← Книги сунны

Книги сунны · id 98139

مسند أحمد - ت شاكر - ط دار الحديث

أحمد بن حنبل

Полный текст (4 302 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

فلما أصبح جاء رسوله، فأخذ بيدي حتى ذهب بي إليه، فقال لهم: ناظروه وكلموه، فجعلوا يناظروني فأرد عليهم، فإذا جاؤوا بشئ من الكلام مما ليس في الكتاب والسنة قلت: ما أدري ما هذا؟! قال: يقولون: يا أمير المؤمنين، إذا توجهت له الحجة علينا ثبت، وإذا كلمناه بشئ يقول لا أدري ما هذا، فقال: ناظروه. فقال رجل: يا أحمد أراك تذكر الحديث وتنتحله، قلت: ما تقول في ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾؟ قال: خص الله بها المؤمنين، قلت: ما تقول إن كان قاتلا أو عبدًا؟ فسكت، وانما احتججت عليهم بهذا لأنهم كانوا يحتجون بظاهر القرآن، حيث قال لي أراك تنتحل الحديث احتججت بالقرآن، يعني فلم يزالوا كذلك إلى قرب الزوال، فلما ضجر قال لهم: قوموا، وخلا بي وبعبد الرحمن بن إسحاق، فلم يزل يكلمني، ثم قال أبي: فقام ودخل، ورددت إلى الموضع. قال: فلما كان في الليلة الثالثة قلت: خليق أن يحدث غداً من أمري شيء، فقلت لبعض من كان معي، الموكل بي: ارتد لي خيطًا، فجاءني بخيط، فشددت به الأقياد ورددت التكة إلى سراويلي، مخافة أن يحدث من أمري شيء فأتعرّى، فلما كان من الغد في اليوم الثالث وجَّه إليَّ، فأدخلت، فإذا الدار غاصة، فجعلمت أدخل من موضع إلى موضع، وقوم معهم السيوف، وقوم معهم السياط، وغير ذلك، ولم يكن في اليومين الماضيين كبير أحد من هؤلاء، فلما انتهيت إليه، قال: اقعد، ثم قال: ناظروه، كلموه، فجعلوا يناظروني، ويتكلم هذا فأرد عليه، ويتكلم هذا فأردّ عليه، وجعل صوتي يعلو أصواتهم، فجعل بعض من على رأسه قائم يومئ إلي بيده، فلما طال المجلس نحاني ثم خلا بهم، ثم نحاهم وردني إلى عنده، فقال: ويحك يا أحمد! أجبني حتى أطلق عنك بيدي، فرددت عنه نحوًا مما كنت أرد، فقال لي: عليك وذكر اللعن، وقال: خذوه واسحبوه وخلَّعوه، قال: فسحبت ثم خُلَّعت.

стр. 107

قال: وقد كان صار إلي شعرٌ من شعر النبي طن ﷺ في كم قميصي، فوجه إلي إسحاق بن إبراهيم: ماهذا المصرور في كم قميصك؟ قلت: شعر من شعر رسول الله ﷺ ، قال: وسعى بعض القوم إلى القميص ليخرقه على، فقال لهم، يعنى المعتصم: لا تخرقوه، فُنزع القميص عني، قال: فظننت أنه إنما دُرئ عن القميص الخرق بسبب الشعر الذي كان فيه، قال: وجلس المعتصم على كرسي، ثم قال: العقابين والسياط! فجيء بالعقابين، فمدت يداي، قال بعض من حضر خلفي: خذ نايَ الخشبتين بيديك وشدّ عليهما، فلم أفهم ما قال، فتخلعت يداي. وقال محمد بن إبراهيم البوشنجى: ذكروا أن المعتصم لَايَن في أمر أحمد لما علق في العقابين، ورأى ثبوته وتصميمه وصلابته في أمره، حتى أغراه ابن أبي دؤاد، فقال له: إن تركته قيل إنك تركت مذهب المأمون وسخطت قوله، فهاجه ذلك على ضربه. قال صالح: قال أبي. لما جيء بالسياط نظر إليها المعتصم وقال: ائتوني بغيرها، ثم قال للجلادين: تقدموا، فجعل يتقدم إلي الرجل منهم فيضربني سوطين، فيقول له: شد، قطع الله يدك! ثم يتنحى ويقوم الآخر فيضربني سوطين، وهو يقول في كل ذلك: شد، قطع الله يدك! فلما ضربت تسعة عشر سوطًا قام إلي، يعني المعتصم: وقال: يا أحمد، علام تقتل نفسك؟ إني والله عليك لشفيق، قال: فجعل عُجيف ينخسني بقائمة سيفه، وقال: أتريد أن تغلب هؤلاءكلهم؟ وجعل بعضهم يقول: ويلك، الخليفة على رأسك قائم! وقال بعضهم: يا أمير المؤمنين، دمه في عنقي، اقتله! وجعلوا يقولون: يا أمير المؤمنين، أنت صائم، وأنت في الشمس قائم! فقال لي: ويحك يا أحمد، ما تقول؟ فأقول: أعطوني شيئاً من كتاب الله أو سنة رسول الله ﷺ أقول به، فرجع وجلس، وقال للجلاد: تقدم وأوجع، قطع الله يدك! ثم قام الثانية، فجعل يقول: ويحك يا أحمد، أجبني، فجعلوا يقبلون على ويقولون: يا أحمد، إمامك على رأسك قائم! وجعل عبد الرحمن يقول: من صنع من

стр. 108

أصحابك في هذا الأمر ما تصنع؟ وجعل المعتصم يقول: ويحك، أجبني إلى شيء لك فيه أدنى فرج حتى أطلق عنك بيدي، فقلت: يا أمير المؤمنين، أعطوني شيئًا من كتاب الله، فيرجع، وقال للجلادين: تقدموا، فجعل الجلاد يتقدم ويضربني سوطين ويتنحى، وهو في خلال ذلك يقول: شد، قطع الله يدك! قال أبي: فذهب عقلي، فأفقت بعد ذلك فإذا الأقياد قد أُطلقت عنى، فقال لي رجل ممن حضر: إنا كببناك على وجهكِ، وطرحنا على ظهرك باريةً ودُسْناك! قال أبي: فما شعرت بذلك، وأتوني بسوِيق فقالوا لي: اشرب وتقيأ، فقلت: لا أفطر، ثم جيء بي إلى دار إسحاق بن إبراهيم، فحضرت صلاة الظهر، فتقدم ابن سماعة فصلى، فلما انفتل من الصلاة قال لي: صليتَ والدم يسيل في ثوبك؟ فقلت: قد صلى عمروجرحه يثعبُ دمًا. قال صالح: ثم خُلي عنه فصار إلى منزله، وكان مكثه في السجن، منذ أخذ وحمل إلى أن ضرب وخُلي عنه، ثمانيةً وعشرين شهرًا. ولقد أخبرني أحد الرجلين اللذْين كانا معه، قال: يا ابن أخي، رحمة الله علي أبي عبد الله، والله ما رأيت أحدًا يشبهه، ولقد جعلت أقول له في وقت ما يوجه إلينا بالطعام: يا أبا عبد الله، أنت صائم، وأنت في موضع تَقيَّة (١)، ولقد عطش فقال لصاحب الشراب: ناولنى، فناوله قدحًا فيه ماء وثلجَ، فأخذه ونظر إليه

стр. 109

هنَّيةً، ثم ردَّه ولم يشرب! فجعلت أعجب من صبره على الجوع والعطش، وهو فيما هو فيه من الهول! قال صالح: كنت التمس واحتال أن أوصل إليه طعامًا أو رغيفاً في تلك الأيام، فلم أقدر. وأخبرني رجل حضره: أنه تفقده في هذه الأيام الثلاثة وهم يناظرونه، فما لحن في كلمة، قال: وما ظننت أن أحداً يكون في مثل شجاعته وشدة قلبه. وقال حنبل. سمعت أبا عبد الله يقول: ذهب عقلي مرارًا، فكان إذا رفع عني الضرب رجعت إلي نفسي، وان استرخيت وسقطت رفع الضرب، أصابني ذلك مرارًا، ورأيته، يعني المعتصم، قاعدًا في الشمس بغير مظلة، فسمعته وقد أوقفت يقول لابن أبي دؤاد: لقد ارتكبت في أمر هذا الرجل، فقال: يا أمير المؤمنين، إنه والله كافر مشرك، قد أشرك من غير وجه! فلا يزال به حتى يصرفه عما يريد، فقد كان أراد تخليتي بغير ضرب فلم يدعه ولا إسحق بن إبراهيم، وعزم حينئذ على ضربي. قال حنبل: وبلغني أن المعتصم قال لابن أبي دؤاد بعد ما ضرب أبو عبد الله: كم ضرب؟ فقال ابن أبي دؤاد: نيفًا وثلاثين، أو أربعةً وثلاثين سوطًا. وقال أبو عبد الله: قال لي إنسان ممن كان ثم: ألقينا على صدرك بارية وأكببناك على وجهك ودسناك. قال أبو الفضل عبيد الله الزهري: قال المروذيّ: قلت وأحمد بين الهنبارين: يا أستاذ، قال الله تعالى ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ قال: يا مروذي، اخرج انظر، فخرجت إلى رحبة دار الخليفة، فرأيت خلقًا لا يحصيهم إلا الله تعالى،

стр. 110

والصحف في أيديهم والأقلام والمحابر، فقال لهم المروذي: أي شيء تعملون؟ قالوا: ننتظر ما يقول أحمد فنكتبه، فدخل إلى أحمد فأخبره، فقال يا مروذيّ، أضِل هؤلاء كلهم!؟. قلت: هذه حكاية منقطعة لا تصح (١). قال ابن أبي حاتم: حدثنا عبد الله بن محمد بن الفضل الأسدي قال: لما حمل أحمد ليضرب، جاؤوا إلى بشر بن الحرث، فقالوا: قد حمل أحمد بن حنبل، وحملت السياط، وقد وجب عليك أن تتكلم، فقال تريدون منّى مقام الأنبياء؟! ليس ذا عندي! حفظ الله أحمد بين يديه ومن خلفه!!. وقال الحسن بن محمد بن عثمان الفسويّ: حدثني داود بن عرفة حدثنا ميمون بن الأصبغ قال: كنت ببغداد، فسمعت ضجةً، فقلت: ما هذا؟ قالوا: أحمد يمتحن، فأخذت مالاً له خطر، فذهبت به إلى من يدخلني إلى المجلس، فأدخلوني، وإذا بالسيوف قد جرّدت وبالرماح قد ركزت، وبالتراس (٢) قد صففت، وبالسياط قد طرحت، فألبسوني قباءً أَسود ومنطقةً وسيفًا، ووقفوني حيث أسمع الكلام، فأتى أمير المؤمنين فجلس على كرسي، وأتي بأحمد بن حنبل، فقال له: وقرابتي من رسول الله لأضربنك بالسياط، أو تقول كما أقول (٣)، ثم التفت إلى جلاد، فقال: خذه

стр. 111

إليك، فأخذه، فلما ضرب سوطًا قال: بسم الله، فلما ضرب الثاني قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، فلما ضرب الثالث قال: القرآن كلام الله غير مخلوق، فلما ضرب الرابع قال: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾، فضربه تسعةً وعشرين سوطًا، وكانت تكةُ أحمد حاشية ثوب، فانقطعت فنزل السراويل إلى عانته، فقلت: الساعة ينهتك، فرمى بطرفه إلى السماء وحرك شفتيه، فما كان بأسرع من أن بقي السراويل لم ينزل، فدخلت عليه بعد سبعة أيام، فقلت: يا أبا عبد الله، رأيتك وقد انحل سراويلك فرفعت رأسك أو طرفك نحو السماء، فما قلت؟ قال: قلت: اللهم إنى أسألك باسمك الذي ملأت به العرش إن كنت تعلم أني على الصواب فلا تهتك لي ستراً. وقال جعفر بن أحمد بن فارس الأصبهاني: حدثنا أحمد بن أبي عبيد الله قال: قال أحمد بن الفرج: حضرت أحمد بن حنبل لما ضُرب، فتقدم أبو الدنّ، فضربه بضعة عشر سوطًا، فأقبل الدم من أكتافه، وكان عليه سراويل، فانقطع خيطه فنزل السراويل، فلحظته وقد حرك شفتيه، فعاد السراويل كما كان، فسألته عن ذلك؟ فقال: قلت إلهي وسيدي، وقفتني هذا الموقف فتهتكني على رؤوس الخلائق. هذه حكاية لا تصح ولقد ساق فيها أبو نعيم الحافظ من الخرافات والكذب ما يستحى من ذكره. وأضعف منها ما رواه أبو نعيم في الحلية: حدثنا الحسين بن محمد حدثنا إبراهيم بن محمد بن إبراهيم القاضى حدثني أبوعبد الله الجوهري حدثني يوسف بن يعقوب سمعت عليّ بن محمد القرشي قال: لما قدم أحمد ليضرب وجرّد وبقي في سراويله، فبينا هو يضرب انحل سراويله، فجعل! يحرك شفتيه بشئ، فرأيت يدين خرجتا من تحته وهو يضرب، فشدَّتا

стр. 112

السراويل، فلما فرغوا من الضرب قلنا له: ماكنت تقول؟ قال قلت: يا من لا يعلم العرشُ منه أين هو إلا هو، إن كنتُ على حق فلا تُبْد عورتي. قلت: هذه مكذوبة ذكرتها للمعرفة، ذكرها البيهقى وما جسر على تضعيفها! ثم روى بعدها حكايةً في المحنة عن أبي مسعود البجلي إجازة عن ابن جهضم، وهو كذوب، عن النجار عن ابن أبي العوّام الرياحي، فيها من الركاكة والخبط ما لا يروج إلا على الجَّهال، وفيها أن مئزره اضطرب فحرك شفتيه، في استتم الدعاء حتى رأيت كفّا من ذهب قد خرجت من تحت مئزره بقدرة الله! فصاحت العامة. وقال محمد بن أبي سمينة: سمعت شَابَاص التائب يقول: لقد ضربت أحمد بن حنبل ثمانين سوطًا، لو ضربته فيلاً لهدّتْه. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي قال: قال إبراهيم بن الحرث العبادي (١): قال أبو محمد الطُّفاوي لأحمد: يا أبا عبد الله، أخبرني عما صنعوا بك؟ قال لما: ضربت جاء ذاك الطويلُ اللحية، يعني عُجيفًا، فضربنِى بقائم سيفه، فقلت: جاء الفرج، يضرب عنقي وأستريح، فقال ابن سماعة: يا أمير المؤمنين، اضرب عنقه ودمه في رقبتي، قال ابن أبي دؤاد: لا يا أمير المؤمنين، لا تفعل، فإنه إن قتل أو مات في دارك قال الناس: صبر حتى قتل، فاتخذوه إماماً، وثبتوا على ما هم عليه، ولكن أطلقه الساعة، فإن مات خارجًا عن منزلك شك الناس في أمره. قال ابن أبي حاتم: وسمعت أبا زُرْعة يقول: دعا المعتصم بعمّ أحمد ابن حنبل، ثم قال- للناس: تعرفونه؟ قالوا: نعم، وهو أحمد بن حنَبل، قال:

стр. 113

فانظروا إليه، أليس هو صحيح البدن؟ قالوا: نعم. ولولا أنه فعل ذلك لكنت أخافُ أن يقع شيء لا يقام له، قال: فلما قال قد سلمته إليكم صحيح البدن، هدأ الناس وسكنوا. قال صالح: صارأبي إلى المنزل، ووجّه إليه من السّحَر مَن يُبصر الضربَ والجراحات ويعالجُ منها، فنظر إليه، فقال لنا: والله لقد رأيت من ضرب ألف سوط ما رأيت ضربًا أشدَّ من هذا، لقد جُر عليه من خلفه ومن قُدَّامه، ثم أدخلً ميلاً في بعض تلك الجراحات، وقال: لم ينقَبْ، فجعل يأتيه ويعالجه، وكان قد أصاب وجهَه غير ضربة، ثم مكث يعالجه إلى ما شاء الله، ثمِ قال: إن ها هنا شيئًا أريد أن أقطعه، فجاء بحديدة فجعل يُعَلِق اللحمَ بها ويقْطعه بسكين، وهو صابر يحمد الله، فبرأ ولم يزل يتوجع من مواضع منه، وكان أثر الضرب بيَّناً في ظهره إلى أن توفي. وسمعت أبي يقول: والله لقد أعطيتُ المجهود من نفسي، ووددت أني أبخو من هذا الأمركفافًا لا على ولا لي. ودخلت على أَبي يومًا، فقلت له: بلغني أن رجلاً جاء إلى فَضْل الأنماطي فقال له: اجعْلني في حل إذْ لم أقم بنصرتك، فقال فضل: لاجعلت أحدًا في حل، فتبسم أبي وسكت، فلما كان بعد أيام قال: مررت بهذه الآية ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ فنظرت في تفسيرها فإذا هو ما حدثني أبو النضْر حدثنا ابن فَضَالة المبارك حدثني من سمع الحسن يقول: إذا جثت الأم بين يدي رب العالمين نودوا: ليقم من أجره على الله، فلا يقوم إلا من عفا في الدنيا، قال أبي: فجعلت الميّت في حل من ضربه إياي، ثم جعل يقول: وما على رجل ألا يعذب الله بسببه أحدًا!. وقال حنبل بن إسحق: لما أمر المعتصم بتخلية أبي عبد الله خلع عليه مبطنةً وقميصًا وطيلسانا وخفا وقلنسوة، فبينا نحن على باب الدار والناس في

стр. 114

الميدان والدروب وغيرها وأُغلقت الأسواق، إذ خرج أبو عبد الله على دابة من دار أبي إسحق المعتصم، وعليه تلك الثياب، وابن أبي دؤاد عن يمينه، وإسحق بن إبراهيم، يعني نائب بغداد، عن يساره، فلما صار في دهليز المعتصم قبل أن يخرج قال لهم ابن أبي دؤاد: اكشفوا رأسه، فكشفوه، يعني من الطيلسان فقط، وذهبوا يأخذون به ناحية الميدان نحو طريق الحبس، فقال لهم إسحق: خذوا به ها هنا، يريد دجلة، فذهب به إلى الزورق، وحمل إلى دار إسحق فأقام عنده إلى أن صليت الظهر، وبعث إلى أبي وإلى جيراننا ومشايخ المحالّ، فجمعوا وأدخلوا عليه، فقال لهم: هذا أحمد بن حنبل إن كان فيكم من يعرفه، والا فليعرفه، فقال ابن سماعة حين دخل للجماعة: هذا أحمد بن حنبل، فإن أمير المؤمنين ناظر في أمره، وقد خلى سبيله، وها هو ذا، فأخرج على دابة لإسحق بن إبراهيم عند غروب الشمس، فصار إلى منزله ومعه السلطان والناس، وهو منحني، فلما ذهب لينزل احتضنته ولم أعلم، فوقعت يديّ على موضع الضرب، فصاح، فنحيت يدي، فنزل متوكئًا عليّ، وأغلق الباب، ودخلنا معه، ورمى بنفسه على وجهه، لا يقدر يتحرك إلا بجهد، وخلع ما كان خلع عليه فأمر به فبيع، وأخذ ثمنه فتصدق به. وكان المعتصم أمر إسحق بن إبراهيم أن لا يقطع عنه خبره، وذلك أنه نزل فيما حكى لنا عند الإياس منه. وبلغنا أن المعتصم ندم وأسقط في يده حتى صلح فكان صاحب الخبر إسحق يأتينا كل يوم يتعرف خبره، حتى صح، وبقيت إبهاماه متخلعتين، تضربان عليه في البرد، حتى يسخن له الماء، ولما أردنا علاجه خفنا أن يدسّ ابن أبي دؤاد سما إلى المعالج، فعملنا الدواء والمرهم في منزلنا. وسمعته يقول: كل من ذكرني في حلّ إلا مبتدع، وقد جعلت أبا إسحق، يعني المعتصم، في حلّ، ورأيت الله تعالى يقول: ﴿وَلْيَعْفُوا

стр. 115

وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، وأمر النبي ﷺ أبا بكر بالعفو في قصة مسطح، قال أبو عبد الله: العفو أفضل، وما ينفعك أن يعذب أخوك المسلم في سببك! فصل في محنته من الواثق قال حنبل: ولم يزل أبو عبد الله بعد أن بريء من مرضه يحضر الجمعة والجماعة، ويفتى- ويحدث، حتى مات المعتصم وولي ابنه الواثق، فأظهر ما أظهر من المحنة والميل إلى ابن أبي دؤاد وأصحابه، فلما اشتد الأمر على أهل بغداد، وأظهر القضاة المحنة، وفرق بين فضل الأنماطي وامرأته وبين أبي صالح وامرأته، كان أبو عبد الله يشهد الجمعة ويعيد الصلاة إذا رجع، ويقول: الجمعة تؤتى لفضلها، والصلاة تعاد خلف من قال بهذه المقالة، وجاء نفر إلى أبي عبد الله وقالوا: هذا الأمر قد فشا وتفاقم، ونحن نخافه علي أكثر من هذا، وذكروا أن ابن أبي دؤاد على أن يأمر المعلمين بتعليم الصبيان في الكتاب مع القرآن: القرآن كذا وكذا، فنحن لا نرضى بإمارته، فمنعهم من ذلك وناظرهم. وحكى حنبل قصده في مناظرتهم وأمرهم بالصبر، فبينا نحن في أيام الواثق إذ جاء يعقوب ليلا برسالة إسحق بن إبراهيم إلى أبي عبد الله: يقول لك الأمير، إن أمير المؤمنين قد ذكرك، فلا يجتمعنَّ إليك أحد، ولا تساكنّي بأرضٍ ولا مدينةٍ أنا فيها، فاذهب حيث شئت من أرض الله. فاختفى أبو عبد الله بقية حياة الواثق، وكانت تلك الفتنة وقتل أحمد بن نصر. فلم يزل أبو عبد الله مختفيا في غير منزله في القرب، ثم عاد إلى منزله بعد أشهر أو سنة لما طفيء خبره، ولم يزل في البيت مختفيا لا يخرج إلى الصلاة ولا غيرها حتى هلك الواثق. وعن إبراهيم بن هانيء قال: اختفى أحمد بن حنبل عندي ثلاثة أيام،

стр. 116

ثم قال: اطلب لي موضعاً، قلت: لا آمن عليك، قال: افعل، فإذا فعلت أفدتك، فطلبت له موضعًا فلما خرج قال لي: اختفى رسول الله ﷺ في الغار ثلاثة أيام ثم تحول (١). قلت: أنا أتعجب من الحافظ أبي القاسم (٢)، كيف لم يسق المحنة ولا شيئًا منها في تاريخ دمشق، مع فرط استقصائه، ومع صحة أسانيدها!! ولعل له نية في تركها (٣).

стр. 117

فصل في حال أبي عبد الله أيام المتوكل قال حنبل: ولي جعفر المتوكل، فأظهر الله السنة، وفرّج عن الناس، وكان أبو عبد الله يحدثنا ويحدث أصحابه في أيام المتوكل، وسمعته يقول: ما كان الناس إلى الحديث والعلم أحوج منهم في زماننا. ثم إن المتوكل ذكره وكتب إلى إسحق بن إبراهيم في إخراجه إليه، فجاء رسول إسحق إلى أبا عبد الله يأمره بالحضور، فمضى أبو عبد الله ثم رجع، فسأله أبي عما دعي له؟ فقال: قرأ عليّ كتاب جعفر يأمرني بالخروج إلى العسكر، قال: وقال لي إسحق بن إبراهيم: ما تقول في القرآن؟ فقلت: إن أمير المؤمنين قد نهى عن هذا! فقال: لا تعلم أحدًا أني سألتك! فقلت له: مسألة مسترشد أو مسألة متعنَّتٍ؟ قال: بل مسألة مسترشد، فقلت له: القرآن كلام الله ليس بمخلوق، وقد نهى أمير المؤمنين عن هذا. وخرج إسحق إلى العسكر، وقدم ابنه محمد خليفةً له ببغداد، ولم يكن عند أبي عبد الله ما يتجمّل به وينفقه، وكانت عندي مائة درهم. فأتيت بها إلى أبي فذهب بها إليه، فأخذها وأصلح بها ما احتاج إليه واكترى منها، وخرج، ولم يلق محمد بن إسحق بن إبراهيم ولا سلم عليه، فكتب بذلك محمد إلى أبيه، فحقدها إسحق عليه، فقال للمتوكل: يا أمير المؤمنين، إن أحمد بن حنبل خرج من بغداد ولم يأت محمدًا مولاك، فقال المتوكل: يردّ ولو وطيء بساطي، وكان أبو عبد الله قد بلغ بصرى (١)، فوجه إليه رسولا يأمره بالرجوع، فرجع وامتنع من الحديث إلا لولده ولنا، وربما قرأ علينا في منزلنا.

стр. 118

ثم إن رافعًا رفع إلى المتوكل: إن أحمد بن حنبل ربص علويا في منزله، وإنه يريد أن يخرجه ويبايع عليه، ولم يكن عندنا علم، فبينا نحن ذات ليلة نيام في الصيف، سمعنا الجلبة، ورأينا النيران في دار أبي عبد الله، فأسرعنا، وإذا أبو عبد الله قاعد في إزار، ومظفر بن الكلبي صاحب الخبر وجماعة معهم، فقرأ صاحب الخبر كتاب المتوكل: ورد على أمير المؤمنين أن عندك علويا ربصته لتبايع له وتظهره، في كلام طويل، ثم قال له مظفر: ماتقول! قال: ما أعرف من هذا شيئًا، وإني لأري له السمع والطاعة في عسري ويسري، ومنشطي، ومكرهي وأثرةٍ عليّ (١)، وإني لأدعو الله له بالتسديد والتوفيق في الليل والنهار، في كلام كثير غير هذا، فقال ابن الكلبي: قد أمرني أمير المومنين أن أحلفك! قال: فأحلفه بالطلاق ثلاثًا: أن ما عنده طلبة أمير المؤمنين! قال: وفتشوا منزل أبي عبد الله، والسرب، والغرف، والسطوح، وفتشوا تابوت الكتب، وفتشوا النساء والمنازل، فلم يروا شيئًا، ولم يحسّوا بشئ، ورد الله الذين كفروا بغيظهم، فكتب بذلك إلى المتوكل، فوقع منه موقعًا حسنًا، وعلم أن أبا عبد الله مكذوب عليه، وكان الذي دسّ عليه رجل من أهل البدع، ولم يمت حتى بين الله أمره للمسلمين، وهو ابن الثلجي (٢). فلما كان بعد أيام بينا نحن جلوس بباب الدار إذا يعقوب أحد حجاب

стр. 119

المتوكل قد جاء، فاستأذن على أبي عبد الله، فدخل ودخل أبي وأنا ومع بعض غلمانه بدرة على بغل، ومعه كتاب المتوكل، فقرأه على أبي عبد الله: إنه صح عند أمير المؤمنين براءة ساحتك، وقد وجه إليك بهذا المال تستعين به، فأبى أن يقبله، فقال: مالي إليه حاجة فقال: يا أبا عبد الله، اقبل من أمير المؤمنين ما أمرك به، فإن هذا خير لك عنده، فاقبل ولا ترده، فإنك إن رددته خفت أن يظن بك سوءاً، فحينئذ قبلها، فلما خرج قال: يا أبا علي، قلت: لبيك، قال: ارفع هذه الإيجانة وضعها، يعني البدرة، تحتها، فوضعتها وخرجنا، فلما كان من الليل إذا أم ولد أبي عبد الله تدقّ علينا الحائط، فقلت لها: مالك؟ قالت: مولاي يدعو عمّه، فأعلمت أبي، وخرجنا فدخلنا على أبي عبد الله، وذلك في جوف الليل، فقال: يا عمّ، ما أخذني النوم هذه الليلة، فقال له أبي: ولم؟ قال: لهذا المال، وجعل يتوجّع لأخذه، وجعل أبي يسكته ويسهّل عليه، فقال: حتى تصبح وترى فيه رأيك، فإن هذا ليل، والناس في منازلهم، فأمسك وخرجنا، فلما كان في السحر وجه إلى عبدوس ابن مالك والحسن بن البزّار فحضرا، وحضر جماعة، منهم هرون الحمَّال، وأحمد بن منيع، وابن الدورقي، وأنا، وأبي، وصالح, وعبد الله، فجعلنا نكتب من يذكرونه من أهل الستر والصلاح ببغداد والكوفة، فوجّه منها إلى أبي سعيد الأشجّ، والى أبي كريب، وإلى من ذكر من أهل العلم والسنة، ممن يعلمون أنه محتاج، ففرقها كلها، ما بين الخمسين إلى المائة والمائتين، فما بقى في الكيس درهم، تم تصدق بالكيس على مسكين. فلما كان بعد ذلك مات إسحق بن إبراهيم وابنه محمد، وولي بغداد عبد الله بن إسحق، فجاء رسوله إلى أبي عبد الله، فذهب إليه، فقرأ عليه

стр. 120

كتاب المتوكل، فقال له: يأمرك بالخروج، فقال: أنا شيخ ضعيف عليل، فكتب عبد الله بما ردَّ عليه، فورد جواب الكتاب بأن أمير المؤمنين يأمره بالخروج، فوجه عبد الله جنوده فباتوا على بابنا أياماً، حتى تهيأ أبو عبد الله للخروج، فخرج وخرج صالح وعبد الله وأبي، زميلةً (١). قال صالح: كان حمل أبي إلى المتوكل سنة سبع وثلاثين ومائتين، ثم عاش إلى سنة إحدى وأربعين، فكان قلَّ يوم يمضي إلا ورسول المتوكل يأتيه. قال حنبل في حديثه: وقال أبي: ارجع، فرجعت، فأخبرني أبي قال: لما دخلنا إلى العسكر إذا نحن بموكب عظيم مقبل، فلما حاذى بنا قالوا: هذا وصيف، وإذا فارس قد أقبل، فقال لأحمد: الأمير وصيف يقرئك السلام- ويقول لك: إن الله قد أمكنك من عدوك، يعني ابن أبي دؤاد، وأمير المؤمنين يقبل منك، فلا تدع شيئا إلا تكلمت به، فما ردَّ عليه أبو عبد الله شيئًا، وجعلت أنا أدعو لأمير المؤمنين، ودعوت لوصيف، ومضينا، فأنزلنا في دار التيَّاح، ولم يعلم أبو عبد الله، فسأل بعد ذلك: لمن هذه الدار؟ قالوا: هذه دار التيَّاح، فقال: حوَّلوني، اكتروا لي دارا، قالوا هذه دار أنزلكها أمير المؤمنين، قال: لا أبيت ها هنا، قال أبي: فلم نزل حتى اكترينا له داراً، وكانت تأتينا في كل يوم مائدة فيها ألوان يأمر بها المتوكل والفاكهة والثلج وغير ذلك، فما نظر إليها أبو عبد الله، ولا ذاق منها شيئاً، وكانت نفقة المائدة كل يوم مائةَ وعشرين درهمًا، وكان يحيى بن خاقان وابنه عبيد الله وعلي بن الجهم يأتون أبا عبد الله، ويختلفون إليه برسالة المتوكل، ودامت العلة بأبي عبد الله، وضعف ضعفًا شديداً، وكان يواصل، فمكث ثمانية أيام لا يأكل ولا يشرب، فلما كان في اليوم الثامن دخلت عليه، وقد كاد أن يطفأ، فقلت:

стр. 121

يا أبا عبد الله، ابن الزبير كان يواصل سبعة أيام، وهذا لك اليوم ثمانية أيام، قال: إني مطيق، قلت: بحقي عليك؟ قال: فإني أفعل، فأتيته بسويق فشرب، ووجه إليه المتوكل- بمال عظيم فردّه، فقال له عبيد الله بن يحيى: فإن أمير المؤمنين يأمرك أن تدفعها إلى ولدك وأهلك، قال: هم مستغنون، فردها عليه، فأخذها عبيد الله فقسمها على ولده وأهله، ثم أجرى المتوكل على أهله وولده أربعة آلاف في كل شهر، فبعث إليه أبو عبد الله: إنهم في كفاية، وليست بهم حاجة، فبعث إليه المتوكل: إنما هذا لولدك، مالك ولهذا؟ فأمسك أبو عبد الله، فلم يزل يجري علينا حتى مات المتوكل. وجرى بين أبي عبد الله وبين أبي في ذلك كلام كثير، وقال: يا عمّ، ما بقي من أعمارنا؟ كأنك بالأمر قد نزل بنا، فالله الله، فإن أولادنا إنما يريدون يتأكّلون بنا، وإنما هي أيام قلائل، لو كشف للعبد عما قد حجب عنه لعرف ما هو عليه من خير أو شر، صبر قليل، وثواب طويل، إنما هذه فتنة، قال أبي: فقلت: أرجو أن يؤمنك الله مما تحذر، قال: فكيف وأنتم لا تتركون طعامهم ولا جوائزهم؟ لو تركتموها لتركوكم، وقال: ما ننتظر؟ إنما هو الموت، فإما إلى جنة، وإما إلى نار، فطوبى لمن قدم على خير، قال أبي: فقلت له: أليس قد أمرت ما جاءك من هذا المال من غير مسألة ولا إشراف نفس أن تأخذه؟ قال: قد أخذت مرةً بلا إشراف نفس، فالثانية والثالثة! في بال نفسك ألم تستشرف؟ فقلت: ألم يأخذ ابن عمر وابن عباس؟ فقال. ما هذا وذاك!! وقال: لو أعلم أن هذا المال يؤخذ من وجهه ولا يكون فيه ظلم ولا حيف لم أبال. قال حنبل: فلما طالت علة أبي عبد الله كان المتوكل يبعث بابن ماسويه المتطبب، فيصف له الأدوية، فلا يتعالج، ويدخل المتطبب على المتوكل، فقال: يا أمير المؤمنين، أحمد ليست به علة في بدنه، إنما هو من قلة الطعام

стр. 122

والصيام والعبادة، فسكت المتوكل. وبلغ أم المتوكل خبر أبي عبد الله فقالت لابنها: أشتهى أن أرى هذا الرجل، فوجّه المتوكل إلى أبي عبد الله يسأله أن يدخل على ابنة المعتزّ ويسلم عليه ويدعو له، ويجعله في حجره، فامتنع أبو عبد الله من ذلك، ثم أجاب رجاء أن يطلق وينحدر إلى بغداد. فوجّه إليه المتوكل خلفه، وأتوه بدابة يركبها إلى المعتزّ فامتنع، وكانت عليها ميثرة نمور، فقدم إليه بغل لرجل من التجار فركبه، وجلس المتوكل مع أمّه في مجلس من المكان، وعلى المجلس ستر رقيق، فدخل أبو عبد الله على المعتزّ، ونظر إليه المتوكل وأمه، فلما رأته قالت: يا بني، الله الله في هذا الرجل، فليس هذا ممن يريد ما عندكم، ولا المصلحة أن تحبسه عن منزله، فأذن فليذهب، فدخل أبو عبد الله على المعتزّ، فقال: السلام عليكم، وجلس ولم يسلم عليه بالإمرة، قال: فسمعت أبا عبد الله بعد ذلك ببغداد يقول: لما دخلت عليه وجلست قال مؤدب الصبيّ: أصلح الله الأمير، هذا الذي أمره أمير المؤمنين يؤدبك ويعلمك، فردّ عليه الغلام، وقال: إن علمني شيئًا تعلمته! قال أبو عبد الله: فعجبت من ذكائه وجوابه على صغره، وكان صغيرًا. قال: ودامت علة أبي عبد الله، وبلغ الخليفة ما هو فيه، وكلمه يحيى بن خاقان أيضًا، وأخبره أنه رجل لا يريد الدنيا، فأذن له في الانصراف، فجاء عبيد الله بن يحيى وقت العصر، فقال: إن أمير المؤمنين قد أذن لك، وأمر أن تفرش لك حراقة تنحدر فيها (١)، فقال أبو عبد الله: اطلبوا لي زورقًا فأنحدر فيه الساعة، فطلبوا له زورقًا فانحدر فيه من ساعته. قال حنبل: فما علمنا بقدومه، حتى قيل لي: إنه قد وافى، فاستقبلته بناحية القطيعة، وقد خرج من الزورق، فمشيت معه، فقال لي تقدم لا يراك

стр. 123

الناس فيعرفوني، فتقدمت بين يديه حتى وصل إلى المنزل، فلما دخل ألقى نفسه على قفاه من التعب والعياء. وكان في حياته ربما استعار الشيء من منزلنا ومنزل ولده، فلما صار إلينا من مال السلطان ما صار، امتنع من ذلك، حتى لقد وصف له في علته قرعةٌ تشوى، ويوخذ ماؤها، فلما جاؤوا بالقرعة، قال بعض من حضر: اجعلوها في تنور، يعني في دار صالح، فإنهم قد خبزوا، فقال بيده" لا. ومثل هذا كثير. وقد ذكر صالح بن أحمد قصة خروج أبيه إلى العسكر ورجوعه وتفتيش بيوتهم على العلوي، ثم ورود يعقوب قرقرة ومعه العشرة الآلاف، وأن بعضها كان مائتي دينار، والباقي دراهم، قال: فجئت بإجانة خضراء فأكتبها على البدرة، فلما كان عند المغرب قال: يا صالح، خذ هذا صيره عندك، فصيرته عند رأسي فوق البيت، فلما كان سحر إذا هو ينادي: يا صالح، فقمت وصعدت إليه، فقال: مانمت، قلت: لم يا أبه؟ فجعل يبكي، وقال: سلمت من هؤلاء حتى إذا كان في آخر عمري بليت بهم، قد عزمت عليك أن تفرق هذا الشيء إذا أصبحت، فقلت: ذاك إليك، فلما أصبح جاءه الحسن بن البزَّار، فقال: جئني يا صالح بميزانٍ، وجهوا إلى أبناء المهاجرين والأنصار، ثم وجّه إلى فلان حتى يفرق في ناحيته، وإلى فلان، حتى فرقها كلها، ونحن في حالة الله بها عليم، فجاءني ابن لي فقال: يا أبه، أعطنى درهمًا، فأخرجت قطعةً فأعطيته، فكتب صاحب البريد: إنه تصدق بالدراهم في يومه حتى تصدق بالكيس، قال علي بن الجهم: فقلت: يا أمير المؤمنين، قد تصدق بها وعلم الناس أنه قد قبل منك، ما يصنع أحمد بالمال؟! وإنما قوته رغيف، قال: فقال لي: صدقت يا علي. قال صالح: ثم أخرج أبي ليلاً ومعنا حراس معهم النفاطات، فلما أصبح

стр. 124

وأضاء الفجر قال لي: يا صالح، معك دراهم؟ قلت: نعم، قال: أعطهم، فلما أصبحنا جعل يعقوب يسير معه، فقال له: يا أبا عبد الله، ابن الثلجي بلغني أنه كان يذكرك، فقال له: يا أبا يوسف، سل الله العافية، فقال له: يا أبا عبد الله، تريد أن نؤدي عنك رسالة إلى أمير المؤمنين؟ فسكت، فقال: إن عبد الله بن إسحق أخبرني أن الوابصيّ (١) قال له: إني أشهد عليه أنه قال: إن أحمد يعبد ماني! فقال: يا أبا يوسف، يكفي الله، فغضب يعقوب والتفت إلي فقال: ما رأيت أعجب مما نحن فيه، أسأله أن يطلق لي كلمةً أخبر أمير المؤمنين فلا يفعل!! قال: ووجّه يعقوب إلى المتوكل بما عمل، ودخلنا العسكر، وأبي منكس الرأس ورأسه مغطَّى، فقال له يعقوب: اكشف رأسك يا أبا عبد الله، فكشفه، ثم جاء وصيف يريد الدار، ووجَّه إليه بعد ما جاز بيحيى بن هرثمة فقال: يقرئك أمير- المؤمنين السلام، ويقول: الحمد لله الذي لم يشمّت بك أهل البدع، قد علمت ما كان من حال ابن أبي دؤاد، فينبغي أن تتكلم بما يجب لله، ومضى يحيى، وأنزل أبي دار إيتاخ، فجاء عليّ بن الجهم وقال: قد أمر لكم أمير المؤمنين بعشرة آلاف مكان تلك التي فرّقها، وأمر أن لا يعلم شيخكم بذلك فيغتمَّ، ثم جاءه محمد بن معاوية فقال: إن أمير المؤمنين يكثر ذكرك، ويقول: يقيم ها هنا يحدّث، فقال: أنا ضعيف. ثم صار إليه يحيى بن خاقان فقال: يا أبا عبد الله، قد أمر أمير المؤمنين أن أصير إليك لتركب إلى ابنه أبي عبد الله، يعنى المعتز، ثم قال لي: قد أمرني أمير المؤمنين يجري عليك وعلى قراباتك أربعة آلاف درهم تفرقها عليهم، ثم عاد يحيى من الغد فقال: يا أبا عبد الله، تركب؟ قال: ذاك إليكم، ولبس

стр. 125

إزاره وخفه، وكان خفه له عنده نحو من خمسة عشر عامًا، قد رقع برقاع عدة، فأشار يحيى أن يلبس قلنسوة، قلت: ماله قلنسوة، إلى أن قال: فدخل دار المعتز، وكان قاعدًا على دكان في الدار، فلما صعد الدكان قعد، فقال له يحيى: يا أبا عبد الله، إن أمير المؤمنين جاء بك ليسرَّ بقربك ويصير أبا عبد الله ابنه في حجرك، فأخبرني بعض الخدم أن المتوكل كان قاعدًا وراء ستر، فلما دخل أبي الدار قال لأمه: يا أمه، قد نارت الدار، ثم جاء خادم بمنديل، فأخذ يحيى المنديل، وذكر قصةً في إلباسه القميص والطيلسان والقلنسوة، وهو لا يحرك يده ثم انصرف. وكانوا قد تحدثوا أنه يخلع عليه سوادًا، فلما صار إلى الدار نزع الثياب، ثم جعل يبكي، فقال: سلمت من هؤلاء منذ ستين سنةً، حتى إذا كان في آخر عمري بليت بهم! ما أحسبني سلمت من دخولي على هذا الغلام، فكيف بمن يجب علىّ نصحه من وقت تقع عيني عليه إلى أن أخرج من عنده؟! يا صالح، وجَّه بهذه الثياب إلى بغداد تباع ويتصدق بثمنها، ولا يشتري أحد منكم منها شيئًا، فوجهت بها إلى يعقوب بن بختان (١) فباعها وفرق ثمنها، وبقيت عندي القلنسوة. قال: ومكث خمسة عشر يومًا يفطر في كل ثلاث على ثمن سويق، ثم جعل بعد ذلك يفطر ليلةً على رغيف وليلة لا يفطر، وكان إذا جيء بالمائدة توضع بالدهليز لئلا يراها، فيأكل من حضر، فكان إذا أجهده الحرُّ بلَّ خرقةً فيضعها على صدره، وفى كل يوم يوجه إليه بابن ما سويه، فينظر إليه ويقول: يا أبا عبد الله، أنا أميل إليك والى أصحابك، وما علة إلا الضعف

стр. 126

وقلة الرّز (١). إلى أن قال: وجعل يعقوب وغياث يصيران إليه، ويقولان له: يقول لك أمير المؤمنين: ما تقول في ابن أبي دؤاد وفي ماله؟ فلا يجيب في ذلك بشيء، وجعل يعقوب ويحيى يخبراه (٢) بما يحدث في أمر ابن أبي دؤاد في كل يوم، ثم أحدر إلى بغداد بعد ما أشهد عليه يبيع ضياعه. وكان ربما صار إليه يحيى بن خاقان وهو يصلي، فيجلس في الدهليز حتى يفرغ. وأمر المتوكل أن يشترى لنا دار، فقال: يا صالح! قلت: لبيك، قال: لئن أقررت لهم بشراء دار لتكوننَّ القطيعة بيني وبينكم، إنما يريدون أن يصيروا هذا البلد لي مأوى ومسكناً، فلم نزل ندفع شراء الدار حتى اندفع. وجعلت رسل المتوكل تأتيه يسألونه عن خبره، ويصيرون إليه فيقولون: هو ضعيف، وفى خلال ذلك يقولون: يا أبا عبد الله، لا بد من أن يراك، وجاءه يعقوب فقال: يا أبا عبد الله، أمير المؤمنين مشتاق إليك ويقول: انظر يومًا تصير فيه أي يوم هو حتى أعرفه؟ فقال: ذاك إليكم، فقال: يوم الأربعاء يوم خالي، وخرج يعقوب، فلما كان من الغد جاء فقال: البشرى يا أبا عبد الله، أمير المؤمنين يقرأ عليك السلام ويقول: قد أعفيتك عن لبس السواد والركوب إلى ولاة العهود وإلى الدار، فإن شئت فالبس القطن، وإن شئت فالبس الصوف، فجعل يحمد الله على ذلك. ثم قال يعقوب: إن لي ابناً وأنا به معجب، وإن له من قلبي موقعًا، فأحبُّ أن تحدّثه بأحاديث، فسكت، فلما خرج قال: أتراه لا يرى ما أنا فيه! وكان يختم من جمعة إلى جمعة، وإذا ختم دعا، فيدعو ونؤمن، فلما

стр. 127

كان غداة الجمعة وجّه إلي وإلى أخي، فلما ختم جعل يدعو ونحن نؤمن، فلما فرغ جعل يقول: أستخير الله، مرات، فجعلت أقول: ما يريد، ثم قال: إني أعطي الله عهدًا إن عهده كان مسؤولأ، وقال الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ أني لا أحدث حديث تمام أبدًا حتى ألقى الله، ولا أستثني منكم أحدًا، فخرجنا وجاء عليّ بن الجهم فأخبرناه، فقال: إنا لله وانا إليه راجعون، وأخبر المتوكل بذلك، وقال: إنما يريدون أحدّث ويكون هذا البلد حبسي، وإنما كان سبب الذين أقاموا بهذا البلد لما أعطوا فقبلوا وأمروا فحدّثوا. وجعل أبي يقول: والله لقد تمنيت الموت في الأمر الذي كان، وإني لأتمنى الموت في هذا، وذلك أن هذا فتنة الدنيا، وذلك كان فتنة الدين، ثم جعل يضم أصابع يده ويقول: لو كانت نفسى في يدي لأرسلتها، ثم يفتح أصابعه. وكان المتوكل يوجه في كل وقت يسأله عن حاله. وكان في خلال ذلك يأمر لنا بالمال، ويقول: يوصل إليهم ولا يعلم شيخهم فيغتمّ، ما يريد منهم؟ إن كان هو لا يريد الدنيا فلم يمنعهم؟! وقالوا للمتوكل: إنه لا يأكل من طعامك، ولا يجلس على فراشك، ويحرم الذي تشرب! فقال لهم: لو نشر المعتصم، وقال فيه شيئًا لم أقبل منه. قال صالح: ثم انحدرت إلى بغداد، وخلفت عبد الله عنده، فإذا عبد الله قد قدم وجاء بثيابي التي كانت عنده، فقلت: ما جاء بك؟ فقال: قال لي انحدر، وقل لصالح: لا تخرج فأنتم كنتم آفتي، والله لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أخرجت واحدًا منكم معي، لولاكم لمن كانت توضع هذه المائدة؟ ولمن كانت تفرش هذه الفرش، وتجري الأمراء؟! فكتبت إليه أعلمه ما قال لي عبد الله، فكتب إلي بخطه: " أحسن الله عاقبتك، ودفع عنك كل مكروه ومحذور، الذي حملنى على الكتاب إليك الذي قلت لعبد الله لا

стр. 128

يأتيني منكم أحد رجاء أن ينقطع ذكري ويخمد، إذا كنتم ها هنا فشا ذكري، وكان يجتمع إليكم قوم ينقلون أخبارنا، ولم يكن إلا خير، فإن أقمت فلم تأتني أنت ولا أخوك فهو رضائي، ولا تجعل في نفسك إلا خيرًا، والسلام عليك ورحمة الله". قال: ولما خرجنا من العسكر رفعت المائدة والفرش، وكل ما أقيم لنا، ثم ذكر صالح كتاب وصيته. ثم قال: وبعث إليه المتوكل بألف دينارليقسمها، فجاء علي بن الجهم في جوف الليل، فأخبره بأنه يهيء له حرّاقة ينحدر فيها، ثم جاء عبيد الله ومعه ألف دينار، فقال: إن أمير المؤمنين قد أذن لك، وقد أمر لك بهذه، فقال: قد أعفاني أمير المؤمنين مما أكره، فردها وقال: أنا رقيق على البرد والظهر، أرفق بي فكتب له جواز، وكتب إلى محمد بن عبد الله في بره وتعاهده، فقدم علينا. ثم قال بعد قليل: يا صالح، قلت: لبيك، قال: أحب أن تدع هذا الرزق، فإنما تأخذونه بسببي، فسكت، فقال: مالك؟ قلت: أكره أن أعطيك شيئاً بلساني وأخالف إلى غيره، وليس في القوم أكثر عيالاً مني ولا أعذر، وقد كنت أشكو إليك، وتقول أمرك منعقد بأمري، ولعل الله أن يحل عني هذه العقدة، وقد كنت تدعو لي، فأرجو أن يكون الله قد استجاب لك، فقال: والله لا تفعل، فقلت: لا، فقال: لم؟ فعل الله بك وفعل! ثم ذكر قصةً في دخول عبد الله عليه وقوله له وجوابه له، ثم دخول عمه عليه وإنكاره للأخذ، إلى أن قال: فهجرنا، وسد الأبواب بيننا وبينه، وتحامى منازلنا أنْ يدخل منا إلى منزله شيء، ثم أخبر بأخذ عمه، فقال: نافقتني وكذبتني، ثم هجره، وترك الصلاة في المسجد وخرج إلى مسجد خارج نصلي فيه.

стр. 129

ثم ذكر قصةً في دعاءه صالحًا ومعاتبته في ذلك، ثم في كتبته إلى يحيى بن خاقان ليترك معونة أولاده، وبلوغ الخبر إلى المتوكل، فأمر بحمل ما اجتمع لهم في عشرة أشهر، وهو أربعون ألف درهم، إليهم، وأنه أخبر بذلك، فسكت قليلاً، وضرب بذقنه على صدره، ثم رفع رأسه، فقال: ما حيلتي أن أردت أمرًا وأراد الله أمراً. قال أبو الفضل صالح: وكان رسول المتوكل يأتي أبي يبلغه السلام ويسأله عن حاله، فتأخذه نفضة حتى ندثره، ثم يقول: والله لو أن نفسي في يدي لأرسلتها. وجاء رسول المتوكل إلى أبي يقول: لو سلم أحد من الناس سلمت، رفع رجل إليَّ أن علوياً قدم من خراسان، وأنك وجهت إليه من يلقاه، وقد حبست الرجل وأردت ضربه، فكرهت أن تغتم فمر فيه، قال: هذا باطل، يخلى سبيله. ثم ذكر قصةً في قدوم المتوكل بغداد، وإشارته على صالح بأن لا يذهب إليهم، ثم في مجيء يحيى بن خاقان من عند المتوكل، وما كان من احترامه ومجيئه بألف دينار فيفرقها، وقوله: قد أعفاني أمير المؤمنين من كل ما أكره، وفى توجيه محمد بن عبد الله بن طاهر إليه ليحضره، وامتناعه من حضوره، وقوله: أنا رجل لم أخالط السلطان، وقد أعفاني أمير المؤمنين مما أكره. قال: وكان قد أدمن الصوم لما قدم، وجعل لا يأكل الدسم، وكان قبل ذلك يشترى له الشحم بدرهم فيأكل منه شهرًا!! فترك أكل الشحم وأدمن الصوم والعمل، فتوهمت أنه قد كان جعل على نفسه إن سلم يفعل ذلك. وقال الخلال أبو بكر: حدثني محمد بن الحسين أن أبا بكر المرّوذي

стр. 130

حدثهم: كان أبو عبد الله بالعسكر يقول: انظر هل تجد لي ماء الباقلا؟ فكنت ربما بللت خبزةً بالماء فيأكلها بالملح، وربما أنه منذ دخلنا العسكر إلى أن خرجنا ما ذاق طبيخاً ولا دسماً. وعن المروذي قال: أنبهني أبو عبد الله ذات ليلة وكان قد واصل، فإذا هو قاعد، فقال: هو ذا يدار بي من الجوع، فأطعمني شيئاً، فجئته بأقلَّ من رغيف فأكله، قال: لولا أني أخاف العون على نفسي ما أكلت: وكان يقوم من فراشه إلى المخرج، فيقعد يستريح من الضعف من الجوع، وحتى إن كنت لأبلُّ الخرقة فيلفها على وجهه، لترجع إليه نفسه، حتى أوصى من الضعف من غيرمرض، فسمعته يقول عند وصيته، ونحن بالعسكر، وأشهد على وصيته: "هذا ما أوصى به أحمد بن محمد، أوصى أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله"، وذكر ما يأتي: قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: مكث أبي بالعسكر عند الخليفة ستة عشر يومًا، ما ذاق شيئًا إلا مقدار ربع سويق، ورأيت ما في عينيه قد دخلا في حدقتيه. وقال صالح بن أحمد: وأوصى أبي بالعسكر هذه الوصية: "بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما أوصى به أحمد بن محمد بن حنبل، أوصى أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريكْ له، وأن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وأوصى من أطاعه من أهله وقرابته أن يعبدوا الله في العابدين، ويحمدوه في الحامدين، وأن ينصحوا لجماعة المسلمين، وأوصي أني رضيت بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد نبيًا، وأوصي أن لعبد الله بن محمد المعروف بفوارن عليّ نحواً من خمسين دينارًا، وهو مصدّق فيما قال، فيقضى ماله عليّ من غلة الدار إن شاء الله تعالى، فإذا استوفى أعطي ولد

стр. 131

صالح وعبد الله ابني أحمد بن محمد بن حنبل، كل ذكر وأنثى عشرة دراهم، بعد وفاء مال أبي محمد، شهد أبو يوسف وصالح وعبد الله ابنا أحمد". أنبئت عمن سمع أبا علي الحداد أخبرنا أبو نعيم فما الحلية (١) حدثنا سليمان بن أحمد حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: كتب عبيد الله ابن يحيى إلى أبي يخبره أن أمير المؤمنين أمرني أن أكتب إليك أسألك عن أمر القرآن، لا مسألة امتحان، ولكن مسألة معرفة وتبصرة. فأملى علي أبي ﵀ إلى عبيد الله بن يحيى، وحدي ما معي أحد: " بسم الله الرحمن الرحيم، أحسن الله عاقبتك أبا الحسن في الأمور كلها، ودفع عنك مكاره الدنيا والآخرة برحمته. قد كتبت إليك رضي الله عنك بالذي سأل عنه أمير المؤمنين بأمر القرآن، بما حضرني، وإني أسأل الله أن يديم توفيق أمير المؤمنين، فقد كان الناس في خوض من الباطل واختلاف شديد ينغمسون فيه، حتى أفضت الخلافة إلى أمير المؤمنين، فنفى الله بأمير المؤمنين كلّ بدعة، وانجلى عن الناس ما كانوا فيه من الذل وضيق المحابس (٢) , فصرف الله ذلك كله، وذهب به بأمير المؤمنين، ووقع ذلك من المسلمين موقعًا عظيمًا، ودعوا الله لأمير المؤمنين، [وأسأل الله أن يستجيب في أمير المؤمنين صالح الدعاء، وأن يتم ذلك لأمير المؤمنين (٣)]، وأن يزيد في نيته، وأن يعينه على ما هو عليه، فقد ذكر عن عبد الله بن عباس أنه قال: لا تضربوا كتاب الله بعضه ببعض، فإن ذلك يوقع الشك في قلوبكم، وذكر

стр. 132

عن عبد الله بن عمرو أن نفرًا كانوا جلوسًا بباب النبي ﷺ ، فقال بعضهم: ألم يقل الله كذا؟ وقال بعضهم: ألم يقل الله كذا؟ فسمع رسول الله ﷺ فخرج كأنما فقئ في وجهه حبُّ الرمان، فقال: بهذا أمرتم، أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض؟ إنما ضلت الأمم قبلكم في مثل هذا، إنكم لستم مما ها هنا في شيء، انظروا الذي أمرتم به فاعملوا به، وانظروا الذي نهيتم عنه فانتهوا عنه. وروي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: مراء في القرآن كفر. وروي عن أبي جهم، رجل من أصحاب النبى ﷺ ، عن النبي قال: لا تماروا في القرآن، فإن مراءً فيه كفر. وقال ابن عباس: قدم على عمر بن الخطاب رجل، فجعل عمر يسأله عن الناس، فقال: يا أمير المؤمنين، قد قرأ القرآن منهم كذا وكذا، فقال ابن عباس: فقلت: والله ما أحب أن يتسارعوا يومهم هذا في القرآن هذه المسارعة، قال: فزبرني عمر، وقال: مَهْ، فانطلقت إلى منزلي مكتئبًا حزينًا، فبينا أنا كذلك إذ أتاني رجل فقال: أجب أمير المؤمنين، فخرجت فإذا هو بالباب ينتظرني، فأخذ بيدي فخلا بي، فقال: ما الذي كرهت؟ قلت: يا أمير المؤمنين، متى يتسارعوا هذه المسارعة يحتقَّوا (١)، ومتى ما يحتقّوا يختصموا، ومتى ما يختصموا يختلفوا، ومتى ما يختلفوا يقتتلوا، قال: لله أبوك، والله إن كنت لأكتمها الناس حتى جئت بها. وروي عن جابر قال: كان النبي ﷺ يعرض نفسه على الناس بالموقف فيقول: هل من رجل يحملني إلى قومه، فإن قريشًا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي. وروي عن جبير بن نفير قال رسول الله ﷺ : إنكم لن ترجعوا إلى الله بشيء أفضل مما خرج منه؟ يعنى القرآن. وروي عن ابن مسعود أنه قال: جردوا القرآن ولا تكتبوا فيه شيئًا إلا كلام الله . وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال: إن هذا القرآن كلام الله، فضعوه مواضعه. وقال رجل للحسن البصري: يا أبا

стр. 133

سعيد، إني إذا قرأت كتاب الله وتدبرته كدت أن آيس (١) وينقطع رجائي، فقال: إن القرآن كلام الله، وأعمال ابن آدم إلى الضعف والتقصير، فاعمل وأبشر. وقال فروة بن نوفل الأشجعي: كنت جارًا لخبّاب، وهو من أصحاب النبى ﷺ ، فخرجت معه يوما من المسجد وهو آخذ بيدي، فقال: يا هناه، تقرب إلى الله بما استطعت، فإنك لن تتقرب إليه بشيء أحب إليه من كلامه. وقال رجل للحكم بن عتيبة: ما حمل أهل الأهواء على هذا؟ قال: الخصومات. وقال معاوية بن قرَّة، وكان أبوه ممن أتى النبى ﷺ : إياكم وهذه الخصومات، فإنها تحبط الأعمال. وقال أبو قلابة، وكان قد أدرك غير واحد من أصحاب رسول الله ﷺ : لا تجالسوا أهل الأهواء، أو قال: أصحاب الخصومات، فإنه لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم، ويلبسوا عليكم بعض ما تعرفون. ودخل رجلان من أصحاب الأهواء على محمد بن سيرين، فقالا: يا أبا بكر نحدثك بحديث؟ قال: لا، قال: فنقرأ عليك آية؟ قال: لا، لتقومانّ عني أو لأقومنَّه، فقاما، فقال بعض القوم: يا أبا بكر، وما عليك أن يقرأي (٢) عليك آية؟ قال: إني خشيت أن يقرآ عليّ آية فيحرفانها، فيقرّ ذلك في قلبي، ولو أعلم أني أكون مثلي الساعة لتركتهما. وقال رجل من أهل البدع لأيوب السختياني: يا أبا بكر، أسألك عن كلمة؟ فولَّى وهو يقول بيده: ولا نصف كلمة. وقال ابن طاوس لابنٍ له يكلمه رجل من أهل البدع: يابني، أدخل أصبعيك في أذنيك، حتى لا تسمع ما يقول، ثم قال: اشدد اشدد. وقال عمر بن عبد العزيز: من جعل دينه غرضً (٣) للخصومات

стр. 134

أكثر التنقّل. وقال إبراهيم النخعي: إن القوم لم يدخر عنهم شيء خبئ لكم لفضل عندكم. وكان الحسن ﵀ يقول: شرّ داء خالط قلبًا، يعني الأهواء. وقال حذيفة بن اليمان: اتقوا الله وخذوا طريق من كان قبلكم، والله لئن استقمتم لقد سبقتم سبقًا بعيدا، ولئن تركتموه يميناً وشمالاً لقد ضللتم ضلالاً بعيدً، أو قال: مبيناً. قال أبي: وإنما تركت ذكر الأسانيد لما تقدم من اليمين التي قد حلفت بها مما قد علمه أمير المؤمنين، لولا ذاك ذكرتها بأسانيدها. وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ وقال: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ فأخبر بالخلق، ثم قال (والأمر)، فأخبر أن الأمر غير الخلق. وقال : (﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)﴾ فأخبر أن القرآن من علمه. وقال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾. وقال: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ﴾ فالقرآن من علم الله، وفى هذه الآيات دليل على أن الذي جاءه هو القرآن، لقوله ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ وقد روي عن غير واحد ممن مضى من سلفنا أنهم كانوا يقولون: "القرآن كلام الله غير مخلوق، وهو الذي أذهب إليه، لست بصاحب كلام، ولا أرى الكلام في شيء من هذا، إلا ما

стр. 135

كان في كتاب الله، أو في حديثٍ عن النبي ﷺ ، أو عن أصحابه، أو عن التابعين، فأما غير ذلك فإن الكلام فيه غير محمود". قلت: رواة هذه الرسالة عن أحمد أئمة أثبات، أشهد بالله أنه أملاها على ولده، وأما غيرها من الرسائل المنسوبة إليه، كرسالة الإصطخري، ففيها نظر، والله أعلم. ذكر مرضه ﵀ قال ابنه عبد الله: سمعت أبي يقول: استكملت سبعًا وسبعين سنةً. فحمَّ من ليلته ومات يوم العاشر. وقال صالح: لما كان في أول يوم من ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين ومائتين حمَّ أبي ليلة الأربعاء، وبات وهو محموم، يتنفس تنفساً شديداً، وكنت قد عرفت علته، وكنت أمرضه إذا اعتل، فقلت له: يا أبت، على ما أفطرت البارحة؟ قال: على ماء باقلا، ثم أراد القيام فقال: خذ بيدي فأخذت بيده، فلما صار إلى الخلاء ضعفت رجلاه حتى توكأ عليّ، وكان يختلف إليه غير متطبّب، كلهم مسلمون، فوصف له متطبّب قرعةً تشوى ويسقى ماءها- وهذا يوم الثلاثاء فتوفي يوم الجمعة- فقال: يا صالح، قلت: لبيك، قال: لا تشوى في منزلك ولا في منزل أخيك، وصار الفتح بن سهل إلى الباب ليعوده، فحجبه، وأتى ابن علي بن الجعد فحجبه، وكثر الناس، فقال أي شيء ترى؟ قلت: تأذن لهم فيدعون لك، قال: أستخير الله تعالى، فجعلوا يدخلون عليه أفواجاً حتى تمتلىء الدار، فيسألونه ويدعون له، ثم يخرجون ويدخل فوج آخر، وكثر الناس، وامتلأ الشارع، وأغلقنا باب الزقاق، وجاء رجل من جيراننا قد خضب، فقال أبي: إني لأرى الرجل يحيي شيئًا من السنة فأفرح به، [فدخل فجعل يدعو له، فجعل يقول: له ولجميع المسلمين، وجاء رجل فقال: تلطف لي بالإذن عليه، فإني قد

стр. 136

حضرت ضربه يوم الدار، وأريد أن أستحله، فقلت له، فأمسك، فلم أزل به حتى قال: أدخله، فأدخلته، فقام بين يديه وجعل يبكي، وقال: يا أبا عبد الله، أنا كنت ممن حضر ضربك يوم الدار وقد أتيتك، فإن أحببت القصاص فأنا بين يديك، وإن رأيت أن تحلنى فعلت، فقال: على أن لاتعود لمثل ذلك؟ قال: نعم، قال: فإني قد جعلتك في حل، فخرج يبكي، وبكى من حضر من الناس (١)]، وكان له في خريقةٍ قطيعاتٌ، فإذا أراد الشيء أعطينا من يشتري له، وقال لي يوم الثلاثاء: انظر، في خريقتي شيء، فنظرت فإذا فيها درهم، فقال: وجّه اقتض بعض السكان، فوجهت فأعطيت شيئًا، فقال: وجّه فاشتر تمراً وكفَّر عني كفارة يمين، وبقي ثلاثة دراهم، أو نحو ذلك، فأخبرته، فقال: الحمد لله، وقال: اقرأ عليّ الوصية، فقرأتها عليه، فأقرها، وكنت أنام إلى جنبه، فإذا أراد حاجةً حركني فأناوله، وجعل يحرك لسانه، ولم يئن إلا في الليلة التي توفي فيها، ولم يزل يصلي قائمًا أمسكه، فيركع ويسجد، وأرفعه في ركوعه، واجتمعت عليه أوجاع الحصر، وغير ذلك، ولم يزل عقله ثابتًا، فلما كان يوم الجمعة لاثنتى عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، لساعتين من النهار، توفي. وقال المرُّوذي: مرض أبو عبد الله ليلة الأربعاء لليلتين خلتا من ربيع الأول، ومرض تسعة أيام، وكان ربما أذن للناس فيدخلون عليه أفواجًا، يسلمون عليه ويرد عليهم بيده، وتسامع الناس وكثروا، وسمع السلطان بكثرة الناس، فوكل السلطان ببابه وبباب الزقاق الرابطة وأصحاب الأخبار، ثم أغلق باب الزقاق، فكان الناس في الشوارع والمساجد، حتى تعطل بعض الباعة، وحيل بينهم وبين البيع والشراء، وكان الرجل إذا أراد أن يدخل إليه

стр. 137

ربما دخل من بعض الدور وطرر الحاكة (١)، وربما تسلق، وجاء أصحاب الأخبار فقعدوا على الأبواب، وجاءه حاجبُ ابن طاهر فقال: إن الأمير يقرئك السلام، وهو يشتهي أن يراك، فقال: هذا مما أكره، وأمير المؤمنين أعفاني مما أكره، وأصحاب الخبر يكتبون بخبره إلى العسكر، والبرد تختلف كل يوم، وجاء بنو هاشم فدخلوا عليه، وجعلوا يبكون عليه، وجاء قوم من القضاة وغيرهم، فلم يؤذن لهم، ودخل عليه شيخ فقال: اذكر وقوفك بين يدي الله، فشهق أبو عبد الله، وسالت الدموع على خديه، فلما كان قبل وفاته بيوم أو يومين قال: ادعوا لي الصبيان، بلسان ثقيل، فجعلوا ينضمون إليه، وجعل يشمهم ويمسح بيده على رؤوسهم، وعينه تدمع، [فقال له رجل: لا تغتم لهم يا أبا عبد الله، فأشار بيده، فظننا أن معناه أني لم أرد هذا المعنى، وكان يصلي قاعداً، ويصلي وهو مضطجع، لا يكاد يفتر، ويرفع يديه في إيماء الركوع (٢)]، وأدخلت الطست تحته فرأيت بوله دماً عبيطاً ليس فيه بول، فقلت للطبيب، فقال: هذارجل قد فتت الحزن والغم جوفه، واشتدت عليه (٣) يوم الخميس، ووضأته، فقال: خلل الأصابع، فلما كانت ليلة الجمعة ثقل، وقبض صدر النهار، فصاح الناس، وعلت الأصوات بالبكاء، حتى كأن الدنيا قد ارتجت، وامتلأت السكك والشوارع. وقال أبو بكر الخلال: أخبرني عصمة بن عصام حدثنا حنبل قال: أعطى بعض ولد الفضل بن الربيع أبا عبد الله وهو في الحبس ثلاث

стр. 138

شعرات، فقال: هذه من شعر النبي ﷺ ، فأوصى عند موته أن يجعل على كل عين شعرة، وشعرة على لسانه، ففعل به ذلك عند موته. وقال حنبل: توفي يوم الجمعة في ربيع الأول. وقال مطين (١): في ثاني عشر ربيع الأول. وكذلك قال عبد الله بن أحمد وعباس الدُّوري. وقال البخاري: مرض أحمد بن حنبل لليلتين خلتا من ربيع الأول، ومات يوم الجمعة لاثنتي عشرة (٢) خلت من ربيع الأول. قلت: غلط ابن قانع وغيره فقالوا: في ربيع الآخر. فليعرف ذلك. وقال الخلال: حدثنا المرّوذي قال: أخرجت الجنازة بعد منصرف الناس من الجمعة. قلت: وقد روى الإمام أحمد في مسنده: حدثنا أبو عامر حدثنا هشام بن سعد عن سعيد بن أبي هلال عن ربيعة بن سيف عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: "ما من مسلم يموت يوم الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر (٣) ". وقال صالح: وجه ابن طاهر، يعني نائب بغداد، بحاجبه مظفر ومعه غلامين (٤) معهما مناديل فيها ثياب وطيب، فقالوا: الأمير يقرئك السلام

стр. 139

ويقول: قد فعلت- ما لو كان أمير المؤمنين حاضره كان يفعل ذلك، فقلت أقرئ الأمير السلام، وقل له: إن أمير المؤمنين قد كان أعفاه في حياته مما كان يكره، ولا أحب أن أتبعه بعد موته بما كان يكرهه في حياته، فعاد وقال: يكون شعاره، فأعدتُ عليه مثل ذلك. وقد كان غزلت له الجارية ثوبًا عشاريًا قوّم بثمانية وعشرين درهماً ليقطع منه قميصين، فقطعنا له لفافتين، وأخذ منه فوران لفافةً أخرى (١)، فأدرجناه في ثلاث لفائف، واشترينا له حنوطًا، وفرغ من غسله، وكفنّاه، وحضر نحو مائة من بني هاشم ونحن نكفّنه، وجعلوا يقبلون جبهته حتى رفعناه على السرير. وقال عبد الله بن أحمد: صلى على أبي محمد بن عبد الله بن طاهر، غلبنا على الصلاة عليه، وقد كنا صلينا عليه نحن والهاشميون في الدار. وقال صالح: وجه ابن طاهر: من يصلي عليه؟ قلت: أنا، فلما صرنا إلى الصحراء إذا ابن طاهر واقف، فخطا إلينا خطوات وعزّانا، ووضع السرير، فلما انتظرت هنيةً تقدمت وجعلت أسوّي صفوف الناس، فجاءني ابن طاهر، فقبض هذا على يدي، ومحمد بن نصر على (٢) يدي، وقالوا: الأمير! فمانعتهم، فنحياني وصلَّى، ولم يعلم الناس بذلك، فلما كان من الغد علم الناس فجعلوا يجيؤون ويصلون على القبر، ومكث الناس ما شاء الله يأتون فيصلون على القبر.

стр. 140

وقال عبيد الله بن يحيى بن خاقان: سمعت المتوكل يقول لمحمد بن عبد الله: طوبى لك يا محمد، صليت على أحمد بن حنبل رحمة الله عليه. وقال أبو بكر الخلال: سمعت عبد الوهاب الورّاق يقول: ما بلغنا أن جمعًا في الجاهلية والإسلام مثله، حتى بلغنا أن الموضع مسح وحرز على الصحيح، فإذا هو نحو من ألف ألف، وحزرنا على القبور نحوًا من ستين ألف امرأة، وفتح الناس أبواب المنازل في الشوارع والدروب، ينادون من أراد الوضوء. وروى عبد الله بن إسحق البغوي: أن بُنان بن أحمد القضباني أخبره أنه حضر جنازة أحمد، فكانت الصفوف من الميدان إلى قنطرة باب القطيعة، وحزر من حضرها من الرجال ثمانمائة ألف، ومن النساء ستين ألف امرأة، ونظروا فيمن صلى العصر في مسجد الرصافة، فكانوا نيفًا وعشرين ألفًا. وقال موسى بن هرون الحافظ: يقال إن أحمد لما مات مُسحت الأمكنة المبسوطة التى وقف الناس للصلاة عليها، فحُذر مقادير الناس بالمساحة علي التقدير ستمائة ألف وأكثر، سوى ما كان في الأطراف والحوالي والسطوح والمواضع المتفرقة، أكثر من ألف ألف. وقال جعفر بن محمد بن الحسين النيسابوري: حدثني فتح بن الحجاج قال: سمعت في دار الأمير محمد بن عبد الله بن طاهر: أن الأمير بعث عشرين رجلاً فحزروا كم صلى على أحمد بن حنبل؟ فحزروا، فبلغوا ألف ألف وثمانين ألفاً، سوى من كان في السفن في الماء. ورواها حُشنام (١) بن سعد، فقال: بلغوا ألف ألف وثلاثمائة ألف.

стр. 141

وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبا زرعة يقول: بلغني أن المتوكل أمر أن يمسح الموضع الذي وقف عليه الناس، حيث صلي على أحمد، فبلغ مقام ألفي ألف وخمس مائة. وقال البيهقي: بلغني عن البغوي، أن محمد بن عبد الله بن طاهر أمر أن تحزر الخلق الذي في جنازة أحمد، فاتفقوا على سبعمائة ألف. وقال أبو همام الوليد بن شجاع: حضرت جنازة شريك، وجنازة أبي بكربن عياش، ورأيت حضورالناس، فمارأيت جمعَاً قط شبيه هذا، يعني في جنازة أحمد. وقال أبو عبد الرحمن السلمي: حضرت جنازة أبي الفتح القواس مع الدارقطني، فلما نظر إلى الجمع قال: سمعت أبا سهل بن زياد، سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل سمعت أبي يقول: قولوا لأهل البدع: بيننا وبينكم الجنائز (١). وقال ابن أبي حاتم: حدثني أبو بكر محمد بن العباس المكي، سمعت الوَرْكاني جار أحمد بن حنبل يقول: يوم مات أحمد بن حنبل وقع المأتم والنوح في أربعة أصناف: المسلمين، واليهود، والنصارى، والمجوس. وأسلم يوم مات عشرون ألفَا من اليهود والنصارى والمجوس. وفي لفظ عن ابن أبي حاتم: عشرة آلاف.

стр. 142

وهي حكاية منكرة، لا أعلم رواها أحد إلا هذا الوركاني، ولا عنه إلا محمد بن العباس، تفرد بها ابن أبي حاتم. والعقل يحيل أن يقع مثل هذا الحادث في بغداد، ولا ينقله جماعة تنعقد هممهم ودواعيهم على نقل ما هو دون ذلك بكثير. وكيف يقع مثل هذا الأمر الكبير ولا يذكره المروذي، ولا صالح بن أحمد، ولا عبد الله بن أحمد، ولا حنبل، الذين حكوا من أخبار أبي عبد الله جزئيات كثيرة لا حاجة إلى ذكرها، فوالله لو أسلم يوم موته عشرة أنفس لكان عظيمًا، ولكان ينبغى أن يرويه نحو من عشرة أنفس. ولقد تركت كثيرًا من الحكايات: إما لضعفها، وإما لعدم الحاجة إليها، وإما لطولها. ثم انكشف لي كذب الحكاية بأن أبا زُرعة قال: كان الوركاني، يعني محمد بن جعفر، جار أحمد بن حنبل، وكان يرضاه، وقال ابن سعد وعبد الله بن أحمد وموسى بن هرون: مات الوركاني في رمضان سنة ثمان وعشرين ومائتين (١). فظهر لك بهذا أنه مات قبل أحمد بدهرٍ! فكيف يحكى يوم جنازة أحمد ﵀؟!. قال صالح بن أحمد: جاء كتاب المتوكل بعد أيام من موت أبي إلى ابن طاهر يأمره بتعزيتنا، ويأمر بحمل الكتب، فحملتها، وقلت: إنها لنا سماع، فتكون في أيدينا وتنسخ عندنا، فقال: أقول لأمير المؤمنين، فلم نزل ندافع الأمير، ولم تخرج عن أيدينا، والحمد لله. وقد جمع مناقب أبي عبد الله غير واحد، منهم أبو بكر البيهقى في مجلد، ومنهم أبو إسماعيل الأنصاري في مجلدين، ومنهم أبو الفرج بن الجوزي في مجلد، والله تعالى يرضى عنه ويرحمه.

стр. 143

مصادر أخر لترجمة الإمام أحمد من الكتب المطبوعة التاريخ الكبير للبخاري ج١ قسم ٢ ص ٦ التاريخ الصغير للبخاري ص ٢٤٤ الفهرست لابن النديم ٣٢٠ حلية الأولياء لأبي نعيم ٩/ ١٦١ - ٢٣٣ تاريخ بغداد للخطيب ٤/ ٤١٢ - ٤٢٣ (١) مختصر طبقات الحنابلة لابن أبي يعلي ٣ - ١١ مختصر تاريخ ابن عساكر ٢/ ٢٨ - ٤٨ مناقب أحمد لابن الجوزي، مجلد خاص في ٥٤٤ صفحة صفة الصفوة لابن الجوزي ٢/ ١٩٠ - ٢٠٢ تاريخ ابن الأثير ٧/ ٢٨ وفيات الأعيان لابن خلكان ١/ ٢٠ - ٢١ تذكرة الحفاظ للذهبي٢/ ١٧ - ١٨ طبقات الشافعية لابن السبكى١/ ١٩٩ - ٢٢١ تاريخ الحافظ ابن كثير١٠/ ٣٢٥ - ٣٤٣ طرح التثريب للعراقي ١/ ٣١ - ٣٢ تهذيب التهذيب للحافظ ابن حجر١/ ٧٢ - ٧٦

стр. 144

النجوم الزاهرة لابن تغري بردي ٢: ٣٠٤ - ٣٠٦ مفتاح السعادة لطاشكبري زادة ٢: ٣٩ - ٤٨ (١) شذرات الذهب لابن العماد ٢: ٩٦ - ٩٨ مصادر ترجمة عبد الله بن أحمد تاريخ بغداد للخطيب ٩/ ٣٧٥ - ٣٧٦ مختصر طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى ١٣١ - ١٣٤ المنتظم لابن الجوزي ٣/ ٣٩ - ٤٠ تاريخ ابن الأثير ٧/ ١٨٨ تذكرة الحفاظ للذهبي ٢/ ٢١٢ - ٢١٤ تاريخ الحافظ ابن كثير ١١/ ٩٦ - ٩٧ طرح التثريب للعراقي ١/ ٦٣ - ٦٤ النجوم الزاهرة ٣/ ١٣١ شذرات الذهب لابن العماد ٢/ ٢٠٣ - ٢٠٤ مصادر ترجمة القطيعي تاريخ بغداد للخطيب٤/ ٧٣ - ٧٤ مختصر طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى ٢٩٢ - ٢٩٣ المنتظم لابن الجوزي ٧/ ٩٢ - ٩٣ ميزان الاعتدال للحافظ الذهبي ١/ ٤١

стр. 145

تاريخ الحافظ ابن كثير١١/ ٢٩٣ طرح التثريب للعراقي١/ ٢٦ - ٢٧ لسان الميزان للحافظ ابن حجر١/ ١٤٥ - ١٤٦ النجوم الزاهرة ٤/ ١٣٢ شذرات الذهب لابن العماد ٣/ ٦٥
следующие страницы →