وقال الحسن بن منبه: سمعت أبا زرعة قال: أخرج إلي أبو عبد الله أجزاء كلها "سفيان" "سفيان"، ليس على حديث منها حدثنا فلان، فظننتها عن رجل واحد، فانتخبت منها، فلما قرأ علي جعل يقول: حدثنا وكيع ويحيى حدثنا فلان، فعجبت من ذلك، وجهدت أن أقدر على شيء من هذا، فلم أقدر.
وقال المرُّوذي: سمعت أبا عبد الله يقول. كنت أذاكر وكيعًا بحديث الثوري، وكان إذا صلى العشاء الآخرة خرج من المسجد إلى منزله، فكنت أذاكره، فربما ذكر تسعة، عشرة، أحاديث (١) فأحفظها، فإذا دخل قال لي أصحاب الحديث: أمل علينا، فأملها عليهم (٢).
وقال الخلال: حدثنا أبو إسماعيل الترمذي، سمعت قتيبة بن سعيد يقول: كان وكيع إذا كانت العتمة ينصرف معه أحمد بن حنبل، فيقف على الباب فيذاكره، فأخذ وكيع ليلة بعضادتي الباب، ثم قال: يا أبا عبد الله: أريد أن أُلقي عليك حديث سفيان، قال: هات، قال: تحفظ عن سفيان عن سلمة بن كهيل كذا؟ قال: نعم حدثنا يحيى، فيقول: سلمة كذا وكذا؟ فيقول: حدثنا عبد الرحمن، فيقول، وعن سلمة كذا وكذا؟ فيقول: أنت حدثتنا، حتى يفرغ من سلمة، ثم يقول أحمد: فتحفظ عن سلمة كذا وكذا؟ فيقول وكيع: لا، ثم يأخذ في حديث شيخ شيخ، قال: فلم يزل قائمًا حتى جاءت الجارية فقالت: قد طلع الكوكب، أو قالت: الزهرة.
وقال عبد الله: قال لي أبي: خذ أيَّ كتاب شئت من كتب وكيع، فإن
стр. 72
شئت أن تسألني عن الكلام حتى أخبرك الإسناد، وان شئت بالإسناد حتى أخبرك عن الكلام.
وقال الخلال: سمعت أبا القاسم بن الجبُّلي (١) وكفاك به، يقول: أكثر الناس يظنون أن أحمد إذا سئل كأنّ علم الدنيا بين عينيه.
وقال إبراهيم الحربي: رأيت أحمد كأن الله جمع له علم الأولين والآخرين. وعن أحمد بن سعيد الرازي قال: ما رأيت أسود الرأس أحفظ لحديث رسول الله ﷺ ولا أعلم بفقهه ومعانيه من أحمد حنبل.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سلمة سمعت إسحق بن راهويه يقول: كنت أجالس بالعراق أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وأصحابنا، وكنا نتذاكر الحديث من طريقين وثلاثة، فيقول يحيى من بينهم: وطريق كذا، فأقول: أليس قد صح هذا بإجماع منا؟ فيقول: نعم. فأقول: ما تفسيره؟ ما فقهه؟ فيقفون كلهم إلا أحمد بن حنبل.
وقال الخلال: كان أحمد قد كتب كتب الرأي وحفظها، ثم لم يلتفت إليها. وقال أحمد بن سنان: ما رأيت يزيد بن هرون لأحد أشدّ تعظيمًا منه لأحمد بن حنبل ولا رأيته أكرم أحداً مثله، وكان يقعده إلى جنبه ويوقره ولا يمازحه.
وقال عبد الرزاق: ما رأيت أفقه من أحمد بن حنبل ولا أورع.
وقال إبراهيم بن شماس: سمعت وكيعا يقول: ماقدم الكوفة مثل ذاك الفتى، يعني أحمد، وسمعت حفص بن غِياث يقول ذلك.
стр. 73
وعن عبد الرحمن بن مهدي، قال مانظرت إلى أحمد بن حنبل إلا تذكرت به سفيان الثوري.
وقال القواريري: قال لي يحيى القطان: ما قدم عليّ مثلُ أحمد بن حنبل ويحيى بن معين.
وقال أبو اليمان: كنت أشبه أحمد بن حنبل بأرطاة بن المنذر (١).
وقال الهيثم بن جميل: إن عاش هذا الفتى سيكون حجة على أهل زمانه، يعني أحمد.
وقال قتيبة: خير أهل زماننا ابن المبارك، ثم هذا الشاب، يعني أحمد بن حنبل. وقال أبو داود: سمعتَ قتيبة يقول: إذا رأيتَ الرجل يحبُّ أحمد فاعلم أنه صاحب سنة.
وقال عبد الله بن أحمد بن شبويه عن قتيبة: لو أدرك أحمد عصر الثوريّ والأوزاعي ومالك والليث لكان هو المقدم، فقلت لقتيبة: تضم أحمد إلى التابعين؟ فقال: إلى كبار التابعين. وسمعت قتيبة يقول: لولا الثوري لمات الورع، ولولا أحمد بن حنبل لأحدثوا في الدين.
وقال أحمد بن سلمة: سمعت قتيبة يقول: أحمد بن حنبل إمام الدنيا.
وقال العباس بن الوليد البيروتي: حدثنا الحرث بن عباس قال: قلت لأبي مسْهِر: هل تعرف أحدًا يحفظ على هذه الأمة أمر دينها؟ قال: لا أعلمه إلا شاب في ناحية المشرق، يعني أحمد بن حنبل.
قال المزني: قال لي الشافعى: رأيت ببغداد شابًا إذا قال "حدثنا" قال الناس
стр. 74
كلهم: صدق. قلت: من هو؟ قال: أحمد بن حنبل.
وقال حرملة: سمعت الشافعي يقول: خرجت من بغداد فما خلفتُ بها رجلاً أفضلَ ولا أعلم ولا أفقه ولا أتقى من أحمد بن حنبل.
وقال الزعفراني: قال لي الشافعي: ما رأيت أعقل من أحمد بن حنبل وسليمان بن داود الهاشمي.
وقال محمد بن إسحق بن راهَويه. سمعت أبي يقول: قال لي أحمد ابن حنبل: تعالَ حتى أريَكَ رجلاً لم تَر مثلَه، فذهب بي إلى الشافعي، قال أبي: وما رأى الشافعي مثلَ أحمد بن حنبل، وْلولا أحمد وبَذل نفسه لما بذلها له لذَهَب الإسلام.
وعن إسحق قال: أحمد حجةٌ بين الله وبين خلقه.
وقال محمد بن عبدويه: سمعت علي بن المديني، وذكرَ أحمد بن حنبل، فقال: هو أفضل عندي من سعيد بن جبيرٍ في زمانه، لأن سعيدًا كان له نظراء، وإن هذا ليس له نظير، أوكما قال.
وقال علي بن المديني: إن الله أعز هذا الدين بأبي بكر الصديق يوم الرِدة، وبأحمد بن حنبل يوم المِحْنَة.
وقال أبو عبيد: انتهى العلم إلى أربعة: أحمد بن حنبل وهو أفقههم.
وذكر الحكاية.
وقال محمد بن نصر الفراء: سمعت أبا عبيد يقول: أحمد بن حنبل إمامُنا، إني لأتَزين بذكره.
وقال أبو بكر الأثرم عن أبى عبيد، مارأيت رجلاً أعلم بالسنة من
стр. 75
أحمد.
وقال أحمد بن حسن الترمذي: سمعت الحسن بن الربيع يقول: ماشبهت أحمد بن حنبل إلا بابن المبارك في سمته وهيئته.
وقال الطبراني: حدثنا محمد بن الحسين الأنماطي قال: كنا في مجلس فيه يحيى بن معين وأبو خيثمة وجِماعة، فجعلوا يثنون علىِ أحمد بن حنبل، فقال رجل: لا تكثروا، بعض هذا! فقال يحيى بن معين: وكثرة الثناء على أحمد تستكثر! لو جلسنا مجالسنا بالثناء عليه ماذكرنا فضائله بكمالها.
وقال عباس عن ابن معين- ما رأيت مثل أحمد وقال أبو جعفر النُّفيلى: كان أحمد من أعلام الدين.
وقال المرُّوذي: حضرت أبا ثور سئل عن مسئلة، فقال: قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل شيخنا وإمامنا كذا وكذا.
وقال إبراهيم الحربي: قال ابن معين: ما رأيت أحداً يحدّث لله إلا ثلاثة: يعلى بن عبيد، والقعنبي، وأحمد بن حنبل.
وقال عباس الدُّوري: سمعت ابنَ معين يقول: أرادوا أن أكون مثل أحمد، والله لا أكون مثله أبداً.
وقال أبو خيثمة: ما رأيت مثل أحمد بن حنبل ولا أشدَّ قلباً منه.
وقال على بن خشرم: سمعت بشر بن الحرث وسئل عن أحمد بن حنبل، فقال: أنا أُسأل عن أحمد؟! إن أحمد أُدخِلَ الِكيرَ فخرج ذهباً أحمر. رواها جماعة عن ابن خشرم.
стр. 76
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قال أصحاب بشر بن الحرث حين ضُرب أحمد في المحنة: يا أبا نصر، لو أنك خرجت فقلت إني على قول أحمد بن حنبل! فقال بشر: أتريدون أن أقوم مقام الأنبياء! رويت من وجهين عن بشر، وزاد أحدهما: قال بشر: حفظ الله أحمد من بين يديه ومن خلفه.
وقال القاسم بن محمد الصائغ سمعت المرُّوذِيَّ يقول، دخلت على ذي النون السجن ونحن بالعسكر، فقال: أي شيء حال سيدنا؟ يعني أحمد ابن حنبل.
وقال إسحق بن أحمد سمعت أبا زرعة يقول: ما رأيت مثل أحمد بن حنبل في فنون العلم، وما قام أحد مثل ما قام أحمد به.
وقال ابن أبى حاتم: قالوا لأبي زرعة: فإسحق بن راهويه؟ قال أحمد ابن حنبل أكبر من إسحق وأفقه، قد رأيت الشيوخ، فما رأيت أحدًا أكمل منه، اجتمع فيه زهد وفضل وفقه وأشياءكثيرة.
وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن علي بن المدينى، وأحمد بن حنبل، أيهما أحفظ. فقال: كانا في الحفظ متقاربين، وكان أحمد أفقه.
وقال أبي: إذا رأيت الرجل يحب أحمد فاعلم أنه صاحب سنة. وسمعت أبي يقول: رأيت قتيبة بمكة، فقلت لأصحاب الحديث: كيف تَغْفلون عنه وقد رأيتُ أحمد بن حنبل في مجلسه؟! فلما سمعوا هذا أخذوا نحوه وكتبوا عنه.
وقال محمد بن حماد الطهراني: سمعت أبا ثور يقول: أحمد بن حنبل أعلم أو أفقه من الثوري.
стр. 77
وقال محمد بن يحيى الذهلي: جعلت أحمد بن حنبل إمامًا فيما بيني وبين الله.
وقال نصر بن علي الجَهْضَمي: كان أحمد أفضل أهل زمانه.
وقال عمرو الناقد: إذا وافقنى أحمد على الحديث لا أُبالي من خالفني.
وقال محمد بن مهران الجمال وذكر له أحمد بن حنبل، فقال: ما بقي غيره.
وقال الخلال: حدثنا صاح بن علي الحلبي سمعت أبا همَّام السَّكُوني يقول: ما رأيت مثل أحمد بن حنبل ولارأى أحدٌ مثله.
وقال محمد بن إسحق بن خزيمة: سمعت محمد بن سختويه البرذَعي يقول: سمعت أبا عمير عيسى بن محمد الرملي، وذكر أحمد بن حنبل، فقال: ﵀، عن الدنيا ما كان أصبره، وبالماضين ما كان أشبهه، وبالصالحين ما كان ألحقه، عرَضت له الدنيا فأباها، والبدع فنفاها.
وقال أبو حاتم الرازي: كان أبو عمير بن النحاس الرملي من عباد المسلمين، فقال لي: كتبت عن أحمد بن حنبل شيئا؟ قلت: نعم، قال: فأمْل علي، فأمليت عليه شيئًا.
وعن حجاج بن الشاعر قال: ما كنت أحب أن أقتل في سبيل الله ولم أُصَلِّ على أحمد بن حنبل.
وعنه قال: قبّلت يومًا ما بين عين أحمد بن حنبل، وقلت: يا أبا عبد الله، بلغتَ مبلغ سفيان ومالك، ولم أظنَّ في نفسي أني بقيت غايةً، فبلغ والله في الإمامة أكثر من مبلغهمَا.
стр. 78
وعن حجاج بن شاعر قال: ما رأيت عيناي روحًا في جسدٍ أفضل من أحمد بن حنبل.
وعن محمد بن نصر المَرْوَزي قال: اجتمعت بأحمد بن حنبل وسألته عن مسائل، وكان أكثر حديثًا من إسحق بن راهويه وأفقه منه.
وعن محمد بن إبراهيم البوشنجِي قال: ما رأيت أجمع في كل شىء من أحمد بن حنبل ولا أعقل.
وقال محمدِ بن مسلم بن وَارَة: كان أحمد صاحبَ فقه، وصاحبَ حفظ، وصاحب معرفة.
وقال أبو عبد الرحمن النسَائي: جمع أحمد بن حنبل المعرفة بالحديث والفقه، والورعَ والزهد والصبر.
وقإل خطاب بن بشر عن عبد الوهاب بن الحكم الورّاق: لما قال النبي ﷺ "فَردوه إلى عالمِه" رددناه إلى أحمد بن حنبل، وكان أعلم أهل زمانه.
وقال أبو داود: كانت مجالس أحمد مجالس الآخرة، لا يذكر فيها شيء من أمر الدنيا، ما رأيته ذَكر الدنيا قطّ.
وقال صالح جزَرَةَ: أفقه من أدركتُ في الحديث أحمد بن حنبل.
وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه، وذُكر الشافعي عنده، فقال: ما استفاد منا أكثر مما استفدنا منه. قال عبد الله: كل شىء في كتاب الشافعي "أخبرنا الثقة". فهو عن أبي.
وقال الخلاّل: حدثنا أبوبكر المروذي قال: قدم رجل من الزهاد، فأدخلته على أبي عبد الله وعليه فرو خَلَقٌ وحزيقةٌ على رأسه وهو حافٍ في برد
стр. 79
شديد، فسلم وقال: يا أبا عبد الله، قد جئت من موضع بعيد، وما أردتُ إلا السلًام عليك، وأريدُ عبّادَانَ، وأريد إن أنا رجعت أن أمر بك وأسلمَ عليك، فقال: إن قدّر، فقام الرجل وأبو عبد الله قاعد، قال المروذي: ما رأيمت أحدًا قط قام من عَند أبي عبد الله حتى يقوم أبو عبد الله إلا هذا الرجل، فقال لي أبو عبد الله: ما ترى، ما أشْبَهه بالأبدال؟! أو قال: إني لأذكر به الأبدال! فأخرج إليه أبو عبد الله أربعة أرغفة مشطورة بكامخ، وقال: لو كان عندنا شىء لواسيناك.
قال الخلال: وأخبرنا المروذي: قلت لأبي عبد الله: ما أكثر الداعي لك! قال: أخاف أن يكون هذا استدراجًا، بأي شىء هذا! وقلت لأبي عبد الله: إن رجلاً قدم من طرسوس فقال لي: إنَّا كنا في بلاد الروم في الغزو إذا هدأ الليلُ رفعوا أصواتهم بالدعاء: ادعوا لأبي عبد الله، وكنا نمد المنجنيق ونرمي
عنه، ولقد رمي عنه بحجر والعلْج على الحصن متقوس بدرقة، فذهب برأسه وبالدرَقة، فتغير وجهه، وقال: لَيته لا يكون استدراجًا، فقلت: كلاً.
قال الخلال: وأخبرني أحمد بن حسين قال: سمعت رجلاً من خراسان يقول: عندنا أحمد بن حنبل يروْن أنه لا يُشبه البشَر، يظنون أنه من الملائكة. وقال لي رجل: نظرة عندنا من أحمد تعدل عبادة سنة.
قال الخلال: وقال المروذي: رأيت بعض النصارى الأطباء قد خرج من عند أبي عبد الله ومعه راهب، فسمعت الطبيب يقول: إنه سألني أن يجيء معي حتى ينظر إلى أبي عبد الله.
وقال المروذي: وأدخلتُ نصرانيًا على أبي عبد الله يعالجه، فقال. يا أبا عبد الله، إني لأشتهي أن أراك منذ سنين، ما بقاؤك صلاح الإسلام وحدهم، بل للخلق جميعًا، وليس من أصحابنا أحد إلا رضي بك: قال
стр. 80
المرّوذي: فقلت لأبي عبد الله: إني لأرجو أن يكون يدعَى لك في جميع الأمصار، فقال: يا أبا بكر، إذا عَرَف الرجل نفسَه في ينفعه كلام الناس.
وقال عبد الله بن أحمد: خرج أبي إلى طرسوس ماشيًا، وحج حجتين أو ثلاثًا ماشيًا، وكان أصبر الناس على الوحدة، وبشرٌ فيما كان فيه لم يكن يصبر على الوحدة، كان يخرج إلى ذا وإلى ذا.
وقال عباس الدوري: حدثني علي بن أبي فزارة جارُنا، قال: كانت أمي مقعدةً من نحو عشرين سنة، قالت لي يوماً: اذهبْ إلى أحمد حنبل فسلْه أن يدعو لي، فأتيت فدققت عليه وهو في دهليز، فلم يَفْتَح لي، وقال: من هذا؟ قال: أنا رِجل سألتني أمي وهِي مقعدة أن أسألك أن تدعو الله لها، فسمعت كلامه كلامَ رجل مغْضب، فقال: نحن أحوج إلى أن تدعو الله لنا، فوليْتُ منصرفًا، فخرجت عجوزٌ فقالت: إني قد تركتُه يدعو لها، فجئت إلى بيتنا دققت الباب، فخرجت أمي على رجليها تمشي، وقالت: قد وهب الله لي العافية. رواها ثقتان عن عباس.
وقال عبد الله بن أحمد: كان أبي يصلي في كل يوم وليلة ثلاثمائة ركعة، فلما مرض من تلك الأسواط أضعفته، فكان يصلي كل يوم وليلة مائةَّ وَخمسين ركعة.
وقال عبد الله بن أحمد: حدثنا علي بن الجَهْمِ قال: كان لنا جار فأخرج إلينا كتابًا، فقال: أتعرفون هذا الخط؟ قلنا: هذا خط أحمد بن حنبل، فكيف كَتب لك؟ قال: كنا بمكة مقيمين عند سفيان بن عيينة، ففقدنا أحمد أيامًا، ثم جئنا لنسأل عنه، فإذا الباب مردود عليه وعليه خلِقان، فقلتُ: ما خَبرُك؟ قال: سُرقت ثيابي، فقلت له معي دنانير، فإن شئت صلةً وإن شئت قرضًا، فأبى، فقلت: تكتُب لي بأجرةٍ؟ قال: نعم، فأخرجت
стр. 81
دينارًا، فقال: اشتر لي ثوبًا واقطعْه نصفين، يعني إزارًا ورداءً، وجئنى ببقية الدنانير، ففعلتُ وجئت بورَق، فكتب لي هذا.
وقال عبد الرزْاق: عرضت على أحمد بن حنبل دنانير فلم يأخذها.
وقال إسحق بن راهويه: كنت أنا وأحمد باليمن عند عبد الرزّاق، وكنت أنا فوق الغرفة وهو أسفل، وكنت إذا جئتُ إلى موضع اشتريت جارية، قال: فاطلعت على أن نفقته فنيتْ، فعرضتُ عليه فامتنع، فقلت: إن شئت قرضًا، وإن شئت صلة، فأَبَى، فنظرت فإذا هو ينسج التكك ويبيع وينفق. رواها أبو إسماعيل الترمذي عنه.
وعن أبي إسماعيل قال: أتى رجل بعشرة آلاف درهم من ربح تجارته إلى أحمد، فأبَى أن يقبلها.
وقال عبد الله عن أبيه قال: عرض عليّ يزيد بن هرون نحو خمسمائة درهم فلم أقبلها. فقيل إن صيرفيًا وصل أحمد بخمسمائة دينار فردها.
وقال صالح: دخلت على أبي أيام الواثق، والله يعلم كيف حالنا، فإذا تحت لبده ورقة فيها: يا أبا عبد الله، بلغني ما أنت فيه من الضيق، وقد وجهت إليك بأربعة آلاف درهم. فلما ردَّ أبي من صلاته قلت: ما هذا؟ فاحمر وجهه، فقال: رفعتها منك، ثم قال: تذهب بجوابه، فكتب إلى الرجل:
وصل كتابك ونحن في عافية، فأما الديْنُ فلرجل لا يُرهقنا، وأما العيال فهم في نعمة الله، فذهبت بالكتاب، فلما كان بعد حين ورد كتاب الرجل بمثل ذلك، فامتنع، فلما مضى نحو سنة ذكرناها، فقال: لو انا قبلنا كانت قد ذهبت.
وقال جماعةٌ: حدثنا سَلَمة بن شبيب قال: كنا في أيام المعتصم عند
стр. 82
أحمد بن حنبل، فدخل رجل فقال: من منكم أحمد بن حنبل؟ فسكتنا، فقال أحمد: هأنذا، قال: جئت من أربعمائة فرسخ براً وبحراً، كنتُ ليلةَ جمعة نائمًا فأتاني آت فقال لي: تعرف أحمد بن حنبل؟ قلت: لا، قال: فأت بغداد وسل عنه، فإذا رأيته فقل: إن الخضر يقرئك السلام ويقول: إن ساكنِ السماء الذي على عرشه راض عنك، والملائكة راضون عنك بما صَفَوْت نفسك لله (١).
فصل في آدابه
قال عبد الله بن أحمد: رأيت أبي يأخذ شعرةً من شعر النبي ﷺ فيضعها على فمه يقبلها، وأحسب أني رأيته يضعها على عينه ويغمسها في الماء ويشربه يستشفي به، ورأيته قد أخذ قصعة النبي ﷺ فغسلها في جب الماء ثم شرب فيها، ورأيته يشرب ماء زمزم يستشفي به ويمسح به يديه ووجهه.
وقال أحمد بن سعيد الدارمي: كتب إلى أحمد بن حنبل: لأبي جعفر أكرمه الله، من أحمد بن حنبل.
وعن سعيد بن يعقوب قال: كتب أحمد: من أحمد بن محمد إلى سعيد بن يعقوب، أما بعد، فإن الدنيا داء، والسلطان داء، والعالم طبيب، فإذا رأيتَ الطبيب يجر الداء إلى نفسه فاحذره، والسلام عليك.
وقال عبد الله بن عبد الرحمن الذهبي: حدثني أبي قال: مضى عمي أبو إبراهيم أحمد بن سعد إلى أحمد بن حنبل فسلم عليه، فما رآه وثب قائمًا وأكرمه.
قال: المروذي: قال لي أحمد: ما كتبت حديثاً إلا وقد عملتُ به، حتى
стр. 83
مرَّ بي أن النبى ﷺ احتجم وأعطى أبا طيبَةَ دينارًا، فأعطيت الحجّام دينارًا حين احتجمت.
وقال ابن أبي حاتم: ذكر عبد الله بن أبي عمر البكري قال: سمعت عبد الملك الميموني يقول: ما أعلم أني رأيت أحدًا أنظفَ ثوبَا ولا أشدَّ تعاهدًا لنفسه في شاربه وشعر رأسه وشعر بدنه، ولا أنقى ثوبًا وشدةَ بيِاض من أحمد بن حنبل.
وقال الخلال: أخبرني محمد بن الجنيد أن المرُّوذي حدثهم قال: كان أبو عبد الله لا يدخل الحمّام، وكان إذا احتاج إلى النورة تنور في البيت، وأصلحتُ له غيرَ مرٍ ة النورة، واشتريت له جلدًا ليده يدخل فيه ويتنوّر.
وقال حنبل: رأيت أبا عبد الله إذا أراد القيام قال لجلسائه: إذا شئتم.
وقال المرّوذي: رأيت أبا عبد الله قد ألقى لختَّانٍ درهمين في الطست.
وقال موسى بن هرون: سئل أحمد بن حنبل فقيل له: أين يطلب البُدَلاء؟ (١) فسكت حتى ظننا أنه لا يجيب، ثم قال: إن لم يكن من أصحاب الحديث فلا أدري.
وقال المرُّوذي: كان الإمام أحمد إذا ذكر الموت خنقته العبرة، وكان يقول: الخوف يمنعني أكل الطعام والشراب.
وقال: إذا ذكر الموت هان عليّ كلّ شىء من أمر الدنيا، وانما هو طعامٌ دونَ طعام، ولباسٌ دون لباس، وإنها أيام قلائل، ما أعْدِل بالفقر شيئًا.
وقال: لو وجدت السبيل لخرجت حتى لا يكون لي ذِكر.
وقال: أريد أن أكون في بعض تلك الشعاب بمكة حتى لا أُعْرَف، قد
стр. 84
بُليتُ بالشهرة، إني لأتمنى الموت صباحًا ومساءً.
وقال المرُّوذي: ذُكر لأحمد أن رجلاً يريد لقاءه، فقال: أليس قد كره بعضهم اللقاء، يتزَّين لي وأتَّزين له؟!
وقالِ: لقد استرحت، ما جاءني الفرجُ إلا منذ حلفتُ أن لا أُحَدِّث، وليتنا نُتْركُ، الطريق ماكان عليه بشر بن الحرث.
وقال المرُّوذي: قلت لأبي عبد الله: إن فلانًا قال لم يزهد أبو عبد الله في الدراهم وحدها، قد زهد في الناس، فقال. ومن أنا حتى أزهد في الناس؟! الناسُ يريدون أن يزهدواَ في.
وسمعت أبا عبد الله يِكره للرجل أن ينام بعد العصر، يخاف على عقله.
وسمعته يقول: لا يُفلح من تعاطى الكلام، ويخلو من أن يتجهم.
وسئل عن القراءة بالألحان، فقال: هذه بدعة، لا تسمع، وكان قد قارب الثمانين، ﵀.
فصل في قوله في أصول الدين
وقال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، البِرّ كله من الإيمان، والمعاصي تنقص من الإيمان.
وقال إسحق بن إبراهيم البغوي: سمعت أحمد بن حنبل، وسئل عمن يقول القرآن مخلوق؟ فقال: كافر.
وقال سَلَمة بن شَبيب: سمعت أحمد يقول: من يقول القرآن مخلوق فهو كافر.
وقال أبو إسماعيل الترمذي: سمعت أحمد بن حنبل يقول: من قال القرآن مخلوق فهو كافر.
стр. 85
وقال إسماعيل بن الحسن السراج: سألت أحمد عمن يقول القرآن مخلوق؟ فقال: كافر. وعمن يقول لفظي بالقرآن مخلوق؟ فقال: جهمى.
وقال صالح بن أحمد: تناهى إلى أبي أن أبا طالب يحكي أنه يقول لفظي بالقرآن غير مخلوق، فأخبرت أبي بذلك، فقال: من أخبرك! قلت: فلان، فقال: ابعث إلى أبي طالب، فوجهت إليه، فجاء وجاء فُوران، فقال له أبي: أنا قلت لفظي بالقرآن غير مخلوق؟! وغضب، وجعل يرعد، فقال: قرأت عليك (قل هو الله أحد) فقلت لي ليس هذا بمخلوق، فقال: فلم حكيت عني أنما قلت لك لفظي بالقرآن غير مخلوق؟! وبلغنى أنك وضعت ذلك في كتاب وكتبت به إلى قوم، فاْمحه، واكتبْ إلى القوم أنما لم أقله لك، فجعل فوران يعتذر إليه، وانصرفَ من عنده وهو مرعوب، فعاد أبو طالب فذكر أنه قد كان حَكّ ذلك من كتابه، وأنه كتب إلى القوم يخبرهم أنه وهم على أبي.
قلت: الذي استقر عليه قول أبي عبد الله أن من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال لفظي بالقرآن غير مخلوق فهو مبتدع.
وقال أحمد بن زبخويه: سمعت أحمد بن حنبل يقول: اللفظية شر من الجهمية.
وقال صالح بن أحمد: سمعت أبي يقول: افترقت الجهمية على ثلاث فرق: فرقة قالوا القرآن مخلوق، وفرقة قالوا القرآن كلام الله تعالى وسكتوا، وفرقة قالوا لفظنا بالقرآن مخلوق.
وقال أبي: لا يصلَّى خلف واقِفِي ولا خلف لفظي.
:قال المرُّوذي: أخبرتُ أبا عبد الله أن أبا شعيب السوسِي الذي كان بالرَّقة فرق بين ابنته وزوجها لما وقف في القرآن، فقال: أحسن عافاه الله، وجعل
стр. 86
يدعو له. وقد كان أبوشُعيب شاور النُّفيلي فأمره أن يفرق بينهما.
قال المروذي: ولما أظهر يعقوب بن شيبة الوقف حذَّر أبو عبد الله عنه، وأمر بهجرانِه وهجران من كلمه.
قلت: ولأبي عبد الله في مسألة اللفظ نصوص متعددة.
وأول من أظهر اللفظ الحسين بن علي الكرابيسي، وذلك في سنة أربع وثلاثين ومائتين. وكان الكرابيسي من كبار الفقهاء.
وقال المرّوذي في كتاب القصص: عزم حسن بن البزّار وأبو نصر بن عبد المجيد وغيرهما على أن يجيئوا بكتاب المدلّسين الذي وضعه الكرابيسي يطعن فيه على الأعمش وسليمان التيمي، فمضيت إليه في سنة أربع وثلاثين فقلت: إن كتابك يريد قوم أن يَعرضوه على أبي عبد الله، فأظهِرْ.
أنك قد ندمت عليه، فقال: إن أبا عبد الله رجل صالح، مثله يوفَّق لإصابة الحق، قد رضيتُ أن يعرض عليه، لقد سألني أبو ثور: أن أمحوَه، فأبيت.
فجيء بالكتاب إلى أبي عبد الله، وهو لا يعلم لمن هو، فعلَّموا على مستبشعات من الكتاب، وموضع فيه وَضْعٌ على الأعمش، وفيه: إن زعمتم أن الحسن بن صالح كان يرى السيف فهذا ابن الزبير قد خرج. فقال أبو عبد الله: هذ أراد نصرة الحسن بِن صالح فوضع على أصحاب رسول الله ﷺ : وقد جمع للروافض أحاديث في هذا الكتاب، فقال أبو نصر: إن فتياننا يختلفون إلى صاحب هذا الكتاب؟ فقال: حذروا عنه، ثم انكشف أمره فبلغ الكرابيسي، فبلغني أنه قال: سمعت حسينًا الصائغ يقول: لأقولن مقالةً حتى يقول أحمد بن حنبل بخلافها فيكفر، فقال: (١) لفظي بالقرآن مخلوق،
стр. 87
فقلت لأبي عبد الله: إن الكرابيسي قال لفظي بالقرآن مخلوق، وقال أيضًا: أقول إن القرآن كلام الله غير مخلوق من كل الجهات إلا أن لفظي بالقرآن مخلوق، ومن لم يقل إن لفظي بالقرآن مخلوق فهوكافر، فقال أبو عبد الله: بل هو الكافر، قاتله الله، وأي شيء قالت الجهمية إلا هذا؟! قالوا: كلام
الله، ثم قالوا: مخلوق، وما ينفعه وقد نقص كلامه الأخير كلامَه الأول حين قال لفظي بالقرآن مخلوق؟ ثم قال أحمد: ما كان الله ليَدعَه وهو يقصد إلى التابعين، مثل سليمان الأعمش وغيره، يتكلم فيهم، مات بشر المَريسي وخلَفه حسين الكرابيسي، ثم قال: أيش خبر أبي ثوْر؟ وافقه على هذا؟ قلت: قد هجره، قال: قد أحسن، قلت: إني سألت أبا ثور عمن قال لفظي بالقرآن مخلوق؟ فقال: مبتدع، فغضب أبو عبد الله، وقال أيش مبتدع؟! هذا كلام جهل بعينه، ليس يفلح أصحاب الكلام.
وقال عبد الله بن أحمد: سئل أبي وأنا أسمع عن اللفظية والواقفية؟ فقال: من كان منهم يحسن الكلام فهو جهمي.
فقال الحكم بن معبد: حدثني أحمد أبو عبد الله الدوْرَقي قال: قلتُ لأحمد بن حنبل: ما تقول في هؤلاء الذين يقولون لفظي بالقرآن مخلوق؟ فرأيته استوى واجتمع وقال: هذا شرّ من قول الجهمية، من زعم هذا فقد زعم أن جبريل تكلم بمخلوق وجاء إلى النبي ﷺ بمخلوق!
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عبد الله بن محمد بن الفضل الأسدي سمعت أبا طالب أحمد بن موسى بن حميد قال: قلت لأحمد بن حنبل: قد جاءت جهمية رابعةٌ، فقال: ما هي؟ قلت: قال إنسان من زعم أن في صدره القرآن فقد زعم أن في صدره من الإلهية شيء! فقال: من قال هذا
стр. 88
فقد قال مثل قول النصارى في عيسى أن كلمة الله فيه! ما سمعت بمثل هذا قط! قلت: أهذا الجهمية؟ قال: أكبر من الجهمية، ثم قال: قال النبي ﷺ : يُنْزَع القرآن من صدوركم.
قلت: الملفوظ كلام الله، وهو غير مخلوق، والتلفظ مخلوق، لأن التلفظ من كسب القاريء، وهو الحركة والصوت وإخراج الحروف، فإن ذلك مما أحدثه القاريء، ولم يحدث حروف القرآن ولامعانيه، إنما أحدثَ نطقه به، فاللفظ قدر مشترك بين هذا وهذا، ولذلك لم يجَوِّز الإمام أحمد "لفظي بالقرآن مخلوق" ولا "غير مخلوق" إذ كل واحد من الإطلاقين موهِم. والله أعلم.
وقال أبو بكر الخلال: أَخبرني أَحمد بن محمد بن مطر وزكريا بن يحيى أن أبا طالبْ حدّثهم أنه قال لأبي عبد الله: جاءني كتاب من طرسوس أن سَرياً السَّقَطيّ قال: لما خلق الله الحروف سجدت إلَاّ الألفَ فإنه قال لا أَسجد حتى أُومن! فقال: هذا الكفر.
فرحم الله الإمام أحمد، ما عنده في الدين محاباة.
قال الخلَاّل: أَنبأنا محمد بن أبي هرون أن إسحق بن إبراهيم حدثهم قال: حضرت رجلا سأل أبا عبد الله فقال: يا أبا عبد الله، إجماعُ المسلمين على الإيمان بالقَدَر خيره وشرّه؟ قال أبو عبد الله: نعم. قال: ولا تكفر أَحداً بذنبٍ؟ فقال أُبو عبد الله: اسكت، من ترك الصلاة فقد كفر، ومن قال القرآن مخلوق فهو كافر.
وقال الخلال: أَخبرني محمد بن سليمان الجوهري حدثنا عبدوس بن
стр. 89
مالك العطار سمعت أحمد بن حنبل يقول: أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه الصحابة، وترك البدع، وترك الخصومات والجلوسِ مع أَصحاب الأهواء، وترك المرَاء والجدال، وليس في السنة قياس، ولا يُضرب لها الأمثال، ولا تدرك بالعقول، والقرآن كلام الله غير مخلوق، وإنه من الله ليس ببائن منه، وإياك ومناظرة من أحدث فيه، ومن قال باللفظ وغيره، ومن وقف فيه فقال لا أدري مخلوق أو ليس بمخلوق وإنما هو كلام الله فهو صاحب بدعة، والإيمان بالرؤية يوم القيامة، وأن النبي ﷺ رأَى ربه، فإنه مأثور عن رسول الله ﷺ ، رواه قتادة والحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس، ورواه علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس، والحديث عندنا على ظاهره، على ما جاء عن النبي ﷺ ، والكلام فيه بدعة، ولكن نؤمن به على ما جاء على ظاهره، وأن الله يكلم العباد يوم القيامة ليس بينهم وبينه ترجمان.
قال حنبل بن إسحق: قلت لأبي عبد الله: ما معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾، و ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾؟ قال: عِلْمه عِلْمه.
وسمعته يقول: ربنا ﵎ على العرش بلا حد ولا صفة.
قلت: معنى قوله بلا صفة، أي بلا كيفيَّة ولا وصف.
وقال أبو بكر المرُّوذي: حدثني محمد بن إبراهيم القيسي: قال: قلتُ لأحمد بن حنبل: يحكي عن ابن المبارك أنه قيل له: كيف نعرف ربَّنا؟ قال في السماء على عرشه، قال أحمد: هكذا هو عندنا.
وقال صالح بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول: من زعم أن أسماء
стр. 90
الله مخلوقة فقد كفر.
وقال عبد الله بن أحمد في كتاب الردّ على الجهمية تأليفه: سألت أبي عن قوم يقولون لما كلم الله موسى لم يتكلَّم بصوت؟ فقال أبي: بلى، تكلَّم جل ثناؤه بصوت، هذه الأحاديث نرويها كما جاءت. وقال أبي: حديث ابن مسعود "إذا تكلم الله سُمع له صوتٌ كَمَد السلسلة على الصَّفْوانِ" قال: وهذه الجهمية تنكره، وهؤلاء كفار، يريدون أَن يموهوا على الناس، ثم قال: حدثنا المحاربي عن الأعمش عن مسلم عن مسروق عن عبد الله قال: إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء فيخرون سجداً.
وقال عبد الله: وجد بخط أبي: مما يحتج به على الجهمية من القرآن ﴿إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ ﴿رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ﴾ ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَاتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ (١) ﴿يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ﴿يَا مُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾.
قلت: وذكر آيات كثيرة في الصفات، أنا تركت كتابتَها هنا.
стр. 91
وقال يعقوب بن إسحق المطوّعي: سمعت أحمد بن حنبل وسئل عن التفضيل؟ فقال: على حديث ابن عمر ﵄: أبو بكر وعمر وعثمان.
وقال صالح بن أحمد: سئل أبي وأنا شاهد عمن يقدم عليَّا على عثمانِ، يُبَدَّع؟ فقال: هذا أهل أن يُبَدَّع، أصحاب رسول الله ﷺ عليه قدّموا عثمان.
وقال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي مَنْ الرافضي؟ قال: الذي يشتم رجلاً من أصحاب رسول الله ﷺ أو يتعرض لهم، ما أُراه على الإسلام.
وقال أبو بكر المروذيّ: قيل لأبي عبد الله ونحن بالعسكر وقد جاء بعض رسل الخليفة فقال: يا أبا عبد الله، ما تقول فيما كان بين عليّ ومعاوية؟ فقال: ما أقول فيهم إلا الحسنى.
...
- وكلام الإمام أحمد كثير طيب في أصول الديانة، لا يتسع هذا الكتاب لسياقه، قد جمعه الخلال في مصنَّف سماه (كتاب السنة من أحمد بن حنبل) في ثلاث مجلدات.
فمما فيه أخبرنا المروذي سمعت أبا عبد الله يقول: من تعاطى الكلام لا يفلح، من تعاطى الكلام لم يَخلُ من أن يتجهم.
وسمعت أبا عبد الله يقول: لست أتكلم إلا ما كان من كتابِ أو سنةٍ أو عن الصحابة والتابعين، وأما غير ذلك فالكلام فيه غير محمود.
стр. 92
وقال حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول: من أحب الكلام لم يفلح، لايؤول أمرهم إلى خير. وسمعته يقول: عليكم بالسنة والحديث، وإياكم والخوض والجدال والمراء، فإنه لايفلح من أحب الكلام. وقال لي: لا تجالسهم ولاتكلم أحدا منهم. ثم قال: أدركنا الناس وما يعرفون هذا، ويجانبون أهل الكلام. وسمعته يقول: مارأيت أحدا طلب الكلام واشتهاه فأفلح، لأنه يخرجه إلى أمر عظيم، لقد تكلموا يومئذ بكلام واحتجوا بشىء فما يقوى قلبى ولاينطلق لساني أن أحكيه.
قال الخلال: أخبرني محمد بن هرون حدثنا أبو الحرث: سمعت أبا عبد الله يقول: قال أيوب: إذا تمرق أحدهم لم يعد.
وقال الخلال: أخبرنا أحمد بن أصرم المزني قال: حضرت أحمد بن حنبل قال له الهمداني: إني ربما رددت عليهم، قال أحمد لا ينبغي الجدال.
ودخل أحمد المسجد وصلى، فلما انفتل قال: أنت عباس؟ قال: نعم، قال اتق الله، ولاينبغي أن تنصب نفسك وتشتهر بالكلام ولا بوضع الكتب، لو كان هذا خيرا لتقدمنا فيه الصحابة، ولم أر شيئا من هذه الكتب، وهذه كلها بدعة. قال: مقبول منك يا أبا عبد الله. أستغفر الله وأتوب إليه، إني لست أطلبهم ولا أدق أبوابهم، ولكن أسمعهم يتكلمون بالكلام وليس أحدا يرد عليهم فأغتم ولا أصبر حتى أرد عليهم، قال: إن جاءك مسترشد فأرشده، قالها مرارا.
قال الخلال: أخبرنا محمد بن أبى هرون ومحمد بن جعفر أن أبا الحرث حدثهم قال: سألت أبا عبد الله، قلت: إن ههنا من يناظر الجهمية ويبين خطأهم ويدقق عليهم المسائل، فما ترى؟ قال: لست أرى الكلام في شيء من هذه الأهواء، ولا أرى لأحد أن يناظرهم، أليس قال معاوية بن قرة: الخصومات تحبط الأعمال؟ والكلام رديء، لا يدعو إلى خير، تجنبوا أهل
стр. 93
الجدال والكلام، وعليك بالسنن وما كان عليه أهل العلم قبلكم، فإنهم كانوا يكرهون الكلام والخوض مع أهل البدع، وإنما السلامة في ترك هذا، لم تؤمر بالجدال والخصومات. وقال: إذا رأيتم من يحب الكلام فاحذروه.
قال ابن أبى داود: حدثنا موسى أبو عمران الأصبهاني سمعت أحمد ابن حنبل يقول: لا تجالس أصحاب الكلام وإن ذبوا عن السنة.
وقال الميمونى: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما زال الكلام عند أهل الخير مذموما.
قلت: ذم الكلام وتعلمه قد جاء من طرق كثيرة عن الإمام أحمد وغيره.
فصل من سيرته
قال الخلال: قلت لزهير بن صالح بن أحمد: هل رأيت جدك؟ قال: نعم، مات وقد دخلت في عشر سنين. كنا ندخل إليه في كل يوم جمعة أنا وأخواتي، وكان بيننا وبينه باب، وكان يكتب لكل واحد منا حبتين حبتين من فضة في رقعة إلى فامي يعامله، فنأخذ منه الحبتين وتأخذ الأخوات، وكان ربما مررت به وهو قاعد في الشمس وظهره مكشوف وأثر الضرب في ظهره، وكان لي أخ أصغر مني اسمه "علي" فأراد أبي أن يختنه، فاتخذ له طعاما كثيرا، ودعا قوما، فلما أراد أن يختنه وجه إليه جدي فقال: إنه بلغني ما أحدثته لهذا الأمر، وقد بلغنى أنك أسرفت، فابدأ بالفقراء والضعفاء فأطعمهم. فلما أن كان من الغد وحضر الحجام وحضر أهلُنا، فجاء جدي حتي جلس في الموضع الذي فيه الصبي، وأخرج صريرة فدفعها إلى الحجام، وصريرة دفعها إلى الصبي، وقام فدخل منزله، فنظر الحجام في الصريرة فإذا درهم واحد، وكنا قد رفعنا كثيرا مما افترش، وكان الصبي على مصطبة مرتفعة على شيء من الثياب الملونة، فلم ينكر ذلك. وقدم علينا من خراسان ابن خالة جدي، فنزل على أبي، وكان يكنى بأبي أحمد، فدخلت معه
стр. 94
إلى جدي، فجاءت الجارية بطبق خلَاف وعليه خبز وبقل وخل وملح ثم جاءت بغضارة فوضعتها بين أيديناَ، فيها مصلية فيها لحم وسلق كثير، فجعلنا نأكل وهو يأكل معنا، ويسأل أبا أحمد عمن بقي من أهلهم بخراسان في خلال ما يأكل، فربما استعجم الشئ على أبي أحمد فيكلمه جدي بالفارسية، ثم أخذ طبقا إلى جنبه فوضعه بين أيدينا، فإذا تمر بري وجوز مكسر، وجعل يأكل، وفى خلال ذلك يناول أبا أحمد.
وقال عبد الملك الميموني: كثيرا ما كنت أسأل أبا عبد الله عن الشيء، فيقول لبيك لبيك.
وعن المروذي قال: لم أر الفقير في مجلس أعز منه في مجلس أبي عبد الله، كان مائلا إليهم مقصرا عن أهل الدنيا، وكان فيه حلم، ولم يكن بالعجول، وكان كثير التواضع، تعلوه السكينة والوقار، إذا جلس في مجلسه بعد العصر للفتيا لايتكلم حتى يسأل. وإذا خرج إلي المسجد لم يتصدر، يقعد حيث انتهى به المجلس.
وقال الطبراني: حدثنا موسى بن هارون سمعت إسحاق بن راهويه يقول: لما خرج أحمد بن حنبل إلى عبد الرزاق انقطعت به النفقة، فأكرى نفسه من حمالين إلى أن جاء صنعاء، وعرض عليه أصحابه المواساة فلم يقبل.
قال الفقيه على بن محمد عمر الرازي: سمعت أبا عمر غلام ثعلب سمعت أبا القاسم بن بشار الأنماطي المزني سمعت الشافعي يقول: رأيت ببغداد ثلاث أعجوبات: رأيت بها نبطيا يتنحى علي حتى كأنه عربي وكأني نبطي! ورأيت أعرابيا يلحن حتى كأنه نبطي! ورأيت شابا وخطه الشيب فإذا قال حدثنا قال الناس كلهم: صدق. قال المزني: فسألته، فقال: الأول الزعفراني، والثاني أبو ثور الكلبي، وكان لحانا، وأما الشاب فأحمد بن حنبل.
стр. 95
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: رأيت أبي حرَّج على النمل أن يخرج النمل من داره، ثم رأيت النمل قد خرجن بعد ذلك، نملا سودا فلم أرهم بعد ذلك، رواها أحمد بن محمد اللنباني عنه.
قال أبو الفرج بن الجوزي: لما وقع الغرق سنة أربع وخمسين وخمسمائة غرقت كتبي وسلم لي مجلد فيه ورقتان بخط الإمام أحمد.
...
وزمن نهي أبي عبد الله عن الكلام: قال المرُّوذي: أخبرت قبل موت أبي عبد الله بسنتين أن رجلا كتب كتابا إلى أبي عبد الله يشاوره في أن يضع كتابا يشرح فيه الرد على أهل- البدع، فكتب إليه أبو عبد الله، قال الخلال: وأخبرني علي بن عيسى أن حنبلا حدثهم قال: كتب رجل إلى أبي عبد الله، قال: وأخبرني محمد بن على الوراق حدثنا صالح بن أحمد قال: كتب رجل إلى أبي يسأل عن مناظرة أهل الكلام والجلوس معهم؟ فأملى عليّ أبي جواب كتابه:
أحسن الله عاقبتك، الذي كنا نسمع وأدركنا عليه من أدركنا أنهم كانوا يكرهون الكلام والجلوس مع أهل الزيغ، وإنما الأمر في التسليم والانتهاء إلى ما في كتاب الله، لا تعد ذلك، ولم يزل الناس يكرهون كل محدث، من وضع كتاب وجلوس مع مبتدع ليورد عليه بعض ما يُلْبس عليه في دينه.
وقال المرُّوذي: بلغنى أن أبا عبد الله أنكر على وليد الكرابيسي مناظرته لأهل البدع.
وقال المرُّوذي: قلت لأبي عبد الله: قد جاؤوا بكلام فلان ليعرض عليك، وأعطيته الرقعة، فكان فيها: والإيمان يزيد وينقص فهو مخلوق، وإنما قلت إنه مخلوق على الحركة والفعل لا على القول، فمن قال الإيمان مخلوق وأراد القول فهو كافر. فلما قرأها أحمد وانتهى إلى قول "الحركة
стр. 96
والفعل" غضب ورمى بها، فقال: هذاْ مثل قول الكرابيسي، إنما أراد الحركات مخلوقة، إذا قال الإيمان مخلوق فأي شيء بقى؟ ليس يفلح أصحاب الكلام.
قلت: إنما حط عليه أحمد بن حنبل لكونه خاض ودقق وقسم، وفى هذا عبرة وزاجر، والله أعلم. فقد زجر الإمام أحمد كما ترى في قصة الرقعة التي في الإيمان، وهي والله بحث صحيح وتقسيم مليح، وبعد هذا فقد ذم من أطلق الخلق على الإيمان باعتبار قول العبد لا باعتبار مقوله، لأن ذلك نوع من الكلام وهو كان يذم الكلام وأهله وإن أصابوا، وينهى عن تدقيق النظر في أسماء الله وصفاته، مع أن محمد بن نصر المروزي قد سمع إسحق بن راهويه يقول: خلق الله الإيمان والكفر والخير والشر.
فصل في زوجاته وأولاده
قال زهير بن صالح بن أحمد: تزوج جدي بأم أبي عبَّاسة بنت الفضل (١)، من العرب من الربض (٢)، لم يولد منها غير أبي، ثم ماتت.
قال المرُّوذي سمعت أبا عبد الله يقول: أقامت معي، أم صالح ثلاثين سنة فما اختلفت أنا وهي في كلمة.
وقال زهير: لما ماتت عبَّاسة تزوج جدي بعدها امرأة من العرب يقال لها ريحانة، فولدت له عبد الله وحده.
стр. 97
وقال أبو بكر الخلال: حدثنا أحمد بن محمد بن خلف البراثي (١) أخبرني أحمد بن عبثر قال: لما ماتت أم صالح قال أحمد لامرأة عندهم: اذهبى الى فلانة ابنة عمى فاخطبيها لي من نفسها، قالت: فأتيتها فأجابته، فلما رجعت إليه قال: كانت أختها تسمع كلامك؟ قال: وكانت بعين واحدة، فقالت له: نعم، قال فاذهبي فاخطبي تلك التي بعينٍ واحدة، فأتتها فأجابته، وهي أم عبد الله ابنه، فأقام معها سبعا، ثم قالت له: كيف رأيت يا ابن عمى؟ أنكرت شيئا؟ قال: لا، إلا أن نعلك هذه تصرّ (٢).
فيما تقدم وهم، من أن أحمد ﵀ تزوج بهذه بعد موت أم صالح وذلك لا يستقيم، لأن عبد الله ولد لأحمد ولأحمد خمسون سنة غير أشهر، وكان صالح أكبر من عبد الله بسنوات، لأنه سمع من عفان وأبي الوليد، وذكر أبو يعقوب الهروي وغيره أن صالحا ولد سنة ثلاث ومائتين ولأبيه إذ ذاك تسع وثلاثون سنة، فصالح أكبر من عبد الله بعشرين سنة. والله أعلم.
وقال الخلال: حدثني محمد بن العباس حدثنا محمد بن علي حدثني أبو بكر بن يحيى قال: قال أبو يوسف بن بختان: لما أمرنا أبو عبد الله أن نشتري له الجارية، مضيت أنا وفوران، فتبعني أبو عبد الله فقال لي: يا أبا يوسف ويكون لها لحم.
قال زهير بن صالح: لما توفيت أم عبد الله اشترى "حُسْنَ" فولدت منه زينب ثم الحسن والحسين توأماً (٣)، وماتا بالقرب من ولادتهما، ثم ولدت
стр. 98
الحسن ومحمدا، فعاشا ثَم، حتى صارا من السن إلى نحو من الأربعين سنة، ثم ولدت، بعدهما سعيداً.
قال الخلال: وحدثنا محمد بن علي بن بحر سمعت حُسْنَ أم ولد أبي عبد الله تقول: قلت لمولاي، أصرف فرد خلخالي؟ قال: وتطيب نفسك؟ قلت: نعم، قال: الحمد لله الذي وفقك لهذا، قالت: فأعطيته أبا الحسن بن صالح فباعه بثمانية دنانير ونصف، وفرقها وقت حملي، فلما ولدت حسنا أعطى مولاتي كرَّامة درهمَّا، وهي امرأة كبيرة كانت تخدمهم، وقال لها: اذهبي إلى ابن شجاع القصَّاب يشترِي لك بهذا رأسا، فاشترى لنا رأسا وجاءت به، فأكلنا، فقال لي يا حسْن، ما أملك غير هذا الدرهم، ومالك عندي غير هذا اليوم، قالت: وكان إذا لم يكن عند مولاي شيء فرح يومه ذلك، فدخل يوما فقال لي أريد أن احتجم اليوم، وليس معه شيء، فجئت إلى جرة لي فيها غزل فبعته بأربعة دراهم، فاشتريت لحمًا بنصف درهم، وأعطى الحجام درهمًا، واشتريت طيبا بدرهم، ولما خرج إلى سُرَّ مَن رأى كنت قد غزلت غزلا لينًا وعملت ثوبًا حسنًا، فلما قدم أخرجته إليه، قال: ما أريده، فدفعته إلى فوران فباعه باثنين وأربعين درهما، واشتريت منه قطنا فغزلته ثوبًا كبيرًا، فلما أعلمته قال: لا تقطعيه، دعيه، فكان كفنه، كفِّنَ فيه، وأخرجت الغليظ فقطعه.
وعن أحمد بن جعفر بن المنادي: أن أبا عبد الله اشترى جارية بثمن يسير، سماها ريحانة، ليتسرى بها.
لم يتابع ابن المنادي على هذا.
قال حنبل: ولد سعيد قبل موت أحمد بنحو من خمسين يوما.
стр. 99
وقال بعض الناس: ولي سعيد قضاء الكوفة، ومات سنة ثلاث وتلاثمائة.
وهذا لا يصح، فإن سعيدًا ولد قبل موت أبيه، ومات قبل موت أخيه عبد الله بدهر، لأن إبراهيم الحربي عزى عبد الله بأخيه سعيد.
وأما الحسن ومحمد قال ابن الجوزي: فلم نعرف من أخبارهما شيئا.
وأما زينب فكبرت وتزوجت.
وله بنت اسمها فاطمة، إن صح ذلك.
ذكر المحنة
مازال السلمون على قانون السلف، من أن القرآن كلام الله تعالى ووحيه وتنزيله غير مخلوق، حتى نبغت المعتزلة والجهمية، فقالوا بخلق القرآن، متسترين بذلك في دولة الرشيد.
فروى أحمد بن إبراهيم الدورقي عن محمد بن نوح: أن هارون الرشيد قال: بلغني أن بشر بن غياث يقول: القرآن مخلوق، لله على إن أظفرني به لأقتلنه. قال الدورقي: وكان بشر متواريا أيام الرشيد فلما مات ظهر بشر ودعا إلى الضلالة.
قلت: ثم إن المأمون نظر في الكلام، وباحث المعتزلة، وبقي يقدم رجلا ويؤخر أخرى في دعاء الناس إلى القول بخلق القرآن، إلى أن قوي عزمه على ذلك في السنة التي مات فيها، كما سقناه.
قال صالح بن أحمد بن حنبل: حُمل أبي ومحمد بن نوح مقيدين، فصرنا معهما إلى الأنبار، فسأل أبو بكر الأَحول أبي، فقال: يا أبا عبد الله: إن عرِضتَ على السيف تجيب؟ قال: لا. ثم سيّرا، فسمعت أبي يقول: صرنا إلى الرحبة ورحلنا- منها، وذلك في جوف الليل، فعرض لنا رجل، فقال: أيكم أحمد بن حنبل؟ فقيل له: هذا، فقال للجمال: على رِسْلِك، ثم
стр. 100
قال: يا هذا، ما عليك أن تُقتل ههنا وتدخل الجنة، ثم قال: أستودعك الله، ومضى. قال أبي: فسألت عنه، فقيل لي: هذا رجل من العرب من ربيعة، يعمل الشعر في البادية، يقال له جابر بن عامر، يُذْكَر بخير.
وروى أحمد بن أبي الحواري: حدثنا إبراهيم بن عبد الله قال: قال أحمد بن حنبل: ما سمعت كلمة منذ وقعت في هذا الأمر أقوى من كلمة أعرابي كلمني بها في رحبة طوق، قال: يا أحمد إن يقتلك الحق مت شهيدًا، وان عشت عشت حميدًا، فقوي قلبي.
قال صالح بن أحمد: قال أبي: صرنا إلى أذنة (١)، ورحلنا منها في جوف الليل، ليفتح لنا بابها، فإذا رجل قد دخل، فقال: البشرى! قد مات الرجل، يعني المأمون، قال أبي: وكنت أدعو الله أن لا أراه.
وقال محمد بن إبراهيم البوشنجي: سمعت أحمد بن حنبل يقول: تبينت الإجابة في دعوتين: دعوت الله أن لا يجمع بينى وبين والمأمون، ودعوته أن لا أرى المتوكل، فلم أر المأمون، مات بالبذندون (٢)، وهو نهر الروم، وأحمد محبوس بالرقة، حتى بويع المعتصم بالروم، ورجع فرد أحمد إلى بغداد، وأما المتوكل فإنه لما أحضر أحمد دار الخلافة ليحدث ولده، قعد له المتوكل في خوخة، حتى نظر إلى أحمد ولم يره أحمد.
قال صالح: لما صدر أبي ومحمد بن نوح إلى طرسوس رُدا في أقيادهما، فلما صارا إلى الرقة حملا في سفينة، فلما وصلا إلى عانات توفي محمد،
стр. 101
فأطلق عنه قيده، وصلى عليه أبي.
وقال حنبل: قال أبو عبد الله: ما رأيت أحدًا على حداثة سنه وقدر علمه أقوم بأمر الله من محمد بن نوح، وإني لأرجو أن يكون قد خُتم له بخير، قال لي ذات يوم: يا أبا عبد الله، الله الله، إنك لست مثلي، إنك رجل يقْتَدَى بك، قدَّمَت الخلق أعناقهم إليك لما يكون منك، فاتق الله واثبت لأمر الله، أو نحو هذا، فمات وصليت عليه ودفنته، أظنه قال: بعانة (١).
قال لي صالح: وصار أبي إلي بغداد مقيدًا، فمكث بالياسرية أيامًا، ثم حُبس في دار اكتريت عند دار عمارة، ثم نقل بعد ذلك إلى حتس العامة في درب الموصلية، فقال أبي: كنت أصلي بأهل السجن وأنا مقيد، فلما كان في رمضان سنة تسع عشرة حِّولْت إلى دار إسحاق بن إبراهيم.
وأما حنبل بن إسحاق فقال: حبس أبو عبد الله في دار عمارة ببغداد في إصطبل لمحمد بن إبراهيم أخو إسحاق بن إبراهيم، وكان في حبس ضيق، ومرض في رمضان، فحبس في ذلك الحبس قليلا، ثم حوّل إلى سجن العامة، فمكث في السجن نحوًا من ثلاثين شهرًا، فكنا نأتيه، وقرأ عليَّ كتاب الإرجاء وغيره في الحبس، فرأيته يصلي بأهل الحبس وعليه القيد، فكان يخرج رجله من حلقة القيد وقت الصلاة والنوم.
رجعنا إلى ما حكاه صالح بن أحمد عن أبيه لما حُوِّل إلى دار إسحاق ابن إبراهيم: فكان يوجه إلي كل يوم برجلين، أحدهما يقال له أحمد بن رباح، والآخر أبو شعيب الحجام، فلا يزالان يناظراني، حتى إذا أرادا
стр. 102
الانصراف دُعي بقيد فزيد في قيودي. قال: فصار في رجله أربعة أقياد. قال أبي: فلما كان في اليوم الثالث دخل علي أحد الرجلين فناظرني، فقلت له: ما تقول في علم الله؟ قال: علم الله مخلوق، فقلت له: كفرت (١)، فقال الرسول الذي كان يحضر من قبل إسحاق بن إبراهيم: إن هذا رسول أمير المؤمنين، فقلت له: إن هذا قد كفر، فلما كان في الليلة الرابعة وجه، يعني المعتصم، ببُغَا الذي كان يقال له الكبير، إلى إسحاق فأمره بحملي إليه، فأدخلت على إسحاق، فقال: يا أحمد، إنها والله نفسك، إنه لا يقتلك بالسيف، إنه قد آلى إن لم تجبه أن يضربك ضربا بعد ضرب، وأن يقتلك في موضع لا تُرى فيه شمس ولا قمر، أليس قد قال الله : ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ أفيكون مجعولا إلا مخلوقا؟ فقلت: قد قال الله تعالى ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ أفخلقهم؟ قال: فسكت، فلما صرنا إلى الموضع المعروف بباب البستان أخرجت، وجيء بدابة فَحُملتُ عليها وعليَّ الأقياد، ما معى أحد يمسكني، فكدت غير مرةٍ أن أخرَّ عَلى وجهي لثقل القيود، فجيء بي إلى دار المعتصم، فأُدخلت حجرة وأُدخلت إلى بيت، وأقفل الباب عليّ وذلك في جوف الليل، وليس في البيت سراج، فأردت أن أتمسح للصلاة، فمددت يدي، فإذا أنا بإناء فيه ماء وطست موضوع، فتوضأت وصليت، فلما كان من الغد أخرجت تكتى من سراويلي وشددت بها الأقياد أحملها، وعطفت سراويلي، فجاء رسول المعتصم فقال: أجب، فأخذ بيدي وأدخلني عليه والتكة في يدي أحمل بها الأقياد، وإذا هو جالس وابن أبي دُؤاد حاضر، وقد جمع خلقاً كثيرًا من أصحابه، فقال لي
стр. 103
يعني المعتصم: ادْنُه، ادْنُه، فلم يزل يدنيني حتى قربت منه، ثم قال لي: اجلس فجلست، وقد أثقلتنى الأقياد، فمكثت قليلاً، ثم قلت: أتأذن لي في الكلام؟ فقال: تكلم، فقلت: إلى ما دعا الله ورسوله (١)؟ فسكت هنيهةً، ثم قال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله، فقلت: فأنا أشهد أن لا إله إلا الله، ثم قلت: إن جدك ابن عباسٍ يقول: "لما قدم وفد عبد القيس على رسول الله ﷺ سألوه عن الإيمان؟ فقال: أتدرون ما الإيمان؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تعطوا الخمس من المغنم (٢) "، قال: أبي قال، يعني المعتصم: لولا أني وجدتك في يد من كان قبلي ما عرضت لك.
ثم قال: يا عبد الرحمن بن إسحاق، ألم آمرك برفع المحنة؟! فقلت: الله أكبر، إن في هذا لفرجًا للمسلمين، ثم قال لهم: ناظروه، وكلموه، يا عبد الرحمن كلمه، فقال لي عبد الرحمن: ما تقول في القرآن؟ قلت له: ما تقول في علم الله؟ فسكت، فقال لي بعضهم: أليس قال الله تعالى ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ والقرآن أليس هو شيء؟ فقلت: قال الله تعالى ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ فدمرت إلا ما أراد الله؟ فقال بعضهم ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ أفيكون محدثٌ إلا مخلوقًا؟ فقلت: قال الله: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ فالذكر هو القرآن، ويلك! ليس فيها ألف ولام.
وذكر بعضهم حديث عمران بن حصين أن الله خلق الذكر فقلت: هذا خطأ، حدثنا غير واحد "إن الله كتب الذكر". واحتجوا بحديث ابن مسعود "ما خلق الله من جنة ولا نار ولا سماء ولا أرض أعظم من آية الكرسي" فقلت: إنما وقع الخلق على الجنة والنار والسماء والأرض، ولم يقع على القرآن، فقال بعضهم: حديث حبَّاب "يا هنتاه، تقرب إلى الله بما
стр. 104
استطعت، فإنك لن تتقرب إليه بشئ أحب إليه من كلامه" فقلت هكذا هو.
قال صالح بن أحمد: فجعل أحمد بن أبي دؤاد ينظر إلى أبي كالمغضب، قال أبي: وكان يتكلم هذا فأرد عليه، ويتكلم هذا فأرد عليه، فإذا انقطع الرجل منهم اعترض ابن أبي دؤاد فيقول: يا أمير المؤمنين، هو والله ضالّ مبتدع! فيقول: كلموه، ناظروه، فيكلمني هذا فأرد عليه، ويكلمني هذا فأرد عليه، فإذا انقطعوا يقول لي المعتصم: ويحك يا أحمد، ما تقول؟ فأقول: يا أمير المؤمنين، أعطوني شيئًا من كتاب الله أو سنة رسول الله حتى أقول به، فيقول ابن أبي دؤاد: أنت لا تقول إلا ما في كتاب الله أو سنة رسول الله؟ فقلت له: كما تأولت تأويلاتٍ فأنت أعلم، وما تأولت ما يحبس عليه وما يقيد عليه.
وقال حنبل: قال أبو عبد الله: ولقد احتجوا عليّ بشئ ما يقوى قلبي ولا ينطلق لساني أن أحكيه، أنكروا الآثار، وما ظننتهم على هذا حتى سمعت مقالتهم، وجعلوا يدعون بقول الخصم وكذا وكذا، فاحتججت عليهم بالقرآن، بقوله ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ فذمّ إبراهيم أباه أن عبد ما لا يسمع ولا يبصر، فهذا منكر عندكم؟! فقالوا: شبّه يا أمير المؤمنين، شبه يا أمير المؤمنين!
وقال محمد بن إبراهيم البوشنجي: حدثني بعض أصحابنا أن ابن أبي دؤاد أقبل على أحمد يكلمه، فلم يلتفت إليه، حتى قال المعتصم: يا أحمد، ألا تكلم أبا عبد الله؟ فقال أحمد: لست أعرفه من أهل العلم فأكلمه!.
وقال صالح بن أحمد: وجعل ابن أبي دؤاد يقول: يا أمير المؤمنين، لئن أجابك لهو أحبُّ إلي من مائة ألف دينار ومائة ألف دينار، فيعدَّ من ذلك ما شاء الله أن يعد، فقال المعتصم: والله لئن أجابني لأطلقنَّ عنه بيدي ولأركبنَّ إليه بجندي ولأطأن عقبه.
ثم قال: يا أحمد، والله إني عليك لشفيق، وإني لأشفق عليك
стр. 105
كشفقتي على هرون ابني، ما تقول؟ فأقول: أعطوني شيئًا من كتاب الله أو سنة رسوله.
فلما طال المجلس ضجر وقال: قوموا، وحبسني، يعني عنده، وعبد الرحمن بن إسحاق يكلمني، فقال المعتصم: ويحك أجبني، فقال: ما أعرفك! ألم تكن تأتينا؟ فقال له عبد الرحمن بن إسحاق: يا أمير المؤمنين، أعرفه منذ ثلاثين سنة يرى طاعتك والجهاد والحج معك، قال: فيقول: والله إنه لعالم، وإنه لفقيه، وما يسوؤني أن يكون معي يردَّ عني أهل الملل. ثم قال لي: ما كنت تعرف صالحاً الرشيدي؟ قلت: قد سمعت باسمه، قال: كان مؤدبي، وكان في ذلك الوضع جالسًا، وأشار إلى ناحية من الدار، فسألته عن القرآن، فخالفنى، فأمرت به فوطىء وسحب!
ثم قال: يا أحمد، أجبني إلى شيء لك فيه أدنى فرج حتى أطلق عنك بيدي، قلت: أعطوني شيئا من كتاب الله أو سنة رسوله، فطال المجلس وقام، ورددت إلى الموضع الذي كنت فيه.
فلما كان بعد المغرب وجّه إليّ رجلين من أصحاب ابن أبي دؤاد، يبيتان عندي ويناظراني ويقيمان معى، حتى إذا كان وقت الإفطار جيء بالطعام، ويجتهدان بي أن أفطر فلا أفعل، ووجّه إليّ المعتصم ابن أبي دؤاد في بعض الليل، فقال: يقول لك أمير المؤمنين: ما تقول؟ فأرد عليه نحوًا مما كنت أرد، فقال ابن أبي دؤاد: والله لقد كتب اسمك في السبعة، يحيى بن معين وغيره (١)، فمحوته، ولقد ساءني أَخذهم إياك، ثم يقول: إن أمير المؤمنين قد حلف أن يضربك ضربًا بعد ضرب، وأن يلقيك في موضع لا ترى فيه الشمس، ويقول: إن أجابني جئت إليه حتى أطلق عنه بيدي، وانصرف.
стр. 106
فلما أصبح جاء رسوله، فأخذ بيدي حتى ذهب بي إليه، فقال لهم: ناظروه وكلموه، فجعلوا يناظروني فأرد عليهم، فإذا جاؤوا بشئ من الكلام مما ليس في الكتاب والسنة قلت: ما أدري ما هذا؟! قال: يقولون: يا أمير المؤمنين، إذا توجهت له الحجة علينا ثبت، وإذا كلمناه بشئ يقول لا أدري ما هذا، فقال: ناظروه.
فقال رجل: يا أحمد أراك تذكر الحديث وتنتحله، قلت: ما تقول في ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾؟ قال: خص الله بها المؤمنين، قلت: ما تقول إن كان قاتلا أو عبدًا؟ فسكت، وانما احتججت عليهم بهذا لأنهم كانوا يحتجون بظاهر القرآن، حيث قال لي أراك تنتحل الحديث احتججت بالقرآن، يعني فلم يزالوا كذلك إلى قرب الزوال، فلما ضجر قال لهم: قوموا، وخلا بي وبعبد الرحمن بن إسحاق، فلم يزل يكلمني، ثم قال أبي: فقام ودخل، ورددت إلى الموضع.
قال: فلما كان في الليلة الثالثة قلت: خليق أن يحدث غداً من أمري شيء، فقلت لبعض من كان معي، الموكل بي: ارتد لي خيطًا، فجاءني بخيط، فشددت به الأقياد ورددت التكة إلى سراويلي، مخافة أن يحدث من أمري شيء فأتعرّى، فلما كان من الغد في اليوم الثالث وجَّه إليَّ، فأدخلت، فإذا الدار غاصة، فجعلمت أدخل من موضع إلى موضع، وقوم معهم السيوف، وقوم معهم السياط، وغير ذلك، ولم يكن في اليومين الماضيين كبير أحد من هؤلاء، فلما انتهيت إليه، قال: اقعد، ثم قال: ناظروه، كلموه، فجعلوا يناظروني، ويتكلم هذا فأرد عليه، ويتكلم هذا فأردّ عليه، وجعل صوتي يعلو أصواتهم، فجعل بعض من على رأسه قائم يومئ إلي بيده، فلما طال المجلس نحاني ثم خلا بهم، ثم نحاهم وردني إلى عنده، فقال: ويحك يا أحمد! أجبني حتى أطلق عنك بيدي، فرددت عنه نحوًا مما كنت أرد، فقال لي: عليك وذكر اللعن، وقال: خذوه واسحبوه وخلَّعوه، قال: فسحبت ثم خُلَّعت.
стр. 107
قال: وقد كان صار إلي شعرٌ من شعر النبي طن ﷺ في كم قميصي، فوجه إلي إسحاق بن إبراهيم: ماهذا المصرور في كم قميصك؟ قلت: شعر من شعر رسول الله ﷺ ، قال: وسعى بعض القوم إلى القميص ليخرقه على، فقال لهم، يعنى المعتصم: لا تخرقوه، فُنزع القميص عني، قال: فظننت أنه إنما دُرئ عن القميص الخرق بسبب الشعر الذي كان فيه، قال: وجلس المعتصم على كرسي، ثم قال: العقابين والسياط! فجيء بالعقابين، فمدت يداي، قال بعض من حضر خلفي: خذ نايَ الخشبتين بيديك وشدّ عليهما، فلم أفهم ما قال، فتخلعت يداي.
وقال محمد بن إبراهيم البوشنجى: ذكروا أن المعتصم لَايَن في أمر أحمد لما علق في العقابين، ورأى ثبوته وتصميمه وصلابته في أمره، حتى أغراه ابن أبي دؤاد، فقال له: إن تركته قيل إنك تركت مذهب المأمون وسخطت قوله، فهاجه ذلك على ضربه.
قال صالح: قال أبي. لما جيء بالسياط نظر إليها المعتصم وقال: ائتوني بغيرها، ثم قال للجلادين: تقدموا، فجعل يتقدم إلي الرجل منهم فيضربني سوطين، فيقول له: شد، قطع الله يدك! ثم يتنحى ويقوم الآخر فيضربني سوطين، وهو يقول في كل ذلك: شد، قطع الله يدك! فلما ضربت تسعة عشر سوطًا قام إلي، يعني المعتصم: وقال: يا أحمد، علام تقتل نفسك؟ إني والله عليك لشفيق، قال: فجعل عُجيف ينخسني بقائمة سيفه، وقال: أتريد أن تغلب هؤلاءكلهم؟ وجعل بعضهم يقول: ويلك، الخليفة على رأسك قائم! وقال بعضهم: يا أمير المؤمنين، دمه في عنقي، اقتله! وجعلوا يقولون: يا أمير المؤمنين، أنت صائم، وأنت في الشمس قائم! فقال لي: ويحك يا أحمد، ما تقول؟ فأقول: أعطوني شيئاً من كتاب الله أو سنة رسول الله ﷺ أقول به، فرجع وجلس، وقال للجلاد: تقدم وأوجع، قطع الله يدك! ثم قام الثانية، فجعل يقول: ويحك يا أحمد، أجبني، فجعلوا يقبلون على ويقولون: يا أحمد، إمامك على رأسك قائم! وجعل عبد الرحمن يقول: من صنع من
стр. 108
أصحابك في هذا الأمر ما تصنع؟ وجعل المعتصم يقول: ويحك، أجبني إلى شيء لك فيه أدنى فرج حتى أطلق عنك بيدي، فقلت: يا أمير المؤمنين، أعطوني شيئًا من كتاب الله، فيرجع، وقال للجلادين: تقدموا، فجعل الجلاد يتقدم ويضربني سوطين ويتنحى، وهو في خلال ذلك يقول: شد، قطع الله يدك! قال أبي: فذهب عقلي، فأفقت بعد ذلك فإذا الأقياد قد أُطلقت عنى، فقال لي رجل ممن حضر: إنا كببناك على وجهكِ، وطرحنا على ظهرك باريةً ودُسْناك! قال أبي: فما شعرت بذلك، وأتوني بسوِيق فقالوا لي: اشرب وتقيأ، فقلت: لا أفطر، ثم جيء بي إلى دار إسحاق بن إبراهيم، فحضرت صلاة الظهر، فتقدم ابن سماعة فصلى، فلما انفتل من الصلاة قال لي: صليتَ والدم يسيل في ثوبك؟ فقلت: قد صلى عمروجرحه يثعبُ دمًا.
قال صالح: ثم خُلي عنه فصار إلى منزله، وكان مكثه في السجن، منذ أخذ وحمل إلى أن ضرب وخُلي عنه، ثمانيةً وعشرين شهرًا. ولقد أخبرني أحد الرجلين اللذْين كانا معه، قال: يا ابن أخي، رحمة الله علي أبي عبد الله، والله ما رأيت أحدًا يشبهه، ولقد جعلت أقول له في وقت ما يوجه إلينا بالطعام: يا أبا عبد الله، أنت صائم، وأنت في موضع تَقيَّة (١)، ولقد عطش فقال لصاحب الشراب: ناولنى، فناوله قدحًا فيه ماء وثلجَ، فأخذه ونظر إليه
стр. 109
هنَّيةً، ثم ردَّه ولم يشرب! فجعلت أعجب من صبره على الجوع والعطش، وهو فيما هو فيه من الهول!
قال صالح: كنت التمس واحتال أن أوصل إليه طعامًا أو رغيفاً في تلك الأيام، فلم أقدر. وأخبرني رجل حضره: أنه تفقده في هذه الأيام الثلاثة وهم يناظرونه، فما لحن في كلمة، قال: وما ظننت أن أحداً يكون في مثل شجاعته وشدة قلبه.
وقال حنبل. سمعت أبا عبد الله يقول: ذهب عقلي مرارًا، فكان إذا رفع عني الضرب رجعت إلي نفسي، وان استرخيت وسقطت رفع الضرب، أصابني ذلك مرارًا، ورأيته، يعني المعتصم، قاعدًا في الشمس بغير مظلة، فسمعته وقد أوقفت يقول لابن أبي دؤاد: لقد ارتكبت في أمر هذا الرجل، فقال: يا أمير المؤمنين، إنه والله كافر مشرك، قد أشرك من غير وجه! فلا يزال به حتى يصرفه عما يريد، فقد كان أراد تخليتي بغير ضرب فلم يدعه ولا إسحق بن إبراهيم، وعزم حينئذ على ضربي.
قال حنبل: وبلغني أن المعتصم قال لابن أبي دؤاد بعد ما ضرب أبو عبد الله: كم ضرب؟ فقال ابن أبي دؤاد: نيفًا وثلاثين، أو أربعةً وثلاثين سوطًا.
وقال أبو عبد الله: قال لي إنسان ممن كان ثم: ألقينا على صدرك بارية وأكببناك على وجهك ودسناك.
قال أبو الفضل عبيد الله الزهري: قال المروذيّ: قلت وأحمد بين الهنبارين: يا أستاذ، قال الله تعالى ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ قال: يا مروذي، اخرج انظر، فخرجت إلى رحبة دار الخليفة، فرأيت خلقًا لا يحصيهم إلا الله تعالى،
стр. 110
والصحف في أيديهم والأقلام والمحابر، فقال لهم المروذي: أي شيء تعملون؟ قالوا: ننتظر ما يقول أحمد فنكتبه، فدخل إلى أحمد فأخبره، فقال يا مروذيّ، أضِل هؤلاء كلهم!؟.
قلت: هذه حكاية منقطعة لا تصح (١).
قال ابن أبي حاتم: حدثنا عبد الله بن محمد بن الفضل الأسدي قال: لما حمل أحمد ليضرب، جاؤوا إلى بشر بن الحرث، فقالوا: قد حمل أحمد بن حنبل، وحملت السياط، وقد وجب عليك أن تتكلم، فقال تريدون منّى مقام الأنبياء؟! ليس ذا عندي! حفظ الله أحمد بين يديه ومن خلفه!!.
وقال الحسن بن محمد بن عثمان الفسويّ: حدثني داود بن عرفة حدثنا ميمون بن الأصبغ قال: كنت ببغداد، فسمعت ضجةً، فقلت: ما هذا؟ قالوا: أحمد يمتحن، فأخذت مالاً له خطر، فذهبت به إلى من يدخلني إلى المجلس، فأدخلوني، وإذا بالسيوف قد جرّدت وبالرماح قد ركزت، وبالتراس (٢) قد صففت، وبالسياط قد طرحت، فألبسوني قباءً أَسود ومنطقةً وسيفًا، ووقفوني حيث أسمع الكلام، فأتى أمير المؤمنين فجلس على كرسي، وأتي بأحمد بن حنبل، فقال له: وقرابتي من رسول الله لأضربنك بالسياط، أو تقول كما أقول (٣)، ثم التفت إلى جلاد، فقال: خذه