← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 98137

منطلقات طالب العلم

محمد حسين يعقوب

Полный текст (335 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

منطلقات طالب العلم جمع وترتيب فضيلة الشيخ/ محمد حسين يعقوب

стр. 2

منطلقات طالب العلم

стр. 3

الطبعة الأولى ١٤٢٠ هـ - ٢٠٠٠ م الطبعة الثانية ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٢ م كتابا قد حوى دررا ... بعين الحسن ملحوظة لهذا قلت تنبيها ... حقوق الطبع محفوظة للمؤلف

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الطبعة الثانية الحمدُ لله الذي بنعمتِه تتم الصالحاتُ، بيدِه الخيرُ وهو على كل شيءٍ قديرٌ، والصلاةُ والسلامُ على معلِّمِ الناسِ الخيرَ، البشيرِ النذيرِ الهادي بإذنِ ربه إلى سواءِ السبيلِ. وبعد ... فهذه هي الطبعةُ الثانية من كتاب: "منطلقات طالب العلم"، أحمد الله الكريمَ أن يسَّرَ بمنِّهِ وفضلِهِ وجُودِهِ وكرمِهِ إخراجَهَا. وتأتيك أخي طالبَ العلم -أخي المتفقه- هذه الطبعةُ بها زياداتٌ مهمةٌ واستدراكاتٌ طيبةٌ، والأهمُّ من ذلك تأتيكَ هذه الطبعة موشَّحَةً بمقدماتٍ للمشايخِ والعلماءِ الأئمةِ الدعاةِ، وقد حرصتُ أشدَّ الحرصِ على أن يكتبَ المشايخُ هذه المقدماتِ لا لأزينَ بها الكتابَ فحسب، بل حرصتُ -والله يعلم مدى حرصي هذا- أن يقرأَ المشايخُ الكتابَ، ويكون تقديمهم نقدًا ونصحًا وتصويبًا، أعلمت كلًّا منهم بهذا وأوضحتُه، بل وأصررتُ عليه، لم أُرِدْهَا منهم مقدماتٍ تقليديَّةً، بل وأوضحتُ

стр. 5

مواضعَ الخلافِ الموجودة في الكتاب، لكي يُولُوها عنايتهم، فجاءت هذه المقدماتُ توثيقًا للكتاب وللمنهج، ولله الحمد والمنة أولًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا، وشكر الله لمشايخنا أن شرَّفوني بكتابة هذه المقدمات. ثم إن هذا الكتاب يأتيكَ في ثوبٍ جديد أُولي عنايةً خاصةً في الصَّفِّ والتنضيدِ والضبطِ، وقد تَّم ضبطُ أواخرِ الكلماتِ، وضبط الكلماتِ المشكلةِ جميعها، والحمد لله، ولذلك فإني أتوجَّهُ بخالصِ الشكرِ والتقدير والثناء والدعاء: أولًا: لمشايخنا الذين أكرموني وشرفوني بمطالعةِ الكتابِ وكتابةِ المقدماتِ. ثانيًا: لكلِّ مَنْ تعبَ وعانى في مراجعةِ بروفاتِ الكتابِ ومتابعتِهِ، حتى ظهرَ بهذه الصورةِ المشرفةِ التي تراهُ عليهَا. وهناك جنود مجهولونَ كثير خلف هذا العملِ، لا تَعْلمهم الله يَعْلمهم، أسأل الله أنْ يُثِيبهُمْ، ولعلَّ عدمَ ذكرهمْ أحرى لإخلاصهِمْ، وعندَ الله جزاؤهُمْ.

стр. 6

وأخيرًا ... أخي الحبيب؛ دونكَ الكتابُ، بذلتُ فيه قُصَارى جهدي وغايةَ طاقتي لأستوعبَ فيه النصحَ لك، فخذه هنيئًا مريئًا، سائلًا مولاي -وهو البر الرحيم- أن يجعلني أولَ المنتفعينَ به، وينفعك بالعملِ بما فيه، ولا أعدم منك دعوةً صالحةَ بظهرِ الغيبِ ونصيحةً صادقةً إن لزم النصحُ وكلِّي سعادة بالقبولِ منكَ. أسأل الله العلي القدير، وهو بالإجابة جدير، أن يجعل عَمَلنا كلَّه صالحًا وأن يجعلَهُ لوجهِهِ خالصًا، وألَّا يجعل فيه لأحد غيره شيئًا إنه ولي ذلكَ والقادرُ عليه، وأن يَنْفعنا بأعمالنا هذه يومَ نلقاهُ، ويجعلها مما يثقلُ موازينَ الحسناتِ. والحمد لله ربِّ العالمينَ، وصلى الله وسلم وباركَ على النبي محمدٍ وآله وصحبِهِ أجمعينَ. وكتبه محمد حسين يعقوب السابع من شوال ١٤٢٢ هـ ٢٢/ ١٢/ ٢٠٠١ م

стр. 7

مقدمات السادة المشايخ فضيلة الشيخ/ محمد صفوت نور الدين فضيلة الشيخ/ محمد أحمد إسماعيل المقدم فضيلة الشيخ/ أبي إسحاق الحويني فضيلة الشيخ/ محمد بن حسان فضيلة الشيخ/ أحمد فريد فضيلة الشيخ/ ياسر برهامي فضيلة الشيخ/ عادل بن يوسف العزازي

стр. 8

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة فضيلة الشيخ / محمد صفوت نور الدين الحمد لله الذي علم الإنسان ما لم يعلم، والذي يفتح للناس أبواب العلم والحكمة والفهم، ويصرف عنهم أبواب الشبهات التي هي شراك الشيطان وشباكه. والصلاة والسلام على خير خلقه الذي بعث للناس معلمًا، فكان العلم في القرآن الذي نزل عليه، والسلوك والعمل الذي عمل به، والسمت والهيئة التي كان عليها ﷺ ، فكان العلم والإيمان قرينين، وكانت الخشية هي الثمر المستطاب للعلم النافع الصحيح، قال تعالى: " إنَّما يخشى الله من عباده العلماء " [فاطر/٢٨]. ورضي الله عن الصحابة الكرام الذين ورثوا العلم من النبي ﷺ ، فكانوا للناس أمنًا وأمانًا، كما قال ﷺ : " وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى على أمتي ما يوعدون " وقال ﷺ مبينًا صفة الفرقة الناجية ـ: ما أنا عليه وأصحابي ". (١)

стр. 9

وفي حديث البخاري ومسلم يقول ﷺ : " من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم، والله يعطي، ولا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك ". " والفقه ": الفهم في العلم، " والله يعطي " يعني فهمًا في العلم الذي قسمه النبي ﷺ ، " وظاهرين على الحق " يعني عارفين للعلم عاملين به، مستقيمين عليه، فلا بقاء للأمة إلا بالعلم، فإذا ضاع العلم ضاعت الأمة، كما روى البخاري ومسلم من حديث ابن عمرو أن النبي ﷺ قال: " إنَّ الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رءوسا جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا " (١) ولقد صنَّف العلامة الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد كتاب " حلية طالب العلم " جمع فيه الوصايا الطيبة والمنهج الرصين لطالب العلم ليسير عليه، وكتب كثير من شيوخ العلم الكتب الضافية في ذلك، ومع ذلك لا يزال المسلم في حاجة إلى وصايا في طلب العلم، فترى القوم بين مستفت على ترتيب الطلب، وسائلٍ عن رؤوس العلم ومهامه، وسائل عن طرق تحصيل العلم وسبل تيسيره، وسائلٍ عن علاج عيوب الفهم وعن اجتناب النسيان. فجاء هذا الكتاب الطيب الذي نقدم له - نفع الله به - جامعا لشتات هذه المسائل.

стр. 10

وأحب أن ألفت النظر في هذا المقام إلى أنَّ شيوخنا السابقين من المؤسسين لدعوة السنة في مصر قاموا في مطلع القرن السابق ووسطه، فوجدوا من حولهم نار البدعة ودخن المعاصي قد أصابت الناس، فصار الدين غريبًا بين أهله في نصه ومنطقه، وفي عمله وتمثيله، وفي هيئته وسمته، فقاموا ـ كالذي يطفئ حريقًا ـ يتتبعون اللهب ثمَّ أثر الدخان حتى خمد الحريق، فظن كثير ممن عاصرهم وسار سيرتهم أن هذا هو طريق العلم الذي ربى شيوخنا عليه طلبتهم، والذي يريدونه من تلامذتهم، وأنَّ من خالف ذلك فقد خالف الشيوخ المعلمين، وهذا فهم غير صحيح؛ فإنَّ شيوخ السنة إنما يقربون العلم لأهل عصرهم بحسب حاجتهم إليه، ويراعون حال الناس فيعطونهم ما يحتاجون إليه، ولا يقدمون على التوحيد شيئًا، ولا يأخذون علوم الشرع من غير طريق الأئمة قبلهم، حيث فهم السلف للقرآن والسنة وهجران البدعة. واليوم وقد أثمر الله ثمارًا جليلة من وراء جهاد الشيوخ قبلنا وجب علينا الرجوع إلى المنهجية في العلم، وأن نجعل منطلقاتنا في ذلك منهج سلف الأمة في العلم والعمل، فالله نسأل أن يوفق المسلمين لتعلم دينهم ونشره في الناس في كافة أرجاء الأرض، وإنَّ ذلك يبدأ ـ ولابد ـ من المسلمين خاصة في البلاد الناطقة بلغة القرآن. وبعد فهذا الأخ الفاضل الشيخ / محمد حسين يعقوب ـ الذي جعل الله لكلماته القبول في الناس في مواعظه وأشرطته ـ يكتب كتابًا سماه (منطلقات طالب العلم) فصَّل فيه حول الإخلاص وصدق النية

стр. 11

ثمَّ علو الهمة في الطلب والتغلب على شتى الهموم، ثمَّ ماذا نتعلم؟ ثمَّ أفرد فصلاً لتزكية النفوس، وأوصى بالسلفية وفهم السلف، وبيَّن التقليد ومعناه وحكمه، ثمَّ مصدر العلم وطرق التلقي، فقسَّم كتابه إلى منطلقات عشرة، سهلة المنال، عذبة المقال، فنوصي أحبابنا بالتدبر في القراءة، والكتاب ليس لينتهي إليه القارئ بل لينطلق منه لطلب العلم والسعي لجمعه. والله من وراء القصد وكتبه محمد صفوت نور الدين

стр. 12

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إنَّ الحمد لله نحمده تعالى، ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ـ أما بعد ـ إخوتاه .. تجري دموع العين وفي الحشا زفرات حزن تلتطم، ويكتم المرء وجدا في جوانحه وكيف يُكتم ما ليس ينكتم، فهل للواجد المكروب من زفراته سكون عزاء أو تأوه ألم؟. فلعمر الله إنَّما نحن في رزء عظيم، وخطب أمره جلل جسيم، رزئنا في جبال كانوا على الأرض النجوم في ليل بهيم، مات ابن باز والألباني وابن عثيمين، عليهم رحمات ربنا الرحيم، وتقلب بصرك فلا تجد من يُدعى لخَطب أو يقال: عالمٌ كريم!! فمن ساعتها فتكت بأنفسنا الهموم، فما في هذه الدنيا مكان يُسَرُّ بأهله الجارُ المقيم، وسرطان الجهل في الأمة يسري فما تدري أعرضٌ حادث أم داء قديم، فلك الله يا أمة محمد عليه أفضل صلاة وأزكى تسليم. فمن لنا غيرك يا ربنا، لا ملجأ منك إلا إليك فارحمنا.

стр. 13

كانوا بحور العلم فيا لحيرة العطشان في وقت الهجير!! كانوا على ثغور فيا لذلة المظلوم وهو معدوم النصير!! كانوا منارات فيا لحيرة الشيخ الأصم وحسرة الحدث الضرير!! كانوا مزن الرحمة فيا لفجأة المكروه في اليوم العبوس القمطرير!! اللهم إليك نشكو ضعف قوتنا وقلة حيلتنا وهواننا على النَّاس يا أرحم ... الراحمين!! إلى من تكلنا؟! إلى عدو يتجهمنا أم إلى قريب ملكته أمرنا؟! إن لم يكن بك سخطٌ علينا فلا نبالي، غير أن عافيتك أوسع لنا، نعوذ بنور وجهك الكريم الذي أضاءت له السموات والأرض، وأشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا ... والآخرة أن يحل علينا غضبك، أو ينزل علينا سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك. إخوتاه .. قال الله تعالى: " إنَّما يخشى الله من عباده العلماء " [فاطر/٢٨] وقال تعالى: " يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات " [المجادلة /١١] قال الله تعالى: " قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون " [الزمر/٩] فالعلماء هم أكثر الناس خشية لله تعالى، فالعلم عبادة القلب إذا ابتغي به وجه الله تعالى، فتعلمه لله قربة، ومدراسته ذكر، والبحث

стр. 14

عنه جهاد، وتعليمه صدقة؛ لأنَّه معالم الحلال والحرام، وبيان سبيل الجنة، والمؤنس في الوحشة، والمحدث في الخلوة، والجليس في الوحدة، والصاحب في الغربة، والدليل على السراء، والمعين على الضراء، والزين عند الإخلاء، والسلاح على الأعداء. وبالعلم يبلغ العبد منازل الأخيار في الدرجات العلى، ومجالسة الأصفياء في الدنيا، ومرافقة الأبرار في الآخرة. وبالعلم توصل الأرحام، وتفصل الأحكام، وبه يعرف الحلال والحرام. وبالعلم يعرف الله ويوحد، وبالعلم يطاع الله ويعبد. فخير الدنيا والآخرة مع العلم، وشر الدنيا والآخرة مع الجهل. إخوتاه .. وإذا كان هذا شأن العلم، فإنَّ القلب ليتفطر كمدًا ويقطر حسرة على عمر الدعوة الذي لم يثمر إلا أعدادًا ضئيلة تنحصر على أصابع اليدين من طلبة العلم المجتهدين، وليس ثمَّ زمان أحرى من هذا الزمان لنعيد فتح " قضية التعلم " التي باتت من أكثر المزالق التي تزل فيها الأقدام، فقد غابت " المنهجية " ... و" كثرت الدعاوى " و" انتشرت الآراء الباطلة " وتلك علامة الساعة؛ فشرطها أنْ يزداد الجهل، ويقل العلم. ومما زاد الطين بلة أن كثيرا من حملة العلم إلا من رحم الله لم

стр. 15

يصونوا العلم وندر العمل به ففقدوا سيما أهل العلم والصلاح وفقدت الأمة الرجل القدوة، الذي يقود الأمة بعلمه وعمله، بهديه وسمته وسلوكه، وأقواله وأفعاله. قال الفضيل: لو أن أهل العلم أكرموا أنفسهم، وأعزوا هذا العلم وصانوه، وأنزلوه حيث أنزله الله إذًا لخضعت لهم رقاب الجبابرة، وانقاد لهم الناس، وكانوا لهم تبعًا، ولكنهم أذلوا أنفسهم، وبذلوا علمهم لأبناء الدنيا، فهانوا وذلوا، فإنَّا لله وإنا إليه راجعون فأعظم بها من مصيبة!! عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : " إنَّ من أشراط الساعة أن يرفع العلم، ويثبت الجهل، ويشرب الخمر، ويظهر الزنا " (١) ولقد كثر سواد علماء السوء، ووسد الأمر إلى غير أهله، فهان العلم، وازدادت الفتن، وتوالت المحن. قال ﷺ : " سَيَاتِي عَلَى النَّاسِ سَنَوَاتٌ خَدَّاعَاتٌ، يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ، وَيْؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ، وَيَخُونُ فِيهَا الأَمِينُ، وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ. قِيلَ: وَمَا الرَّوَيْبِضَةُ؟!! قَالَ: الرَّجُلُ التَّافِهُ يَتكلَّم فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ. (٢) قال الثوري: كان يقال العالم الفاجر فتنة لكل مفتون.

стр. 16

إخوتاه .. وليت البلاء وقف عند حد علماء السوء إذاً لقلنا: لهم الجهابذة يذبون عن شرع الله تعالى، ولكنَّ البلية بليتان، فقد عاد أهل الصلاح والإيمان، من الندرة بمكان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : " إنَّ الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رءوسا جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا " (١) وفي خلال السنتين الماضيتين فقدت الأمة من خيرة علمائها ما لم تفقده طوال عقود ماضية، ولم تعدْ تبصر من الأكابر إلا النادر القليل، وعاد الأمر برمته بأيدي الأصاغر، وتلك من علامات الساعة. عن أبي أمية الجمحي قال: قال رسول الله ﷺ : " إنَّ من أشراط الساعة أن يلتمس العلم عند الأصاغر " (٢) مات الأكابر: سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ وفضيلة العلامة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، ناهيك عن فحول

стр. 17

أعلام كفضيلة الشيخ عطية سالم، وفضيلة الشيخ جاد الحق شيخ الأزهر، وفضيلة الشيخ سيد سابق، وفضيلة الشيخ ابن غضون، وفضيلة الشيخ منَّاع القطان، وفضيلة الشيخ مصطفى الزرقا، وفضيلة الشيخ حماد الأنصاري، وفضيلة الشيخ محمد أمان الجامي، وفضيلة الشيخ عمر فلاتة، وفضيلة الشيخ على الطنطاوي وغيرهم، ولم نلبث كثيرًا حتى رزئت الأمة في العَلم الهمام فضيلة الشيخ ابن عثيمين عليه رحمات الرحمن، فاليوم تقلب بصرك فلا تجد من يقوم على ثغرات كان يسدها هؤلاء الرجال الجبال، فموت العالم ثلمة في الإسلام لا يسدها شيء ما اختلف الليل والنهار. قال أيوب: إني لأخبر بموت الرجل من أهل السنة فكأنِّي أفقد بعض أعضائي. فاللهم إليك المشتكي. تعلَّم ما الرزية فقد مال ... ولا شاة تموت ولا بعير ولكن الرزية فقد حر ... يموت بفقده بشر كثير إخوتاه .. يوم مات الشيخ الألباني قلت: إنَّ القلق على مستقبل الأمة أعظم من حزننا على موت علمائنا، فالمصاب الجلل أن تلتفت فلا تجد من يسد الثغرة التي كان عليها هؤلاء الفحول، وأنْ يصير جل عملنا النواح ونترك العمل الإيجابي الجاد.

стр. 18

ولذلك طرحت يومها " ورقة عمل " من ست نقاط: أولا: وجود منهج سلفي فعلي متكامل لطلبة العلم، منهج واقعي ذي مراحل وفق طريقة سلفنا الصالح، منهج محدد واضح يعرفه كل أحد، ويتقيد به. ثانيًا: أن يعكف فريق من الدعاة وطلبة العلم المجتهدين على شرح هذا المنهج على أشرطة وأسطوانات وكتب، وتباع بسعر التكلفة، وتتولى رعاية ذلك الجمعيات الرسمية؛ لبث وتدريس هذا المنهج. ثالثًا: تجييش الأمة بكل فئاتها وطبقاتها لطلب العلم. رابعًا: تجريد الإخلاص في طلب العلم. خامسًا: الشمولية قبل التخصص؛ كي لا تفرز الأمة أنصاف متعلمين، ليس لهم من العلم إلا شذرًا من هنا وهناك، أو متخصصًا لا يدري شيئًا عمَّا لم يتخصص فيه. سادسًا: عدم التعصب للآراء والمذاهب والمشايخ. (١) وإذا كان ذلك على وجه الإجمال، فلعلي في هذه الرسالة ـ أسأل الله أن يكتب الله لها القبول ـ أعيد ما أجملت ثمَّ بمزيد بيان، والله المستعان.

стр. 19

إخوتاه .. إنني أحاول من خلال هذه الرسالة أنْ أنبهكم لخطورة " قضية التعلم " فقد بات نوع من الفصام العجيب بين العلم والعمل، ولم تعدْ تألف وجود العالم العامل، كما كان الأمر من قبل، فقد غيبت المفاهيم، وانطلقت شعارات كـ " العلم للعلم " و" العلم المدني والعلم الشرعي " ونحو ذلك مما يدندن به أعداء هذه الأمة لسلب هويتها، بمسخ أصولها وقواعدها الركينة، فالعلم والعمل عندنا وجهان لعملة واحدة، لا فصام بينهما البتة، فالعلم عندنا ليس ترفًا معرفيًا، ولا تطلعًا فلسفيًا، ولا ينفصل عن عقيدة التوحيد قيد أنملة، بل العلم وسيلة للقرب من الله تعالى وتحقيق خشيته في القلوب، ولا علم دون عمل يثمره، ولا عمل دون علم يبصره. قال الحسن: رأيت أقواما من أصحاب رسول الله يقولون: " من عمل بغير علم كان ما يفسده أكثر مما يصلحه، والعامل بغير علم كالسائر على غير طريق، فاطلبوا العلم طلبا لا يضر بالعبادة، واطلبوا العبادة طلبا لا يضر بالعلم. وكان الرجل يطلب العلم فيهم حتى لا يلبث أن يُرى ذلك في تخشعه وزهده ولسانه وبصره (١)

стр. 20

وقال الخطيب البغدادي: لا تأنس بالعمل ما دمت مستوحشا من العلم، ولا تأنس بالعلم ما كنت مقصرا في العمل، ولكن اجمع بينهما وإن قل نصيبك منهما. (١) ـ وبعدُ ـ فإنَّ العلم الذي هو أول ما يعقد عليه الخنصر في الدين واليقين، ليفسده اضطراب التلقي؛ لذلك كانت هذه الوصايا لطالب العلم، نناقش من خلالها " قضية التعلم " في وقتنا الراهن، ونوضح السبل القويمة لتحصيله، وذلك من خلال منطلقات عشرة، هي بمثابة الركائز والأصول التي ينبني عليها صرح العلم الشامخ، ... وأرجو من الله العلي القدير أن تكون منارات على الطريق تهدى الشداة السائرين. وقد استقيتها من نهج سلفنا الأوائل في التلقي، وأردت بذلك أن أمدَّ يد العون لطلبة العلم كي يستضيئوا بها في دربهم، فإنَّ آمال الأمة معقودة على هذا الجيل كي ينتج لنا من العلماء والفقهاء ما يعوضنا خيرًا مما افتقدنا، فإنَّ قبض العلماء نذير الساعة، والساعة أدهى وأمر، والساعة لا تقوم إلا على أراذل النَّاس، نعوذ بالله أنْ نكون منهم.

стр. 21

أيها المتفقه .. وهذا ندائي معك منذ اللحظة، فلتكن كما يُراد منك، وتعال لنجوب معًا في رياض العلم نقتطف منها ما يبلغك سؤلك وسؤل أمتك. وأصدقُ ـ لا تواضعاً بل اعترافاً ـ أنني لم يكن لي أدنى فضل في كتابة أي كلمة من كل ما ستقرأه ـ أخي وحبيبي في الله ـ: وإنَّما أنا فقط أقرأ وأكتب ما قرأتُ، أجمع وأرتب، بعد أن طفت في بساتين الحكماء، وحلقت في آفاق العلماء، وأبحرت في بطون الكتب، فانتقيت لك زهوراً طالما استرعتْ انتباهي فأخذت بلبي. واخترت لك زاداً كان لي غذاءً يوماً، فآثرت وما استأثرت، فكل عملي قطف الزهور، وتعبئة الزاد، والتنسيق بين هذا وذاك، ثم هو لك معين، فخذها هنيئاً مريئاً، ولتحسن نيتك في الأخذ، عساك أن ينفعك بها ربك فيرفعك مقامًا عليًا، ولا أعدم منك دعوة صالحة بظهر الغيب تكون نعم المعين.

стр. 22

والله المستعان وعليه التكلان، هو حسبنا ونعم الوكيل، لا إله إلا هو نعم المولى ونعم النصير. وصلِّ اللَّهمَّ عَلى مُحَمدٍ، وعَلى أَهْلِ بَيْتِهِ، وعَلى أَزْواجِهِ وذُرِّيَّتِه، كما صلَّيْتَ عَلى آلِ إِبْراهِيمَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وبَاركْ عَلى مُحَمدٍ، وعَلى آلِ مُحَمدٍ، وعَلى أَزْوَاجِهِ وذُرِّيته، كما بَارَكْتَ عَلى آلِ إبراهيمَ، إِنَّكَ حَميدٌ مَجِيدٌ. وكتب محمد بن حسين آل يعقوب غفر الله له ولوالديه والمسلمين والمسلمات وكان ختامه في ليلة الحادي والعشرين من شهر شوال ١٤٢١ هـ والحمد لله رب العالمين أولًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين ***

стр. 23

فضل العلم وبيان أهميته اعلم ـ أخي المتفقه وفقني الله وإياك ـ: أن العلم أشرف ما رغب فيه الراغب، وأفضل ما طلب وجدَّ فيه الطالب، وأنفع ما كسبه واقتناه الكاسب. قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ لكميل: " احفظ ما أقول لك: الناس ثلاثة، فعالم رباني، وعالم متعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجأوا إلى ركن وثيق، العلم خير من المال، يحرسك وأنت تحرس المال، العلم يزكو على العمل، والمال ينقصه النفقة، ومحبة العالم دين يدان بها باكتساب الطاعة في حياته، وجميل الأحدوثة بعد موته وصنيعه، وصنيعة المال تزول بزوال صاحبه، مات خزان الأموال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة ". فللعلم مقام عظيم في شريعتنا الغراء، فأهل العلم هم ورثة الأنبياء، وفضل العالم على العابد كما بين السماء والأرض. فعن قيس بن كثير قال: قدم رجل من المدينة على أبي الدرداء وهو بدمشق فقال ما أقدمك يا أخي؟ فقال: حديث بلغني أنك تحدثه عن رسول الله ﷺ . قال: أما جئت لحاجة؟! قال: لا.

стр. 24

قال: أما قدمت لتجارة؟! قال: لا. قال: ما جئت إلا في طلب هذا الحديث. قال: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من سلك طريقا يبتغي فيه علما سلك الله به طريقا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضاء لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض، حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، إن العلماء ورثة الأنبياء، إنَّ الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، إنما ورثوا العلم فمن أخذ به أخذ بحظ وافر " (١) والعلماء هم أمناء الله على خلقه، وهذا شرف للعلماء عظيم، ومحل لهم في الدين ... خطير؛ لحفظهم الشريعة من تحريف المبطلين، وتأويل الجاهلين، والرجوع والتعويل في أمر الدين عليهم، فقد أوجب الحق سبحانه سؤالهم عند الجهل. قال تعالى: " فاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ " [النحل/ ٤٣] وهم أطباء الناس على الحقيقة، إذ مرض القلوب أكثر من الأبدان، فالجهل داء، وكما قال رسول الله ﷺ : " فإنما شفاء العي السؤال " (٢)

стр. 25

ومرضى القلوب لا يعرفون مرضهم، كما أن من ظهر على وجهه برص ولا مرآة له لا يعرف برصه ما لم يعرفه غيره، والدنيا دار مرض؛ فكما أنَّه ليس في بطن الأرض إلا ميت، فكذلك ليس على ظهرها إلا سقيم، والأسقام تتفاوت وتتنوع، والعلم هو ترياقهم فتدبر. قال ﷺ : " تداووا فإِنَّ الله تعالى لم يضع داءً إلا وضع له دواءً غير داءٍ واحدٍ: الهرم" (١) أيها المتفقه .. إنَّ القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة تفيض بالحث على طلب العلم وبيان أهميته وخطورته فمن ذلك: ١) قال الله تعالى: " شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائمًا بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم " [آل عمران / ١٨] فأهل العلم هم الثقات العدول الذين استشهد الله بهم على أعظم مشهود، وهو توحيده جل وعلا، وهذا هو العلم الحقيقي، العلم بالله تعالى وأسمائه وصفاته، وموجب ذلك ومقتضاه من الإيمان برسله وكتبه والإيمان بالغيب حتى كأنه مشاهد محسوس.

стр. 26

فهذه المزية الكبرى للعلم وأهله، أنَّه يدل على صراط الله المستقيم، أنَّه الوسيلة العظمى للقرب من الله تعالى، وموجب لإحاطة محبته بالقلب، فمتى عرفت الله اجتمع قلبك على محبته وحده جل وعلا؛ لأنَّ له وحده الأسماء الحسنى والصفات العلا. فهذا هو العلم وهذه هي ثمرته. رزقنا الله وإياك الشجرة والثمرة إنه جواد ... كريم ٢) وقد بوَّب الإمام البخارى بابًا فقال: " باب العلم قبل القول والعمل"؛ ... لقوله تعالى: " فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك " [محمد/١٩] سئل سفيان بن عيينة عن فضل العلم فقال: ألم تسمع قوله حين بدأ به " فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك " [محمد/١٩] فأمر بالعمل بعد العلم. فالعلم مقدم على القول والعمل، فلا عمل دون علم، وأول ما ينبغي تعلمه ... " التوحيد " و "علم التربية " أو ما يُسمَّى بعلم " السلوك " فيعرف الله تعالى ويصحح عقيدته، ويعرف نفسه وكيف يهذبها، وأنت تلحظ هذا الارتباط بين العلم بالتوحيد " فاعلم أنَّه لا إله إلا الله " وبين التربية والتزكية التي من ثمارها المراقبة ودوام التوبة " واستغفر لذنبك " ٣) والعلم نور يبصر به المرء حقائق الأمور، وليس البصر بصر العين، ولكن بصر القلوب، " فإنَّها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى

стр. 27

القلوب التي في الصدور " ... [الحج/٤٦]؛ ولذلك جعل الله الناس على قسمين: إمَّا عالم أو أعمى فقال الله تعالى: " أفمن يعلم أنَّما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى " [الرعد/١٩]. ولذلك عبَّر الله تعالى بفعل " رأى " دلالة على العلم في قوله تعالى: " ويرى الذين أوتوا العلم الذي أُنزل إليك من ربك هو الحق " [سبأ /٦] فلم يقل: " ويعلم " وهذا ـ والله أعلم ـ إشارة إلى العلم وأثره في القلوب، التي صارت به تبصر وترى الحق، ولا يلتبس عليها بالباطل. وهذا واضح في حديث رسول الله ﷺ " تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودا عُودا، فَأَيّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ، عَلَى أَبْيَضَ مِثْل الصّفَا، فَلاَ تَضُرّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ، وَالاَخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادا كَالْكُوزِ مُجَخّيا لاَ يَعْرِفُ مَعْرُوفا وَلاَ يُنْكِرُ مُنْكَرا، إِلاّ مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ " (١). ٤) والعلم يورث الخشية قال الله تعالى: " إنَّما يخشى الله من عباده العلماء " [فاطر/٢٨]

стр. 28

وقال تعالى: " إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا " [الإسراء /١٠٧ - ١٠٩] ٥) وقد مدح الله أهل العلم وأثنى عليهم، فجعل كتابه آيات بينات في صدورهم، به تنشرح وتفرح وتسعد. قال الله تعالى: " بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون " [العنكبوت/٤٩] ٦) وقد أمرنا الله تعالى بالاستزادة من العلم وكفى بها من منقبة عظيمة للعلم. قال الله تعالى: " وقل رب زدني علمًا " [طه/ ١١٤] قال القرطبي: فلو كان شيء أشرف من العلم لأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يسأله المزيد منه كما أمر أن يستزيده من العلم. ٧) والعلماء هم ورثة الأنبياء، وهم أهل الذكر، الذين أمر الناس بسؤالهم عن عدم العلم قال الله تعالى: " فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون " [النحل/٤٣] ٨) وأخبر الله عن رفعة درجة أهل العلم والإيمان خاصة. قال تعالى: " يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس

стр. 29

فافسحوا يفسح الله لكم وإذا قيل انشزوا فانشزوا يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات " [المجادلة /١١] ٩) والعلم أفضل الجهاد، إذ من الجهاد جهاد بالحجة والبيان، وهذا جهاد الأئمة من ورثة الأنبياء، وهو أعظم منفعة من الجهاد باليد واللسان، لشدة مؤنته، وكثرة العدو فيه. قال تعالى: " ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرًا فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادًا كبيرًا " [الفرقان / ٥١ - ٥٢] يقول ابن القيم: " فهذا جهاد لهم بالقرآن، وهو أكبر الجهادين، وهو جهاد المنافقين أيضًا، فإن المنافقين لم يكونوا يقاتلون المسلمين، بل كانوا معهم في الظاهر، وربما كانوا يقاتلون عدوهم معهم، ومع هذا فقد قال تعالى: " يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم " ومعلوم أنَّ جهاد المنافقين بالحجة والقرآن. والمقصود أنَّ سبيل الله هي الجهاد وطلب العلم، ودعوة الخلق به إلى الله " (١) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " من جاء مسجدي هذا لم يأته إلا لخير يتعلمه أو يعلمه فهو في منزلة المجاهد في سبيل الله، ومن جاءه لغير ذلك فهو بمنزلة الرجل ينظر إلى متاع غيره " (٢).

стр. 30

١٠) ولم يجعل الله التحاسد إلا في أمرين: بذل المال، وبذل العلم، وهذا لشرف الصنيعين، وحث النَّاس على التنافس في وجوه الخير. عن عبد الله بن مسعود قال: قال النبي ﷺ : " لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالا فسلط على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها " (١) ١١) ولا ينقطع عمل العالم بموته، بخلاف غيره ممن يعيش ويموت، وكأنَّه من سقط المتاع، أمَّا أهل العلم الربانيون الذين ينتفع بعلمهم من بعدهم فهؤلاء يضاعف لهم في الجزاء والأجر شريطة الإخلاص. عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له " (٢) ١٢) وكل ما في الدنيا هالك وإلى زوال، تتنزل عليه اللعنات، والمرحوم من ذلك صنفان من النَّاس: أهل العلم وطلبته، والعابدون الذاكرون الله كثيرًا. عن أبي هريرة أنَّ رسول الله ﷺ قال: " ألا إن الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالم أو متعلم " (٣)

стр. 31

١٣) وبالعلم يعظم أجر المؤمن، ويصحح نيته، فيحسن عمله، وإذا كان النَّاس لا يشغفون بالمال عن العلم، فإنَّ فضل العلم على المال أعظم، وقد فصل لنا الشرع في هذه القضية، فقد قسَّم رسول الله النَّاس على أصناف أربعة، جعل الناجين منهم صنفين، وهما من تلبث بالعلم. فعن أبي كبشة الأنماري أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " ثلاثة أقسم عليهن، وأحدثكم حديثا فاحفظوه. قال: ما نقص مال عبد من صدقة، ولا ظلم عبد مظلمة فصبر عليها إلا زاده الله عزا، ولا فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر أو كلمة نحوها. وأحدثكم حديثا فاحفظوه قال: إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالا وعلما، فهو يتقي فيه ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقا فهذا بأفضل المنازل. وعبد رزقه الله علما، ولم يرزقه مالا، فهو صادق النية يقول: لو أن لي مالا لعملت بعمل فلان فهو بنيته فأجرهما سواء. وعبد رزقه الله مالا، ولم يرزقه علما، فهو يخبط في ماله بغير علم، لا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم لله فيه حقا، فهذا بأخبث المنازل.

стр. 32

وعبد لم يرزقه الله مالا ولا علما، فهو يقول: لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته فوزرهما سواء. (١) والشاهد هنا أنَّ النبي ﷺ جعل العلم الحقيقي هو العلم الذي يبصر المرء بحقائق الأمور، فصاحب المال إذا لم يتحلَ بالعلم فإنَّه سيسيء التصرف فيه، فتجده ينفقه على شهوات نفسه، ولا يعرف شكر هذه النعمة، ولذلك استحق أن يكون بأخبث المنازل، والعياذ بالله. وجعل العالم يعرف قدر المال الحقيقي، فيم ينفق؟ فبعلمه نوى نية صالحة فصار بأعلى المنازل، وإن لم ينفق. ١٤) ومن رزق فقهًا في الدين فذاك الموفق على الحقيقة، فالفقه في الدين من أعظم المنن. عن ابن عباس أنَّ رسول الله ﷺ قال: " من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين " (٢) ١٥) والعلم مقدم على العبادة، فإنَّ فضلا في علم خير من فضل في عبادة، ومن سار في درب العلم سهل عليه طريق الجنة. أخرج البيهقي في سننه عن أمنا عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : " إنَّ الله أوحى إليَّ: أنه من سلك مسلكا في

стр. 33

طلب العلم سهلت له طريق الجنة ومن سلبت كريمتيه أثبته عليهما الجنة وفضل في علم خير من فضل في عبادة وملاك الدين الورع " (١) ١٦) ويكفي صاحب العلم فضلاً أنَّ الله يسخر له كل شيء ليستغفر له ويدعو له فعن أنس بن مالك ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: ... " صاحب العلم يستغفر له كل شيء حتى الحوت في البحر " (٢) ١٧) وطلبة العلم هم وصية رسول الله ﷺ . فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " سيأتيكم أقوام يطلبون العلم، فإذا رأيتموهم فقولوا لهم: مرحبًا بوصية رسول الله وأقنوهم " قلت للحكم: ما أقنوهم؟ قال: علموهم. (٣) ١٨) وأهل العلم الذين يبلغون الناس شرع الله تعالى هم أنضر الناس وجوهًا، وأشرفهم مقامًا، بدعاء رسول الله ﷺ لهم. قال ﷺ : " نضر الله امرأ سمع مقالتي فبلغها، فرب حامل فقه غير فقيه، رب حامل فقه إلى من هو أفقه " (٤)

стр. 34

١٩) ومن شرف العلم وفضله أنَّ الله امتن على أنبيائه ورسله بما آتاهم من العلم، دلالة على عظم المنَّة. فذكر نعمته على نبينا محمد ﷺ فقال الله تعالى: " وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك ... عظيمًا " [النساء/١١٣] ووصف خليله إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام بأنَّه كان أمة، أي جامعًا لصفات الكمال من العلم والعمل. قال تعالى: " إنَّ إبراهيم كان أمة قانتًا لله حنيفًا ولم يك من المشركين شاكرًا لأنعمه " [النحل/ ١٢٠ - ١٢١] وقال جل وعلا عن نبيه يوسف عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: " ولما بلغ أشده آتيناه حكمًا وعلمًا وكذلك نجزي المحسنين " [يوسف / ٢٢] وقال في كليمه موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: " ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكمًا وعلمًا وكذلك نجزي المحسنين " [القصص/١١٤] وقال في حق المسيح عيسى بن مريم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: " يا عيسى بن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل " [المائدة / ١١٠]

стр. 35

٢٠) قال علي بن أبي طالب: ومن شرف العلم وفضله أنَّ كل من نسب إليه فرح بذلك، وإنْ لم يكن من أهله، وكل من دفع عنه ونسب إلى الجهل عزَّ عليه ونال ذلك من نفسه، وإنْ كان جاهلاً. ٢١) ومن فضل العلم أنَّ صاحبَه معتبرٌ قولُه في الشريعة، فهو الناطقُ بالحق في الدنيا ويوم يقوم الأشهاد؛ لأنه أَبصرُ النَّاس بالخير والشر. قال تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [النحل: ٢٧]، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ [القصص: ٨٠]. وهذا في قصة قارون، فالعلماءُ هم أبصرُ الخلقِ بمداخلِ الشرِّ؛ ولذلك كان لزامًا عليهم بيانُ ذلك للنَّاس. قال تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: ٦٣]. ٢٢) ومن فضل العلم: أنَّ صاحبَه يصيرُ بمنزلة الشَّارع من وجهٍ. - قال ﷺ : "تسمعون ويُسمع منكم، ويُسمع مِمَّن يَسمع منكم" (١).

стр. 36

- قال الإمام الشاطبي: "إنَّ العالم شارعٌ، من وجهٍ، لأنَّ ما يبلغه من الشريعة، إمَّا منقول عن صاحبها، وإمَّا مستنبط من المنقول. فالأول: يكون فيه مبلغًا. والثاني: يكون فيه قائمًا مقامَه في إنشاءِ الأحْكَامِ، وإنشاءُ الأَحكامِ إنما هو للشارعِ، فإذا كان للمجتهدِ إنشاءُ الأحْكَامِ بحسب نَظَرِهِ واجتهادهِ، فهو من هذا الوجه شارعٌ، واجبٌ اتِّباعُه والعملُ على وفقِ ما قاله، وهذه هي الخلافة على التحقيق" (١). ٢٣) ومن فضل العلم وأهله: أن عليه مدار النجاة. عن أبي الدرداء ﵁ قال: كنَّا مع النبي ﷺ فشخص بصره إلى السماء ثمَّ قال: "هَذَا أوان يُخْتَلَسُ العلمُ مِنَ الناسِ حَتَّى لَا يَقدِرُوا منه عَلَى شيءٍ". فقال زياد بن لبيد الأنصاريُّ: كيف يختلس منَّا وقد قرأنا القرآن؟ فوالله لنقرأنَّه ولنقرِئنه أبناءنا ونساءنا. فقال رسولُ الله ﷺ : "ثكلتك أمُّكَ زيادُ، إن كنتُ لأعدَّكَ من فقهاءِ أهلِ المدينةِ، هذه التوراةُ والإنجيلُ عند اليهودِ والنصارى فماذا تغنى عنهم؟! (٢).

стр. 37

فذهاب العلم بذهاب العلماء، إذ ذهابهم هو الهلاك الحقيقي للأمم. قال ابن عباس: أتدرون ما ذهاب العلم؟ قالوا: لا. قال: ذهاب العلماء (١). وقال أيضًا-: "لا يزالُ عالمٌ يموتُ، وأثرٌ للحقِّ يَمْرُسُ، حتى يكثرَ أهلُ الجهلِ، وقد ذهب أهلُ العلمِ فيعملون بالجهلِ، ويدينون بغير الحقِّ، ويضلون عن سواءِ السَّبيلِ" (٢). ٢٤) ومن فضل العلم: أنَّه يُحتاج إليه في كل وقت وحين. - قال الإمام أحمد: "الناسُ أحوج إلى العلمِ منهم إلى الطعام والشراب؛ لأنَّ الطعامَ والشرابَ يحتاج إليه في اليوم مرتين أو ثلاثًا، والعلمَ يحتاج إليه في كلِّ وقتٍ" (٣). - فإنَ العلم نور الهداية، وبدونه لا يعلمُ كثيرٌ من الناس كيفية أداء الفرائضِ ولا اجتناب المحارم، ولا يعبدون الله على بصيرةٍ، فلولا العلم لفسد عملُ النَّاسِ، والعلماء في الأرضِ كالنجومِ يهتدى بها في الظلمات، وترجم الشياطين الذي يخلطون الحقَّ بالباطلِ، ويدخلون في الدين ما ليس فيه، وهم زينة الأرض، فإنهم النجوم على الحقيقة.

стр. 38

٢٥) ومن فضل العلم: أنَّه لا يُحَدُّ نفعه. - قال ميمون بن مهران: إنَّ مثل العالمِ في البلد كمثل عين عذبة في البلد (١). - وقال بعضهم: مثل العلماء مثل الماء حيثما سقطوا نفعوا (٢). - وقال الإمام أحمد في وصف الشافعي ﵀: كان كالشمس للدنيا، وكالعافية للنَّاس، فهل لهذين من خلف، أو منهما عوضٌ (٣). فهذا غيض من فيض في هذا الباب، وأنصحك بمطالعة كتاب " مفتاح دار السعادة " فقد عقد ابن القيم فيه فصلاً ماتعًا عن فضل العلم وشرفه، ناهيك عمَّا سطره ابن عبد البر في " جامع بيان العلم وفضله " فاغتنمهما. ماذا نعني بالعلم؟ وكيف يطلب ؟ أيها المتفقه .. حين نقول العلم، فإنما نريد أن تعلم الأمة، كل الأمة، جميع الأمة، صغاراً وكباراً، رجالاً ونساءً، حكاماً ومحكومين، فكل أفراد الأمة على التعيين عليهم

стр. 39

أنْ يعرفوا الله: الله جل وعلا الذي يعبدونه، الله الذي استسلموا له بالإسلام، أن يعرفوا الله. من خلال عقيدة صحيحة صافية سليمة نقية واضحة. وأن يعرفوا رسوله: فيعرفوه معرفة حقيقية؛ ليتبعوه، وليحبوه، وليوالوه، وليقتدوا ويتأسوا به، ولا يتركوا شيئاً من سنته وعمله إلا عملوه. وأن يعرفوا ما تلزم معرفته من أمر الدنيا والدين إذ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وللوسائل حكم المقاصد. قال النبي ﷺ : " طلب العلم فريضة على كل مسلم" ـ وفي رواية " على كل مؤمن " (١)، وتأتى هذه الأهمية بعد قضية الإيمان بالله ، فأول واجب على كل مسلم الإيمان بالله تعالى، ويليه العلم؛ لأنَّك بالتعلم تصحح إيمانك وعقيدتك، وتصحح عملك، فالتعلم هو الوسيلة التي يتمكن بها المكلف من تصحيح إيمانه، ومن تصحيح عمله. والتعلم له طريقان بحسب طاقة الناس: ١) فمن كان قادراً على تلقى العلم من شيوخه بالجلوس عند ركبهم، ودراسة العلوم عليهم، وجب عليه أن يتعلم الحد الواجب من العلوم بهذه الطريقة.

стр. 40

٢) ومن لم يكن قادراً على ذلك فليتعلم بطريقة السؤال؛ يسأل أهل الذكر وأهل العلم عن المسائل الضرورية التي يصحح بها عمله، ويصحح بها إيمانه .. قال الله تعالى: " فاسألوا أهل الذكر إنْ كنتم لا تعلمون " [النحل /٤٣] وقال ﷺ " فإنَّما شفاء العي السؤال " (١) وقد سلك أصحاب رسول الله ﷺ كلا المسلكين، كلٌ على قدر طاقته، وعلى قدر إمكاناته، فالمهاجرون والأنصار الذين كانوا معه في المدينة النبوية المباركة أكثرهم تلقوا العلم من فم رسول الله ﷺ ، ومن لم يسمعه من فمه ﷺ يسمعه عمن سمعه منه ﷺ ،. وكانوا يتناوبون على سماع العلم منه ﷺ . في الصحيحين عن عبد الله بن عباس عن عمر ﵄ قال: كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد وهي من عوالي المدينة، وكنا نتناوب النزول على رسول الله ﷺ ، ينزل يومًا، وأنزل يومًا، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك .. " (٢) وكثير من المسلمين في عهده الذين لم يستطيعوا التعلم بهذه الطريقة تلقوه بطريق السؤال، كانوا يأتون رسول الله ﷺ من كل حدب
следующие страницы →