الأخطاء الخفية لتصلحها، لأنَّك بذلك تفسد القلوب، وقد نهي الشارع عن تتبع العورات. ففي مسند الإمام أحمد عن ثوبان أن رسول الله ﷺ : " لا تؤذوا عباد الله ولا تعيروهم، ولا تطلبوا عوراتهم، فإنه من طلب عورة أخيه المسلم طلب الله عورته حتى يفضحه في بيته " (١) وعن معاوية أن رسول الله ﷺ قال: " إنك إن تتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت تفسدهم " (٢) قال الله تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ " [الحجرات / ١٢]؛ لذلك نهى رسول الله ﷺ أن يطرق الرجل أهله ليلاً (٣) ليلتمس عوراتهم، فكان إذا جاء من سفر ليلا بات في المسجد، ثم إذا

стр. 215

أصبح ذهب لأهله، إذ كان يكره أن يأتي الرجل أهله طروقاً (١) ويقول: " إذا دخلت ليلاً فلا تدخل على أهلك حتى تستحد المغيبة، وتمتشط الشعثة ". (٢) عاشرا: استفسر عن الخطأ مع إحسان الظن والتثبت . إذا بلغك خطأ عن إنسان فتثبت منه، واستفسر عنه مع إحسان الظن به، فأنت بذلك تشعره بالاحترام والتقدير، كما يحس هو - في الوقت ذاته - بالخجل والحياء أن حدث مثل هذا الخطأ منه. يمكنك في هذه الأحوال أن تقول مثلاً: زعموا أنَّك فعلت كذا، ولا أظنه يصدر من مثلك. قال عمر ﵁: " يا أبا إسحاق زعموا أنَّك لا تحسن تصلي، وأنا أنأى بك عن ذلك ". وهذا عندما اشتكى أهل العراق واليهم من قبل عمر ﵁ -سعد بن أبى وقاص ﵁ فقال سعد:"والله إني لآلو أنِّي أصلى بهم صلاة رسول الله ﷺ . المقصود لابد من استسفسار، وعليك أن تسوقها بمعرض الحديث، وأحسن الظن به وتثبت. الحادي عشر: اجعل الخطأ هينا ويسيرا وابن الثقة في النفس لإصلاحه . ابنك ـ مثلاً ـ رسب في الجامعة في مادة من المواد تقول له: الحمد لله، ولكن لن أتنازل عن تقدير العام القادم.
следующие страницы →