← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 98137

منطلقات طالب العلم

محمد حسين يعقوب

Полный текст (335 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

طالب العلم والزواج فلابد لطالب العلم من جمع الهمَّ، ومن ذلك ألا يشغل ذهنه بالزواج، لاسيما مع ضيق ذات اليد، فإنَّه يستتبع من شتات الذهن ما يمنعه عن بلوغ القصد، وإلا فلا يُلجأ إليه إلا عند الضرورة، كأنْ يخشى على نفسه الفتنة، فيتزوج من باب أخف الضررين. قال ابن الجوزي: وأختار للمبتدئ في طلب العلم أن يدافع النكاح مهما أمكن، فإن أحمد بن حنبل لم يتزوج حتى تمت له أربعون سنة، وهذا لأجل جمع الهم، فإن غلب عليه الأمر تزوج واجتهد في المدافعة بالفعل؛ لتتوفر القوة على إعادة العلم.، ثم لينظر ما يحفظ من العلم، فإن العمر عزيز، والعلم غزير " (١) يقول صاحب مختصر منهاج القاصدين قال: " ينبغي لطالب العلم قطع العلائق ... الشاغلة، فإن الفكرة متى توزعت قصرت عن إدراك الحقائق.، وقد كان السلف يؤثرون العلم على كل شيء. فروىَ عن الإمام أحمد ﵀ أنه لم يتزوج إلا بعد الأربعين. . وأهديت إلى أبى بكر الأنباري جارية، فلما دخلت عليه تفكر في استخراج مسألة فعزبت عنه، فقال: أخرجوها إلى النخاس، فقالت: هل من ذنب؟ قال: لا، إلا أن قلبي اشتغل بك، وما قدر مثلك أن يمنعني علمي". (٢)

стр. 107

يقول ابن الجوزي: " هيهات أن يجتمع الهم مع التلبس بأمور الدنيا، خصوصًا الشاب الفقير الذي قد أَلِفَ الفقر؛ فإنَّه إذا تزوج وليس له شيء من الدنيا، اهتم بالكسب، أو بالطلب من الناس فتشتت همته، وجاء هـ الأولاد فزاد الأمر عليه، ولا يزال يرخص لنفسه فيما يحصل إلى أن يتلبس بالحرام.، ومن يفكر أنَّه أسير ضرورات لا يجدها فهمته ما يأكل وما يأكله أهله، وما ترضى به الزوجة من النفقة والكسوة، وليس له ذلك، فأي قلب يحضر له؟ وأيُّ هم يجتمع؟ هيهات!! والله لا يجتمع الهم والعين تنظر إلى الناس، والسمع يسمع حديثهم، واللسان يخاطبهم، والقلب متوزع في تحصيل ما لا بد منه .. فإن قال قائل: فكيف أصنع؟! قلت: إن وجدت ما يكفيك من الدنيا، أو معيشة تكفك فاقنع بها، وانفرد في خلوة عن الخلق مهما قدرت، وإن تزوجت فبفقيرة تقنع باليسير، وتصبر أنت على صورتها وفقرها، ولا تترك نفسك تطمح إلى من تحتاج إلى فضل نفقته. فإن رزقت امرأة صالحة جمعت همك فذاك، وإن لم تقدر فمعالجة الصبر أصلح لك من المخاطرة. وإياك والمستحسنات، فإن صاحبنهن إذا سلم كعابد صنم، وإذا حصل بيده شيء فأنفق بعضه، فبحفظ الباقي تحفظ شتات قلبك ..

стр. 108

واحذر كل الحذر من هذا الزمان وأهلِه، فما بقى مواسٍ ولا مؤثر، ولا من يهتم لسد خلة، ولا من لو سئل أعطى، إلا أن يعطى نذراً بتضجر ومنة يستعبد بها المعطى بقية العمر، ويستثقله كلما رآه، أو يستدعى بها خدمته له، والتردد إليه". (١) أسباب شتات الهمَّ أيها المتفقه .. قال ﷺ : " من كانت الآخرة همَّه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همَّه جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له " (٢) فإذا أردت جمع همِّك فيكون رضا الله تعالى هو همُّك، فلابد لك من انتفاء موانع ذلك، ممَّا يفسد قلبك، ويشتت همَّك، ومدار ذلك على اشتغال النَّفس بالدنيا، فإذا ألقيتها وصرفت صورتها عن نفسك خلا القلب فيتمكن منه الإخلاص، اللهم ارزقنا الإخلاص واجعلنا من أهله.

стр. 109

يبين لك ابن الجوزي هذا فيقول: " ما رأيت مشتتًا للهم، مبدداً للقلب مثل شيئين: أحدهما: أن تطاع النفس في طلب كل شيء تشتهيه، وذلك لا يوقف على حد فيه، فيُذْهِبَ الدينَ والدنيا، ولا ينال كل المراد. مثل أن تكون الهمة في المستحسنات، أو في جمع المال، أو في طلب الرياسة، وما يشبه هذه الأشياء. . فياله من شتات لا جامع له، يذهب العمر ولا ينال بعض المراد منه. والثاني: مخالطة الناس خصوصًا العوام والمشي في الأسواق، فإنَّ الطبع يتقاضى بالشهوات، وينسى الرحيل عن الدنيا، ويحب الكسل عن الطاعة، والبطالة والغفلة والراحة، فيثقل على من ألف مخالطة الناس التشاغل بالعلم أو العبادة، ولا يزال يخالطهم حتى تهون عليه الغيبة وتضيع الساعات في غير شيء. فمن أراد اجتماع همه فعليه بالعزلة بحيث لا يسمع صوت أحد، فحينئذ يخلو القلب بمعارفه، ولا تجد النفس رفيقاً مثل الهوى يذكرها ما تشتهي. فإذا اضطر إلى المخالطة كان على وفاق، كما تتهوى الضفدع لحظة ثمَّ تعود إلى الماء، فهذه طريق السلامة، فتأمل فوائدها تطِبْ لك ". (١)

стр. 110

همَّة كالثريا وجَدٌ حضيض بعض النَّاس يقول لك: أمَّا عن الهمَّة فلا تسأل، أبيت الليالي لا أنام، أذاكر الساعات الطوال، ولكنِّي لا أرزق الثمرة. ولسان حاله كقول أبي تمام: همَّة تنطح الثريا وجدٌ ... آلف للحضيض فهو حضيض ويجيبك ابن الجوزي فيقول: فالجواب: أنه إذا امتنع الرزق من نوع، لم يمتنع من نوع آخر، ثمَّ من البعيد أن يرزقك همَّة ولا يعينك، فانظر في حالك فلعله أعطاك شيئًا ما شكرته، أو ابتلاك بشيء من الهوى ما صبرت عنه. واعلم أنه ربما زوى عنك من لذات الدنيا كثيراً؛ ليؤثرك بلذات العلم، فإنَّك ضعيف ربما لا تقوى على الجمع، فهو أعلم بما يصلحك " أهـ (١) فيا عبد الله فتِّش على أسباب الخلل فتدراكها، اتهم نيتك، انظر لنعم الله عليك وقصورك في شكرها، انظر لابتلاءات الله لك كيف كان صنيعك فيها، هل صبرت أو جزعت؟ فإذا حرمت الرزق فبذنبك، وتذكر دائمًا قول الله تعالى: ... " أليس الله بأعلم بالشاكرين " [الأنعام/٥٣] فربَّما حرمت لأنَّك لن تستطيع شكر هذه النعمة، فإنَّ الله لا يظلم مثقال ذرة، والله لا يظلم النَّاس شيئًا ولكنَّ النَّاس أنفسهم يظلمون.

стр. 111

فعليك يا طالب العلم أن تُجِدَّ في التحصيل، واصدق الله يصدقك، فإنه كما قال الجنيد: " ما طلب أحدٌ شيئاً بصدقِ وجدِّ إلا ناله، فإن لم ينله كلَّه نال بعضه ". ولا تلتفت إلى وساوس الشيطان في تهويل كثرة العلم عليك، فتفتر عن الطلب. فقد قال الفضل بن سعيد بن سلم: " كان رجل يطلب العلم فلا يقدر عليه، فعزم على تركه، فمر بماء ينحدر من رأس جبل على صخرة، قد أثر الماء فيها، فقال: الماء على لطافته قد أثر في صخرة على كثافتها، ـ والله ـ لا أدع طلب العلم، فطلب فأدرك. فالعلم يجتمع مع الليالي والأيام، قيل: اليوم شيءٌ، وغداً مثله، من نُخب العلم التي تلتقط يحصل المرء بها حِكْمتَه، وإنَّما السيل اجتماع النقط. مجمل القول أيها المتفقه ـ حبيبي في الله ـ: تعال بعد التفصيل أحصي لك ما يعينك على علو الهمة والصبر: أولاً: شكر النعمة وإن قلَّت. ... ثانيًا: صدق اللجأ والافتقار إلى الله. .

стр. 112

ثالثًا: إدمان الدعاء. رابعًا: الصبر والاصطبار. خامسًا: مخالفة الهوى. سادسًا: الصبر عن الدنيا. سابعًا: جمع الهم. ثامنًا: تأخير الزواج ما أمكن. تاسعًا: لا تطع نفسك في كل ما تطلب. عاشرًا: خذ بحظك من العزلة.

стр. 113

المنطلق الثالث ماذا نتعلم ؟

стр. 114

المنطلق الثالث (ماذا نتعلم؟) أيها المتفقه ـ حبيبي في الله ـ: ماذا تتعلم؟ هذا ـ لعمر الله ـ سؤال صحيح وارد على جميع المسلمين، فإن رسول الله ﷺ " طلب العلم فريضة على كل مسلم" ـ وفي رواية " على كل مؤمن " (١)، ولا شك أنَّ الجميع يعلم يقيناً أنَّ داء الأمة اليوم الجهل، ودواؤها العلم، ولكن: أي علم؟ وماذا نتعلم؟ وبماذا نبدأ؟ يقول ابن قدامة ـ رحمه الله تعالى ـ: " اختلف الناس في ذلك. ... قال الفقهاء: هوعلم الفقه؛ إذ به يعرف الحلال والحرام. ... وقال المفسرون والمحدثون: هو علم الكتاب والسنة، إذ بهما يتوصل إلى العلوم كلها. وقال الصوفية: هو علم الإخلاص وآفات النفوس. ... وقال المتكلمون: هو علم الكلام. ... إلى غير ذلك من الأقوال التي ليس فيها قول مرضي، والصحيح أنه علم معاملة العبد لربه، والمعاملة التي كُلِّفها العبد على ثلاثة أقسام: اعتقاد، وفعل، وترك.

стр. 115

فإذا بلغ الصبي، فأول واجب عليه تعلم كلمتي الشهادة وفهم معناها، وإن لم يحصل ذلك بالنظر والدليل؛ لأن النبي ﷺ اكتفى من أجلاف العرب بالتصديق من غير تعلم دليل، فذلك فرض الوقت، ثمَّ يجب عليه النظر والاستدلال. فإذا جاء وقت الصلاة وجب عليه تعلم الطهارة والصلاة، فإذا عاش إلى رمضان وجب عليه تعلم الصوم، فإن كان مال وحال عليه الحول وجب عليه تعلم الزكاة، وإن جاء وقت الحج وهو مستطيع وجب عليه تعلم المناسك. وأما التروك فهو بحسب ما يتجدد عليه من الأحوال، إذ لا يجب على الأعمى تعلم ما يحرم النظر إليه، ولا على الأبكم تعلم ما يحرم من الكلام، فإن كان في بلد يُتعَاطى فيه شرب الخمر ولبس الحرير وجب عليه أن يعرف تحريم ذلك. وأما الاعتقادات فيجب علمها بحسب الخواطر، فإن خطر له شك في المعاني التي تدل عليها كلمتا الشهادة، وجب عليه تعلم ما يصل به إلى إزالة الشك. وإن كان في بلد قد كثرت فيه البدع، وجب عليه أن يتلقن الحق، كما لو كان تاجراً في بلد شاع فيه الربا وجب عليه أن يتعلم الحذر منه. وينبغي أن يتعلم الإيمان بالبعث والجنة والنار " ا. هـ (١)

стр. 116

وبناء على ما سبق، فإن من فروض الأعيان في عصرنا على الذكور والإناث سواءً تعلم أحكام النظر لكثرة الاختلاط وشيوع الفاحشة، ويجب أيضاً تعلم أحكام الاختلاط والحجاب والاستئذان ومعرفة المحارم، كذلك وجب الإلمام بمعرفة الربا وأنواعه وأحكامه، وكذلك أنواع البيوع والإجارات والوكالات؛ لأن المسلم في هذا العصر يتعامل بكافة أنواع التعاملات يوميًا لكثرة البشر وتنوع التعامل وحاجة الناس لبعضهم البعض. وكذلك يجب من أمور الاعتقادات أشياء كثيرة تخفي على الناس، مثل: حرمة التبرك بالقبور، وحرمة التوسل بالموتى، بل وأشياء من صميم العقيدة مثل: تحكيم شرع الله، والولاء والبراء، وأحكام أهل الذمة، وغير ذلك مما يلزم شرعاً. فهذه الأمور من فرائض الأعيان على كل مسلم بحيث إذا لم يتعلمها أثم على ذلك لاسيما والوسائل متاحة من كتب أو أشرطة، ويستطيع المرء أن يسأل أهل العلم في مشارق الأرض ومغاربها عبر الهاتف أو بالبريد، ولجان الفتوى موجودة في معظم بلاد الإسلام، ولا تزال طائفة من أهل الحق ظاهرين، والحمد لله رب العالمين. لكن من العلوم ما يكون فرضه على الكفاية، بحيث إذا تقاعست الأمة بأسرها عن تعلم هذا العلم أثموا جميعًا، وإن قامت به جماعة منهم سقط فرضه عن باقي الأمة وأثيبوا على ذلك.

стр. 117

يقول ابن قدامة: " فأما فرض الكفاية: فهو كل علم لا يستغنى عنه في قوام أمور الدنيا، كالطب إذ هو ضروري في حاجة بقاء الأبدان على الصحة، والحساب فإنه ضروري في قسمة المواريث والوصايا وغيرها. فهذه العلوم لو خلا البلد عمن يقوم بها حرج أهل البلد، وإذا قام بها واحد كفى وسقط الفرض عن الباقين. ولا يتعجب من قولنا: " إنَّ الطب والحساب من فروض الكفاية، فإنَّ أصول الصناعات أيضًا من فروض الكفاية كالفلاحة والحياكة بل الحجامة فإنه لو خلا البلد عن حجام لأسرع الهلاك إليه، فإنَّ الذي أنزل الداء أنزل الدواء، وأرشد إلى استعماله، وأما التعميق في دقائق الحساب ودقائق الطب وغير ذلك فهذا يعد فضلة؛ لأنه يستغنى عنه. وقد يكون بعض العلوم مباحًا كالعلم بالأشعار التي لا سخف فيها، وتواريخ الأخبار، وقد يكون بعضها مذمومًا كعلم السحر والطلسمات والتلبيسات. فأما العلوم الشرعية فكلها محمودة، وتنقسم إلى: أصول، وفروع، ومقدمات، ومتممات. فالأصول: كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ ، وإجماع الأمة، وآثار الصحابة. والفروع: ما فهم من هذه الأصول من معانٍ تنبهت لها العقول، حتى فهم من اللفظ الملفوظ وغيره، كما فهم من قوله: " لا يقضى

стр. 118

القاضي وهو غضبان " (١) أنَّه لا يقضي جائعًا. والمقدمات: هي التي تجرى مجرى الآلآت، كعلم النحو واللغة، فإنهما آلة لعلم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . والمتممات: كعلم القراءات، ومخارج الحروف، وكالعلم بأسماء رجال الحديث وعدالتهم وأحوالهم، فهذه هي العلوم الشرعية وكلها محمودة ". (٢) فاعلم ـ حبيبي في الله ـ أنَّ العلوم ليست على مرتبة واحدة، فمن العلوم ما ينبغي عليك الاستكثار منه دون حد، ومنها ما يلزمك التوقف فيه عند حد مخصوص، وأنَّه لا يشتغل بالفرض الكفائي قبل الفرض العيني، وأنَّك لا تسعى في تعلم علوم الأدوات والوسائل إلا بقدر ما تحقق به الغاية، كمن يتعلم علوم اللغة ليستقيم فهمه ويحسن تدبر النصوص الشرعية من كتاب وسنة فإذا به يجنح إلى تعلم الغرائب،

стр. 119

ويغوص في بعض المسائل الفلسفية مما سطروه في بعض كتب المطولات في النحو وغيره. يقول ابن قدامة: " واعلم أنَّ العلوم المحمودة تنقسم إلى قسمين: الأول: محمود إلى أقصى غاياته، وكلما كان أكثر كان أحسن وأفضل، وهو العلم بالله تعالى وبصفاته وأفعاله وحكمته في ترتيب الآخرة على الدنيا؛ فإن هذا علم مطلوب لذاته، والتوصل به إلى سعادة الآخرة، وهو البحر الذي لا يُدرك غورُه، وإنما يحوم المحوِّمون على سواحله وأطرافه بقدر ما تيسر لهم. القسم الثاني: العلوم التي لا يحمد منها إلا مقدار مخصوص، وهي التي ذكرناها من فروض الكفايات، فإن في كل منها افتقاراً واقتصاراً واستقصاءً " (١) نصيحة غالية وتبقى هنا نصيحة مهمة لكل سائر في طريق الطلب، فإنَّ الفائدة المرجوة من سلوكك هذا السبيل هو إصلاحك نفسك، فحذار أن تكون كالسراج تضيء لغيرك، وأنت تحرق نفسك. يقول ابن قدامة: " فكن أحد رجلين: إمَّا مشغولاً بنفسك، وإما متفرغًا لغيرك بعد الفراغ من نفسك، وإياك أن تشتغل بما يصلح غيرك قبل إصلاح نفسك.

стр. 120

واشتغل بإصلاح باطنك، وتطهيره من الصفات الذميمة، كالحرص والحسد والرياء والعجب قبل إصلاح ظاهرك. فإن لم تتفرغ من ذلك فلا تشتغل بفروض الكفايات، فإنَّ في الخلق كثيرًا يقومون بذلك، فإنَّ مُهْلك نفسه في طلب صلاح غيره سفيه، ومثله: مثل من دخلت العقارب تحت ثيابه، وهو يذب الذباب عن غيره. فإن تفرغت من نفسك وتطهيرها ـ وما أبعد ذلك!! ـ فاشتغل بفروض الكفايات وراعِ التدرج في ذلك. فابتدئ بكتاب الله ، ثم بسنة رسوله ﷺ ، ثم بعلوم القرآن من التفسير، ومن ناسخ ومنسوخ، ومحكم ومتشابه، إلى غير ذلك. وكذلك في السنة. ثم اشتغل بالفروع، وأصول الفقه، وهكذا بقية العلوم على ما يتسع له العمر، ويساعد فيه الوقت.، ولا تستغرق عمرك في فن واحد منها طلباً للاستقصاء، فإنَّ العلم كثير، والعمر قصير، وهذه العلوم آلات يراد بها غيرها، وكل شيء يطلب لغيره فلا ينبغي أن ينسى فيه المطلوب ". (١) فيا أيها المتفقه ـ حبيبي في الله ـ: حصِّل أولاً ما يجب عليك عيناً، ثم تعال لنقول بعد ذلك: كيف تبدأ بعد تحصيل فرض العين في طلب العلم؟

стр. 121

وهاك الجواب وهاك بيانه: فأول ما يبدأ به التوحيد، والفقه، وأعمال القلوب. التوحيد أولاً: التوحيد أو ما نسميه بعلم العقيدة، وهو فقه الإيمان، فتصحح إيمانك الذي ستلقى ربك به، لتعد لأسئلة المصير جوابًا حين تسأل من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ فتصحح إيمانك، إذ لا يقبل منك عمل إلا بعد سلامة هذا الإيمان وصحته. قال تعالى: " مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُون" [النحل /٩٧]، وقال جل وعلا: " وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا " [النساء/١٢٤] التوحيد من فقه الإيمان سماه السلف التوحيد لقول النبي ﷺ لمعاذ " إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله تعالى " (١) فالتوحيد أول واجب في العلم والعمل والدعوة.

стр. 122

ثانياً: الفقه وعلم الفقه به تصحح عملك، فيكون على المتابعة لأمر الله ورسوله ﷺ ؛ لأن الله أمر بأوامر عامة مجملة، وجاء رسول الله ﷺ ليفسر هذه الأوامر، ويفصلها ويبينها ويوضحها. فيقول ﷺ : " صلوا كما رأيتموني أصلى" (١) ويشدد في الاتباع حتى يقول لمن صلى لا كصلاته " ارجع فصلِّ فإنَّك لم تصل" (٢)، ويقول ﷺ " لتأخذوا مناسككم " (٣) فالعبادة لا تصح بحال إلا كما فعلها الرسول ﷺ ، قال الله تعالى: ... " وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا " [الحشر/٧] قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة " (٤) فالطهارة، والصلاة، والجنائز، والزكاة بأنواعها، والصيام، والاعتكاف، والحج والعمرة، والأيمان والنذور، والأطعمة والأشربة، والصيد والذبائح، والأضاحى والعقيقة، والبيوع،

стр. 123

والإجارات والوكالات والحدود والمعاوضات المالية والمناكحات والمخاصمات والأمانات والتركات، كل هذه من أنواع التشريع التي لا بد من العلم بها عند مزاولتها أو الحاجة إليها فرض عين والعلم بها أيضاً من فروض الكفايات على عموم الأمة. لا بد من العلم بها لتقع على الوجه الذي يرضى الله بما فعله رسوله ﷺ . فلا بد من الفقه وتعلمه لتصحيح العبادة وضبط حياة الناس بالتشريع الإلهي، والذي لا علم عنده في هذا الجانب، إمَّا أن يبتدع أو يخطئ فحذارِ. ثالثاً: أعمال القلوب: يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " أما بعد: فهذه كلمات مختصرات في أعمال القلوب - التي قد تسمى " المقامات والأحوال " - وهي من أصول الإيمان وقواعد الدين، مثل: محبة الله ورسوله، والتوكل على الله، وإخلاص الدين له، والشكر له والصبر على حكمه، والخوف منه، والرجاء له، وما يتبع ذلك. فأقول: هذه الأعمال جميعها واجبة على جميع الخلق - المأمورين في الأصل - باتفاق أئمة الدين " أهـ (١)

стр. 124

فهذه الأعمال القلبية من الإخلاص واليقين والتوكل والرضا والإنابة واجبة على جميع المكلفين، وطالما وجبت فعلاً وجبت علماً.، فعلمها أيضًا فرض عين على كل من احتاج إليها، والكل في حاجة إليها، وفرض الكفاية لإيجاد العلماء بها في الأمة الذين يقومون بفروض الكفاية في العلوم المختلفة .. فعليك ـ أيها المتفقه ـ أنْ تبذل قصارى جهدك في تعلم هذه العلوم الثلاثة بعد تعلمك لفرائض الأعيان، ومن هنا بني المنهج السلفي على أصول ثلاثة: التوحيد، والاتباع، والتزكية.

стр. 125

المنطلق الرابع التَّزكية مع التَّعلم [[لا بد من تزكية القلب وتطهيره في البداية؛ لتحصيل العلم النافع والعمل الصالح، أو مواكبة التزكية مع الطلب فهما من المهمات الخطيرة في عصرنا.]]

стр. 126

المنطلق الرابع (التزكية) من الشروط التي عرفها العلماء بالاستقراء في أحوال الرسل بلزوم توافرها في كل رسول من عند الله: الفطنة، ومن استقرأ أحوال الرسل عرف أهمية هذا الشرط وتوافره، فنجد الرسل أنفع الناس للناس، وهم أعلم الناس بما يصلح الناس وينفع الناس، وبالفعل علَّموه للناس. قال رسول الله ﷺ : " إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقًا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينذرهم شر ما يعلمه لهم " (١) أضف إلى ذلك حرصهم صلوات الله عليهم وسلامه على هداية الناس، انظر إلى خليل الله أبى الأنبياء إبراهيم ﵇ وهو يقول: " ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم " ... [البقرة/١٢٩]. إنه سؤال له مغزاه انظر إلى قوله " فيهم " وقوله " منهم "، ثمَّ الغرض من إرسال هذا الرسول فيهم:

стр. 127

١) يتلو عليهم آياتك. ٢) يعلمهم الكتاب والحكمة. ٣) ويزكيهم. وسبحان الملك القدوس العليم الحكيم، يشاء الله جل وعلا أن يستجيب دعاء خليله إبراهيم قال تعالى: " كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون " [البقرة/١٢٩]. وقال جل وعلا: " لقد مَّن الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين " ... [آل عمران/ ١٦٤]. ويقول تعالى: " هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين " [الجمعة /٢] فهذه ثلاث آيات من القرآن تفيد استجابة الله تعالى دعاء إبراهيم ﷺ ، وامتنان الله بذلك على المؤمنين، ولكن لاحظ كيف رتب الله وظيفة الرسول المبعوث ﷺ ترتيباً آخر على غير نسق طلب إبراهيم صلى الله ... عليه وسلم، والله أعلم بما يصلح عباده، فطلب إبراهيم لوظيفة الرسول: ١) يتلو عليهم آياتك.

стр. 128

٢) يعلمهم الكتاب والحكمة. ٣) ويزكيهم. أما امتنان الله ففي: ١) يتلو عليهم آياتنا. ٢) يزكيهم. ٣) يعلمهم الكتاب والحكمة. ولم يتخلف هذا الترتيب في آية واحدة من الثلاثة، ولا رابعة من جنس هذه الآيات في القرآن كله.، وهذا يدل ـ إنْ دل ـ على شيء واحد، وهو أهمية تزكية القلب قبل التعلم، وتوحي بشيء من هذا أوائل سورة المزمل: قال تعالى: " يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلاً نصفه أو انقص منه قليلاً أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلاً إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً " [المزمل/١ - ٥] فقيام الليل نوع من أنواع التزكية؛ لأن التزكية عند أهل السنة والجماعة بكثرة العبادة؛ لأن الإيمان يزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصي، وما تزكية القلب إلا بزيادة الإيمان.، فقيام الليل تزكية للقلب استعدادًا لتلقى العلم (القول الثقيل).

стр. 129

حقيقة التزكية التزكية في اللغة: من الزكاة، وأصل الزكاة:" الطهارة والنماء والبركة والمدح " وهذا المعنى اللغوي هو المقصود من التزكية اصطلاحاً، فهذه المعاني الثلاثة مرتبة: التطهير، النماء، الصلاح. فالتخلية أو التطهير لازم أولاً؛ لأننا نعيش في عصر كثر فيه الخبث، وما من أحد يعيش في المجتمع إلا أصابه من هذا الخبث بقدر اختلاطه ومعاشرته لأهل ... مجتمعه، فإذا أذَّن مؤذن الفلاح، وسمع العبد داعي النجاح " حي على الفلاح " وأذن الله له بتوبة، وبدأ طريق الالتزام، وعرف طريق المسجد، ودله أهل الخير على طلب العلم، فلا بد من التطهير للتخلص من رواسب الجاهلية (١) التي مر بها في أوليات حياته، لا بد من تطهير قلبه أولاً. . ثم لا بد من تنمية جوانب الخير فيه، قال ﷺ : " إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق" (٢) فبعد تطهير جوانب الإثم والضلال تتميم جوانب الخير والبر والأخلاق فتكون النتيجة الصلاح الدائم.

стр. 130

التزكية لماذا؟ إذا أردنا أن نشرب ماءً صالحاً فلا بد من تطهير الإناء وجلي الوعاء، ووعاء العلم وإناؤه القلب. . ... قال تعالى: " بل هو آيات بينات في صدور الذين أُتوا العلم " [العنكبوت/٤٩] ... وقال تعالى: " أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبداً رابياً ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبدٌ مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال " ... [الرعد / ١٧] قال ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ " فهذا هو المثل المائي، شبه الوحي الذي أنزله لحياة القلوب بالماء الذي أنزله من السماء، وشبه القلوب الحاملة له بالأودية الحاملة للسيل، فقلب كبير يسع علمًا عظيمًا، كواد كبير يسع ماء كثيرًا، وقلب صغير كواد صغير يسع علمًا قليلاً، فحملت القلوب من هذا العلم بقدرها، كما سالت الأودية بقدرها، ولما كانت الأودية ومجاري السيول فيها الغثاء ونحوه مما يمر عليه السيل، فيحتمله السيل، فيطفو على وجه الماء زبدًا عاليًا يمر عليه متراكبًا، ولكن تحته الماء الفرات الذي به حياة الأرض، فيقذف الوادي ذلك الغثاء إلى جنبتيه، حتى لا يبقى منه شيء، ويبقى الماء الذي تحت الغثاء، يسقي الله تعالى به الأرض فيحيى به البلاد والعباد والشجر والدواب، والغثاء يذهب جفاء، يجفى ويطرح على شفير الوادي.

стр. 131

فكذلك العلم والإيمان الذي أنزله في القلوب، فاحتملته فأثار منها بسبب مخالطته لها ما فيها من غثاء الشهوات، وزبد الشبهات الباطلة يطفو في أعلاها واستقر العلم والإيمان والهدى في جذر القلب، فلا يزال ذلك الغثاء والزبد يذهب جفاء، ويزول شيئًا فشيئًا حتى يزول كله، ويبقى العلم النافع والإيمان الخالص في جذر القلب، يرده الناس فيشربون ويسقون ويمرعون. وفي الصحيح من حديث أبى موسى عن النبي قال: " مثل ما بعثني الله تعالى به من الهدى والعلم، كمثل غيث أصاب أرضًا فكان منها طائفة طيبة قبلت الماء فانبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها طائفة أجادب أمسكت الماء فسقى الناس وزرعوا وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه دين الله تعالى ونفعه ما بعثنى الله به، فعَلِم وعَّلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به " (١). أهـ (٢) فانظر ـ رحمك الله ـ إلى هذا الحديث فهو يصف لك الحال الذي نود شرحه، فقد شبه لك فيه رسول الله ﷺ العلم بالغيث، والقلب بالأرض " كمثل غيث أصاب أرضاً "، فكما ينزل الغيث على الأرض ينزل العلم على القلب، فلو أنَّ غيثاً أصاب أرضاً بها حنظل، إذاً لزاد الغيثُ الحنظلَ مرارةً، ولو أنَّ غيثاً أصاب أرضاً بها شوك إذاً لزاد الغيثُ الشوك توهجاً، وهكذا

стр. 132

ولو أنَّ العلم نزل على قلب به كِبر لزاد به القلب تكبراً، وكذلك لو كان في القلب عُجب أو غرور أو حب رياسة وظهور، فإنه يزيد بالعلم ما فيه، وتصديق هذا من كتاب الله قوله تبارك اسمه: " وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيماناً فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً وهم يستبشرون، وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون " [التوبة /١٢٤ - ١٢٥] فالآية الواحدة تكون للمؤمن شفاء وللظالم خسارًا، تزيد المؤمن إيماناً، وتزيد المنافق مرضًا في قلبه، وهذه من آيات الله، فإن نزل العلم على قلب فيه تواضع زاده تواضعاً، وإن دخل العلم على قلب فيه كبر زاده كبراً وغروراً. وقال تعالى: " وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا " [الإسراء/٨٢] ثمَّ قال جل وعلا: " قل كل يعمل على شاكلته " [الإسراء/٨٤] فلا بد من تطهير القلب وإعداده، وإلا فستكون فتنة، وكم رأينا على الساحة وبين طلبة العلم من كان في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً، نسأل الله العافية، وتمام العافية، ودوام العافية لجميع المسلمين والمسلمات. ولذلك كان السلف ـ رضوان الله عليهم ـ لا يُعَلِّمون أحداً العلم حتى يروِّضُوا نفسه سنين كثيرة، ويظهر لهم صلاحُ نيته.

стр. 133

قال الإمام النووي في " مقدمة المجموع ": وقد كان عبد الرحمن بن القاسم المصري الفقيه المالكي المتوفى بمصر سنة ١٩١ هـ يقول: " خدمت الإمام مالك عشرين سنة، كان منها ثمان عشرة سنة في تعليم الأدب، وأخذت منه العلم في سنتين " وقد كان الإمام مالك يقول: " ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما العلم ما نفع، وعمل به صاحبه ". وكان الإمام الشافعي يقول: " قال لي الإمام مالك يا محمد اجعل عملك دقيقاً، وعلمك ملحاً ". فانظر ـ رحمك الله ـ ماذا يصلح الدقيق من الملح، إنها قطرات من الملح على أكوام من الدقيق فاعمل. وكان عبد الله بن المبارك يقول: " من حمل القرآن، ثم مال بقلبه إلى الدنيا، فقد اتخذ آيات الله هزوًا، وإذا عصى حامل القرآن ربَّه ناداه القرآن في جوفه: ـ والله ـ ما لهذا حُمِلت، أين مواعظي وزواجري؟ وكل حرف منى يناديك ويقول: لا تعص ربك. وكان الإمام أحمد بن حنبل إذا رأى طالب العلم لا يقوم من الليل يكف عن تعليمه، وقد بات عنده أبو عصمة ليلة من الليالي، فوضع له الإمام ماء للوضوء، ثم جاءه قبل أن يؤذن للصبح فوجده نائماً، والماء بحاله فأيقظه. وقال: لم جئت يا أبا عصمة؟ فقال: جئت أطلب الحديث.

стр. 134

قال: كيف تطلب الحديث، وليس لك تهجد في الليل، اذهب من حيث جئت. وكان الإمام الشافعي يقول: " ينبغي للعالم أن يكون له خبيئة من عمل صالح فيما بينه وبين الله تعالى، فإن كل ما ظهر للناس من علم أو عمل قليل النفع في الآخرة، وما رؤى أحدٌ في منامه فقال: غفر الله لي بعلمي إلا قليلٌ من الناس. فاقبل ـ أيها المتفقه ـ على تزكية نفسك وتطهير قلبك؛ لكى يزكو علمك وتنتفع. قال : " قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى " [الأعلى/١٤ - ١٥] وقال تعالى: " قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها " [الشمس/٩ - ١٠] فائدة مهمة قد يكون الأوجب في هذا الزمان أن يتواكب الأمران، التزكية مع التعلم؛ لأن غالب أهل الزمان يبدؤون الطلب متأخرين، والعمر قصير؛ فلذلك اطلب العلم، واحرص على التزكية معه، وليسيرا في خطين متوازيين. يقول ابن الجوزى ـ رحمه الله تعالى ـ:

стр. 135

فصل: لا يصلح العلم مع قلة العمل. رأيت الاشتغال بالفقه وسماع الحديث لا يكاد يكفي في صلاح القلب، إلا أن يمزج بالرقائق والنظر في سير السلف الصالحين؛ لأنهم تناولوا مقصود النقل، وخرجوا عن صور الأفعال المأمور بها إلى ذوق معانيها والمراد بها، وما أخبرتك بهذا إلا بعد معالجة وذوق لأني وجدت جمهور المحدثين وطلاب الحديث همة أحدهم في الحديث العالي وتكثير الأجزاء. وجمهور الفقهاء في علوم الجدل وما يغالب به الخصم، وكيف يرق القلب مع هذه الأشياء؟ وقد كان جماعة من السلف يقصدون العبد الصالح للنظر إلى سمته وهديه لا لاقتباس علمه؛ وذلك أن ثمرة علمه هديه وسمته، فافهم هذا، وامزج طلب الفقه والحديث بمطالعة سير السلف والزهاد في الدنيا؛ ليكون سبباً لرقة قلبك. (١) وقال في موضع آخر: فصل: التلطف بالنفس " تأملت العلم والميل إليه والتشاغل به، فإذا هو يقوي القلب قوة تميل به إلى نوع قساوة.، ولولا قوة القلب، وطول الأمل لم يقع التشاغل به، فإني أكتب الحديث أرجو أن أرويه، وابتدئ بالتصنيف أرجو أن أتمه، فإذا تأملت باب المعاملات قلَّ الأمل، ورق القلب، وجاءت

стр. 136

الدموع، وطابت المناجاة، وغشيت السكينة، وصرت كأني في مقام المراقبة، إلا أن العلم أفضل وأقوى حجة، وأعلى مرتبة، وإن حدث منه ما شكوت منه. والمعاملة وإن كثرت الفوائد التي أشرت إليها منها، فإنها قريبة إلى أحوال الجبان الكسلان، الذي قد اقتنع بصلاح نفسه عن هداية غيره، وانفرد بعزلته عن اجتذاب الخلق إلى ربهم. فالصواب العكوف على العلم مع تلذيع النفس بأسباب المرققات تلذيعًا لا يقدح في كمال التشاغل بالعلم " (١) وقال في موضع ثالث: فصل العلم والعمل لما رأيت رأي نفسي في العلم حسناً، فهي تقدمه على كل شيء، وتعتقد الدليل، وتفضل ساعة التشاغل به على ساعات النوافل، وتقول: أقوى دليل لي على فضله على النوافل: أنِّي رأيت كثيراً ممن شغلتهم نوافل الصلاة والصوم عن نوافل العلم، عاد ذلك عليهم بالقدح في الأصول، فرأيتها في هذا الاتجاه على الجادة السهلة والرأي الصحيح. إلا أنى رأيتها واقفة مع صورة التشاغل بالعلم فصحْت بها: فما الذي أفادك العلم؟ أين الخوف؟ أين القلق؟ أين الحذر؟ أو ما سمعت بأخبار أخيار الأحبار في تعبدهم واجتهادهم؟

стр. 137

أما كان رسول الله ﷺ سيد الكل، ثم إنه قام حتى تورمت قدماه؟ أما كان أبو بكر ﵁ شجي النشيج، كثير البكاء؟ أما كان في خد عمر ﵁ خطان من آثار الدموع؟ أما كان عثمان ﵁ يختم القرآن في ركعة؟ أما كان على ﵁ يبكى بالليل في محرابه حتى تخضل لحيته ... بالدموع؟ ويقول: يا دنيا غُرى غيرى!! أما كان الحسن البصرى يحيا على قوة القلق؟ أما كان سعيد بن المسيب ملازماً المسجد فلم تفته صلاة في جماعة أربعين سنة؟ أما صام الأسود بن يزيد حتى اخضر واصفر؟ أما قالت بنت الربيع بن خثيم له: ما لي أرى الناس ينامون وأنت لا تنام؟ فقال: إنَّ أباك يخاف عذاب البيات؟ أما كان أبو مسلم الخولاني يعلق سوطاً في المسجد يؤدب به نفسه إذا فتر؟ أما صام يزيد الرقاشي أربعين سنة وكان يقول: وا لهفاه!! سبقني العابدون، وقطع بى. أما صام منصور بن المعتمر أربعين سنة؟

стр. 138

أما كان سفيان الثوري يبكى الدم من الخوف؟ أما كان إبراهيم بن أدهم يبول الدم من الخوف؟ أما تعلمين أخبار الأئمة الأربعة في زهدهم وتعبدهم؛ أبى حنيفة، ومالك، والشافعى، وأحمد؟ فاحذرى من الإخلاد إلى صورة العلم، مع ترك العمل به، فإنها حالة الكُسالى الزَّمْنَى. وخذْ لكَ مِنْك عَلَى مُهْلَةٍ ... وَمقبلُ عَيْشِكَ لمْ يدبر وَخِفْ هَجْمَةً لا تُقيلُ العَثارَ ... تَطْوى الوُرود عَلَى المُصْدِر ومثِّل لِنَفْسِكَ أيُّ الرَّعيل ... يَضمُّكَ فِي حلبَةِ المحشَر (١) بقي أمر مهم للغاية ألا وهو: كيف تزكو قلوبنا؟ (٢) وهذا ـ لعمر الله، أمر خطير، ولكنَّه يسير على من يسَّره الله عليه. فأول ذلك: ١) الإخلاص وقد سبق الإشارة إليه في الانطلاقة الأولى.

стр. 139

٢) إصلاح الفرائض. فما تقرَّب العبد لربه بأحبّ إليه مما افترض عليه، فأصلح الصلوات المكتوبات بالمواظبة عليها في جماعة، لا تفوتك تكبيرة الإحرام خلف الإمام، وأحضر قلبك في صلاتك، ولا تلتفت، وهكذا فأصلح ما افترض عليك. ٣) مجموعة أعمال صالحة ثابتة بمنهجية في المداومة والتدرج، وشرط ذلك أنْ تكون هذه الأعمال على سنَّة النبي محمد ﷺ . ٤) الإقلاع عن المعاصي فورًا فالمعاصي تميت القلوب، وتفسد العلم، فلابد من الإقلاع عن المعاصي ودوام التوبة وخصوصًا المعاصي القلبية من كبر وعجب وغرور، فإياك والمعاصي فإنَّها قتَّالة. ٥) العمل بالعلم فكلَّما تعلمت شيئًا اعمل به، ولا تكتب أو تسمع حديثًا إلا وعملت به، ولو لمرة واحدة، واحذر التفريط في ذلك، فكل علم لم تعمل به حجة عليك، فليكن العمل همَّك، وانظر لأثر العلم فيك. ٦) الاهتمام بأحوال القلب من الانكسار لله، وصدق اللجأ إليه، وإقبال القلب عليه في طلب محبته ورضاه، وعمومًا أطلْ النظر إلى قلبك، وتدبر حالك.

стр. 140

كيف حال قلبك مع الله؟! كيف حال قلبك بعد الطاعة وحال الطاعة؟ كيف حال قلبك عند المعصية وبعد المعصية؟ كيف حال قلبك عند سماع القرآن؟ كيف حال قلبك في الصلاة؟ كيف حال قلبك عند سماع أخبار من هو أفضل منك في أمور الآخرة؟ وكيف حاله عند سماع أخبار من هو دونك؟ كيف حال قلبك عند رؤية العصاة؟ كيف حال قلبك عند مشاهدة أهل البلاء؟ كيف حال قلبك في الخلوة مع القدرة على المعصية؟ كيف حال قلبك عندما تعرض عليه فعل طاعة؟ تأمل دومًا حال قلبك، أصلح الله قلبي وقلبك. ٧) مطالعة سير الصالحين والعلماء العاملين، فإنَّ لها فضلاً في بعث الهمَّة على تزكية النفس. فلا تغفل عن تزكية النفس، فالنفوس تتفاوت، فلكلٍ منها ما يصلحها، فانظر إلى ما يُصلح قلبك فاعمل به، وسل الله العافية. قال صاحب مختصر منهاج القاصدين: فأمَّا علم المعاملة، وهو علم أحوال القلب كالخوف والرجاء والرضا والصدق والإخلاص

стр. 141

وغير ذلك فهذا العلم ارتفع به كبار العلماء وبتحقيقه اشتهرت أذكارهم كسفيان وأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد. وإنَّما انحطت رتبة المسمين بالفقهاء والعلماء عن تلك المقامات لتشاغلهم يصور العلم من غير أخذ على النفس أنْ تبلغ إلى حقائقه وتعمل بخفاياه " أهـ (١)

стр. 142

المنطلق الخامس كن سلفياً على الجادة

стр. 143

المنطلق الخامس (السلفية) أيها المتفقه ـ حبيبي في الله ـ: " إذا علمت بأهمية البداية بعلم العقيدة وعلم الفقه، فلا بد بعد الإخلاص من الصواب في الطلب، فكيف تطلب العلم؟! أما في العقيدة فلا بد من الطلب على منهج السلف الصالح ـ رضوان الله ... عليهم ـ، وهم الصحابة ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وقد زكَّى الله فهمهم، وأمرنا أن نلقاه سبحانه بإيمان كإيمانهم. قال تعالى: " فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنَّما هم في شقاق " [البقرة /١٣٧]. فهكذا إما إيمان الصحابة الذين رضى الله عنهم وتاب عليهم، وإما التفرق والاختلاف والتشرذم " فإنَّما هم في شقاق ". فلا بد من دراسة عقيدة السلف الصحيحة، وهي فهم نصوص الكتاب والسنة في أنواع التوحيد بفهمهم، والاستقاء من علومهم، والنهل من منابعهم، وإلا فالضلال الضلال.

стр. 144

قال ﷺ : " إنَّه من يعش منكم بعدى فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدى، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة " (١) والعودة للفهم الأصيل " فهم السلف الصالح " أصبح اليوم ضرورة ملحة؛ وذلك لجمع شتات الأمة، فتتوحد كلمتهم بتوحد الأصول، فيقل التنازع والتشاحن الذي ابتلي به المسلمون في هذه الأيام، وكل هذا لأنا لم نعِ الوصية النبوية. ... قال رسول الله ﷺ : " وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة. قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي ". (٢) ﷺ ، فقد دلنا على الفرقة الناجية، فاحرص على النجاة، ... ـ أخي في الله ـ وانضم إلى هذه الفرقة، واحرص في بداية التعلم أن يكون التلقي على منهج السلف الصالح، فإنَّ لذلك أثرًا في استقامتك على الطريقة، فمن صحَّت بدايته صحَّت نهايته، فأصلح نيتك عسى الله أن يُصلح بك، فشتات الأمة اليوم يفجع كل قلب حي، فإن كان طلب العلم ضرورة، فطلبه على منهج السلف ضرورته أشد، وتأتى تلك الضرورة

стр. 145

في الوقت الحاضر بالذات؛ لأنه لا بد للأمة من معالم صحيحة في طريق عودتها إلى الله ، تبين لها المنهج الصحيح في فهم العقيدة التي هي القاعدة الأساسية لبناء المجتمع الإسلامي الصحيح. وما لم يكن المنهج الذي يُتبع صحيحاً فإنَّ اليقظة الإسلامية ستنحرف عن مجراها السليم، ونحن نعتقد اعتقاداً جازماً أنَّ منهج أهل السنة والجماعة في فهم العقيدة الإسلامية هو المنهج الصحيح الذي يجب تقديمه للأمة الإسلامية اليوم لكي تصبح بحق أمة مسلمة تستحق نصر الله ورضوانه. وفي هذا المنهج صيانة للعقل البشرى من التمزق والانحراف، وللمجتمع من الفرقة والضلال، ولم يحدث الانحراف في الأمة إلا عندما انحرفت عن هذا المنهج وأعرضت عن وحي الله إلى مناهج بشرية،. بعضها من مخالفات الفلسفة اليونانية الوثنية، وبعضها من نتاج العقول المنحرفة الجاهلة بدين الله، فتفرقت الأمة إلى طوائف ومذاهب، لكل منها منهجه، وطريقته، وإمامه، وأتباعه. وقد قيض الله في كل فترة من فترات الضعف والانحراف علماء مصلحين يحفظون عقيدة الأمة ويحرسونها، ويردون على من خالفها أو عارضها من صدر الإسلام إلى اليوم وإلى أن تقوم الساعة بمشيئة الله تعالى. أولاً: ما هي العقيدة ؟ العقيدة لغة: من العقد، والتوثيق والإحكام والربط بقوة.
следующие страницы →