← Указатели

Указатели · id 9816

الدليل إلى المتون العلمية

عبد العزيز بن إبراهيم بن قاسم

Полный текст (710 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

﴿ونزلناه تنزيلاً﴾ أي شيئاً فشيئاً مفرقاً في ثلاث وعشرين سنة (١) . أي أنزلناه نجماً بعد نجم ولو أخذوا جميع الفرائض في وقت واحد لنفروا (٢) . وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ (الفرقان ـ ٣٢) . ٥ ـ التدرج في الطهارة: أـ الطهارة بالماء، قال تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ .. الآية (المادة ـ ٦) . وقال تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماءً طهوراً﴾ (الفرقان ـ ٤٨) . ب ـ الطهارة بالتيمم، قال تعالى: ﴿.. فلم تجدوا ماءً فتيمموا صعيداً طيباً﴾ (النساء ـ ٤٣) . جـ ـ الصلاة بدون الماء والتيمم في حق المعذور. ٦ ـ التدرج في الصلاة: أـ التدرج في هيئتها: عن عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه قال: كانت بي بواسير

стр. 37

فسألت النبي ﷺ عن الصلاة فقال: " صلّ قائماً فإن لم تستطع فقاعداً فإن لم تستطع فعلى جنب " (١) . ب ـ العمل في الصلاة: عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه فإن أبي فليقاتله فإنما هو شيطان" (٢) . ٧ ـ التدرج في الصيام: أـ التخيير بين الصيام والإطعام، كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة ١٨٣ ـ ١٨٤) . ب ـ ثم أوجب الله الصيام على الجميع دون تخيير. جـ ـ وكان من ن ام قبل أن يفطر حرام عليه الأكل إلى الغد. ثم استقر الأمر على وجوب الصيام من طلوع الفجر إلى غروب الشمس (٣) .

стр. 38

٨ ـ التدرج في قراءة القرآن: عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما قال: قال لي رسول الله ﷺ " اقرأ القرآن في شهر، قلت: إني أجد قوة ... حتى قال: فاقرأه في سبع ولا تزد على ذلك " (١) . ٩ ـ التدرج في أدب المرأة الناشز: قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ (النساء ـ ٣٤) . ومن الأمثلة على التدرج في النواهي: ١ ـ التدرج في تحريم الخمر: أـ قال تعالى: ﴿يسألونك عن الخمر والميسر قُل فيهما إثمٌ كبيرٌ ومنافع للناس وإثمُهما أكبر من نفعهما﴾ (البقرة ـ ٢١٩) . ب ـ ثم قال تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ماتقولون﴾ (النساء ـ ٤٣) . جـ ـ ثم قال تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلامُ رجسٌ من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون﴾ (المائدة ـ ٩٠) .

стр. 39

أقسام التدرج: التدرج ينقسم إلى قسمين: ١ ـ تدرج بين العلوم المختلفة. مثل أن يبدأ الطالب بعلم التوحيد، فإذا أتقنه، انتقل إلى علم التفسير، ثم علم الحديث، وهكذا، كما هي طريقة المغاربة. ٢ ـ تدرج في العلم الواحد. مثل أن يبدأ الطالب في علم الحديث بمتن الأربعين النووية، ثم عمدة الاحكام، ثم بلوغ المرام ثم منتقى الأخبار، وهكذا في بقية العلوم. فوائد التدرج: للتدرج فوائد كثيرة منها: ـ ١ ـ سهولة العلوم على طالبها إذا سار على هذه الطريقة. ٢ ـ الضبط والإتقان للعلم المأخوذ بالتدرج. ٣ ـ إن هذه الطريقة تميز بين الطالب المجد من غيره، وتظهر بواسطتها الفروق الفردية بين الطلبة وتفاوت قدراتهم في التحصيل. شيء من كلام أهل العلم في التدرج. قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى في جامع بيان العلم وفضله: "عن يونس بن يزيد قال: قال لي ابن شهاب: يايونس لا تكابر العلم فإن العلم

стр. 40

أودية، فأيها أخذت فيه قطع بك قبل أنتبلغه، ولكن خذه مع الأيام والليالي، ولا تأخذ العلم جملة؛ فإن من رام أخذه جملة ذهب عنه جملة، ولكن الشيء بعد الشيء مع الأيام والليالي" (١) . وقال: " وروينا عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: العلم أكثر من أن يحاط به، فخذوا منه أحسنه" (٢) . وقال: " فصل: قال الخليل بن أحمد: اجعل تعليمك دراسة لك، واجعل مناظرة العلم تنبيهاً بما ليس عندك، وأكثر من العلم لتعلم، وأقلل منه لتحفظ، وروى عنه أنه قال: أقلوا من الكتب لتتعلموا، وأكثروا منها لتُعلّموا " (٣) . وقال: " قال صالح بن عبد القدوس: تبلغ الفرع الذي رُمته ... إلا ببحثٍ منك عن أسّهِ وقال الأصمعي: سمعت أعرابياً يقول: إذا ثبتت الأصول في القلوب نطقت الألسن بالفروع، والله يعلم أن قلبي لك شاكر، ولساني لك ذاكر، وهيهات أن يظهر الود المستقيم، من القلب السقيم" (٤) . وقال: " طلب العلم درجات ومناقل ورتب لا ينبغي تعديها، ومن

стр. 41

تعداها جملة فقد تعدى سبيل السلف ﵏، ومن تعدى سبيلهم عامداً ضل، ومن تعداه مجتهداً زل. فأول العلم حفظ كتاب الله جل وعز وتفهمه، وكل ما يعين على فهمه فواجب طلبه معه، ولا أقول: إن حفظه كله فرض، ولكن أقول: إن ذلك واجب لازم على من أحب أن يكون عالماً ليس من باب الفرض " (١) . وقال الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى: " وينبغي له أن يثبت في الأخذ ولا يكثر، بل يأخذ قليلاً قليلاً حسب مايحتمله حفظه ويقرب من فهمه، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ (الفرقان ـ ٣٢) (٢) . وقال أيضاً: " اعلم أن القلب جارحة من الجوارح تحتمل أشياء وتعجز عن أشياء، كالجسم الذي يحتمل بعض الناس أن يحمل مائتي رطل، ومنهم منيعجز عن عشرين رطلاً، وكذلك منهم من يمشي فراسخ في يوم لا يعجزه، ومنهم من يمشي بعض ميل فيضر ذلك به، ومنهم من يأكل من الطعام أرطالاً، ومنهم من يتخمه الرطل فما دونه، فكذلك القلب. من الناس من يحفظ عشر ورقات في ساعة، ومنهم من لا يحفظ نصف صفحة في أيام، فإذا ذهب الذي مقدار حفظه نصف صفحة يروم أن يحفظ عشرورقات تشبهاً بغيره لحقه الملل، وأدركه الضجر، ونسي ماحفظ، ولم ينتفع بما سمع، فليقتصر كل امرئ من نفسه على مقدار يبقى

стр. 42

فيه مالا يستفرغ كل نشاطه، فإن ذلك أعون له على التعليم من الذهن الجيد، والمعلم الحاذق"أ. هـ (١) . وقال الراغب الأصفهاني رحمه الله تعالى: " وكثير من الناس ثكلوا الوصول بتركهم الأصول، وحقه أن يكون قصده من كل علم يتحراه، التبلغ به إلى مافوقه حتى يبلغ به النهاية" (٢) . وقال ابن خلدون رحمه الله تعالى: " اعلم أن تلقين العلوم إنما يكون مفيداً إذا كان على التدريج شيئاً فشيئاً وقليلاً قليلاً، يُلقى عليه أولاً مسائل من كل باب من الفن هي أصول ذلك الباب، ويقرب له في شرحها على سبيل الإجمال، ويراعى في ذلك قوة عقله واستعداده لقبول مايرد عليه حتى ينتهي إلى آخر الفن، وعند ذلك يحصل له ملكة في ذلك العلم، إلا أنها جزئية وضعيفة، وغايتها أنها هيأته لفهم الفن، وتحصيل مسائله. ثم يرجع به إلى الفن ثانية، فيرفعه في التلقين عن تلك الرتبة إلى أعلى منها، ويستوفي الشرح والبيان، ويخرج عن الإجمال، ويذكر له ماهنالك من الخلاف، ووجهه، إلى أن ينتهي إلى آخر الفن، فتجود ملكته. ثم يرجع به وقد شدا، فلا يترك عويصاً، ولامبهماً، ولا مغلقاً، إلا

стр. 43

وضحه، وفتح له مقفله، فيخلص من الفن وقد استولى على ملكته. د هذا وجه التعليم المفيد، وهو كما رأيت إنما يحصل في ثلاث تكرارات، وقد يحصل للبعض في أقل من ذلك، بحسب مايخلق له ويتيسر عليه" (١) .

стр. 44

" الحفظ " * تعريفه في الل. "الحفظ" - تعريفه في اللغة. - تعريفه في الاصطلاح. - أوقات الحفظ. - أماكن الحفظ. - الأسباب التي يستعان بها على الحفظ. - الحث على الحفظ. - فوائد الحفظ. - طرق إحكام المحفوظ. - مايعين على الحفظ من المأكولات. - أحكام الحفظ. - صلاة حفظ القرآن. - حفظ متن في كل فن وشيء من كلام أهل العلم حول المتون والعناية بها. - أسباب النسيان. - الحافظ عند المحدثين. - تربية الصبيان على الحفظ.

стр. 45

" الحفظ " تعريفه في اللغة: قال الجوهري في الصحاح: حفظت الشيء حفظاً أي حرسته، وحفظته أيضاً بمعنى استظهرته. (١) . قال في لسان العرب: الحفظ نقيض النسيان وهو التعاهد وقلة الغفلة ... والتحفظ التيقظ، وتحفظت الكتاب أي استظهرته شيئاً بعد شيء (٢) . قال في المصباح المنير: ح فظت المال وغيره حفظاً إذا منعته من الضياع والتلف ... وحفظ القرآن إذا وعاه على ظهر قلبه. (٣) وقال الجرجاني في التعريفات: الحفظ: ضبط الصور المُدْركَة (٤) وفي المعجم الوسيط: الحافظة قوة تحفظ ماتدركه القوة الوهمية من المعاني وتذكرها، وتسمى الذاكرة أيضاً (٥) .

стр. 46

تعريفه في الاصطلاح: الحفظ في الاصطلاح ملكة يقتدر بها على تأدية المحفوظ (١) . أوقات الحفظ. للحفظ أوقات ينبغي لمن أراده أن يراعيها، فأجود أوقاته: ١ ـ السحر. ٢ ـ انتصاف النهار. ٣ ـ أول النهار دون آخره. ٤ ـ حفظ الليل أصلح من حفظ النهار. هذا في الكثير الغالب، وقد يناسب إنساناً مالا يناسب آخر، وكل يختار ماهو أصلح له (٢) .. أماكن الحفظ: أجود أماكن الحفظ: ١ ـ الغرف دون السفل. ٢ ـ كل موضع بعيد مما يلهي ويخلو القلب فيه عما يشغله.

стр. 47

٣ ـ يتجنب الحفظ على شطوط الأنهار وقوارع الطرق وبحضرة النبات والخضرة. (١) الأسباب التي يستعان بها على الحفظ. ينبغي أن يقصد الطالب بالحفظ ابتغاء وجه الله تعالى والنصيحة للمسلمين في الإيضاح والتبيين. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إنما يحفظ الرجل على قدر نيته. ومن الأسباب المعينة على الحفظ مايلي: ١ ـ إخلاص النية. ٢ ـ ترك المعاصي، قال محمد بن النضر: سمعت يحيى بن يحيى يقول: سأل رجل مالك بن أنس: ياأبا عبد الله، هل يصلح لهذا الحفظ شيء؟ قال: إن كان يصلح له شيء فترك المعاصي. وقال بشر بن الحارث: إذا أردت أن تلقن العلم فلا تعص. وقال علي بن خشرم: سألت وكيعاً، قلت: ياأبا سفيان تعلم شيئاً للحفظ؟ قال: أراك وافداً، ثم قال: ترك المعاصي عون على الحفظ. وقال بعضهم ـ وينسب للشافعي: شكوت إلى وكيع سوء حفظي ... فأرشدني إلى ترك المعاصي وأخبرني بأن العلم نور ... ونور الله لا يهدى لعاص

стр. 48

ِ ٣ ـ الصدق في اللجأ إلى الله سبحانه ومراعاة حدوده. قال تعالى: ﴿إن تنصروا الله ينصركم﴾ (محمد ـ٧) وقال تعالى: ﴿فاذكروني أذكركم﴾ (البقرة ـ ١٥٢) وقال تعالى: ﴿وأوفوا بعهدي أُوف بعهدكم﴾ (البقرة ـ ٤٠) . ٤ ـ تطييب الكسب وإصلاح الغذاء وإقلال الطعام. ٥ ـ الجد والمواظبة. قال بعضهم. بقدر الكد تكتسب المعالي ... ومن طلب العلا سهر الليالي تروم العز ثم تنام ليلاً ... يغوص البحر من طلب اللآلي تركت النوم ربي في الليالي ... لأجل رضاك يامولى الموالي فوفقني إلى تحصيل علم ... وبلغني إلى أقصى المعالي (١) الحث على الحفظ: قال ابن عبد البر ـ رحمه الله تعالى ـ في جامع بيان العلم وفضله: من كره كتابة العلم إنما كرهه لوجهين، أحدهما: أن لا يتخذ مع القرآن كتاب يضاهي به، ولئلا يتكل الكاتب على ماكتب فلا يحفظ فيقلّ الحفظ، كما قال الخليل ﵀:

стр. 49

ليس بعلم ماحوى القمطر ... ما العلم إلا ماحواه الصدر وذكر بإسناده إلى أبي معشر أنه قال في الحفظ: ياأيها المضمن الصحائفا ... ماقد روى تضارع المصاحفا احفظ وإلا كنت ريحاً عاصفا وقال أعرابي: حرف في تامورك، خير من عشرة في كتبك. قال أبو عمر: التامور: علقة القلب، وذكر بإسناده إلى يونس بن حبيب أنه سمع رجلاً ينشد: استودع العلم قرطاساً فضيعه ... وبئس مستودع العلم القراطيس فقال يونس: قاتله الله، ماأشد صيانته للعلم وصيانته للحفظ. إن علمك من روحك، وإن مالك من بدنك، فصن علمك صيانتك روحك، وصن مالك صيانتك بدنك. ومما ينسب إلى منصور الفقيه من قوله: علمي معي حيثما يممت أحمله بطني وعاء له لابطن صندوق إن كنت في البيت كان العلم فيه معي أو كنت في السوق كان العلم في السوق (١) وقال عبد الرزاق: كل علم لا يدخل مع صاحبه الحمام فلا تعده علماً.

стр. 50

وقال عبيد الله بن أحمد الصيرفي: ليس بعلم ماحوى القمطر ... ماالعلم إلا ماحواه الصدر فذاك فيه شرف وفخر ... وزينة جليلة وقدر وقال بعض البصريين: رب إنسان ملا أسفاطه ... كتب العلم وهو بعد يخط فإذا فتشته عن علمه ... قال علمي ياخليلي في السفط بكراريس جياد أحرزت ... وبخط أي خط أي خط فإذا قلت له: هات، أرنا ... حك لحييه جميعاً وامتخط وقال محمد بن بشير ـ في أبيات له: إذا لم تكن واعياً حافظاً ... فجمعك للعلم لاينفع أشاهد بالعي في مجلس ... وعلمي في البيت مستودع ومن يك في علمه هكذا ... يكن دهره القهقري يرجع فوائد الحفظ: للحفظ فوائد كثيرة منها: ـ ١ ـ بقاء المعلومات في الذهن. ٢ ـ الاستفادة من الأوقات في تحصيل العلم زيادة على المحفوظ.

стр. 51

٣ ـ استحضار المعلومات بكل يسر وسهولة. ٤ ـ تظهر فائدة الحفظ ومنفعته في حالات منها: فقد الكتاب، فقد الإضاءة ليلاً، فقد البصر. إن الحافظ يقدم على غيره، وتظهر ميزته بين أهل العلم أنفسهم، ولهذا قال صاحب الرحبية ـ لما ذكر الفروض المقدرة في كتاب الله ـ قال: والثلثان وهما التمام ... فاحفظ فكل حافظ إمام قال البقري ـ على قوله " فكل حافظ إمام " ـ: أي مقدم على غيره ممن لم يكن مثله، بأن كان أدون حفظاً، أو لم يحفظ شيئاً. أ. هـ (١) . وقال ابن غليون ـ في شرح البيت السابق ـ: اي مقتدى به مقدم على غيره، فمن جدّ وجد، ومن فرش رقد، ومن زرع حصد، ومن كسل نال الهم، والندم، والنكد. (٢) . وقال الحافظ ابن حجر في مقدمة بلوغ المرام: " أما بعد فهذا مختصر يشمل على أصول الأدلة الحديثية للأحكام الشرعية، حررته تحريراً بالغاً، ليصير من يحفظه من بين أقرانه نابغاً. (٣) . طرق إحكام المحفوظ: الطريق في إحكامه كثرة الإعادة، والناس يتفاوتون في ذلك: فمنهم

стр. 52

من يثبت معه المحفوظ مع قلة التكرار، ومنهم من لا يحفظ إلا بعد التكرار الكثير، فينبغي للإنسان أن يعيد بعد الحفظ ليثبت معه المحفوظ، ولاسيما في حفظ القرآن الكريم. فعن أبي موسى رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ قال: " تعاهدوا هذا القرآن، فو الذي نفس محمد بيده لهو أشد تفلتا من الإبل في عقلها " متفق عليه. (١) . وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ قال: " إنما مثل صاحب القرآن كمثل الإبل المعلقة إن عاهد عليها أمسكها وإن أطلقها ذهبت " متفق عليه. (٢) وقد قيل: السبق حرف والتكرار ألف. وقيل: حفظ حرفين خير من سماع وِقْرَيْن، وفهم حرفين خير من حفظ سطرين، والوِقْر: الحمْل الثقيل. وقال الخليل بن أحمد الشجري ـ رحمه الله تعالى: ـ اخدم العلم خدمة المستفيد ... وأدم درسه بفعل حميد وإذا ماحفظت شيئاً أعده ... ثم أكده غاية التأكيد ثم علقه كي تعود إليه ... وإلى درسه على التأبيد فإذا ماأمنت منه فواتاً ... فانتدب بعده لشيء جديد

стр. 53

مع تكرار ماتقدم منه ... واقتناء لشأن هذا المزيد (١) مايعين على الحفظ من المأكولات: عن ابن جريج قال: قال الزهري عليك بالعسل فإنه جيد للحفظ. وقال الزهري أيضاً: من سره أن يحفظ الحديث فليأكل الزبيب (٢) . وينبغي أن يستعملماجعله الله تعالى سبباً لجودة الذهن كمضغ اللبان والمصطكى على حسب العادة وأكل الزبيب بُكْرة (٣) أحكام الحفظ: يختلف الحكم التكليفي بالنسبة للحفظ تبعاً لاختلاف مايضاف إليه، فهناك أحكام تتعلق بحفظ القرآن وحفظ مايقرآ في الصلاة وحفظ الوديعة إلى غير ذلك من الأحكام، تراجع في مظانها من كتب أهل العلم (٤) . صلاة حفظ القرآن: اشتهر عن علي ﵁ أنه تفلت القرآن من صدره فأمره النبي ﷺ أن يصلي أربع ركعات وأن يدعو في آخرها بدعاء خاص.. إلخ. إلا أن هذا الحديث لا يصح عند أهل العلم (٥)

стр. 54

حفظ متن في كل فن , وشيء من كلام أهل العلم حول المتون والعناية بها: من المفيد جداً لطالب العلم أن يحفظ متناً مختصراً في كل فن. قال النووي رحمه الله تعالى: " وبعد حفظ القرآن، يحفظ من كل فن مختصراً , ويبدأ بالأهم، ومن أهمها الفقه والنحو، ثم الحديث والأصول، ثم الباقي على ماتيسر، ثم يشتغل باستشراح محفوظاته.." (١) وقال ابن جماعة رحمه الله تعالى: " ثم يحفظ من كل فن مختصراً يجمع فيه بين طرفيه، من الحديث وعلومه، والأصولين، والنحو، والتصريف، ولا يشتغل بذلك كله عن دراسة القرآن، وتعهده، وملازمة ورده منه في كل يوم، أو أيام، أوجمعة ـ كما تقدم ـ وليحذر من نسيانه بعد حفظه، فقد ورد فيه أحاديث تزجر عنه " (٢) وقال مرتضي ال زّبيدي رحمه الله تعالى في ألفية السند: فإن أنواع العلوم تختلط ... وبعضها بشرط بعض مرتبط فما حوى الغاية في ألف سنة ... شخص فخذ من كل فن أحسنه بحفظ متن جامع للراجح ... تأخذه على مفيد ناصح ثم مع الفرصة فابحث عنه ... حقق ودقق مااستمد منه

стр. 55

لكن ذاك باختلاف الفهم ... مختلف وباختلاف العلم فالمبتدي كالفدْم لا يطيق ... بحثا بعلم وجهه دقيق (١) وقال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى: ـ " الأمور النافعة في الدين ترجع في أمرين: علم نافع، وعمل صالح، أما العلم النافع فهو العلم المزكي للقلوب والأرواح، المثمر لسعادة الدارين، وهو ماجاء به الرسول ﷺ من حديث وتفسير، وفقه، ومايعين على ذلك من علوم العربية، بحسب حالة الوقت والموضع الذي فيه الإنسان. وتعيين مايشتغل به من الكتب يختلف باختلاف الأحوال والبلدان، والحالة التقريبية في نظرنا هذا: أن يجتهد طالب العلم في حفظ مختصرات الفن الذي يشتغل به، فإن تعذر، أو قصر عليه حفظه لفظاً، فليكرره كثيراً، حتى ترسخ معانيه في قلبه، ثم تكون باقي كتب الفن كالتوضيح والتفسير لذلك الأصل الذي أدركه وعرفه. فو حفظ طالب العلم " العقيدة الواسطية " لشيخ الإسلام ابن تيمية، و" ثلاثة الأصول "، و " كتاب التوحيد " للشيخ محمد، وفي الفقه: " مختصر الدليل " و " مختصر المقنع "، وفي الحديث: " بلوغ المرام "، وفي النحو: " الآجرومية "، واجتهد في فهم هذه المتون وراجع عليها ماتيسر من شروحها، أو كتب فنها، فإنها كالشروح لها لأن طالب العلم إذا حفظ الأصول، وصار له ملكة تامة في معرفتها، هانت عليه كتب الفن كلها الصغار والكبار، ومن ضيع الأصول حرم الوصول.

стр. 56

فمن حرص على هذه العلوم النافعة، واستعان بالله أعانه وبارك له في علمه، وطريقه الذي سلكه. ومن سلك في طلبه للعلم غير الطريقة النافعة، فاتت عليه الأوقات، ولم يدرك إلا العناء، كما هو معروف بالمشاهدة والتجربة. أما الثاني وهو العمل الصالح، فالعمل الصالح هو الذي جمع الإخلاص لله، والمتابعة للرسول ﷺ .." (١) وفي الشقاق النعمانية في ترجمة علاء الدين علي بن محمد القوشجي رحمه الله تعالى: "وقد جمع عشرين متناً في مجلدة واحدة، كل متن من علم، وسماه " محبوب الحمائل " وكان بعض غلمانه يحمله ولا يفارقه أبداً، وكان ينظر فيه كل وقت، يقال إنه حفظ كل مافيه من العلوم " (٢) وكثير من الناس ثكلوا الوصول بتركهم الأصول، وحقه أن يكون قصده من كل علم يتحراه التبلغ به إلى مافوقه حتى يبلغ به النهاية. قال بعضهم: لقد أصبحتُ في ندمٍ وهَمٍ ... ومايغني التندم ياخليلي مُنعت من الوصول إلى مَرامي ... بما ضيّعت من حفظ الأصولِ (٣)

стр. 57

أسباب النسيان: للنسيان أسباب كثيرة منها: ـ ١ ـ الإستهانة بأداء فرئض الله وتعدي حدوده. قال ابن مسعود ﵁: إني لأحسب الرجل ينسى العلم كان يعلمه بالخطيئة يعملها. وقال الضحاك بن مزاحم رحمه الله تعالى: مامن أحد تعلم القرآن ثم نسيه إلا بذنب يحدثه وذلك بأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ (الشورى ـ٣٠) ونسيان القرآن من أعظم المصائب. وسئل سفيان بن عيينة: هل يسلب العبد العلم بالذنب يصيبه؟! قال: ألم تسمع قوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ﴾ (المائدة ـ ١٣) . ٢ ـ كثرة الأكل. ٣ الإجهاد والسهر المضني. ٤ ـ كثرة الاهتمام بأمور الدنيا والانشغال عن مراجعة المحفوظ (١) .

стр. 58

الحافظ عند المحدثين: قال ابن سيد الناس رحمه الله تعالى: " وأما المحدث في عصرنا فهو: من اشتغل بالحديث رواية، ودراية، وجمع رواة، واطلع على كثير من الرواة والروايات في عصره، وتميز في ذلك حتى عرف فيه خطه، واشتهر فيه ضبطه، فإن توسع في ذلك حتى عرف شيوخه، وشيوخ شيوخه، طبقة بعد طبقة، بحيث يكون مايعرفه من كل طبقة أكثر مما يجهله منها، فهذا هو الحافظ.." (١) وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى ـ في النكت على ابن الصلاح ـ: للحافظ في عرف المحدثين شروط إذا اجتمعت في الراوي سموه حافظاً: ١ ـ وهوا لشهرة بالطلب والأخذ من أفواه الرجال لا من الصحف. ٢ ـ والمعرفة بطبقات الرواة ومراتبهم. ٣ ـ والمعرفة بالتجريج والتعديل وتمييز الصحيح من السقيم حتى يكون مايستحضره من ذلك أكثر مما لا يستحضره مع استحضار الكثير من المتون. فهذه الشروط إذا اجتمعت في الراوي سموه حافظاً (٢) . والحفاظ من المحدثين كثيرون. وقد ذكر ابن الجوزي جماعة منهم

стр. 59

ورتبهم على حروف المعجم في كتابه " الحث على حفظ العلم وذكر كبار الحفاظ" فانظرهم هناك (١) . تربية الصبيان على الحفظ: ينبغي لولي الصبي أن يجتهدمعه في التحفظ للقرآن، وسائر العلوم، في صغره، وكذا كل مبتدئ في طلب العلم، حتى يكون الحفظ سهلاً على الطالب، لأن الحفظ في الصغر كالنقش على الحجر. وقد جاء عن ابن عباس ﵄ مرفوعاً وموقوفاً: " حفظ الغلام الصغير كالنقش في الحجر، وحفظ الرجل بعدما يكبر كالكتابة على الماء " وهو صحيح من حيث المعنى وإن لم يصح من جهة الرواية. (٢)

стр. 60

" المتن " - تعريف المتن لغة: - تعريف المتن اصطلاحاً. - تعريف الأصل في اللغة. - أقسام المتون. - المتون بين المدح والقدح. - عدم الاعتماد على الكتب.

стр. 61

" المتن " تعريف المتن لغة: المتن بفتح الميم، وسكون المثناة الفوقية. قال ابن فارس: " الميم والتاء والنون، أصل صحيح واحد يدل على صلابة في الشيء مع امتداد وطول" (١) ويطلق المتن في اللغة على عدة معانٍ منها: ـ ١ ـ الحلف، يقال متن لي بالله أي حلف. ٢ ـ النكاح. ٣ ـ الضرب بالسوط في أي موضع كان. ٤ ـ الذهاب في الأرض. ٥ ـ المد، وقد متنه متناً إذا مدّه. ٦ ـ ماصلب من الأرض وارتفع واستوى كالمتنة. ٧ ـ الرجل الصلب القوي. ٨ ـ اللفظ. إلى غير ذلك من المعاني (٢) .

стр. 62

تعريف المتن اصطلاحاً: جرى إطلاقه عند أهل العلم على مبادئ فنمن الفنون تكثف في رسائل صغيرة غالباً وهي تخلو في العادة من كل مايؤدي إلى الاستطراد أو التفصيل كالشواهد والأمثلة إلا في حدود الضرورة وذلك لضيق المقام عن استيعاب هذا ونحوه، لذلك عدت المتون أقل ألفاظاً الأحسن في ذاتها والأكثر قبولاً عند الدارسين (١) . وعرف صاحب " قصد السبيل "بأنه: الكتاب الأصلي الذي يكتب فيه أصول المسائل، ويقابله الشرح، مولد لم يرد عن العرب، وإنما هو مما نقله العرف تشبيهاً له بظاهر الظهرالذي هو معنى المتن الأصلي في القوة والاعتماد عليه (٢) . وعُرّف بأنه: خلاف الشرح والحواشي (٣) . قال في المدخل الفقهي العام: " وقد سموا به في الاصطلاح هذه المختصرات العلمية، لأنها تتضمن المسائل الأساسية للركوب والحمل" (٤) . ويطلق المتن ويراد به ماينتهي إليه السند من الكلام، قال الحافظ في شرح النخبة: " والمتن هو غاية ماينتهي إليه الإسناد من الكلام " (٥) .

стр. 63

تعريف الأصل في اللغة: قال في المصباح المنير: " أصل الشيء أسفله، وأساس الحائط أصله، واستأصل الشيء ثبت أصله وقوى، ثم كثر حتى قيل أصل كل شيء ما يستند وجود ذلك الشيء إليه، فالأب أصل للولد.." (١) . وقال في القاموس: " الأصل: أسفل الشيء كاليأصول جمع أصول، وآصل، وأصُل ككرم صار ذا أصل، أو ثبت ورسخ أصله كتأصل، وـ الرأي الجاد " (٢) . أقسام المتون: تنقسم المتون إلى قسمين: ١ ـ متون منثورة، وهي الأكثر. ٢ ـ متون منظومة في أبيات الشعر يسمى الشعر التعليمي، وتكون غالباً من بحر الرجز (٣) ، وقد تكون من غيره. والرجز بحر معروف من بحور الشعر، وتسمى قصائده الأراجيز واحدتها أرجوزة ويسمى قائله راجزاً.

стр. 64

وإنما سمي الرجز رجزاً لأنه تتوالى فيه حركة وسكون، ثم حركة وسكون، وهو يشبه في هذا بالرجز في رجل الناقة ورعدتها، وهو أن تتحرك وتسكن، ثم تتحرك وتسكن. ويقال لها حينئذٍ رجزاء. والرجز ديوان العرب في الجاهلية والإسلام، وكتاب لسانهم، وخزانة أنسابهم وأحسابهم. (١) وهذا النوع من النظم " الشعر التعليمي " نظم علمي يخلو من العواطف، والأخيلة، ويقتصر على الأفكار، والمعلومات، والحقائق العلمية المجردة. وهذه المنظومات العلمية تنقسم إلى قسمين: ١ ـ منظومات في علم معين استقلالاً، كملحة الإعراب للحريري، وألفية ابن مالك في النحو.. إلخ. ٢ ـ منظومات لمتن معين مثل ألفية العراقي نظم مقدمة ابن الصلاح، ونظم العمريطي لمتن الورقات، ولمتن الآجرومية، ونظم زاد المستقنع، وجمع الجوامع.. إلخ. والمتون موجودة من قديم الزمان، ولكنها لم تعرف بهذا الاسم، بل باسم المختصرات، مثل مختصر الخرقي عمر بن الحسين الخرقي المتوفي سنة (٣٣٤هـ) رحمه الله تعالى. قال أبو علي الحسن بن أحمد بن البنا في كتابه المقنع في شرح مختصر الخرقي: " وكان بعض شيوخنا يقول: ثلاثة مختصرات، في ثلاثة علوم، لا أعرف لها نظائر: الفصيح لثعلب، واللمع لابن جني، وكتاب المختصر

стр. 65

للخرقي، فما اشتغل بها أحد وفهمها كما ينبغي إلا أفلح" (١) ثعلب: هو أبو العباس أحمد بن يحيى بن زيد الشيباني مولاهم المتوفي سنة (٢٩١هـ) رحمه الله تعالى. ابن جني: هو أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي المتوفي سنة (١٣٩٢هـ) رحمه الله تعالى. وكان الغرض منها حكيماً، وهو جمع المسائل الأولية البسيطة في متون صغيرة، بعبارة سهلة، لتكون بداية لشُداة الفقه (٢) على نحو الآجرومية في علم النحو. لكنها لم تستمر كذلك، بل بالغ بعض المتأخرين في إيجاز بعض المتون إلى درجة الإلغاز، ولكن هذا الصنف غير مراد في بحثنا هذا. وقد اقتضت الحاجة التعليمية وجود منهج يسير عليه الطالب، وهو: ١ ـ المتن الذي هو الأساس الذي يبني عليه الطالب علمه في كل فن بحسبه. ٢ ـ شرح لهذا المتن. ٣ ـ حاشية على هذا الشرح. ٤ ـ تقرير على الحاشية.

стр. 66

المتون بين المدح والقدح: قال ابن خلدون في مقدمته: " ذهب كثير من المتأخرين إلى اختصار الطرق والأنحاء في العلوم، يولعون بها، ويدونون منها برنامجاً مختصراً في كل علم، يشتمل على حصر مسائله وأدلتها، باختصار في الألفاظ، وحشو القليل منها بالمعاني الكثيرة من ذلك الفن، وصار ذلك مخلاً بالبلاغة، وعسراً على الفهم، وربما عمدوا إلى الكتب الأمهات المطولة في الفنون بالتفسير والبيان، فاختصروها تقريباً للحفظ، كما فعله ابن الحاجب في الفقه وأصول الفقه، وابن مالك في العربية، والخونجي في المنطق، وأمثالهم، وهو فساد في التعليم، وفيه إخلال بالتحصيل، وذلك لأن فيه تخليطاً على المبتدئ بإلقاء الغايات من العلم عليه، وهو لم يستعد لقبولها بعد، وهو من سوء التعليم.. , ثم فيه مع ذلك شغل كبير على المتعلم، بتتبع ألفاظ الاختصار العويصة الفهم بتزاحم المعاني عليها وصعوبة استخراج المسائل من بينها، لأن ألفاظ المختصرات تجدها لأجل ذلك صعبة عويصة، فينقطع في فهمها حظ صالح من الوقت ... ا. هـ" (١) . قال في الفكر السامي: " ثم كَلَّ أهل هذه المئة عن حال من قبلهم من حفظ كبار الأصول، فاقتصروا على حفظ ماقلّ لفظه، ونزر خطه، فأفنوا أعمارهم في حلّ رموزه، وفهم لغوزه، ولم يصلوا لرد مافيه لأصوله بالتصحيح، فضلاً عن معرفة الصحيح من الضعيف، بل حل مقفل، وفهم مجمل ... إلى أن قال: " ومنها أنهم لما أغرقوا في الاختصار، صار لفظ المتن مغلقاً لا يفهم إلا بواسطة الشراح، أو الشروح والحواشي، ففات المقصود الذي لأجله وقع الاختصار، وهو جمع الأسفار في سفر

стр. 67

وتقريب المسافة، وتخفيف المشاق، وتكثير العلم، وتقليل الزمن، بل انعكس الأمر إذ كثرت المشاق في فتح الإغلاق، وضاع الزمن من غير ثمن.. إلخ " (١) وانتقدت أيضاً بأن المهتمين بها في النهاية أعجز من غيرهم في التطبيق وتذوق النصوص ولا سيما النصوص الأدبية ... وأنها بأساليبها، ومحتوياتها، ومناهج تصانيفها، لا تتفق مع الحقائق التربوية الحديثة، والمناهج التعليمية العصرية، لصعوبة أسلوبها ووعورة مضمونها (٢) ولكن الناظر في هذا النظام من التصنيف، على الرغم من كل ماقيل فيه من قدح يجد فيه: ١ ـ عمقاً علمياً يتجلى في كثرة المعلومات، وتنوعها، وترتيبها ترتيباً محكماً. ٢ ـ إضافة إلى مافيها من الفوائد، والإضافات التي لا توجد في المطولات.

стр. 68

٣ ـ تكوين صورة مجملة للفن الذي ألفت فيه، يستطيع الطالب الإحاطة بها في زمن قليل، وماهي إلا مدخل للعلوم، وليست هي الغاية وإليها النهاية، بل هي الأساس والبداية. ٤ ـ إن العلم الذي فيه المتون، أكثر منه فيما تلاها من المؤلفات الحديثة وأعظم فائدة. ٥ ـ هذه المتون يحتاج الدارس لها إلى الصبر، والجد والاجتهاد في فهمها، ويكوّن هذا الجد والاجتهاد ملكة لا توجد لغير دارسها. ٦ ـ إن الغموض الذي عيبت به المتون ليس مما يعاب، بل هو في الحقيقة مدح لها لا قدح فيها، لأنه لا يستوي من يحصل العلم بيسر وسهولة، ومن يحصله بكد، ومشقة، وعناء ... وأين مستوى هذا من ذاك، وبهذا يشرف قدر العالم وتفضل منزلته، ولو كان العلم كله بيناً لاستوى في علمه جميع من سمعه، فيبطل التفاضل. قال الخليل بن أحمد رحمه الله تعالى: " من الأبواب مالو شئنا أن نشرحه حتى يستوي فيه القوي والضعيف لفعلنا، ولكن يجب أن يكون للعالم مزية بعدنا ". وقال بعضهم عن المتون: " حفظتْ من العلم جوهره ولبابه، وقامت لا تزال بدورْها الكريم في مسرح التعليم، من ذلك العصر البعيد إلى عصرنا الجديد" (١) . ٧ ـ المتون تجمع حقائق العلم في ورقات يسهل حفظها، ويسهل

стр. 69

استحضارها في الدروس، والمناسبات. ٨ ـ قال صاحب النحو والنحاة بين الأزهر والجامعة: " العالم إنما يمتاز بفهم الغامض، وإدراك البعيد , وحلّ المستغلق، وذلك لا يكون إلا بتعويد المرء على شيء من الصعاب، ليمرن عقله على حل مايماثلها، وكما أن المرء الرياضي لا يكون قوياً على حمل الأثقال إلا بالتعود على حمل أحمال ثقيلة متدرجاً في ذلك , كذلك لا يكون عقله قادراً على حل الصعاب إلا إذا عوّد عقه على حلّ مسائل عويصة متدرجاً في ذلك " (١) . ٩ الذين يحيطون بالمتون ويتقنونها ولا يشتكون منها أقرب إلى الابتكار وإلى الاجتهاد من غ يرهم، ومن قال عن المتون: إنها غامضة وعميقة قد يكون كلامه هذا من عدم القدرة على الفهم. ١٠ ـ وجود بعض الناس ممن اعتنى بالمتون ولميفلح، لا يحكم به على الأكثر. ١١ ـ الناظر في تراجم العلماء، وكيفية طلب العلم بالنسبة لهم، يدرك تماماً صحة هذه الطريقة. ١٢ ـ هذا الأسلوب من التصنيف يربي فضيلة البحث، والتمحيص، وينمي حلية الصبر والاعتماد على النفس، ويعوّد على دقة الملاحظة. عدم الاعتماد على الكتب: على طالب العلم أنيأخذه عن أهله ولا يعتمد على الكتب وحدها.

стр. 70

قال الإمام الشافعي: "من دخل في العلم وحده خرج وحده ". وقال ابن جماعة ـ بعد كلام له ـ: " ويشتغل بشرح تلك المحفوظات، وليحذر من الاعماد في ذلك على الكتب أبداً، بل يعتمد في كل فن من هو أحسن تعليماً له، وأكثر تحقيقاً فيه، وتحصيلاً منه، وأخبرهم بالكتاب الذي قرأه " (١) . وقال أبو حيان النحوي رحمه الله تعالى: يظن الغُمر أن الكتب تجدي ... أخا فهم لإدراك العلوم وماعلمالجهول بأن فيها ... غوامض حيرت عقل الفهيم إذا رمت العلوم بغير شيخ ... ضللت عن الصراط المستقيم وتشتبه الأمور عليك حتى ... تصير أضل من توما الحكيم (٢) وقال النووي في المجموع ـ بعد كلام له عما ينبغي لطالب العلم: ـ " ويعتني بتصحيح درسه الذي يتحفظه تصحياً متقناً على الشيخ ... ولا يحفظ ابتداء من الكتب استقلالاً بل يصحح على الشيخ كما ذكرنا فالاستقلال بذلك من أضر المفاسد. وإلى هذا أشار الشافعي ﵀ بقوله: من تفقه من الكتب ضيّع الأحكام " (٣) .

стр. 71

وقال الشاطبي: " من أنفع طرق العلم الموصلة إلى غاية التحقق به أخذه عن أهله المتحققين به على الكمال والتمام.. وإن كان الناس قد اختلفوا هل يمكن حصول العلم دون معلم أم لا؟ فالإمكان مسلّم، ولكن الواقع في مجاري العادات أن لابد من المعلم وهو متفق عليه في الجملة.. واتفاق الناس على ذلك في الوقوع وجريان العادة به كاف في أنه لابد منه، وقد قالوا: إن العلم كان في صدور الرجال ثم انتقل إلى الكتب وصارت مفاتحه بأيدي الرجال. وهذا الكلام يقضي بأن لابد في تحصيله من الرجال إذ ليس وراء هاتين المرتبتين مرمى عندهم، وأصل هذا في التصحيح " إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس ولكن يقبضه بقبض العلماء " الحديث، فإذا كان كذلك فالرجال هم مفتاحه بلا شك " (١) وقال: " حسبك من صحة هذه القاعدة أنك لا تجد عالماً اشتهر في الناس الأخذ عنه، إلا وله قدوة اشتهر في قرنه بمثل ذلك، وقلما وُجدت فرقة زائغة، ولا أحد مخالف للسنة، إلا وهومفارق لهذا الوصف. وبهذا الوجه وقع التشنيع على ابن حزم الظاهري وأنه لم يلازم الأخذ عن الشيوخ، ولا تأدب بآدابهم، وبضد ذلك كان العلماء الراسخون كالأئمة الأربعة وأشباههم" (٢) . وقال: " فصل: وإذا ثبت أنه لابد من أخذ العلم عن أهله فلذلك طريقان: أحدهما المشافهة، وهي أنفع الطريقين وأسلمهما لوجهين:

стр. 72

الأول: خاصية جعلها الله تعالى بين المعلم والمتعلم يشهدها كل من زاول العلم والعلماء، فكم من مسألة يقرؤها المتعلم في كتاب، ويحفظها، ويرددها على قلبه فلا يفهمك، فإذا ألقاها إليه المعلم فهمها بغتة وحصل له العلم بها بالحضرة، وهذا الفهم يحصل إما بأمر عادي، من قرائن أحوال، وإيضاح موضع إشكال، لم يخطر للمتعلم ببال، وقد يحصل بأمر غير معتاد، ولكن بأمر يهبه الله للمتعلم عند مثوله بين يدي المعلم، ظاهر الفقر، بادي الحاجة إلى مايلقى إليه. وهذا ليس ينكر فقد نبه عليه الحديث الذي جاء: " أن الصحابة أنكروا أنفسهم عندما مات رسول الله ﷺ " وحديث حنظلة الأسيدي حين شكا إلى رسول الله ﷺ " أنهم إذا كانوا عنده وفي مجلسه كا نوا على حالة يرضونها فإذا فارقوا مجلسه زال ذلك عنهم، فقال رسول الله ﷺ "لو أنكم تكونون كما تكونون عندي لأظلتكم الملائكة بأجنحتها " وقد قال عمر بن الخطاب: " وافقت ربي في ثلاث " وهي من فوائد مجالسة العلماء إذ يفتح للمتعلم بين أيديهم مالا يفتح له دونهم ويبقى ذلك النور لهم بمقدار مابقوا في متابعة معلمهم وتأدبهم معه واقتدائهم به، فهذا الطريق نافع على كل تقدير.. الطريق الثاني: مطالعة كتب المصنفين ومدوني الدواوين، وهو أيضاً نافع في بابه بشرطين: الأول: أن يحصل لهمن فهم مقاصد ذلك العلم المطلوب ومعرفة اصطلاحات أهله مايتم له به النظر في الكتب، وذلك يحصل بالطريق الأول من مشافهة العلماء أو مما هو راجع إليه، وهو معنى قول من قال:

стр. 73

كان العلم في صدور الرجال ثم انتقل إلى الكتب، ومفاتحه بأيدي الرجال. والكتب وحدها لا تفيد الطالب منها شيئاً دون فتح العلماء، وهومشاهد معتاد. والشرط الثاني: أن يتحرى كتب المتقدمين من أهل العلم المراد، فإنهم أقعد به من غيرهم من المتأخرين، وأصل ذلك التجربة والخبر. أما التجربة فهو أمر مشاهد في أي علم كان، فالمتأخر لا يبلغ من الرسوخ في علم ما، ومابلغه المتقدم، وحسبك من ذلك أهل كل علم عملي، أونظري، فأعمال المتقدمين في إصلاح دنياهم، ودينهم، على خلاف أعمال المتأخرين، وعلومهم في التحقيق أقعد. فتحقق الصحابة بعلوم الشريعة، ليس كتحقق التابعين، والتابعون ليسوا كتابعيهم، وهكذا إلى الآن، ومن طالع سيرهم، وأقوالهم، وحكاياتهم، أبصر العجب في هذا المعنى. وأما الخبر ففي الحديث: " خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم.." وفي هذا إشارة إلى أن كل قرن مع مابعده كذلك.. فلذلك صارت كتب المتقدمين، وكلامهم، وسيرهم، أنفع لمن أراد الأخذ بالاحتياط في العلم على أي نوع كان، وخصوصاً علم الشريعة، الذي هو العروة الوثقى، والوَزَر الأحمى وبالله تعالى التوفيق) (١)

стр. 74

الباب الأول العلوم الشرعية

стр. 75

الفصل الأول التفسير وما يتعلق به
следующие страницы →