الدليل إلى
المتون العلمية
تأليف فضيلة الشيخ
عبد العبد العزيز بن إبراهيم بن قاسم
القاضي بالمحكمة الكبرى بالرياض
стр. 2
" أقوال "
*من حفظ المتون.. ... حاز الفنون.
- من حفظ الأصول.. ضمن الوصول.
- من لم يتقن الأصول.. حُرم الوصول.
- من رام العلم جملة.. ذهب عنه جملة.
- ازدحام العلم في السمع مضلة الفهم.
- قال أفلاطون:
- الفضائل مرة الأوائل حلوة العواقب
- والرذائل حلوة الأوائل مرة العواقب (١)
стр. 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقَدّمَة
стр. 4
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن طلب العلم الشرعي من أفضل الأعمال التي يتقرب العبد بها إلى الله ، ولما كان الطالب لهذا العلم بحاجة إلى معرفة الأصول التي يضمن بها الوصول، وإلى معرفة المتون التي يحفظها يحوز الفنون؛ أحببت أن أكتب في بيان العلوم الشرعية، والعلوم المساعدة لها، والمتون الخاصة بكل فن، حسب التدرج فيه، مع ذكر ماتيسر من شروحها، وحواشيها، وتخريج أحاديثها، وبيان لغتها، والكتب المتعلقة بها، لتكون زاداً لطالب العلم، ومساراً يسير عليه في طلبه للعلم الشرعي، لأن سلوك هذه الطريقة ـ بعد عون الله تعالى ـ هو الذي يجعل الطالب متمكناً في العلم، كما عليه طريقة أهل العلم من سنين طويلة، كما يعلم ذلك من الاطلاع على تراجمهم.
أما من طلب العلم طلباً مجرداً، من غير عناية بالأصول والمتون، فسرعان ماينسى ماتعلمه، ولا يحصّل هذا وأمثاله شيئاً يذكر من العلم، ويُعرف مقام السنفين في حالة البحث والاستفتاء.
وقد جعلت هذا الكتاب في ثلاثة أبواب:
١ ـ الباب التمهيدي: تعريفات وفوائد.
стр. 5
٢ ـ الباب الأول: العلوم الشرعية.
٣ ـ الباب الثاني: علوم العربية.
ـ الباب التمهيدي بعنوان تعريفات وفوائد: تكلمت فيه عن العلم: من حيث تعريفه، وأقسامه، وفضله.. إلخ.
ثم لما كان التدرج هاماً في هذا الباب تطرقت إلى: تعريفه، وأمثلته، وأقسامه، وفوائده ... إلخ.
ثم لما كان المتبادر من ذكر المتون أنها جعلت للحفظ عرّجت على تعريف الحفظ، وأوقاته، وأماكنه، والأسباب المعينة عليه.
ثم تكلمت عن المتون: من حيث تعريفها، وأقسامها، وكلام العلماء حولها.. . إلخ.
ثم يأتي الباب الأول: العلوم الشرعية، وفيه فصول:
الفصل الأول: التفسير ومايتعلق به وفيه مايأتي:
١ ـ أصول التفسير.
٢ ـ علم التفسير.
٣ ـ علم القراءات.
٤ ـ علم التجويد.
٥ ـ علوم القرآن.
стр. 6
الفصل الثاني: علم التوحيد.
والفصل الثالث: علم مصطلح الحديث.
والفصل الرابع: علم الحديث.
والفصل الخامس: علم أصول الفقه على المذاهب الأربعة.
والفصل السادس: علم الفقه على المذاهب الأربعة.
والفصل السابع: علم الفرائض على المذاهب الأربعة.
الباب الثاني: علوم العربية. وفيه فصول:
الفصل الأول: علم النحو.
الفصل الثاني: علم الصرف.
الفصل الثالث: علم الاشتقاق.
الفصل الرابع: علم اللغة.
الفصل الخامس: علوم البلاغة " البيان، المعاني، البديع ".
الفصل السادس: علما العروض والقوافي.
الفصل السابع: علم قوانين الكتابة.
стр. 7
الفصل الثامن: علم قوانين القراءة.
الفصل التاسع: علم قرض الشعر.
الفصل العاشر: علم الإنشاء ومايتعلق به.
ويحتوي على كتب " الإنشاء، الأدب، المقامات، الأمثال ".
الفصل الحادي عشر: علم المحاضرات ومنه التواريخ.
وفي ختام هذه المقدمة آمل من الفقراء الكرام تزويدي بملاحظاتهم واستدراكاتهم للإستفادة منها في طبعة ثانية إن شاء الله.
هذا وأسأل الله تعالى أن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وأن يوفقنا للعلم النافع، والعمل الصالح إنه على كل شئ قدير، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
عبد العزيز بن إبراهيم بن قاسم.
الرياض (١١٤٢٩) ص. ب: (٣٦٩٩٣) .
стр. 8
الباب التمهيدي
تعريفات وفوائد
стр. 9
ويشتمل على مايلي:
١ ـ العلم (تعريفه، أقسامه، فضله، ... إلخ) .
٢ ـ التدرج (تعريفه، أمثلته، أقسامه، فوائده , ... إلخ) .
٣ ـ الحفظ (تعريفه، أوقاته، أماكنه، الأسباب المعينة عليه إلخ..) .
٤ ـ المتون تعريفها، أقسامها، كلام العلماء حولها، إلخ ... ) .
стр. 10
" العلم "
- تعريف العلم في اللغة.
- تعريف العلم في الإصطلاح.
- إطلاقات كلمة العلم.
- أقسام العلوم.
- العلوم الشرعية.
- علوم العربية.
- فضل العلم.
- أقوال السلف في فضل العلم.
- مايبدأ به في الطلب.
стр. 11
" العلم "
تعريف العلم في اللغة:
١ ـ قال في المصباح المنير: " العلم: اليقين، يقال علم يعلم إذا تيقن، وجاء بمعنى المعرفة أيضاً، كما جاءت بمعناه، ضُمِّن كل واحد معنى الآخر لاشتراكهما في كون كل واحد مسبوقاً بالجهل" (١)
٢ ـ وقال في القاموس: " علمه كسمعه، علماً بالكسر عرفه، وعلم هو في نفسه، ورجل عالم، وعليم، جمع علماء، وعلام، كجهال.." (٢)
تعريف العلم في الاصطلاح:
فد اختلف في العلم هل يُحدُّ أو لا؟
فقال بعضهم: إنه لا يحد لعسر تصوره، أو لأنه ضروري يحصل بمجرد التفات النفس إليه من غير نظر واكتساب.
وقيل: إنه يحد وعليه الأكثر، ومن الحدود التي قيلت فيه مااختاره صاحب الكوكب المنير وهو أنه: " صفة يميز المتصف بها بين الجواهر، والأجسام، والأعراض، والواجب، والممكن، والممتنع، تمييزاً جازماً مطاباً، لأي لا يحتمل النقيض " (٣) .
стр. 12
وقال صالح الكليات: " والعلم هومعرفة الشيء على ماهو به، وبديهيه مالا يحتاج فيه إلى تقديم مقدمة، وضروريه بالعكس، ولو سلك فيه بعقله فإنه لا يسكل كالعلم الحاصل بالحواس الخمس (١) .
وقال ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله: " حد العلم عند العلماء المتكلمين في هذا المعنى هو / مااستيقنته وتبينته، وكل من استيقن شيئاً وتبينه فقد علمه، وعلى هذا من لم يستيقن الشيء وقال به تقليداً فلم يعلمه، والتقليد عند جماعة العلماء غير الاتباع، لأن الاتباع هو أن تتبع القائل على مابان لك من فضل قوله وصحة مذهبه، والتقليد أن تقول بقوله وأنت لا تعرفه، ولا وجه القول، ولا معناه، وتأبى من سواه، أو أن يتبين لك خطؤه، فتتبعه مهابة خلافه، وأنت قد بان لك فساد قوله، وهذا محرم القول به في دين الله سبحانه " (٢) .
إطلاقات كلمة العلم:
قال في الكوكب المنير: " اعلم أن العلم يطلق لغة وعرفاً على أربعة أمور:
أحدها: إطلاقه حقيقة على مالا يحتمل النقيض.
الأمر الثاني: أنه يطلق ويراد به مجرد الإدراك، يعني سواء كان الإدراك جازماً، أو مع احتمال راجح، أو مرجوع، أو مساوٍ، على سبيل المجاز المجاز، فشمل الأربعة قوله تعالى: ﴿ماعلمنا عليه من سوءٍ﴾ (يوسف ـ ٥١) إذ المراد نفي كل إدراك.
стр. 13
الأمر الثالث: أنه يطلق ويراد به التصديق، قطعياً كان التصديق أو ظنياً، أما التصديق الظني فإطلاقه عليه على سبيل المجاز ومن أمثلته، قوله تعالى: ﴿فإن علمتموهن مؤمنات﴾ (الممتحنة ـ ١٠) .
الأمر الرابع: أنه يطلق ويراد به معنى المعرفة، ومن أمثلة ذلك قوله تعال: ﴿لا تعلمهم نحن نعلمهم﴾ (التوبة ـ ١٠١) (١)
أقسام العلوم:
قسمت العلوم إلى أقسام كثيرة باعتبارات مختلفة، ومن هذه الأقسام مايلي:
الأول:
أـ علوم نظرية: أي غير متعلقة بكيفية عمل.
ب ـ علوم عملية: متعلق بها كيفية عمل.
الثاني:
أـ علوم آلية: وهي التي لا تقصد بنفسها، كعلم النحو والصرف.
ب ـ علوم غير آلية: وهي المقصودة بنفسها كعلم التفسير والحديث.
стр. 14
الثالث:
أـ علوم عربية.
ب ـ علوم غير عربية.
الرابع:
أـ علوم شرعية.
ب ـ علوم غير شرعية.
الخامس:
أـ علوم عقلية، وهي التي لا يحتاج فيها إلى النقل.
ب ـ علوم نقلية.
إلى غير ذلك من التقسيمات. (١)
стр. 15
٢ ـ علم التفسير.
٣ ـ علم القراءات.
٤ ـ علم التجويد.
٥ ـ علوم القرآن.
٦ ـ علم التوحيد.
٧ ـ علم الحديث.
٨ ـ علم مصطلح الحديث.
٩ ـ علم الفقه.
١٠ ـ علم أصول الفقه.
١١ ـ علم الفرائض (١)
علوم العربية:
علوم العربية اثنا عشر علماً، وهي: ـ
١ ـ علم اللغة.
٢ ـ علم التصريف.
٣ ـ علم النحو.
стр. 16
٤ ـ علم المعاني.
٥ ـ علم البيان.
٦ ـ علم البديع.
٧ ـ علم العروض.
٨ ـ علم القوافي.
٩ ـ علم قوانين الكتابة.
١٠ ـ علم قوانين القراءة.
١١ ـ علم إنشاء الرسائل والخطب.
١٢ ـ علم المحاضرات ومنه التواريخ (١)
قال العلامة السجاعي ـ في حاشيته على القطر: ـ " والعربية منسوبة للعرب، وهي علم يحترز به من الخلل في كلام العرب، وهو بهذا المعنى يشمل اثنى عشر علماً، جمعها بعض أصحابنا في قوله:
صرفٌ بيانٌ معاني النحوُ قافيةٌ ... شعرٌ عروضُ اشتقاقُ الخطُّ إنشاءُ
محاضراتٌ وثاني عشرها لغة ... تلك العلوم لها الآداب أسماء
ثم صار علماً بالغلبة على النحو " (٢)
стр. 17
ونظمها بعضهم بقوله: (١)
خذ نظم آداب تضوع نشرها ... فطوى شذا المنثور حين تضوع
لغة وصرف واشتقاق نحوها ... علم المعاني بالبيان بديع
وعروض قافية وإنشا نظمها ... وكتابة التاريخ ليس يضيع
كما نظمت في قول بعضهم:
نحو وصرف عروض ثم قافية ... وبعدها لغة قرض وإنشاء
خط بيان معان مع محاضرة ... والاشتقاق لها الآداب أسماء
قال الجاربردي في حاشيته على الشافية (٢) : " وعلوم الأدب علوم يحترز بها عن الخلل في كلام العرب لفظاً أو كتابة، وهي على ماصرحوا به اثنا عشر، منها أصول، وهي العمدة في ذلك الاحتراز، ومنها فروع.
أما الأصول: فالبحث إما عن المفردات من حيث جواهرها وموادها فعلم اللغة، أو من حيث صورها وهيئاتها فعلم التصريف، أو من حيث انتساب بعضها إلى بعض بالأصالة والفرعية فعلم الاشتقاق.
وأما عن المركبات على الإطلاق فإما باعتبار هيئاتها التركيبية وتأديها لمعانيها الأصلية فعلم النحو، أو باعتبار إفادتها لمعان مغايرة لأصل المعنى فعلم المعاني، أو باعتبار كيفية تلك الإفادة في مراتب الوضوح فعلم البيان.
стр. 18
وأما عن المركبات الموزونة فأما من حيث وزنها فعلم العروض، أو من حيث أواخر أبياتها فعلم القافية.
وأما الفروع: فالبحث فيها إما أن يتعلق بنقوش الكتابة فعلم الخط، أو يختص بالمنظوم فالعلم المسمى بقرض الشعر، أو بالمنثور فعلم إنشاء النثر من الرسائل والخطب، أو لا يختص بشيء منها فعلم المحاضرات، ومنه التواريخ.. ".
فضل العلم:
تكاثرت الأدلة من الكتاب والسنة، الدالة على فضل العلم، وأهله ومن ذلك مايلي: ـ
١ ـ قوله تعالى: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم﴾ (آل عمران ـ ١٨) . ٍٍ
حيث قرن سبحانه شهادة أولي العلم بشهادته لنفسه بالوحدانية، وشهادة الملائكة له بذلك.
٢ ـ وقوله تعالى: ﴿وقل رب زدني علماً﴾ (طه ـ ١١٤) .
٣ ـ وقوله تعالى: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ (فاطر ـ ٢٨) .
٤ ـ وقوله تعالى: ﴿قل هل يستوي الذين يعملون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب﴾ (الزمر ـ ٩) .
٥ ـ وقوله تعالى: ﴿يرفع الله الذين أمنوا منكم والذين أتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير﴾ (المجادلة ـ ١١) .
٦ ـ وعن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ قال:
стр. 19
" خيركم من تعلم القرآن وعلمه " رواه البخاري. (١)
٧ ـ وعن معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما عن النبي ﷺ أنه قال: " من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين " متفق عليه. (٢)
٨ ـ وعن أبي موسى رضي الله تعالى عنه قال: قال النبي ﷺ " مثل مابعثني الله به من الهدى، والعلم، كمثل غيث أصاب أرضاً، فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء، فأنبتت الكلأ، وا لعشب الكثير، فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا منها، وسقوا، وزرعوا. وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء، ولا تنبت كلآً، فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه مابعثني الله به فعلم وعلّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً، ولم يقبل هُدى الله الذي أرسلت به ". متفق عليه. (٣)
٩، وعن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من سلك طريقاً يبتغي فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض، حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد، كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً، ولا درهماً، وإنما ورثوا
стр. 20
العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر " رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وغيرهم. (١)
١٠ ـ وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ " إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له " رواه مسلم (٢)
أقوال السلف في فضل العلم:
جاء عن الصحابة ومن بعدهم من السلف أقوال كثيرة في فضل العلم فمن ذلك مايلي: ـ
١ ـ قال علي رضي الله تعالى عنه: " كفى بالعلم شرفاً أن يدعيه من لايحسنه، ويفرح به إذا نسب إليه، وكفى بالجهل ذمّاً أن يتبرأ منه من هو فيه " (٣)
٢ ـ وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: " تذاكر العلم بعض ليلة أحب إليّ من إحيائها " (٤)
٣ ـ وقال الزهري رحمه الله تعالى: " ماعُبد الله بمثل العلم ". (٥)
٤ ـ وقال سفيان الثوري رحمه الله تعالى: " مامن عمل أفضل من
стр. 21
طلب العلم إذا صحّت النية " (١)
٥ ـ وقال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: " طلب العلم أفضل من الصلاة النافلة " (٢)
كما أكثر الشعراء من النظم في فضل العلم، ومن ذلك: ـ
كما أكثر الشعراء من النظم في فضل العلم، ومن ذلك: ـ
١ ـ قول صالح بن جناح:
تعلم إذا ماكنت ليس بعالم ... فما العلم إلا عند أهل التعلم
تعلم فإن العلم زين لأهله ... ولن تستطيع العلم إن لم تعلم
تعلم فإن العلم أزين بالفتى ... من الحلة الحسناء عند التكلم
ولا خير فيمن راح ليس بعالم ... بصير بما يأتي ولا متعلم (٣)
٢ ـ وقال بعضهم:
الناس في جهة التمثيل أكفاء ... أبوهم آدم والأم حواء وأعظُم خلقت فيهم وأعضاء
نفس كنفس وأرواح مشاكلة ... يفاخرون به فالطين والماء
فإن يك لهم من أصلهم حسب ... على الهدى لمن استهدى أدلاء
ماالفضل إلا لأهل العلم إنهم ... وللرجل على الأفعال أسماء
وقدر كل امرئ ماكان يحسنه ... والجاهلون لأهل العلم أعداء (٤)
وضد كل امرئ ماكان يجهله
стр. 22
٣ ـ وقال أحمد بن عمر بن عصفور:
مع العلم فاسلك حيث ماسلك العلم ... وعنه فكاشف كل من عنده فهم
ففيه جلاء للقلوب من العمى ... وعون على الدين الذي أمره حتم
فإني رأيت الجهل يزري بأهله ... وذو العلم في الأقوام يرفعه العلم
يعد كبير القوم وهو صغيرهم ... وينفذ منه فيهم القول والحكم
وأي رجاء في امرئ شاب رأسه ... وأفنى سنيه وهو مستعجم فدم
يروح ويغدو الدهر صاحب بطنة ... تركب في أحضانها اللحم والشحم
إذا سئل المسكين عن أمر دينه ... بدت رحضاء العي في وجهه تسمر
وهل أبصرت عيناك أقبح منظر ... من اشيْبَ لاعلم لديه ولا حكم
هو السوءة السوءاء فاحذر شماتها ... فأولها خزي وآخرها ذم
فخالط رواة العلم واصحب خيارهم ... فصحبتهم زين وخلطتهم غنم
стр. 23
ولا تعدون عيناك عنهم فإنهم ... نجوم إذا ماغاب نجم بدا نجم
فو الله لولا العلم مااتضح الهدى ... ولا لاح من غيب الأمور لنا رسم (١)
٤ ـ وقال أبو بكر قاسم بن مروان الوراق:
والعلم زين وتشريف لصاحبه ... أتت إلينا بذا الأنباء والكتب
والعلم يرفع أقواماً بلاحسب ... فكيف من كان ذا علم له حسب
فاطلب بعلمك وجه الله محتسباً ... فما سوى العلم فهو اللهو واللعب (٢)
وقال بعض المحدثين:
العلم زين وكنز لانفاد له ... نعم القرين إذا ماعاقلاً صحبا
قد يجمع المرء مالاً ثم يسلبه ... عما قليل فيلقى الذل والحربا
وجامع العلم مغبوطٌ به أبدا ... فلا يحاذر فوتا لا ولا هربا
ياجامع العلم نعم الذخر تجمعه ... لا تعدلن به ذُرّاً ولا ذهبا (٣)
стр. 24
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: " أفضل مااكتسبته النفوس وحصلته القلوب ونال به العبد الرفعة في الدنيا والآخرة هو العلم والإيمان، ولهذا قرن بينهما سبحانه في قوله: ﴿وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث﴾ (الروم ـ ٥٦) .
وقوله: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾ (المجادلة ـ ١١) .
وهؤلاء خلاصة الوجود ولُبّه والمؤهلون للمراتب العالية.
ولكن أكثر الناس غالطون في حقيقة مسمى العلم والإيمان اللذين بهما السعادة والرفعة وفي حقيقتهما، حتى أن كل طائفة تظن أن مامعها من العلم والإيمان هوهذا الذي تنال به السعادة وليس كذلك بل أكثرهم ليس معهم إيمان ينجي ولا علم يرفع، بل قد سدوا على نفوسهم طرق العلم والإيمان اللذين جاء بهما الرسول ﷺ ودعا إليهما الأمة وكان عليهما هو وأصحابه من بعده وتابعوهم على مناهجهم وآثارهم " (١)
مايبدأ به في الطلب:
قال الحافظ الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى: " ينبغي للطالب أن يبدأ بحفظ كتاب الله ، إذ كان أجل العلوم وأولاها بالسبق والتقديم ... فإذا رزقه الله تعالى حفظ كتابه فليحذر أن يشتغل عنه بالحديث، أوغيره من العلوم اشتغالاً يؤدي إلى نسيانه ... ثم الذي يتلو القرآن من العلوم، أحاديث رسول الله ﷺ ، وسننه، فيجب على
стр. 25
الناس طلبها إذ كانت أسّ الشريعة، وقاعدتها، قال الله تعالى: ﴿وماآتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ (الحشر ـ ٧) , وقال تعالى: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ (النساء ـ ٨٠) وقال: ﴿وماينطق عن الهوى﴾ (النجم ـ ٣) " (١) .
وقال ابن عبد البر رحمه الله تعالى: " فأول العلم حفظ كتاب الله جل وعز وتفههمه، وكل مايعين على فهمه فواجب طلبه معه.." (٢)
وقال: " القرآن أصل العلم، فمن حفظه قبل بلوغه، ثم فرغ إلى مايستعين به على فهمه من لسان العرب كان ذلك له عوناً كبيراً على مراده منه، ومن سنن رسول الله ﷺ ، ثم ينظر في ناسخ القرآن ومنسوخه وأحكامه، ويقف على اختلاف العلماء واتفاقهم في ذلك، وهو أمر قريب على من قربه الله عليه، ثم ينظر في السنن المأثورة الثابتة عن رسول الله ﷺ فبها يصل الطالب إلى مراد الله في كتابه، وهي تفتح له أحكام القرآن فتحاً " (٣)
وقال: " واعلم ـ رحمك الله ـ أن طلب العلم في زماننا هذا وفي بلدنا، قد حاد أهله عن طريق سلفهم، وسلكوا في ذلك مالم يعرفه أئمتهم، وابتدعوا في ذلك مابان به جهلهم، وتقصيرهم عن مراتب العلماء قبلهم، فطائفة منهم تروي الحديث وتسمعه، قد رضيت بالدؤوب في جمع مالا تفهم، وقنعت بالجهل في حمل مالا تعلم،
стр. 26
فجمعوا الغث والسمين، والصحيح والسقيم، والحق والكذب، في كتاب واحد، وربما في ورقة واحد، ويدينون بالشيء وضده، ولا يعرفون مافي ذلك عليهم، قد شغلوا أنفسهم بالاستكثار، عن التدبر والاعتبار، فألسنتهم تروي العلم، وقلوبهم قد خلت من الفهم، غاية أحدهم معرفة الكنية الغريبة، والاسم الغريب والحديث المنكر، وتجده قد جهل مالا يكاد يسع أحداً جهله من علم صلاته، وحجّه، وصيامه، وزكاته.
وطائفة هي في الجهل كتلك، أو أشد، لم يعنوا بحفظ سنة، ولا الوقوف على معانيها، ولا بأصل من القرآن، ولا اعتنوا بكتاب الله فحفظا تنزيله، ولا عرفوا ماللعلماء في تأويله، ولا وقفوا على أحكامه، ولا ت فقهوا في حلاله وحرامه، قد اطرحوا علم السنن والآثار وزهدوا فيها وأضربوا عنها فلم يعرفوا الإجماع من الاختلاف، ولا فرقوا بين التنازع والائتلاف، بل عولوا على حفظ مادون لهم من الرأي والاستحسان الذي كان عند العلماء آخر العلم والبيان، وكان الأئمة يبكون على م اسلف وسبق لهم ـ من الفتوى ـ فيه ويودن أن حظهم السلامة منه " (١) .
وقال: " فعليك ياأخي بحفظ الأصول والعناية بها، واعلم أن من عني بحفظ السنن والأحكام المنصوصة في القرآن، ونظر أقاويل الفقهاء، فجعله عوناً له على اجتهاده، ومفتاحاً لطرائق النظر، وتفسير الجمل المحتمله للمعاني، ولم يقلد أحداً منهم تقليد السنن التي يجب الانقياد إليها على كل حال دون نظر، ولم يرح نفسه مما أخذ العلماء به أنفسهم من حفظ السنن، وتدبرها، واقتدى بهم في البحث
стр. 27
والتفهم، والنظر، وشكر لهم سعيهم فيما أفادوه، ونبهوا عليه، وحمدهم على صوابهم الذي هو أكثر أقوالهم، ولم يبرئهم من الذلل، كما لم يبرؤوا أنفسهم منه، فهذا هو الطالب المتمسك بما عليه السلف الصالح، وهو المصيب لحظه، والمعاين لرشده، والمتبع سنة نبيه ﷺ ، وهدي صحابته ﵃، وعمن اتبع بإحسان آثارهم، ومن أعفى نفسه من النظر، وأضرب عما ذكرنا، وعارض السنن برأيه، ورام أن يردها في إلى مبلغ نظره، فهو ضال مضل، ومن جهل ذلك كله أيضاً وتقحم في الفتوى بلا علم، فهو أشد عمى وأضل سبيلاً.
لقد أسمعت لو ناديت حياً ... ولكن لا حياة لمن تنادي
وقد علمت أنني لا أسلم من جاهل معاند لا يعلم " (١)
وقال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: " فينبغي لذي الهمة أن يترقى إلى الفضائل، فيتشاغل بحفظ القرآن وتفسيره، وبحديث الرسول ﷺ ، وبمعرفة سيره وسير أصحابه، والعلماء بعدهم، ليتخير مرتبة الأعلى فالأعلى، ولابد من معرفة مايقيم به لسان من النحو، ومعرفة طرف مستعمل من اللغة، والفقه أصل العلوم والتذكير حلواؤها وأعمها نفعاً " (٢)
وقال النووي رحمه الله تعالى: " وأول مايبتدئ به حفظ القرآن العزيز، فهو أهم العلوم، وكان السلف لا يعملون الحديث والفقه إلا لمن يحفظ القرآن، وإذا حفظه فليحذر من الاشتغال عنه بالحديث والفقه وغيرهما، اشتغالاً يؤدي إلى نسيان شيء منه، أو تعريضه للنسيان،
стр. 28
وبعد حفظ القرآن يحفظ من كل فن مختصراً ويبدأ بالأهم، ومن أهمها الفقه والنحو، ثم الحديث والأصول، ثم الباقي على ماتيسر، ثم يشتغل باستشراح محفوظاته، ويعتمد من الشيوخ في كل فن أكملهم.." (١)
وقال ابن جَماعة ـ في تعداد آداب الطالب في دروسه: ـ
" النوع الأول: أن يبتدئ أولاً بكتاب الله العزيز فيتقنه حفظاً، ويجتهد على إتقان تفسيره، وسائر علومه، فإنه أصل العلوم وأمها وأهمها.
ثم يحفظ من كل فن مختصراً يجمع فيه بين طرفيه، من الحديث وعلومه، والأصولين، والنحو، والتصريف.
ولا يشتغل بذلك كله عن دراسة القرآن، وتعهده، وملازمة ورده منه، في كل يوم، أو أيام، أو جمعة، كما تقدم، وليحذر من نسيانه بعد حفظه، فقد ورد فيه أحاديث تزجر عنه، ويشتغل بشرح تلك المحفوظات على المشايخ.
وليحذر من الاعتماد في ذلك على الكتب أبداً، بل يعتمد في كل فن من هو أحسن تعليماً له، وأكثر تحقيقاً فيه، وتحصيلاً منه، وأخبرهم بالكتاب الذي قرأه , وذلك بعد مراعاة الصفات المقدمة من الدين، والصلاح، والشفقة ... وغيرها " (٢)
وقال ابن مفلح رحمه الله تعالى: " قال الميموني: سألت أبا عبد الله: أيهما أحب إليك: أبدأ ابني بالقرآن، أو بالحديث؟ قال:
стр. 29
لا، بالقرآن. قلت: أعلمه كله؟ قال: إلا أن يعسر، فتعلمه منه.
ثم قال لي: إذا قرأ أولاً تعود القراءة ثم لزمها. وعلى هذا أتباع الإمام أحمد إلى زمننا هذا " (١)
بعض أسباب حرمان العلم:
قال السفاريني ـ في غذاء الألباب ـ: وحرمان العلم يكون بستة أوجه:
أحدها: ترك السؤال.
الثاني: سوء الإنصات وعدم إلقاء السمع.
الثالث: سوء الفهم.
الرابع: عدم الحفظ.
الخامس: عدم نشره وتعليمه، فمن خزن علمه ولم ينشره، ابتلاه الله بنسيانه جزاء وفاقاً.
السادس: عدم العمل به، فإن العمل به، يوجب تذكره، وتدبره، ومراعاته، والنظر فيه، فإذا أهمل العمل به نسيه.
قال بعض السلف: كنا نستعين على حفظ العلم بالعمل به.
وقال بعضهم: العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل، فما استُدر العلم، واستُجلب بمثل العمل به (٢) .
стр. 30
" التدرج "
- ـ تعريف التدرج في اللغة.
- تعريف التدرج في الاصطلاح.
- التدرج في التكوين.
- التدرج في التشريع الإسلامي ـ في الأوامر والنواهي.
أـ التدرج في الأوامر الشرعية:
١ ـ التدرج في الدعوة.
٢ ـ التدرج في الأمر بالجهاد.
٣ ـ التدرج في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
٤ ـ التدرج في طلب العلم.
٥ ـ التدرج في الطهارة.
٦ ـ التدرج في الصلاة.
٧ ـ التدرج في الصيام.
٨ ـ التدرج في قراءة القرآن.
٩ ـ التدرج في آدب المرأة الناشز.
стр. 31
- ب ـ التدرج في النواهي الشرعية:
١ ـ التدرج في تحريم الخمر.
- أقسام التدرج:
- فوائد التدرج.
- شيء من كلام أهل العلم في التدرج.
стр. 32
" التدرج "
تعريف التدرج في اللغة:
قال الجوهري في الصحاح: " درج الرجل يَدْرُجُ دُرُوجَاً أي مشى ودَرَّجَه إلى كذا واسْتَدْرَجَه، بمعنى: أي أدناه منه على التدريج، فتَدَرَّجَ هو " (١)
وقال في المصباح المنير: " واستدرجته أخذته قلييلاً قليلاً " (٢) .
وقال في تاج العروس: " درج الرجل، والضب، يدرج دروجاً أي مشى.. والدرجة بالضم، والدرجة بالتحريك، المرقاة التي يتوصل بها إلى سطح البيت " (٣)
التدرج في الاصطلاح:
التدرج في الاصطلاح هو: " الانتقال من مرحلة إلى مرحلة أخرى متقدمة، للبلوغ إلى الغاية المنشودة " (٤)
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ
стр. 33
إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ (الحج ـ ٥) .
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ (المؤمنون ١٢ ـ ١٦) .
وعن يوسف بن ماهك قال: إني عند عائشة أم المؤنون ﵂، إذ جاءها عراقي فقال: أي الكفن خير؟ قالت: ويحك، ومايضرك! قال: ياأم المؤمنين، أريني مصحفك. قالت: لمَ؟ قال: لعلي أؤلف القرآن عليه، فإنه يقرآ غير مؤلف، قالت: ومايضرك أّه قرأت، قبل، إنما نزل أول مانزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: " لا تشربوا الخمر " لقالوا: لاندع الخمر أبداً، ولو نزل " لا تزنوا" لقالوا: لا ندع الزنا أبداً، لقد نزل بمكة على محمد ﷺ وإني لجارية ألعب " بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر " ومانزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده قال: فأخرجت له المصحف، فأملت علين آي السور (١) .
стр. 34
التدرج في التشريع الإسلامي:
لم تأت الأوامر والنواهي في الشرع المطهر مرة واحد، وإنما شرعت شيئاً فشيئاً، فقد بقي ﷺ في مكة عشر سنين، يدعو إلى التوحيد وترك عبادة غير الله سبحانه.
ثم عُرج به ﷺ إلى السماء، وفرضت عليه الصلوات والخمس , فصلى بمكة ثلاث سنين.
ثم أمر بالهجرة إلى المدينة المنورة، ونزلت عليه فرائض الإسلام، ونواهيه بالتدرج، إلى أن أكمل الله به الدين، وأتم به النعمة، ثم توفاه إليه بعد ذلك.
ومن الأمثلة على التدرج في الأوامر مايلي:
١ ـ التدرج في الدعوة:
وذلك واضح في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما الثابت في الصحيحين حيث قال ﷺ لمعاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه حين بعثه إلى اليمن: " إنك ستأتي قوماً أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن م حمداً رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينه وبين الله حجاب" (١)
стр. 35
٢ ـ التدرج في الجهاد:
أـ الكف عن القتال، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ (النساء ـ ٧٧) .
ب ـ الإذن في القتال بدون فرض، قال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (النساء ـ ٧٧) .
جـ ـ وجوب القتال لمن قاتل المسلمين من الكفار دون من لم يقاتلهم، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ (البقرة ـ ١٩٠﴾ .
د ـ وجوب قتال المشركين كافة قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (التوبة ـ ٣٦) (١)
٣ ـ التدرج في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ " من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان " (٢)
٤ ـ التدرج في طلب العلم:
قال الله تعالى ﴿وقرآناً فرقناه لتقرأه على الناس على مُكثٍ ونزّلْناهُ تنزيلا﴾ (الإسراء ـ ١٠٦) .
стр. 36
﴿ونزلناه تنزيلاً﴾ أي شيئاً فشيئاً مفرقاً في ثلاث وعشرين سنة (١) .
أي أنزلناه نجماً بعد نجم ولو أخذوا جميع الفرائض في وقت واحد لنفروا (٢) .
وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ (الفرقان ـ ٣٢) .
٥ ـ التدرج في الطهارة:
أـ الطهارة بالماء، قال تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ .. الآية (المادة ـ ٦) .
وقال تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماءً طهوراً﴾ (الفرقان ـ ٤٨) .
ب ـ الطهارة بالتيمم، قال تعالى: ﴿.. فلم تجدوا ماءً فتيمموا صعيداً طيباً﴾ (النساء ـ ٤٣) .
جـ ـ الصلاة بدون الماء والتيمم في حق المعذور.
٦ ـ التدرج في الصلاة:
أـ التدرج في هيئتها:
عن عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه قال: كانت بي بواسير
стр. 37
فسألت النبي ﷺ عن الصلاة فقال: " صلّ قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب " (١) .
ب ـ العمل في الصلاة:
عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه فإن أبي فليقاتله فإنما هو شيطان" (٢) .
٧ ـ التدرج في الصيام:
أـ التخيير بين الصيام والإطعام، كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة ١٨٣ ـ ١٨٤) .
ب ـ ثم أوجب الله الصيام على الجميع دون تخيير.
جـ ـ وكان من ن ام قبل أن يفطر حرام عليه الأكل إلى الغد.
ثم استقر الأمر على وجوب الصيام من طلوع الفجر إلى غروب الشمس (٣) .
стр. 38
٨ ـ التدرج في قراءة القرآن:
عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما قال: قال لي رسول الله ﷺ " اقرأ القرآن في شهر، قلت: إني أجد قوة ... حتى قال: فاقرأه في سبع ولا تزد على ذلك " (١) .
٩ ـ التدرج في أدب المرأة الناشز:
قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ (النساء ـ ٣٤) .
ومن الأمثلة على التدرج في النواهي:
١ ـ التدرج في تحريم الخمر:
أـ قال تعالى: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر قُل فيهما إثمٌ كبيرٌ ومنافع للناس وإثمُهما أكبر من نفعهما﴾ (البقرة ـ ٢١٩) .
ب ـ ثم قال تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ماتقولون﴾ (النساء ـ ٤٣) .
جـ ـ ثم قال تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلامُ رجسٌ من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون﴾ (المائدة ـ ٩٠) .
стр. 39
أقسام التدرج:
التدرج ينقسم إلى قسمين:
١ ـ تدرج بين العلوم المختلفة.
مثل أن يبدأ الطالب بعلم التوحيد، فإذا أتقنه، انتقل إلى علم التفسير، ثم علم الحديث، وهكذا، كما هي طريقة المغاربة.
٢ ـ تدرج في العلم الواحد.
مثل أن يبدأ الطالب في علم الحديث بمتن الأربعين النووية، ثم عمدة الاحكام، ثم بلوغ المرام ثم منتقى الأخبار، وهكذا في بقية العلوم.
فوائد التدرج:
للتدرج فوائد كثيرة منها: ـ
١ ـ سهولة العلوم على طالبها إذا سار على هذه الطريقة.
٢ ـ الضبط والإتقان للعلم المأخوذ بالتدرج.
٣ ـ إن هذه الطريقة تميز بين الطالب المجد من غيره، وتظهر بواسطتها الفروق الفردية بين الطلبة وتفاوت قدراتهم في التحصيل.
شيء من كلام أهل العلم في التدرج.
قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى في جامع بيان العلم وفضله: "عن يونس بن يزيد قال: قال لي ابن شهاب: يايونس لا تكابر العلم فإن العلم
стр. 40
أودية، فأيها أخذت فيه قطع بك قبل أنتبلغه، ولكن خذه مع الأيام والليالي، ولا تأخذ العلم جملة؛ فإن من رام أخذه جملة ذهب عنه جملة، ولكن الشيء بعد الشيء مع الأيام والليالي" (١) .
وقال: " وروينا عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: العلم أكثر من أن يحاط به، فخذوا منه أحسنه" (٢) .
وقال: " فصل: قال الخليل بن أحمد: اجعل تعليمك دراسة لك، واجعل مناظرة العلم تنبيهاً بما ليس عندك، وأكثر من العلم لتعلم، وأقلل منه لتحفظ، وروى عنه أنه قال: أقلوا من الكتب لتتعلموا، وأكثروا منها لتُعلّموا " (٣) .
وقال: " قال صالح بن عبد القدوس:
تبلغ الفرع الذي رُمته ... إلا ببحثٍ منك عن أسّهِ
وقال الأصمعي: سمعت أعرابياً يقول: إذا ثبتت الأصول في القلوب نطقت الألسن بالفروع، والله يعلم أن قلبي لك شاكر، ولساني لك ذاكر، وهيهات أن يظهر الود المستقيم، من القلب السقيم" (٤) .
وقال: " طلب العلم درجات ومناقل ورتب لا ينبغي تعديها، ومن