← Фикх общий

Фикх общий · id 98141

عودوا الى خير الهدي

محمد إسماعيل المقدم

Полный текст (70 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

عودوا إلى خَيرِ الهَدْي

стр. 2

عُودُوا إلى خير الهَدْي إعداد محمد أحمد اسماعيل المقدم غفر الله له ولوالديه ولسائر المسلمين

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين أصطفى، لاسيما عبدِه المصطفى، وآله المستكملين الشرفا. أما بعد: فبين يديك -أخي المسلم- تنبيهات وفوائد تمس الحاجة إلى بيانها، تتعلق بمخالفاتٍ للسنة تتكرر في شهر رمضان المعظم بصورة موسمية، والمؤلم في هذا الأمر أنها تعدت العوام، وتسربت إلى طلبة العلم من أهل السنة، مع أنهم الذين تنعقد عليهم الآمال أن يحرسوا السنة، ويحملوها إلى الأمة نقية خالية من أي شائبة، وقد جمعت شواردها، وألفت بين متفرقها من كلام أهل العلم والحديث، في القديم والحديث، سائلًا الله أن ينفع بها من تبلغه، وأن يردَّنا إلى هَدْيِ مَن هديُه خيرُ الهدي ﷺ ردًّا جميلًا، وأن يُتِمَّ علينا المنة، بالوفاة على الإسلام والسنة، والحمد لله رب العالمين. محمد بن أحمد بن إسماعيل المقدَّم الإسكندرية في السبت ٤ شعبان ١٤٢٥ هـ. الموافق ١٨/ ٩/ ٢٠٠٤ م.

стр. 4

المطلب الأول: استحباب البكاء عند تلاوة القرآن المجيد قال الله تعالى في سياق الثناء على الأنبياء ﵈: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم:٥٨]. وعن عبد الأعلى التيمي قال: "إن مَن أوتيَ من العلم ما لم يُبكِه لخليق أن لا يكون أوتي علمًا ينفعه، لأن الله نعت العلماء فقال: ﴿ ... إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٩] (١). ويروَى عن ابن عباس ﵁ قال: "إذا قرأتم سجدة ﴿سُبْحَان﴾ (٢) فلا تعجلوا بالسجود حتى تبكوا، فإن لم تبكِ عينُ أحدِكم؛ فليبك قلبه" (٣).

стр. 5

وقال تعالى منكرًا على المشركين: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ (١) [النجم:٥٩ - ٦١]. وعن عبد الله بن الشخير ﵁ قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو يصلِي، وفي صدره أزيز كازيز المرجل من البكاء" (٢). وعن عطاء قال: دخلت أنا وعبيد بن عمير على عائشة ﵂ فقال عبيد بن عمير: حدثينا بأعجب شيء رأيتيه من رسول الله ﷺ ، فبكت، وقالت: قام ليلة من الليالي، فقال: "يا عائشة ذررني أتعبد لربي"، قالت: قلت: والله إني لأحب قربك، وأحب ما يسرك، قالت، فقام فتطهر، ثم قام يصلي، فلم يزل يبكي حتى بل حِجره، ثم بكى، فلم يزل يبكي حتى بلَّ الأرض، وجاء بلال يؤذنه بالصلاة، فلما رآه يبكي، قال: يا رسول الله تبكي، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما

стр. 6

تأخر؟ قال "أفلا أكون عبدًا شكورًا، لقد نزلت الليلة آيات ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (١) الآيات [آل عمران: ١٩٠]. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لَا يَلِجُ النَّارَ رَجُل بَكَى مِنْ خَشْيِةِ الله حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ في الضَّرْعِ، وِلاَ يَجْتَمعُ غُبَار في سَبِيلِ الله وَدُخَانُ جَهَنمَ" (٢). وعن أبن عباس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "عَيْنَانِ لَا تَمسُهُمَا (٣) النَّارُ: عَيْن بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ، وَعَينٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ في سَبِيلِ اللهِ" (٤).

стр. 7

وعن أبي أمامة، عن النبي ﷺ قال: "لَيْسَ شَيْءٌ أَحَب إِلَى الله منْ قَطْرَتَيْنِ وَأثريْنِ: قَطْرَةٌ مِنْ دُمُوع في خَشْيَةِ الله، وَقَطْرَةُ دَمٍ تُهْرَاقُ في سَبيلِ الله، وأما الأثرَانِ: فَأَثر في سبِيلِ الله، وَأَثَر في فَرِيضَةٍ مِنْ فَرَائِضِ الله الله" (١). وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "سَبْعَة يُظِلُّهمُ اللهُ في ظِلَّه يَوْمَ لاَ ظِل إلَّا ظِلُّهُ: الإمَامُ العَادِلُ، وَشَاب نَشَأَ في عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ في المَسَاجِدِ، وَرَجُلاَنِ تحُابَّا في اللهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُل طَلبتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمال فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللهَ، وَرَجل تَصَدَّقَ أَخْفَى حَتى لَا تَعْلَمَ شِمَاله مَا تُنْفِقُ يَمِينه، وَرَجُل ذَكَرَ اللهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْناهُ" (٢). وعن عبد الله بن عبيدة، أن نفرًا اجتمعوا في حجرة صفية بنت حُيي زوج النبي ﷺ ، فذكروا الله وتلوا القرآن وسجدوا، فنادتهم صفية: هذا السجود وتلاوة القرآن، فأين البكاء؟ (٣).

стр. 8

ولما اشتد مرض رسول الل ﷺ قال: "مُروا أبا يكر فليصلّ بالناس، قالت عائشة: "إن أبا بكر رجل رقيق، إذا قرأ القرآن لا يملك دمعه" وفي رواية: "إنه رجل أسيف (١)، إذأ قرأ مقامك لم يستطع أن يصلي بالناس، ولم يُسمع الناسَ من البكاء" (٢) الحديث. وفي خبر ابن الدُّغُنَّةِ: "أن أبا بكر ابتنى مسجدًا بفناء دار ابن الدغنة، وكان يصلي فيه، ويقرأ القرآن، فيتقذف عليه نساء المشركين وأبناؤهم، وهم يعجبون منه، وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلا بكَّاء لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن" انتهى محل الشاهد منه (٣). وقال علقمة بن وقاص: (صليت خلف عمر بن الخطاب فقرأ سورة يوسف، فكان إذا أتى على ذكر

стр. 9

يوسف سمعت نشيجه من وراء الصفوف" (١). وقال القاسم بن محمد: "كنت إذا غدوت أبدأ ببيت عائشة فأسلِّم عليها، فغدوت يومًا فإذا هي قائمة تُسَبِّح (٢)، وتقرأ: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور:٢٧] وتدعو، وتبكي، وترددها، فقمت حتى مللت القيام، فذهبت إلى السوق لحاجتي، ثم رجعت، فإذا هي قائمة تصلي وتبكي" (٣). وعن مسروق قال: قال رجل من أهل مكة: هذا مقام تميم الداري، لقد رأيته ذات ليلة حتى أصبح أو قُرب أن يُصبح، يقرأ آية من كتاب الله، ويركع، ويسجد، ويبكي: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (٤) [الجاثية:٢١]. وقال بشير: "بِتُّ عند الربيع بن خثيم ذات ليلة، فقام

стр. 10

يصلي، فمر بهذه الآية، فمكث ليلته حتى أصبح، ما جاوز هذه الآية إلى غيرها ببكاء شديد" (١). وقال إبراهيم بن الأشعث: كثيرا ما رأيت الفضيل بن عياض يردد من أول الليل إلى آخره هذه الآية ونظيرها، ثم يقول: "ليت شعري! من أي الفريقين أنت؟ " (٢). قال القرطبي ﵀: "وكانت هذه الآية تسمى مَبْكاةَ العابدين، لأنها محكمة" (٣). وعن الحسن قال: "لم يزل الناس على ذلك، يبكون عند الذكر وقراءة القرآن" (٤). وروى خالد بن مَعْدَان، عن كعب الأحبار قال: "لَأن أبكيَ من خشية الله أحب إليَّ من أن أتصدق بوزني ذهبًا" (٥).

стр. 11

وعن عبد الله بن مسعود قال: "ينبغي لحامل القرآن أن يُعرف بليله إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس يفطرون، وبحزنه إذا الناس يفرحون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يخلطون، وبخشوعه إذا الناس يختالون، وينبغي لحامل القرآن أن يكون باكيًا محزونا، حكيما حليمًا، عليمًا سكيتًا، ولا ينبغي لحامل القرآن أن يكون جافيًا، ولا غافلًا، ولا صَخَّابًا ولا صيَّاحًا، ولا حديدًا" (١). وعن الحسن قال: "إن كان الرجل لقد جمع القرآن وما يشعر به جاره، وإن كان الرجل لقد فَقُهَ الفقهَ الكثير وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته وعنده الزَّوْرُ (٢) وما يشعرون به، ولقد أدركنا أقوامًا ما كان على ظهر الأرض من عمل يقدرون على أن يعملوه في سر فيكون علانية أبدًا، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء، وما يسمع لهم صوت، إن كان إلا همسًا بينهم وبين ربهم ،

стр. 12

ذلك أن الله تعالى يقول: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف:٥٥]، وذلك أن الله تعالى ذكر عبدًا صالحًا، ورضي قوله، فقال: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم:٣] (١). وكان حسان بن أبي سنان يحضر مجلس مالك بن دينار، فإذا تكلم مالك بكى حسان حتى يبل ما بين يديه، لا يُسمع له صوت (٢). وعن القاسم بن محمد قال: كنا نسافر مع ابن المبارك فكثيرًا ما كان يخطر ببالي، فاقول في نفسي: "بأي شيء فُضِّل هذا الرجل علينا حتى اشتهر في الناس هذه الشهرة: إن كان يصلي إنا لنصلي، وإن كان يصوم إنا لنصوم، وإن كان يغزو فإنا لنغزو، وإن كان يحج إنا لنحج؟! قال: فكنا في بعض مسيرنا في طريق الشام ليلة نتعشى في بيت، إذ طفئ السراج، فقام بعضنا فأخذ السراج، وخرج يستصبح، فمكث هنيهة ثم جاء بالسراج، فنظرت إلى وجه

стр. 13

ابن المبارك ولحيته قد ابتلت من الدموع، فقلت في نفسي: "بهذه الخشية فُضِّلَ هذا الرجل علينا، ولعله حين فقد السراج، فصار إلى ظلمة؛ ذكر القيامة" (١). وعن عاصم قال: كان أبو وائل إذا صلى في بيته نشج (٢) نشيجًا، ولو جُعلت له الدنيا على أن يفعله وأحد يراه ما فعله، وقد كان أيوبُ السَّخْتِياني إذا غلبه البكاء قام (٣). وقال خادم الأمام محمد بن أسلم الطوسي: "سمعته يحلف كذا وكذا مرة أن لو قدرت أن أتطوع حيث لا يراني ملكاي لفعلت، ولكن لا أستطيع ذلك" (٤). وكان إبراهيم التيمي يقول: "المخلص من يكتم حسناته كما يكتم سيئاته" (٥). وقال الحسن البصري: "إن كان الرجل ليجلس

стр. 14

المجلس، فتجيئه عَبْرتُه فيردها، فإذا خشي أن تسبقه قام" (١). قال القرطبي رحمه الله تعالى عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة - ٨٣]. "وهذه أحوال العلماء يبكون ولا يصعقون، ويسألون ولا يصيحون، ويتحازنون ولا يتماوتون، كما قال تعالى: (اللَّهُ نَزّلَ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ... ﴾ [الزمر:٢٣]، وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال:٢] " (٢). وقال في تفسير آية الأنفال هذه: "وصف الله تعالى المؤمنين في هذه الآية بالخوف والوجل عند ذكره، وذلك لقوة إيمانهم ومراعاتهم لربهم، وكأنهم بين يديه، ونظير هذه الآية: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾

стр. 15

وقال: ﴿وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾، فهذا يرجع الى كمال المعرفة وثقة القلب، والوَجَل: الفزع من عذاب الله، فلا تناقض. وقد جمع الله بين المعنيين في قوله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي: تسكن نفوسهم من حيث اليقين إلى الله، وإن كانوا يخافون الله، فهذه حالة العارفين بالله، الخائفين من سطوته وعقوبته؟ لا كما يفعله جهال العوامِّ، والمبتدِعَةُ الطَّغام (١) من الزَّعيق والزئير، ومن النُّهاق الذي يشبه نُهاق الحمير. فيقال لمن تعاطى ذلك، وزعم أن ذلك وَجْدٌ وخشوع: لم تبلغ أن تساوي حالَ الرسول ﷺ ولا حال أصحابه في المعرفة بالله، والخوف منه، والتعظيم لجلاله، ومع ذلك فكانت حالهم عند المواعظ الفهم عن الله، والبكاء خوفًا من الله، ولذلك وصف الله أحوال أهل المعرفة عند سماع ذكره

стр. 16

وتلاوة كتابه، فقال: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة:٨٣]، فهذا وصف حالهم وحكاية مقالهم، ومن لم يكن كذلك فليس على هديهم، ولا على طريقتهم؛ فمن كان مستنًّا فليستَنَّ، ومن تعاطى أحوال المجانين والجنون فهو من أخسِّهم حالًا، والجنون فنون. روى مسلم عن أنس بن مالك أن الناس سألوا النبي ﷺ حتى أحْفَوْهُ (١) في المسألة، فخرج ذات يوم فصعِد المنبر، فقال: "سلوني، لا تسالوني عن شيء إلا بينتُه لكم ما دمت في مقامي هذا"، فلما سمع ذلك القومُ أرَمُّوا (٢) ورهِبوا أن يكون بين يَدَيْ أمرٍ قد حضر، قال أنس: فجعلت ألتفت يمينا وشِمالا، فإذا كل إنسان لاف رأسَه في ثوبه يبكي، وذكر الحديث. وروى الترمذي وصححه عن العرباض بن سارية

стр. 17

قال: "وَعَظَنا رسولُ الله ﷺ موعظة بليغة ذَرَفَتْ منها العيون، ووجِلَت منها القلوب" الحديث، ولم يقل: زعقنا، ولا رقصنا، ولا زَفَنَا (١) ولا قمنا" (٢). وعن جُنْدُبِ قال: قال النبي ﷺ : "من سَمَّعَ؛ سَمَّع اللهُ به، ومن يرائي؛ يرائي الله به" (٣). وعن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسولَ الل ﷺ يقول: "من سمَّع الناسَ بعمله؟ سمَّع الله مسامعَ خلقِه، وصغره، وحقره" (٤).

стр. 18

وعن أبى هريرة: قال رسولُ الل ﷺ "رُبَّ صائم ليس له من صيامه إلا الجوع، ورُبَّ قائمٍ ليس له من قيامه إلا السهر" (١). قال ابن الجوزي- رحمه الله تعالى-: "وقد لبَّس- يعني إبليس- على قوم من المتعبدين، وكانوا يبكون والناس حولهم، وهذا قد يقع عليه، فلا يمكن دفعه، فمن قدر على ستره، فأظهره فقد تعرَّض للرياء" (٢). وعن محمد بن زياد قال: رأيت أبا أمامة أتى على رجل في المسجد، وهو ساجد يبكى في سجوده، ويدعو ربه،

стр. 19

فقال أبو أمامة: أنت أنت! لو كان هذا في بيتك؟! " وعن أبى حازم قال: "مَرَّ ابن عمر برجل ساقط من العراق، فقال: ما شأنه؟ فقالوا: إذا قُرِئ عليه القرآن يصيبه هذا، قال: إنا لنخشى الله ، وما نسقط" (١). عن عمران بن عبد العزيز, قال: سمعت محمد بن سيرين، وسئل عمن يستمع القرآن فيصعق، فقال: "ميعاد ما بيننا وبينهم أن يجلسوا على حائط، فيُقرأ عليهم القرآن من أوله إلى آخره، فإن سقطوا فهم كما يقولون" (٢). وعن الحسن أنه وعظ يومًا، فتنفس رجل في مجلسه، فقال الحسن: "إن كان لله تعالى فقد شهرت نفسك، وإن كان لغير الله فقد هلكت" (٣). ولأن الرياء كالزجاج يشف عما وراءه، فسرعان ما يُفتضَح المرائي، ويعامَل بنقيض قصده:

стр. 20

روي عن عمر أنه قال: "من تزين بما ليس فيه شانه الله" (١). وحكى الأصمعي أن أعرابيا صلى فأطال، وإلى جانبه قوم، فقالوا: ما أحسن صلاتك! فقال: "وأنا مع ذلك صائم". فقال أعرابي حاضر المجلس: صلَّى فأعجبني، وصام فرابني ... نَحَّ القُلُوصَ عن المصلي الصائمِ (٢) وقال ابن الجوزي أيضَا: "ومن أعجب ما رأيت فيهم أن رجلًا كان يصلي بالناس صلاة الصبح يوم الجمعة، ثم يلتفت فيقرأ المعوذتين، ويدعو بدعاء الختمة ليعلم الناس أني قد ختمت الختمة، وما هذه طريقة السلف، فإن السلف كانوا يسترون عبادتهم، وكان عمل الربيع بن خثيم كله سِرَّا، فربما دخل عليه الداخل وقد نشر المصحف، فيغطيه بثوبه، وكان أحمد بن حنبل يقرأ القرآن

стр. 21

كثيرًا، ولا يُدْرَى متى يختِم" (١). تنبيه: [البكاء عند تلاوة القرآن وسماعه ليس هو مقصودًا لذاته، ولا هو المراد في الأصل، إنما المقصود حضور القلب وتدبره لما يتلو ويسمع، فيُحْدِث له ذلك إيمانًا ويقينًا، ورغبة ورهبة، ومحبة وشوقًا، توجب له هذه الأمور خضوعًا وخشوعًا، وذلًا وانكسارًا، يصاحب ذلك رقة وبكاء. فهذا البكاء يُمْدَح ويُثْنى على صاحبه، لا البكاء المجرد عن السبب الذي ذكرتُ، العاري عن الخشوع الذي وصفتُ، ولا البكاء المتكلَّف أو الذي يُراد به وجه الخلق. ولقد رأيت كثيرا من القراء خاصة من أئمة المساجد يتصنعون البكاء، ويتكلفونه إلى الغاية، فتجد الواحد منهم يستجلب البكاء ويستخرجه من رأسه قَسْرًا، ضد ما كان عليه السلف ﵏: يكظمونه ويَرُدُّونه ما استطاعوا. وينبغي للقارئ إذا كان مع الناس أن يُخفي بكاءه ما

стр. 22

استطاع، وإذا كان وحده فليبكِ ما شاء، لكن لا يُحَدِّث به بعد. ولقد رأيت من الأئمة من يتجهز للبكاء قبل الصلاة! ورأيت من يُقَدِّم الإمام إلى الصلاة، ويقول له: ابكِ يا شيخ! ورأيت من يبكى أثناء الفاتحة في الركعة الأولى؟! بل إن بعضهم لتخرج منه تكبيرة الإحرام مخنوقة من البكاء! ما هكذا كان السلف! كانوا يبكون في مواضع البكاء، ويبكون غلبة لا تصنعًا، ويبكون لِما تحدثه الآيات في قلوبهم من الخشوع والرقة، لا يبكون رياء وسمعة. ولقد رأيت من لا تكاد تفهم قراءته لكثرة بكائه. والله لو كان هذا غلبة لعذرناه إذا أحسن قراءة الفاتحة، لكن هو التكلف! إنه ليبكي إذا قرأ آياتِ الوعيد، ويبكي إذا قرأ آيات الرجاء، ويبكي إذا قرأ آياتِ الطلاق، ويبكي إذا قرأ آياتِ الميراث! (١).

стр. 23

إن هذا يذكرني بحكاية هي كالطرفة، رأيتها في "أخبار الحمقى" لابن الجوزي، قال ﵀: عن أبي عثمان الجاحظ قال: أخبرني يحيى بن جعفر قال: كان لي جار من أهل فارس، وكان طَوَالَ الليل يبكي، فأنبهني ذات ليلة بكاؤه ونحيبه، وهو يشهق، ويضرب على رأسه وصدره، وُيردد آية من كتاب الله تعالى، فلما رأيت ما نزل به؛ قلت: لأسمعن هذه الآية التي قَتَلَتْ هذا، وأذهَبَتْ نومي، فتسمَّعْتُ عليه، فإذا الآية: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ اهـ. وصليت مرة خلف بعضهم فناح طوال الصلاة، وبعض من خلفه يبكون، ويتكلمون بالدعاء والنياحة والتأوهات في الصلاة وأثناء القراءة!! ويخرجون المناديل من جيوبهم، ويمسحون وجوههم، ويتحركون هكذا وهكذا.] (١) اهـ.

стр. 24

قال ابن الجوزي: "إن أول الوَجْدِ انزعاج في الباطن، فإن كَفَّ الإنسانُ نفسَه كي لا يُطَّلَعَ على حاله يئس الشيطان منه، فبعد عنه، كما كان أيوب السختياني إذا تحدث فرقَّ قلبه مسح أنفه، وقال: "ما أشد الزكام! "، وإن أهمل الإنسان نفسه، ولم يبال بظهور وجده، أو أحب اطلاع الناس على نفسه نفخ فيه الشيطان، فانزعج على قدر نفخه"، ثم روى ابن الجوزي بسنده إلى ابن أخي زينب، عن امرأة عبد الله قالت: جاء عبد الله ذات يومٍ وعندي عجوز ترقيني من الحُمْرَةِ، فادخلتُها تحت السرير، قالت: فدخل فجلس إلى جنبي، فرأى في عنقي خيطًا، فقال: "ما هذا الخيط؟ " قلت: "خيط رُقي لي فيه رقية"، فأخذه، وقطعه، ثم قال: إن آل عبد الله لأغنياء عن الشرك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن في الرقى والتمائم والتِّوَلَةِ (١) شِرْكًا"، قالت: فقلت له: لم تقول هذا، وقد كانت عيني تقذف، وكنت أختلف إلى فلان اليهودي يرقيها، فكان إذا رقاها سكنت، قال: إنما ذاك من عمل الشيطان، كان ينخسها

стр. 25

بيده، فإذا رقيتِها كفَّ عنها، إنما كان يكفيك أن تقولي كما قال رسول الل ﷺ : "أذهب الباس ربَّ الناس، اشفِ أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما" (١) اهـ. (٢) كانت قلوب الصحابة أصفى القلوب، وما كانوا يزيدون عند الوجد على البكاء والخشوع: عن حصين بن عبد الرحمن، قال: قلت لأسماء بنت أبي بكر: كيف كان أصحاب رسول الله ﷺ عند قراءة القرآن؟ قالت: كانوا كما ذكرهم الله، أو كما وصفهم : تدمع عيونهم، وتقشعر جلودهم، فقلت لها: إن ههنا رجالًا إذا قرئ على أحدهم القرآن غشي عليه، فقالت: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" (٣). وعن أبي عيسى قال: ذهبت إلى عبد الله بن عمر، فقال

стр. 26

أبو السوار: يا أبا عبد الرحمن إن قومًا عندنا إذا قرئ عليهم القرآن يركض أحدهم من خشية الله، قال: كذبت، قال: بلى وربِّ هذه البَنِيَّةِ (١)، قال: "ويحك إن كنت صادقًا، فإن الشيطان ليدخل جوف أحدهم، والله ما هكذا كان أصحاب محمد" (٢). وعن عبد الكريم بن. رشيد قال: كنت في حَلْقَةِ الحسن، فجعل رجل يبكي، وارتفع صوته، فقال الحسن: "إن الشيطان ليُبكي هذا الآن" (٣). فإن قال قائل: فنفرض أن الكلام فيمن اجتهد في دفع الوجد، فلم يقدر عليه، وغَلَبَه الأمر، فمِن أين يدخل الشيطان؟ فالجواب: أنا لا ننكر ضعف بعض الطباع عن الدفع، إلا أن علامة الصادق أنه لا يقدر على أن يدفع، ولا يدري ما

стр. 27

يجري عليه، فهو من جنس قوله : ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣]. فإن قيل: فهل في حق المخلص نقص بهذه الحالة الطارئة عليه؟ قيل: نعم، من وجهين: أحدِهما: أنه لو قوي العلمُ أمسك. والثاني: أنه قد خولف به طريق الصحابة والتابعين، ويكفي هذا نقصًا" (١).

стр. 28

حكم البكاء في الصلاة (١) يرى الحنفية أن البكاء في الصلاة إن كان سببه ألمًا أو مصيبة فإِنه يُفسِد الصلاة، لأنه يعتبر من كلام الناس، وإن كان سببه ذكر الجنة أو النار فإِنه لا يفسدها، لأنه يدل على زيادة الخشوع، وهو المقصود في الصلاة، فكان في معنى التسبيح أو الدعاء. ويدل على هذا حديث الرسول ﷺ "أنه كان يصلي بالليل، وله أزيز كازيز المرجل من البكاء" (٢). وعن أبي يوسف أن هذا التفصيل فيما إذا كان على أكثر من حرفين، أو على حرفين أصليين، أما إذا كان على حرفين من حروف الزيادة، أو أحدهما من حروف الزيادة والأخر أصلي؛ فلا تفسد في الوجهين معًا، وحروف الزيادة عشرة يجمعها قولك: أمان وتسهيل (٣).

стр. 29

وحاصل مذهب المالكية في هذا: أن البكاء في الصلاة إما أن يكون بصوت، وإما أن يكون بلا صوت، فإِن كان البكاء بلا صوت؟ فإِنه لا يبطل الصلاة، سواء كان بغير اختيار، بأن غلبه البكاء تخشعًا أو لمصيبة، أم كان اختياريًّا ما لم يكثر ذلك في الاختياري. وأما إذا كان البكاء بصوت، فإِن كان اختياريًّا فإِنه يبطل الصلاة، سواء كان لمصيبة أم لتخشع، وإن كان بغير اختياره، بأن غلبه البكاء تخشعًا لم يبطل؛ وإن كثر، وإن غلبه البكاء بغير تخشع أبطل (١). هذا، وقد ذكر الدسوقي أن البكاء بصوت، إن كان لمصيبة أو لوجع من غير غلبة أو لخشوع فهو حينئذ كالكلام، يفرق بين عمده وسهوه، أي فالعمد مبطل مطلقًا، قل أو كثر، والسهو يبطل إن كان كثيرا، ويسجد له إن قل (٢).

стр. 30

وأما عند الشافعية، فإِن البكاء في الصلاة على الوجه الأصح إن ظهر به حرفان فإِنه يبطل الصلاة، لوجود ما ينافيها، حتى وإن كان البكاء من خوف الآخرة. وعلى مقابل الأصح: لا يبطل لأنه لا يسمى كلامًا في اللغة، ولا يفهم منه شيء، فكان أشبه بالصوت المجرد (١). وأما الحنابلة فإنهم يرون أنه إن بان حرفان من بكاءٍ، أو تأوه خشية، أو أنين في الصلاة لم تبطل، لأنه يجري مجرى الذكر، وقيل: إن غلبه وإلا بطلت، كما لو لم يكن خشية، لأنه يقع على الهجاء، ويدل بنفسه على المعنى كالكلام، قال أحمد في الأنين: إذا كان غالبًا أكرهه، أي من وجع، وإن استدعى البكاء فيها؛ كره كالضحك، وإلا فلا (٢). وقال شيخ الإسلام ما مختصره: "وما يحصل عند الذكر المشروع من البكاء، ووجل القلب، وأقشعرار الجسوم؛ فمن

стр. 31

أفضل الأحوال التي جاء بها الكتاب، أما الاضطراب الشديد والغَشْيُ والصَّيَحان (١)؛ فإن كان صاحبه لم يعلم ما هو عليه لم يُلَمْ، وسببه قوة الوارد مع ضعف القلب، والقوة والتمكن أفضل، كما هو حال النبي ﷺ وأصحابه، وأما السكون قسوةً وجفاء؛ فهذا مذموم" (٢) اهـ. وقد سئل الإمام المجدد عبد العزيز بن باز- قدس الله روحه، ونوَّر ضريحه- عن ظاهرة ارتفاع الأصوات بالبكاء. فأجاب رحمه الله تعالى: "لقد نصحت كثيرا من اتصل بي بالحذر من هذا الشيء، وأنه لا ينبغي، لأن هذا يؤذي الناس، ويشق عليهم، ويشوش على المصلين وعلى القارئ، فالذي ينبغي للمؤمن أن يحرص على أن لا يُسمع صوتُه بالبكاء، وليحذر، فإن الشيطان قد يجره إلى الرياء، فينبغي له أن لا يؤذي أحدًا بصوته، ولا يشوش عليهم، ومعلوم أن بعض الناس ليس ذلك باختياره، بل

стр. 32

يغلب عليه من غير قصد، وهذا معفو عنه إذا كان بغير اختياره، فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه كان إذا قرأ، يكون لصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء، وجاء في قصة أبي بكر أنه كان إذا قرأ لا يُسمِعُ الناسَ من البكاء، وجاء عن عمر أنه يُسْمَع نَشيجُه من وراء الصفوف، ولكن هذا ليس معناه أنه يتعمد رفع صوته بالبكاء، وإنما شيء يغلب عليه من خشية الله ، فإذا غلبه البكاء من غير قصد؛ فلا حرج" اهـ. وسئل -رحمه الله تعالى- عن حكم ترديد الإمام لبعض آيات الرحمة أو العذاب؟ فأجاب: "لا أعلم في هذا بأسًا لقصد حث الناس على التدبر والخشوع والاستفادة، فقد روي عنه ﵊ أنه ردد قوله تعالى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١١٨] رددها كثيرا ﵊. فالحاصل أنه إذا كان لقصدٍ صالح، لا لقصد الرياء؛ فلا مانع من ذلك، لكن إذا كان يرى أن ترديده لذلك قد

стр. 33

يزعجهم، ويحصل به أصوات مزعجة من البكاء، فترك ذلك أوْلى حتى لا يحصل تشويش (١)، أما إذا كان ترديد ذلك لا يترتب عليه إلا خشوع وتدبر وإقبال على الصلاة، فهذا كله خير" (٢) اهـ.

стр. 34

المطلب الثاني الدعاء عند ختم القرآن الكريم لم يثبت في مطلق الدعاء لختم القرآن شيء مرفوع إلى النبي ﷺ ، لكنه صح من فعل أنس بن مالك، وتبعه عليه جماعة من التابعين. فعن ثابتٍ البُناني، وقتادة، وابن عطية، وغيرهم: "أن أنس بن مالك كان اذا ختم القرآن جمع أهله وولده، فدعا لهم" (١). وعن الحكم بن عتيبة قال: كان مجاهد، وعبدة بن أبي لبابة، وناسٌ؛ يعرضون المصاحف، فلما كان اليوم الذي أرادوا أن يختِموا أرسلوا إليَّ، وإلى سلمة بن كهيل، فقالوا: إنا كنا نعرض المصاحف، فأردنا

стр. 35

أن نختِم اليوم، فأحببنا أن تشهدونا، فإنه كان يقال: "إذا خُتم القرآن نزلت الرحمة عند خاتمته، أو حضرت الرحمة عند خاتمته" (١). وقال مجاهد بن جبر: "الرحمة تنزل عند ختم القرآن" (٢). وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: "وقد نص الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- على الدعاء عَقِيبَ الختمة، فقال في رواية أبي الحارث: (كان أنس إذا ختم القرآن جمع أهله وولده). وقال في رواية يوسف بن موسى، وقد سئل عن الرجل يختم القرآن فيجتمع إليه قوم فيدعون، قال: (نعم، رأيت معمرًا يفعله إذا ختم)، وقال في رواية حرب: أستحب إذا ختم الرجل القرآن أن يجمع أهله ويدعو" (٣) اهـ.

стр. 36

وعلق الألباني -رحمه الله تعالى- على قول الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى: "فإنى لما رُزقْتُ شرفَ النكاح، وطلب الأولاد، ختمت ختمة" (١) إلخ، فقال: "يشير بذلك إلى أن الدعاء بعد ختم القرآن ترجى استجابته، وقد جاء في ذلك آثار كثيرة عن السلف الصالح، منها ما رواه ثابت البُناني عن أنس فذكره- أخرجه الدارمي بسند صحيح" اهـ. وقال صالح بن أحمد بن حنبل: "كان أبي يختم من جمعة إلى جمعة، فإذا ختم يدعو ونؤمِّن" (٢).

стр. 37

دعاء ختم القرآن داخل الصلاة ليس من السنة لم يرد دليل عن النبي، ولا عن أحد من صحابته على مشروعية دعاء "ختم القرآن" (١) في الصلاة، من إمام أو منفرد قبل الركوع أو بعده في "التراويح" أو غيرها. ونقل المرداوي أنه قيل للإمام أحمد: "يختم في الوتر ويدعو؟ "، فسهَّل فيه (٢). وقصارى ما استدل به الإمام أحمد ﵀ على استحباب الدعاء عقب الختم في صلاة التراويح قبل الركوع أنه من عمل التابعين في مكة والبصرة. عن حذيفة قال: "كل عبادة لم يتعبد بها أصحاب رسول الله ﷺ فلا تَعَبَّدوها، فإن الأولَ لم يَدع للآخِر مقالا، فاتقوا الله يا معشر القراء، وخذوا بطريق من كان قبلكم".

стр. 38

المطلب الثالث دعاء القنوت (١) فى الوتر محله: بعد قوله: "سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد". فيجهر بدعائه، ويرفع يديه (٢)، وُيؤَمِّن مَن خلفَه. صيغته: اللهم اهدِني فيمن هديتَ، وعافني فيمن عافيت،

стр. 39

وتولَّني فيمن توليتَ، وبارك لي فيما أعطيتَ، وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يُقْضى عليك، وإنه لا يَذِلُّ من واليتَ، ولا يَعِزُّ من عاديتَ، تباركتَ ربنا وتعاليتَ، لا مَنْجا منك إلا إليك (١). وكان الصحابة يَزيدون عليه في النصف الثاني من رمضان: اللهم قاتل الكفرةَ (٢) الذين يَصُدُّون عن سبيِلكَ، وُبكَذِّبون رسلَك، ولا يؤمنون بوعدِك. وخالِفْ بين كلمتهم، وألقِ في قلوبهم الرعبَ، وألقِ عليهم رِجزَكَ وعذابَكَ إلهَ الحقِّ.

стр. 40

وقد يحصل مناسبة عارضة، فيدعو لها الداعي بما يناسبها دون أن يجعله راتبًا لا يحيد عنه بحال (١)، ومن ذلك دعاء أمير المؤمنين عمر بن الخطاب, وهو: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك، ولا نكفرك، ونؤمن بك، ونخلع من يفجرك (٢)، اللهم إياك نعبد، ولك نُصلي ونسجد، وإليك نسعى ونَحْفِد (٣)، نرجو رحمتك، ونخشى عذابك، إنَّ عذابك الجِدَّ بالكفارِ مُلْحِق (٤). اللهم عذِّب الكفرةَ الذين يَصُدُّونَ عن سبيلك، وُيكذِّبون رسلكَ، ويقاتلون أولياءك، ولا يؤمنون بوعدك؛ وخالفْ بين كلمتهم، وألقِ في قلوبهم الرعب، وألق عليهم رِجْزَكَ وعذابَك، إلهَ الحق. اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات،
следующие страницы →