وغير ذلك فهذا العلم ارتفع به كبار العلماء وبتحقيقه اشتهرت أذكارهم كسفيان وأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد.
وإنَّما انحطت رتبة المسمين بالفقهاء والعلماء عن تلك المقامات لتشاغلهم يصور العلم من غير أخذ على النفس أنْ تبلغ إلى حقائقه وتعمل بخفاياه " أهـ (١)
стр. 142
المنطلق الخامس
كن سلفياً على الجادة
стр. 143
المنطلق الخامس
(السلفية)
أيها المتفقه ـ حبيبي في الله ـ:
" إذا علمت بأهمية البداية بعلم العقيدة وعلم الفقه، فلا بد بعد الإخلاص من الصواب في الطلب، فكيف تطلب العلم؟!
أما في العقيدة فلا بد من الطلب على منهج السلف الصالح ـ رضوان الله ... عليهم ـ، وهم الصحابة ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وقد زكَّى الله فهمهم، وأمرنا أن نلقاه سبحانه بإيمان كإيمانهم.
قال تعالى: " فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنَّما هم في شقاق " [البقرة /١٣٧].
فهكذا إما إيمان الصحابة الذين رضى الله عنهم وتاب عليهم، وإما التفرق والاختلاف والتشرذم " فإنَّما هم في شقاق ".
فلا بد من دراسة عقيدة السلف الصحيحة، وهي فهم نصوص الكتاب والسنة في أنواع التوحيد بفهمهم، والاستقاء من علومهم، والنهل من منابعهم، وإلا فالضلال الضلال.
стр. 144
قال ﷺ : " إنَّه من يعش منكم بعدى فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدى، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة " (١)
والعودة للفهم الأصيل " فهم السلف الصالح " أصبح اليوم ضرورة ملحة؛ وذلك لجمع شتات الأمة، فتتوحد كلمتهم بتوحد الأصول، فيقل التنازع والتشاحن الذي ابتلي به المسلمون في هذه الأيام، وكل هذا لأنا لم نعِ الوصية النبوية. ... قال رسول الله ﷺ : " وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة. قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي ". (٢)
ﷺ ، فقد دلنا على الفرقة الناجية، فاحرص على النجاة، ... ـ أخي في الله ـ وانضم إلى هذه الفرقة، واحرص في بداية التعلم أن يكون التلقي على منهج السلف الصالح، فإنَّ لذلك أثرًا في استقامتك على الطريقة، فمن صحَّت بدايته صحَّت نهايته، فأصلح نيتك عسى الله أن يُصلح بك، فشتات الأمة اليوم يفجع كل قلب حي، فإن كان طلب العلم ضرورة، فطلبه على منهج السلف ضرورته أشد، وتأتى تلك الضرورة
стр. 145
في الوقت الحاضر بالذات؛ لأنه لا بد للأمة من معالم صحيحة في طريق عودتها إلى الله ، تبين لها المنهج الصحيح في فهم العقيدة التي هي القاعدة الأساسية لبناء المجتمع الإسلامي الصحيح.
وما لم يكن المنهج الذي يُتبع صحيحاً فإنَّ اليقظة الإسلامية ستنحرف عن مجراها السليم، ونحن نعتقد اعتقاداً جازماً أنَّ منهج أهل السنة والجماعة في فهم العقيدة الإسلامية هو المنهج الصحيح الذي يجب تقديمه للأمة الإسلامية اليوم لكي تصبح بحق أمة مسلمة تستحق نصر الله ورضوانه.
وفي هذا المنهج صيانة للعقل البشرى من التمزق والانحراف، وللمجتمع من الفرقة والضلال، ولم يحدث الانحراف في الأمة إلا عندما انحرفت عن هذا المنهج وأعرضت عن وحي الله إلى مناهج بشرية،. بعضها من مخالفات الفلسفة اليونانية الوثنية، وبعضها من نتاج العقول المنحرفة الجاهلة بدين الله، فتفرقت الأمة إلى طوائف ومذاهب، لكل منها منهجه، وطريقته، وإمامه، وأتباعه.
وقد قيض الله في كل فترة من فترات الضعف والانحراف علماء مصلحين يحفظون عقيدة الأمة ويحرسونها، ويردون على من خالفها أو عارضها من صدر الإسلام إلى اليوم وإلى أن تقوم الساعة بمشيئة الله تعالى.
أولاً: ما هي العقيدة ؟
العقيدة لغة: من العقد، والتوثيق والإحكام والربط بقوة.
стр. 146
واصطلاحاً: الإيمان الجازم الذي لا يتطرق إليه شك لدى معتقده.
قيل: معنى العقيدة: هي مجموعة من قضايا الحق البديهية المسلمة بالعقل والسمع والفطرة، ويعقد عليها الإنسان قلبه، وثنى عليها صدره، جازماً بصحتها قاطعاً بوجوبها وثبوتها، لا يرى خلافها أنه يصح أو يكون أبداً.
فالعقيدة الإسلامية تعني: الإيمان الجازم بالله تعالى، وما يجب له من التوحيد والطاعة، وبملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر، وسائر ما ثبت من أمور الغيب، والأخبار، والقطعيات، علميةً كانت أو عملية.
وإذا كنت ـ أيها المتفقه ـ مطالبًا بعقيدة سلفية فهل يا ترى تعرف من السلف؟
من هم السلف؟
السلف: هم صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين، وأئمة الهدى في القرون الثلاثة المفضلة، ويُطلق على كل من اقتدى بهؤلاء وسار على نهجهم في سائر العصور، سلفي نسبة إليهم.
وقد كان يطلق عليهم في البداية " أهل السنة "، لما كانوا هم المتبعين لسنة رسول الله ﷺ ، المقتفين للأثر فسموا " أهل الأثر"، " أهل الحديث ".
стр. 147
ثمَّ لما انتشرت البدع صار يطلق عليهم " أهل السنة والجماعة ".
وأهل السنة والجماعة: هم من كان على مثل ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، وسموا أهل السنة لاستمساكهم واتباعهم لسنة النبي ﷺ ، وسموا " الجماعة " لأنهم الذين اجتمعوا على الحق، ولم يتفرقوا في الدين، واجتمعوا على أئمة الحق؛ ولم يخرجوا عليهم.، واتبعوا ما أجمع عليه سلف الأمة.
ولما صار من المبتدعة من ينسب نفسه إلى هذا اللقب الشريف كان لزامًا أن يمتازوا عن غيرهم ومن هنا نشأ مصطلح " السلفية " نسبة إلى سلف هذه الأمة من أهل الصدر الأول ومن اتبعهم بإحسان.
أبرز قضايا العقيدة السلفية
ومن أهم قضايا العقيدة السلفية " مسألة الصفات " فإن أكثر الخلاف فيها، وخلاصة القول فيها: أنَّ أحاديث وآيات الصفات نمرها كما جاءت دون تعطيل، ... أو تأويل، أو تشبيه، أو تمثيل.
فنثبت أن لله يداً، ولكن ليست كأيدينا، يداً تليق بجلاله وكماله " ليس كمثله شيء وهو السميع البصير" [الشورى/١١].
ونثبت أن الله ينزل، لكن لا كنزولنا، وإنما نزولاً يليق بجلاله وكماله وكماله ... " ليس كمثله شيء وهو السميع البصير" [الشورى/١١]. وهكذا.
стр. 148
قواعد وأصول أهل السنة والجماعة في منهج التلقي والاستدلال.
ويقوم المنهج السلفي على قواعد وأصول تضبط منهج التلقي والاستدلال، فمن ذلك:
أولاً: مصدر العقيدة هو كتاب الله، وسنة رسوله الصحيحة، وإجماع السلف الصالح.
ثانيًا: كل ما صح من سنة رسول الله ﷺ وجب قبوله، وإن كان خبر آحاد.
ثالثًا: المرجع في فهم الكتاب والسنة، هو النصوص المبينة لها، وفهم السلف الصالح، ومن سار على منهجهم من الأئمة، ثم ما صَحّ من لغة العرب، لكن لا يعارض ما ثبت من ذلك بمجرد احتمالات لغوية.
رابعًا: أصول الدين كلها، قد بينها النبي ﷺ ، وليس لأحد أن يُحدث شيئاً زاعماً أنه من الدين بعده.
خامسًا: التسليم لله، ولرسوله ظاهراً وباطناً، فلا يُعارض شيء من الكتاب أو السنة الصحيحة بقياس، ولا ذوق، ولا كشف، ولا قول شيخ، ولا إمام ونحو ذلك ..
سادسًا: العقل الصريح موافق للنقل الصحيح، ولا يتعارض قطعياً منهما، وعند توهم التعارض يقدم النقل.
стр. 149
سابعًا: يجب الالتزام بالألفاظ الشرعية في العقيدة، وتجنب الألفاظ البدعية، والألفاظ المجملة المحتملة للخطأ والصواب، يستفسر عن معناها، فما كان حقاً أثبت بلفظه الشرعي، وما كان باطلاً رُدّ.
ثامنًا: العصمة ثابتة للرسول ﷺ ، والأمة في مجموعها معصومة من الاجتماع على ضلالة.، وأما آحادها فلا عصمة لأحد منهم،. وما اختلف فيه الأئمة وغيرهم فمرجعه إلى الكتاب والسنة، مع الاعتذار للمخطئ من مجتهدي الأمة.
تاسعًا: في الأئمة محدَّثون ملهمون، والرؤيا الصالحة حق، وهي جزء من النبوة، والفراسة الصادقة حق، وهذه كرامات ومبشرات، بشرط موافقتها للشرع، وليست مصدراً للعقيدة ولا للتشريع.
عاشرًا: المراء في الدين مذموم، والمجادلة بالحسنى مشروعة، وما صح النهي عن الخوض فيه وجب امتثال ذلك، ويجب الإمساك بالحسنى عن الخوض فيما لا علم للمسلم به، وتفويض علم ذلك إلى عالمه سبحانه.
حادي عشر: يجب الالتزام بمنهج الوحي في الرد، كما يجب في الاعتقاد والتقدير فلا تُردّ البدعة ببدعة، ولا يقابل التفريط بالغلو، ولا العكس.
стр. 150
ثاني عشر: كل محدثة في الدين بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
خصائص أهل السنة والجماعة وسماتهم
فإذا عرفت أصولهم وقواعدهم في النظر والاستدلال، وسمعت الأدعياء ينعتون أنفسهم بأنهم منهم، فاحرص على معرفة خصائصهم وصفاتهم، فإذا وجدتها فقد أبصرت طريق الهدى، وإلا فدعِي لا تلتفت إليه.
أولا: الاهتمام بكتاب الله حفظاً وتفسيراً وتلاوة، والاهتمام بالحديث معرفة وفهماً وتمييزاً لصحيحه من سقيمه لأنهما مصدر التلقي.
ثانيًا: العمل بالعلم، فالعلم ليس غاية، وإنما هو وسيلة للعمل به، قال تعالى: " إنما يخشى الله من عباده العلماء " [فاطر/٢٨]
قال ابن مسعود: إنما العلم الخشية، فمن أوتى شيئًا من العلم ولم يؤت مثله من الخشوع فهو مخدوع.
ثالثًا: الدخول في الدين كله، والإيمان بالكتاب كله، فيؤمنون بنصوص الوعد ونصوص الوعيد، وبنصوص الإثبات ونصوص التنزيه، ويجمعون بين الإيمان بقدر الله، وإثبات
стр. 151
إرادة العبد ومشيئته وفعله، كما يجمعون بين العلم والعبادة، وبين القوة والرحمة، وبين الأخذ بالأسباب والزهد ..
رابعًا: الاتباع، وترك الابتداع، ونبذ الفرقة والاختلاف في الدين.
خامسًا: الاقتداء والاهتداء بأئمة الهدى العدول المقتدى بهم في العلم والعمل والدعوة، وهم الصحابة ومن سار على نهجهم، ومجانبة من خالف سبيلهم.
سادسًا: الحرص على جمع كلمة المسلمين على الحق، وتوحيد صفوفهم على التوحيد والاتباع، وإبعاد كل أسباب النزاع والخلاف بينهم.
ومن هنا لا يتميزون على الأمة في أصول الدين والاعتقاد باسم سوى "السنة والجماعة " ولا يوالون ولا يعادون على رابطة سوى الإسلام والسنة.
سابعًا: التوسط.
فهم في الاعتقاد وسط بين فرق الغلو وفرق التفريط، وهم في الأعمال والسلوك وسط بين المفْرطين والمفَرِّطين.
ثامنًا: الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بغير منكر، والجهاد بمفهومه الواسع الشامل وضوابطه الشرعية،
стр. 152
وإحياء السنة بنشر العلم، وإيجاد القدوة والدعوة إلى ذلك، والعمل لتجديد الدين، وإقامة شرع الله وحكمه في كل صغيرة وكبيرة ..
تاسعًا: الإنصاف والعدل:
فهم يراعون حق الله تعالى لا حق النفس أو الطائفة؛ ولهذا لا يغالون في مُوالٍ، ولا يجورون على معادٍ، ولا يغمطون ذا فضل فضله أيًّا كان.
عاشرًا: التوافق في الأفهام والتشابه في المواقف رغم تباعد الأقطار والأعصار، وهذا من ثمرات وحدة المصدر والتلقي.
حادي عشر: الإحسان والرحمة وحسن الخُلق مع الخَلق كافة.
ثاني عشر: النصيحة لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم.
ثالث عشر: الاهتمام بأمور المسلمين ونصرتهم، وموالاتهم وأداء حقوقهم، وكف الأذى عنهم مع دوام الدعاء لهم.
стр. 153
المنطلق السادس
الفقه = الفهم
وفهم السلف أعلم وأسلم وأحكم.
стр. 154
المنطلق السادس
فهم السلف
قال الله : " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون " [الحجر/٩]
وقال ﷺ : " نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ غَيْرَهُ فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ " (١)
بالآية والحديث نفهم، وباستقراء الأحوال والنظر في التاريخ نعلم تصديق كلام ربنا وحديث نبينا ﷺ ، فنشهد أن الله قيض لحفظ كتابه وسنة نبيه ﷺ فحولاً جهابذة من أئمة المسلمين، وورثة سيد المرسلين عليه وعلى آله أفضل الصلاة وأتم التسليم، جعلهم الله وسائط ووسائل بين الناس وبين رسوله ﷺ ، يبلغون الناس ما قال، ويفهمون مراد رسول الله، ويقولون: هذا عهد رسول الله إلينا، ونحن عهدناه إليكم.
هكذا يتلقاه كل خالف عن سالف. قال رسول الله ﷺ "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وتأويل الجاهلين، وانتحال المبطلين " (٢)
стр. 155
وفي الصحيح من حديث أبى موسى عن النبي ﷺ قال: " مثل ما بعثني الله تعالى به من الهدى والعلم، كمثل غيث أصاب أرضًا فكان منها طائفة طيبة قبلت الماء فانبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها طائفة أجادب أمسكت الماء فسقى الناس وزرعوا وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه دين الله تعالى ونفعه ما بعثني الله به، فعَلِم وعَّلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به " (١)
يقول ابن القيم ﵀: فجعل النبي ﷺ النَّاس بالنسبة إلى الهدى والعلم ثلاث طبقات: الطبقة الأولى: ورثة الرسل وخلفاء الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ وهم الذين قاموا بالدين علمًا وعملاً، ودعوة إلى الله ورسوله.
فهؤلاء أتباع الرسل صلوات الله عليهم وسلامه حقًا، وهم بمنزلة الطائفة الطيبة من الأرض التي زكت، فقبلت الماء، فانبتت الكلأ والعشب الكثير، فزكت في نفسها، وزكا النَّاس بها، وهؤلاء هم الذين جمعوا بين البصيرة في الدين، والقوة على الدعوة؛ ولذلك كانوا ورثة الأنبياء الذين قال الله تعالى فيهم: " واذكر عبادنا إبراهيم وإسحق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار" [ص /٤٥] أي البصائر في دين الله
стр. 156
عز وجل، فبالبصائر يدرك الحق ويعرف، وبالقوى يتمكن من تبليغه وتنفيذه والدعوة إليه.
فهذه الطبقة كان لها قوة الحفظ والفهم في الدين، والبصر بالتأويل، ففجرت من النصوص أنهار العلوم، واستنبطت منها كنوزها، ورزقت فيها فهمًا خاصًا.
كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ وقد سئل: هل خصكم رسول الله ﷺ بشيء دون الناس؟
فقال: لا ـ والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ـ إلا فهمًا يؤتيه الله عبدًا في كتابه.
فهذا الفهم هو بمنزلة الكلأ والعشب الكثير الذي أنبتته الأرض، وهو الذي تميزت به هذه الطبقة عن الطبقة الثانية، فإنَّها حفظت النصوص، وكان همها حفظها وضبطها، فوردها الناس، وتلقوها منهم، فاستنبطوا منها، واستخرجوا كنوزها، واتجروا فيها، وبذروها في أرض قابلة للزرع والنبات، ووردها كل بحسبه " قد علم كل أناس مشربهم " [البقرة /٦٠]
وهؤلاء هم الذين قال فيهم النبي: " نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ غَيْرَهُ فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ ... بِفَقِيهٍ " (١)
стр. 157
وهذا عبد الله بن عباس حبر الأمة وترجمان القران، مقدار ما سمع من النبي لم يبلغ نحو العشرين حديثًا، الذي يقول فيه " سمعت " و" رأيت "، وسمع الكثير من الصحابة، وبورك في فهمه، والاستنباط منه حتى ملأ الدنيا علمًا وفقهًا.
قال أبو محمد بن حزم: وجمعت فتاويه في سبعه أسفار كبار، وهي بحسب ما بلغ جامعها، وإلا فعلم ابن عباس كالبحر، وفقهه واستنباطه وفهمه في القران بالموضع الذي فاق به الناس، وقد سمع كما سمعوا، وحفظ القران كما حفظوه، ولكن أرضه كانت من أطيب الأراضي، وأقبلها للزرع، فبذر فيها النصوص، فانبتت من كل زوج كريم، " ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم " [الحديد /٢١]
وأين تقع فتاوى ابن عباس وتفسيره واستنباطه من فتاوى أبي هريرة وتفسيره، وأبو هريرة أحفظ منه، بل هو حافظ الأمة على الإطلاق، يؤدي الحديث كما سمعه، ويدرسه بالليل درسًا، فكانت همته مصروفة إلى الحفظ، وبلغ ما حفظه كما سمعه، وهمة ابن عباس مصروفة إلى التفقه والاستنباط، وتفجير النصوص وشق الأنهار منها، واستخراج كنوزها. وهكذا الناس بعده قسمان:
قسم الحفاظ معتنون بالضبط والحفظ، والأداء كما سمعوا، ولا يستنبطون، ولا يستخرجون كنوز ما حفظوه.
стр. 158
وقسم معتنون بالاستنباط، واستخراج الأحكام من النصوص، والتفقه فيها.
فالأول: كأبي زرعة، وأبى حاتم، وابن وارة، وقبلهم كبندار محمد بن بشار، وعمرو الناقد، وعبد الرزاق، وقبلهم كمحمد بن جعفر غندر، وسعيد بن أبي عروبة، وغيرهم من أهل الحفظ والإتقان، والضبط لما سمعوه، من غير استنباط وتصرف واستخراج الأحكام من ألفاظ النصوص.
والقسم الثاني: كمالك، والشافعي، والأوزاعي، وإسحق، والإمام أحمد بن حنبل، والبخاري، وأبي داود، ومحمد بن نصر المروزي، وأمثالهم ممن جمع الاستنباط والفقه إلى الرواية.
فهاتان الطائفتان هما أسعد الخلق بما بعث الله تعالى به رسوله، وهم الذين قبلوه، ورفعوا به رأسًا.
وأما الطائفة الثالثة: وهم أشقى الخلق، الذين لم يقبلوا هدي الله، ولم يرفعوا به رأسًا، فلا حفظ، ولا فهم، ولا رواية، ولا دراية، ولا رعاية.
فالطبقة الأولى: أهل رواية ودراية.
والطبقة الثانية: أهل رواية ورعاية، ولهم نصيب من الدراية، بل حفظهم من الرواية أوفر.
стр. 159
والطبقة الثالثة: الأشقياء، لا رواية، ولا دراية، ولا رعاية، " إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا " [الفرقان /٤٤] فهم الذين يضيقون الديار، ويغلون الأسعار، إنْ همة أحدهم إلا بطنه وفرجه، فإن ترقت همته كان همه ـ مع ذلك ـ لباسه وزينته، فإن ترقت همته فوق ذلك كان همه في الرياسة والانتصار للنفس الغضبية، فإن ارتفعت همته عن نصرة النفس الغضبية كان همه في نصرة النفس الكلبية، فإن لم يعطها انتقل إلى نصرة النفس السبعية، فلا يعطيها إلا واحد من هؤلاء فإنَّ النفوس: كلبية، وسبعية، وملكية.
فالكلبية تقنع بالعظم والكسرة والجيفة والقذرة.
والسبعية لا تقنع بذلك، بل بقهر النفوس، تريد الاستعلاء عليها بالحق والباطل.
وأما الملكية فقد ارتفعت عن ذلك، وشمرت إلى الرفيق الأعلى، فهمتها العلم والإيمان ومحبة الله تعالى، والإنابة إليه، وإيثار محبته ومرضاته، وانما تأخذ من الدنيا ما تأخذ؛ لتستعين به على الوصول إلى فاطرها وربها ووليها لا لتنقطع به عنه " (١) أهـ
بعد هذا الكلام المتين لابن القيم ـ رحمه الله تعالى وملأ قبره نوراً ـ، علمنا أنَّ النَّاس في العلم صنفان بتصنيف رسول الله ﷺ :
حفاظ نقلة. ... فقهاء مجتهدون.
стр. 160
وقد يجمع الوصفين رجال ـ رضي الله عن الجميع. ـ فهؤلاء حملوا الدين، حملوا العلم من الصحابة فمن بعدهم، حملوه كاملاً مكملاً، وبلغوه كما حملوه، لم يتركوا صغيرة ولا كبيرة فعلها أو قالها أو أقرها رسول الله ﷺ إلا ونقلوها كما قال، وفهم بعضهم عن رسول الله ﷺ قوله فاستنبطوا الأحكام من النصوص، فهموا معاني الكتاب والسنة تارة من نفس القول، وتارة من معناه، وتارة من علة الحكم، حتى نزلوا الوقائع التي لم تذكر على ما ذكر، وسهلوا لمن جاء بعدهم طريق ذلك.
وهكذا جرى الأمر في كل علم توقف عليه فهم الشريعة بعدهم، واحتيج في إيضاحها إليه، ومن تمام العصمة أن جعل الله العلماء أعداداً غفيرة، فإذا أخطأ الواحد في شيء رده الآخر، وأصاب الثالث.، ثم قيض الله من بعدهم تلاميذهم، فتعقبوا أقوالهم، وبينوا ما كان من خطأ، وأثبتوا ما كان من صواب، كل ذلك من حفظ الله لذلك الدين، حتى يكون أهله كما وصفهم الله: " يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر" [التوبة/٧١]
ومن تمام العصمة أن تجد مع هذه الكثرة، منهم الحافظ الضابط العدل، ومنهم الحكيم الفقيه المتقن، ومنهم أهل اللغة، ومنهم أهل القراءات، ومنهم أهل الأصول، ومنهم العلماء بالرجال الخبراء بمراتبهم، والكل يكمل بعضهم بعضاً، ويحيلون أصحاب كل سؤال عن علم إلى عالمه، واقرأ معي هذا الأثر البديع وتأمل ـ لا حرمك الله فقهه ـ آمين.
стр. 161
روى الدارمي في سننه قال: أخبرنا الحكم بن المبارك أخبرنا عمرو بن يحيى قال: سمعت أبي يحدث عن أبيه قال: كنا نجلس على باب عبد الله بن مسعود قبل صلاة الغداة فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد، فجاءنا أبو موسى الأشعري فقال: أخرج إليكم أبو عبد الرحمن بعد؟
قلنا: لا. فجلس معنا حتى خرج، فلما خرج قمنا إليه جميعًا.
فقال له أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن إني رأيت في المسجد آنفا أمرًا أنكرته، ولم أر ـ والحمد لله ـ إلا خيرًا.
قال: فما هو؟ فقال: إنْ عشت فستراه.
قال: رأيت في المسجد قومًا حلقًا جلوسًا ينتظرون الصلاة، في كل حلقة رجل، وفي أيديهم حصى، فيقول: كبروا مائة. فيكبرون مائة، فيقول: هللوا مائة. فيهللون مائة، ويقول سبحوا مائة. فيسبحون مائة.
قال: فماذا قلت لهم؟
قال: ما قلت لهم شيئًا انتظار رأيك وانتظار أمرك.
قال: أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم، وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم.
ثم مضى، ومضينا معه حتى أتى حلقة من تلك الحلق فوقف عليهم.
فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟
قالوا: يا أبا عبد الرحمن حصى نعد به التكبير والتهليل والتسبيح.
стр. 162
قال: فعدوا سيئاتكم، فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء، ويحكم يا أمة محمد، ما أسرع هلكتكم!! هؤلاء صحابة نبيكم ﷺ متوافرون، وهذه ثيابه لم تبل، وآنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد، أو مفتتحو باب ضلالة.
قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير.
قال: وكم من مريد للخير لن يصيبه، إنَّ رسول الله ﷺ حدثنا أنَّ قومًا يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، وأيم الله ما أدري لعل أكثرهم منكم، ثم تولى عنهم.
فقال عمرو بن سلمة: رأينا عامة أولئك الحلق يطاعنونا يوم النهروان مع الخوارج " (١).
إنَّ هذا الحديث يمثل درساً تربوياً واقعياً، وهو ـ أيضاً ـ مقصود لنصل إلى بيت القصيد.
كيف نطلب علم الفقه ؟
يقول الشيخ عبد العزيز القارئ ـ حفظه الله ـ في كتابه " برنامج عملي للمتفقهين ": وقد وجدنا لمن يطلب الفقه بالجلوس في حلقات أهل العلم أنَّ أحكم طريقة وأسرع وأحسن وسيلة توصله إلى غايته أن يتخذ واحداً من المذاهب الأربعة وسيلة للتفقه في الشريعة أي أن يتمذهب.
ولماذا أخص هذه المذاهب الفقهية الأربعة بالذكر؟
стр. 163
لأن باقي المذهب الفقهية إما قد اندرس أكثرها، مثل: الأوزاعية، السفيانية، وإما هو غير معتبر كالظاهرية، فلذلك أحسن وسيلة للتفقه في الشريعة أن تتمذهب بواحد من المذاهب الأربعة، تختار أحدهم فكلها طرق للتفقه في الشريعة.
وهذه المذاهب الأربعة نقلتها الأمة بعناية فائقة، وتضافرت على ذلك، حتى وصلتنا مخدومة متبوعة، لها أتباع كثيرون، وتسابق العلماء على خدمتها بالشرح والتأليف، والتأصيل والتفريغ، والاستدلال والاستنباط، وتخريج الأدلة والنصوص، والترجمة لفقهاء المذاهب، وبيان أحوالهم، فشكلت هذه المذاهب مدارس فقهية زاخرة، غنية بالثروة الفقهية اليافعة المرموقة.، ولذلك ـ يا متفقه ـ إذا اخترت مذهباً منها فاتخذته وسيلة للتفقه في أحكام الشريعة، فإنك ترتع في دوحات تلك المدرسة، وتروى غليلك وظمأك من أنهارها وثمارها، فكل مذهب منها مدرسة فقهية قائمة، تضافر العلماء على خدمتها، فتجد في ظلال هذه المدارس الأربعة الفقهية من وسائل الفقه ما لا تجده في غيرها من المذاهب. لماذا أقول هذا؟
رداً على بعض العلماء المتأخرين، وهو ـ الشوكاني ﵀ فإنه دعا المتفقهين إلى التفقه بعيداً عن هذه المذاهب الأربعة، ولما درست كلام الشوكاني من خلال ما كتب في كتابيه " أدب الطلب " ... و" القول المفيد في الاجتهاد والتقليد "، وجدت أنَّ دعوته هذه كانت رد فعل وقتي
стр. 164
للجمود الذي سيطر، والتعصب الذي استفحل في عصره ... ﵀ وهو من أهل القرن الثالث عشر، خاصة في بلده اليمن، فأراد الشوكاني أن يكسر من حدة هذين الداءين بهذه الدعوة، ولكنه لا يعنى هذا أن هذا المنهج الذي يدعو إليه قابل للتطبيق، أو أنه عند التطبيق نتائجه محمودة، إنه ليس حلاً معقولاً، ولا حلاً عملياً أن يتفقه المتفقهون بعيداً عن هذه المدارس الفقهية الكبرى الزاخرة الغنية، ولذلك فإن الذين حاولوا من المتفقهين أن ينفذوا رأى الشوكاني ﵀ فروا من كتب المذاهب الأربعة إلى كتب الشوكاني نفسه، فاقتربوا من التمذهب، ولكن بمذهب الشوكاني.
وأما الذين حاولوا أن يتفقهوا في الشريعة بواسطة كتب المحدثين ﵏ فالغالب أنهم يتشتتون، ويضيعون.
فعليك ـ يا متفقه ـ أن تتخذ التمذهب وسيلة إلى التفقه في أحكام الشريعة، وسيلة وليس غاية، أما إذا وقعت في داء التعصب والجمود، انقلب التمذهب حينئذ غاية، وحينئذ لا تصل إلى الغاية التي هي معرفة حكم الله، تحجبها سحب الجمود، ويحجبها غبار التعصب؛ لذلك ليس معنى اقتراحنا عليك ـ أيها المتفقه ـ أن تتخذ التمذهب بأحد المذاهب الفقهية الأربعة المشهورة وسيلة للتفقه، أننا نبيح لك التعصب "
ثم قال: " فالمبتدئ في أول طريق التفقه لا يستغني أبداً عن تلقى الفقه بواسطة هذه المتون الفقهية، حتى إذا درب بالفقه واعتاده، وبدأت
стр. 165
ملكته تنشأ عنده، وبدأت لغته تطبعها بطابعها، وتكتسب الدربة أيضاً على فهم ما في النصوص من أحكام ظاهرة أو خفية، وأدرك أنواع الدلالات وطرق الاستنباط، حينئذٍ يرتقى درجات السلم شيئاً فشيئاً، حتى يقدر على الترجيح، ثم الاجتهاد في حدود المذهب، فالمجتهدون درجات: مجتهد مسألة، ومجتهد مذهب، ومجتهد مقارن بين المذاهب، ومجتهد إمام مطلق.
فأمور الفقه وشئونه مضبوطة مرتبة، وسلم التلقي فيه منتظم، فلا يُعقل ـ مع هذا ـ أن نقول للمتفقه المبتدئ لا تعبأ بكل ذلك، وأزح عن طريقك ذلك السلم، واختصر المسافة بالقفز إلى الاجتهاد.، كن حراً في تفكيرك، مستقلاً في فقهك؛ فإذا كنا نريد بهذه النصيحة معالجة داء الجمود والتعصب، فقد داوينا الداء بداء آخر هو الفوضى" انتهى كلامه ـ رحمه الله تعالى ونفع به ـ
أيا طالب العلم:
أولاً: أقول وقل معي: اللهم اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنَّك تهدى من تشاء إلى صراط مستقيم، اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه، اللهم إنَّا نعوذ بك أن نضلَّ أو نُضل، اللهم آمين.
стр. 166
أظن ـ والله أعلم ـ أن هذه القضية خصوصاً في هذا العصر قد تثير زوبعة، ولكن نسأل الله أن يجعلنا ممن لا يخاف في الله لومة لائم.
أقول ـ وبالله التوفيق ومنه الإعانة ـ: أننا إذا أردنا أن نستخرج جيلاً من العلماء، ونعيد ابتعاث أحد من الفقهاء، فلا سبيل إلى ذلك إلا بسلوك طريق السلف، واقتفاء آثارهم في الطلب، فها نحن ننظر في علماء سلفنا ـ رضوان الله عليهم أجمعين ـ فلا نرى إلا أتباع المذاهب، فنقرأ مثلاً في العقيدة الطحاوية للإمام الطحاوي ... الحنفي، وللبيهقي الشافعي، ولابن عبد البر المالكي، ولابن قدامة الحنبلي.
هل تعرف النسفي والزيلعى والعيني الأحناف؟ وابن العربي وعبد الله بن وهب وعبد الرحمن بن القاسم والقرطبي وابن رشد المالكيين؟ والنووي والذهبي والسبكي وابن كثير الشافعية؟ وابن الجوزى وابن رجب وابن تيمية وابن القيم الحنابلة؟
هؤلاء علماؤنا وأئمتنا الذين رضينا علمهم، وتتلمذنا على كتبهم، فلِم لا نرضى طريقتهم وسيرتهم في الطلب؟!!
كان أحدهم يبدأ في أحد هذه المذاهب بدراسة متن مختصر أولاً، ثم يتدرج في المذهب كتاباً كتاباً، وشيخاً شيخاً حتى يصل إلى درجة الاجتهاد على التفصيل الذي ذكره الشيخ القارئ ـ حفظه الله. ـ إنك لا تجد ما يحدث اليوم في طريقة التلقي عن السلف، إنك تجد اليوم الشاب يبدأ بالفقه المقارن فيتشتت وينقطع ولا يتعلم.
стр. 167
سنجد اليوم من يقول: إنَّك تقضى بذلك على جهاد السلفيين في القضاء على التمذهب، تريد أن نعود إلى الوراء، وإلى التعصب وإلى الظلام و ... و ... الخ.
وهذه ـ لعمر الله ـ اتهامات جائرة وادعاءات باطلة، إنَّ كلامنا واضح ومحدد وصريح، نريد أن نعود بالتعلم إلى طريقة السلف، فهي التي أنتجت الأئمة، وأفرزت القادة، وأفرزت الدعاة، وجعلتهم قادة وسادة، حكماء وفقهاء، علماء وأمراء، عاملون زهاد، فلا نقول: التمذهب الممقوت المصحوب بالتعصب والجمود، لا. .. لا، إننا نقول: تعلم في البداية عن طريق المذهب الذي ترتضى أصوله وشيوخه بشروط ثلاثة:
١) أن هذا التمذهب والترقي في طلبه ليس فرضاً ولا شرطاً.
٢) عدم التعصب للمذهب.
٣) إذا ظهر الدليل الصحيح الصريح خلاف المذهب وجب الأخذ به.
فأنا أطالب صراحة بالتمذهب للتعلم، أمَّا عند العمل فعلى الدليل، وليست هذه طريقة جديدة، بل هي دعوة الأئمة أنفسهم " إذا صحَّ الحديث فهو مذهبي" كلمة تواترت على ألسنتهم جميعاً باتفاق، وعمل الأئمة عليها من بعدهم، ولكن للأسف صارت المذاهب سوءة، وصار الانتساب إليها عورة، وصارت الدعوة المقبولة اليوم عند أكثر الشباب التحرر من كل شيء، والتخلص من كل قيد، فنشأ الشاب الزئبقي
стр. 168
المطاط، الذي لا تجد له منهجاً يضبطه، ولا شيخاً يربطه، ولا مذهباً يحكمه، ولا شيء بل هو حر في عصر الحرية، يفعل ما يشاء، ويأتي ما يريد، فكان الضياع الذي تراه اليوم.
ماذا أخرجت لنا الصحوة على مدار السنين الطويلة الماضية؟
كم فقيهاً ترى؟ كم مجتهداً تجد؟ كم عالماً جهبذاً تشهد؟
أبداً، إنما وجدنا فقط ادعاءات ومزايدات، دعاوى العلم والاجتهاد أكثر من الوجود الحقيقي للعلم النافع.، شاهدنا ـ وللأسف الشديد ـ
١) الجرأة على العلماء بالتخطئة والرد والقذف.
٢) التسرع في الفتوى بغير علم ..
٣) الظاهرية المتفشية حتى صارت هي المذهب المحبوب.
٤) الانقطاع وعدم التمام أبداً.
٥) شباب صغير مبتدئ لا يُحسن التهجي في الفقه يحكم بين أقوال أهل العلم الفحول ويصوِّب ويخطئ ويرجح.
فلا تجد ـ ولا تكاد تجد أبداً ـ أحداً منهم أتم كتاباً من كتب الفقه أو العقيدة، وإنما هو باب الطهارة، وإن زاد فالصلاة، والصيام كل رمضان، والزكاة نادراً، والأقل من انتهى من المجلد الأول من فقه السنة، أما أكثر من ذلك فلا.
٥) أصبح المشهور فقط فقه المسائل المشهورة ..
стр. 169
٦) وأيضاً ـ ويا للأسف ـ التعصب الممقوت للمشايخ، وللآراء الموافقة للأهواء، والموالاة والمعادة عليها.
إن الذين نبذوا المذاهب فراراً من التعصب، وقعوا في التعصب ضد المذاهب، ولذلك لا تكاد تذكر المذاهب إلا بالعيب والنقص ..
وما سبق أن ذكرناه من الاحترازات عند التمذهب للتعلم ليس غريب على سلفنا.
خذ مثالاً واحداً فقط: في مسألة الوضوء من لحوم الإبل
أنقل قول أحد علماء المالكية وأحد علماء الشافعية ومذهبيهما بخلاف الحديث:
قال الإمام النووي: وهذا المذهب أقوى دليلاً، (يعني وجوب الوضوء من لحوم الإبل) وإن كان الجمهور على خلافه.، وقد أجاب الجمهور عن هذا الحديث بحديث جابر: " كان آخر الأمرين من رسول الله ترك الوضوء ممَّا مست النار" (١) ولكن هذا الحديث عام، وحديث الوضوء من لحوم الإبل خاص، والخاص مقدم على العام. (٢)
стр. 170
وقال القاضي أبو بكر بن العربي: وحديث لحم الإبل صحيح مشهور، وليس يقوى عندي ترك الوضوء منه، وحاول بعضهم أن يتلمس حكمة لوجوب الوضوء من لحوم الإبل، ولسنا نذهب هذا المذهب، ولكن نقول كما قال الشافعي في الأم " إنما الوضوء والغسل تعبد". (١)
هكذا كان العلماء يدورون مع الدليل حيث دار، وليس بحسن أن تُزَهَّد الأمة في المذاهب، وتشوه صورتها عند الخاصة والعامة، ويتعمد نشر أخطاء المذاهب، ونقل صورة المتأخرين من متعصبي المذاهب، فلا تكاد تسمع إلا أنه كان يصلى في المسجد الواحد أربع جماعات، كل مذهب يصلى أصحابه وحدهم مرة، أو مسائل الزواج بين الشافعية والحنفية، أو افتراضات المسائل التي لم تقع والجواب عنها.
كل هذه الأخطاء ـ وإن وقعت ـ لا تعني أن نهدم تراث هذه الأمة بجرة ... قلم، وإنما الإنصاف واجب وإن كان عزيزًا، فالتعصب نمقته ونجاهده ولا نقر به، ومعاذ الله أن نقول عن الخطأ صواباً، ولا عن الصواب خطأ.، فالتعصب حرام، ولكن سواء كان للمذهب أو للأشخاص.
وأما في افتراض المسائل التي لم تقع فهذه رياضات عقلية نافعة لمن تفرغ من العلماء، ولا عليك أن تشغل نفسك بهاـ إن شئت ـ وإن شئت فتعلمها فهي مما يفخر به الفقهاء، ولكن بعد الانتهاء من فروض
стр. 171
الأعيان والاكتفاء من فروض الكفايات، وهذه المسائل نافعة في عصور ركود الفقه، وغياب الفقهاء من عصرنا.
فمثلاً: افترض فقهاء الحنفية مسائل كـ:
من صلى وعلى ظهره قربة فساء، هل تصح صلاته.؟ قد يضحك بعضنا ويقول: ولا يتصور أن تملأ قربة فساء. .
قلنا: وجدنا الصورة في عصرنا طبيب يحمل في جيبه عينة بول أو براز، ثمَّ ينسى ويصلى، وزجاجة العينة في جيبه هل تصح صلاته.؟ ورد الافتراض.
وكذلك مسألة الصلاة على الأرجوحة. من المسائل المفترضة قديماً، وهي أيضاً مضحكة للصغار فهل يتخيل مجنون يصلى على الأرجوحة.؟
وكان الافتراض منشؤه عدم السجود على الأرض، وكان جواب المسألة جواب من يسأل عن الصلاة في الطائرة في عصرنا.
أرأيت سعة أفق الفقهاء كيف نفع المتأخرين من أمثالنا!!، فهذا شيء لا يعاب، ولا يستحيا منه، إلا إذا تشوغل به عن مهمات هي أولى، وأقيمت عليه معارك.
ولذلك نقول: إنه لا داعي لتجريح أصحاب المذاهب، فإن شئت فتعلم عن طريق أحد المذاهب، وهو الأولى والأحرى والأصح، والطريق الموصل للعلم النافع الصحيح، والسبيل لتخريج الفقهاء والعلماء، وإلا فالسبيل واسعة ولا عليك ولكن احفظ لسانك، وكن كيفما شئت، وانتفع معي بهذه الضوابط الآتية ولا تتعجل في الحكم ولا في الرد:
стр. 172
قواعد وتنبيهات على أصول الأحكام
قد ذكر العلامة عبد الرحمن بن قاسم النجدي صاحب حاشية الروض المربع في بداية حاشيته أصول وقواعد وتنبيهات على أصول الأحكام ننقلها هنا لأهميتها.
قال ـ رحمه الله تعالى ـ: قال شيخ الإسلام وغيره:
١) وقول بعض الأئمة كالأربعة وغيرهم ليس حجة لازمة، ولا إجماعاً باتفاق المسلمين، إذا خرج من خلافهم متوخياً مواطن الاتفاق مهما أمكنه كان آخذاً بالحزم.، وعاملاً بالأولى.، وكذلك إذا قصد في مواطن، وتوخي ما عليه الأكثر منهم، والعمل بما قاله الجمهور دون الواحد، فإنه قد أخذ بالحزم والأحوط والأولى، ما لم يخالف كتاباً ولا سنة.
٢) وكل مسألة دائرة بين نفي وإثبات لا بد فيها من حق ثابت في نفس الأمر أو تفصيل، وإن كان لا يمكن أن يعمل فيها بقول يجمع عليه، لكن ـ ولله الحمد ـ القول الصحيح عليه دلائل شرعية، تبين الحق.
٣) وأجمع المسلمون على أن الله أعطى نبيه محمد ﷺ جوامع الكلم.، فتكلم بالكلمة الجامعة العامة التي هي قضية كلية، وقاعدة عامة، تتناول أنواعاً كثيرة.، وتلك الأنواع تتناول أعياناً لا تحصى، وبهذا الوجه تكون النصوص محيطة بأحكام أفعال العباد، ولا ينكر ذلك إلا من لم يفهم معاني النصوص
стр. 173
العامة وشمولها.، وقال تعالى: " اليوم أكملت لكم دينكم " [المائدة /٣]، وقال ﷺ : "وتركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدى إلا هالك (١) ".
٤) ولما كان كثير من المسائل لا يعرفها كثير من الناس، أمروا بسؤال أهل العلم بالأحكام، قال تعالى: " فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون " [النحل /٤٣]، وقال ﷺ "ألا سألوا إذ لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال" (٢)، فالواجب على المكلف إذ لم تكن فيه أهلية لمعرفة الدليل من الكتاب والسنة سؤال أهل العلم.، وليس المراد التقليد المذموم.، وهو أن يقلد الرجل شخصاً بعينه في التحريم والتحليل بغير دليل، بل المراد الاقتداء الذي لا يعرف الحق إلا به، وهو الاقتداء بمن يحتج لقوله بكتاب الله وسنة نبيه محمد ﷺ ، وليس في الحقيقة بمقلد، بل متبع لتلك الأدلة الشرعية، مجتهد فيما اختاره. داخل تحت قوله " واجعلنا للمتقين إماما " [الفرقان /٧٤] ... أئمة نقتدي بمن قبلنا، ويقتدي بنا من بعدنا ..
٥) وكل قول صحيح فهو يخرج على قواعد الأئمة الأربعة بلا ريب، فقد اتفقوا على أصول الأحكام،. فإذا تبين رجحان قول وصحة
стр. 174
مأخذه خرجه على قواعد إمامه. فهو مذهبه، وقد صرحوا بأن النصوص الصحيحة الصريحة التي لا معارض لها ولا ناسخ. وكذا مسائل الإجماع لا مذاهب فيها.، وإنما المذاهب فيما فهموا من النصوص،. أو علمه أحد دون أحد، أو في مسائل الاجتهاد ونحو ذلك.، واتفقوا على أنه لا يجوز أن يقال: قول هذا صواب دون قول هذا إلا بحجة.
٦) أقوال أهل العلم يحتج لها بالأدلة الشرعية. لا يحتج بها على الأدلة الشرعية، وتذكر وتورد في المعارضات والالتباس.، والعلم بها من أسباب الفهم عن الله ورسوله.
فإنهم قصدوا تجريد المتابعة للرسول ﷺ ، والوقوف مع سنته، ولم يلتفتوا إلى خلاف أحد، بل أنكروا على من خالف سنة رسول الله ﷺ ، كائناً من كان، ولا يجوز تعليل الأحكام بالخلاف، فإن تعليلها بذلك علة باطلة في نفس الأمر،.فإن الخلاف ليس من الصفات التي يعلق الشارع بها الأحكام في نفس الأمر، وإنما ذلك وصف حادث بعد النبي ﷺ ، وليس يسلكه إلا من لم يكن عالماً بالأدلة الشرعية في نفس الأمر؛ لطلب الاحتياط.
٧) فضل الأئمة الأربعة وكذا غيرهم من أئمة الدين، ووجوب توقيرهم واحترامهم، والتحذير من بغضهم وازدرائهم قد تظاهرت به الآيات وصحيح الأخبار والآثار، وتواترت به الدلائل العقلية والنقلية وتوافقت.
стр. 175
وهم أهل الفضل علينا، ونقلوا الدين إلينا، وعول جمهور المسلمين على العمل بمذاهبهم، من صدر الإسلام إلى يومنا هذا،.بل لا يعرف العلم إلا من كتبهم، ولم يحفظ الدين إلا من طريقهم.، فيجب احترامهم وتوقيرهم، والاعتراف بقدرهم، وتحسين الظن بهم،. فهم من خيار الأمة، وخلفاء الرسول ﷺ ، ومعرفة أقوالهم سبب للإصابة ومعرفة الحق، لا سيما أهل الحديث فإنهم أعظم الناس بحثاً عن أقواله ﷺ ، وأفعاله، وتقريراته، وطلباً لعلمها، وأرغب الناس في اتباعها، وأبعد الناس عن اتباع ما يخالفها.
ومقدمهم الإمام أحمد بن حنبل الذي قال فيه شيخ الإسلام وغيره: أحمد أعلم من غيره بالكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين، ولا يكاد يوجد له قول يخالف نصاً، كما يوجد لغيره، لكن لا ندعي فيه ولا في أحد منهم العصمة، ولا نتخذهم أرباباً من دون الله، وما وجد في بعض كتبهم من خطأ فمردود على قائله، مع إحسان الظن به.
والفقهاء المنتسبون إليهم لم يختاروا مذاهبهم عند عدم الدليل إلا عن اجتهاد لا عن مجرد تقليد، كما ظنه من لم يحقق النظر في مصنفاتهم، ومع ذلك فليسوا بمعصومين. " (١).
ثمَّ أشار إلى مسألتنا هذه ـ أعني التمذهب ـ وبين القول الفصل فيها، وأنَّ التمذهب غير واجب، كما أنَّ اتباع الهوى غير مشروع، وإنما ندور مع الدليل حيث دار، وليس معنى هذا أنْ تهجر المذاهب كما
стр. 176
يظن بعضنا، إذ فرق بين كونه غير واجب وبين القول بحرمته، وإنما نقول: إنَّ التمذهب للناشئ في الطلب أمر جيد يضبط له العلم، ثمَّ عندما ترسخ قدمه، ويعرف الحق بأدلته، فإنما يلزمه الدليل، لاسيما والأمر قد يشتبه على الكثيرين، مع الاختلاف الأصولي حول بعض الأدلة، ناهيك عن الاختلاف في الدلالات وتعيين بعضها دون الآخر.
يقول الشيخ عبد الرحمن بن قاسم النجدي: " ولا يجب التزام مذهب معين إلا قول رسول الله ﷺ ، ومن التزام مذهباً معيناً ثم فعل خلافه من غير تقليد لعالم آخر أفتاه، ولا استدلال بدليل يقتضي خلاف ذلك، ومن غير عذر شرعي يبيح له فعله،. فإنما يكون متبعاً لهواه، فإنه ليس لأحد أن يعتقد الشيء واجباً أو محرماً، ثم يعتقد الواجب حراماً والمحرم واجباً بمجرد هواه، كمسألة الجد، وشرب النبيذ، وأما إذا تبين له ما يوجب رجحان قول على قول بالدليل، أو رجحان مفت فيجوز بل يجب، والعاجز إذا اتبع من هو من أهل العلم والدين، ولم يتبين له أن قول غيره أرجح، فهو محمود مثاب، والله الموفق للصواب."
إخوتاه ..
لقد كان من الإيجابيات التي تذكر للعمل الإسلامي المعاصر أنه كسر حاجز التقليد، وحمل على عاتقه تجديد العمل بالأدلة الشرعية، وأزال الغبار عن كتب السنة بعد أن أوشكت أن
стр. 177
تكون نسياً منسياً، وقد يكون من بين الآثار الجانبية لهذا العمل بعض الغلو الذي تتسم به غالباً ردود الأفعال، فإذا كان بعض الناس يوجبون التقليد، حتى على المتخصصين من أهل العلم، جاء من أبناء العمل الإسلامي من يحرمه حتى على العامة.
وإذا كان الناس لا يعرفون أدلة على الفقه إلا مقالات الأئمة، فقد جاء من أهل العمل الإسلامي من يرد مقالات الأئمة كافة ويقول: " هم رجال ونحن رجال ".، ويشترط لصحة الفتوى أن تكون مصحوبة بالدليل، وإلا فهي رد، مهما كانت مرتبة السائل ومرتبة المسئول.
والذي عليه سلف الأمة ـ وهو قول الجمهور ـ أنَّ التقليد جائز للعاجز عن الاجتهاد، قال تعالى: " فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر " [النحل /٤٣ - ٤٤] فهذه الآية نص وجوب رجوع الجاهل إلى أهل الذكر، وسؤالهم عما لا يعلمه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " والذي عليه جماهير الأمة أنَّ الاجتهاد جائز في الجملة، والتقليد جائز في الجملة، لا يوجبون الاجتهاد على كل أحد ويحرمون التقليد، ولا يوجبون التقليد على كل أحد ويحرمون الاجتهاد، وأن الاجتهاد جائز للقادر على الاجتهاد، والتقليد جائز للعاجز عن الاجتهاد ". (١)
قال ابن قدامة: " وأما التقليد في الفروع فهو جائز إجماعًا، فكانت الحجة فيه الإجماع؛ ولأن المجتهد في الفروع إما مصيب وإما مخطئ
стр. 178
مثاب غير مأثوم، .. فلهذا جاز التقليد فيها بل وجب على العامي ذلك " (١)
وقال أيضًا: " وذهب بعض القدرية إلى أنَّ العامة يلزمهم النظر في الدليل في الفروع أيضًا، وهو باطل بإجماع الصحابة، فإنهم كانوا يفتون العامة ولا يأمرونهم بنيل درجة الاجتهاد، وذلك معلوم بالضرورة والتواتر من علمائهم وعوامهم.
ولأن الإجماع منعقد على تكليف العامي الأحكام، وتكليفه رتبة الاجتهاد يؤدي إلى انقطاع الحرث والنسل، وتعطيل الحرف والصنائع، فيؤدي إلى خراب الدنيا.
ثم ماذا يصنع العامي إذا نزلت به حادثة، إن لم يثبت لها حكم إلى أن يبلغ رتبة الاجتهاد فإلى متى يصير مجتهدًا، ولعله لا يبلغ ذلك أبدا، فتضيع الأحكام، فلم يبق إلا سؤال العلماء، وقد أمر الله تعالى بسؤال العلماء في قوله تعالى: " فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون " [النحل /٤٣] (٢)
ويقول الرازي في المحصول: " يجوز للعامي أن يقلد المجتهد في فروع الشرع خلافًا لمعتزلة بغداد " ثم استدل على ذلك بقوله: " لنا وجهان: الأول: إجماع الأمة قبل حدوث المخالف؛ لأن العلماء في كل عصر لا ينكرون على العامة الاقتصار على مجرد أقاويلهم، ولا يلزمونهم أن يسألوهم عن وجه اجتهادهم " (٣)
стр. 179
يقول محمد الأمين الشنقيطي: " ولم يخالف في جواز التقليد للعامي إلا بعض القدرية، والأصل في التقليد قوله تعالى: " ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون " ... [التوبة/١٢٢]، وقوله تعالى: " فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون " [النحل /٤٣] وإجماع الصحابة عليه " (١)
فلابد للعامي الذي لم يبلغ رتبة الاجتهاد أن يتبع قول إمام من الأئمة حتى لا يتفرد بفهم ليس له سلف في مسألة من المسائل، وإلا كان مبتدعاً في الدين، ومتبعاً لغير سبيل المؤمنين في هذه المسألة، قال تعالى: " ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً " [النساء/١١٥]
حكم التقليد
إن التقليد منه ما هو مشروع، ومنه ما هو ممنوع.
فالتقليد المشروع: هو عمل العامي بمذهب المجتهد دون معرفة دليله معرفة تامة.، وقد قال بمشروعية هذا النوع من التقليد جمهور العلماء ..
أما التقليد الممنوع: فهو التقليد فيما قامت عليه الأدلة على خلافه، أو تقليد إمام بعينه دون سواه، بحيث تقبل جميع أقواله، وإن خالف بعضها الحق، وترد جميع أقوال غيره، وإن شهدت لها النصوص، وقامت على صوابها البينة، أو تقليد القادر على الاستنباط والنظر.، وإلى هذه
стр. 180
الأنواع تنصرف جميع الأدلة التي استشهد بها جمهور العلماء على بطلان التقليد.
ويقول الشيخ الدهلوي ﵀: إنَّ المذاهب الأربعة المحررة قد اجتمعت الأمة، أو من يعتد به منها على جواز تقليدها إلى يومنا هذا، وفي ذلك من المصالح ما لا يخفي، لا سيما هذه الأيام التي قصرت فيها الهمم جداً، وأشربت النفوس الهوى، وأعجب كل ذي رأى برأيه.
ويقول الشيخ حسن البنا ﵀: ولكل مسلم ما لم يبلغ درجة النظر في أدلة الأحكام الفروعية، أن يتبع إمامًا من أئمة الدين، ويحسن به مع هذا الاتباع أن يجتهد ما استطاع في تعرف ... أدلته، وأن يتقبل كل إرشاد مصحوب بالدليل، متى صح عنده صلاح من أرشده وكفايته، وأن يستكمل نقصه العلمي ـ وإن كان من أهل العلم ـ حتى يبلغ درجة النظر"
هل يستحسن ذكر الدليل للمستفتي ؟
نعم يستحسن ذكر الأدلة للمستفتى إذا كان أهلاً لفهمها، وإن كان ذلك ليس بشرط:
يقول ابن القيم ﵀: ينبغي للمفتي أن يذكر دليل الحكم ومأخذه ما أمكنه من ذلك ولا يلقيه إلى المستفتى ساذجًا مجردًا عن دليله ومأخذه، فهذا لضيق عطنه وقلة بضاعته من العلم " (١)