حج أو عمرة، فاستقبلْنا- وقال عفان: فاستقبلَنا- رجْلٌ من جرادٍ، فجعلنا نضربنهن بعصينا وسياطنا ونقتلهن، وأسقط في أيدينا، فقلنا: ما نصنع ونحن محرمون؟ فسألنا رسول الله -صلي الله عليه وسلم -؟ فقال: "لا بأس بصيد البحر".
٨٠٤٧ - حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن أيوب، عن غَيْلان ابن جرير، عن زياد بن رياح، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله -صلي الله عليه وسلم -: "من فارق الجماعة وخرج من الطاعة، فمات فميتته جاهلية، ومن خرج على أمتي بسيفه، يضرب برها وفاجرها, لا يحاشي مؤمنا لإيمانه، ولا يفي لذي عهد بعهده، فليس من أمتي، ومن قُتل تحت راية عمِّيَّة، يغضب للعصبية، أو يقاتل للعصبية، أو يدعو إلى العصبية، فقِتْلَةٌ جاهليَة".
٧٠٤٨ - حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم -: "يَحْسُرُ الفرات عن جبل من ذهب، فيقتتل الناس، فيقتل من كل مائةٍ تسعون- أو قال: تسعة وتسعون- كلهم يرى أنه ينجو".
٨٠٤٩ - حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن أشعث بن عبد الله،
стр. 4027
عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة، قال: جاء ذئب إلى راعي الغنم فأخذ منها شاةً، فطلبه الراعي حتي انتزعها منه، قال: فصعد الذئب على تلٍ، فأقعى واستذفر، فقال: عمدت إلى رزق رزقنيه الله انتزعته مني، فقال الرجل: تالله إن رأيت كاليوم، ذئباً يتكلم! قال الذئب: أعجب من هذا رجل في النخلات بين الحرتين، يخبركم بما مضى وبما هو كائن بعدكم، وكان الرجل يهودياً، فجاء الرجل إلى النبي ﷺ فأسلم وخبره،
стр. 4028
فصدقه النبي ﷺ ، ثم قال النبي ﷺ : "إنها أمارة من أماراتٍ بين يدي الساعة، قد أوشك الرجل أن يخرج فلا يرجع حتى تحدثه نعلاه وسوطه ما أحدث
أهله بعده".
٨٠٥٠ - حدثنا هاشم، حدثنا ليث، عن جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ ، أنه قال: "إذا سمعتم صياح الديكة من الليل فإنما رأت ملكاً، سلو الله من فضله، وإذا سمعتم نهاق الحمار فإنه رأي شيطاناً، فتعوذوا بالله من الشيطان".
٨٠٥١ - حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا ليث، حدثني سعيد، يعني المقبري، عن أبي عبيدة، عن سعيد بن يسار، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم -: "لا يتوضأ أحد فيحسن وضوءه ويسبغه ثم يأتي المسجد لا يريد إلا الصلاة فيه، إلا تَبَشْبَشَ الله به كما يتبشبش أهل الغائب
بطلعته".
стр. 4029
٨٠٥٢ - حدثنا هاشم، حدثنا ليث، حدثني سعيد، عن أبيه عن أبي هريرة، أن رسول الله -صلي الله عليه وسلم - كان يقول: "يا نساء المسلمات، لاتحقرن جارة لجارتها ولا فرسن شاة".
٨٠٥٣ - حدثنا هاشم، حدثنا ليث، حدثني سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله -صلي الله عليه وسلم - كان يقول: "لا إله إلا الله وحده، أعز جنده، ونصر عبده، وغلب الأحزاب وحده، ولاشىء بعده".
٨٠٥٤ - حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا ليث، يعني ابن سعد، حدثني بكير بن عبد الله بن الأشج، عن سليمان بن يسار، عن أبي هريرة، قال: بعثنا رسول الله -صلي الله عليه وسلم - في بعث، فقال: "إن وجدتم فلاناً وفلاناً- لرجلين من قريش- فأحرقوهما بالنار"، ثم قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم - حين أردنا الخروج:
стр. 4030
"إني كنت أمرتكم أن تحرقوا فلاناً وفلاناً بالنار، وإن النار لا يعذب بها إلا الله ، فإن وجدتموهما فاقتلوهما".
٨٠٥٥ - حدثنا هاشم، حدثنا ليث، حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن عراك، عن أبي هريرة، أنه سمع رسول الله -صلي الله عليه وسلم - يقول: "إن شر الناس ذو الوجهين، يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه".
٨٠٥٦ - حدثنا هاشم، والخزاعى- يعني أبا سلمة- قالا: حدثنا ليث، حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن سالم بن أبي سالم، عن معاوية بن مغيث الهذلي، عن أبي هريرة: أنه سمعه يقول: سألت رسول الله ﷺ : ماذا رد إليك ربك في الشفاعة؟ فقال: "والذي نفس محمَّد بيده، لقد ظننت أنك أول من يسألني عن ذلك من أمتي، لما رأيت من حرصك على العلم،
стр. 4031
والذي نفس محمَّد بيده، مايهمنُّى من انقصافهم على أبواب الجنة أهم من تمام شفاعتى، وشفاعتى لمن شهد أن "لا إله إلا الله" مخلصاً، يصدق قلبه لسانه، ولسانه قلبه".
стр. 4032
٨٠٥٧ - حدثنا وهب بن جرير، حدثني أبي، قال: سمعت محمَّد بن سيرين، يحدث عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم -: "لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى ابن مريم، وكان من بني إسرائيل رجل عابد يقال له: جُريج، فابتنى صومعة وتعبد فيها، قال: فذكر بنو إسرائيل يوما
стр. 4033
عبادة جُريج، فقالت بغى منهم: لئن شئتم لأصْبينَّه؟! فقالوا: قد شئنا، قال: فأتته فتعرضت له، فلم يلتفت إليها، فأمكنت نفسها من راع كان يأوى غنمه إلى أصل صومعة جُريج، فحملت، فولدت غلاماً، فقالوا: ممن؟ قالت: من جُريج، فأتوه فاستنزلوه، فشتموه وضربوه وهدموا صومعته، فقال:
ماشأنكم؟ قالوا: إنك زنيت بهذه البغي فولدت غلاماً، قال: وأين هو؟ قالوا: ها هو ذا، قال: فقام فصلى ودعا، ثم انصرف إلى الغلام فطعنه بأصبعه، وقال: بالله ياغلام، من أبوك؟ قال: أنا ابن الراعي، فوثبوا إلى جُريج فجعلوا يقبلونه، وقالوا: نبني صومعتك من ذهب، قال: لاحاجة لي في ذلك، ابنوها
من طين كما كانت، قال: وبينما امرأة في حجرها ابن لها ترضعه، إذ مرَّ بها راكب ذو شارة، فقالت: اللهم اجعل ابني مثل هذا، قال: فترك ثديها، وأقبل على الراكب فقال: اللهم لا تجعلني مثله، قال: ثم عاد إلى ثديها يمصه، قال أبو هريرة: فكأني انظر إلى رسول الله -صلي الله عليه وسلم - يحكي على صنيع الصبي ووضعه أصبعه في فمه فجعل يمصها، ثم مرَّ بأمة تضرب، فقالت: اللهم لا تجعل ابني مثلها، قال: فترك ثديها، وأقبل على أمه فقال: اللهم اجعلني مثلها، قال: فذلك حين تراجعا الحديث، فقالت: حلقى! مرَّ الراكب ذو الشارة فقلت: اللهم اجعل ابني مثله، فقلت: اللهم لا تجعلني مثله، ومر بهذه الأمة فقلت: اللهم لا تجعل ابني مثلها، فقلت: اللهم اجعلني مثلها؟! فقال: يا أمتاه، إن الراكب ذو الشارة جبار من الجبابرة، وإن هذه الأمة يقولون: زنت ولم تزن، وسرقت، ولم تسرق، وهي تقول: حسبي الله".
٨٠٥٨ - حدثنا حسين بن محمَّد، حدثنا جرير، عن محمَّد،
стр. 4034
عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: "لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى ابن مريم ﵇، وصبي كان في زمان جُريج، وصبي آخر- فذكر الحديث- قال: وأما جُريج فكان رجلاً عابداً في بني إسرائيل، وكانت له أم، وكان يوماً يصلي، إذ اشتاقت إليه أمه، فقالت: ياجريج، فقال: يا رب، الصلاة خير أم أمي آتيها؟ ثم صلى، ودعته، فقال مثل ذلك، ثم دعته فقال مثل ذلك، وصلى، فاشتد على أمه، وقالت: اللهم أر جريجاً المومسات، ثم صعد صومعة له، وكانت زانية من بني إسرائيل- فذكر نحوه.
٨٠٥٩ - حدثنا أبو عامر، حدثنا أفلح بن سعيد، شيخ من أهل قباء
стр. 4035
من الأنصار، حدثنا عبد الله بن رافع مولى أم سلمة، قال: سمعت أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله -صلي الله عليه وسلم -في يقول: "إن طال بك مدة أوشكت أن ترى قوماً يغدون في سخط الله، ويروحون في لعنته، في أيديهم مثل أذناب البقر".
٨٠٦٠ - حدثنا محمَّد بن بكر البرساني، حدثنا جعفر، بعنى ابن برقان، قال: سمعت يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم -: "ما أخشى عليكم الفقر، ولكني أخشى عليكم التكاثر، وما أخشى عليكم الخطأ، ولكني أخشى عليكم العمد".
٨٠٦١ - حدثنا محمَّد بن بكر، حدثنا عبد الحميد بن جعفر
стр. 4036
الأنصاري، أخبرني عياض بن عبد الله بن أبي سرح، عن أبي هريرة، قال: قام رسول الله - صلي الله عليه وسلم - يخطب الناس، فذكر الإيمان بالله، والجهاد في سبيل الله، من أفضل الأعمال عند الله، قال: فقام رجل فقال: يا رسول الله، أرأيت إن قتلت في سبيل الله وأنا صابر محتسب، مقبلاً غير مدبر، كفر الله عني خطاياي؟ قال: "نعم"، قال: "فكيف قلت"؟ قال: فرد عليه القول كما قال، قال: "نعم"، قال: "فكيف قلت"؟ قال: فرد عليه القول أيضاً، قال: يا رسول الله، أرأيت إن قتلت في سبيل الله صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر، كفر الله عني خطاياي؟ قال: "نعم، إلا الدين، فإن جبريل ﵇ سارني بذلك".
٨٠٦٢ - حدثنا عبد الرزاق، قال: حدثنا سفيان، عن ابن أبي
стр. 4037
ليلى، عن عطاء، عن أبي هريرة، قال: كان رسول الله - صلي الله عليه وسلم - يؤمنا في الصلاة، فيجهر ويخافت، فجهرنا فيما جهر فيه، وخافتنا فيما خافت فيه، فسمعته يقول: "لا صلاة إلا بقراءة".
٨٠٦٣ - حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - صلي الله عليه وسلم -: "إذا توضأ أحدكم فليستنثر، وإذا استجمر فليوتر".
٨٠٦٤ - حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن همام بن منبه، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله - صلي الله عليه وسلم -: "لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ"، قال: فقال له رجل من أهل حضرموت: ما الحدث يا أبا هريرة؟ قال: فساء أو ضراط.
٨٠٦٥ - حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن أبي إسحاق، عن مجاهد، عن أبي هريرة: أن جبريل ﵇ جاء فسلم على النبي ﷺ ، فعرف صوته، فقال: "ادخل"، فقال: إن في البيت ستراً في الحائط فيه تماثيل، فاقطعوا رؤسها فاجعلوها بساطًا أو وسائد فاوطؤه، فإنا لا ندخل بيتاً فيه تماثيل.
٨٠٦٦ - حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن ابن
стр. 4038
المسيب، عن أبي هريرة، قال: بينا الحبشة يلعبون عند رسول الله - صلي الله عليه وسلم - بحرابهم دخل عمر، فأهوى إلى الحصباء يحصبهم بها، فقال له النبي ﷺ : "دعهم يا عمر".
٨٠٦٧ - حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن جعفر الجزري، عن يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - صلي الله عليه وسلم -: "لو كان الدين عند الثريا لذهب رجل من فارس - أو أبناء فارس - حتى يتناوله".
٨٠٦٨ - حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن جعفر الجزري، عن يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - صلي الله عليه وسلم -: "والذي نفسي بيده، لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم".
٨٠٦٩ - حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر - وعبد الأعلى، عن معمر - عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - صلي الله عليه وسلم -: "إن اليهود والنصاري لا يصبغون، فخالفوهم". قال عبد الرزاق في حديثه: قال الزهري: والأمر بالأصباغ فأحلكها أحب إلينا. قال معمر:
стр. 4039
وكان الزهري يخضب بالسواد.
٨٠٧٠ - حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن يحيى بن [أبي] كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة- قال: لا أعلمه إلا عن النبي ﷺ قال: "لا يمنع فضل الماء ليمنع به فضل الكلإ".
٨٠٧١ - حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن أبي إسحاق، عن كميل بن زياد، عن أبي هريرة، قال: كنت أمشى مع رسول الله - صلي الله عليه وسلم - في نخل لبعض أهل المدينة، فقال: "يا أبا هريرة، هلك المكثرون إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا، ثلاث مرات: حتى بكفه عن يمينه وعن يساره وبين
يديه - وقليل ما هم"، ثم مشى ساعةً فقال: "يا أبا هريرة، ألا أدلك على كنزٍ من كنوزالجنة"؟ فقلت: بلى يا رسول الله، قال: "قل: لا حول ولا قوة إلا بالله، ولا ملجأ من الله إلا إليه"، ثم مشى ساعةً فقال: "يا أبا هريرة، هل
стр. 4040
تدري ما حق الناس على الله؟ وما حق الله على الناس"؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "فإن حق الله على الناس أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، فإذا فعلوا ذلك فحق عليه أن لا يعذبهم".
٨٠٧٢ - حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن أبي عبيد مولى عبد الرحمن، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم -: "لا يتمن أحدكم الموت، إما محسن فيزداد إحساناً، وإما مسىء فلعله أن يستعتب".
٨٠٧٣ - حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن حميد ابن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم -: "من حلف فقال في حلفه "واللات" فليقل "لا إله إلا الله"، ومن قال لصاحبه "تعالى أقامرك"، فليتصدق بشيء".
٨٠٧٤ - حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن ابن طاوس، عن
стр. 4041
أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - صلي الله عليه وسلم -: "من حلف فقال: "إن شاء
الله" لم يحنث". قال عبد الرزاق: وهو اختصره، يعني معمراً.
стр. 4042
٨٠٧٥ - حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جربه أخبرني عبد الله بن عبد الرحمن بن يوحنس، عن أبي عبد الله القراظ، أنه قال: أشهد الثلاث على أبي هريرة أنه قال: قال أبو القاسم: "من أراد أهل البلدة بسوء - يعني أهل المدينة - أذابه الله كما يذوب الملح في الماء".
٨٠٧٦ - حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، قال: شهدنا مع رسول الله -صلي الله عليه وسلم - يوم خيبر، فقال - يعني - لرجل يدعى الإِسلام: "هذا من أهل النار"، فلما حضرنا القتال قاتل
стр. 4043
الرجل قتالاً شديداً، فأصابنه جراحة، فقيل: يا رسول الله -صلي الله عليه وسلم -الرجل الذي قلت له إنه من أهل النار - فإنه قاتل اليوم قتالاً شديدًا وقد مات، فقال النبي ﷺ :
"إلى النار"، فكاد بعض الناس أن يرتاب! فبينما هم على ذلك إذ قيل: فإنه يمت، ولكن به جراح شديد، فلما كان من الليل لم يصبر على الجراح، فقتل نفسه، فأخبر النبي ﷺ بذلك، فقال: "الله أكبر، أشهد أني عبد الله ورسوله"، ثم أمر بلالاً فنادى في الناس: "إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، وإن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر".
٨٠٧٧ - حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، أخبرني ابن المسيب، أن أبا هريرة قال: شهدنا مع النبي خبير، فقال النبي ﷺ لرجل ممن معه يذعن بالإِسلام: "إن هذا من أهل النار" - فذكر معناه، إلا أنه قال -: فاشتد على رجال من المسلمين، فقالوا: يا رسول الله، قد صدق الله حديثك، وقد انتحر فلان فقتل نفسه.
٨٠٧٨ - حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن سهيل
стр. 4044
ابن أبي صالح عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - صلي الله عليه وسلم -: "ما تعدون الشهيد فيكم"؟ قالوا: من قتل في سبيل الله، قال:"إن شهداء أمتي إذاً لقليل، القتل في سبيل الله شهادة، والبطن شهادة، والغرق شهادة، والنفساء شهاده، والطاعون شهادة".
٨٠٧٩ - حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا إسرائيل، عن أبي سنان، عن أبي صالح لحنفي، عن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: "إن الله اصطفى من الكلام أربعاً: "سبحان الله" و"الحمد لله" و "لا إله إلا الله" و "الله أكبر"، قال: ومن قال "سبحان الله" كتبت له بها عشرون حسنةً، وحط عنه عشرون سيئةً، ومن قال "الله أكبر" فمثل ذلك، ومن قال "لا إله إلا الله" فمثل ذلك، ومن قال "الحمد لله رب العالمين" من قبل نفسه، كتب له بها ثلاثون حسنةً، وحط عنه بها ثلاثون سيئةً".
٨٠٨٠ - حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم -: " في آخر الزمان يظهر ذو
стр. 4045
السويقتين على الكعبة"، قال: حسبت أنه قال: "فيهدمها".
٨٠٨١ - حدثنا عبد الرزاق، حدثنا جعفر - يعني ابن سليمان - عن أبي طارق، عن الحسن، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - صلي الله عليه وسلم -: "من
стр. 4046
يأخذ من أمتي خمس خصال فيعمل بهن، أويعلمهن من يعمل بهن"؟ قال: قلت: أنا يا رسول الله، قال: "فأخذ بيدي فعدهن فيها"، ثم قال: "اتق المحارم تكن أعبد الناس، وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس، وأحسن إلى جارك تكن مؤمناً، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلماً، ولا تكثر الضحك، فإن كثرة الضحك تميت القلب".
٨٠٨٢ - حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن الزهري، عن عمرو ابن أبي سفيان الثقفي، عن أبي هريرة، قال: بعث رسول الله -صلي الله عليه وسلم - سريةً عيناً، وأمر عليهم عاصم بن ثابت، وهو جد عاصم بن عمر، فانطلقوا، حتى إذا
стр. 4047
كانوا ببعض الطريق بين عسفان ومكة نزولاً، ذكروا لحي من هذيل، يقال لهم بنو لحيان، فتبعوهم بقريبٍ من مائة رجل رامٍ، فاقتصوا آثارهم، حتى نزلوا منزلاً نزلوه، فوجدوا فيه نوى تمرٍ تزودوه من تمر المدنية، فقالوا: هذا من تمر يثرب، فاتبعوا آثارهم حتى لحقوهم، فلما أحسهم عاصم بن ثابت
وأصحابه لجؤا إلى فدفدٍ، وجاء القوم فأحاطوا بهم، وقالوا: لكم العهد والميثاق
стр. 4048
إن نزلتم إلينا أن لا نقتل منكم رجلاً، فقال عاصم بن ثابت: أما أنا فلا أنزل في ذمة كافرٍ، اللهم أخبر عنا رسولك، قال: فقاتلوهم، فرموهم، فقتلوا عاصمًا في سبعة نفرٍ، وبقي خبيب بن عدي وزيد بن الدثنة ورجل آخر، فأعطوهم العهد والميثاق إن نزلوا إليهم، فلما استمكنوا منهم حلوا أوتار قسيهم
فربطوهم بها، فقال الرجل الثالث الذي معهما: هذا أول الغدر، فأبى أن يصحبهم، فجروه، فأبى أن يتبعهم، فضربوا عنقه، فانطلقوا بخبيب بن عدي وزيد بن الدثنة، حتى باعوهما بمكة، فاشترى خبيباً بنو الحرث بن عامر بن نوفل، وكان قد قتل الحرث يوم بدر، فمكث عندهم أسيرًا، حتى إذا أجمعوا قتله استعار موسى من إحدى بنات الحرث ليستحد بها، فأعارته، قالت: فغفلتُ عن صبي لي، فدر إليه حتى أتاه، قالت: فأخذه فوضعه على فخذه، فلما رأيته فزعت فزعًا عرفه، والموسى في يده، فقال: أتخشين
أن أقتله؟! ما كنت لأفعل إن شاء الله، قال: وكانت تقول: ما رأيت أسيراً خيرًا من خبيب، قد رأيته يأكل من قطف عنب، وما بمكة يومئذٍ ثمرة، وإنه لموثق في الحديد، وما كان إلا رزقاً رزقه الله إياه، قال: ثم خرجوا به من الحرم ليقتلوه، فقال: دعوني أصلى ركعتين، فصلى ركعتين، فقال: لولا أن تروا
مما بي جزعاً من الموت لزدت، قال: وكان أول من سن الركعتين عند القتل هو، ثم قال: اللهم أحصهم عدداً:
فلست أبالي حين أقتل مسلماً ... على أي شقٍ كان لله مصرعي
وذلك في ذات الإله، وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلوٍ ممزع
ثم قام إليه عقبة بن الحرث فقتله، وبعثت قريش إلى عاصم ليؤتوا بشيء من جسده يعرفونه، وكان قتل عظيماً من عظمائهم يوم بدر، فبعث الله عليه مثل الظلة من الدبر، فحمته من رسلهم، فلم يقدروا على شىءٍ منه.
стр. 4049
٨٠٨٣ - حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا خالد، عن سُهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - صلي الله عليه وسلم -: "لا تصحبُ الملائكةُ رُفقة فيها كلبٌ أو جرس".
٨٠٨٤ - حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا خالد، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم -: "ولدُ الزنا شَرُّ الثلاثة".
стр. 4050
٨٠٨٥ - حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا أيوب، يعني ابن عتبة، حدثنا أبو كثير السُّحيمي، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - صلي الله عليه وسلم-: "البَيّعان بالخيار من بيعهما ما لم يتفرقا، أويكون بيعهما في خيار".
٨٠٨٦ - حدثنا هاشم، حدثنا أيوب، عن أبي كثير، عن أبي
стр. 4051
هريرة، قال: قال رسولِ الله في: "لا يبتاعُ الرجل علي بيِع أخيه، ولا يخطب على خطبته، ولا تَشْترطُ المرأة وطلاق أختها لِتَستَفْرِغَ صَحْفتها، فإنما لها ما كَتَبَ الله لها".
٨٠٨٧ - حدثنا هاشم أبو النضر، قال: حدثنا الفرج، يعني ابن فَضَالة، حدثنا أبو سعيد المديني، عن أبي هريرة، قال: دعواتٌ سمعتها من رسول الله -صلي الله عليه وسلم - لا أتركها ما عشتُ حيًا، سمعته يقول: "اللهم اجعلني أُعْظمُ شُكرَك، وأُكْثرُ ذِكرك، وأَتْبَعُ نصيحتك، وأحفط وصيَّتَك"
стр. 4052
٨٠٨٨ - حدثنا هاشم، حدثنا الفرج بن فضالة، حدثنا على بن أبي طلحة، عن أبي هريرة، قال: قيل للنبي ﷺ : لأي شيء سُمّي يوم الجمعة؟، قال: "لأن فيها طُبعت طينةُ أبيك آدم، وفيها الصَّعقة والبعثة، وفيها البطشة، وفي آخر ثلاث ساعات منها ساعةٌ من دعا الله فيها استُجيب له".
٨٠٨٩ - حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا سفيان، عن داود بن قيس، عن أبي سعيد، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله -صلي الله عليه وسلم -: "المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، وحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم".
стр. 4053
٨٠٩٠ - حدثنا يحيى بن آدم، وإسحق بن عيسى - المعنى، واللفظ لفظ يحيى بن آدم - قالا: حدثنا شريك، عن إبراهيم بن جرير، عن أبي زُرْعة بن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة، قال: دخل رسول الله -صلي الله عليه وسلم - الخلاء، فأتيته بتَور فيه ماء، فاستنجى، ثم مسح يده في الأرض ثم غسلها، ثم أتيته بنورآخر، فتوضأ به.
٨٠٩٠ م-[قال عبد الله بن أحمد]: قال أبي: قال أسود - يعني شاذان - في هذا الحديث: إذا دخل الخلاء أتيته بماء في تور أو في رَكوة، وذكره بإسناده.
٨٠٩١ - حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا شريك، عن يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن أبي هريرة، قال: أمرني رسول الله - صلي الله عليه وسلم- بثلاث، ونهاني
стр. 4054
عن ثلاث: أمرني بركعتي الضحى كل يوم، والوتر قبل النوم، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، ونهاني عن نقرة كنقرة الديك، وإقعاء كإقعاء الكلب، والتفات كالتفات الثعلب.
٨٠٩٢ - حدثنا يحِيِى بن آدم، حدثنا شريك، عن ابن مَوْهَب، عن أبيه، عن أبي هريرة، رفَعَهُ، قال: "إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده".
٨٠٩٣ - حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا شريك، عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه، عن أبي هريرة، يرفعه إلى النبي - صلي الله عليه وسلم - قال: "لأن يجلس أحدكم على جمرة فتُحروا ثيابه حتى تُفضي إلى جلده خيرٌ له من أن
стр. 4055
يجلس على قبر".
٨٠٩٤ - حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا شريك، عن سَلم بن عبد الرحمن النخعي، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، عن النبي -صلي الله عليه وسلم - قال: "من تسمى باسمي فلا يتكني بكنيتي، ومن أكْتَنَى بكنيتي فلا يتسمى باسمي".
٨٠٩٥ - حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا ابن مبارك، عن معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، عن النبي -صلي الله عليه وسلم -، في قوله ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ قال: "دخلوا زحفا"، ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ - قال: "بَدَّلوا
стр. 4056
فقالوا: حنطة في شعرة".
٨٠٩٦ - حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا ابن مبارك، عن معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، عن النبي -صلي الله عليه وسلم - قال: "الكلمةُ الطيبة صدقة، وكل خطوة تمشيها إلى الصلاة- أو قال: إلى المسجد - صدقة".
٨٠٩٧ - حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا ابن مبارك، عن معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، عن النبي - صلي الله عليه وسلم -: أنه سمى الحرب خَدْعة.
٨٠٩٨ - حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا ابن مبارك، عن معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، عن النبي -صلي الله عليه وسلم - في الخَضر، قال: "إنما سمى خَضِراً: أنه جلس على فروة بيضاء، فإذا هي تحته تهتزُّ خَضراء".
стр. 4057
٨٠٩٩ - حدثنا زيد بن الحُباب، حدثنا ابن أبي ذئب، حدثني سعيد بنِ سمعان: سمعت أبا هريرة يحدث أبا قتادة قال: قال رسول الله ﷺ : "يُبايع لرجل بين الركن والمقام، ولن يستحل البيت إلا أهله، فإذا استحلوه فلاتسأل عن هلكة العرب، ثم تجيء الحبشة فيُخرِّبونه خرابا لا يَعمر بعده أبدا، هم الذين يستخرجون كنزه".
...
стр. 4058
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرت المرسلين، نفتتح هذا الجزء من المسند - أثناء مسند أبي هريرة - بالصحيفة الصحيحة المباركة "صحيفة همّام بن مُنَبه". وقد كان من توفيق الله سبحانه أن جاء ابنداوها عقب تمام الجزء الخامس عشر إذ لو قطعَت بين جزأين لما كانت متسقة
متضامة بين يدي القارئ وهي جديرة بَالإفراد في كتاب مستقل. فجاء وقوعها كلها في أول الجزء السادس عشر مغنياً عن طبعها وحدها.
وكان ذلك نعمة من الله وفضلاً والحمد لله رب العالمين.
كتبه
أحمد محمَّد شاكر
стр. 4059
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الصحيفة الصحيحة
صحيفة همام بن منبه
من مسند أبي هريرة
стр. 4060
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
هذه صحيفة "همام بن منبه" التي رواها وكتبها عن أبي هريرة. ورواها عنه معمر بن راشد. ورواها الرواة عن معمر. وأجل من رواها عنه منهم: "عبد الرزاق بن همام" إمام أهل اليمن وحافظهم. ورواها الأئمة والحفاظ والعلماء عن عبد الرزاق. وأجل من رواها عن عبد الرزاق وأعظمهم، وأوثقهم وأثبتهم: إمام أهل السنة، أمير المؤمنين في الحديث، الإِمام الأعظم "أحمد بن محمَّد بن حنبل" ﵁، وقد ساقها كلها في هذا (المسند العظيم) في موضع واحد بإسناد واحد: "حدثنا عبد الرزاق بن همام، حدثنا معمر، عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا به أبو هريرة. عن رسول الله -صلي الله عليه وسلم -، قال" .... ثم ساقها حديثاً حديثاً. وهذه "الصحيفة" من أوائل ما كتب من
الحديث النبوي، وهي تعتبر تأليفاً مستقلاً، بكتابة همام إياها. وهمام مات سنة ١٣٢. والظاهر من الروايات أنه كتبها عن أبي هريرة مباشرة. أعنى أنه كتبها في حياته وأبو هريرة مات ٥٩ على مارجحناه في ترجمته (ج ٦ ص ٥١٩ من هذا المسند)، وقال الحافظ الذهبي في تاريخ الإِسلام ٥: ٣٠٩ في ترجمة همام: (صاحب الصحيفة التي كتبها عن أبي هريرة) ثم نقل عن الميموني: "سمعت أحمد بن حنبل يقول في صحيفة همام-: أدركه معمر أيام السودان، فقرأ عليه همام، حتى إذا مل أخذ معمر فقرأ عليه الباقي. وعبد الرزاق لم يكن يعرف ما قرئ عليه مما هو قرأه. وهي نحو مائة وأربعين حديثاً" وأن عبد الرزاق لم يعرف ما قرأ همام مما قرأه معمر عليه - لا يضر في صحة الرواية شيئاً؛ لأنه في الحقيقة أمر شكلي. والعبرة بثبوت الرواية وصحتها سواء قرأ الشيخ أم قرئ عليه. فكل صحيح، وكل من طرق الرواية. وقال الذهبي أيضاً: "لعله [أي همام] عاش مائة سنة. وآخر من روى عنه الصحيفة التي له عن أبي هريرة - معمر. وعاش بعده ٢١ سنة ليس إلا.
وآخر من رواها عن معمر - عبد الرزاق، وعاش بعده [٥٨] سنة وآخر من
стр. 4061
رواها عنه إسحق الدبري، وعاش بعد عبد الرزاق ٧٣ سنة وآخر من روى عن الدبري من الرجال أبو القاسم الطبراني وعاش بعده ٧٦ سنة. والطبراني ممن جاوز المائة بيقين".
وهذه الصحيفة من أقوى الدلائل على أن الشيخين: البخاري ومسلم- لم يستوعبا جميع الأحاديث الصحاح، ولا التزما ذلك. وهما لم يقولا ذلك قط، وإنما هو ظن من بعض العلماء واستنباط. فقط، إكباراً للصحيحين، وتنويهاً بفضل الشيخين واجتهادهما وتحريهما. والصحيحان جديران بكل إكبار. وهما حجة لا شك فيها. ومؤلفاهما جديران بكل فضل وثناء.
واجتهادهما ونصيحتهما للأمة وللسنة، في الذروة العليا من التقدير. ولكن ليس معنى هذا ألا توجد أحاديث صحاح فيما لم يخرجاه في درجة ما أخرجاه في الصحة. بل الصحاح التي في درجة أحاديثهما كثيرة، إذا ما استوفت شروط الصحة العالية. فها هي ذي الصحيفة الصحيحة -"صحيفة همام بن منبه" اتفق الشيخان على إخراج أحاديث منها، وانفرد البخاري منها بأحاديث، وانفرد مسلم منها بأحاديث أخر، وتركا - معاً- إخراج ما بقى منها مما لم يخرجاه. كما سيظهر ذلك من تخريج أحاديثهما، إن شاء الله. بل هي تدل أيضاً على أن ما اتفقا على إخراجه من الأحاديث- لا يكون دائماً أعلى درجة في الصحة مما انفرد به أحدهمالأولا مما لم يخرجاه. وإنما العبرة في ذلك كله باستيفاء شروط الصحة، أو استيفاء شروط أعلى درجاتها في أي حديث كان، أخرجاه أم لم يخرجاه. ومن
البين الواضح أننا نريد بما "اتفقا على إخراجه منها" أو "انفرد به أحدهما" هو ما يرويانه منها من طريق "عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة" وإلا ففي أحاديثهما ما يرويانه- أو أحدهما- عن أبي هريرة من غير طريق همام. وعن همام من غير طريق معمر. وعن معمر من غير طريق
стр. 4062
عبد الرزاق، والمثل على ذلك تتبين واضحة في تخريجها، إن شاء الله. وكل أولئك صحيح في أعلى درجات الصحة. ولكنا نريد أن نبين توثيق هذه الصحيفة في ذاتها، من رواية "عبد الرزاق عن معمر" ثم من رواية الإِمام أحمد- في هذا الديوان المسند العظيم- عن عبد الرزاق. وهذه الصحيفة كما رواها عبد الرزاق عن معمر مجموعة في موضع واحد، وسمعها منه الأئمة الرواة- رواها أيضاً، أو أكثرها، مفرقة في مواضعها من تآليفه. فمنها أحاديث كثيرة، في كتاب "المصنف " ومنها أحاديث في تفسيره. بل لعله فرقها كلها في "المصنف"، ولكني لا أستطيع استيعاب ذلك أو الجزم به، وللعلماء والحفاظ. في رواية الأحاديث من هذه الصحيفة طرق: فأكثرهم يذكر إسنادها ثم يسوق لفظ الحديث الذي يريد روايته منها. كما يصنع عبد الرزاق نفسه في مؤلفاته: "عبد الرزاق عن معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة"- أو نحو ذلك من صيغ الرواية. بالتحديث أو العنعنة. وهذه هي الجادة في الرواية" يروون ما يريدون من أحاديثها كمثل روايتهم لسائر الحديث ومسلم يلزم في صحيحه طريقة طريفة: يقول مثلا: "حدثنا محمَّد بن رافع، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن همام بن منبه، قال:
هذا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول الله -صلي الله عليه وسلم -، فذكر أحاديث منها: وقال أبو القاسم ﷺ ... " - ثم يذكر الحديث الذي يريد في الباب المناسب له ولم أره يتخلف عن هذه الطريقة في الرواية منها في صحيحه. والبخاري لم يلزم في ذلك طريقاً واحدة: فنراه يروي منها حديثاً في كتاب الأيمان والنذور، فيقول: "حدثنا إسحق بن إبراهيم، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة عن النبي -صلي الله عليه وسلم -، قال: "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة". وقال رسول الله -صلي الله عليه وسلم -: "والله لأن يلج أحدكم بيمينه في أهله، آثم له عند الله من أن يعطي كفارته التي افترض الله عليه".
فهو قد ذكر إسناد الصحيفة، ثم ذكر أول حديث منها مختصراً -وهو غير
стр. 4063
مناسب لباب الأيمان والنذور - ثم عطف عليه حديث الباب، الذي قصد إلى روايته. منها البخاري (٨: ١٢٨، ١١: ٤٥٢ - ٤٥٣ فتح). وهنا شرح الحافظ طريقة البخاري في الرواية منها، فقال: "وقوله نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، طرف من حديثا تقدم بتمامه في أول كتاب الجمعة، لكن
من وجه آخر عن أبي هريرة". وقد كرر البخاري منه هذا القدر في بعض الأحاديث التي أخرجها من صحيفة همام ثم من رواية معمر عنه. والسبب فيه: أن حديث "نحن الآخرون"- هو أول حديث في النسخة، وكان همام يعطف عليه بقية الأحاديث بقوله: "وقال رسول الله -صلي الله عليه وسلم -" فسلك في ذلك البخاري ومسلم مسلكين: أحدهما: هذا. والثانى: مسلك مسلم، فإنه يقول بعد قول همام: "هذا ما حدثنا به أبو هريرة عن النبي -صلي الله عليه وسلم - ". يقول: "فذكر عدة أحاديث، منها: وقال رسول الله -صلي الله عليه وسلم -، ثم استمر على ذلك في جميع ما أخرجه من هذه النسخة. أي [صحيفة همام، وهو مسلك واضح. وأما البخاري فلم يطرد له في ذلك عمل، فإنه أخرج من هذه النسخة في الطهارة، وفي البيوع، وفي النفقات، وفي الشهادات، وفي الصلح، وقصة
موسى في التفسير، وخلق آدم، والاستئذان وفي الجهاد في مواضع، وفي الطب، واللباس، وغيرها، فلم يصدر شيئاً من الآحاديث المذكورة بقوله: "نحن الآخرون السابقون" وإنما ذكر ذلك في بعض دون بعض (١). وكأنه أراد أن يبين جواز كل من الأمرين". وحديث: "نحن الآخرون السابقون" -
الذي صدر به البخاري ما يروي من الصحيفة في موضعين - هو أول أحاديث الصحيفة: ٨١٠٠. وقد مضى في المسند أيضاً: ٧٦٩٣، "عن عبد الرزاق، عن معمر عن ابن طاوس، عن أبيه عن أبي هريرة - وعن معمر عن همام بن منبه، عن أبي هريرة". وحديث الباب عند البخاري-
стр. 4064
الذي ذكرناه - "والله لأن يبج أحدكم في يمينه" - وسيأتي في الصحيفة: ٨١٩٣. وقد مضى أيضاً، بمعناه بلفظ آخر: ٧٧٢٩، بإسناد الصحيفة، من رواية عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة. فقد سمعه الإِمام أحمد- إذن- من عبد الرزاق باللفظ الماضي حديثاً منفرداً خارجاً عن رواية الصحيفة، ثم سمعه منه باللفظ الآتي، في ضمن الصحيفة، ورواه مسلم ٢: ١٨ (بولاق) من صحيفة همام، على طريقته التي أشرنا إليها آنفاً: "هذا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول الله -صلي الله عليه وسلم -، فذكر أحاديث منها وقال رسول الله -صلي الله عليه وسلم - ... " فذكره. وقد صنع البخاري في غير صحيفة همام - مثل صنيعه هذا في صحيفة همام: فروى (١: ٥٧ ط./ ١: ٢٩٨ - ٢٩٩ فتح) عن أبي اليمان عن شُعيب، عن أبي الزناد، عن الأعرج: "أنه سمع أبا هريرة أنه سمع رسول الله -صلي الله عليه وسلم - يقول: نحن الآخرون السابقون وبإسناده قال: لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجرى ثم يغتسل فيه". وقد حاول بعض الشراح التكلف لذكر أول (١). حديث: "نحن الآخرون السابقون"- بما لا معنى له ولا طائل تحته. وقد رد عليهم الحافظ في الفتح تأويلاتهم المتكلفة. ثم قال: "والظاهر أن نسخة أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة- كنسخة معمر عن همام عنه. ولهذا قل حديث يوجد في هذه إلا وهو في الأخرى. وقد اشتملتا على أحادا كثيرة، أخرج الشيخان غالبها، وابتداء كل نسخة منهما حديث: "نحن الآخرون السابقون" فلهذا صدر به البخاري فيما أخرجه من كل منهما" فهذه الرواية عند البخاري تدل على صحة ما استنبط الحافظ - لله دره تشابه النسختين: صحيفة همام ونسخة الأعرج. ولعلنا نجد من الدلائل ما يزيد هذا توكيداً. بل إن هذا قد يدل
стр. 4065
على أن هماماً والأعرج كلاهما قد كتب الصحيفة عن أبي هريرة وسمعها منه. فتكون الصحيفة مروية عن أبي هريرة بإسنادين من وجهين متباعدين. وأنها وصلت إلى البخاري صحيفة من رواية أبي الزناد عن الأعرج، كما وصلت إليه من رواية معمر عن همام. ولن يكون ذلك خاصاً بالبخاري، فلا بد أنها وصلت إلى غيره من الأئمة الحفاظ كما وصلت إليه. ولكنا لا نستطيع القطع بذلك إلا أن تجتمع الدلائل عليه. وعسانا نجد ذلك، إن شاء الله. ثم وجدت البخاري قد صنع ذلك مرة أخرى، في رواية حديثين من نسخة "أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة" (٦: ٨٢ فتح). فذكر قبلهما حديث "نحن الآخرون السابقون" - مختصراً هكذا، مقتصراً على أوله وذكر الحافظ في هذا الموضع: "أن عادته [يعني البخاري] في إيراد هذه النسخة، وهي: شُعيب عن أبي الزناد عن الأعرج- أن يصدر بأول حديث فيها ويعطف الباقي عليه، لكونه سمعها هكذا".
ونسخة "أبي الزناد عن الأعرج" لم أجدها مجموعة في مكان، وما سمعت أن أحداً جمعها أو رواها مفردة. وهي مفرقة في المسند، وهي أقرب إلى أن تكون مجموعة في جامع المسانيد والسنن. ولكن ليست بإسناد واحد كصحيفة همام. ويروي الإِمام أحمد أحاديثها بأسانيد متعددة إلى أبي الزناد.
وعسى أن أوفق إلى جمعها وتتبعها في المسند والدواوين، ثم تحقيقها ونشرها إن شاء الله. وممن روى هذه الصحيفة عن عبد الرزاق- الحافظ أبو الحسين أحمد بن يوسف بن خالد السلمي النيسابوري، محدث نيسابور. وهو من شيوخ مسلم وأبي داود والنسائي وابن ماجة وابن خزيمة وروى عنه البخاري خارج الصحيح. ثقة متفق على جلالته وعدالته. توفي سنة ٢٦٤، عن ٨٢ سنة وهو مترجم في التهذيب ١: ٩١ - ٩٢. والجرح والتعديل لابن أبي حاتم ١/ ١/ ٨١. وتذكرة الحفاظ ٢: ١٣١. وقد سبق توثيقه في شرح الحديث: ٦٣٧٤. ونقلنا هناك قول ابن حبان: كان راوياً لعبد الرزاق، ثبتاً