← Сира

Сира · id 9821

الرسالة المحمدية

سليمان الندوي

Полный текст (224 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة الكتاب الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين وخاتم النّبيّين، محمد وآله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد؛ فإن المكتبة الإسلامية حافلة بالكتب في موضوع السّيرة النّبوية على صاحبها الصلاة والسلام- وإذا استعرضنا اللغات الأكثر تأليفا في هذا الموضوع غير العربية نجد اللغة الأردوية أكثرها تأليفا وأغناها في هذا الموضوع، وهي تحتوي على أقوى وأروع ما كتب في السيرة النبوية في العصر الأخير. ومن جملة تلك الكتب فيها بالأردوية «سيرة النّبي ﷺ » للعلامة الباحث المؤرخ الشيخ شبلي النّعماني «١» الّذي بدأ بتأليفه وأكمل جزءين منها إذ عاجلته منيته، فعني بتأليف الأجزاء التالية تلميذه النابغ العبقري العلامة سيد سليمان النّدوي حتى أكمله في سبعة مجلدات ضخمة التي تعتبر اليوم

стр. 2

موسوعة في السيرة النبوية بالأردوية، ليس لها نظير في أيّ لغة من لغات العالم الإسلاميّ من أقصاه إلى أقصاه. وقد فاق العلامة سيّد سليمان في تأليفها أستاذه العلامة النّعماني في الاطلاع على أسرار الشريعة، واستكناه وجوه التعويل، ومعرفة السنة النبوية، واستعراض الوقائع والحوادث استعراضا علميا دقيقا يضيق بنا نطاق المقام هنا عن سرد تفاصيل مواضيعها. يقول راوية العصر، وأمين التراث الإسلامي العلامة الكبير الشيخ محمد زاهد الكوثري مشيدا بهذا الكتاب ومقترحا بترجمته إلى العربية على علماء الأزهر: « ... كتاب الأستاذ شبلي النّعماني الهندي وتلميذه وزميله الأستاذ سليمان الندوي في تمحيص السيرة النبوية عن الروايات الزائفة- باللغة الهندية في عدّة مجلدات- قد سدّ فراغا كبيرا في فضح دخيلة المستشرقين والردّ عليهم، وقد ترجم إلى اللغة الإنكليزية ثم إلى اللغة التركية، ولو قام بعض رجال الأدب بترجمته إلى اللغة العربية مع إصلاح بعض مواضع أخطأ فيها لكان هذا عملا نافعا يردّ به كيد أمثال البرنس كيتانو الإيطالي «١» ، وغولد زيهير الهنغاري ... » «٢» . وبعد هذا لا نبالغ إذا قلنا: إنّ صاحب هذا الكتاب الضخم العلّامة سيد سليمان الندوي من كبار المؤلفين في السيرة النبوية لعصره، وقد كان من مزاياه أنه بلغ في توسيع نطاق السيرة النبوية من سرد الأحداث، وبيان الشمائل، ووصف العادات إلى الرسالة المحمدية والتعليمات النّبوية والشريعة الإسلامية، وبحث شعبها المختلفة مبلغا لم يبلغه أحد قبله. وهذا الكتاب الّذي بين يديك هو مجموعة من ثماني محاضرات للعلامة الندوي التي ألقاها بالأردوية تلبية لدعوة من هيئة التعليم الإسلامي بمدينة

стр. 3

مداراس (الهند) عام ١٩٢٥ م، تلقي هذه المحاضرات الضوء على جوانب السيرة النبوية المختلفة، وتقدّم إلى القارئ عصارة أمهات كتب السيرة النبوية وما كتب فيها باللّغات الأجنبية، وخلاصة لمجلّدات ضخمة لكتابه «سيرة النبي ﷺ » يقول فيه فقيد الدّعوة الإسلامية العلّامة السيد أبو الحسن علي الحسني الندوي: « ... فهو من أقوى الكتب في السّيرة وأروعها في جمال التعبير، وبثّ حلاوة الإيمان، وتوثيق الصلة بذات النّبيّ ﷺ ، والكتاب عصارة لمكتبة كاملة في السيرة النبوية، وهو هدية ثمينة لغير المسلمين والمثقفين المسلمين، والباحثين عن الحق للتعريف بالإسلام، ولعرض سيرة النبي ﷺ بإيجاز، وأسلوب مقنع مؤثّر ... » «١» . وقد طبعت مجموعة هذه المحاضرات للمرة الأولى عام ١٩٢٥ م باسم «خطبات مداراس» في كتاب مستقلّ، ونال تلقيا كبيرا، وإقبالا عظيما لدى القراء، حتى صدرت له عدّة طبعات في مدّة قصيرة، وسرعان ما صار الكتاب أهمّ مرجع في السيرة بالأردوية، قلما تخلو اليوم منه مكتبة من مكتبات ناطقي اللغة الأردوية، ثم ترجم الكتاب للإنكليزية باسم، Mohammad The Ideal Prophet وكان الإقبال عليه مثل صنوه بالأردوية. ثم أراد العلامة المؤلف نقله إلى العربية لرغبة ملحة من الإخوة العرب، لكن كثرة المشاغل وضعف الصحة لم يسمحا له بذلك، فتولّى عملية ترجمته إلى العربية تلميذه الشاعر الأديب الأستاذ محمد ناظم النّدوي وأكمله في مدة قصيرة بأسلوب عربيّ أصيل يترقرق في غضونه وثناياه حلاوة وبهاء؛ من حيث لا يشعر القارئ بأنه مترجم من لغة إلى لغة، وتلك مقدرة فائقة يغتبط بها الأستاذ الكريم أي اغتباط، فصدرت له طبعات عديدة في مصر وسورية، ولكنها كانت في حاجة إلى التنقيح والتحقيق وبعض

стр. 4

التعليقات والتراجم التي لا بدّ منها، فأشار عليّ أحد أساتذتي الندويين أن أقوم بهذا العمل، وكانت لهذا الكتاب منّة عظيمة عليّ كونه من باكورة الكتب التي قرأتها في السّيرة في الصغر. فقمت بهذا العمل ما وسعني فيه من الجهد متهيبا خاشعا أمام جلال الموضوع، ومنزلة العلامة المؤلف، وعلو كعبه، وضلوعه في السيرة النبوية مؤمنا بضالة قدر نفسي، وقلة بضاعتي في علم السيرة النبوية حيث لا أزال طالبا صغيرا في مدرسته الوسيعة، أسأل الله أن ينفع بهذا الكتاب، وأن يتقبّله تقبلا حسنا، وأن يجعل عملي فيه خالصا لوجهه، إنّه سميع مجيب. دمشق ١٤ ذي القعدة ١٤٢١ هـ ٧ شباط ٢٠٠١ م كتبه المعتز بالله تعالى عبد الماجد الغوري

стр. 5

ترجمة العلّامة سيّد سليمان الندوي إنّ الذين نعرفهم من رجال العلم الإسلامي، والذين عرفناهم، واتصلنا بهم، ودرسنا سيرهم وتراجمهم من رجال الهند وباكستان تنحصر عظمتهم ونبوغهم في ناحية دون ناحية، أو عدّة نواح من نواحي الحياة وشعب العلم، ولكنا لا نعرف من بينهم من أخذ من كلّ شيء بقسط كالعلامة سيد سليمان الندوي. تخرج العلامة سيد سليمان الندوي في دار العلوم التابعة لندوة العلماء على أساتذتها ومنهم العلامة المحقّق شبلي النعماني. وجعل من بعد ذلك يساعد الأستاذ النعماني في تحرير مجلة «الندوة» التي كان يرأس تحريرها، والتي كانت أمّ المجلات الأردية العلمية يومئذ. ثم عيّن مدرسا للغة العربية في دار العلوم التي تخرج فيها، فظهر من كفاءته، وملكته الأدبية، وتفننه في طرق التدريس ما أنطق الألسنة بالثناء عليه. فظلّ كذلك زهاء ست سنين (١٩٠٦- ١٩١٢) كتب خلالها مقالات في مجلة «الندوة» . ثم التحق بصحيفة «الهلال» الأسبوعية الزاهرة لأبي الكلام «١» - التي لم

стр. 6

تصدر صحيفة أسبوعية مثلها باللغة الأردية إلى الآن- فعارض صاحبها المبدع في أسلوبه، وجعل ينشىء مقالات افتتاحية، لم يعرف الناس أبا عذرها وابن بجدتها، فتارة نسبوها إلى أبي الكلام، صاحب الصحيفة ورئيس تحريرها وأخرى عزوها إلى سيد سليمان. وبعد الانقطاع عن دار الهلال أسّس جمعية دار المصنفين الشهيرة التي كان وصّى بها أستاذه شبلي النعماني وعاجلته المنية دون إبراز أمنيته- أمنية تأسيس مجمع علمي- إلى عالم الوجود. تأسس هذا المجمع العلمي- دار المصنفين- سنة ١٩١٥ م، ١٣٢٣ هـ في مدينة أعظم كره «١» مولد الشبلي النعماني، ومنبت أرومته، فعكف السيد سليمان يتعهّد الدار، ويعنى بتدريب الشبان، وتثقيف أحداث الكتّاب، وينشر نتاج قرائحهم بعد تهذيبه إلى أن تكونت جماعة صالحة من أفاضل الكتاب والمؤلفين الذين وقفوا حياتهم لخدمة الدين والعلوم الإسلامية، وأصدر من دار المصنفين مجلة «معارف» الشهرية بالأردوية التي تعتبر أرقى مجلة علمية في الهند. ومن أبرز أعماله العلمية وأرفعها ذكرا إكماله لكتاب (سيرة النبي ﷺ الذي كان بدأ بتأليفه أستاذه المحقق العلامة شبلي النعماني، وهذا الكتاب هو دائرة معارف في السيرة النبوية، نشرت منه سبعة مجلدات ضخمة لا يقلّ أحدها عن سبعمئة صفحة من القطع الكبير، وهذه المعلمة من عيون ما ألّفه علماء الإسلام منذ قرون، ومن غرر ما أهداه علماء الهند إلى المكتبة الإسلامية العامّة. وله مصنفات علمية نافعة غير هذا الكتاب الضخم، سارت سير الشمس

стр. 7

- كمحاضراته في السيرة النبوية المعروفة ب (خطبات مداراس «١» ) و (سيرة عائشة) و (أرض القرآن) و (العرب والهند) و (خيّام) وغيرها من آثار قلمه التي تفاخر بها اللغة الأردية. وقد بلغ في المواضيع المختلفة من التحقيق والإجادة ما لم يبلغه أحد من معاصريه في هذه البلاد، وأضرب مثلا لذلك مصنفه الشهير في جغرافية القرآن التاريخية المسمّى (أرض القرآن) فقد تناول فيه بالبحث والتحقيق جميع البلاد والأمم المذكورة في الكتاب العزيز، وأحاط بتاريخهم، وجغرافية أماكنهم التي كانوا يقطنونها. صنفه منذ أربعين سنة، والموضوع بكر لم تطمثه أقلام الباحثين، وقد نقل هذا الكتاب النافع- مثل بعض مؤلفاته الآخرى- إلى اللغة الإنكليزية، وكذلك كتابه عن الشاعر الشهير الخيام، يعدّ من أحسن ما ألف في هذا الباب على كثرة ما ألف في الموضوع ببلاد الغرب، وقد شهد بذلك بعض كبار رجال الهند المطلعين على مصنفات الغرب في هذا الموضوع. وبالنظر إلى هذه المؤلفات القيامة يمكن أن يصدر الحكم بأنّ شخصا واحدا في بعض الظروف ينجز من الأعمال العلمية الهائلة ما لا تستطيع الأكاديميات الكبيرة إنجازه، وقد كتب شاعر الإسلام العلامة محمد إقبال، الذي كان بدوره عالما كبيرا بالفلسفة والعلوم الشرقية، في رسالة له: (إنّ سيد سليمان الندوي يفجّر من الصخرة ينبوعا من العلم، ويمتلك ناصية العلوم الإسلامية) . كان من مزايا شخصية العلّامة سيد سليمان الندوي: الجامعية، والشمول في المعرفة والبحث، فقد كان خبيرا بالعلوم القديمة والعصرية، وكان مؤرخا، وأديبا، وناقدا، ومحققا، وبجانب ذلك كان فقيها ومحدثا في آن واحد، وبالإضافة إلى هذا الاشتغال والشغف بالبحث العلمي كان من كبار القادة لحركة تحرير البلاد والانتفاضة السياسية للمسلمين، فكان يرأس اجتماعات وحفلات أدبية ولغوية، ويرأس مجالس فقهية، ودينية تضمّ العلماء، وكان أحد أعضاء وفد حركة الخلافة الذي توجه إلى إنكلترا

стр. 8

برئاسة زعيم الأحرار مولانا محمد علي في عام (١٩٢٠ م) ، لشرح مشاعر المسلمين إزاء قضية الخلافة على المسؤولين البريطانيين، والمثقفين، وقادة الفكر في بريطانيا، وترأس أيضا وفد الخلافة الذي اشترك في المؤتمر الإسلامي الأول؛ الذي دعا إليه الملك عبد العزيز بن سعود في عام (١٩٢٦ م) ، وكان أحد الأعضاء الثلاثة للوفد الذي توجه إلى أفغانستان بناء على دعوة نادر خان ملك أفغانستان لإعداد خطّة جديدة للتعليم في أفغانستان، وكان العضوان الآخران في الوفد الدكتور محمد إقبال، والسر رأس مسعود نائب رئيس الجامعة الإسلامية بعليجرة. وقد انتقل في آخر حياته- قبل انتقاله نهائيا إلى باكستان- إلى إمارة بهوبال، وشغل مناصب رئيس القضاة، وأمير الجامعة الأحمدية، والمستشار للشؤون الدينية، ومكث هناك أربع سنوات، ثم اشترك في إعداد الدستور لجمهورية باكستان الإسلامية، وقام بإرشاد هذا البلد الفتي دينيا. وبقي مشغولا بالذكر والعبادة، والتربية والإفادة، إلى أن وافاه الأجل في غرة ربيع الآخر سنة ثلاث وسبعين وثلاثمئة وألف هجرية (١٩٥٢ م) في كراتشي، وحضر جنازته كبار العلماء وأعيان البلاد، وسفراء الحكومات الإسلامية والعربية، ودفن بجوار الشيخ شبير أحمد العثماني «١» .

стр. 9

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة المؤلف هذه ثماني خطب في ثماني نواح من السيرة النبوية، على صاحبها الصّلاة والتحية، ألقيتها، سنة ١٣٤٤ هـ باللغة الأوردية- لغة عامة الهند- على جماعات من شباب المسلمين وطلبة الكليات في مدينة مداراس بالهند، فاستمع لها الحاضرون باذان صاغية، وتلقاها المستمعون بقلوب واعية، وقرّظتها الصّحف والمجلّات بكلمات مشجعة، وامتدحها أهل الفضل بالثناء والإطراء، جزاهم الله خيرا. وكان ذلك مما شجعني على طبعها، ونشرها، فطبعت ونشرت مرّات، وأدخلت في مناهج التعليم في بعض الولايات. ثم نقلها بعض المترجمين إلى الإنكليزية فعمّ نفعها. وقد أحببت أن أنقلها إلى العربية لتردّ البضاعة إلى أهلها، فلم يتيسّر لي ذلك لكثرة المشاغل، فرغبت إلى بعض أصحابي أن يكفوني مؤونة النقل، فاستجاب لذلك الأخ الصالح الأديب الفاضل محمد ناظم النّدوي أستاذ اللغة العربية بدار العلوم لندوة العلماء سابقا، وشيخ الجامعة العباسية في بهاولبور الآن، فأتمّ ذلك في عدة أشهر من سنة ١٣٦٦ هـ وحالت دون طبعها حوادث سياسية حدثت بالهند. فلما سكنت الزعازع، وأتيح لي الاتصال ببعض الإخوان من العرب المسلمين، سألوني أن أقدم إليهم بعض مؤلفاتي لتنشر على أبناء العربية

стр. 10

بمصر، فلبيت دعوتهم، وأهديت إليهم هذه الخطب لتكون مقدمة لأخواتها. وأسأل الله تعالى أن ينفع بها شباب المسلمين، ويجعلها وسيلة لي يوم الدين. كراتشي (عاصمة باكستان) «١» ٢٠ شعبان ١٣٧١ هـ ١٤ مايو- أيار- ١٩٥٢ م المخلص الداعي سليمان الندوي

стр. 11

المحاضرة الأولى سيرة الأنبياء هي الأسوة الحسنة للبشر

стр. 12

خصائص النباتات أكثر من خصائص الجماد، فواجباته أكثر، وخصائص الحيوان أكثر من خصائص النباتات، فواجباته أكثر، ومدارك الإنسان أرقى، فواجباته أعظم. هذا العالم- وإذا سميناه «المتحف الأعظم» لم نعد الحقّ، ولم نرتكب الشطط «١» - يحتوي على أنواع من المخلوقات: ففيه ما شئت من جماد بديع الألوان، غريب الهيئات، وما يقع عليه نظرك من نبات بين أخضر ناضر، وأصفر فاقع، وأحمر قان إلى غير ذلك من شتى الألوان، وفيه ما يخطر أو لا يخطر على بالك من حيوان لو حاول أحدنا أن يحصي أنواعه لأعياه ذلك. ومن أنواعه نوع عجيب يفوق سائر الأنواع في هيئته، ويفضل عليها بعلمه ونشاطه، وهو الإنسان. هذا إذا نظرنا إلى العالم بعين من لا يتبصّر بحكمة ولا يتدبّر بعلم. أما الحكيم الذي ينعم النظر في الأشياء، والعالم الذي يحسن التأمّل في ملكوت الله، فيبدو لهما من الفوارق بين المخلوقات ما يتميّز به كلّ نوع عن غيره، ويكتشفان في كلّ شيء الخصوصية التي يمتاز بها ولا توجد في الأشياء الآخرى؛ لأن البارىء العظيم لما صوّر هذه المخلوقات اختصّ كلّا منها بخصائص، وأودع فيها من القوى ما امتاز به بعضها عن بعض. ومن هنا كانت هذه المخلوقات على غير اطّراد في الطبائع والمواهب، فتراها تتدرّج وترتقي- من أدنى إلى أعلى- على مدارج في الشعور والإدراك والإرادة. وإنّ أول الجماد وهو الهباءة- أو الذرّة كما يسمّونها اليوم- لا تجد فيها أثرا للحياة: من الشعور، والإدراك. ومن الجماد ما تلمح فيه أمارة خفيفة من أمارات الحياة. أما النبات فإن أمارات الحياة بارزة في نمائه واخضراره، بيد أنّه في درجة الصفر من حيث الشعور والإدراك. بينما نجد

стр. 13

في الحيوان- مع الإحساس والشعور- إرادة قوية تحمله على الحركة: في القعود، والنهوض، والمشي. وللإنسان إحساس تامّ، وإدراك كامل، وإرادة بالغة، وعزيمة ماضية، وإلى هذه القوى الإنسانية- من شعور تامّ، وإدراك كامل، وإرادة قويّة، وعزيمة صارمة- يرجع تكليف الإنسان، ومن جرّاء ذلك قد حمل أثقال الفرائض، وأعباء الواجبات. وكلّما كان نوع من أنواع المخلوقات أقلّ نصيبا من هذه القوى الموهوبة له من الله، كان أخفّ عبئا في المسؤوليات، وأقلّ واجبات في مناط التكليف. فالجماد ليس عليه واجب قطّ، والنبات قد نال نصيبا من صفات الحياة فأصابه حظّ من الواجبات، أما الحيوان فأكثر حظّا، وأوفر نصيبا من الجماد والنبات في القوى الحيوية، فثقلت عليه أعباؤه من واجبات الحياة وتكاليفها. ولما كان نصيب الإنسان من العقل والمدارك، ومن الذكاء والفطنة، أوفى من سائر المخلوقات وأوفر؛ فقد ازدادت تكاليفه، وواجباته بنسبة ذلك. وتتفاوت الواجبات والتكاليف بين أفراد بني الإنسان بحسب تفاوتهم في مناط هذه الواجبات والتكاليف، أعني العقل والمدارك: فالمجنون، والمعتوه، والأحمق، والصبيّ لا يطالبون بما يطالب به العاقل الفطن، والعالم المثقف، ولا يستطيع أولئك أن يقوموا بما يستطيع أن يقوم به هؤلاء، وكلّ ذلك يرجع إلى تفاوت القوى الباعثة على العلم: بين شعور ناقص، أو إحساس كامل، وخمود الطبيعة، أو توقد القريحة. بل منهم من لا يكلّف بواجب قطّ، ومنهم من يكلّف ببعض الواجبات دون بعضها الآخر، ومنهم من يضطلع بالعبء الأعظم من الواجبات والتكاليف. ثم إذا تأمّلنا المخلوقات وأمعنا النّظر فيها يبدو لنا أنّه مهما يكن عند مخلوق من شعور ناقص، أو إحساس ضعيف، أو إدراك ضئيل؛ فإنّ القدرة الإلهية قد تتولّى تربيته، وترعى نشأته، وتختصّه بعنايتها، حتى إذا امتازت صفاته، وارتقت مميزاته؛ فوّضت إليه الفطرة من أمر نفسه ما تحتمله قواه، وتستحقّه مواهبه. أليس من مواهب الله لبعض أصناف الحجر أن تتحوّل في جبالها ومعادنها إلى ياقوت وزمرّد، وصار لها هذا البريق الذي تتلألأ به أحجارها، بينما باتت الأحجار الآخرى المجاورة

стр. 14

للياقوت والزمرد محرومة هذا الجمال الذي أخذ بالعيون، والصفات التي تحيّر الألباب. ومن ذا الذي يغذو الحيتان في أعماق البحار، والحيوانات في الآجام «١» والصحاري القاحلة؟ ومن ذا الذي يشفي الحيوان إذا مرض، ويقيه عوادي الحرّ والقرّ «٢» في شهور القيظ وليالي الشتاء؟ من جرّاء ذلك نرى هذا الاختلاف البادي في صور أفراد نوع واحد من الحيوان، وهو يرجع إلى عوامل مختلفة: من برودة الجوّ، وحرارة البيئة، وطبيعة المناخ. فالكلب الأوربي يختلف عن الكلب الإفريقيّ بقدر ما بين بلاديهما من اختلاف في الجوّ والبيئة، فتختلف بسبب ذلك حاجاتهما، وتتباين لوازم حياتهما. وقد هيأت الفطرة الإلهية لكلّ منهما أسباب العيش، ولوازم الحياة التي تلائم طبعه، وتقضي بها حاجاته. فللكلب الأوربيّ ما ليس لأخيه الكلب الإفريقيّ من الفرو «٣» الأثيث الضافي «٤» . وهكذا ترى الفرق جليا بين الحيوانات الشرقية والحيوانات الغربية في فرائها، وشعورها، وأوبارها، وبراثنها، ومخالبها، وأظفارها بل ترى الفرق أوضح وأجلى في سحنها، ووجوهها، وهيئات جلودها. ومردّ ذلك إلى حكمة خالقها الحكيم المدبّر، العليم بكل مخلوق، وما يحتاج إليه في غذائه، وبقائه، ولوازم حياته. لقد تبين مما تقدّم: أنّ الخالق القيّوم ﷻ تكفّل بحاجات مخلوقاته المسلوبة الإحساس والشعور، وأنّ المخلوقات التي رزقت الشعور والإحساس قد وكلت إليها الفطرة الإلهية أمر السعي لتحصيل حاجاتها على قدر ما هي حاصلة عليه من الاستعداد الفطريّ لذلك، فالإنسان مكلّف بالسعي في أسباب رزقه، ومتاع حياته، وهو يلقى من

стр. 15

التّعب والعناء ما يلقى في التجارة، والزراعة، والصناعة، وغير ذلك من وسائل الكسب. وليس لجسم الإنسان من الفرو الضّافي، والجلد المتين ما يدفع عنه عوادي البرد القارس، والحرّ اللافح «١» ، لذلك هو مضطرّ إلى أن يعدّ بنفسه ما يقي جسمه حرارة القيظ، ولوافح السموم، وبرودة الشتاء، وسواقع الزّمهرير «٢» ، فيصنع مختلف الثياب المناسبة لكلّ جوّ، ويعالج ما يصاب به من أمراض بما هداه إليه إدراكه من عقاقير، وأدوية، ووسائل. ومن كان من المخلوقات أقلّ نصيبا من الإدراك، وأضعف حيلة في الحصول على متع الحياة، وأسباب العيش، تداركته الفطرة الإلهية، فمنحته في نفسه، وجسمه من أسباب الوقاية وأسلحة الجوارح ما يدفع به عن نفسه عادية الكون ومخلوقاته، ويسّرت له سبل العيش: فمن الحيوانات ما وهبه الخلّاق العظيم مخالب قاطعة، وبراثن مرهفة، ومنها المسلح في فمه بأسنان مفترسة، ومنها ذوات القرون، وذوات الأجنحة، والسوابح في اليمّ، والمدافعة عن كيانها بالحمة السّامة، إلى غير ذلك من الأسلحة والجوارح التي عوّض الله بها لبعض خلقه عما فقده من نعمة العقل، ونور البصيرة، ومذاهب الرأي. أما الإنسان المجرّد من مثل خرطوم الفيل، وقرن الثور، وسمّ الأفعى، وحمّة العقرب وسائر أسلحة الدوابّ والهوامّ، فكان لذلك أعزل ضعيفا، إلا أنه قد أوتي من العقل الكامل، والشعور الشامل، والحسّ المرهف، والفهم الثاقب، والبصيرة النافذة، ما لم يؤت أحد من خلق الله مثله. وهذه المواهب التي امتاز الإنسان بها على سائر المخلوقات تغنيه عما فقده من القوى الجسمية التي امتازت عليه بها الحيوانات القويّة، فاستطاع أن يسخّر الفيل العظيم الهيكل ذا الخرطوم الطويل، وأن يستذلّ الأسد الضّاري ذا البراثن الحديدية، وأن يقبض على الأفعى الثائرة، ويصيد الطيور المحلقة في جو السماء، بل صار لا يعييه حوت في لجج البحار الزاخرة، ولا وحش غابة كثيفة من الوحوش

стр. 16

المفترسة الكاسرة؛ لأنه قد اخترع بمواهبه العقلية أسلحة فاق بها على أسلحة سائر المخلوقات مجتمعة بلا استثناء. مسؤولية الإنسان بقدر مواهبه: سادتي: لا بدّ لكم أن تعترفوا- على اختلاف أديانكم، وتباعد أوطانكم، وتنوّع نزعاتكم وأفكاركم- بأنّ الإنسان قد انهالت عليه الواجبات، وتعدّدت المسؤوليات بسبب ما امتاز به من عقل راجح، ورأي حصيف، وفكر ثاقب، وفقه لطيف، وهذه الواجبات والمسؤوليات تسمّى بلغة الشرع «التكاليف» وهي موجهة إليه من ناحية قواه الظاهرة والباطنة، وكأنّ الإنسان قد خاطب الفطرة الإلهية بلسان مواهبه وقواه أن تفرض عليه عملا، فكان بسببها مكلفا بهذه الواجبات التي تملأ وسعه، وتتناسب مع طاقته، قال الله : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [البقرة: ٢٨٦] . وعبّر سبحانه عن هذا التكليف بالأمانة في قوله: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا [الأحزاب: ٧٢] . ولا يتصف بالظلم والجهل إلا المكلّف بالعدل والعلم، والظلم والجهل من نعوت الإنسان لا ينعت بهما غيره؛ لأنه لم يكلف بالعدل والعلم إلا هو، فهاتان الصفتان من صفات الإنسان: الأولى ضد العدل، والآخرى ضد العلم. وذلك لا يوجد إلا في الإنسان، فالظلم تعدّي الإنسان حدوده، واستعماله قوّته الظاهرة العاملة في غير محلّها. والجهل نقص يتطرّق إلى الإنسان من جهة قواه العلمية. والظلوم يقابله العادل، والجهول يضادّه العالم. والعدل والعلم يتصف الإنسان بهما بالقوة لا بالفعل، فيحتاج إلى العدل لتكميل قوته العملية، وإلى العلم والمعرفة لتكميل قوته العلمية. والقرآن الحكيم قد يسمي العدل بالعمل الصّالح، والعلم بالإيمان. قال الله : وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ [العصر: ١- ٣] فمن لم يعمل صالحا؛ فقد ظلم نفسه، ومن لم يؤمن بالله؛ فقد جهل. ولا ينجو من الخسران إلا من آمن وعمل صالحا. وقد أشهد الله الزمان على خسران الإنسان. ومن الظاهر البيّن أنّ المراد بالزمان الحوادث التي حدثت فيه منذ بدء العالم، وقد صدق

стр. 17

كارليل «١» في وصفه التاريخ بأنه «سجل لأعمال العظماء وسيرهم» ، وتاريخ العالم أصدق شاهد على أنّ كلّ أمّة لم تؤمن بالله، ولم تعمل صالحا بأنها قد خسرت، وهلكت، وكذلك الأفراد الذين لم يؤمنوا بالله، ولم يعملوا صالحا أنهم قد خسروا، وهلكوا. والصّحف السّماوية والأسفار القديمة ملأى بأنّ الظلم والجهل ما وجدا في بيئة إلا وجرّا عليها الخراب والدّمار، والعدل والعمل الصّالح ما وجدا في أمة إلا نتج عنهما الحياة والعمران. وتقصّ عليك هذه الكتب وغيرها أنباء الذين آمنوا وعملوا الصالحات كيف أفلحوا، وعمروا الدّنيا، وأخبار الذين طغوا وبغوا كيف بادوا، وهلكوا، وذهبوا أحاديث تروى، وتفرّقوا أيدي سبأ، فلم يبق لهم إلا أثر بعد عين. وتثني هذه الكتب على الذين قاموا أحسن قيام بالواجبات المكلفين بها من قبل فطرتهم، فأدّوا ما عليهم منها خير أداء، كما تذمّ الذين أهملوا فرائضهم، ونبذوها وراء ظهورهم. وحتى الإلياذة «٢» ، والشاهنامة «٣» ، ومهابهارته «٤» ، ورامائن «٥» ، وغيتا «٦» ، كل هذه الأسفار، تقص علينا أخبار الأمم الذين خلوا من قبل، وتحدّثنا بما وقع من القتال بين الظالمين والعادلين، وبين الكافرين والمؤمنين، وفي ذلك عبرة لأولي الأبصار ممّن يعتبرون بتجارب الأمم، فينتهون عن الظلم والشر، ويرتدعون عن الكفر والشرك، ويقيمون الحقّ، ويتواصون بالخير ويعملون صالحا.

стр. 18

حكمة إرسال الله الرسل للبشر: أليست سور القرآن الحكيم، وأسفار التوراة والإنجيل ملأى بالقصص، مسجلة بأنّ كلّ أمّة آمنت وعملت صالحا، وعدلت في الحكم وجاءت بالحسنة قد أفلحت، ونجت، وسعدت، وكلّ أمة ظلمت، وكفرت بأنعم الله، وركبت هواها، وعدت طورها، وتعدّت الحدود الفطرية قد هلكت، وانقرضت دولتها، وتقوّض صرح مجدها. إنّ في بعض آيات كتاب الله قصة لمؤمن عادل صالح، وفي البعض الآخر منها قصة لظالم طاغ: كلّ ذلك ليرتدع الطّاغية عن طغيانه، ويكفّ الفاسق عن الفسق، وينتهي الظالم عن الظلم والبغي، فيعودوا جميعا إلى الرشد، ويكونوا عادلين مؤمنين صالحين. لأجل ذلك بعث الله الأنبياء والرسل- قبل محمد ﷺ إلى كلّ بلد، بل إلى كلّ قرية، ليكونوا بسيرتهم الصالحة المستقيمة أسوة لأممهم، فتتبع الشعوب التي بعثوا إليها السنن التي يسنونها لأفرادهم وجماعاتهم، فيستقيموا، ويفلحوا جميعا، أو تهتدي بهدي الأنبياء والرسل طوائف من قومهم على الأقل، فيواصلوا الدّعوة، ويسيروا في طريق الحقّ. وقد بعث الله إلى الإنسانية خاتم رسله محمدا ﷺ بشيرا للناس كافة ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه، ورحمة للعالمين، لتكون لهم فيه أسوة، ويكون لهم من حياته الشريفة قدوة، ثم يكون مثلا أعلى للذين يأتون بعده إلى أن تقوم الساعة. وقد جاء في القرآن الكريم على لسان نبيه ﷺ : فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ [يونس: ١٦] ، وذلك أنّ الرسول ﷺ ولد فيهم، وترعرع بينهم، ونشأ أمام أعينهم، وعاش بين ظهرانيهم برهة من الدّهر قبل بعثته، فعرفوا أخلاقه كل المعرفة، وجرّبوا عاداته وأعماله، فهو لم يكن فيهم غريبا، ولا خاملا، ولا مجهول الأحوال. والوحي الإلهي في هذه الآية يقدّم حياة الرسول وسيرته الطاهرة قبل البعثة دليلا على نبوّته ﷺ وأنّ رسالته هي من عند الله العظيم؛ ليؤمن به العرب، ويصدّقوه فيما يخبر به، أو يدعو إليه، فإنّهم قد علموا مصبحه وممساه، واختبروا أخلاقه وعاداته من صباه ونعومة أظافره إلى أن شبّ واكتهل، وأعلن نبوّته، وخرج إلى الناس يدعوهم برسالة الإسلام.

стр. 19

الفرق بين دعوة الرسل ودعاوى غيرهم: لقد مضى في سالف الأيام كثير من العظماء، دعوا الناس إلى أن يقتدوا بأخلاقهم وأعمالهم، منهم ملوك جبابرة عاشوا في قصورهم الشامخة بين ندمائهم وجلسائهم وملؤوا القلوب مهابة وجلالة، ومنهم قادة جيوش عاشوا بين ضباطهم وجنودهم، يرهبون الناس، ويخيفونهم بشدّة بأسهم، وضخامة أجسامهم، ورواء هندامهم «١» ، ومنهم حكماء وفلاسفة كانوا إذا نطقوا أبانوا، وإذا خطبوا أبدعوا، ونثروا من درر الحكمة ما شاءت بلاغتهم وطلاقة ألسنتهم، فملكوا القلوب، وبهروا النفوس. وترى بجانب هؤلاء طائفة الشعراء ممّن إذا أنشدوا أطربوا، وإذا رتلت أناشيدهم غلبوا السّامعين على أهوائهم، ولعبوا بالقلوب كيف شاؤوا. وقد خلا كثير من الفاتحين الذين دوخوا البلاد، واستولوا على المماليك، كما مرّ في مواكب التاريخ كثير من المثرين والأغنياء الذين كانت أقدامهم تطأ البسط الناعمة والزرابي «٢» الوثيرة، ويمشون على الحرير الفاخر والإستبرق «٣» الزاهر، اكتنزوا القناطير المقنطرة من الذهب والفضة، واسترعوا أنظار بني آدم بما كانوا فيه من ترف، وعظمة، وسعة. وقد كان هنيبعل القرطاجني «٤» ، والإسكندر المقدوني، وقيصر الروم، ودارا «٥» الفارسي، ونابليون الفرنسي يملأ كلّ منهم عيون بني آدم بعظمته، وأحداث حياته، ومختلف أعماله، وكذلك نجد سقراط، وأفلاطون، وديوجنس «٦» ، وغيرهم من

стр. 20

حكماء اليونان وغير اليونان مثل: سبنسر «١» وأضرابه، تجتذب سيرتهم النفوس، وتروق القلوب، وإن اختلفت مظاهر عظمتهم عن مظاهر عظمة الآخرين ممّن ذكرت أسماءهم قبلهم. فهل ترى في حياة هؤلاء وأولئك ما يضمن فلاح بني آدم؟ ومن منهم تؤدي سيرته ودعوته إلى صلاح الإنسانية وسعادتها؟ إنّ في هؤلاء وأولئك لقادة فتحوا البلاد، ودوّخوا المماليك، واقتحموا أقصى الأرض، وأدناها، وذلّلوا ما اعترض سبيلهم من صعاب، وسخّروا الملوك بظبا سيوفهم. ولكن من منهم ترك لمن أتى بعده أسوة يؤتسى بها في تعميم الخير؟ ومن منهم إذا اهتدى الناس بهديه ينجون من المهالك، ويسلكون سبيل السعادة والهناء؟ ومن من هؤلاء استعملوا سيوفهم البواتر «٢» في قطع حبائل العقائد الفاسدة، وتخليص العقول من الأوهام الواهية والأفكار الباطلة؟ ومن منهم وقف حياته على حلّ معضلات بني آدم، وكان حريصا على عقد أواصر الإخاء بينهم على الحق والتواصي في الخير؟ وهل يوجد في حياة من ذكرنا من هؤلاء العظماء ما يستعين به بنو الإنسان على تخفيف ما يعانونه من الغمرات في حياتهم الاجتماعية؟ أم في أخلاقهم وأعمالهم ما ييسر للإنسانية الشفاء من أمراضها الخلقية وأوصابها النفسية؟ أم في دعوتهم ما يجلو صدأ القلوب ورينها، أو يرتق فتقا في الحياة الاجتماعية؟ لا شكّ أنّ الشعراء نالوا إعجاب الناس بأناشيدهم الرنّانة، وملكوا النفوس، وتصرّفوا فيها بشعرهم البليغ وقصائدهم الغرّ. ولكن هل نعوا الإنسانية وهم يهيمون في أودية الخيال؟ كلّا! ولذلك لم يكن لهم في جمهورية أفلاطون نصيب، ولا منصب. والشعراء- من هوميروس «٣» إلى

стр. 21

امرىء القيس فمن بعده من شعراء الأمم- لم يكن منهم إلا إثارة كامن العواطف، وتنبيه النائم من الأفكار، أو إحداث لذة، أو ألم في النفوس، ولا ينتظر منهم أن يحلّوا معضلات الحياة الإنسانية، وعويصات مشاكلها. وسبب ذلك أنّهم في سيرتهم وأعمالهم لا يقدمون للناس المثل التي تحتذى، والأسوة التي يقتدى بهم فيها. ولقد وصفهم القرآن الكريم الحكيم أصدق وصف عند ما ذكر سيرتهم بقوله: وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ [الشعراء: ٢٢٤- ٢٢٧] وبهذا سجّل القرآن الحكيم على الشعراء أنّهم لا يؤثّرون بشعرهم اللطيف الحلو على المجتمع البشري؛ لأنهم يهيمون في أودية الأفكار والعواطف بلا إيمان، ولا عمل صالح، ولو اجتمعت لهم هاتان الخصلتان- الإيمان والعمل الصالح- لكان لشعرهم أثر بارز في المجتمع البشري، وعلى كلّ فإنهم ليسوا من الإصلاح في شيء، ولا الإصلاح من شأنهم، ولذلك لا يقدرون على القيام بمهمة إصلاح العالم، وقيادة الناس إلى الرشاد الكامل والفلاح الشامل، ويشهد على صدق هذه الحقيقة تاريخ الأمم في غابرها وحاضرها. وكذلك نرى الفلاسفة والحكماء بهروا عقول الناس بفلسفتهم، وحاولوا تغيير تيار الحياة البشرية، فعرضوا على الناس من طريف الأفكار ومستحدث النظريات ما حيّر العقول، وأدهش النفوس، لكنّهم لم يقدّموا للناس من سيرتهم أسوة يؤتسى بها، ولا أناروا ظلمات الحياة بقبس من أعمالهم تتضح به مشاكل الإنسانية، فتتمكن من حلّ معضلاتها. وهذا أرسطو قد وضع في فلسفة الأخلاق قوانين أسّس بنيانها، ووطّد أركانها، ولا تزال الجامعات وأساتذتها عاكفين على دراستها: يلقون المحاضرات على طلبتهم في فلسفته، ونسمعهم يثنون على ثقوب فكره، وبعد نظره،

стр. 22

وحصافة رأيه، ورجاحة عقله، ولكنّنا- والحقّ يقال- لم نجد رجلا اهتدى بدراسة فلسفة أرسطو، أو وصل بها إلى السعادة المنشودة. وكذلك نرى في الكلّيات أفاضل من العلماء، وفحول الأساتذة والمدرسين يعجب الطلبة فصيح كلامهم، وبراعة بيانهم، وبليغ حوارهم، وعذب حديثهم، وهم يؤثّرون فيهم بذلاقة ألسنتهم، واتساق أفكارهم، وترتيب معانيهم، لكنّهم لا تعدو محاضراتهم جدران كلياتهم، وقاعات محاضراتهم، وإذا خرجوا منها أصبحوا كعامّة الناس، لا يمتازون عليهم بعمل تتخذه الإنسانية مثالا يحتذى، ولا بخلق يختلفون به عن غيرهم هديا وسمتا. لقد رأينا على مسرح العالم كثيرا من الملوك الجبابرة الذين حكموا العالم، واستولوا على المماليك، واستعبدوا الأمم. وكم من أرض عمروها، ومدينة دمّروها، وكم وضعوا شعوبا، ورفعوا آخرين، وكم سلبوا، ومنحوا، وضرّوا، ونفعوا، فكانوا في سيرتهم كما قال الله على لسان ملكة سبأ: إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً [النمل: ٣٤] . نعم إنّ السيوف البواتر في أيدي بعض الملوك قد قذفت الرّعب في قلوب المجرمين، فكفّوا عن اقتراف الجرائم علانية، وفي وضح النهار، مستترين وراء مكامن الريب، أو قابعين في بيوتهم. لكنّ سيوف الملوك عجزت عن أن تستلّ الرذائل من قلوب أهلها، وأن تحسم مادة الشرّ في نفوسهم، وأن تطهّر صدورهم من فساد السّرائر، ذلك الفساد الذي يحمل أهله على ارتكاب المعاصي واقتراف السيئات. وأقصى ما يترتّب على رهبة المجرمين والمرجفين من سيف الملوك المسلط عليهم أن يسود الأمن والسّلام سبل البلاد، وأسواق المدن، وشوارعها، وحاراتها، أما إصلاح القلوب، وتهذيب النفوس؛ فمما يخرج عن سلطان السيف، بعجز عن إرادة الملوك. بل الحق- والحقّ أحقّ أن يقال- أنّ رأس كلّ شرّ إنما نجم من قصور بعض الملوك. وإنّ كلّ فساد نبت نابته في فناء حصونهم، بل في قصورهم نبعت عيون الفواحش والجرائم، ومن حصونهم انفجرت ينابيع الظّلم والعدوان، وعلى أيديهم تفاقم كلّ شرّ،

стр. 23

ومن أخلاقهم سرت العدوى إلى أخلاق الناس، ولفساد قلوبهم وسوء أعمالهم اتّسع الخرق على الراقع، حتّى أعيا الأطباء داء المجتمع البشري. وهل خلف لنا الإسكندر المقدوني، وقيصر روما الأعظم مثالا من أعمالهما يصلح المجتمع إذا اقتدى به، وسار على أثرهما فيه؟ وهل نالت حظّا من البقاء والدّوام أيّة سنّة سنّها عظاماء المفكرين للمجتمع البشري من أمثال سولون «١» وغيره من واضعي الشرائع التي يعتبرونها عادلة قيّمة، مع أنّهم أبدعوا فيها ما شاءت لهم أفكارهم الثاقبة، وأنظارهم البعيدة، وقرائحهم المتوقّدة. ولو سأل سائل عن تلك الشرائع القيّمة والقوانين العادلة كم استمرت؟ لما استطاع أحد من أتباعهم وأنصارهم إلا أن يعترف بأن بقاءها كان قصير الأمد، وأنّ نقّادها أكثروا من نقدها، بل شكّ حتى أتباعهم وأنصارهم في نصح أولئك المفكرين، ونقاء سرائرهم، وصفاء قلوبهم، وفي إخلاصهم للإنسانية وللبشر جميعا؛ لأنهم لم يجدوا فيها الحياد الصّادق، والنّصفة المحضة، والعدل الصريح، وبراءة الذمّة من المحاباة، ومن جرّاء ذلك نشأ بعدهم قوم آخرون نبذ حكامهم تلك الشرائع، ومحوها كما يمحو المصححون أخطاء الحروف في الكتابة، ثم شرع هؤلاء الآخرون في سنّ قوانين غيرها تلائم مصالحهم، وتوافق مطامعهم، فجاءت القوانين الجديدة كأختها التي سبقتها غير مراعى فيها حقوق بني آدم كلّهم، ومصالح الأمم بلا استثناء. وفي أيامنا هذه نرى مجالس التشريع في البلاد المتمدينة لا تفتأ تنسخ قوانين كان معمولا بها، وتسنّ بدلا منها قوانين أخرى جديدة، حتى صارت كلّ يوم شريعة تشرّع في مكان شرعية تنسخ، وقانون يسنّ بدلا من قانون يلغى. كل هذا طمعا في بقاء دولة، وتثبيت أركانها، واستيلاء رجالها على مناصبها، ورغبة منهم في زخرف الدنيا وزينتها ونعيمها، لا تحفزهم إلى ذلك مصالح الناس، ولا منافع الأمة كلّها.

стр. 24

سادتي: لقد حدّثتكم عن الطبقة العليا من بني آدم، ممّن يظنّ بهم أنّهم معقد الرّجاء في إصلاح الحياة الاجتماعية وتوجيهها نحو الإرشاد. وقد علمتم من أحوالهم وسيرهم كيف خابت فيهم الآمال، وأخفق الرجاء. والحقّ أنّ كلّ خير ترون له أثرا في بقعة من بقاع الأرض، وكلّ نور يومض «١» في أيّة أمّة حتى لو كان ضئيلا، وكلّ إثارة من صلاح، أو كرم خلق، أو صفاء سريرة وطهارة قلب، فإن ممّا لا ريب فيه أن مردّه في الأصل إلى رسالات الله، أي إلى هداية النبيين ﵈. فإذا وقعت أنظاركم في بقعة من أرض الله على مظهر من مظاهر العدل يسود الناس، أو رحمة في قلوب طائفة يتبادلونها بينهم، أو وجدتم فئة تتعامل بالتواسي ويساعد أيسارهم ذوي فاقتهم، وأقوياؤهم المظلومين منهم، وأهل العافية فيهم يغيثون الملهوفين، ويطعمون الأيتام، ويعولون الأيامى؛ فاعلموا جازمين غير مرتابين بأنّ هذه الفضائل من آثار تعاليم تلك الطائفة الطاهرة التي تسمّى «الأنبياء» صلاة الله وسلامه عليهم. وذلك لأنّ أقطار الأرض كلّها- على سعتها- قد بلغتها دعوة الأنبياء، وطرقت مسامع أهلها سنن هدايتهم، وأحكام تشريعهم، وحكمة رسالتهم، وما من أمّة إلّا وقد أرسل الله فيها رسله منذرين ومبشرين وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ [فاطر: ٢٤] وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ [الرعد: ٧] ولولا الأنبياء لتهارج الناس كالبهائم، ولتهارشوا كالسّباع الضّواري. فحيثما رأيتم شيئا من الصلاح، وقليلا من الخير، أو كثيرا منه؛ فهو من تعاليمهم، وكلّ دعوة للحقّ في مكان ما من الأرض فإنّما هي صدى لرسالات الله. وحتى الهمج في مجال إفريقية، فضلا عن الأمم الغربية المتمدينة، كل أولئك استقوا من منهل النبوات الصّافي، واستضاؤوا بأنوار الله التي بعث بها أنبياءه، ولا يزالون يستنيرون بهم في كل ما يسمّى حقّا، وكل ما تدلّ عليه عناوين الخير.

стр. 25

خلود دعوة الرسل واضمحلال دعاوى غيرهم: إنّ الصفوة المختارة من أهل الطبقة العليا في البشر هم الذين يحكمون القلوب، وتنقاد لسيادتهم النفوس. وأين هؤلاء من الملوك الذين يحكمون الجسوم، ويملكون الأبدان، ويستولون على البلاد؟ أولئك تجري أوامرهم، وتنفذ أحكامهم حيث تخفق القلوب، وإذا كانوا لا يملكون الأسلحة التي يملكها الملوك وأمراء الأجناد، فإنهم يطهّرون الأنفس من آثامها، ويستأصلون الجرائم قبل وقوعها، حيث يجتثون من القلوب جذور الشرور. وإذا لم يكن لهم ما للشعراء من أناشيد يتغنّى الناس بها؛ فإن الأمم لا تزال تستحلي كلامهم العذب، وتستعذب حديثهم الحلو. لا ريب أنّه لم يكن الرسل رؤساء المجالس التشريعية بالمعنى الحديث، لكنّ سننهم، وتشريعاتهم لا تزال- على تطاول الأيام ومضيّ القرون- نافذة بين الطوائف، يقدّسها علية الناس وسفلتهم، وأحكامهم منقوشة على صفحات القلوب، تذعن لها السّوقة والملوك، ويستسلم لها الفقراء، ويخضع لها الأغنياء. إنّ يد الأيام قد عبثت- كما يشهد التاريخ بالراجا (أشوكا) «١» ملك (باتلي باتر) «٢» ولم تبق يد البلى من أوامره وأحكامه إلا صخورا منقوشة، وحجارة منحوتة. أما (بوذا) «٣» فإنه لا يزال يحكم القلوب، وسننه وقوانينه لا يزال كثير من الناس يدينون لها ويطأطئون الرؤوس لحرمتها. وإنّ أوامر ملوك (أجّين) «٤» و (هستابور) «٥» في دهلي

стр. 26

وقنّوج «١» أمست أثرا بعد عين، بل درست آثارهم، وعفت أعلامهم، وأصبحت ديارهم كأطلال خولة، أما (دهرم شاستر) «٢» وهو كتاب العقائد الذي جاء به (منو) فلا زال باقيا نافذا أمره. والملك (حمورابي) من ملوك بابل كان أول من سنّ القوانين، ولكن أين أوامره وأحكامه؟ لقد نسجت عليها العنكبوت منذ زمان طويل، ولم تدع يد البلى من قوانينه وأحكامه شيئا. أما تعاليم نبي الله إبراهيم ﵇ فما برحت غضّة طرّية. وأين فرعون ودعواه أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى [النازعات: ٢٤] ؟ لقد أصبحت أضحوكة! أما نبيّ الله موسى ﵇؛ فإنه يسود نوازع القلوب، ويملك أهواء النفوس، ويدين له كثير من الناس، وتسلم لآياته وبيناته طوائف غير قليلة. وقوانين سولون زال العمل بها وشيكا، بينما التوراة المنزلة من السماء لا تنفكّ أحكامها وقوانينها قسطاس العدل وميزان النصفة. والقانون الرّوماني الذي عدّ عيسى ﵇ جانيا مجرما بمقتضى أحكامه، واعتبره قد اجترح السوء، وأتى ذنبا، قد خلت القرون تسفيه برياحها فأصبح هشيما مضمحلا. أما عيسى ﵇ فإنّ تعليمه لا يزال نورا تجلى به ظلمات القلوب، وهدى تطهر به نفوس المذنبين، وتزكى به أرواح المجرمين. وأين أبو جهل «٣» وكبرياؤه، وأين كسرى الفرس ودولته وجبروته؟ وأين قيصر الروم وحكومته وطغيانه؟ كلّ أولئك قد طوى الدّهر صحائفهم، وطمست الأقدار دولهم، وتهدّم مجدهم، وذهبوا أدراج الرياح، أمّا

стр. 27

محمّد رسول الله ﷺ فإنّ حكمه ما زال ولن يزال باقيا على الدّهر، وأوامره نافذة، وسنته متبعة في كلّ زمان ومكان. ما من طائفة من الناس أصلحت فساد المجتمع إلا الأنبياء: سادتي وأصدقائي: أظنّكم قد استمعتم لما ألقيت عليكم من الأدلة العقلية والبراهين التاريخية، وإخالها قد تركت فيكم أثرا أورث في قلوبكم يقينا بأنّه لم تكن طائفة من الناس أصلحت من فساد الأخلاق، وقوّمت من عوجها، وهذبت النّفوس وهدتها من ضلال البشر مثل الذي قام به الأنبياء ﵈، فهم الذين أصلحوا الحياة الاجتماعية، وعلّموا الناس الاقتصاد في المعيشة والاعتدال في كلّ شيء. وهم الذين أقاموا العدل في الدنيا، وحكموا بالقسط بين الناس، وزكّوا القلوب، وأخذوا بيد الإنسانية إلى الحق والخير، وأنقذوها من حمأة الرذائل. وإنّ الله سبحانه قد بعثهم ليخرجوا الناس من الظلمات- ظلمات العقائد، وظلمات الأخلاق، وظلمات الأعمال- إلى النور: نور الإيمان، ونور الخلق الكريم، ونور العمل الصّالح. وتركوا بعدهم سنة للناس، يتبعها السّوقة، ويعمل بها الملوك، وينتفع بها صغار الناس وكبارهم، ويتمتّع بخيراتها الأغنياء والبؤساء على السّواء. وإن مثل الأسوة بهم كمثل عين ثرّة فيّاضة تروي البلاد، وتسقي العباد، يشرب منها كلّ عطشان بقدر حاجته، ويرتوي بمائها العذب الزلال كلّ ظمان، فينقع غلّته وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣) وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكلًّا فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ (٨٦) وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧) ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨) أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ (٨٩) أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [الأنعام: ٨٣- ٩٠] .

стр. 28

ترون في هذه الآيات ذكر طائفة خاصّة، وسمّي فيها بعض الذين بعثهم الله لهداية الناس، وفوّض إليهم أمر إصلاح المجتمع: فهم الشّفاء لمرضى القلوب، وبهم البرء لسقام النفوس، وهم هداة الغاوين، الآخذون على أيدي الطغاة، والمرشدون لأهل البغي، والناهون عن المنكرات، وهم الطائفة المقدّسة التي عمّ هديها، وجاد غيثها جميع أنحاء المعمورة، فاستضاء الناس كلّهم بنور هؤلاء الرسل في مختلف الأزمنة وشتّى العصور. وإنّ الذي نراه في الأمم من الخير والصلاح، وكرم الخلق، وحسن العمل، وطهارة السيرة، وعلوّ النفس، وزكاء الرّوح، ونزاهة القلب، إنّما هو قطرة من بحر تعاليم الأنبياء ﵈، ولمحة من جمال شرائعهم، وأثارة من بركات سيرتهم. وإنّ الإنسانية القلقة المتألمة لا تزال تفتقد آثارهم، وتحرص على اتباع سننهم، ليذهب بذلك روعها، ويطمئنّ قلبها، فتقر الحياة الاجتماعية، وتجد بعض راحتها. ولو أنّ الناس اتبعوا سنن الأنبياء، واستقاموا على الطريق الذي دلوهم عليه؛ لساد الوئام بين الأمم، وعمّ السلام في العالمين. لقد كان الأنبياء جميعا على خلق عظيم، وقد أوتوا من حميد الخصال، ومعالي الأخلاق ما لم يؤت أحد غيرهم مثله. غير أنّ منهم من تجلّى فيه خلق من الأخلاق، فكان فيه أبرز من غيره وأظهر، فنبيّ الله نوح كان متحمسا في تبليغ الدّين، وإبراهيم كان شديد العناية بأمر التوحيد، وورثه في ذلك إسحاق، وحبب الإيثار إلى إسماعيل، وجاهد موسى جهادا عظيما، وآزره في الحق أخوه هارون، وظهرت الإنابة والاعتراف بالخطأ في يونس، وكان لوط مجاهدا، وغلب على يعقوب التسليم والرضا بأمر الله، وكان داود يرثي للحقّ وخذلانه، وامتلأ قلب سليمان بالحكمة، وكان زكريا متعبدا، وتجلّى في يحيى العفاف، وطهارة النفس، أما عيسى فكان مظهر الزّهد في الدّنيا والرّغبة عن زهرتها، وكان أيوب صبورا على الآلام. وهذه الخصال العالية والأخلاق الفاضلة هي التي يتشرّف بها العالم، وتسعى الأمم للتحلّي بها، وحيثما وجدتم من هذه الخصال

стр. 29

الحميدة والفضائل النبيلة أثرا؛ فكونوا على يقين بأنها من نفثات أولئك الأنبياء، ومن آثار تعليمهم. إنّ تقدّم المدنيّة الصّالحة، وتوفير عوامل الهناء والرّغد للنّاس، وبلوغ الإنسانية مقام الشّرف، قد ساهمت فيه جميع الطوائف التي اشتركت في عمارة العالم: فعلماء الهيئة اكتشفوا للناس نظام سير الكواكب، والحكماء دلّوا على خواص الأعمال وتأثيرها في الأخلاق، ووصف الأطباء النّطاسيّون خواص العقاقير وتأثير الأدوية في الأدواء، وتفنّن المهندسون في تشييد المباني ومرافقها، وإقامة القصور ومعالمها، وعقدوا على الأنهار القناطر والجسور، واتّسع أهل الصناعات في تنويعها، وإتقانها، وتيسير الأعمال للعمال، فكان من مجموع هذه الجهود عمارة الأرض، ولكلّ فريق من أصحاب هذه الجهود يد في اكتمال المدنية، وتقدّم الحضارة، ونحن نذكر لهم ذلك بالثناء والشكر، غير أننا لا نستطيع أن ننسى أنّ أنبياء الله وحملة رسالاته هم الذين غمرونا بالمنن العظمى؛ لأنّهم عملوا لإصلاح فساد القلوب، واستئصال كوامن الشرور، وتطهير النفوس، وتزكيتها من الأهواء الفاسدة، والأطماع السافلة، والميول المهلكة، فنهجوا بذلك منهج السعادة للحياة الاجتماعية، وبيّنوا للناس ما تعلو به نفوسهم، وما تسفل به، وما تكون به شريفة أو منحطة، فكملت الثقافة الإنسانية برسالاتهم، وبلغت الحضارة بذلك مبلغ الكمال، وتيسّر للمجتمع البشري أن يكون صالحا إذا شاء، وقد أصبح من المتعارف عند الناس أنّ الأخلاق الفاضلة، والسيرة الطاهرة هي شرف الإنسانية ومجدها، ومكارم الأخلاق، ومحاسن العوائد أصل الإنسانية وجوهرها. وبتعاليم الأنبياء توثّقت العلاقة بين الخلق وخالقه، وحسنت الرابطة بين العبد ومولاه، فتذكّر الإنسان عهده الأزليّ الذي أخذه على نفسه لربه، ولولا الأنبياء، وتعاليمهم، وتجليتهم أسرار النفوس، وكشفهم عن غرائز الفطرة الإنسانية، وما يسعد به المرء أو يشقى؛ لم تبلغ الإنسانية ما بلغته، ولذلك كانت الإنسانية مثقلة بمنن الرسل سلام الله عليهم، فإنّ لهم علينا من الأيادي البيضاء ما لا كفاء له. ومن عرف هذا عرف معه ما يجب لأنبياء

стр. 30

الله جميعا من الشكر العظيم على كلّ فرد من أفراد البشر مهما كانت الطائفة التي تنتسب إليها، وهذا الشكر هو الذي نعبّر عنه نحن المسلمين بالصّلاة عليهم والتسليم لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ [البقرة: ٢٨٥] ونجهر بذلك، ونعلنه كلّما سمي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. إنّ الهداية والدّعوة لا تثمر ولا تبقى إلا بالقدوة والأسوة: أيها السادة: إنّ هؤلاء الأنبياء بعثوا في أعصار خاصّة، فبلّغوا رسالات الله، ثم مضوا، ولا بقاء لشيء في هذه الدّنيا الفانية، وإن سيرهم مهما تكن طاهرة مقدّسة فإنه لم يتح لها البقاء والدّوام؛ لأنّ يد الأيام قد عبثت بها كما تعبث بكل جديد فتحيله قديما، ثم تجعله رمادا تذروه الرياح. ومن المعلوم أنّ الذي يبقى لمن يأتي بعدهم من بني آدم هو المكتوب فيه سيرهم وهداهم، وهو الذي يصف حياتهم، ويمثّل أخلاقهم، والكتابة هي التي تحصي الأعمال، والأخلاق، وتعصمها من أيدي البلى، ولولاها لم تصل إلينا علوم القرون الخالية، وحكمتها، وفنون الأمم الماضية، وأفكارها، وشؤون الأقوام السّالفة وأخبارها، وما التاريخ إلا سير الرجال وشؤون الحياة الإنسانية ممّا حفظته الكتابة، وصانته من يد الضياع. وإنّ لحياة الإنسان نواحي شتّى، ومن المحتمل أن يعتبر الإنسان- في ناحية من نواحي حياته- بكلّ حادثة حدثت فيما مضى، لكنّ حياة الإنسان الخلقية والروحانية لا تكمل كمالها، ولا تبلغ مرادها، ولا تزكو زكاءها إلا بسنن الأنبياء، وهداهم، واقتفاء آثارهم، والتخلّق بأخلاقهم، ولن يذهب ظمأ الإنسانية فتروي غلّتها إلا بمنهل من سلسبيل هؤلاء الرسل، ولا يرجى خير العالم وصلاحه إلا إذا عمل أهله الأعمال التي هدى إليها الأنبياء، ودعوا إليها وحضّوا عليها؛ لأجل ذلك كان أهمّ الفرائض على أبناء الإنسانية حفظ سيرهم، وإحصاء أخلاقهم، لتبلغ مبلغ الكمال وتزكو زكاءها. إنّ نظرية مهما تبلغ من الصحّة، ودقّة الفكر، وإنّ تعليما مهما يكن رائقا، ويقع من الناس موقع الإعجاب، وإنّ هداية مهما تجمع من صنوف الخير، كلّ أولئك لا يغني غناء، ولا يثمر ثمرة، ولا يبقى على الدّهر إلا

стр. 31

إذا كان له من يمثّله بعمله، ويدعو إليه بأخلاقه وفضائله، ويعرفه إلى الناس بالقدوة والأسوة، فيقتدي الناس بدعاته من طريق العمل بعد العلم، معجبين بسجايا هؤلاء الدّعاة، معظمين لأخلاقهم، مكرمين طهارة قلوبهم، وزكاة نفوسهم، وسجاحة أخلاقهم، ورجاحة عقولهم، وحصافة آرائهم، وسداد أفكارهم. وأقصّ عليكم قصة: إنّ الباخرة (كروكوديا) التي ركبناها في عودتنا من مصر والحجاز في أوائل شهر رجب سنة ١٣٤٢ هـ (شباط ١٩٢٤ م) اجتمعنا فيها عرضا بالدكتور طاغور «١» الشاعر الذائع الصيت، وكان قافلا من سياحته في أمريكا، فسأله بعض رفقته: «ما بال نحلة (برهمو سماج) «٢» أخفقت في مساعيها ولم تنجح، مع أنها أنصفت الأديان، وجمعت الحسنات، وسالمت جميع الملل، ومن مبادئها وأصولها: أنّ الدّيانات كلّها على حق، وأن جميع المصلحين من الأنبياء والرسل والهداة هم خيار الناس وصلحاؤهم، ثم إنّها ليس فيها ما يخالف العقل أو يعارض المدنية الحاضرة أو يناوىء الفلسفة الحديثة، وصاحب هذه النحلة قد راعى فيها الظروف الراهنة والشؤون المألوفة الآن، ومع ذلك كلّه لم تنل من الفوز شيئا، ولم يتح لها من النجاح قليل ولا كثير؟!» وقد أحسن الشاعر في جوابه على هذا السؤال كلّ الإحسان؛ إذ قال: «إنّ النّحلة لم يكن لها داعية يدعو الناس إليها بسيرته الكاملة، وهديه العالي، ولم يكن لها لسان يدعو مؤيدا بعمل يصدقه، فتهوي إليه أفئدة الناس، وتطمح إليه أبصارهم، ويكون لهم من الدعاة أسوة يأتسون بها، وقدوة يقتدون بها» . وكلام طاغور هذا يدلّ على أنّ الدّين لا ينجح، ويعلو، وينتشر إلا بسيرة النّبيّ الذي بعث به، بما عرفه الناس عنه في شؤون حياته، في أخلاقه، وأعماله. وبالجملة: إنّ الجنس الإنسانيّ يحتاج أشدّ الحاجة- في بلوغه الكمال وسلوكه سبيل الرشاد- إلى هداة ودعاة طهرت

стр. 32

حياتهم، وزكت نفوسهم، وصفت قلوبهم من وصمات الذنوب، وشبهات الآثام، وتكون سيرهم كاملة في كلّ ناحية من نواحي الحياة الإنسانية، ولم يجتمع ذلك إلا في أنبياء الله صلوات الله عليهم وسلامه.

стр. 33

المحاضرة الثانية السّيرة المحمّديّة هي العامّة الخالدة

стр. 34

سادتي! هذا اليوم هو اليوم الثاني لحفلتنا هذه. وليكن ما سلف في اليوم الأول على ذكر منكم. وخلاصة ما ذكرت أمس: أنّ ظلمات الأيام المقبلة لا تنجلي إلا بنور من مضى من طوائف المصلحين؛ الذين أحسنوا إلى الإنسانية أيّ إحسان، ولهم جميعا علينا الشكر الجميل، ونخصّ منهم الأنبياء، فإنّهم أسدوا إلى البشر من الجميل ما لم تسده طائفة من المصلحين، فيجب علينا أن نضاعف الشكر لهم، ونعترف بجميلهم، وإحسانهم؛ إذ أنّ كلّ واحد منهم قدّم لأمته من سيرته الطاهرة، وخلقه العظيم، وهديه العالي ما كانت به الأسوة الكاملة التي لا تتأتّى من غيره: فمنهم من صبر على الرزايا، والنوائب، والآلام أعظم صبر وأكمله، فكان أسوة للصّابرين في الضّراء والشّدة، ومن سيرة بعضهم خلق الإيثار، فكان إيثاره مثالا لأمته، ومنهم من اختار مرضاة الله مقدّما نفسه قربانا وأضحية، فكان المثل الأعلى لأمته في إيثار مرضاة الله حتّى على بقاء مهجته، وحفظ حياته. لقد ظهر للناس في سيرة الذين حملوا رسالات الله عند تبليغهم عقيدة التوحيد الإلهي ما كان موضع العجب من العزيمة، والحميّة، والتسليم لأمر الله، والعفّة عن المنهيّات، والزهد في زهرة الحياة الدّنيا، وما كان ولا يزال مثلا أعلى في هذه الفضائل العظمى، ومنارا للسائرين في ظلمات الحياة، وكم من ظلمة في الحياة قد ضلّ بها من ضلّ، ثم أتى على البشر زمان كان فيه بأشدّ الحاجة إلى الهادي الكامل يضيء له الطريق كلّه بقوله، وعمله، ويجلو الدّجى «١» - دجى العقائد، والأعمال، والأخلاق- بنور تعاليمه، وضوء سيرته، وجمال خلقه، وكمال نفسه، فتكون حياته نبراسا بأيدي الناس، فمن اقتبس منه في يمينه سار في ظلمات الحياة آمنا مطمئنا، لا يخاف الزلّة، ولا يخشى العثرة حتى يبلغ غايته، وإنّ ذلك

стр. 35

الهادي الأعظم هو آخر الهداة، وخاتم النبيين الذي لم يرسل بعده رسول، ولن يرسل: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (٤٥) وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً [الأحزاب: ٤٥- ٤٦] . إنّ محمدا ﷺ شهد في هذا العالم تعليم الله وهدايته، وبشّر الصّالحين بالنجاح والفلاح، فهو مبشر. وقد نادى الغافلين، وأسمع الصمّ، وحذر المذنبين عاقبة ذنوبهم، وأنذر المشرفين على الهلاك، وأيقظ النائمين، فهو منذر. وقد دعا إلى الله من ضلّ عن سبيله، فهو داع. وإن هو إلا نور يستضاء به إلى يوم القيامة، ونبراس يستنار بأشعته في شعاب الحياة الملتوية، فتنكشف به الظّلمات المتراكمة، فهو السّراج المنير إلى الأبد. نعم إنّ جميع الأنبياء كانوا شهداء، ودعاة، ومبشرين، ومنذرين، بيد أنّ هذه الصفات لم تكن سواسية في جميع الرّسل، بل كان بعضها في بعضهم أظهر من أخواتها، فكان يعقوب، وإسحاق، وإسماعيل ﵈ قد غلبت عليهم صفة الشهادة وكانوا شهداء الحقّ، وغلبت على إبراهيم، وعيسى صفة التبشير، فكانا مبشّرين. ومن الأنبياء من غلب عليه وصف الإنذار لمن خالف الحقّ وجحده، فكانوا منذرين، كنوح، وموسى، وهود، وشعيب. ومنهم من غلب عليه صفة الدّعوة إلى الحق، وامتاز بها أكثر ممّا امتاز بسائر النعوت الآخرى، كيوسف، ويونس عليهم الصلاة والسلام جميعا. وأما من كان جامعا لهذه الصفات كلّها، واتصف بها جميعا، فكان مبشرا، ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه، وسراجا منيرا، وكانت حياته ملأى بهذه النعوت، والشؤون، وسيرته ممتازة بهذه الخصال والخلال؛ فهو النبيّ الجامع محمد ﷺ ؛ لأنه بعث ليختم الله به النبيين والنبوّات، فأعطي الرسالة الأخيرة ليبلغها إلى البشر كافّة، فجاء بالشريعة الكاملة؛ التي لا يحتاج البشر معها إلى غيرها، ولم تنزل من السماء إلى الأرض شريعة على قلب بشر بعد هذه الشريعة. لقد حظيت التعاليم المحمدية بالخلود، واختصّت بالبقاء والدوام إلى يوم القيامة، فكانت نفس محمد ﷺ جامعة لجميع الأخلاق العالية، والعادات السنيّة، وقد بعث ليتمّم مكارم الأخلاق.

стр. 36

السيرة المحمّدية هي السيرة التاريخيّة: إخواني! أنا لا أقول ما أقول جزافا وادّعاء منّي لأجل عقيدة لي خاصّة أعتقدها، وإنما هي حقيقة يشهد لها التاريخ، وتؤيدها البراهين، والدّلائل، وإنّ السيرة التي يحقّ لصاحبها أن يتّخذ الناس من حياته أسوة حسنة، ومثلا أعلى، يشترط لها قبل كل شيء أن تكون سيرة «تاريخيّة» ، أما السيرة القائمة على أساطير، وأحاديث خرافة، لا تدعمها الروايات الموثوق بصحّتها؛ فإنّ من طبيعة الإنسان ألايتأثر بما يحكى له من سيرة لشخصية مفترضة، لا يعرف لها التاريخ أصلا صحيحا، وإنّما اختلق لها المناقب أناس أحسنوا الظنّ بها، فرفعوا مكانها، وقد يخدعون بهذه المناقب بعض الناس أمدا قصيرا حين يعرضونها عليهم في حلّة قشيبة من الألفاظ، وثوب قشيب «١» من العبارات، ثم لا تلبث الحقيقة أن تظهر من وراء غلائل الأوهام، فيعرض الناس عنها إعراضا؛ لأنها قامت على غير أساس من التاريخ. إذا فلا بدّ لكلّ سيرة من سير الكمال الإنسانيّ يدعى الناس إلى الاقتداء بها، واتخاذها أسوة أن يدعمها التاريخ، ويشهد لها المحقّقون، ولهذا نرى النفوس البشرية لا تتأثر بالأساطير والأوهام كتأثرها بحوادث التاريخ والروايات الثابتة عن الثقات الأثبات، وذلك لأنّ سيرة الرجل العظيم الكامل لا تعرض على الناس ليشغلوا بها أوقات فراغهم ويروّحوا بها عن أنفسهم في حالة الملل أو الضجر، بل تعرض عليهم ليدعوا إلى الاقتداء بها واتخاذها نبراسا لحياتهم يسيرون على ضوئها في ظلمات الحياة لاقتحام العقبات، وكم من عقبة تعترض الإنسان في حياته، فيحتاج إلى من يسير أمامه ليأخذ بيده في اجتيازها، فإن لم تكن الشخصية تاريخية كيف يدعى الناس إلى الاقتداء بها، وهي في الواقع مفترضة، والمناقب التي تذكر عنها من الأساطير والأوهام؟! نحن معشر المسلمين نؤمن برسالات الله كلّها وبجميع الرسل،

стр. 37

ونعظمهم بلا استثناء، مع علمنا بأنّهم متفاضلون* تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ [البقرة: ٢٥٣] ، وأنّ الدوام والبقاء لم يتح إلا لسيرة آخر المرسلين وخاتم النبيين محمد ﷺ ، أمّا غيره من الأنبياء فلم تختم النبوة بأحد منهم، ولم تكن سيرتهم خالدة، بل ولا محفوظة، وقد أرسلوا إلى أممهم خاصّة، وإلى زمن خاصّ بأجل مسمّى، فكانت حياتهم أسوة للذين أرسلوا إليهم في عهدهم، ثم نسيت تلك السيرة، وامّحت بكرّ الليالي ومرور الأيام، وقد جاء في رواية إسلامية أنّ الله أرسل من الأنبياء عشرين ألفا ومئة ألف. إنّه ما من بلاد، ولا أمّة قبل مبعث محمد ﷺ إلا جاء فيهم نبيّ، وإذا كان عدد الأنبياء على ما في تلك الرواية الإسلامية عشرين ألفا ومئة ألف؛ فكم نبيا منهم نعرف أسماءهم؛ هل نعرف من سيرتهم كثيرا أو قليلا؟! سيرة متبوعي الهنادك ليست تاريخيّة: إنّ من أقدم الأمم عهدا هنادك الهند كما يدّعون، وهم ليسوا بمسلمين، وفي تاريخهم مئات من العظماء والنابهين، فهل يؤيد التاريخ سيرة أحد منهم؟ إن التاريخ لا يستطيع ذلك، وكثير منهم لا يعرف الناس من شؤون حياتهم وحقائق أحوالهم إلا أسماءهم، وهم لا يحظون في كتب التاريخ بمكانة، وإنّما تعدّ سيرتهم من علم الأساطير، وخرافات الوثنية. ومن أحظاهم تاريخا، وأحسنهم سمعة رجال «مهابهارتا وراماينا» «١» وأبطالها، ومع ذلك فإنّ سيرة أولئك الرجال لا تعدّ من التاريخ، بل لا يعرف التاريخ زمانهم، فضلا عن أن تتعيّن في الزّمان قرونهم، أو تعرف من قرونهم سنوات حياتهم. لقد درس بعض علماء أوربا تاريخ الهند القديم درسا متواليا، وقاسوا له أقيسة، وذهبوا في ذلك شوطا بعيدا، فصاروا يعيّنون عهد عظاماء الهنادك

стр. 38

وأبطالهم تعيينا، يرى علماء الهنادك وفضلاؤهم أنّه مجازفة، ورجم بالغيب، وأكثر المحققين من علماء أوربا لا يعدّون ذلك من التاريخ، بل لا يعترفون بأنّ هؤلاء قد وجدوا في العالم يوما ما، أو كان لما حيك حولهم من أساطير شبه وجود. وإن «زردشت» صاحب المجوسية لا يزال معظّما عند كثير من أتباعه، لكنّ التاريخ لم يكشف الحجاب عن وجوده الحقيقي بعد، فهو لا يزال سرّا غامضا من أسرار التاريخ، حتى شكّ بعض المؤرخين من الأمريكيين والأوربيين في نفس وجوده، أما المستشرقون الذين يعترفون بوجوده التاريخيّ؛ فإنّهم يثبتون بعض شؤون حياته بظنون متباينة، وأوهام متباعدة إثباتا لا يروي غلّة، ولا يشفي علّة، فكيف يستطيع أحد أن يطمئن إلى اتخاذ حياة زردشت أسوة لنفسه في الحياة مادام الشكّ وتضارب الآراء يحومان حوله زمانه، وبلده، ونسبه، وأسرته، وشريعته، ودعوته، وكتابه، ولغته، وعام وفاته، ومكان موته، والروايات عن ذلك أوهام، وأقيسة، وظنون لا تغني من الحقّ شيئا. ومع ذلك فإنّ المجوس ليس لهم سبيل إلى معرفة هذه الأمور المرتاب فيها إلا ما زعمه بعض المستشرقين والباحثين من أهل أمريكا وأوربا، وإنّ علم المجوس الأصلي بنبيهم وحياته وسيرته لا يعدو ما في «الشاهنامة» للفردوسي، ومن ذا الذي يعذرهم فيما يعتذرون من أن كتبهم الدّينيّة قد ذهبت بها حروبهم مع اليونانيين، وأنّ أعداءهم أبادوها. ونحن ليس من غرضنا إلا أن نثبت أنّها غير موجودة ولا معلومة، ولا يهمّنا كيفية انعدامها، وزوالها، وهذا يدل على أنّ حياة زردشت لم تنل حظّ الدّوام والبقاء حتى أنكر أمثال Kern «١» و «٢» Dermeletes وشخصية زردشت، ووجوده التاريخي.

стр. 39

سيرة بوذا ليست تاريخيّة: ودين (بوذا) أقدم الأديان، وأوسعها نطاقا، وأكثرها انتشارا في سالف الأيام، وكان له سلطان على الهند، والصين، وآسيا الوسطى، وأفغانستان، وتركستان، ولا يزال إلى الآن في سيام، والصين، واليابان، وتبت، وإنما تقلص ظله وعفي أثره في الهند على أيدي البراهمة، وزال عن آسيا الوسطى بغلبة الإسلام، لكنّه ما برح موجودا في آسيا القصوى تحت ظلّ دولة قويّة ذات مدنيّة وثقافة ناضرتين، وهي اليابان التي لم تخضع بعد لأجنبيّ، ولم يفتح بلادها فاتح «١» . ولسائل أن يسأل: هل يقيم التاريخ وزنا لوجود بوذا؟ وهل يقدر مؤرخ على أن يعرض للناس صورة حقيقية لتاريخه؟ وهل يستطيع كاتب أن يصف ظروفه، وأحواله التي كان عليها في حياته وصفا كاملا لا يغادر شيئا من تحديد زمن ميلاده، ووطنه، وأصول دينه، كما دعا هو إليه، ومبادىء دعوته وأهدافها؟ الذي نعلمه أن ذلك كلّه محجوب عن علم الناس بظلمات كثيفة متراكمة، وكلّ ما أمكن للباحثين أنهم حاولوا تعيين زمان وجوده بحوادث راجوات بلاد (مكده) ولم يكن لهم سبيل سوى ذلك، وتسنّى لمؤرخ أن يقارن زمن هؤلاء الراجوات بملوك اليونان الذين كانت بينهم وبين راجوات عدّة روابط. الذي نعلمه عن كونفوشيوس أقلّ من الّذي نعلمه عن بوذا: وأما دين الصين فلم نعلم عنه إلا قليلا بطريق الحدس، ولم يصل العلم إلى شيء يقينيّ عنه. و (كونفوشيوس) «٢» صاحب النّحلة المعروفة في الصين نعلم عنه أقل مما نعلم عن بوذا، مع أن المنتسبين لطريقته الدينية يبلغ عددهم مئات الملايين.

стр. 40

والأمم السّامية بعث فيها مئات من الرّسل، لكن التاريخ لم يحفظ لنا عنهم إلا أسماء بعضهم، ولا نعلم عن هؤلاء الرسل- من نوح، وإبراهيم، وهود، وصالح، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، وزكريا، ويحيى ﵈ إلا بعض سيرهم، وقليلا من صفحات حياتهم، والذي نعلمه من ذلك لا يكاد يروي غلّة أو يشفي علّة. وحياة العظماء لها نواح وأطراف، وتتخلّلها شعاب وعقبات في أطوار وأدوار. ومادام الذي غاب عن علمنا من ذلك أكثر بكثير من الذي عرفناه، فكيف يتسنّى لمن شاء أن يتّخذ من سيرتهم أسوة كاملة لحياته في جميع أطوارها، وهو لم يبلغه من سيرهم إلا قليل؟ شكوك العلماء المحقّقين في كثير من سير أنبياء بني إسرائيل: إن أسفار اليهود التي تضمنت سير هؤلاء الأنبياء قد خالج المحققين من العلماء ضروب من الشكّ في كلّ سفر من هذه الأسفار، على أننا إذا ضربنا صفحا عن هذه الشكوك نرى سير هؤلاء النبيين في تلك الأسفار ناقصة، مثال ذلك أحوال موسى المذكورة في أسفار التوراة، إنّ مؤلفي «دائرة المعارف البريطانية» أنفسهم توصلوا إلى تحقيق أنّ هذه الأسفار دونت، وجمعت بعد موسى ﵇ بقرون كثيرة، زد على ذلك أنّ التوراة الموجودة فيها لكلّ حادثة روايتان مختلفتان، وحكايتان متباينتان، كما حقّق ذلك بعض علماء الألمان، وربما دفع بعض هذه الروايات بعضا فتعارضت أولاها بأخراها، ونحن نواجه الوصف المتعارض في سير الرجال والحوادث جميعا، ومن أراد أن يزداد علما بهذا الموضوع فليراجع مادة (بايبل) في الطبعة الأخيرة من دائرة المعارف البريطانية «١» ، وإذا كان الأمر كذلك فبأيّ منزلة من التاريخ ننزل حوادث العالم من آدم إلى موسى ﵉؟ وكيف نقدّر قدر التاريخ الصّحيح الثابت في هذه الأمور.
следующие страницы →