← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 98127

الأخوة أيها الإخوة

محمد حسين يعقوب

Полный текст (255 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

مثلاً: أحد الناس مشهور باسم الأعرج - مثلاً - ولا يُعرف إلا بهذه الكنية، فلا يجوز أن تناديه بهذا إلا بغير قصد التحقير، وإلا صارت غيبة، أما إذا قيلت على وجه التعريف فليست بغيبة، وكذلك الشأن في كل الأمور، إنك عندما تتكلم على جماعة من الجماعات، أو دعوة من الدعوات، أو شخص من الأشخاص فلا ينبغي أن تتكلم بنية التحقير والتهوين من شأنه لإيذائه، وإنما تقصد بيان الحق ونصرة الدين، فلا تنتصر لنفسك، أو تكون نيتك طلب العلو بإنزال قدر خصمك، فإن فعلت فإنك إذاً من الآثمين، فاللهم طهر ألسنتنا عن قول الزور، وطهر قلوبنا عن الضغائن والغل والجور، واجعلنا هداة مهديين لا ضالين ولا مضلين.

стр. 72

النصيحة للإصلاح إني لأكره أن يمر الذباب بجليسي مخافة أن يؤذيه (سعيد بن العاص)

стр. 73

السبب الثالث لتعميق أواصر الأخوة ثالثا: النصيحة للإصلاح من الأسباب الجالبة لتعميق أواصر الأخوة، أن تنصح أخاك فيما يصلحه، فإنه دليل اهتمامك به، وحرصك على ما ينفعه، قال تعالى: " وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ" [سورة العصر] يقول ابن القيم ﵀: " وهذا نهاية الكمال، فإن الكمال أن يكون الشخص كاملاً في نفسه مكملاً لغيره ". تأمل معي هذا الكلام الممتع، هذا هو الكمال الحقيقي، وهذه حقيقة النصيحة المأمور بها في هذه السورة " وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ " يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " أعظم ما عبد الله به نصيحة خلقه، قال تعالى: " وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِين " [فصلت/ ٣٣] فشأن هذا أن تقوم اعوجاج نفسك، وفي نفس الوقت تقوِّم اعوجاج الناس حسب مقياس الذكر الذي هو مقياس كل شيء - كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ـ النصيحة والتواصي بها في الإسلام تعتبر من أكبر إنجازات هذا الدين العظيم، وهي من مقتضيات التوحيد، وقد بايع رسول الله ﷺ المسلمين عليها. يقول جرير بن عبد الله البجلي: بايعت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم (١).

стр. 74

وقال ﷺ " الدين النصيحة " (١)، وهذا نظير قوله ﷺ "الحج عرفة " (٢) أي أن النصيحة هي عماد الدين وقوامه، والمدار عليها وحدها. وحقيقة النصيحة أن تقبل الحق ممن قاله، وإن كان بغيضاً، وأن ترد الباطل على قائله وإن كان حبيباً. فتقبل الحق ولو جاء به الشيطان، ونرد الباطل ولو قال به شيخ الإسلام. يقول ابن القيم في مدارج السالكين ـ وقد مر بكلمة ذكرها الشيخ الهروي وتحتاج إلى رد ـ: وشيخ الإسلام حبيب إلينا ولكن الحق أحب إلينا منه. فنحن نحب الحق، وندور معه حيث دار، سواءٌ جاء الحق من صغير أو كبير، من عدو أو صديق، فالحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق بها. فينبغي على المسلم أن يسعى للنصيحة، ويطلبها من الصالحين الصادقين الموثوق بهم، الذين يعرفون بدينهم وتقواهم. فهذا عمر بن عبد العزيز يطلب النصيحة من أحد رعيته (عمرو بن مهاجر) فيقول: يا عمرو إذا رأيتني ملت عن الحق فضع يدك في تلابيبي، ثم قل لي وهزني، ثم قل: ماذا تصنع يا عمر. فأين - الآن - من يطلب النصيحة؟!! قالوا: افتضحوا فاتفقوا فالجميع لا يقبل النصيحة، وصار عامة الخلق مجاملاً، فلا تسمع إلا الثناء العاطر، والمبالغات في المدح، وكلنا يعرف أنه خداع. نسأل الله لنا ولكم العافية.

стр. 75

يقول الحسن البصري: إلى من يشكو المسلم إذا لم يشك لأخيه المسلم، ومن الذي يلزمه من أمره مثل الذي يلزمه، إن المسلم مرآة أخيه المسلم يبصره عيبه، ويغفر له ذنبه. قد كان من كان قبلكم من السلف الصالح يلقى الرجلُ الرجلَ فيقول: يا أخي ما كل ذنوبي أبصر، ولا كل عيوبي أعرف، فإذا رأيت خيراً فمرني، وإن رأيت شراً فانهني. على هذا كانت لقاءاتهم، أما الآن فترى من يبصر القذاة في عين أخيه، ولا يبصر الجذع في عين نفسه، ولا ينصح بل يشمت ويفرح؛ ولذلك لا بد أن نتواصى ونتناصح؛ لأنَّ هذا دليل الحب في الله. يقول ابن مسعود ﵁: " إذا رأيتم أخاكم قارف ذنباً فلا تكونوا أعواناً للشيطان عليه، أن تقولوا: اللهم خذه اللهم العنه، ولكن اسألوا الله له العافية. هذا هو هدى ابن مسعود الذي أمرنا رسول الله ﷺ باتباعه. وقال ﷺ " وما حدثكم ابن مسعود فصدقوه " (١) فاللهم عافنا والمسلمين والمسلمات من الذنوب والخطايا. كان صحابة رسول الله ﷺ يقولون: كنا لا نقول في أحد شيئاً حتى نرى على ما يموت فإن ختم له بخير علمنا أو رجونا أن يكون قد أصاب خيراً، وإن خُتم له بشر خفنا عليه عمله. أنت لا تدرى من يختم له بخير، ربما تبذل النصيحة لإنسان ما فتكون سبباً لهدايته فيكون هو وحسناته في صحيفة حسناتك. قالوا مقالة عجيبة قالوا: إن عثمان بن عفان أحد حسنات أبى بكر الصديق ﵁

стр. 76

فعثمان بكل بذله وكل إنفاقه وجهاده ومكانته الكبيرة عند الله ورسوله كلها في ميزان حسنات أبى بكر لأنه الذي دعاه إلى الإسلام. عليك أخي أن تبذل النصح لجميع المسلمين ولا تيأس، فقد يهدى الله بك رجلاً مثل عثمان، فيكون هو وعمله الذي هو أفضل من عملك في ميزان حسناتك. لذلك مودتك لإخوانك تأبى أن تراهم على شيء من الزلل ولا تنصحه ولا تحاول تغييره وإصلاحه، فالمؤمن بإخوانه النصحاء الأمناء. قال الشاعر: ما ضاع من كان له صاحب...... يقدر أن يصلح من شأنه فإنما الدنيا بسكانها ....... وإنما المرء بإخوانه إخوتاه من علامات الحب في الله بذل النصح لأخيك، إذ من أحب أخاه في الله ثم رآه يصنع ما يشينه عند ربه، لا يبغض عمله ولا ينصحه فهذا لم يحبه في الله. إخوتاه .. تفقدوا إخوانكم، تصافحوا تعارفوا تجاوروا، عليك أن تسأل عن أخيك إذا غاب لماذا لم يأت؟ هل ألم به طارئ؟ هل ... ؟ هل .... ؟ ولا يستريح بالك حتى تطمئن عليه، إن رواد المقاهي والنوادي وغيرها إذا غاب أحدهم لا يهدأ لهم بال حتى يستفسروا عن سبب غيابه، أما نحن فلا، فلماذا؟ نحن أولى منهم بهذا، لقد كان رسول الله ﷺ يتفقد أصحابه في صلاة الصبح إذا غاب أحدهم فيسأل عنه. إخوتاه .. إننا نتآكل إذا لم نبحث عن لمّ شملنا المبعثر، لا بد أن نبحث عن كل عضو منا، وننشغل بإصلاح أنفسنا، وتفقد أحوال الآخرين حتى لا تسقط سائر الأعضاء، عليك

стр. 77

أن تمد يديك إلى إخوانك الذين على مشارف الهلكة، تقول لهم: إننا نريد لك الجنة، ونخشى أن يمسك أقل شيء من عذاب الله، فما ـ والله ـ تطيقه. أخي ما الذي ضيعك؟ ما الذي غيرك؟ نخشى أن تموت الآن فكيف تجد نفسك؟! هكذا إخوتاه تماسكوا ترابطوا فليأخذ كل واحد منكم بيد أخيه، ويد الله مع الجماعة. إخوتاه .. قال عبد الرحمن بن يزيد: قال لي بلال بن سعد: بلغني أن المؤمن مرآة أخيه، فهل تستريب من أمري شيئاً. أريدك أن تصنع كصنيع بلال بن سعد، تذهب إلى أخيك، وقل له: اصدقني القول هل تستريب من أمري شيئاً؟ واسأله النصح وكيف يرى العلاج؟ وحاول سريعاً أن تداوى آفاتك. يقول سعيد بن جبير: رحم الله رجلاً أهدى إلىَّ عيوبي، وإذا أهديت إلينا العيوب لا نحرد، ولا نُبرئ أنفسنا حتى لا نكون معجبين بل نعترف. قال الإمام الذهبي ـ رحمه الله تعالى ـ: " وعلامة المخلص إذا عوتب في نفسه، وفي عمله أن لا يحرد ولا يبرئ نفسه ولا يكون معجباً، بل يعترف، ويتهم نفسه ويستغفر الله ". مثال ذلك: أن يأتيك رجل فيتهمك بالرياء أو الخيلاء، هنا اتهم نفسك وقل: جزاك الله خيراً، وسل الله المغفرة أما إذا أخذتك العزة بالإثم، ووجدت في نفسك روح التشفي ممن اتهمك فهذا نذير عدم الإخلاص. دخل رجل على إبراهيم النخعي في مجلس درسه وأمامه الناس فوقف على باب

стр. 78

المسجد وقال: يا مُرائي. فبكى إبراهيم وقال: نعم صدقت أول رجل يعرف اسمي، من أعلمك باسمي؟ فقام ودخل بيته وأغلق الباب. لا بد من اتهام النفس، فإنها محل الجناية، ولا تتوارى بل عنف نفسك في الحال. قال الشعبي مرة في مجلسه: والله لو قيل ليخرج شر من في المسجد لبادرتكم. هكذا يرى أنه من شرار الناس، يتهم نفسه، والنصيحة لا تنقص أحدهم عند الآخر شيئاً، بل تزيده وتنميه وتطوره. إخوتاه قال بلال بن سعد: أخٌ لك كلما لقيك ذكرك بنصيبك من الله، وأخبرك بعيب فيك، أحب إليك وخير لك من أخ وضع في كفك ديناراً. فالأخ الذي يقابلك فيقول لك: كيف حال قلبك مع الله؟ ما هي أخبار ورد القرآن والذكر والقيام؟ كيف حال الصيام وغض البصر؟ كيف حال طلبك للعلم وحضور الدروس ... الخ مثل هذا الأخ لا يقدر فضله بثمن؟ فينبغي أن يكون أحب إليك من رجل جاء فأعطاك شيئاً من المال ولو كان كثيراً، إن كنت حقاً صادقاً مع الله، أما إذا قسا قلبك وعميت بصيرتك ولم تنفعك الكلمات فتلك مصيبة تحتاج إلى البكاء بين يدي رب الأرض والسماء. إخوتاه .. من أدب التواصي والنصيحة - هداك الله - ألا تغضب على أخيك إذا نصح لك في قلبك ودقيقك، بعض الناس إذا نُصح يحزن، وهذا دليل عدم صدقه مع الله، بل عليك أن تتقبل النصيحة في الصغيرة والكبيرة، وتظهر البشاشة في وجه ناصحك، وتشكره لرعايته لك، كما ينبغي عليك أن تصبر عند سماع النصيحة، إذا جاءتك

стр. 79

بأسلوب خشن. يقول بعض السلف: لا تهربوا من خشونة كلامي، فما رباني إلا الخشن من الكلام في دين الله ، ومن هرب منى ومن أمثالي لا يُفلح. فمن لم يصبر على مُر الكلام لا تراه ينجح، لا بد من شدة توقظك، والأمر في الأول والآخر لا يعدو مصلحتك. إخوتاه .. علينا أن نشجع الناصحين الأمناء، وأن نستمع لهم بإنصات، فالإنسان لا يرى إلا إذا خرج عن الصورة التي يتأملها، أما إذا كنت في داخلها فإنك لا تراها. نعم الهدية - والله - أن ينصحك أخوك في الله، ونعم العطية أن تنصح أخاك في الله. يقول سفيان الثوري ﵀ إن الرجل ليحدثني بالحديث قد سمعته قبل أن تلده أمه فيحملني حسن الأدب أن أنصت واستمع له. وحقيقة من الدرر المنقودة التي هي في حياة المسلمين مفقودة درة الأدب، فأين الأدب مع الله؟!!. وقد شددنا القول في شأن القبول أما البذل فأولاً: عليك أن تخلو بأخيك بعيداً عن أعين المتطفلين، والشامتين، تساره في أذنه، تنصحه على سبيل الرحمة لا التوبيخ والتقريع. ثانياً: عليك أن تراعى قلب أخيك، وتراعى حالته النفسية فترفق به، تلطف بمعنوياته، وتراعي مقتضى الحال، فتتخير الوقت المناسب والظروف المناسبة ليقبل نصيحتك. ثالثاً: عليك أن تنصحه فيما يصلحه ويرفعه، وتظهر له اهتمامك به.

стр. 80

قال حاتم: إذا رأيت من أخيك عيباً فإن كتمته فقد خُنته، وإن قلته لغيره فقد اغتبته، وإن واجهته به فقد أوحشته فقيل له: كيف أصنع؟ فقال: تُكني عنه، وتُعرِّض به، وتجعله في جملة الحديث .... فمثلاً: ترى أخاك لا يغض بصره، فتذهب لتنصحه تقول: حديث جميل جداً كنت أحب أن يكون حديثاً صحيحاً " النظرة سهم من سهام إبليس مسمومة، فمن تركها من خوف الله أثابه ـ جل وعزـ إيماناً يجد حلاوته في قلبه " (١). ثم تتكلم معه عن فوائد غض البصر، ولذة غض البصر، ومتعة غض البصر، وحُسن غض البصر، وخطورة إطلاق الطرف، وهكذا لا بد من اللطف، فتجمل العبارة وتتكلم بأسلوب غير مُنَفّر هذا بين الإخوة بعضهم مع بعض، أمَّا الشيخ المربى فقد يقسو ويشتد على تلاميذه ليصلح اعوجاجهم، وهذا أمر مقبول ينبغي أن يفهم ذلك.

стр. 81

إنهاء الجدال والمراء حالا ما ريت أخا لي في الله أبدا لأني إن ماريته إما أن أكذبه وإما أن أغضبه

стр. 82

السبب الرابع رابعا: إنهاء الجدال والمراء حالاً قال تعالى " وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن " [العنكبوت/٤٦] وقال ﷺ : " أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه " (١) قال تعالى " وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تستهزئون لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ " [التوبة ٦٥] الشاهد أن كثيراً من المزاح - الآن - يختلط بالكذب والغيبة، مثل هذه الحكايات التي تنتشر عن أهل الصعيد وهي غيبة لجميع الصعايدة، وأخشى أن يأخذ حقه منك كل من سخرت منه يوم القيامة. قال ﷺ " إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها في النار أبعد مما بين المشرق" (٢) وقال ﷺ : " ويل للذي يحدث بالحديث ليضحك به القوم فيكذب ويل له .. ويل له " (٣)

стр. 83

هذا بكلمة واحدة، فما بالك من يستمر في المجلس الواحد لمدة ثلاث وأربع ساعات يكذب، فاللهم استرنا واعف عنا وعن المسلمين. واعلم ـ أخي ـ أنَّ السامع شريك القائل، يقول الله تعالى " وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا " [النساء /١٤٠] فعليك أن تترك الكذب حتى في المزاح، وتترك المراء وإن كنت صادقاً. قال ﷺ : " ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل " (١) وأنت تقلب الآن بصرك فلا تجد إلا الجدل، أين العمل إخوتاه؟!! هذا لعمر الله غضب من رب العالمين. قال أهل العلم: الجدل والمراء يسبب أربعة أمراض قلبية: أولاً: يفتن القلب. ثانياً: ينبت الضغينة. ثالثاً: يُقسي القلب. رابعاً: يرقق الورع في المنطق والعمل. قال خالد بن يزيد: إذا كان الرجل ممارياً لجوجاً معجباً برأيه فقد تمت خسارته. أهـ وما أكثر ضحايا المراء، وأتعس حالهم، وقد شاهدناهم ـ والله ـ وعرفناهم، ثم

стр. 84

وصلوا الآن إلى درجة من الفراغ الإيماني والأمراض القلبية من العجب والكبر والغرور وحب النفس واحتقار الآخرين وازدرائهم ولا حول ولا قوة إلا بالله. فما رأينا لجوجاً ممارياً يحب المراء والجدل إلا وسقط على جانبي الطريق فلم يصل، فلا ترى منهم أحداً. انظر إلى هؤلاء تجدهم متساقطين على جانبي الدعوة يمنة ويسرة، لا تجد لهم أخاً ولا صديقاً ولا حبيباً بعد إدمانهم المراء، وما أجمل كلمة الحسن البصري حين قال: " إياكم والمراء فإنها ساعة جهل العالم، وبها يبتغى الشيطان زلته "؛ ولذلك يقول الآجرى في كتابه القيم " أخلاق العلماء ": فالمؤمن يدارى ولا يمارى، ينشر حكمة الله سبحانه، فإن قبلت حمد الله، وإن رُدت حمد الله. فالمرء في سعة من أمره، والمؤمن مقصوده القيام لله سبحانه بالحق، والحق فقط. قال عبد الرحمن بن أبى ليلى: ما ماريت أخي أبداً لأني إن ماريته إما أن أكذبه، وإما أن أغضبه، وأنا في سعة من الأمرين جميعاً. ويحكى لنا خطيب أهل السنة ابن قتيبة ﵀ عن هذه الحادثة وقد مر بها شخصياً وفيها بيان لأثر الخصومة على العلاقات الأخوية وتكدير صفوها. يقول: مر بي بشر بن عبد الله بن أبى بكرة فقال: ما يجلسك هاهنا، فقلت: خصومة بيني وبين ابن عم لي فقال: إن لأبيك عندي يداً، وإني أريد أن أجزيك بها، وإني ـ والله ـ ما رأيت شيئاً أذهب للدين، ولا أنقص للمروءة، ولا أضيع للذة العبادة ولا أشغل للقلب عن الله من الخصومة. قال: فقمت لأنصرف. فقال لي خصمي: مالك، قلت: لا أخاصمك أبداً والله. فقال: عرفتَ أن الحق لي. فقال: لا ولكنى أكرم نفسي عن هذا. فقال لي: والله لا أطلب منك شيئاً هو لك، ما بيننا هو لك.

стр. 85

إخوتاه يجب إنهاء المراء حالاً، لا لأنَّ الكتب نطقت بهذا، ولكنى أقول من واقع التجربة التي أكدت هذا، وما زالت تؤكد لزوم التغاضي. إخوتاه اهجروا المراء من الآن، فدعك من المراء، واترك الجدال نسأل الله لنا ولكم العافية.

стр. 86

إعدام الاختلاف ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٨، ١١٩]

стр. 87

السبب الخامس خامسا: إعدام الاختلاف إخوتاه نريد أن نحكم على الاختلافات بالإعدام، وهذا لا يتأتى إلا بشيئين: الأول: معرفة أسباب الخلاف. الثاني: استعمال أدب الخلاف ..... راعني قول بعض السلف: لو أن للخلاف صورةً لارتاعت لها القلوب ولهدت من هولها الجبال. إخوتاه أما أسباب الخلاف فكثيرة فمن ذلك: (١) الكبر عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، فقال رجل: إنَّ الرجل يحب أن يكون نعله حسناً وثوبه حسناً، فقال: ﷺ إنَّ الله جميلٌ يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس ". (١) " بطر الحق " أي رده وعدم قبوله، فترفض أن تقبل الحق فيحدث الخلاف، قال تعالى: " َفمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُون " [يونس / ٣٢].

стр. 88

" غمط الناس " أي احتقارهم فتقول: من فلان حتى يعترض علىَّ، فهنا تحدث الفرقة وينتج الخلاف. مثال ذلك: أن أخاً حَدّث فقال: كنت جالساً في المسجد وأقرأ القرآن، وقد أمسكته بيدي اليسرى واتكأت على اليمنى، فجاء أخٌ صغير لا يتجاوز عمره الخامسة عشر، فقال لي: لو سمحت امسك المصحف بيدك اليمنى. يقول: فنظرت له فإذا هو غلام صغير، فدار في نفسي أنَّ اليد اليسرى تستخدم لقضاء الحاجة ونحو ذلك، فالأولى فعلاً أن أمسكه باليمنى، لكن هذا غلام صغير، وموقفي صار حرجاً. يقول: جلست أحدث نفسي، والمصحف بيدي اليُسرى، وعندما أحاول نقله ليدي اليمنى أتراجع، ثم في النهاية قلت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ونقلت المصحف وقلت للأخ: جزاك الله خيراً. فهو كان معتقداً أن الحق على خلاف صنيعه، وإن كان فعله ليس بحرام، وإنما غاية الأمر أنه خلاف الأولى، وكاد يصده الكبر عن قبول هذه النصيحة. ومن الطريف أن الأخ قال: فما لبثت خمس دقائق حتى نقلت المصحف مرة ثانية إلى يدي اليسرى. فنصحني الأخ الصغير مرة أخرى، فقلت له: عندما تراني أصنع ذلك انقله بيدك في يدي اليمنى. وهكذا انصرف الشيطان، فانصاع الإنسان وقبل النصح. إخوتاه .. إن رد الحق وعدم قبوله، وغمط الناس واحتقارهم يؤدى لعدم القبول، وكلاهما كبر، نعوذ بالله من المتكبرين، فعليك أن تتواضع، قال ﷺ : " وإن الله أوحى إلى أن تواضعوا، حتى لا يفخر أحدٌ على أحد، ولا يبع أحدٌ على أحد ". (١)

стр. 89

تواضعوا فالمؤمنون أعزة على الكافرين، أذلة على إخوانهم المؤمنين، ولا تترفع عن قبول نصيحة من أي شخص كائناً من كان، حتى إذا كان حليقاً أو مخالفاً لك في الاتجاه، فما يدريك لعله أفضل منك، فإنِّي أخاف أن يتسلل إليك ولو ذرة من كبر، ولا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر. (٢) اختلاف وجهات النظر اختلاف وجهات النظر ينبغي ألا يكون سبباً للاختلاف، إذ هذا ليس عيباً، بل إنَّ المجتهد يخطئ تارة ويصيب تارة، وليس هناك عالم كل أقواله صحيحة، فما من أحد إلا ويؤخذ من قوله ويرد إلا النبي ﷺ . في كتاب الرد الوافر لابن ناصر يقول: لقد أجمع العلماء على أنَّ فروع الشريعة المخطئ فيها مجتهد يثاب لا يكفر ولا يفسق. فإذا كان كذلك والحالة هذه، فعليك أن تتقدم بالنصيحة مشكوراً، وتسوق دليلك مأجوراً، وقد أوجب الله على المسلم أن ينزل عند الحق، وإن جاء على يد أصغر إخوانه، فالحكمة ضالة المؤمن أنَّى وجدها فهو أحق بها. ولقد أُخذ بقول الشيطان في قصته مع أبى هريرة عندما كان يأتي للسرقة، وفي النهاية قال له: اتركني وأنصحك نصيحة، ثم قال له: " إذا أويت إلى مضجعك فاقرأ آية الكرسي فإن قرأها مسلم في ليلة لن يقربه شيطان ". فأخبر أبو هريرة ﵁ رسول الله ﷺ فقال له: " صدقك وهو كذوب ". (١) وصارت قراءة آية الكرسي عند النوم من السُّنة، رغم أن الذي نصح بها هو الشيطان، إذن علينا أن نأخذ بالحق ممن جاء به كائناً من كان، فأنت أحق به وأهله.

стр. 90

والنصيحة في الله هي الأصل في هذه المسألة - كما سبق - فلا عليك خاصة إذا سيقت النصيحة في إطار من العاطفة النبيلة، والروح الأخوية والود والعطف والحب والأدب. انظر إلى صحابة رسول الله ﷺ حين قال لهم النبي ﷺ : " لا يصلين أحدٌ العصر إلى في بنى قريظة " (١)، فبعضهم كانت وجهة نظره الوقوف عند ظاهر اللفظ فلم يصلوا العصر إلا في ديار بنى قريظة، فصلوا العصر بعد خروج وقته، وبعضهم تأول هذا على أن النبي يحثهم على الإسراع فصلوا العصر في الطريق، فما وبخ رسول الله ﷺ هؤلاء ولا هؤلاء. في صحيح الإمام البخاري يخبرنا صحابة رسول الله ﷺ أنهم كانوا يسافرون مع رسول الله ﷺ فمنهم الصائم ومنهم المفطر فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم (٢) فمن الأصول والثوابت التي ينبغي أن ننطلق منها لتكون لنا الريادة ويصبح القرن القادم هو قرن الإسلام، أنَّ ما اختلف فيه السلف قَبْلنا وسعنا فيه الخلاف، وما لم يختلفوا فيه لا يسعنا فيه الخلاف. (٣) الجهل والجُهَّال . يقول الإمام الثقة سحنون (من أئمة المذهب المالكي ولد سنة ١٦٠ هـ): يكون عند الرجل باب واحد من العلم فيظن أنَّ الحق كله فيه.

стр. 91

ومن أجود وأروع ما قيل في هذه المسألة قول الإمام على ﵁: العلم نقطة كثَّرها الجاهلون. وقال أيضاً: لو سكت من لا يعلم لسقط الخلاف. فحين يتدخل الجهال ويتكلمون يحدث الخلاف، والأصل أنَّ العلم نقطة، كتاب الله وسنة رسول الله الصحيحة وفهم السلف، هذه هي أصول العلم، وما عدا ذلك فضلال وجهل وتفرق واختلاف. قال تعالى: " فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم " [البقرة/١٣٧] (٤) النظرة الجزئية للإسلام . تجد الإنسان عنده مسائل في العقيدة، أو في الفقه أو في مصطلح الحديث فيقف عند هذا لا يتجاوزه ويظن أنَّ هذا هو الدين، والإسلام أوسع وأرحب من ذلك. القضية ـ إخوتاه ـ ليست في قراءة أو تحصيل كتاب كذا وكذا، القضية أن تفهم الإسلام فهماً عميقاً مجملاً، لا بد أن تحيط بالإسلام بعقائده وعباداته جملة. لذلك كان السلف عندما يتكلمون في مسألة لا ينظرون إليها من خلال هذا المجهر الجزئي الهامشي، وإنما يتكلمون بنظرة شاملة، يقول الله تعالى " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِين" [البقرة / ٢٠٨]، والسلم هنا الإسلام. فالإسلام هرم ضخم لا بد أن تأخذه من جوانبه الأربعة، ولن تحيط به هكذا حتى تنطلق من القمة حيث كان النبي وأصحابه ومن تابعهم بإحسان، من حيث كان سلفنا الصالح. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: فإذا ترك الناس بعض ما أنزل الله جهلاً أو هوى وقعت بينهم العداوة والبغضاء.

стр. 92

قال تعالى: " وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ " [المائدة/١٤] إخوتاه الصبر في طلب العلم، لا بد أن تحيط بالإسلام جملة، وتصبر في تحصيل علوم الإسلام السنوات الطوال، قبل أن تتكلم لا بد أن تتعلم، قبل أن تزعم أنك علمت لا بد من صبر طويل حتى يفتح الله عليك. قال بعض السلف: العلم ثلاثة أشبار من أخذ الشبر الأول تكبر، ومن أخذ الشبر الثاني تواضع، ومن أخذ الشبر الثالث علم أنه جاهل، فإياك أخي أن تكون أبا شبر. يقول الإمام الشافعي ﵀: كل يوم أزداد فيه علماً يظهر لي فيه مدى جهلي. لذلك تعلم، اطلب العلم، وحاول أن تفهم، واصبر على مُر الطلب، يقول الإمام الشاطبي - في كلام في منتهى الخطورة ـ[في بيان الخلاف في الأمور الفرعية راجع في الحقيقة إلى الوفاق لاتفاق أطرافه على تحرى مقصود الشارع وهو واحد]، يقول: " ومن هنا يظهر وجه الموالاة والتحاب والتعاطف فيما بين المختلفين في مسائل الاجتهاد حتى لم يصيروا شيعاً، ولا تفرقوا فرقاً لأنَّهم مجتمعون على طلب قصد الشارع. فاختلاف الطرق (للوصول إلى قصد الشارع المشرع) غير مؤثر كما لا اختلاف بين المتعبدين لله بالعبادات المختلفة، كرجل تقربه الصلاة، وآخر يُقربه الصيام، وآخر تقربه الصدقة، إلى غير ذلك من العبادات، فهم متفقون في أصل التوجه لله المعبود، وإن اختلفوا في أصناف التوجه. فكذلك المجتهدون لما كان قصدهم إصابة مقصد الشارع صارت كلمتهم واحدة

стр. 93

وقولهم واحداً. أهـ (١) وهذا يعنى أن الأئمة إذا اختلفوا في مسألة، فماذا كان قصد كل واحد منهم؟ لا شك أن قصدهم إصابة الحق، فكلهم يبغي رضا الله ورسوله ﷺ . وهذا يكون في المسائل الاجتهادية التي يسوغ فيها الاختلاف، لكن هذا لا يكون في مسائل العقيدة التي لا تقبل الخلاف. فمثل هذه المسائل الخلافية يسعنا فيها الخلاف - اليوم - أما ما اتفقت فيه كلمتهم فلا يسوغ لنا الخلاف فيها. (٥) التعصب للأشخاص والآراء . التعصب مذموم وحرام إلا أن يكون ذلك لقول رسول الله ﷺ ، إذ كلٌ يؤخذ من قوله ويرد إلا النبي محمد ﷺ . فلا يجوز أن تتعصب مطلقاً وعلى طول الخط لشخص من الأشخاص أو لرأى جماعة من الجماعات إلا لرسول الله ﷺ وأصحابه فالحق معهم أما غيرهم فلا. قال ابن مسعود ﵁: من كان متأسياً فليتأس بمن قد مات، فإنَّ الحي لا تؤمن عليه الفتنة. فهؤلاء صحابة رسول الله ﷺ كانوا أبر هذه الأمة قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً قال الله تعالى: " رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْه " [التوبة ١٠٠] هؤلاء صحابة رسول الله ﷺ فلا يجوز التعصب مطلقاً لشخص غير شخص النبي ﷺ ولا لجماعة غير صحابته رضوان الله عليهم. إن مبدأ الهدى فتح عين البصيرة في أقوال من يُساء الظن بهم، ومن يحسن الظن

стр. 94

بهم على حد سواء، إذ لا يجوز نصر المقالات والتعصب لها والتزام لوازمها لإحسان الظن بأربابها بحيث يرى مساوئهم محاسن، ويسيء الظن بالخصوم فيرى محاسنهم مساوئ، قال تعالى: " وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى " [المائدة/٢] فلا تغتر بأي اسم مهما كان، ولكن في حدود الأدب والقيام بحقوق أهل العلم، فإنَّ علماءنا ومشايخنا أحباءٌ إلينا، ولكن القيام لله بالقسط أحب إلينا وأقرب. فلا تتعصب لرأى إذ رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأى غيري خطأ يحتمل الصواب، فالتعصب ممقوت، لا لشخص ولا لجماعة وإنَّما نتعصب لقال الله، وقال رسول الله ﷺ ، فهم هؤلاء الأصحاب الذين زكاهم الله، قال تعالى " فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ " [البقرة / ١٣٧] السبب الثاني لإعدام الخلاف: استعمال أدب الخلاف . قال تعالى: " وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إحداهما على الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ " [الحجرات / ٩] وهذا في حال اقتتال المؤمنين ولم ينف الله عنهم الإيمان، ولم يفسق منهم أحداً. وهؤلاء صحابة رسول الله ﷺ اختلفوا واقتتلوا ولم ينف أحدٌ منهم عن الآخر اسم الإيمان، بل لما سئل على بن أبى طالب ﵁ عن الخوارج فقيل له: نكفرهم، قال: لا فقيل: نفسقهم. قال: لا. قالوا: فمن هم؟ قال ﵁: إخواننا بَغَوا علينا. وجاءه آخر ينتقص من قدر أم المؤمنين عائشة ـ رضى الله عنها ـ فقال له: اذهب مقبوحاً أتؤذي محبوبة رسول الله ﷺ .

стр. 95

إخوتاه نحتاج أن نستعمل أدب الخلاف، ولكن كيف؟ هذا ما نحن بصدده - إن شاء الله تعالى - أيها الأحبة كثيراً ما أردد أن من أجمل وأمتع وألذ وأعظم وأحلى ما يملكه المسلم في هذه الدنيا الحب في الله، وأضيف هنا أن أقول: إنَّ من أثمن وأغلى ما يملكه المسلم في هذه الدنيا بعد صلته بالله جل وعلا عَقْد الأخوة في الله، اللهم اجعلنا إخوة متحابين، وعُمَّنا برحمتك يا أرحم الراحمين. إخوتاه يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " وأما عقد الأخوة بين الناس في زماننا، فإنْ كان المقصود منها التزام الأخوة الإيمانية التي أثبتها الله بين المؤمنين بقوله: " إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ " [الحجرات/ ١٠]، وقول النبي ﷺ " المسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يظلمه " (١) وقوله ﷺ " لا يبع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه " (٢)، وقوله ﷺ " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه " (٣)

стр. 96

ونحو ذلك من الحقوق الإيمانية التي تجب للمؤمن على المؤمن، فهذه الحقوق واجبة بنفس الإيمان، والتزامها بمنزلة التزام الصلاة والزكاة والصيام، والمعاهدة عليها كالمعاهدة على ما أوجب الله ورسوله وهي ثابتة لكل مؤمن على كل مؤمن، وإن لم يحصل بينهما عهد مؤاخاة " [مجموع الفتاوى (١١/ ١٠٠)] إخوتاه هذه أخوتنا، هذه محبتنا، نتقرب بها إلى الله كتقربنا بالصلاة والزكاة والصيام والحج، ووجوب التزامنا بها كوجوب الصلاة والزكاة، وحقوقها واجبة على كل مؤمن تجاه أخيه، بيد أن الواجبات تتفاضل فبعضها أكبر من بعض. هذه الأخوة العميقة الغالية هي أثمن ما تملك، خاصة إذا اجتمعت أنت ومن تحب في الله في الدعوة لدين الله ونصرة الإسلام وأهله، إن هذا العقد من أقوى الوسائل لمواجهة التحديات، وحل المشكلات التي تعترض الطريق، وبهذا يشعر المسلم أنه ليس وحده، فهناك من يشد أزره، ويضع يده على يده. هذه هي الأخوة، إنني أستشعر سعادة غامرة، لعل كثيراً منكم لا يشعر بها، حين أشعر أن أخاً سأل عنى، فليس بيني وبينكم عقد شخصي، ولكننا إخوة في الله، نسأل الله أنْ يرزقنا حباً خالصاً لوجهه. هذه هي الأخوة التي لا يفرط المرء فيها، فهي أغلى ما تملك في هذه الدنيا، لكن هذه الأخوة قد تعكر صفوها هنات وهفوات وقد تعتريها اضطرابات وهزات، قد تكون صغيرة ولكنها تكبر مع الأيام، ويكبر أثرها فتنفر القلوب وتقع الوحشة، وهذا منزلق خطير يجب على كل مسلم تجنبه، فخسارة أخ لا يعوضها شيء، فاللهم إنا نعوذ بك من همزات الشياطين ونعوذ بك ربنا أن يحضرون.

стр. 97

إخوتاه إياكم والوشاة، فقد ترتبط بأخٍ مدة من الزمن تحبه وتعتقد فيه الخير، وتظن أنه من أهل الصلاح، وتثق به، فيأتيك أحد الوشاة يقول: إنَّ صاحبك هذا يقول عنك كذا وكذا، فسرعان ما تقطع الصلة وتنهي الأخوة وتكون حينئذٍ قد أزلت يقينك بشك. ينصحك الإمام الشافعي أن تواجه أخاك فتقول له: بلغني عنك كذا وكذا، وإياك أن تُسمِّى الناقل، فإن أنكر فقل: أنت أصدق وأبر ولا تزيدن على ذلك. هذه - لعمر الله - أخلاق المؤمنين، أخلاق هي أخلاق السلف، بل إنه ينصحك نصيحة عظيمة فيقول: فإن اعترف بذلك فرأيت له وجهاً من العذر فاقبل منه، وإن لم تر لذلك وجهاً فقل له: ماذا أردت بما بلغني عنك؟ فإن ذكر لك وجهاً من العذر فاقبل منه، وإن لم تر فضاق عليك المسلك حينئذٍ أثبتها عليه سيئة، ثم أنت في ذلك بالخيار، إن شئت كافأته بمثلها من غير زيادة، وإن شئت عفوت عنه، والعفو أقرب للتقوى وأبلغ في الكرم. قال تعالى: " وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ " [الشورى/٤٠] فإن نازعتك نفسك بالمكافأة فتفكر فيما سبق له لديك من الإحسان فلا تبخس إحسانه السالف بهذه السيئة فإنَّ ذلك الظلم بعينه، وعامله بالسيئة إحساناً. إخوتاه هذه يمكن تسميتها بالوصية الذهبية في الأخوة الإيمانية، إن اتخاذ الصديق صعب، ومفارقته سهل، فإن كان لك صديق فشد يداك به. فمن اليسير أن تغضب من أخيك وتتركه وتنتهي العلاقة، إنَّ إحساسك بأنَّ لك أخاً في الله يحبك لإيمانك لا لمصلحة ولا لأي شيء نعيم

стр. 98

للقلب - والله - أسأل الله أن يرزقنا نعيم الجنة في الدنيا والآخرة، فنعيش لذة الإيمان حين نحب المرء لا نحبه إلا لله. إخوتاه أخوك لك بمنزلة السمع والبصر، فالأخوة الإيمانية لا يقوم مقامها شيء، قال ﷺ : " لو كنت متخذاً خليلاً من أمتي لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن أخوة الإسلام ومودته " (١)، فأخوة الإسلام ومودته أبقى وأنقى وأعمق وأدوم فلا تفرط فيها سريعاً. إخوتاه إياكم والخلاف، فإنه داء يورث من الضغائن والأحقاد ما يُفسد القلوب، نعم حين نقول: " إعدام الخلاف " لا نقصد أنَّه لن يكون، فالخلاف سيظل ما دامت السماوات والأرض، فإنهاؤه محال، قال تعالى " وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ " [هود ١١٨ - ١١٩] فالاختلاف قائم، ولكن المقصود معرفة أسباب الاختلاف فنتحاشاها، فإن لم يكن بدٌ فوقع الخلاف فعلينا أن نتعامل بآداب الخلاف، حينها لا تنتج هذه الآثار الوخيمة التي شاعت في حياة المسلمين الآن. يقول بعض السلف: " ما رأيت أعقل من الشافعي اختلفنا أنا وهو في مسألة، فلقيني بعد مدة فأخذ بيدي، فقال لي: إذا كنا قد اختلفنا في مسألة ألا يسعنا أن نبقى أخوين متحابين " والكلام ليس على عمومه، فإنَّ الخلاف العقدي يُفرق، ولا بد هنا من المفارقة لأنَّ الله لا يرضى أن يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء، فالكلام هنا على أصحاب المعتقد الواحد، وقد مَرَّ الحديث عن أسباب الاختلاف وبقى أن نتكلم عن آداب الاختلاف.

стр. 99

أدب الخلاف إخوتاه والله إني أحبكم في الله، وودت أن جسمي مزق بالمقاريض ولا يختلف المسلمون، بل يجتمعون على كلمة " لا إله إلا الله "، فلا ينبغي لمسلم يريد وجه الله أن يحب وجود الخلاف، وأن يُسرَّ باختلاف المسلمين. إن وجود الإيمان العميق والفهم السليم الراقي هو الضمان الحقيقي لشرعية علاقاتنا، هو الملاذ لتصفية خلافاتنا ونزع أغلال قلوبنا. إخوتاه قد يكون نصيبنا من العلم والمعرفة ليس بالقليل، لكن المشكلة التي نعاني منها اليوم افتقاد المرشد والموجه الصحيح والمؤشر الضروري الذي يمنحنا السلامة ويكسبنا الصواب. القضية أننا قد نلم بشيءٍ من العلم والمعرفة، لكننا افتقدنا خُلقه، امتلكنا الوسيلة وضيعنا الهدف والغاية. قال معاذ بن جبل ﵁: تعلموا العلم، وتعلموا للعلم السكينة. إخوتاه دعونا نتصارح فإنَّ الشيطان ينزغ بيننا، فما أكثر تشاغلنا بالمباح والمندوب عن الأمر الواجب، لقد صرنا حُذَّاقاً في الخلاف، ولكن بعيدين كل البعد عن الالتزام بأخلاقياته، فكانت النتيجة المرة أن سقطنا فريسة التآكل الداخلي والتنازع الذي أورثنا

стр. 100

هذه الحياة الفاشلة، وأدى إلى ذهاب ريحنا. قال تعالى: " وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ " [الأنفال / ٤٦]، فحذرنا الله تعالى مغبة السقوط في مثل ما سقط فيه أهل الأديان السابقة، وقصَّ علينا تاريخهم لأخذ العبرة والحذر. قال تعالى: " وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ " [الروم / ٣١ - ٣٢] انظر إلى الخلاف الذي وقع، كيف تبرأ الله منه وأمر رسوله أن يتبرأ منه. قال تعالى: " إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ " [الأنفال / ١٥٩]. أهل الكتاب من قبلنا، لم يؤتوا من قلة علم وضآلة فهم، وإنما هلكوا لأنَّهم وظفوا ما عندهم من علوم ومعارف للبغي. قال تعالى: " وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللهِ فَإِنَّ اللهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ " [آل عمران / ١٩] فهل ورثنا علل أهل الكتاب بدل أن نرث الكتاب؟ هل ورثنا البغي دون المعرفة والعلم والالتزام بأخلاقهما؟ إنَّ الاختلاف والفرقة والبغي كانت من وراء هلاك الأمم السابقة حتى مسخت أديانهم وبقيت قصصهم وسائل إيضاح للدروس والعبر المستفادة من حياتهم. إخوتاه شريعتنا شريعة خالدة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فلا سبيل لنسخها، وستبقى أمة الإسلام بذلك فهي لن تفنى كما فنيت الأمم السابقة، ولكن الخوف أننا نسير في الطريق الخاطئ الذي سار فيه من قبلنا فأهلكهم الله، فالخوف - اليوم - من

стр. 101

الاستبدال، الخوف - اليوم - من الخسف والمسخ والقذف الذي يكون في آخر الزمان، فهل نفيق؟!! إن هذه الأمراض لم تقضِ على جسد الأمة نهائياً، ولن تستأصل شأفتها بالكلية، لكن حذار أن تستمر الأمة هكذا فتعيش أبداً حالة الوهن الدائم، والذل القائم، فلا شك هذا نذير أن نكون - نحن - أول من ينكل بهم ويستبدلون. إخوتاه لا بد من علاج سريع لمشاكلنا الراهنة، لا بد من مداواة لأمراضنا المستعصية، نسأل الله لنا ولكن العافية، اللهم ألف بين قلوبنا، حتى لا نرى إلا الحق حقاً فنتبعه، ونرى الباطل باطلاً فنجتنبه. إخوتاه أوقفوا نزيف الدم المهراق في سنوات الذلة والاغتراب، كفي ما نحن فيه من تآكل، كفي ما نحن فيه من تشاحن وتنازع، أما ترون ما قد حل بأمتنا من المهالك حتى لا تزالوا في تلك المهاترات تبيتون وتصبحون. إخوتاه إن ما نعانيه اليوم لا يخرج عن كونه أعراضاً للمشكلة الإيمانية، الناشئة عن خلل في البنية التربوية التي عليها تأسس العقل المسلم. إنها آثار الأزمة الأخلاقية التي يعانى منها سلوك المسلم، ولا سبيل للخروج إلا بمعالجة جذور الأزمة الإيمانية الأخلاقية العلمية. لا بد من تصويب الفهم، وإعادة صياغة السلوك الأخلاقي، وإلا كنا كمن يضرب في حديد بارد.

стр. 102

إخوتاه إن الاختلاف في وجهات النظر، الاختلاف في تقدير الأشياء والحكم عليها أمر فطرى طبيعي، قال تعالى: " وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِين " [هود / ١١٨] فالاختلاف صار وسيلة - عندنا - للقتال وإنهاك القوى في معارك جانبية، والأصل أن الاختلاف ظاهرة صحية تغنى عقل المسلم بخصوبة الرأي من خلال الاطلاع على وجهات النظر المختلفة، ورؤية الأمور من جميع الزوايا والأبعاد، إنه إضافة عقول إلى عقل، فتعدد وجهات النظر المكافئة والمتكاملة - لو أمعنا النظر - حرىٌ بأن ينهض بالعقل المسلم في عصر التخلف، لكن الذي حدث يندى له الجبين، معارك ... خصومات ... استنصار بأعداء الدين على صاحب الرأي المخالف ... الخ، ولهذا كله شواهده من التاريخ القريب والبعيد. إخوتاه إن النظرة الكلية السوية للأمور، والنظرة الشاملة للأبعاد المتعددة يعجز المرء كثيراً عن الإحاطة بها، فيقع وراء جزئية يضخمها ويكبرها حتى تستغرقه فلا يرى معها شيئاً آخر، حتى يصل الأمر ببعضهم أن يرى الأمور بمقاييس مخجلة محزنة، يرى عدوه أقرب إليه من مخالفه في الرأي. شيء عجيب هذا الذي نحن فيه، مع أن الخلاف سهل ميسور والأمة تعانى من مثل هذه القضايا، وبدل أن نتفق تذهب أقدامنا جهة الخلاف، وكيف لنا أن نتفق ونحن نختلف على أرض الإسلام؟ فكيف تجمعنا " لا إله إلا الله محمد رسول الله "؟!!

стр. 103

إخوتاه انظروا إلى هذه الحادثة التي وردت في كتاب " سير أعلام النبلاء" (١) أن المسور بن مخرمة وقد كان عند معاوية ﵁ فقضى حاجته ثم خلا به. فقال: يا مسور ما فعل طعنك على الأئمة؟!!. قال المسور: دعنا من هذا وأحسن. فقال معاوية: لا والله لتتكلمن من ذات نفسك بالذي تعيبه علىَّ. قال المسور: فلم أترك شيئاً أعيبه عليه إلا وبينتُه له. فقال: لا أبرأ من الذنب فهل تعد لنا يا مسور ما نلي من الإصلاح في أمر العامة؟ فإن الحسنة بعشر أمثالها، أم تعد الذنوب وتترك الإحسان؟ قال المسور: ما تُذْكَر إلا الذنوب. فقال معاوية: فإنَّا نعترف لله بكل ذنب أذنبناه، فهل لك يا مسور ذنوب في خاصتك تخشى أن تهلكك إن لم تُغفر؟ قال المسور: نعم. قال معاوية: فما يجعلك الله برجاء المغفرة أحق منى، والله ما ألي من الإصلاح أكثر مما تلي، ولكني والله لا أخير بين أمرين بين الله وبين غيره إلا واخترت الله على ما سواه، وإني على دين يقبل فيه العمل ويُجزى فيه بالحسنات، ويجزى فيه بالذنوب إلا أن يعفو الله عنها. قال المسور: فغلبني والله.

стр. 104

إخوتاه آه .. أريدك يا من تتكلم في حق العلماء والدعاة أن تذكر عيب نفسك!! ألست على ذنوب كذنوبه، انظر لنفسك فإنَّه يلي من إصلاح الدين ودعوة الناس ما لا تصنع أنت، والرجل له حسنات كثيرة فهو برجاء العفو ومحو السيئات، وربما ليست لك من الحسنات ما يكفر ما تقدم عليه من الغيبة وإفساد ذات البين فلتقل خيراً أو لتصمت. إخوتاه ينبغي أن ننتبه إلى هذا جيداً، لينشغل كلٌ منا بإصلاح عيب نفسه أولاً. سبق أن قلت لكم: إن رجلاً لقي أخاً له في الله، فقال له: إني أحبك في الله، قال أخوه، لو علمت ذنوبي لأبغضتني في الله، قال: لو علمت ذنوبك لمنعني علمي بذنوبي من بغضك. [أصول آداب الخلاف] إخوتاه تعالوا نضع أصولاً لقضية " الخلاف " رجاء ائتلاف القلوب ووحدة الصف. [(١) النصوص منها القطعي ومنها الظني] أولاً: ينبغي أن ندرك أنَّ نصوص الكتاب والسنة، منها ما هو قطعي في ثبوته (وهو القرآن والسنة المتواترة) ومنها ما هو ظني الثبوت (وهو حديث الآحاد). كما أنَّ دلالة النص قد تكون ظنية وقد تكون قطعية، على هذا فهناك: أ) نصوص قطعية في ثبوتها ودلالتها، فلا يجوز الخلاف فيها. ب) وهناك نصوص ظنية في دلالتها يسعنا فيها اختلاف وجهات النظر. مثال ذلك: قال الله تعالى " وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ " [البقرة / ٢٢٨]، هذا نصٌ قطعي الثبوت لكنه ظني الدلالة، فالقروء مفردها قُرء وهو

стр. 105

يستخدم لمعنيين مختلفين الطهر والحيض. فهنا تختلف وجهات النظر فمن أهل العلم من يرجح أن المراد بالقرء في الآية "الطهر" ويأتي بأدلة وقرائن على ذلك، ومنهم من يرجح أنه بمعنى " الحيض " ويأتي أيضاً بأدلته. وهناك نصوص كثيرة من الكتاب والسنة على هذه الشاكلة، تتجاذب فيها العقول أطراف الفهم. وقد يستدل الفريقان المتعارضان بالنَّص الواحد على رأيه. فمثلاً: النهي عن أن يبرك الرجل كبروك البعير (١) يستدل به بعضهم على النزول باليدين للسجود قبل الركبتين، وبعضهم يرى فيه دليلاً على نزول الركبتين قبل اليدين. قالوا: إن ركبتي البعير في يديه، وعلى ذلك فالنزول باليدين. قال الفريق الثاني: إن البعير ينزل على يديه وعلى ذلك فالنزول بالركبتين وهكذا. ومثل الإشارة بالإصبع في الصلاة ونحو هذا من المسائل كلٌ يفهم النص من وجهة نظره وبالقرائن التي قويت عنده. فمثل هذا - والحالة هذه - لا ينبغي أن يقيم بيننا المعارك والخصومات أبداً لا ينبغي أن يكون ذلك، فلا بد من سعة الصدر في تقبل الرأي المخالف، لا بمعنى التمييع بحيث لا يكون للمرء وجهة، وإنما بمعنى الاستعداد لقبول الرأي الآخر.

стр. 106

إخوتاه لا بد من تربية الشباب على هذا، فمعرفة هذه الأمور لها شأنه في الاستنباط والاجتهاد والفهم من النصوص، فليس لأحد أن ينكر على الآخرين ما يفهمونه من النص من فهم مخالف ما دام اللفظ يحتمله، والدليل يتسع له، ونصوص الشرع الأخرى لا تناقضه فهذه ثلاثة ضوابط للفهم: (١) اللفظ يحتمل. (٢) الدليل يتسع له. (٣) نصوص الشرع لا تناقضه. إخوتاه معظم الأحكام المتعلقة بالفروع التي تتناول الجوانب العملية تجدها من هذا الباب، يتسع للناس فيها مجال الاجتهاد، والشارع قد جعل مقصد الشريعة الأساسي تحقيق مصالح العباد ودفع المفاسد عنهم، وآذن برفع الحرج عنهم والعمل على التيسير دون التعسير. ما دام الأمر كذلك فلا يليق بأحدٍ أن ينسب مخالفيه في الرأي إلى الكفر والفسق والبدعة، بل يلتمس لهم العذر، ويجعل حبل الود موصولاً وإن اختلفت آراؤهم. إخوتاه القاعدة والأصل الثاني في باب "آداب الخلاف" أن ندرك جميعاً أن (٢) الأخوة الإيمانية ووحدة الصف ونبذ الفرقة من أهم الواجبات على كل مسلم ، وعلى ذلك فينبغي الحفاظ على صرح الأخوة، ونبذ كل ما يسيء إليها أو يضعف من عراها.

стр. 107

علينا أن نتعامل مع الأمر على أنه قربة من القربات وعبادة كلفنا الله بها، فإننا بتلك الأخوة نقوى على التصدي لكل العقبات التي لا ترضى الله ورسوله. ينبغي أن ننتبه إلى أن التفريط في الأخوة الإيمانية أو المساس بها لمجرد الاختلاف في الرأي لا يجوز لمسلم أن يفعله، أو أن يسقط في شراكه، خاصة في هذه الظروف الصعبة التي تداعت فيها الأمم على أمتنا الإسلامية، تريد أن تطفئ جذوة الإيمان التي تتقد في قلوب المؤمنين، إن هذه الجموع المتكالبة لحرب الدين تريد استئصال شأفة المسلمين، تريد أن تبيد هذه البذرة الطيبة التي بدأت تشق طريقها مع وجود من ينهال عليها ويحاول اجترارها واجتثاثها. إخوتاه إن الأخوة في الله ووحدة القلوب لمن أولى الفروض وأعلى الواجبات، إنها شقيقة التوحيد وقرينته، والواجبات مراتب بعضها آكد من بعض، وكذلك شأن المنهيات، فزنا الفرج أكبر من زنا العين وهكذا وإن كان الجميع منهياً عنه، وهكذا شأن النيل من الأخوة يأتي في صدارة المنهيات لما فيه من إتلاف وإفساد لذات البين، وتفريق لوحدة المسلمين. كان سلفنا الصالح يتركون الفاضل أحياناً، ويعملون بالمفضول حفاظاً على الائتلاف ومخافة الوقوع في الخلاف. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " المسلمون متفقون على جواز صلاة بعضهم خلف بعض، كما كان الصحابة والتابعون ومن بعدهم إلى الأئمة الأربعة يصلون بعضهم خلف بعض (١)، ومن أنكر ذلك مبتدع ضال مخالف للكتاب والسنة

стр. 108

بإجماع المسلمين. (١) لقد كان في الصحابة والتابعين ومن بعدهم من يقرأ بالبسملة، ومنهم من لا يقرأ بها، ومع هذا فقد كان بعضهم يصلى خلف بعض، مثل ما كان أبو حنيفة وأصحابه يصنعون، والشافعي يصلى خلف أئمة بالمدينة من المالكية، وإن كانوا لا يقرءون بالبسملة لا سراً ولا جهراً، هذا كله وارد وصحيح. يقول شيخ الإسلام: وصلى أبو يوسف (صاحب الإمام أبى حنيفة) خلف الرشيد وقد احتجم (الحجامة خروج الدم بطريقة معينة) وقد أفتاه مالك بعدم الوضوء، فصلى خلفه أبو يوسف ولم يُعد، هذا مع أن صلاة الرشيد بهذه الكيفية باطلة، لأنَّه انتقض وضوءه بالحجامة. وكان الإمام أحمد يرى الوضوء من الحجامة والرعاف (نزيف الأنف) فقيل له: إنْ كان إمامى قد خرج منه الدم ولم يتوضأ أصلي خلفه؟ فقال الإمام أحمد: كيف لا تصلى خلف سعيد بن المسيب ومالك، يريد ﵀ أنَّ سعيد بن المسيب ومالكاً ـ رحمهما الله ـ يريان أن الوضوء لا ينتقض بالرعاف. إخوتاه أين نحن من هؤلاء؟ انظر إلى الأدب في احترام قول المعارض بل وتوقير صاحبه، فهذا الذي يقال بيننا من طرح قول المخالف كائناً من كان لا ينبغي أن نردده دون وعي، فالخلاف العقدي شيء، والخلاف في الفروع والمسائل الفقهية شيء آخر. اختلاف في الفروع لا مانع مطلقاً دون أن يفسد المودة والمحبة والأخوة الإيمانية. أما قضايا العقيدة التي لا تحتمل التأويل فشيء أخر، فلا ينبغي أن نفهم أن قبول الآخر يعنى التمييع وعدم وجود للهوية، وينبغي أن ندرك من هذا الآخر الذي نقبل قوله،

стр. 109

وفي أي شيء يُقبل، فإنَّ مجابهتنا لأعداء الأمة لا يدفعنا إلى أن نضع أيدينا في أيدي الذين لم يصيبوا من الإسلام إلا اسمه بدعوى الحرص على الأخوة فليتدبر ذلك. الأصل الثالث في قضية "آداب الخلاف" (٣) معرفة أسباب الخلاف الفقهي . وقد صنف العلماء في بيان ذلك الرسائل الماتعة، ومن أبرز هذه الرسائل ما سطرته يد شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالته الرائعة "رفع الملام عن الأئمة الأعلام"، وأنا أوصى الأخوة باقتناء هذه الرسالة وتدبرها جيداً، وهي مع صغرها عظيمة الإفادة. فتعرف من خلالها أن أهل العلم قد يختلفون لأسباب عدة: بداية من معرفة الدليل أو ثبوته عندهم أو الاختلاف في تأويله أو وجود المعارض أو اختلافهم في الجمع بين الأدلة أو .. أو .. الخ. فينقدح في ذهنك أنَّ الأمر رحب واسع، وليس كما يتصوره بعضنا حين ينال من العلم شبراً، وستقول يوماً وأنت تعض أصابع الندم " أُكِلْتُ يوم أُكِل الثور الأبيض " الأصل الرابع: (٤) الإلمام بفقه الواقع . فإنَّ معرفة المخاطر الهائلة والتحديات الخطيرة التي تواجه الأمة في عصرنا الحالي، يبعث هذا على ضرورة التكاتف ونبذ الخلاف، ولا يكون ذلك إلا من خلال السلوك الأخلاقي والتأدب بآداب الإسلام في اختلافاتنا، فإنَّ هؤلاء لا يريدون أن يبقوا للإسلام قائمة، لا يتركون أسود ولا أبيض فالجميع سيؤكل إن آجلاً أو عاجلاً. لذلك فإنَّ إثارة الاختلافات بين المسلمين وتنمية الخصومات في مثل هذا الزمان يُعد خيانة عظمى للأمة بأسرها، بل علينا أن نحض القوم على التأدب بآداب الخلاف، فيلتمس للمخالف الأعذار، ويتسع الصدر لاختلاف وجهات النظر، ولا تنخلع من القلوب المودة والمحبة المشتركة من خلال نسيج الأخوة الإيمانية.

стр. 110

الأصل الخامس (٥) التقوى قبل أي شيء وبعده لا بد أن يتعلم الجميع أنَّه لا مناص من الالتزام بتقوى الله في السر والعلن، وأن يبتغى وجه الله في حالتي الوفاق والخلاف. إخوتاه إياكم والهوى .. إياكم ونزغات الشيطان فإنَّه يقعد لكم بكل طريق، يريد أن يصدكم عن دينكم ويلبس عليكم أمر رشدكم، بحسبكم ما لقيت الأمة وعانت على مدار هذه القرون من الذل والمهانة، آن الأوان لتعود الأمة إلى وضعها الطبيعي، آن الأوان أن تسير الأمة بنور الكتاب والسنة. إخوتاه أمَا تشتاقون إلى نصرة دين الله على أيديكم، أما ترجون أن يمكن الله لكم في الأرض، فاللهم مكن لدينك في الأرض يا رب، إذا صدقنا النية مع الله، واتخذنا من السبل ما هو كفيل لقيادة الركب لبر الأمان فعسى أن ننال ذلك بعد أن طال ليل التيه والضلال. إخوتاه سلوا الله أن يسدد خطانا، لا يبخلن الصالحون منكم بالدعاء للعصبة المؤمنة بالسداد والتوفيق، نسأل الله أن يهدى المسلمين، وأن يؤلف بين قلوبهم، وأن يصرف عنهم نزغات الشياطين.
следующие страницы →