← Книги сунны

Книги сунны · id 98138

سنن ابن ماجه - ت الأرنؤوط

ابن ماجه

Полный текст (3 023 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

السُّنن تصنيف الإمام الحَافظ أبي عبد الله محمَّد بن يزيد بن ماجة القزويني (٢٠٩ - ٢٧٣ هـ) حققه وضبط نصه، وخرج أحاديثه، وعلق عليه شعيب الأرنؤوط عادل مرشد محمَّد كامل قره بللي عَبد اللّطيف حرز الله الجزء الأول دار الرسالة العالمية

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3

السُّنن (١)

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ جميع الحقُوق محفُوظة للِناّشر الطبعة الأولى ١٤٣٠هـ - ٢٠٠٩ م دار الرسالة العالمية جميع الحقوق محفوظة يمنع طبع هذا الكتاب أو أي جزء منه بجميع طرق الطبع والتطوير والنقل والترجمة والتسجيل المرئي والمسموع والحاسوبي وغيرها إلا بأذن خطى من شركة الرسالة العالمية م. م. al-Resalah AL-A'Lamiah m publishers الإدارة العامة Head Office دمشق - الحجاز شارع مسلم البارودى بناء خولى وصلاحى ٢٢١٢٧٧٣ - ١١ (٩٦٣) ٢٢٣٤٣٠٥ - ١١ (٩٦٣) الجمهورية العربية السورية Syrian Arab Republic info@resalahonline.com http://www.resalahonline.com فرع بيروت BEIRUT/ LEBANON TELEFAX:٨١٥١١٢ - ٣١٩٠٣٩ - ٨١٨٦١٥ P.O BOX:١١٧٤٦٠

стр. 5

مقدمة التحقيق إن الحمدَ لله، نَحمَدُهُ ونستعينُه ونستغفِرُه، ونعوذُ به مِن شرورِ أنفسنا، ومِن سيئات أعمالنا، مَن يَهْدِهِ اللهُ، فلا مُضِلَّ له، ومن يُضْلِلْ، فلا هَادِيَ له. ونشهدُ أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له، ونشهدُ أن محمداً عبدُه ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]. أما بعد، فهذا كتابُ "السُّنن" للإمام الحافظ أبي عبد الله محمَّد ابن يزيد بن ماجَهْ القَزْوِيني، نَضَعُهُ بينَ يدي الشيوخ وطلاب العلم بعد أن اضطَلَعْنا بأعباءِ تحقيقه على أصولٍ خطيةٍ مُتقنة، غايةً في

стр. 6

النفاسة، وضبطِ نصوصه وتخريجِ أحاديثه، وبيانِ درجة كُل حديثٍ منها على نحوِ نرجو أن يجدَ فيه طلبةُ العلم بُغْيتَهم، ويُشبِعَ رغبتهم، وينالَ إعجابَهم بما تميزت به هذه الطبعةُ المتقنة المتميِّزة عن سابقاتها، والله الموفق لا ربَّ سواه.

стр. 7

التعريف بالمصنِّف * اسمه ونسبه ومولده: هو الحافظُ الكبيرُ الحجةُ المفسِّرُ، أبو عبد الله محمدُ بنُ يزيدَ ابنُ ماجَهْ، الرَّبَعي مولاهم، القَزْوِيني، مصنف "السُّنن" و"التاريخ" و"التفسير"، وحافظُ قَزْوين في عصره (١). وماجَهْ: بفتح الميم والجيم وبينهما ألف، وفي آخره هاء ساكنة (٢)، وهو لقب والده يزيد كما نقله عبدُ الكريم الرافعي في "أخبار قزوين" بخط أبي الحسن القطان راوي "السُّنن" عن ابن ماجه (٣)، وكذلك قال أبو يعلى الخليلي (٤). والرَّبَعي: بفتح الراء والباء المُوَحدَةِ، وبعدها عينٌ مهملة، وهي نسبة إلى رَبِيعة (٥). قال القاضي أبو يعلى الخليلي: وَلاؤُه لِربيعة (٦). والقَزْوِيني: بفتح القاف وسكون الزاي وكسر الواو وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها نون، نِسبةً إلى قَزْوِينَ (٧)، وكانت تُسمى

стр. 8

بالفارسيةِ: كَشْوين، ومعناها: الحدُّ المنظورُ إليه، أي: المحفوظ، فعُرّبت هذه اللفظةُ، فقيل: قزوين (١)، ولم يزل لأهلِ فارسَ مقاتِلةٌ مِن الأساوِرَةِ يُرابطون فيه، فيدفعون الدَّيلمَ إذا لم يكن بينهم هُدنة، ويحفظون بَلَدَهُم من مُتلصصيهم وغيرِهم إذا جرى بينهم صلح (٢). وقد افتتحها البراءُ بنُ عازب ﵁ في خِلافة عثمانَ بن عفان ﵁ صُلحًا، وولَاّه عثمانُ على الرَّيِّ سنةَ (٢٤) للهجرة (٣). وتقع هذه المدينة اليومَ في الشمال الغربي مِن طهران عاصمةِ إيران، على بُعدِ مئةِ ميل منها، وهي إذ ذاك أحدُ أهمِّ ثغورِ المسلمين (٤). وفي شمالها يقع البحر المسمى باسمها بحر قزوين. وقد خرج منها جماعةٌ مِن العلماء والأئمةِ الفضلاء في كل فنٍّ ونوع، منهم أبو يعلى الخليل بن عبد الله الخليلي الحافظ صاحب كتاب "الإرشاد" المتوفَّى سنةَ (٤٤٦ هـ). ومنهم الإمامُ الفقيهُ المحدث عبدُ الكريم بنُ محمَّد الرافعي القزويني شارحُ كتاب "الوجيز" للغزالي، وصاحبُ كتاب "التدوين في أخبار قزوين"، المتوفى سنة (٦٢٣ هـ).

стр. 9

* ولادته: وُلد أبو عبد الله ابن ماجه سنةَ تسعٍ ومئتين (١)، صرَّح هو بذلك فيما نقله أبو الفضلِ محمدُ بنُ طاهر المقدسي مِن خط جعفر بنِ إدريسَ القزويني صاحبِ ابنِ ماجه عنه (٢). * أسرته: لم يكن أبو عبد الله ابنُ ماجه وحدَه ممن اعتنى بطلبِ العلم من أسرة يزيد المعروف بماجه، بل ظهر غيرُ واحدِ من أفراد هذه الأسرة ذُكِرُوا بالعلم والفقه، فقد كان له إخوةٌ، ذكر بعضَهم صاحبُ ابنِ ماجه جعفرُ بنُ إدريس القزويني، وهم: أبو بكر وأبو عبد الله (٣)، وذكر الخطيبُ البغدادي أيضاً مِن إخوته أبا محمدِ الحسن بن يزيد (٤)، قال عنه الرافعي: من ثقات الشيوخ (٥)، وهذا الأخير له ولد اسمه أبو الحسن أحمد، ذكره حمزة بن يوسف السهمي والرافعي (٦)، وله أيضاً حفيدٌ اسمُه محمَّد بنُ حمزة بن

стр. 10

الحسن، قال عنه الرافعي: مِن بيت العلم والحديث (١)، وحفيدٌ آخرُ اسمُه علي بن أحمد بن الحسن، ذكره الرافعي (٢). إلا أن رائدَهم ومقدَّمهم في العلمِ وأشهرَهم هو أبو عبدِ الله محمدُ بن يزيد رحمه الله تعالى. وكان لابن ماجه عقبٌ، فقد ذكر صاحبُه جعفرُ بنُ إدريس ولدَه عبدَ الله حين تحدَّث عن وفاته ودفنه (٣). * ثقافته العلمية وعصره: تنوعت معارفُ الإمام ابنِ ماجه وتعدَّدَتْ جوانبُ ثقافته، فهو مع كونه إماما في الحديث، حافظ ناقدٌ كما وصفه الإمامُ الذهبي (٤)، وكان لديه باعٌ في علم التفسير، ودراية قوية بعلم التاريخ، وله في ذلك مصنفات عرفها أهلُ العلم، واستفادُوا منها. وليس ذلك بالأمرِ الغريب لمثل هذا الإمام، مع ما كان يتمتَع به من الذكاء، وقوةِ الحافظة، والصبرِ على طلب العلم، والمصابرةِ فيه، وتحملِ المشاق في سبيل الرحلة لنيله وتحصيله، فلم يَقنَعْ بما أخذه عن عُلماء قزوين أمثالِ عليّ بن محمَّد الطَّنافسي الكوفي ثم القزويني، وعمرو بنِ رافع البجلىِّ الرازي ثم القزويني، وإسماعيلَ بنِ

стр. 11

تَوْبة الثقفي نزيلِ قزوين، ولكنه آثر تركَ الوطن وطِيبِ المُقام في بلده قزوين التي كانت ذات طبيعة خَلّابة، ورحل إلى أقطار بعيدة، وأمصار نائية، وحَرَصَ على الالتقاء بأكابر أهلِ العلمِ فيها، فارتحل إلى الريِّ وسَمِعَ بها مِن الحافظ محمَّد بن حُمَيد الرازي، وإلى نيسابور وسمعَ بها من الحافظ محمَّد بن يحيى الذُهْلي، وإلى العراق وسَمِعَ بها من ابني أبي شَيْبة أبي بكر وعثمان، ومِن أحمد ابن عَبْدة وزهير بنِ حرب، وإلى الشام وسَمِعَ بها من هشام بنِ عمار ومحمد بن المصفَّى ودُحَيم، وإلى مصر ولقي بها أبا طاهر بن السًرْح، ومحمدَ بنَ رُمح ويونس بن عبد الأعلى، وإلى الحجاز وسمع بها من ابن أبي عمر وأبي مروان العثماني بمكة، وبالمدينة من إبراهيم بن المنذر الحِزامي وأبي مصعب الزهري (١). وقد تمَّ له ذلك وهو في ريعان شبابه، واكتمال قوته، نتبيَّن ذلك مِن سماعه من الشيوخ الذين تقدَّمت وَفَياتُهم، كزهير بن حرب، ومحمد بن عبد الله بن نُمَير، وكانا بالعراق، وقد تُوفِّيا سنة (٢٣٤ هـ)، وبذلك يكون عمره حين سمع منهما خمسًا وعشرين سنة والله أعلم. وقد التقى في رحلته هذه بعددٍ من الفقهاء أيضاً، كحَرْملةَ بنِ يحيى التُجيبي والربيعِ بنِ سليمان المُرَادي صاحبَي الإمامِ الشافعي ﵀، ويونس بن عبد الأعلى الفقيه المالكي، وكان هذا الأخيرُ أيضاً مِن شيوخ الإقراء على قراءتي نافع بن عبد الرحمن

стр. 12

وحمزة بن حبيب الزيات، وكلاهما من القراء السبعة، ومن شيوخ الإقراء الذين لقيهم كذلك عبدُ الله بن أحمد بن بشير بن ذَكْوان أحد الرواة الأثبات عن ابن عامر الدمشقي أحد السبعة. ولا شكَّ أنه بلقائه أولئك الأئمةَ قد استفاد منهم، وحَرَصَ على ملازمتهم مدةَ مُكْثِه بتلك البلاد، شأنَ طلاب العلم في ذلك العصر، الذين لم يكن يحجُزُهم بُعدُ الشُقَة عن تجشُّم المشقَّة، وكانوا يغتنمون الفرصة، ويستثمرون وقتهم كله في حضور مجالس العلماء والأخذ عنهم والإفادة منهم، وتدوين ما يسمعونه منهم. وكان تفرقُ العلماءِ في تلك الأمصار واختصاصُ كل منهم بما ليس عند غيره مِن أصناف العلوم حافزاً للنَّبَغَةِ مِن طلاب العلم إلى الرحيل إليهم، وقصدِ مواطن إقامتهم، يستسهلون الصعبَ، ويتحمَّلون المشاقَ، ويتبلغون باليسير، تلبيةَ لنداء الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢]، ولتحقيق رضوانِ الله ورغبتهم فيما عنده من الثواب والأجر، ونَدَرَ أن يوجد طالبُ علمٍ في ذلك الزمان ليست له رِحْلة. * شيوخه: بما أن الإمامَ ابنَ ماجه كانت له رحلةٌ واسعة، شَمِلَتْ مناطقَ عديدةً مِن بلاد خراسان وما وراء النهر، كما شَمِلَتْ أهمَّ حواضر العلم في بلاد الشام والعراق ومصر والحجاز، فلم يكن غريبًا أن

стр. 13

يكونَ له شيوخ كثيرون من تلك البلاد، أخذ عنهم، وروى عنهم، وأفاد منهم، قال الحافظ المِزي في ترجمته من "تهذيب الكمال": سمع بخراسان والعراق والحجاز ومصر والشام وغيرِها من البلاد جماعةً يطولُ ذكرهم، قد ذكرنا منهم في كتابنا هذا مَن وقفنا عليه منهم. اهـ. وقد استقصى الشيخ محمَّد عبد الرشيد النعماني في كتابه "الإمام ابن ماجه وعلم الحديث" -وهو باللغة الأُردية- أسماءَ شيوخِ ابن ماجه الذين روى عنهم في "سننه" و"تفسيره"، ورتبهم على بلادهم، فبلغ عددهم (٣١٠)، وكلهم مُترجَمون في "تهذيب الكمال" للحافظ المزي، وفروعه مثل: "تهذيب التهذيب" و"تقريب التهذيب" و"خلاصة تذهيب تهذيب الكمال" وغيرها. وصنَّف الإمام الحافظ ابن عساكر صاحب "تاريخ دمشق" المتوفى سنة (٥٧١ هـ) معجمًا يَشْتَمِلُ على ذكرِ أسماءِ شيوخ الأئمةِ الستة، وهو مطبوعٌ باسم "المُعجَم المُشتمل على ذكر أسماء شيوخ الأئمة النَّبَل". قلنا: وقد قمنا باستقصاء عددهم في "السُّنن" وحدَها فبلغوا (٣٠٣) شيخٍ تقريبًا، منهم مَن ليس له سوى حديث أو حديثين أو ثلاثة. وقد شارك ابنُ ماجه البخاريَ ومسلمًا في كثيرٍ من شيوخهما كمحمد بنِ بشار بُندار، وأبي بكر بن أبي شيبة، وأبي كُريب محمَّد بن العلاء، ومحمد بن عبد الله بن نُمَيْر، وغيرهم.

стр. 14

ومن الشيوخ الذين أكثر ابنُ ماجه عنهم هؤلاء الأربعة الذين شارك البخاري ومسلمًا في الرواية عنهم، وأكثَرَ أيضًا عن محمَّد بن يحيى الذهلي، وعليِّ بنِ محمَّد الطنَافسي، وعبدِ الرحمن بن إبراهيم الدمشقي المعروف بدُحَيْم، ومحمد بن رُمْح المصري، ومحمد بن الصَّبَّاح الجَرْجَرَائي، وهشام بن عمار. ونترجم لهم هنا تراجمَ مُوجَزة: ١ - الإمام الحافظ راوية الإسلام أبو بكر محمَّد بن بشار بن عثمان البصري، الملقَّب بُندارًا، ومعناه: الحافظ، جمع حديث بلده وحفظه، ووصفه ابن خُزيمة بأنه إمامُ أهل زمانه في العلم والأخبار، ولد سنة ١٦٧، ولم يرحل مبكرًا برًّا بأمه، ثم رحل بعدَ موتها، وقال: كَتَب عني خمسةُ قُرون، وحدَّثتُ وأنا ابن ثماني عشرة سنة، توفي سنة ٢٥٢ (١). وهو شيخُ الستة: البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه. ٢ - الإمامُ الحافظُ عديمُ النظير أبو بكر عبد الله بن محمَّد بن أبي شيبة العَبْسي مولاهم الكوفي، صاحبُ "المسند" و"المصنف" وغيرهما، كان أحفظَ أهلِ زمانه، قال أبو عبيد القاسم بن سَلام: أحسنُهم وضعًا لكتابٍ أبو بكر بن أبي شيبة. توفي سنة ٢٣٥ (٢). وهو شيخ البخاري ومسلم وأبي داود وابن ماجه.

стр. 15

٣ - الحافظ أبو كُرَيب محمَّد بن العلاء بن كريب الهَمْداني الكوفي، وُلِدَ سنةَ ١٦١، وكان عارفًا بحديثِ أهلِ الكوفة، مِنْ أحفظِ أهل زمانه، توفي سنة ٢٤٨ وله ٨٧ عاما (١). وهو شيخ الستة. ٤ - الحافظُ الحجة محمَّد بن عبد الله بن نُمير، أبو عبد الرحمن الهَمْداني ثم الخارفي مولاهم الكوفي، ولد سنة نَيف وستين ومئة، وكان رأسًا في العلم والعمل، كان أحمدُ يُعظمه، وقال أبو حاتم: ثقة يُحتج بحديثه. توفي سنة ٢٣٤ (٢). وهو شيخُ البخاري ومسلم وأبي داود وابن ماجه. ٥ - الإمامُ الحافظُ البارعُ إمام أهل الحديث بخُرَاسان أبو عبد الله محمَّد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس الذُّهلي مولاهم النيسابوري، وُلِدَ سنةَ بضع وسبعين ومئة، جمع علمَ الزهري وصنَّفه وجوَّده، وكان أحمدُ يُثني عليه ويَنْشُرُ فضلَه، وقال عنه أبو حاتم: إمام أهل زمانه، وقال ابن أبي داود: كان أميرَ المؤمنين في الحديث. توفي سنة ٢٥٨ (٣). وحدَّث عنه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه. ٦ - الإمامُ الحافظُ المتقنُ أبو الحسن عليُّ بن محمَّد الطنافسيُّ الكوفي، ابنُ أخت الطنافسيين علماءِ الكوفة محمَّد ويعلى وعمر وإبراهيم، سكن قزوين، قال أبو حاتِمٍ: كان ثقةً صدوقًا، هو أحبُّ

стр. 16

إليَّ مِن أبي بكر بن أبي شيبة في الفضل والصلاح، وأبو بكر أكثرُ منه حديثا وأفهمُ. توفي سنة ٢٣٣ (١). وانفرد ابن ماجه من بين الستة بالرواية عنه. ٧ - الإمام الحافظُ القاضي الفقيه أبو سعيد عبدُ الرحمن بن إبراهيم بن عمرو بن ميمون الدمشقي، وُلِدَ سنة ١٧٠، وكان يُلقَّب بدُحيمٍ اليتيم، قال أبو حاتم: كان دُحيم يُميِّزُ ويَضْبِطُ وهو ثقة. وقال الذهبي: عُنِيَ بهذا الشأن، وفاق الأقرانَ، وجمع وصنَف، وجرَّح وعدَّل، وصحَّح وعلَّل، وكان على مذهب الأوزاعي. توفي سنة ٢٤٥ (٢). وهو شيخ البخاري وأبي داود والنسائي وابن ماجه. ٨ - الإمام المحدَث محمَّد بن الصباح بن سفيان، أبو جعفر الجَرْجَرَائي، مولى عمر بن عبد العزيز، وجَرْجَرايا: قرية بينَ واسط وبغداد، كان أحمد يُجِلُّه ويُعظمُه، توفي بجرجرايا سنة ٢٤٠ (٣). وهو شيخُ أبي داود وابن ماجه. ٩ - الحافظ الثبت أبو عبد الله محمَّد بن رُمح بن المهاجر بن المحرر التُّجِيبي مولاهم المصري، كان معروفًا بالإتقانِ الزائدِ والحفظ، قال النسائي: لو كان كتَبَ عن مالك لأثبتُّه في الطبقة الأولى مِن أصحابه، يعني لحفظه وإتقانه. وقال الذهبي: أنا أتعجبُ من البخاري كيف لم يرو عنه، فهو أهل لذلك، بل هو أتقن من

стр. 17

قتيبة بنِ سعيد رحمهما الله. توفي سنة ٢٤٢ (١). وهو شيخ مسلم وابن ماجه. ١٠ - الإمامُ الحافظُ المقرئُ أبو الوليد هشامُ بنُ عمار بن نُصَير ابن مَيْسرة السُّلَمي الدمشقي، ولد سنة ١٥٣، وكان من أوعية العلم، وحدَّث عنه الكبار، توفي سنة ٢٤٥ (٢). وهو من شيوخ البخاري وأبي داود والنسائي وابن ماجه. * تلاميذه: وقد تلقى العلمَ من الإمامِ ابنِ ماجه وأخذ الروايةَ عنه غيرُ واحد، حمل بعضُهم عنه كتابه "السُّنن"، واكتفى بعضُهم برواية شيء من حديثه، فمن الذين رَوَوْا عنه كتابَ "السُّنن": ١ - الحافظُ أبو الحسن علي بن إبراهيم بن سَلَمة بن بَحْر القَطّان القزويني، وهو أشهرُ رواة "السُّنن"، وروايته هي المتداوَلةُ بين أهل العلم. وُلِدَ أبو الحسن سنة ٢٥٤، قال أبو يعلى الخليلي: عالم بجميع العلوم: التفسيرِ والنحوِ واللغةِ والفقهِ القديمِ، لم يكن له نظيرٌ دينًا ودِيانةً وعِبادةً، عُمِّر حتى أدركه الأحداثُ، له أولاد ثلاثة: محمَّد والحسن والحسين. توفي سنة ٣٤٥ (٣). وله زيادات على "السُّنن" عن غير واحدٍ من شيوخه سوى ابن ماجه، وقد ميزناها في طبعتنا هذه بإثبات دائرة سوداء في أولها.

стр. 18

٢ - أبو عبد الله أحمدُ بنُ إبراهيم بن الخليل الخَلِيلي، جدُّ الحافظ أبي يعلى الخليلي، قال الخليليُّ عن جده: سمع بقزوين أبا عبد الله ابن ماجه، وكتب "مسنده" (١). وذكر أنه سَمِعَ الحديث بنهاوند وهَمَذَان على عدد مِن شيوخها (٢). ٣ - أبو داود سليمان بن يزيد بن سليمان الفاميّ القزويني، قال الخليلي: شيخ قديم مُسِنّ. ارتحل إلى الريّ والعراق ومكة وصنعاء، توفي سنة ٣٣٩ (٣). ٤ - أبو جعفر محمَّد بن عيسى المُطَّوِّعي الأَبهَري (٤). ٥ - أبو بكر حامد بن ليثوية الأبهري (٥). وأشهر هؤلاء جميعًا أبو الحسن القطان، وقد نالت روايتُه القَبولَ من بين سائر الروايات لجلالة قدره في العلم، وبسببه انتشر الكتاب. وبقية الروايات لا تكادُ تُذكر بَلْهَ وجودَ تراجم لأصحابها خلا سليمان بن يزيد الفاميّ، فقد ذُكر فيمن أخذ "السُّنن" من طريقه أحمد بن محمَّد بن المَرْزُبانِ أبو الحسين الصوفي القزويني (٦)، وعلي بن الحسن بن أحمد بن إدريس العمري القزويني (٧).

стр. 19

وأما تلاميذ ابن ماجه الذين رووا بعضَ الأحاديث عنه، فقد ذكر الحافظ ابن حجر منهم: علي بن سعيد بن عبد الله الغُدَاني العسكري، وإبراهيمَ بنَ دينار الحَوْشَبي الهَمَذاني، وأبا الطيب أحمد بن رَوْح الشَعْراني، وإسحاقَ بن محمَّد القزويني، وجعفرَ بن إدريس، والحسينَ بن علي بن يزدانيار، ومحمدَ بنَ عيسى الصفار، وأبا عمرو أحمد بن محمَّد بن حكيم المديني الأصبهاني (١). وذكر الخليلي في تلاميذه أيضًا محمَّد بن علي بن خشرماه القزويني (٢). وذكر الرافعيُّ فيهم محمدَ بنَ عبد الله الأصبهاني أبا بكر القزويني (٣). * مصنفاته: إن من شأن العلم أنه إذا لم يُقيَّد نُسِيَ وضاع بموت حامله، ومن هنا حَرَصَ أهلُ العلم مِن سلفنا الصالح رضوان الله تعالى عنهم على تدوين ما اكتسبوه من العلوم، رغبةً منهم في أن ينتشرَ العلمُ، وتستفيدَ منه الأجيال اللاحقة، ولا يبقى حبيسَ صدورهم، فيزولَ بزوالهم. وكان أهلُ العلم إلى ذلك يعتنون بمصنَّفاتهم تلك، ويضبطونها أيَّما ضَبْطٍ، ويُقْرِؤُونها التلاميذَ ويُجيزونهم بنقلها وإقرائها لمن بعدهم.

стр. 20

وكان الإمامُ ابن ماجه من أولئك الذين اعتنوا بجمع مروياتهم وتصنيفها، فألَّف: ١ - كتاب "التفسير": قال أبو يعلى الخليلي: له سنن وتفسير وتاريخ، وكان عارفًا بهذا الشأن (١). وقد ذكره الحافظ ابن كثير وقال: هو تفسير حافل (٢). وذكره الحافظ الذهبي في "الميزان" في ترجمة عتبة بن يقظان، وأورد منه حديثًا، وقال الحافظ شمس الدين الداوودي: كان عارفًا بهذا الشأن (٣). وقد ذكره شيخ الإسلام ابن تيميَّة في جملة التفاسير التي يُذكر فيها تفسير الصحابة والتابعين وتابعيهم صِرفًا (٤). وهذا الكتاب لم يصل إلينا مِنه شيء، وأغلبُ الظن أنه فُقِدَ في جملة ما فُقِدَ مِن الكتب في كائنةِ تيمورلنك سنة (٨٥٣ هـ) في دمشق، فإنه يُفهم من كلام الذهبي المتوفى سنة (٧٤٨ هـ)، وابن كثير المتوفى سنة (٧٧٤ هـ) أنهما رأياه، ثم لم نجد له بعدَ ذلك ذكرًا في "معجم" الحافظ ابن حجر المتوفى سنة (٨٥٢ هـ)، ولا في المعاجم والفهارس المتأخرة. ٢ - "السُّنن": وهو هذا الكتاب، وسيأتي الكلامُ عليه مُفَصَّلًا في مبحث خاص إن شاء الله تعالى.

стр. 21

٣ - "التاريخ": ذكره أبو يعلى الخليلي (١). وقال ابنُ طاهر المقدسي: ورأيتُ له بقزوين تاريخًا على الرجال والأمصار مِن عهد الصحابة إلى عصره (٢). وذكره كذلك الرافعي في "أخبار قزوين" مرارًا وأكثَرَ النقلَ منه (٣). وقال ابنُ خَلِّكان: له "تاريخ" مليح (٤). وقال ابنُ كثير: لابن ماجه "تاريخ" كامل مِن لَدُنِ الصحابة إلى عصره (٥). * ثناء أهل العلم عليه: لا شك أن إخلاصَ المرء وتفانيَه في خدمة العلم وحرصَه على نفع طلاب العلم مما يَنْشُرُ فضلَه ويُطيِّب سيرتَه، ويُخلِّد ذِكرَه مِن بعده، وقد كان ابنُ ماجه ﵀ مِمن لَهِجَتْ ألسِنةُ أهلِ العلم بالثناء عليه والإشادة بعلمه، والتنويه بفضله. قال أبو يعلى الخليلي: هو ثقة كبيرٌ متفقٌ عليه محتَجٌّ به، له معرفةٌ بالحديث وحِفظٌ، ارتحل إلى العراقَينِ ومكة والشام ومصر والري لكَتْب الحديث (٦). وقال عبد الكريم بن محمَّد الرافعي: إمام من أئمة المسلمين، كبيرٌ مُتقِن، مقبول بالاتفاق (٧).

стр. 22

وقال ابنُ خَلِّكانَ: الحافظُ المشهورُ، كان إمامًا في الحديث، عارفًا بعلومه وجميع ما يتعلَّقُ به (١). وقال شِيرويه الدَّيلَمي في "تاريخ هَمَذَان": ومِن أعيان الأئمةِ مِن أهل قزوين محمدُ بنُ يزيد ابنُ ماجه أبو عبد الله القزويني الحافظُ (٢). وقال المِزَي: محمدُ بن يزيد الرَّبَعي مولاهم، أبو عبد الله ابن ماجه القزويني الحافظ، صاحبُ كتاب "السُّنن"، ذو التصانيف النافعة، والرحلةِ الواسعة (٣). وقال ابنُ الأثير: كان عاقلًا إمامًا عالمًا (٤). وقال ابنُ عبد الهادي: الحافظُ الكبير المفسر أبو عبد الله القَزويني (٥). وقال الذهبي: الحافظُ الكبيرُ الحجةُ المفسرُ، حافظ قزوين في عصره. وقال أيضًا: كان ابنُ ماجه حافظًا ناقدًا صادقًا، واسعَ العلم (٦).

стр. 23

وقال الحافظ ابنُ كثير: صاحبُ "السُّنن" المشهورة، وهي دالَّةٌ على عمله وعلمه، وتبحُّره واطلاعه، واتباعه للسنة في الأصولِ والفروعِ (١). * مذهبه: لم تذكر المصادِرُ التي بين أيدينا المذهبَ الفقهي الذي دَرَجَ عليه الإمام ابنُ ماجه، لكن يغلب على الظن أنه نشأ على مذهب الإمام الشافعي كمعظم أهل بلده في تلك الأزمنة، ويعزز هذا ما جاء في كتاب "التدوين في أخبار قزوين" للإمام الرافعي الفقيه الشافعي، فقد روى بإسناده إلى ابنِ ماجه قال: جاء يحيى بنُ مَعِين يومًا إلى أحمدَ بنِ حنبل، فقَعَدَ عنده، فمر به الشافعيُّ على بغلته، فقامَ إليه أحمد، فتبعه حتى تغيَّب عنه، وأبطأ على يحيى، فلما أن جاء قال له يحيى بنُ معين: يا أبا عبدِ الله، مَن هذا؟ قال: دع ذا، إن أردتَ الفقه فالزَمْ ذنَبَ البغلة (٢). وقد سُئلَ شيخُ الإسلام ابن تيمية عن عددٍ من الأئمة المصنفين منهم الأئمةُ الستة، هل كانوا مجتهدين لم يقلدوا أحدًا من الأئمة، أم كانوا مقلدين؟ فقال: أما البخاري وأبو داود فإمامانِ في الفقه مِن أهل الاجتهاد، وأما مسلم والترمذي والنسائي وابنُ ماجه وابن خُزيمة وأبو يعلى والبزار ونحوهم، فهم على مذهب أهلِ الحديث،

стр. 24

ليسوا مقلدين لِواحد بعينه من العلماء، ولا هم من الأئمة المجتهدين على الإطلاق (١). وأغلب الظن أنه كان يعمل ويفتي بما أداه إليه اجتهاده في فهم الكتاب والسنة، لأن أهل العصر الذي كان فيه ابنُ ماجه لم يكن علماؤه يَرْضَوْنَ لأنفسهم التقليد، لا حفاظُ الحديثِ ولا أئمةُ الفقه، ﵏. * وفاته: قال محمدُ بنُ طاهر المقدسيُّ: رأيتُ بقزوين له -يعني ابنَ ماجه- تاريخًا على الرجال والأمصار مِن عهد الصحابةِ إلى عصره، وفي آخره بخط جعفر بنِ إدريس صاحبِه: مات أبو عبد الله محمدُ ابنُ يزيد ابنُ ماجه المعروف في يومِ الاثنين، ودُفِنَ يومَ الثلاثاء، لثمانِ بَقِينَ مِن شهرِ رمضانَ مِن سنة ثلاث وسبعين ومئتين، ومات وله أربعٌ وستون سنة، وصلى عليه أخوه أبو بكر، وتولَّى دفنَه أبو بكر وأبو عبد الله أخواه، وابنُه عبد الله (٢).

стр. 25

التعريف بكتاب "السُّنن " يُعَدُّ كتابُ ابنِ ماجه أحدَ الأصولِ الستة (١) التي تلقاها العلماءُ بالقَبُول، واعتنى بها المحدِّثون والفقهاءُ طبقةً بعدَ طبقةٍ، واشتهرت فيما بينَ الناس، وتصدَّت لها أقلام أهلِ العلم شرحًا لغريبها، وفحصًا عن رجالها، واستنباطًا لفقهها، وجمعًا لمتونها، وتهذيبًا لها. وهذه الأصولُ الستة قد اشتملت على أحكامِ الإسلام وآدابه، وشرائعه وتوجيهاته، ويرى الإمام النووي ﵀ أنه لم يَفُتْها مِن الحديث الصحيح والحسن إلا النَّزْرُ اليسيرُ. وأولُ مَنْ أضاف "سننَ ابن ماجه" إلى الكتب الخمسةِ، مكمِّلًا بها الستة، الحافظُ أبو الفضل محمدُ بنُ طاهر المقدسي المتوفى سنة (٥٠٧ هـ) في "أطراف الكتب الستة" له، وكذا في "شروط الأئمة

стр. 26

الستة" له أيضًا، ثم الحافظُ عبدُ الغني المقدسي المتوفى سنة (٦٠٠ هـ)، وأول مَنْ جمع أطرافَه مع السننِ الثلاثة الحافظ أبو القاسم ابنُ عساكر المتوفى سنة (٥٧١ هـ). فتبعهم على ذلك أصحابُ الأطرافِ، وهذا يشير إلى أن إضافة "سنن ابن ماجه" إلى الخمسةِ إنما كان في أول المئةِ السادسةِ، ولا يُؤثَر في ذلك عن القدماء شيءٌ. وابنُ ماجه كأصحابِ السُّنن الثلاثة لم يشترِط في كتابه إيرادَ الأحاديث الصحيحة فقط، بل أدرجَ فيها الصحيح والحسن والضعيف والمنكر، ووقع له بضعةُ أحاديث موضوعة لا تَصِحُّ نسبتها إلى النبي ﷺ . ولهذا وَجَبَ تمييزُ صحيحها مِن سقيمها، وتبيين ما يحتجُّ به مما لا يُحتج به منها، نصحًا لله ولرسوله ولِعامة المسلمين. وبالرجوع إلى عملنا الدقيق الذي قُمنا به في دراسة أحاديث هذا الكتاب تبين لنا أن الإمامَ ابن ماجه انفردَ مِن بين أصحاب الكتب الخمسة بـ (١٢١٣) حديثًا بالمكرَّر، منها (٩٨) حديثًا مما صح إسناده، ومنها (١١٣) أحاديث صحيحة بالمتابعات، ومنها (٢١٩) حديثًا تصح بالشواهد، ومنها (٥٨) حديثًا أسانيدُها حسنة، ومنها (٤٢) حديثًا هي حسنةٌ بالمتابعات، ومنها (٦٥) حديثًا هي حسنةٌ بالشواهد، ومنها (٦) أحاديث محتملة للتحسين، ومنها (٧) أحاديث أوردها مرفوعةً وصححناها موقوفة، ومنها (٤) مراسيل، ومنها (٣٨٤) حديثًا كلها ضعاف، ومنها (١٨٤) حديثًا وهي ضعيفة جدًا، ومنها حديث واحد شاذٌ باللفظ الذي ساقه المصنف، ومنها (٢١) حديثًا منكرًا وموضوعًا، ومنها (١١) حديثًا لم نجزم بالحكم عليها.

стр. 27

ويظهر مِن هذا الإحصاء أن مجموع الأحاديث الصحيحة والحسنة، لذاتها ولغيرها، التي انفردَ بها ابنُ ماجه عن الكتب الخمسة بلغت (٦٠٠) حديث، وهي تُساوي نصفَ ما انفرد به تقريبا. وهذه النتيجة التي توصلنا إليها من خلال دراستنا للأسانيد دراسةَ دقيقة، تَرُدُّ قولَ مَنْ يقولُ: إنَّ كل ما انفردَ به ابنُ ماجه عن الكتب الخمسة، فهو ضعيف. لكن كتاب "سنن ابن ماجه" دونَ الكتبِ الخمسة في المرتبة، كما قال العلامةُ السِّندي في مقدمة تعليقه. وقد صرح غيرُ واحد مِن الحفاظ أنه لا يجوزُ الاحتجاجُ بحديثِ رواه أصحابُ السُّنن والمسانيد التي لم يَشْتَرِطْ مَن جمعها الصحةَ ولا الحُسنَ ما لم يَتَثبَّت مِن صحته بدراسة إسنادِه، وانتفاء الشذوذ والعِلَّةِ عنه. وقد تولينا بتوفيق الله كل ذلك في تحقيقنا هذا، وأبَنَّا عن درجةِ كل حديث مِن أحاديثه من حيث الصحةُ أو الحسنُ أو الضعفُ. وقد ذكر أهلُ العلم أن ابن ماجه تفرَّد بجملة أحاديثَ عن رجال متَّهَمين بالكذب وسرقة الحديث، حكم عليها الأئمةُ بالبُطْلان والوضع. وقد أدرج منها العلامة ابنُ الجوزي في كتاب "الموضوعات" (٣٤) حديثًا، وأرقامها على التوالي: ٦٥، ١٢٠، ١٤١، ١٨٤، ٢٥٦، ١٣٣٢، ١٣٣٣، ١٣٨٤، ١٣٨٦، ١٥٨٣، ١٦٠٢، ١٦١٣، ١٦١٥، ١٨٦٢، ٢١٤٦، ٢٢٨٩، ٢٣٠٧، ٢٤٧٤،

стр. 28

٢٦٢٠، ٢٧٠٥، ٢٧٨٠، ٣٠١٣، ٣٢٢١، ٣٣٠٥، ٣٣٣٠، ٣٣٤٠، ٣٣٥٢، ٣٤٥٠، ٣٤٨٧، ٤٠٥٧، ٤٠٥٨، ٤١٢٦، ٤١٤٠. وقد نوزع في غير حديث منها كما هو مبيَّن في تعليقاتنا عليها. وثَمتَ أحاديثُ أخرى عنده حكمنا عليها بالبطلان والوضع فاتت ابنَ الجوزي، انظر على سبيل المثال الأحاديث: ٤٩، ٥٥، ٢٤٨، ١٤٦١، ١٤٨٥، ١٧٤٩، ٣٣١٨، ٣٣٥٥، ٣٣٥٧، ٣٣٥٨. من أقوال أهل العلم في "السُّنن ": قال الحافظ ابنُ كثير في ترجمة ابن ماجه (١): صاحبُ "السُّنن" المشهورة، وهي دالَّة على عمله وعلمه، وتبحُّره واطِّلاعه، واتباعه للسُّنة في الأصول والفروع، ويشتمل على اثنين وثلاثين كتابًا وألفٍ وخمس مئة باب، وعلى أربعة آلاف حديث كلها جِيَادٌ سوى اليسيرة. وقال أيضًا في "اختصار علوم الحديث": هو كتابٌ مفيدٌ قويُ التبويب في الفقه. وقال الحافظ ابن حجر في ترجمة المصنف من "تهذيب التهذيب": وكتابها "السُّنن" جامعٌ جيدٌ كثير الأبواب والغرائب.

стр. 29

المُعتَنون بـ "سنن ابن ماجه " عُني أهلُ العلم بكتابِ ابن ماجه روايةً ودرايةً، وشرحًا وتعليقًا، وكلامًا على رجاله، وتجريدًا لزوائده. ١ - فشَرَحَه العلامةُ الفقيه النحوي الطبيب ذو الفنون موفق الدين أبو محمَّد عبدُ اللطيف ابن الفقيه يوسف بن محمَّد بن علي الموصلي البغدادي الشافعي نزيل حلب المتوفى سنة (٦٢٩ هـ) (١). وهو شرح موسَّع كما يُفهم من "الأربعين الطبِّية" للبِرْزالي. ٢ - و"الأربعون الطبِّية" استخرجها الحافظ زكي الدين محمَّد ابن يوسف البِرزالي المتوفى سنة (٦٣٦ هـ) (٢) من "سنن ابن ماجه" و"شرحِه" للعلامة عبد اللطيف البغدادي، وقد طبع أولًا في المغرب، ثم طبع في بيروت، وقد جاء في مقدمته: يقول كاتبه محمَّد بن يوسف البرزالي: لما خرجت من مكة شَرَّفها الله تعالى وَقْفةَ الأربعاء قصدتُ الشام بسبب "سنن ابن ماجه"، فلقيت الشيخ أبا محمَّد عبد اللطيف بن يوسف بن محمَّد البغدادي أبقاه الله، فأعُلِمتُ أنها روايتُه، فسألته أن أقرأها عليه، فأنعَمَ، وشرعتُ في قراءتها، فلما وصلتُ أبوابَ الطب سألتُه أن يُوضِّحَ لي مُشكِلَها، ويُبيِّن لي ما تضمنته مِن المعارف الشريفة، والحِكَمِ الغامضة المُنيفة، فأنعم

стр. 30

وتفضَّل، وأصاب في شرحها، وذكر فيه مِن غرائب الحديث ما لم يذكره في شرحه الكبير في غريب الحديث، فوافق ذلك أن جاءت أربعينَ حديثًا، فاستأذنتُه في إفرادها بأسانيدها إلى النبي ﷺ ، وأن أذكر بعد الأحاديث شرحَها، فأذن لي في روايتها عنه كذلك فخرجتها. وقال في آخره: انتهت الأربعون حديثًا مِن "سنن ابن ماجه" وشرحها للشيخ أبي محمَّد عبد اللطيف البغدادي مِن شرحه الكبير على "السُّنن"، جرَّده منها بإذنه تلميذُه محمَّد بن يوسف البرزالي. ٣ - وشَرَحَ الإمامُ الحافظ علاء الدين مُغُلْطَاي بن قُلَيجٍ الحنفي المتوفى سنة (٧٦٢ هـ) قطعة مِن "سنن ابن ماجه"، وسماه "الإعلام بسُنًته ﵇" (١). ٤ - وشرح زوائدَ "السُّنن" الإمامُ سراج الدين عمر بن علي بن المُلقِّن المتوفى سنة (٨٠٤ هـ) في ثماني مجلدات، وسماه "ما تمسُّ إليه الحاجة على سنن ابن ماجه"، ابتدأه في ذي القعدة سنة (٨٠٠)، وفرغ منه في شوال سنة (٨٠١ هـ) (٢). ٥ - وشرحه العلامةُ الشيخ محمَّد بن موسى بن عيسى بن علي أبو البقاء الدَّمِيريُّ الأصلِ القاهريُّ الشافعي المتوفى سنة (٨٠٨ هـ) في خمس مجلدات، ومات قبل إتمامه، وسماه "الديباجة في شرح سنن ابن ماجه"، قال الشيخ محمَّد عبد الرشيد النعماني: رأيت منه

стр. 31

نسخة مخطوطة في خزانة محمَّد آباد طونك من أعمال راجبوتانه بالهند تحت رقم (٣٣٢) قال في فاتحتها: ولا بُد للحديثيِّ من معرفة ما تَمسُّ إليه الحاجة مِن الكتب الستة التي فتح اللهُ بها مِن علم السنة رِتاجَه، وألبس كلَاّ مِن مصنفيها حُلَّة الإكرامِ وتاجَه، وكلها مشروحةٌ سوى كتاب أبي عبد الله محمَّد بن يزيد ابن ماجه، فهو كما قال القاضي ابن العربي: قد خُلِّفت من معرفته النساجة، ونورُ مصباح فهمه مفتقرٌ إلى زجاجة، فاستخرتُ الله تعالى وكتبتُ عليه "الديباجة"، وهي إن شاء الله شافيةٌ لما في الصدور من كلماته، كافيةٌ لمعاني أحاديثه وتفسير آياته، وافيةٌ ببيانِ أحكامه وطرق رواياته، حَذَوتُ فيه حَذْوَ "شرح مسلم" لشيخ الإسلام النووي، مع بيانِ الصحيح والحسن والضعيف والقوي، واللهَ أسأل أن يُعينَ على إكماله، وأن يجعله خالصا لوجهه بمنِّه وإفضاله. ٦ - وأفرد زوائده على الكتب الخمسة العلامة الحافظ أحمد بن أبي بكر البُوصِيري المتوفى سنة (٨٤٠ هـ) في كتاب سماه "مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه"، ومنه نسخة في المكتبة الأحمدية بحلب، وطبع أكثر من طبعة، إلا أنها جميعًا طبعات رديئة يفشو فيها التحريف والتصحيف. قال البوصيري في مقدمته: قد استخرتُ الله في إفراد زوائد الإمام الحافظ أبي عبدِ الله محمَّد بن يزيد ابن ماجه القزويني على الخمسة الأصولِ: صحيحي البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي الصغرى رواية ابن السُّنِّي، فإن كان الحديثُ في الكتب

стр. 32

الخمسة أو أحدها مِن طريق صحابي واحد لم أُخرجه إلا أن يكونَ فيه زيادة عند ابن ماجه تدل على حكم، وإن كان مِن طريق صحابيينِ فأكثر، وانفرد ابن ماجه بإخراجِ طريقٍ منها أخرجتُه ولو كان المتنُ واحدًا، وأُنبِّهُ عَقِبَ كلِّ حديث أنه في الكتب الخمسة المذكورة أو أحدها من طريق فلان مثلًا إن كان، فإن لم يكن ورأيتُ الحديث في غيرهما، نبهتُ عليه للفائدة، ولِيُعلَمَ أن الحديثَ ليس بفرد، ثم أتكلم على كُلِّ إسناد بما يليقُ بحاله مِن صحة وحسن وضعف وغيرِ ذلك، وما سكتُّ عليه، ففيه نظر. قلنا: وقد خالفناه في مواضعَ غيرِ قليلة فيما ذهب إليه، ولم نلتزِمْ الإشارة إلى هذه المخالفات في تعليقاتنا. ٧ - ولشيخ الحديث بالديار الحلبية العلامةِ الإمامِ الحافظِ إبراهيم بن محمَّد بن خليل المعروف بسِبط ابن العَجَمي المتوفى سنة (٨٤١ هـ) تعليق لطيف على "سنن ابن ماجه". ٨ - واختصره العلامة محمَّد بن محمَّد بن محمَّد شمس الدين المصري المالكيُّ المتوفى سنة (٨٤٤ هـ)، وسماه "الغُيوث الثَجّاجة في مختصر ابنِ ماجه"، ثم شرحه في "الديباجة لتوضيح منتخب ابن ماجه". ٩ - وللحافظِ عبد الرحمن بن أبي بكر السُّيوطي المتوفى سنة (٩١٠ هـ) تعليقٌ على "سنن ابن ماجه" باسم "مصباح الزجاجة" (١).

стр. 33

١٠ - وللعلامة المحدِّث الكبير أبي الحسن محمَّد بن عبد الهادي السنْدي الحنفي نزيل المدينة المنورة المتوفى سنة (١١٣٨ هـ) شرحٌ لطيف بالقول مشهور بحاشية السندي، وقد طُبعَ عدةَ طبعات، قال في مقدمته: وتعليقُنا هذا إن شاء الله يقتصِرُ على حلِّ ما يحتاجُ إليه القارئ والمدرسُ مِن ضبط اللفظِ، وإيضاحِ الغريب والإعراب، رزقنا الله ختمةَ خيرٍ قَبْلَ حلولِ الأجل، ثم يرزقنا حسنَ الإتمام بفضله. آمين يا رب العالمين. ١١ - وللعلامة المحدث المحقق الشيخ عبد الغني الدِّهْلَوي المتوفى سنة (١٢٩٦ هـ) شرحٌ مختصر باسم "إنجاح الحاجة"، وقد طُبعَ في دهلي على هامش "السُّنن". ١٢ - وللشيخ فَخْر الحَسَن بن عبد الرحمن الكَنْكُوهي الحنفي المتوفى سنة (١٣١٥ هـ) حاشية طويلة نفيسة على "السُّنن" جمعها من "إنجاح الحاجة" و"مصباح الزجاجة" مع زيادات. ١٣ - وقد جمع الإمام الحافظ الذهبي المتوفى سنة (٧٤٨ هـ) رجال "السُّنن" في كتاب "المُجرِّد في رجال سنن ابن ماجه"، وهو مطبوع (١).

стр. 34

وصف الأصول الخطية قد اعتمدنا في تحقيق "سنن ابن ماجه" على ثلاث نسخٍ مصوَّرة عن أصولٍ خطية متقنة، وهي: أولًا: النسخةُ المرموز إليها بـ (س) ، المعتمدةُ عندنا أصلًا في الأعم الأغلب: وهي نسخة مصورة عن الأصل الخطي المحفوظِ في المكتبة السُّليمانية في إستنبول تحت رقم (٣٧)، وهي تامةٌ متقنةٌ، واضحةُ الخط، جليّة الضبط، يَنْدُرُ وقوعُ الخطأ فيها، وتقع في مجلد واحد، وعَدَدُ أوراقها (٣٢٧) ورقة، في كل لوحة منها (٢٥) سطرًا، وفي كل سطر (١٥) كلمة تقريبا. فرغ ناسخها -وهو علي بن محمَّد الشامي- مِن نسخها يومَ الثلاثاء تاسعَ شهر شوال سنةَ (٨٦١ هـ). ومالكُها هو القاضي سعد الدين كما ذكر الناسخ في آخرها. وقد قُوبِلَتْ مقابلةً دقيقةً على نسخةٍ مشمولة بخط العلامة الحافظ برهان الدين سِبْط ابنِ العَجَمي (١)، والعلامة شمس الدين محمَّد بن ناصر الدين حافظ دمشق (٢)، والعلامة شهاب الدين أبي

стр. 35

العباس أحمد بن الصلاح الأمَوي الشهير بمصر بابن المُحمَّرة قاضي دمشق (١)، وكانت مقابلتُها في مجالس آخِرُها ثالث شهر جمادى الأولى سنة (٨٦٢)، كما جاء في الورقةِ الأخيرةِ منها. ومع هذه المقابلة الدقيقة لا يكاد يخلو هامشُ ورقةٍ من أوراقها مِن تصويبات وتصحيحات، وفوائد متنوعة. وفي أول النسخة سَنَدٌ منقولٌ عن النسخةِ الأصل -فيما يغلب على ظننا- وهو مِن رواية عماد الدين عبد الحافظ ابن بَدْران (٢) عن الفقيه المحدِّث صاحب "المغني" العلامة موفق الدين ابن قُدَامة بإسناده الآتي في وصف النسخة (م). ثانيًا: النسخة المرموز إليها بـ (م): وهي نسخة مصورة عن الأصلِ الخطي المحفوظِ في دار الكتب المصرية في الخزانةِ التيمورية تحت رقم (٥٢٢). وهي نسخةٌ تامة جيدة، قُسِّمت إلى (١٧) جزءًا في مجلدين، تسعةُ أجزاء في المجلدِ الأول، وثمانيةٌ في المجلد الثاني. وعَدَدُ أوراقِ المجلد الأول (٢٧٣) ورقة، وعَدَدُ أوراق المجلد الثاني (٢٢٣) ورقة. والمجلدُ الأول ينتهي بالحديث رقم (٢٥٢٥) من كتاب العتق؛ وفي كل لوحة مِن هذه النسخة (٢٣) سطرًا في الأغلب، وفي كل سطر (١٥) كلمة تقريبًا.

стр. 36

وقد صُرِّح في لوحة المجلد الثاني أنه بخط المحدث الفقيه ابن قدامة المقدسي، أما المجلد الأول فيظهر أنه قد نسخه غيرُ واحد، وقد ذُكر ابن قدامة فيمن سمعه. وعلى هوامِشِ هذه النسخة سماعاتٌ على ابن قدامة في الجامع الأموي أوائلَ القرنِ السابع، وتتكرر هذه السماعات كُلَّ ثلاثة أوراق. وفي نهاية كل جزء من الأجزاء السبعة عشر مجموعة من السماعات مدونة بخطوطٍ مختلفة مؤرخةِ بأزمنة متباعدة من القرن السادس (٥٦٠) هـ حتى القرن الثامن. منها سماعٌ بقراءة الحافظ صلاح الدين العلائي على الحافظ جمال الدين المِزِّي، وأبي محمَّد القاسم بن مظفَّر ابن عساكر الطبيب. ومنها سماعٌ على الحافظ الذهبي. وهذه السماعات جميعها تمت بدمشق في الجامع الأموي، وفي الجامع المظفَّري، وفي المدرسة الضيائية، وفي مدرسة الصاحب محيي الدين ابن الجَوْزي، وفي دار الحديث الأشرفية، وفي الرباط السُّمَيْساطي، وفي دار القرآن الجَزَرية، وفي دار الحديث الشُقَيشِقية، وفي المدرسة الصدرية، وفي رباط الناصرية. ونُعرِّف هنا بإيجاز بالمساجد والمدارس والرباطات التي قرئت فيها سنن ابن ماجه وهي بدمشق وضواحيها:

стр. 37

أما الجامع الأموي، فهو أعظمُ جوامع دمشق، بناه الوليدُ بن عبد الملك أيامَ خلافته سنة (٨٧ هـ)، وتوفي الوليدُ ولم يتم البناءُ، فأتمَّه مِن بعده أخوه سليمان. وأما الجامعُ المظفَّري، فهو بسفح جبل قاسيون، ويُقال له: جامع الجبل وجامع الحنابلة، شرع في بنائه الشيخ أبو عمر محمَّد ابن أحمد بن قدامة المقدسي سنة (٥٩٨)، ولا زال إلى يومنا هذا تقام فيه الصلوات الخمس، وخطبة الجمعة. وأما المدرسةُ الضيائية، فهي بسفح جبل قاسيون شرقَ الجامع المظفَّري، بناها مِن ماله واقِفُها الحافظ محمَّد بن عبد الواحد السعدي المقدسي صاحب "الأحاديث المختارة" المعروف بالضياء، وأعانه عليها بعضُ أهلِ الخير، وجعلها دارَ حديث، وقد نُهبت في نكبة الصالح أيام قازان سنة (٦٩٩)، وذهب منها شيء كثير، ثم دَرَسَت في جملة ما دَرَسَ من مدارس دمشق. وأما مدرسة الصاحب محيي الدين، فهي في سوق البُزُورية غربي قصر العظم، أوقفها الفقيهُ الأصولي الواعظُ الشهير يوسفُ ابن الإمام عبد الرحمن بن علي الجوزي القرشي البكري البغدادي المتوفى سنة (٦٥٦ هـ)، ودرَّس بها غيرُ واحد من أكابرِ أهل العلم كالمَرْداوي وابن مُفلح صاحب "المبدع شرح المقنع"، وقد اختلس جيرانُها معظمها، وبقي منها بقيةٌ صارت محكمة إلى سنة (١٩٠٥م)، ثم أُقفلت ثم احترقت سنة (١٩٢٥) أثناءَ الثورة السورية الكبرى،

стр. 38

ولم تزل كذلك حتى أُنشِى مكانَها مخازنُ وحوانيت وجُعل فوقها مسجدٌ صغير تُقامُ فيه الجماعة. وأما دار الحديث الأشرفية، فهي الأشرفية البَرّانية المقدسية، وهي بسفح قاسيون على حافة نهر يزيد، بناها الملكُ الأشرف مِن أجل الحافظِ جمال الدين عبد الله ابن الحافظ تقي الدين عبد الغني المقدسي، وهي خاصة بالحنابلة، وبانيها الملكُ الأشرف هو نفسُه باني دار الحديث الأشرفية المعروفة التي في أوائلِ سوق العصرونية من الجانب الغربي، وفيها الآن إعدادية للعلوم الشرعية، ويُنفق عليها جماعةٌ من أهل الخير، وتُقام فيها الصلوات الخمس وخطبة الجمعة. وأما الرِّباط السُّمَيساطي، ويُسمى الخانقاه، فهو عندَ بابِ الجامع الأموي الشمالي، واقفُه أبو القاسم السميساطي علي بن محمَّد بن يحيى السلمي الدمشقي، له ترجمة في "العبر" للذهبي ٣/ ٢٢٩ - ٢٣٠، وفيه الآن مدرسة للصفوف الابتدائية. وأما دارُ القرآن الجَزَرية، فأنشأها الحافظُ الإمامُ المقرئ شمس الدين محمَّد بن محمَّد بن يوسف بن الجزري المتوفى سنة (٨٤٣ هـ) صاحب كتاب "النشر في القراءات العشر"، وكانت بدربِ الحجر، وهو في أواخر السوق الكبيرِ الذي يعرف الآن بسوق مدحت باشا، وقد إندثرت منذ عهدٍ طويل. وأما دار الحديث الشُّقَيشِقية، فهي دارُ الشيخ المحدث نجيب الدين أبي الفتح نصر الله بن أبي العبر مظفر بن عقيل الشيباني

стр. 39

الدمشقي الصفَّار، فأوقفها دارَ حديث، وهي بدرب البانياسي بدمشق، وكان يسكنُها الحافظ المزي قبلَ انتقاله إلى دار الحديث الأشرفية. وأما المدرسة الصَّدْرية، فهي بدرب الريحان بجوار تربة القاضي جمال الدين المصري، عند القبور التي يزعم الناس أن مِن جملتها قبر معاوية، أنشأها الشيخ أسعد بن عثمان التنوخي، ثم الدمشقي المتوفى سنة (٦٥٧ هـ)، وأوقفها على الحنابلة، ودُفِنَ بها. ودرَّس بها ابنُ عبد الهادي وابنُ القيم. وأما رباطُ الناصرية، فهو دار الحديث الناصرية التي تقع بمحلة الفواخير بسفح قاسيون قِبْلي جامع الأَفرَم، أنشأها الملك الناصر صلاح الدين الأيوبي فاتح بيت المقدس (١). ثم هناك سماعات على الحافظ أبي الوفاء برهان الدين الحلبي المعروف بسبط ابن العجمي بقراءةِ محمَّد بن زريق سنة (٨٣٧ هـ) بحلب. ومنه يظهر أن هذه النسخة كانت بدمشق من القرن السادس إلى القرن الثامن، ثم انتقلت إلى حلب في القرن التاسع. وفي الورقة الأولى من المجلد الأول ما نصه: سمعه العالمُ الصدرُ الكبيرُ شيخُ الإسلام موفق الدين أبو محمَّد عبد الله بن أحمد

стр. 40

ابن محمَّد بن قدامة المقدسي أيَّدهُ اللهُ بسماعه من أبي زُرعة بسنده بقراءة الإمامِ العالم المقرئ شهاب الدين أبي محمَّد عبد العزيز بن عبد الملك بن تميم النسائي، فسمعه الفقهاء (وذكر جماعة من أهل العلم) وصح في مجلسٍ واحد بتاريخ يوم الأحد رابع المحرم مِن سنة اثنتين وست مئة في دمشق. والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمَّد وآله. وفي الورقة الثانية ما نصه: قُرِئَ على الشيخ الصالح أبي زُرعة طاهر بن محمَّد بن طاهر المقدسي وأنا أسْمَعُ في يومِ السبت سادسَ عشر ربيع الآخر سنة إحدى وستين وخمس مئة قيل له: أخبركم الشيخُ العالم أبو منصور محمَّد بن الحسين بن أحمد بن الهيثم المقوِّمي القزويني إجازةً إن لم يكن سماعًا قال: أنبأنا أبو طلحة القاسمُ بنُ أبي المنذر الخطيب قال: حدثنا أبو الحسن علي ابنُ إبراهيم بن سلمة بن بحر القطان قال: حدثنا أبو عبد الله محمدُ ابن يزيد ابنُ ماجه. قلنا: وقد خلت هذه النسخةُ مِن بعض الأحاديث في مواضع متفرقة، وهي مثبتة في بقية النسخِ وفي "تحفة الأشراف" للمزي، ومعظمُها مما لم يذكره أبو القاسم ابن عساكر في كتابه "الإشراف في معرفة الأطراف"، أو ذكره وقال: ليس في السماع. وقد أشرنا إلى هذه الأحاديث في مواضعها. كما قد خلت هذه النسخة من زياداتِ أبي الحسن القطان في الأغلب.
следующие страницы →