إخوتاه ..
...كان عبد الله بن رواحة إذا لقى الرجل من أصحاب رسول الله ﷺ فقال: تعال نؤمن ساعة.
...وأورد البخارى معلقًا بلفظ الترجمة عن معاذ بن جبل ﵁ أنَّه كان يقول: اجلسوا نؤمن ساعة أو بنا نؤمن ساعة.
...فهيا بنا نؤمن ساعة، لماذا لا تشيع هذه السنة المباركة بيننا الآن فيأتى الأخ لأخيه يدعوه لطاعة الله تعالى يأخذه إلى مجلس علم أو حلقة قرآن أو يتنافس معه في الصيام والقيام وتلاوة القرآن فإنَّ هذا باعث على تقوية العزم؛ ولذلك قال تعالى: " وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ " [المطففين/٢٦] وقال تعالى: " فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَات " [البقرة/١٤٨] وقال تعالى: " وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ " [آل عمران/١٣٣] ولذلك كان السلف يتألمون إذا رأى أحدهم من يفضلهم في طاعة الله تعالى، وكانوا حريصين على التخلص من الدنيا فأوصوا بترك التنافس فيها (إذا رأيت الرجل ينافسك في الدنيا فألقها في نحره) فكيف صار الحال الآن؟!!
...ولعٌ بالدنيا واشتغال بها عن الآخرة، يبيع الرجل دينه بمتاع زائل، فعامة الناس مهمومون باقتناء الأجهزة الحديثة يريد الهاتف المحمول، يريد الحاسوب، يريد القنوات التلفازية ذات البث المباشر، ويريد آخرون أن يلتحق أبناؤهم بالمدارس الأجنبية، يريد أن يعيش في شقة واسعة والشاب يحلم بالفتاة الجملية والسيارة الفارهة ... إلخ.
...هكذا دواليك فيظل المرء منغمسًا في الغفلة، وقد كِيد له ذلك فانصاع، ولم يأل جهدًا في محاولة اليقظة، إنها " صناعة الغفلة " فكيف بالله تجد من يهتم بأمر الآخرة والتنافس فيها في ظل هذا الجو الذي يزكم الأنوف.
стр. 37
إخوتاه ..
...إنَّ من السُّبل والوسائل الأساسية لوجود هذه الحياة الإيمانية إحياء الأخوة في صورتها المثلى، تلك الصورة التي رسمها سلفنا الصالح فكانت حياتهم تطبيقًا عمليًا واقعيًا لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ولذلك كلما مررنا بقضية ذكرناك بالمنهج، إنَّه العود إلى الكتاب والسنة من خلال فهم سلف الأمة، اقتدِ بهم انظر لأمثلة نموذجية من حياتهم وحاول أن تحاكيهم، وهذه الأمور لا تختلف باختلاف الزمان والمكان، إنها الأصول الأخلاقية التي يبنى عليها دين المرء، والأخلاق لا تقبل التشكل والتغير بحسب العَصْر والمصر.
إخوتاه ..
...لماذا لا تبدأ من الآن من خلال رفقة من الصالحين في التعاون على الطاعات والتناصح في الله؟
...لماذا لا تكون من أصحاب الهمم العالية فتقول كما كان أبو مسلم الخولاني يعلنها " أيظن أصحاب محمد ﷺ أن يسبقونا، والله لننافسنَّهم فيه "
...آهٍ لماذا لا تكون كذلك؟ هذا ليس كلامًا غير واقعى، فتلك بدعة شيطانية ثبط بها همم المؤمنين، فترى الواحد منهم مخذولا سافل الهمة يقول: كيف أصل لمثل هذه المرتبة هذا حلمٌ ما أبعده.
...وإنى واصفٌ لك السبيل فلا تعجز، استعن بالله ـ أُخىّ ـ وأدم الدعاء والتضرع، واصدق اللجأ إلى الله تعالى، وسَلْ الله أن يوفقك لأخٍ في الله تنافسه في طاعة الله، فإياك وصحبة الباطلين الذين يثبطونك ويشغلونك بالدنيا وسفاسف الأمور، بل اختر من الصالحين أصحاب الهمم العالية، واتخذ لك قدوة في الواقع من الشيوخ الأفاضل لتظل صورتهم عالقة في ذهنك، فتقدح هاجس الصعوبة وعدم إمكانية التحقق، وليكن
стр. 38
أسوتك في ذلك كله إمام المرسلين وخاتم النبيين محمد ﷺ وصحبه الأخيار ومن تبعهم بإحسان من سلفنا الصَّالح ﵏ جميعًا ورضى عنهم ـ.
إخوتاه
...بعد هذه اللمحة اليسيرة عن الأسباب التي دعتنا للحديث عن هذه القضية الخطيرة في حياتنا الراهنة، تعالوا نرى ما أعده الله للمتحابين فيه، تعالوا نقتطف ثمرات الأخوة اليانعة، هلموا نستنشق عبير الحب في الله من خلال رياضه الفوّاحة، والله الموفق.
ثمرات الأخوة
إخوتاه
لو صحت لنا هذه الأخوة الإيمانية المرجوة، لو سعينا في زرع بساتينها في قلوبنا لأثمرت فينا حياة أخرى غير تلك التي نحياها، فإنَّ القلوب تحيا وتترابط وتتآلف فيورثها الله من النعيم ما لا يستشعره إلا من ذاقه.
فمن ذلك:
أولا: أن يتذوق حلاوة الإيمان فيحيا حياة السعداء .
قال ﷺ : " ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار" (١)
فحينئذٍ يستشعر لذة الطاعة وتحمل المشقة في رضى الله ورسوله وإيثار ذلك على عرض الدنيا، فالقلب السليم من أمراض الغفلة والهوى يجد طعم الإيمان كذوق الفم طعم العسل، ولا ينال المرء هذه الثمرة حتى تتحقق فيه ثلاث خصال ترجع إلى واحدة أعني إيثار الله ورسوله على كل شيء فلا شيء أحب إليه من الله ورسوله، ولا تعلق له بأي إنسان إلا من خلال الحب في الله، ولا أكره إليه من حياة الجاهلية والكفر والعصيان، حينها يباشر قلبه ما يعجز اللسان عن بيانه فإنه لا يحتمل الوصف بل لابد أن تمر بك هذه المشاعر حتى تعرف مدى روعتها وجمالها.
стр. 41
اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين.
ثانيا: أن يحيطه الله تعالى برحمته، ويقيه عاديات وشدائد يوم القيامة .
قال ﷺ : " والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه " (١)
وقال ﷺ " من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كربات يوم القيامة " (٢) فمن أدى حقوق الأخوة أحاطه الله بعنايته ورعايته.
ثالثا: نيل الأمن والسرور وأن الله يظله بظله يوم القيامة .
فمن السبعة الذين يظلهم الله بظله يوم لا ظله إلا ظله "رجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه" (٣)
رابعا: الأمن من الوقوع فى الشرك
فلا يتسرب إلى من يحب في الله الإشراك بالله جلا وعلا، فلا يقع في الشرك ـ أعنى شرك الأنداد ـ.
قال تعالى: " وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ " [البقرة / ١٦٥].
فالذي يحبك في الله يحبك لأنك عبد الله، أمَّا الآخر فقد يحبك كحب الله أو
стр. 42
ربما أكثر، فيحبك؛ لأنَّك تشترك معه في معصية أو نحو هذا، فربما يشرك بذلك.
فالموحد هو الذي يحب لله، فحبه نابع من حبه لله، من طاعتك لله، فإذا عصيت الله أبغضتك في الله، وبذلك ينضبط التوحيد في قلبك، وهذا هو حقيقة " الولاء والبراء " وهذا من أغلى الثمرات وأعظمها " ثمرة التوحيد".
خامسا: أن يرزق العبد محبة الله .
قال الله تعالى في الحديث القدسي: "وجبت محبتي للمتحابين فيَّ " (١)
سادسا: زيادة الدرجات في الجنة حتى يصل لمنازل الأبرار .
أخرج الإمام أحمد والحاكم وصححه وأقره عليه الذهبي عن أبى مالك الأشعرى ﵁ أنه قال: ثم إن رسول الله ﷺ لما قضى صلته أقبل علينا بوجهه فقال: " يا أيها الناس اسمعوا واعقلوا واعلموا أنَّ لله عبادا ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم النبيون والشهداء على منازلهم وقربهم من الله.
فجاء رجل من الأعراب من قاصية الناس وألوى بيده إلى نبى الله ﷺ فقال: " يا نبي الله ناس من الناس ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء على مجالسهم وقربهم من الله انعتهم لنا ـ يعنى صفهم لهم ـ فسُرَّ وجه رسول الله ﷺ لسؤال الأعرابي.
فقال رسول الله ﷺ : " هم ناس من أفناء الناس ونوازع القبائل لم تصل بينهم أرحام متقاربة، تحابوا في الله وتصافوا، يصنع الله لهم يوم القيامة منابر من نور فيجلسهم عليها، فيجعل وجوههم نورا، وثيابهم نورا، يفزع الناس يوم القيامة ولا
стр. 43
يفزعون، وهم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون " (١).
انظر لقوله ﷺ : " تحابوا في الله وتصافوا " صارت قلوبهم صافية، ليس فيها غل ولا حقد ولا ضغينة ولا بغضاء ولا شحناء ولا حسد لأحد من المسلمين؛ فيرفع الله درجاتهم في الجنة بذلك، وهذه من الثمرات العظيمة للأخوة.
سابعا: اطمئنان القلب والأمن من أهوال يوم القيامة
قال الله تعالى: " الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ " [الزخرف / ٦٧ـ٦٨].
ثامنا: النجاة لكل من تمسك بهذه العروة الوثقى .
قال ﷺ : " أوثق عرى الإيمان الموالاة في الله، والمعاداة في الله، والحب في الله والبغض في الله " (٢)
تاسعا: صفاء السريرة ونقاء القلب .
قال ﷺ : " من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله فقد استكمل الإيمان" (٣)
فإنَّ الحب في الله يدل على كمال الدين، ويثمر ذلك من صفاء السريرة واتقان العمل والخوف من الله، وتقديس كتبه وحب سنة نبيه ما يزيد الإيمان ويبعث على نقاء وسلامة القلب.
стр. 44
كيف نعمق أواصر الأخوة ؟
أولاً: حسن الظن وقبول الظاهر.
ثانياً: الإغضاء وعدم الاستقصاء.
ثالثاً: النصيحة للإصلاح.
رابعاً: إنهاء الجدال والمراء حالاً.
خامساً: إعدام الاختلاف.
سادساً: سد باب النقل، ورد قالة السوء.
سابعاً: استعمال الرحمة والرفق وخفض الجناح.
ثامناً: دوام الصلة والتزاور في الله.
تاسعاً: قضاء الحوائج وتفقد الإخوان.
عاشراً: بذل الندى وكف الأذى واحتمال الأذى.
стр. 45
حسن الظن وقبول الظاهر
من صَدق في أخُوَّة أخيه: قَبلَ عِلَلَه، وسدَّ خَلَلَه. وعفا عن زَلَلِه
(الإمام الشافعي)
стр. 46
كيف نعمق أواصر الأخوة؟
إخوتاه ..
لا بد من نية صالحة - كما تعاهدنا - ننوي أن نحقق هذا المعنى العظيم معنى الأمة في حياتنا، نريد توثيق عروة الأخوة، نريد إحياء روح الأخوة، نريد أن نكون بالفعل متحابين حتى تقوم للإسلام أمة، وعلى الدرب خطوات، فأول ذلك:
أولاً: حسن الظن وقبول الظاهر .
الظن ـ إخوتاه ـ من أكبر العقبات التي تحول بين ترابط المسلمين فيما بينهم فإياك وإياه.
يقول الله جل وعلا: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ " [الحجرات /١٢] قال علماؤنا: إن الغيبة من الكبائر، وهي من أعظم المحرمات عند الله، وغيبة المسلم تنشأ عن التجسس عادة، وسبب التجسس الظن فهي مراتب بعضها فوق بعض.
مثلاً: بعض الناس يمضي في طريقه فإذا به يرى من يختبئ وراء الجدار، فتستشرف نفسه الدخول فيما لا يعنيه، فيعود ويتلصص لينظر ماذا يصنع هذا الرجل فربما يرى ما يسوء، أو ما قد يعجز عن تفسيره فيقع في الغيبة.
هكذا سد الباب من البداية فمن حسن إسلام المراء تركه ما لا يعنيه، وإن الشيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدم، لذلك كان الأصل في الإسلام أن تحسنَ الظن بأخيك، وتُسيء الظن بنفسك، وهذا عكس ما هو حاصل في هذه الأيام، فتجد من
стр. 47
يحسن الظن بنفسه إلى أقصى درجة وكأنه المعصوم، ويسيء الظن بإخوانه لأقل شاردة أو واردة، لأجل هذا دبت الفرقة، وعمت البغضاء والشحناء بين إخوة الإسلام.
إخوتاه ..
أحسنوا الظن بإخوانكم، فنفسك الأمارة بالسوء هي التي توقعك في هذه المهالك، ترى من يستأذن أخاه ليتكلم على انفراد بشخص ما لأي سبب كان، فتبدأ الوساوس والهواجس تلعب دورها فيتخيل أنه يتكلم عنه وأنه يقع فيه أو .. أو .. الخ، فيحاول أن يتجسس، ويسأل غيره عما يدور بين الرجلين، وشيئاً فشيئاً يبدأ في اغتيابه.
إخوتاه ..
سوء الظن لا يحل استعماله في الدين، فلا تدع المحكم من المنقول والصريح لما تشابه عندك، هذا - تالله - شأن كل مبطل، الأحرى بك أن تكون وقافاً عند الشبهات، تتقي الوقوع فيها " فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه " (١)
عليك أن تؤول كلام أخيك على مدلوله الخير إذا كان اللفظ يحتمله، فإن النفس الطيبة لا تبصر إلا ما كان طيباً، والنفس الخبيثة هي التي تقف عند كل خبيث لا تكاد تبصر غيره.
إخوتاه
الإسلام دين الجمال والكمال، وقد حرص على صيانة عرض المسلم غاية الصيانة من الظن المجرد عن الدليل، الظن الذي لم ينبنِ على أصل وتحقيق نظر؛ لذلك أمرنا الله بالتثبت.
قال تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا
стр. 48
بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ " [الحجرات /٦] وفي القراءة الأخرى " فَتَثَبَّتُوا ".
قديماً كنت لا أفهم هذه الآية على وجهها، فأقول: إذا جاءني عدلٌ فأخبرني بشيء ما عن أخٍ لي فليس هو بداخل في هذه الآية، فقال لي بعض مشايخنا: لا إن الله سمى النمام فاسقاً، فكل من جاءك بنبأ يترتب عليه إفساد ذات البين فهو فاسق، سماه الله فاسقاً ابتداءً فوجب التثبت والتبين في كل ما حمله من أخبار، لما سوف ينتج عن هذا من إفساد بين المسلم وأخيه.
وعن أبى هريرة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إياكم والظن فإنَّ الظنَّ أكذبُ الحديث، ولا تجسسوا، ولا تحسسوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تباغضوا، وكونوا عباد الله إخواناً، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى ههنا ويشير إلى صدره ثلاث مرات، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم " (١)
اللهم صلِّ على النبي محمد وآله وسلم تسليماً كثيراً، هذه معالم عظيمة جداً يضعها رسول الله ﷺ أمام المسلم لكي تنضبط العلاقات الأخوية بين المسلمين.
يقول: " لا تجسسوا ولا تحسسوا " فينبغي أن تكون سليم الصدر، لماذا تبحث عن عورات المسلمين؟!!
يقول ﷺ : " يا معشر من آمن بلسانه ولم تؤمن قلوبهم لا تتبعوا عورات المسلمين، فإن من تتبع عورة المسلم تتبع الله عورته " (٢)
стр. 49
انتبه ـ أُخَىّ ـ إن الله حيى ستير يحب الستر "ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة " (١)
أليست هذه المعاني مطلوبة في حياتنا الآن؟! لماذا تترك الجوانب الجميلة الطيبة وتبحث وتفتش وتلتقط أشياء لا تدرك إلا بالمناقيش؟!، كل هذا لتقع على الذنوب والعيوب.
ما الذي يحملك على هذا؟ لا شك أنَّه سوء الظن، فلو تخلصت من هذا في البداية ما وقعت في هذا البلاء، وارتكبت كل هذه الآثام؛ ولأجل هذا أحسنْ الظنَّ، فلعله أساء التعبير حين قال بكلمةٍ حملتها أنت على محمل سوء، لعله أساء التصرف لقلة خبرته فظننت أنه تعمد هذا الصنيع الذي تراه سيئاً، فما زلت تعذر أخاك تقول: لعله ... لعله حتى يفضي بك ذلك إلى حسن الظن وسلامة الصدر.
انظر إلى الإمام الشافعي ﵀ وقد دخل عليه تلميذه الربيع بن سليمان في مرض موته فقال: قوى الله ضعفك يا إمام.
فقال الشافعي ﵀: انظر ماذا تقول لو قوَّى الله ضعفي لقتلني (يعنى لو زاد ضعفي أموت).
قال الربيع: والله ما قصدت يا إمام، قال: والله لو شتمتني لعلمت أنك لم تقصد.
إنه حسن الظن في المسلم، أراد الشافعي أن يلقننا هذا الدرس وهو على فراش موته.
وقيل لميمون بن مهران - وهو أحد أئمة الحديث العظام ـ: إنَّ فلان يستبطئ نفسه في زيارتك. (فهذا الطفيلي أراد أن يوقع بين الشيخ وبين أحد تلامذته لما يكون من المنافسة بين الأقران) فقال ميمون ﵀: لا عليك إذا ثبتت المودة في القلب فلا بأس
стр. 50
وإن طال المكث.
وسيأتي - بإذن الله تعالى - أنَّ من أسباب تعميق أواصر الأخوة سد باب النَّقل ورد قالة السوء.
الشاهد أنَّه ينبغي إحسان الظن بالمسلمين، فتقول مثلاً: هذا صرفه حياؤه عن حضور الدرس؛ لأنه لا يحب أن يراه الشيخ متأخراً، أو تقول: سبحان الله لعله شُغِل، لعله ألمَّ به شيءٌ، وإذا وجدت أخاك الذي اعتاد حضور الدروس معك قد غاب مرة بعد أخرى، فبدل أن يقع في قلبك أنه تنصل من الالتزام، وعاد إلى ما كان عليه من جاهلية، عليك أن تحسن الظن به، وتذهب لتراه وتسأل عنه وتشعره بمدى اهتمامك به، هذه الروح هي المطلوبة.
فإذا بلغك عن أخيك شيء يكرهه فالتمس له الأعذار، التمس لأخيك عُذراً من سبعين عذر، فإن لم تجدْ فقل: لعل له عذراً لا أعرفه.
فربما هناك من الأشياء ما خفي عنك، وللناس أسرار لا يعلمها إلى من يعلم السر وأخفي.
إخوتاه
سوء الظن - في علم التربية - مثل الحامض الذي يُذيب ما يوضع فيه، فسوء الظن كذلك يذيب الحب من القلوب.
انظر لهذه الصورة المشرقة من حياة سلفنا الصالح، شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لما عانى الأمَرّين بسبب مخالفته للأعراف والعادات والتقاليد التي تصطدم مع تعاليم الشرع؛ لذلك كانت الدنيا تقوم عليه ولا تقعد؛ لمجرد مخالفته لأعراف الناس حينئذٍ في مسألة من المسائل.
الشاهد أنَّ بعض الناس تحايل على شيخ الإسلام، واستعدى عليه السلطان فسجنه في قلعة دمشق، وعرف شيخ الإسلام أنَّ فلاناً كان السبب وراء ذلك، فأرسل إليه
стр. 51
تلاميذُه رسالة يطلبون منه الرأي في كيفية التصرف معه.
انظر كيف كان رد شيخ الإسلام حتى تتعلم كيف كانت أخلاق هؤلاء الأكابر.
قال لهم: وأول ما أبدأ به من هذا الأصل ما يتعلق بي، فتعلمون ـ رضى الله عنكم - أنِّي لا أحب أن يؤذى أحد من عموم المسلمين فضلاً عن أصحابنا.
(يعلمنا هنا درساً غالياً، إنه يسمى الرجل الذي وشيء به صاحباً، فهو عنده شيخ داعِ إلى الله، فلا يرضى أن يؤذيه أحد، كيف وهو لا يرضى أن يؤذى أحد العامة حتى هؤلاء الذين يقعون في عرضه، فكيف بالعلماء والدعاة).
ثم يقول: لا أحب أن يؤذى أحد من عموم المسلمين بشيء لا باطناً ولا ظاهراً، ولا عندي عتب على أحد منهم، ولا لوم أصلاً، بل لهم عندي من الكرامة والإجلال والمحبة والتعظيم أضعاف أضعاف ما كان كلٌ بحسبه، ولا يخلو أن يكون الرجل إما أن يكون مجتهداً مصيباً، أو مخطئاً أو مذنباً، فالأول مشكور مأجور، والثاني: مع أجره على الاجتهاد فمعفو عنه مغفور له، والثالث: يغفر الله لنا وله ولسائر المسلمين، قال: فنطوي بساط الكلام المخالف لهذا الأصل.
آهٍ .. أي رجل كان شيخ الإسلام ﵀ يقول: علينا أن نترك الكلام الذي يتعارض مع هذا الرجل كأنْ يقال: فلان قصَّر، فلان ما عمل شيئاً لنصرة الشيخ، فلان أوذي الشيخ بسببه، فلان وراء هذه القضية ونحو هذا من الكلمات التي يُذم فيها بعض الأصحاب والإخوان، فهو لا يسامح من يؤذيهم في هذا الباب، فمثل هذا يعود على قائله بالملام إلا أن يكون له من حسنة ماحية والله يغفر له إن شاء.
هذه الروح الجميلة لو سرت فينا لقامت أمة الإسلام من جديد، فلا تجد ضغينة، ولا تباغض، ولا تعارك.
إخوتاه
اتقوا الله في الدعاة والعلماء، إن شرذمة من الناس تحب أن تشيع الضغائن في
стр. 52
قلوب الدعاة والعلماء بعضهم من بعض.
حدث مرة أن اختلف أحد الدعاة مع أخيه فتدخلت لحل الخلاف، والمشكلة كانت يسيرة، لكن أحد الأخوة أخذ يقول: لا يا شيخ، لا يمكن أن تقبل، هذا دين .. كيف .. ؟!!
مثل هذا يريد أن يشعلها ناراً، يا أخي فلتقل خيراً أو لتصمت، وهذه مصيبة النقل في عصرنا - فاللهم إليك المشتكى -
إخوتاه
وعلى الجانب الآخر هناك نماذج مشرقة، كنت عند الشيخ ابن باز ﵀ فجاءه أحد الأخوة وأخذ يعدد له أسماء الدعاة وأهل العلم ويقول للشيخ: فلان يلقى عليك السلام، وفلان يُقرؤك السلام وهكذا.
فلما انفضَّ المجلس قلت لأخينا هذا: أرأيت كل هؤلاء؟!! فقال: سبحان الله إنَّهم يقولون في كل صلاة: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، والشيخ من عباد الله الصالحين - نحسبه كذلك ولا نزكى على الله أحداً -
هذا من تأليف القلوب، هذا من تجميع القلوب، لا أن تحصد العداوات وتسير في إيقاظ نار الفتن.
إخوتاه
قبل أن ننتقل إلى سبب آخر لتعميق أواصر الأخوة، أحب أن نقف مع كلمات جليلة لشيخ الإسلام.
يقول: فسبحان الناشر على الخاطئين جناح ستره، والكاشف الضر الذي بيده عاقبته، والمجيب الدعاء برحمته التي بالتوفيق أنطقت، والمنعم قبل الاستحقاق بنعمته سبحانه.
стр. 53
سبحانه كم سيئةٍ قد أخفاها حلمه حتى دخلت في عفوه، وكم حسنةٍ ضاعفها فضله حتى عظمت عليها مجازاته، ورحم الله عبداً وقف على سهو أو خطأ من أخيه فأصلحه عاذراً لا عازلاً، ومنيلا لا نائلاً، فليس المرء بعيداً عن الخطأ إلا من وقى الله سبحانه وعصم فلا إله إلا الله، ولا معبود بحق سواه نسأل الله أن يؤلف بين قلوب المسلم (١)
ولعل هذه الكلمات خير تلخيص لمسألة " حسن الظن " فأسأل الله تعالى أن يرزقنا حسن الظن بالمسلمين، وأن يمنَّ علينا بفضله فلا ترى أعيننا إلا خيراً.
стр. 54
الإغضاء وعدم الاستقصاء
حقيقة المحبة فى الله:
أنها لا تزيد بالبرِّ ولا تَنْقُصُ بالجفاءِ
(يحيى بن معاذ)
стр. 55
السبب الثاني لتعميق أواصر الأخوة
الإغضاء وعدم الاستقصاء.
والمقصود بهذا أن تغض طرفك عما تجد من عيوب إذا كان الفضل أعظم؛ لأنَّه ما من إنسان إلا وفيه عيب، والمعصوم هو النبي محمد ﷺ والأنبياء، أما بقية البشر فليسوا بمعصومين، بل لا بد لهم من خطأ وزلل.
قال الله تعالى: " ولَقَدْ عَهِدْنَا إلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا " [طه/١١٥] وقال رسول الله ﷺ : " كل ابن آدم خطاء " (١).
ويقول سعيد بن المسيب (سيد التابعين): ليس من شريف ولا عالم ولا ذي فضل إلا وفيه عيب، ولكن من الناس من لا ينبغي أن تذكر عيوبه، فمن كان فضله أكثر من نقصه وُهِبَ نقصه لفضله.
وهذه من القواعد المهمة التي ينبغي أن نلتزمها وتربى عليها الأجيال ليكون القرن القادم هو قرن الإسلام بإذن الله تعالى، وذلك أنه ينبغي أن نتحلى بالحكمة فنضع كل شئ في محله فبدايةً: علينا أن نكون أصحاب أصول وثوابت ومنطلقات وقواعد فلا نكون كل يوم برأي وكل سنة بمنهج، وإذا لم يكن ذلك فسوف نتخبط وسط الآراء والخلافات، ولا يتضح الصواب من الخطأ، ولا الحق من الباطل، وحينئذٍ قد يحيد بعض أصحاب الفضل عن أحد هذه الأصول أو الثوابت، فهذا عندنا لا يشينه ولا يقلل من قدره، بل نهب نقصه إلى فضله وتنتهي القضية.
стр. 56
فالمسائل المجمع عليها، ومسائل العقيدة، والمسائل التي تعتمد على سد الذرائع، أو التي هي في الأصل لدرء المفاسد. هذه ينبغي ألا نبحث فيها، فتلك ليست قضيتنا، وإلا إذا مَيّعنا جميع القضايا فلن تثبت قدم، بل ستزل الأقدام بعد ثبوتها، وتقع في دائرة الشك الذي لا نهاية له.
من هذه الثوابت تبجيل السلف وتقديمهم فلا نسمح بالطعن في أحدٍ منهم، نقول: أن الذين يسبون الصحابة ضُلال، كيف وقد نهانا رسول الله عن سب أصحابه فقال: " لا تسبوا أصحابي " (١) فنقول: إن علياً ومعاوية كانا من أصحاب رسول الله ﷺ ، ولا يجوز إلا إحسان الظن بهما، وإن كنا نقدم علياً ﵁ ونوقن بأنه أفضل من معاوية ﵁، ولكن هذا لا ينقص من فضل معاوية ﵁، ولا يجيز الطعن عليه.
نقول: إن الذين يتهمون أبا هريرة هم الكذابون الأفاكون، وإن الذين يتنكرون لسنة المصطفي ﷺ من المبتدعة الضُّلال، وهم على شفا هلكة والعياذ بالله.
ثم علينا ثانياً: أن نكون منصفين فلا نجاوز الحد، فإذا أخطأ أحد الأفاضل في مسألة ما، وقد يكون مخالفاً لأحد هذه الثوابت المستقرة عندنا فنقول: فضله يغلب نقصه وزلَله، فمن الناس من لا ينبغي أن يذكر عيبه لما له من فضل، مثلاً فضيلة الشيخ ابن باز ﵀ له فضل ومكانة عظيمة، وقد نفع الله المسلمين به طيلة عمره، وكان كالحصن الحصين على ثغرة من ثغرات الإسلام، لكن عندما جاءت مسألة الاستعانة بالكفار قلنا: أخطأ، ولكن للرجل تقديره وشأنه الذي لا ينبغي أن يتزعزع في صدور المسلمين، لما له من أيادٍ عظيمة .. وانتهت القضية.
стр. 57
نعم ـ إخوتاه ـ الإغضاء وعدم الاستقصاء
يقول رسول الله ﷺ " اتق الله ولا تحقرن من المعروف شيئاً، ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي، وإياك والمخيلة فإنَّ الله ﵎ لا يحب المخيلة، وإنْ امرؤ شتمك وعَيَّرك بأمر يعلمه فيك فلا تعيره بأمر تعلمه فيه، فيكون لك أجره، وعليه إثمه، ولا تشتمن أحداً " (١)
سبحان الله لو حفظنا أولادنا من سن الرابعة مثل هذه الأحاديث لخرج فينا جيل متأدب بآداب النبوة.
والحديث فيه فوائد عظيمة، بداية من الحث على فعل الطاعات مهما قل شأنها في عين البشر، فهذا يعطي أخاه كوب ماء ويؤثره على نفسه فيكتب الله له الأجر لمعروفه هذا.
وفيه نهي عن الكبر والخيلاء لما فيه من عبودية للمظاهر " تعس عبد الدرهم والدينار والقطيفة والخميصة " (٢)
ثم يعلمنا رسول الله ﷺ هذا الأدب العظيم - وهنا محل الشاهد - فلو سَبَّك شخص أو عَيّرك فعليك أن تتغاضى عن مثل هذا حتى لا تقع في الوزر إذا أردت أن تتشفى لنفسك فتعيره بما هو فيه من العيوب والخلل.
وقد كان أبو بكر ﵁ جالس فأخذ رجل يسبه ويشتمه، وما يزيده جهل هذا الرجل إلا حلماً، ورسول الله ﷺ جالس، فلما زاد الرجل في جهله أراد أبو بكر ﵁ أن يرد على الرجل فقام رسول الله ﷺ ثم أخبره بعد ذلك أن الله بعث ملكاً كلما كان الرجل يسب أبا بكر ﵁ كان يقول: بل أنت، وكان أبو بكر
стр. 58
كلما سبه الرجل يقول له: يغفر الله لك فكان الملك يقول لأبى بكر بل أنت وأنت أحق به، فلما همَّ بالرجل انصرف الملك وحل محله الشيطان (١)
إننا نريد هذا السلوك القويم " التغاضي عن جهالات الناس " لأنَّك لا تعاملهم بل تعامل ربهم، وربك لا يحب أن تغضب لنفسك، وعلى الجملة يرشدنا رسول الله ﷺ بعدم سب أي إنسان كائناً من كان.
إنك لن تجد إنساناً كاملاً فلا بد له من عيب، وإذا استقصيت في البحث عن مثل هذا فلن تظفر به في الوجود، فليس بمعصوم إلا من عصمه الله، والكمال المطلق لله وحده.
من هنا فليس المقصود أن يكون أخوك من تكاملت صفاته الظاهرة والباطنة، بقدر ما يكون المطلوب أن تتوافر فيه الصفات التي تصلح بها المعاشرة، أعني شروط صحة الأخوة، فتنتفي بوجودها أسباب الملل والقطيعة، فإنَّ توافر الخير كله في إنسان عزيز قليل الوجود، والنادر لا حكم له، فلا يكاد يوجد إلا في الموفقين وهم قلة قليلة.
اللهم اجعلنا من عبادك الموفقين، اللهم وفقنا لما تحب وترضى.
إخوتاه
عليكم أن تتحلوا بشيء من الإغضاء ولا تستقصوا في معرفة أدق التفاصيل والصفات، كان بعض السلف إذا مضى إلى درس شيخه يُخرج صدقة، ويقول: اللهم استر عيب معلمي عني ولا تذهب بركة علمه مني، أما الآن فتجد من يتتبع العورات، ويتفقد الأخطاء، هذه والله نية فاسدة.
جاءني أحد الشباب فقال لي: إن الإمام النووي مبتدع، قلت: أعوذ بالله كيف هذا؟ قال أنت قرأت صحيح مسلم بشرح النووي؟ قلت: الحمد لله قال: قرأته كم
стр. 59
مرة؟ قلت: كذا، قال: عليك أن تقرأه مرة أخرى لكن هذا المرة بعين النقد والبحث عن الأخطاء.
قلت: معاذ الله أن أصنع هذا، نحن نقرأ لنتعلم ونتعبد وتتنزل علينا رحمات ربنا، نقرأ لنعبد الله على بصيرة، نقرأ لنتعلم ونُعلم الناس، لكن نقرأ من أجل تخطئة فلان من أهل العلم، هذه نية فاسدة، فإن وُجد خطأ نقول كما قال شيخ الإسلام: مجتهد إن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر.
قال ﷺ : " أقيلوا ذوى الهيئات عثراتهم إلا الحدود " (١)
فالإمام النووي والقرطبي وابن حجر العسقلاني من ذوى الهيئات، فينبغي أن نقيل عثراتهم، نعم أخطأ من أخطأ منهم في مسألة التأويل، ووافقوا قول الأشاعرة لكن نقول: يغفر الله لهم، ألم نقل: إنَّ من الناس من لا ينبغي أن يذكر عيبه لما له من فضل فنهب نقصه لفضله.
وأصحاب الهيئات كما يقول الشافعي ﵀ إنَّهم الذين لا يعرفون بالشر فيزل أحدهم الزلة، فتغفر له زلته، ولا تذكر، ولا يُشَنّع بها عليه.، " إلا الحدود " فلا شفاعة في حد من حدود الله.
إخوتاه
قال عبد الرحمن بن عمر الأصبهاني: كنا في مجلس عبد الرحمن بن مهدى (وهو من المحدثين الأكابر وشيخ الإمام البخاري) إذ دخل عليه شاب فما زال يدنيه حتى أجلسه إلى جنبه.
فقال شيخٌ في المجلس فقال: يا أبا سعيد هذا الشاب يتكلم فيك حتى إنَّه ليكذبك.
стр. 60
فقال عبد الرحمن: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، " ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ " [فصلت /٣٤ـ٣٥]
فانظر كيف عالج القضية إنَّه الرد بالحسنى، اعقل هذا ـ أخي ـ عن سلفنا الصالح حتى تعرف كيف تعيش بمنهج السلف وتمضى على إثره.
ثم ساق عبد الرحمن سنده فقال: حدثني أبو عبيدة الناجي قال: كنا في مجلس الحسن البصري إذ قام إليه رجلٌ فقال: يا أبا سعيد إنَّ هنا قوماً يحضرون مجلسك ليتتبعوا سقط كلامك.
فقال الحسن: يا هذا إني أطمعت نفسي في جوار الله فطمعت، وأطمعت نفسي في الحور العين فطمعت، وأطمعت نفسي في السلامة من الناس فلم تطمع، إنِّي لما رأيت الناس لا يرضون عن الله علمت إنَّهم لا يرضون عن مخلوق مثلهم. أ. هـ
فإذا كان الناس يتكلمون في حق الله جل وعلا فكيف بالمخلوقين؟!! هكذا تعالج القضية، فليس لنا أن نتكلم في شأن غيرنا إلا بالحسنى، فإن وقع فينا أحد، فالعلاج هو أن ترد السيئة بالحسنة فتدعو لمن أساء إليك.
وإذا أنت اتقيت الله ـ جل وعلا ـ? يحول القلوب إلى حبك، فالقلوب بيد الرحمن يقلبها كيف يشاء.
عن سعيد بن عبد العزيز قال: إن رفيقاً لحبيب بن مسلمة ضاق يوماً عن شيء. (أي أن أخلاقه ساءت في شيء ما). قال حبيب: إن استطعت أن تغير خلقك بأحسن منه فافعل وإلا فسيسعك من أخلاقنا ما ضاق عنَّا من خلقك.
إخوتاه
إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم.
قال محمد بن محبوب: كنا عند عبد الله بن الطالب التميمي المكي المالكي يوماً
стр. 61
فخاطبه بعض أهل مجلسه بخطاب خشن، لم يخاطب مثله بمثله، فتمادى ابن الطالب في مكالمته كأنَّه ما سمع مكروهاً فقام الرجل وذهب.
فقال ابن الطالب: رأيت نظر بعضكم إلى بعض، فقلت في نفسي رجل قصدني يؤدى الذي يجب من حقي هنا، عليه أصول، عليه بسلطاني والله إن هذا لهو اللؤم. (١)
أراد ﵀ ? أن هذا الرجل الذي جاء يشتمني أتاني، وهو يعلم أنى لن أخطأ في حقه، فلما كنتم حولي استكثر بكم فأرد عليه، فهذا هو اللؤم.
فانظر كيف كان كرم أخلاقهم حتى وسعت صدورهم جهالات الناس وسفههم.
إخوتاه
قال ابن مراد تكلم عبد الله بن عياش بكلام أساء به إلى عمر بن ذر (٢) فقام إلى منزله ? وكان عبد الله ابن عمه ?، فندم ابن عياش لما بدر منه فأتى عمر فقال: أيدخل الظالم؟!! فقال عمر: نعم مغفوراً له، والله ما كافأت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه. فصارت مثلاً سائراً.
هذا هو الإغضاء حتى لا تدع في النفس شائبة تجاه أي إنسان، فقط عليك أن تعامله بالحسنى، أن تدعو الله له، أن تطيع الله في نفسك فلا تتشفى، وتطيع الله في غيرك فلا تعامله بنظير عمله، واعلم أنَّه في الأول والآخر أخوك فلا تبتئس!!
قال الجاحظ [في الترفق بالصاحب واحتماله]: " لا تكوننَّ لشيء ممَّا في يديك أشد ضناً، ولا عليه أشد حدباً منك بالأخ ". (٣)
стр. 62
يريد أن أغلى ما تملكه هو أخوك فلا تفرط فيه أبداً، فليس بخطأ يُبعد ويُهجر، بل اثبت عليه، فإنَّنا بحاجة إلى الأخوة ثم يقول:
" الأخ الذي بلوته في السراء والضراء فعرفت مذاهبه، وخبرت شيمه، وصح لك غيبه، وسلمت لك ناصيته، فإنَّما هو شقيق روحك، وباب الروح إلى حياتك، ومستمد رأيك، وهو توأم عقلك، إذا صفا لك أخٌ فكنْ به أشد ضناً منك بنفائس أموالك، ثم لا يزهدن لك فيه أن ترى منه خلقاً أو خلقين تكرههما، فإنَّ نفسك التي هي نفسك لا تعطيك المقادة في كل ما تريد فكيف بنفس غيرك " أهـ
يريد أن أخاك إذا ساءك منه خلق فلا تتركه لأجل ذلك، فأنت تجد في نفسك أشياء كثيرة لا ترضيك وتصبر عليها، فكما صبرت على نفسك فصبراً على أخيك.
قالوا: بحسبك أن يكون لك من أخيك أكثره؛ لذلك قال أكثم بن صيفي: من لك بأخيك كله.
وقال النابغة الذبياني:
ولست بمستبقٍ أخاً لك لا تَلُمُّه... على شَعثِ أي الرِّجَال المُهَذَّبُ
إخوتاه
هل تريدون من إخوانكم أن يكونوا على أكمل صورة في مخيلاتكم؟!! هل تظنون أنكم ستجدون الأخ العابد الزاهد العالم أو طالب العلم المتواضع الكريم المنفق الصوَّام القوام، ذا الوجه الطلق، الذي تجده دائماً بجوارك، فمن أين لكم بهذا وأنتم لا تتصفون بكل ذلك؟ ولذلك نقول: عليكم بالإغضاء وعدم الاستقصاء، ولينشغل كلٌ منا بعيب نفسه.
يقول رجاء بن حيوة [وزير عمر بن عبد العزيز]: " من يؤاخى من الإخوان إلا
стр. 63
من لا عيب فيه قلَّ صديقه، ومن لا يرضى من صديقه إلا بإخلاص له دام سخطه، ومن عاتب إخوانه على كل ذنب كثر عدوه ". (١)
لذلك جاء عن بعض السلف أنَّه أغضب أخاً له فجاءه يقول: جئتك لنتعاتب، فقال: لا تقل هكذا بل جئت لنتغافر ونتسامح، بل نسيتُ فنسيتَ.
قال الرجل لأخيه: إني أحبك في الله، قال: لو علمت ذنوبي لأبغضتني في الله، قال: لو علمت ذنوبك لمنعني من بغضك في الله علمي بذنوبي.
على مثل هذا ينبغي أن تكون نفسيات الأخوة ويكون التعامل بمثل هذه الطريقة لماذا لا؟!!
ما كان حسناً فأهده إلى نفسك، وما كان غير ذلك فألقه، ولا تقم له وزناً، فلا يؤلمنَّك مساوئهم فتنسى محاسنهم، من كانت حسناته أكثر من سيئاته دخل الجنة على ما كان منه.
فلماذا لا يكون هذا هو منهجنا، فمن كانت حسناته أكثر من سيئاته فذلك هو الرجل الذي يستحق أخوتك، فما بالذنب الواحد يهجر الخلان، فالروضة الحسنة لا تترك لموضع قبر، فالحديقة الغناء المليئة بالزهور النضرة والجمال الفتان والطبيعة الخلابة لا تترك لمجرد وجود قبر في وسطها فلا يجوز التنزه فيها.
فهذا الإنسان الذي وقع في زلل يسير لا ينبغي هجره، بل نقول ?: " إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِين " [هود ١١٤]
стр. 64
قواعد في الحُكم على النَّاس
وقبل أن ننتقل إلى سبب آخر لتعميق أواصر الأخوة، ينبغي أن نضع هذه القضية الخطيرة " تصنيف الناس والحكم عليهم " في ميزانها الشرعي، وذلك من خلال ثماني قواعد.
القاعدة الأولى: الإنسان يوزن بحسناته وسيئاته .
قال تعالى: " فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُون " [المؤمنون/١٠٢ـ١٠٣]
فأخبرنا الله ـ جل وعلا ـ أن من كانت حسناته هي الراجحة على سيئاته مع الندم على السيئات كان على سبيل النجاة، وطريق الفوز والفلاح، ومن مالت سيئاته بحسناته كان الهلاك والعذاب أولى به.
وهنا فوائد مهمة ينبغي علينا أن نحفظها جيداً، فليس من شرط أولياء الله المتقين ألا يكونوا مخطئين.
قال تعالى - في وصف المتقين -:? "وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُون ?" [آل عمران/١٣٥]
فالتقي قد يقع في كبيرة، ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً﴾ ?كبيرة من الكبائر ﴿أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ﴾ صغيرة من الصغائر، لكنهم يتوبون سريعاً حال يقظتهم من غفلة المعصية فلا يصرون على فعل المعاصي، بل يستغفرون الله على فعلهم.
يقول الإمام الذهبي في (مقدمة ميزان الاعتدال):
" ليس من شرط الثقة أن يكون معصوماً من الخطايا والخطأ، فالكامل الذي ليس فيه شيء عزيز نادر الوجود ".
стр. 65
يقول ابن الأثير في (اللباب في تهذيب الأنساب):
" إنَّما السيد من عدت سقطاته، وأخذت غلطاته، فهي الدنيا لا يكمل بها شيء ". وقد صح عن النبي ﷺ حين سبقت ناقة اليهودي ناقته فقال ﵊: "حقٌ على الله ألا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه" (١) والأمثلة الحية كثيرة، فاللهم ارحم الموحدين من المؤمنين.
إخوتاه
هذا الميزان ينبغي أن نطبقه مع إخواننا ومشايخنا، فلا نغلوا فيهم، ولا نبخسهم حقهم لمجرد هفوة أو زلة صدرت من أحدهم، فالمرء يوزن بتقواه، ومن كثرت حسناته تغوضي عن سيئاته.
استمع لكلام سلفنا وتذكر قول الإمام الشافعي: " إني لأظفر بالمسألة لم أكن قد سمعتها من قبل، فأود لو أن كل جسمي آذانٌ ليستمتعَ جسمي كما استمتعت أذني.
يقول الإمام الذهبي ـ والذهبي ذهبي الكلام ـ " إنَّ الكبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه، وعُلم تحريه للحق، واتسع علمه، وظهر ذكاؤه، وعُرف صلاحه وورعه واتباعه للحق يغفر له زلَله، لا نضلله، ولا نطرحه، ولا ننسى محاسنه، نعم ولا نقتدي به في بدعته وخطئه، ونرجو له التوبة من ذلك " أهـ
لذلك علينا ألا نشهر بأحدٍ، ولا نبالغ في إفشاء ستره، فلو فتح هذا الباب لما سلم لنا أحدٌ من الأئمة والدعاة، إذ ما من إمام إلا وقد طعن فيه طاعنون، وهلك فيه هالكون.
مثلاً: ضعف بعضهم الإمام البخاري فيرد ابن حجر ﵀ فيقول: ومن ضعفه فهو الضعيف.
стр. 66
إخوتاه
يقول الإمام السبكي: " من ثبتت إمامته وعدالته وكثر مادحوه ومزكوه وندر جارحوه وكانت هناك قرينة دالة على سبب جرحه من تعصب مذهبي أو غيره فإنَّا لا نلتفت إلى الجرح فيه، ونعمل فيه بالعدالة ". (١)
فهذا هو الأصل ليس صنف من الناس إلا وفيه عيب، فمن ذا خلص من الآفات، ومن ذا صفا من الكدورات، فاللهم اجبر نقصنا، واغفر زللنا إليك يا رب المشتكى.
القاعدة الثانية: التحري والتصور لجميع حال ذلك الإنسان .
يقول ابن حجر رحمه الله تعالى: " إن الذي يتصدى لضبط الأفعال والأقوال والرجال يلزمه التحري في النقل فلا يجزم إلا بما يتحققه لا يكتفي بالقول الشائع " أهـ
مثلاً: تجد من الإخوة من يحضر درساً فينقل عن الشيخ كلاماً ربما لم يقله، أو فهمه بطريق الخطأ، في مثل هذه الأحوال ينبغي أن تتحرى فتسأل الشيخ أو الثقات الأثبات حتى لا تنتشر المقولات الكاذبة عن الدعاة والعلماء.
قال رسول الله ﷺ : " بئس مطية الرجل زعموا " (٢) فهذه من علامات السند المنقطع؛ لذلك لابدَّ من اتصال السند، والتحقق والتحري بنفسك، خاصةً إذا ترتب على ذلك مفسدة كالطعن في أحد من أهل العلم والصلاح، وإن كان في الواقعة أمرٌ فادح كموقف أو قول أو فعل في حق المستور فينبغي ألا يبالغ في إفشائه، بل يكتفي
стр. 67
بالإشارة لئلا يكون الأمر فلتة، أو على غير الوجه الذي تتصوره.
لذلك يحتاج المسلم إلى أن يكون عارفاً بمقادير الناس، وبأحوالهم ومنازلهم فلا يرفع الوضيع، ولا يضع الرفيع.
فيا لله لو أعطى الناس بدعواهم لذهبت أموال وأنفس كثيرة لا يعلمها إلا الله، فإياك وسماع الدعاوى فإنَّها لا تثمر خيراً، وأكثر الشرور تأتى من " قيل وقال وسمعت وظننت وبلغني ".
فإياك .. إياك فمن صحت عدالته، وعُلم بالعلم عنايته، وسلم من الكبائر ولزم المروءة، وكان خيره غالباً، وشره أقل عمله، فهذا لا يُقبل فيه قول قائل لا برهان له به.
فدلائل الأمور أشد تثبيتاً من شهادات الرجال، إلا أن يكون في الخبر دليلٌ، ومع الشهادة برهانٌ؛ لأن الدليل لا يكذب ولا ينافق، ولا يزيد، ولا يبدل، وشهادة الإنسان لا تمتنع من ذلك وهذا هو الحق - إن شاء الله - الذي لا حق غيره.
القاعدة الثالثة: التثبت من كلام الأقران وأرباب المذاهب والجماعات في بعضهم البعض .
كلام الأقران لا يعبأ به خاصة إذا بدا لك أنه لعداوة أو لمذهب أو لحسد، كذلك في الإخوة الأقران الذين بينهم وبين بعض تنافس كأصحاب المحلات الواحدة، أو المهنة المشتركة، أو أصحاب دعوات مختلفة أو أصحاب أفكار متباينة.
هؤلاء لا يقبل كلام بعضهم في بعض - كما يقول الإمام الذهبي - في قاعدته الذهبية.
" كلام الأقران يُطوى ولا يُروى، فإن ذُكر تأمله المحدث فإن وجد له متابعاً، وإلا أعرض عنه ".
مثلاً: يشيع أن تجد العداوات بين الأصحاب إذا اختلفوا، وناءت بهم السبل، أو رجل كان متزوجاً من امرأة فطلقها فيبدأ في التقول عليها، أو العكس فكل ذلك يُطوى
стр. 68
ولا يُروى إلا إذا وُجد الدليل على صدق القائل.
ينبغي أن نحمل الكلام محملاً حسناً، وحسن الظن واجب، والتأويل الحسن لازم لسلامة الصدر.
القاعدة الرابعة: الخبرة بمدلولات الألفاظ ومقاصدها .
يقول الأدباء: قد يوحش اللفظ، وكله وُدّ.
حين يقول رسول الله ﷺ لمعاذ - مثلاً - " ثكلتك أمك" (١) معناها فقدتك، فاللفظ موحش ولكنه يفيض محبة، فالرسول أراد أن يفهمه وقد قال له ﷺ " إني لأحبك يا معاذ " (٢)
ففهم مدلولات الألفاظ ضرورة، فمن الألفاظ ما يجرى على الألسنة بغير قصد لمدلوله الظاهر، بل يتعارف الناس فيه معنى آخر، ويتداول بينهم حتى يعود هو المتبادر.
كمثل قولهم: ويله وويل أمه، تربت يمينه، ... الخ هذه العبارات، وهنا ينظر أصحاب العقول البصيرة، فيتأملوا قرائن الحال والمتكلم، فإن كان ولياً فهو الولاء، وإن بدا القول خشناً، وإن كان عدواً فهو البلاء حتى ولو بدا القول حسنا (٣)
يقول الإمام السبكي: " فكثيراً ما رأيت من يسمع لفظة فيفهمها على غير وجهها، فيغير على الكتاب والمؤلف ومن عاشره ومن استن بسنته مع أن المؤلف لم يرد بذلك الوجه الذي وصل إليه ذلك الرجل ".
стр. 69
إذا كان الرجل ثقة مشهوداً له بالإيمان والاستقامة فلا ينبغي أن يُحمل كلامه وألفاظ كتاباته على غير ما تعود منه بل ينبغي التأويل الصالح، وحسن الظن الواجب به وبأمثاله، ليس شيء أنفع لمن لا يدرى مدلول الألفاظ من أن يسيء الظن بنفسه، وأن يرجع إلى غيره، ليس في الدنيا إنسان إلا وهو في حاجة إلى تثقيف وزيادة علم، والمستعين بغيره أبداً على خير، فلذلك ينبغي أن نفهم مدلولات الألفاظ، فإن فهم الألفاظ على وجه خطأ هو الذي يُفسد ويسيء.
القاعدة الخامسة: أن لا يجرح من لا يحتاج إلى جرحه .
ينبغي على المسلم حفظ لسانه، وصيانة جارحته عن أعراض المسلمين، فليس هو عليهم بحفيظ ولا بمسيطر.
وشأن المسلم أن ينشغل بدعوة الناس وردهم إلى الإسلام رداً جميلاً، لا أن يوطن نفسه في تصنيف الناس والحكم عليهم.
ومن الناس من لا تحتاج إلى البحث عنه، لا تفتش عن عدالته أو جرحه، حتى وإن بدت أمارات حرص، فلا ينبغي أن تنشغل بالمفضول - أو قل ما هو من جنس المتروك - عن الفاضل من الأعمال والأقوال والطاعات.
القاعدة السادسة: عدم الاكتفاء بنقل الجرح فقط فيمن وجد فيه الجرح والتعديل .
فإذا عُلم عن المرء خيره وشره، فلا ينبغي أن نكون أصحاب نفوس ذبابية لا تقف إلا على الشيء القذر، بل ينبغي أن نتحلى بصفة الإنصاف، وإن كنا في زمان قل فيه من يعرف وأقل منه من يُنصف.
مثلاً: يسألونك عن بعض الجماعات فتقول: أناسٌ على خير كثير، نحسبهم مخلصين، وفي الدعوة مجتهدين، وأصحاب سمت وأدب وهدى صالح لكن عندهم
стр. 70
بعض البدع.
فلا تنقل أنهم مبتدعة أو على بدعة في بعض ما يصنعون، ولكن تنقل التعديل والتجريح معاً.
القاعدة السابعة: الحذر من حسن الهيئة .
فلا يوزن الناس بهيئاتهم، فهذا مما يشترك فيه المجروحون وأهل العدالة، والصور خداعة، بل يقاس الناس بأفعالهم ومواقفهم وأقوالهم على موجب الحق والعدل، فلا نغتر بالشكل أو المظهر.
فليس أحدٌ حجةً على الإسلام بمظهره، فلا يعظم المرء عندنا لمجرد حسن الهيئة وإظهاره للسنة والتزين بها.
فليس كل من حلق لحيته مجرماً فاسقاً، ولا كل ملتحٍ صار بلحيته من أولياء الله الصالحين، وإن كنا نقول: حلق اللحية حرام، وإدمان حلقها كبيرة من الموبقات، لكن فيمن يحلقون لحاهم أتقياء، وأنت لا تدرى فليس كل عُذر يذكر.
فليس الحكم على الأشخاص بالمظهر، قال تعالى عن المنافقين " وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ " [المنافقين / ٤] فالمظهر ليس شرطاً للعدالة.
القاعدة الثامنة: شرط جواز الجرح عدم قصد التحقير .
قال الإمام السبكي ﵀: " كنت جالساً بدهليز دارنا فأقبل كلب فقلت: اخسأ كلب ابن كلب" قال: فزجرني والدي من داخل البيت، قلت: سبحان الله أليس هو كلباً ابن كلب، فقال: شرط الجواز عدم قصد التحقير، قلت: وهذه فائدة " أهـ
стр. 71
مثلاً: أحد الناس مشهور باسم الأعرج - مثلاً - ولا يُعرف إلا بهذه الكنية، فلا يجوز أن تناديه بهذا إلا بغير قصد التحقير، وإلا صارت غيبة، أما إذا قيلت على وجه التعريف فليست بغيبة، وكذلك الشأن في كل الأمور، إنك عندما تتكلم على جماعة من الجماعات، أو دعوة من الدعوات، أو شخص من الأشخاص فلا ينبغي أن تتكلم بنية التحقير والتهوين من شأنه لإيذائه، وإنما تقصد بيان الحق ونصرة الدين، فلا تنتصر لنفسك، أو تكون نيتك طلب العلو بإنزال قدر خصمك، فإن فعلت فإنك إذاً من الآثمين، فاللهم طهر ألسنتنا عن قول الزور، وطهر قلوبنا عن الضغائن والغل والجور، واجعلنا هداة مهديين لا ضالين ولا مضلين.
стр. 72
النصيحة للإصلاح
إني لأكره أن يمر الذباب بجليسي مخافة أن يؤذيه
(سعيد بن العاص)
стр. 73
السبب الثالث لتعميق أواصر الأخوة
ثالثا: النصيحة للإصلاح
من الأسباب الجالبة لتعميق أواصر الأخوة، أن تنصح أخاك فيما يصلحه، فإنه دليل اهتمامك به، وحرصك على ما ينفعه، قال تعالى: " وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ" [سورة العصر]
يقول ابن القيم ﵀: " وهذا نهاية الكمال، فإن الكمال أن يكون الشخص كاملاً في نفسه مكملاً لغيره ".
تأمل معي هذا الكلام الممتع، هذا هو الكمال الحقيقي، وهذه حقيقة النصيحة المأمور بها في هذه السورة " وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ "
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " أعظم ما عبد الله به نصيحة خلقه، قال تعالى: " وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِين " [فصلت/ ٣٣]
فشأن هذا أن تقوم اعوجاج نفسك، وفي نفس الوقت تقوِّم اعوجاج الناس حسب مقياس الذكر الذي هو مقياس كل شيء - كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ـ
النصيحة والتواصي بها في الإسلام تعتبر من أكبر إنجازات هذا الدين العظيم، وهي من مقتضيات التوحيد، وقد بايع رسول الله ﷺ المسلمين عليها.
يقول جرير بن عبد الله البجلي: بايعت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم (١).
стр. 74
وقال ﷺ " الدين النصيحة " (١)، وهذا نظير قوله ﷺ "الحج عرفة " (٢) أي أن النصيحة هي عماد الدين وقوامه، والمدار عليها وحدها.
وحقيقة النصيحة أن تقبل الحق ممن قاله، وإن كان بغيضاً، وأن ترد الباطل على قائله وإن كان حبيباً.
فتقبل الحق ولو جاء به الشيطان، ونرد الباطل ولو قال به شيخ الإسلام.
يقول ابن القيم في مدارج السالكين ـ وقد مر بكلمة ذكرها الشيخ الهروي وتحتاج إلى رد ـ: وشيخ الإسلام حبيب إلينا ولكن الحق أحب إلينا منه.
فنحن نحب الحق، وندور معه حيث دار، سواءٌ جاء الحق من صغير أو كبير، من عدو أو صديق، فالحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق بها.
فينبغي على المسلم أن يسعى للنصيحة، ويطلبها من الصالحين الصادقين الموثوق بهم، الذين يعرفون بدينهم وتقواهم.
فهذا عمر بن عبد العزيز يطلب النصيحة من أحد رعيته (عمرو بن مهاجر) فيقول: يا عمرو إذا رأيتني ملت عن الحق فضع يدك في تلابيبي، ثم قل لي وهزني، ثم قل: ماذا تصنع يا عمر.
فأين - الآن - من يطلب النصيحة؟!! قالوا: افتضحوا فاتفقوا فالجميع لا يقبل النصيحة، وصار عامة الخلق مجاملاً، فلا تسمع إلا الثناء العاطر، والمبالغات في المدح، وكلنا يعرف أنه خداع. نسأل الله لنا ولكم العافية.
стр. 75
يقول الحسن البصري: إلى من يشكو المسلم إذا لم يشك لأخيه المسلم، ومن الذي يلزمه من أمره مثل الذي يلزمه، إن المسلم مرآة أخيه المسلم يبصره عيبه، ويغفر له ذنبه.
قد كان من كان قبلكم من السلف الصالح يلقى الرجلُ الرجلَ فيقول: يا أخي ما كل ذنوبي أبصر، ولا كل عيوبي أعرف، فإذا رأيت خيراً فمرني، وإن رأيت شراً فانهني.
على هذا كانت لقاءاتهم، أما الآن فترى من يبصر القذاة في عين أخيه، ولا يبصر الجذع في عين نفسه، ولا ينصح بل يشمت ويفرح؛ ولذلك لا بد أن نتواصى ونتناصح؛ لأنَّ هذا دليل الحب في الله.
يقول ابن مسعود ﵁: " إذا رأيتم أخاكم قارف ذنباً فلا تكونوا أعواناً للشيطان عليه، أن تقولوا: اللهم خذه اللهم العنه، ولكن اسألوا الله له العافية.
هذا هو هدى ابن مسعود الذي أمرنا رسول الله ﷺ باتباعه. وقال ﷺ " وما حدثكم ابن مسعود فصدقوه " (١)
فاللهم عافنا والمسلمين والمسلمات من الذنوب والخطايا.
كان صحابة رسول الله ﷺ يقولون: كنا لا نقول في أحد شيئاً حتى نرى على ما يموت فإن ختم له بخير علمنا أو رجونا أن يكون قد أصاب خيراً، وإن خُتم له بشر خفنا عليه عمله.
أنت لا تدرى من يختم له بخير، ربما تبذل النصيحة لإنسان ما فتكون سبباً لهدايته فيكون هو وحسناته في صحيفة حسناتك.
قالوا مقالة عجيبة قالوا: إن عثمان بن عفان أحد حسنات أبى بكر الصديق ﵁