← Сира

Сира · id 9821

الرسالة المحمدية

سليمان الندوي

Полный текст (224 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

السيرة المحمّدية هي السيرة التاريخيّة: إخواني! أنا لا أقول ما أقول جزافا وادّعاء منّي لأجل عقيدة لي خاصّة أعتقدها، وإنما هي حقيقة يشهد لها التاريخ، وتؤيدها البراهين، والدّلائل، وإنّ السيرة التي يحقّ لصاحبها أن يتّخذ الناس من حياته أسوة حسنة، ومثلا أعلى، يشترط لها قبل كل شيء أن تكون سيرة «تاريخيّة» ، أما السيرة القائمة على أساطير، وأحاديث خرافة، لا تدعمها الروايات الموثوق بصحّتها؛ فإنّ من طبيعة الإنسان ألايتأثر بما يحكى له من سيرة لشخصية مفترضة، لا يعرف لها التاريخ أصلا صحيحا، وإنّما اختلق لها المناقب أناس أحسنوا الظنّ بها، فرفعوا مكانها، وقد يخدعون بهذه المناقب بعض الناس أمدا قصيرا حين يعرضونها عليهم في حلّة قشيبة من الألفاظ، وثوب قشيب «١» من العبارات، ثم لا تلبث الحقيقة أن تظهر من وراء غلائل الأوهام، فيعرض الناس عنها إعراضا؛ لأنها قامت على غير أساس من التاريخ. إذا فلا بدّ لكلّ سيرة من سير الكمال الإنسانيّ يدعى الناس إلى الاقتداء بها، واتخاذها أسوة أن يدعمها التاريخ، ويشهد لها المحقّقون، ولهذا نرى النفوس البشرية لا تتأثر بالأساطير والأوهام كتأثرها بحوادث التاريخ والروايات الثابتة عن الثقات الأثبات، وذلك لأنّ سيرة الرجل العظيم الكامل لا تعرض على الناس ليشغلوا بها أوقات فراغهم ويروّحوا بها عن أنفسهم في حالة الملل أو الضجر، بل تعرض عليهم ليدعوا إلى الاقتداء بها واتخاذها نبراسا لحياتهم يسيرون على ضوئها في ظلمات الحياة لاقتحام العقبات، وكم من عقبة تعترض الإنسان في حياته، فيحتاج إلى من يسير أمامه ليأخذ بيده في اجتيازها، فإن لم تكن الشخصية تاريخية كيف يدعى الناس إلى الاقتداء بها، وهي في الواقع مفترضة، والمناقب التي تذكر عنها من الأساطير والأوهام؟! نحن معشر المسلمين نؤمن برسالات الله كلّها وبجميع الرسل،

стр. 37

ونعظمهم بلا استثناء، مع علمنا بأنّهم متفاضلون* تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ [البقرة: ٢٥٣] ، وأنّ الدوام والبقاء لم يتح إلا لسيرة آخر المرسلين وخاتم النبيين محمد ﷺ ، أمّا غيره من الأنبياء فلم تختم النبوة بأحد منهم، ولم تكن سيرتهم خالدة، بل ولا محفوظة، وقد أرسلوا إلى أممهم خاصّة، وإلى زمن خاصّ بأجل مسمّى، فكانت حياتهم أسوة للذين أرسلوا إليهم في عهدهم، ثم نسيت تلك السيرة، وامّحت بكرّ الليالي ومرور الأيام، وقد جاء في رواية إسلامية أنّ الله أرسل من الأنبياء عشرين ألفا ومئة ألف. إنّه ما من بلاد، ولا أمّة قبل مبعث محمد ﷺ إلا جاء فيهم نبيّ، وإذا كان عدد الأنبياء على ما في تلك الرواية الإسلامية عشرين ألفا ومئة ألف؛ فكم نبيا منهم نعرف أسماءهم؛ هل نعرف من سيرتهم كثيرا أو قليلا؟! سيرة متبوعي الهنادك ليست تاريخيّة: إنّ من أقدم الأمم عهدا هنادك الهند كما يدّعون، وهم ليسوا بمسلمين، وفي تاريخهم مئات من العظماء والنابهين، فهل يؤيد التاريخ سيرة أحد منهم؟ إن التاريخ لا يستطيع ذلك، وكثير منهم لا يعرف الناس من شؤون حياتهم وحقائق أحوالهم إلا أسماءهم، وهم لا يحظون في كتب التاريخ بمكانة، وإنّما تعدّ سيرتهم من علم الأساطير، وخرافات الوثنية. ومن أحظاهم تاريخا، وأحسنهم سمعة رجال «مهابهارتا وراماينا» «١» وأبطالها، ومع ذلك فإنّ سيرة أولئك الرجال لا تعدّ من التاريخ، بل لا يعرف التاريخ زمانهم، فضلا عن أن تتعيّن في الزّمان قرونهم، أو تعرف من قرونهم سنوات حياتهم. لقد درس بعض علماء أوربا تاريخ الهند القديم درسا متواليا، وقاسوا له أقيسة، وذهبوا في ذلك شوطا بعيدا، فصاروا يعيّنون عهد عظاماء الهنادك

стр. 38

وأبطالهم تعيينا، يرى علماء الهنادك وفضلاؤهم أنّه مجازفة، ورجم بالغيب، وأكثر المحققين من علماء أوربا لا يعدّون ذلك من التاريخ، بل لا يعترفون بأنّ هؤلاء قد وجدوا في العالم يوما ما، أو كان لما حيك حولهم من أساطير شبه وجود. وإن «زردشت» صاحب المجوسية لا يزال معظّما عند كثير من أتباعه، لكنّ التاريخ لم يكشف الحجاب عن وجوده الحقيقي بعد، فهو لا يزال سرّا غامضا من أسرار التاريخ، حتى شكّ بعض المؤرخين من الأمريكيين والأوربيين في نفس وجوده، أما المستشرقون الذين يعترفون بوجوده التاريخيّ؛ فإنّهم يثبتون بعض شؤون حياته بظنون متباينة، وأوهام متباعدة إثباتا لا يروي غلّة، ولا يشفي علّة، فكيف يستطيع أحد أن يطمئن إلى اتخاذ حياة زردشت أسوة لنفسه في الحياة مادام الشكّ وتضارب الآراء يحومان حوله زمانه، وبلده، ونسبه، وأسرته، وشريعته، ودعوته، وكتابه، ولغته، وعام وفاته، ومكان موته، والروايات عن ذلك أوهام، وأقيسة، وظنون لا تغني من الحقّ شيئا. ومع ذلك فإنّ المجوس ليس لهم سبيل إلى معرفة هذه الأمور المرتاب فيها إلا ما زعمه بعض المستشرقين والباحثين من أهل أمريكا وأوربا، وإنّ علم المجوس الأصلي بنبيهم وحياته وسيرته لا يعدو ما في «الشاهنامة» للفردوسي، ومن ذا الذي يعذرهم فيما يعتذرون من أن كتبهم الدّينيّة قد ذهبت بها حروبهم مع اليونانيين، وأنّ أعداءهم أبادوها. ونحن ليس من غرضنا إلا أن نثبت أنّها غير موجودة ولا معلومة، ولا يهمّنا كيفية انعدامها، وزوالها، وهذا يدل على أنّ حياة زردشت لم تنل حظّ الدّوام والبقاء حتى أنكر أمثال Kern «١» و «٢» Dermeletes وشخصية زردشت، ووجوده التاريخي.

стр. 39

سيرة بوذا ليست تاريخيّة: ودين (بوذا) أقدم الأديان، وأوسعها نطاقا، وأكثرها انتشارا في سالف الأيام، وكان له سلطان على الهند، والصين، وآسيا الوسطى، وأفغانستان، وتركستان، ولا يزال إلى الآن في سيام، والصين، واليابان، وتبت، وإنما تقلص ظله وعفي أثره في الهند على أيدي البراهمة، وزال عن آسيا الوسطى بغلبة الإسلام، لكنّه ما برح موجودا في آسيا القصوى تحت ظلّ دولة قويّة ذات مدنيّة وثقافة ناضرتين، وهي اليابان التي لم تخضع بعد لأجنبيّ، ولم يفتح بلادها فاتح «١» . ولسائل أن يسأل: هل يقيم التاريخ وزنا لوجود بوذا؟ وهل يقدر مؤرخ على أن يعرض للناس صورة حقيقية لتاريخه؟ وهل يستطيع كاتب أن يصف ظروفه، وأحواله التي كان عليها في حياته وصفا كاملا لا يغادر شيئا من تحديد زمن ميلاده، ووطنه، وأصول دينه، كما دعا هو إليه، ومبادىء دعوته وأهدافها؟ الذي نعلمه أن ذلك كلّه محجوب عن علم الناس بظلمات كثيفة متراكمة، وكلّ ما أمكن للباحثين أنهم حاولوا تعيين زمان وجوده بحوادث راجوات بلاد (مكده) ولم يكن لهم سبيل سوى ذلك، وتسنّى لمؤرخ أن يقارن زمن هؤلاء الراجوات بملوك اليونان الذين كانت بينهم وبين راجوات عدّة روابط. الذي نعلمه عن كونفوشيوس أقلّ من الّذي نعلمه عن بوذا: وأما دين الصين فلم نعلم عنه إلا قليلا بطريق الحدس، ولم يصل العلم إلى شيء يقينيّ عنه. و (كونفوشيوس) «٢» صاحب النّحلة المعروفة في الصين نعلم عنه أقل مما نعلم عن بوذا، مع أن المنتسبين لطريقته الدينية يبلغ عددهم مئات الملايين.

стр. 40

والأمم السّامية بعث فيها مئات من الرّسل، لكن التاريخ لم يحفظ لنا عنهم إلا أسماء بعضهم، ولا نعلم عن هؤلاء الرسل- من نوح، وإبراهيم، وهود، وصالح، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، وزكريا، ويحيى ﵈ إلا بعض سيرهم، وقليلا من صفحات حياتهم، والذي نعلمه من ذلك لا يكاد يروي غلّة أو يشفي علّة. وحياة العظماء لها نواح وأطراف، وتتخلّلها شعاب وعقبات في أطوار وأدوار. ومادام الذي غاب عن علمنا من ذلك أكثر بكثير من الذي عرفناه، فكيف يتسنّى لمن شاء أن يتّخذ من سيرتهم أسوة كاملة لحياته في جميع أطوارها، وهو لم يبلغه من سيرهم إلا قليل؟ شكوك العلماء المحقّقين في كثير من سير أنبياء بني إسرائيل: إن أسفار اليهود التي تضمنت سير هؤلاء الأنبياء قد خالج المحققين من العلماء ضروب من الشكّ في كلّ سفر من هذه الأسفار، على أننا إذا ضربنا صفحا عن هذه الشكوك نرى سير هؤلاء النبيين في تلك الأسفار ناقصة، مثال ذلك أحوال موسى المذكورة في أسفار التوراة، إنّ مؤلفي «دائرة المعارف البريطانية» أنفسهم توصلوا إلى تحقيق أنّ هذه الأسفار دونت، وجمعت بعد موسى ﵇ بقرون كثيرة، زد على ذلك أنّ التوراة الموجودة فيها لكلّ حادثة روايتان مختلفتان، وحكايتان متباينتان، كما حقّق ذلك بعض علماء الألمان، وربما دفع بعض هذه الروايات بعضا فتعارضت أولاها بأخراها، ونحن نواجه الوصف المتعارض في سير الرجال والحوادث جميعا، ومن أراد أن يزداد علما بهذا الموضوع فليراجع مادة (بايبل) في الطبعة الأخيرة من دائرة المعارف البريطانية «١» ، وإذا كان الأمر كذلك فبأيّ منزلة من التاريخ ننزل حوادث العالم من آدم إلى موسى ﵉؟ وكيف نقدّر قدر التاريخ الصّحيح الثابت في هذه الأمور.

стр. 41

الكلام على الأناجيل من ناحية التّاريخ: وأحوال عيسى ﵇ وسيرته مكتوبة في الأناجيل، والأناجيل كما تعلمون- كثيرة، غير أنّ أكثرية المسيحيين اقتصرت على أربعة أناجيل. أما (إنجيل الطفولة) و (إنجيل برنابا) وغيرهما فلا يعتبرونهما، ومع ذلك فإنّ الأناجيل الأربعة التي اقتصروا عليها لم يلق أحد من الذين جمعوها سيدنا عيسى ﵇، وإذا تساءلنا: عمّن رووا هذه الأناجيل؟ نجد التاريخ يجهل ذلك كلّ الجهل. ويزداد المرء شكا إذا توصل إلى حقيقة أخرى، وهي أنّ الرجال الأربعة المنسوبة إليهم هذه الأناجيل الأربعة لا يمكن القطع يقينا بأنهم هم الذين جمعوها في الواقع. فإذا كان الأشخاص المنسوبة إليهم هذه الأناجيل لا يطمئن التاريخ إلى صدورها عنهم فكيف يطمئن إلى صحّتها؟ وزاد الطين بلّة أنّنا لا نعلم يقينا اللغة التي كتبت بها هذه الأناجيل في الأصل، وفي أيّ زمان كتبت. فقد اختلف مفسرو الأناجيل اختلافا شديدا في تعيين زمان جمعها، وتدوينها، فمن قائل: إنها كتبت سنة ٦٠ للميلاد، ومن قائل: إنها جمعت بعد ذلك التاريخ بكثير. وذهب بعض نقدة العلماء الأمريكيين مذهبا بعيدا مستغربا في أمر المسيح، وولادته، ووفاته، ودين التثليث، فأنكر ذلك الناقد الأمريكي وجود المسيح ﵇ قائلا: إن هذا كلّه من الأساطير، وإنّ ما ذكروه عنه إنما هو بقية من بقايا وثنية الرّوم واليونان؛ إذ أنّ تلك الأمم كانت تدين بمثل هذه الأفكار والعقائد في آلهتهم وأبطالهم القدماء. وقد استمرّ الجدال أشهرا حول وجود عيسى ﵇ في مجلّة (روبن كورت) التي تطبع في شيكاغو «١» ، ودار البحث عمّا إذا كان للمسيح وجود تاريخيّ أم هو مما ابتدعته أوهام القدماء من الأمم السالفة، واختلقته اختلاقا. أليس كلّ هذا مما يوهن الأمر فيما يتعلّق بعض سيرة المسيح ﵇، وموقف التاريخ من ذلك؟ ونعود

стр. 42

فنقول: كيف يمكن اتخاذ الأسوة الكاملة التي تطمئن لها القلوب إن لم تكن جميع نواحي الحياة في الشخصيّة المقتدى بها معلومة، وليس فيها ما يجهله الناس، وما هو مكتوم عنهم وراء حجب التاريخ. إنّ المقتدى به والذي يتّخذ الناس من حياته أسوة لا بدّ أن تكون حياته كلّها واضحة صافية كالمرآة، ليلها كنهارها، لتبين للناس المثل العليا التي يحتذونها في حياتهم بجميع أطوارها ومناحيها. ليس في أصحاب الدّعوات من يمكن التأسّي به إلا محمد ﷺ : إذا نظرنا إلى حياة أصحاب النّحل، ودعاة الملل، وهداة البشر من الأنبياء والرسل نظر الناقد البصير، وتأمّلنا هداهم، وسيرهم؛ لم نجد فيمن تقدّم ذكرهم من يمكن أن يتّخذ من حياته مثلا أعلى للحياة الإنسانية إلا محمدا ﷺ ، وهديه، وسيرته، فهو الذي أرسله الله ليكون فيه أسوة لبني آدم في جميع نواحي حياتهم، وأطوارها، وأحوالها. وقد سبق لنا القول بأنّه ليس في مئات الألوف من المصلحين والنبيين من يشهد لهم التاريخ إلا ثلاثة أو أربعة، ومع ذلك فإنّ التاريخ لا يعرف من تفاصيل أحوالهم، وشؤون حياتهم، ودخائل سيرتهم إلا نزرا يسيرا، وغير كامل، فكيف يتسنّى للإنسان أن يتّخذ من ذلك أسوة لحياته ذات النّواحي المختلفة؟ أليس من المستغرب أنّ بوذا الذي يبلغ عدد المنتسبين إليه ربع سكان المعمورة، ولا يحفظ التاريخ من سيرته إلا عدّة أقاصيص وحكايات، لو أننا نقدناها بمقاييس التاريخ لنتّخذ لأنفسنا قدوة من حياته وسيرته؛ لخرجنا من ذلك خاسرين. إنّ إحدى تلك الأقاصيص تنبئنا بأنّه ولد في زمان غير معلوم في واد من أودية (نيبال) «١» في بيت «راجه» «٢» ، فكان ذكيّا، وذا طبيعة متوثبة، وله نفس متدبرة، وقلب حسّاس، فلما بلغ أشدّه، وتزوّج، وصار أبا؛ اتفق أن رأى جماعة من الفقراء والبؤساء، فأثّر فيه منظرهم المؤلم، وأثار في نفسه كامن الرّحمة والشفقة، فخرج من

стр. 43

وطنه هائما على وجهه حتى بلغ (بنارس) «١» ثم (كيا) «٢» و (بايلي بتر) «٣» ثم (راجكير) «٤» وتاه فيما بين ذلك من جبال وغابات ومدن وقرى، ولم يزل هائما على وجهه متجولا بين هذه البقاع النائية حتى بلغ في تجواله إلى (كيا) فتجلت له الحقيقة المحجوبة، وهو تحت شجرة من أشجار «بيبل» «٥» فرأى نور الحقّ ساطعا، وادّعى أنه أدرك سرّ الحقيقة، فخرج يدعو الناس إلى دينه بين (بنارس) و (بهار) ثم مضى لسبيله. هذه جملة ما نعلم من سيرة «بوذا» وحياته. وزردشت يعدّ واحدا من الذين أسسوا بنيان الدّين وبدؤوا بالدّعوة إليه، وقد أسلفنا أنّ حياته مجهولة كذلك، ولا يتتبع أثرها إلا أهل القياس والاستنتاج من علماء التاريخ. وأنا لا أقول شيئا من عند نفسي في سيرة زردشت، بل أعرض عليكم نبذة مما كتب عنه في «دائرة المعارف البريطانية للقرن العشرين» وهي تعدّ من أوثق المصادر في التاريخ: «إن زردشت الذي عرفناه من أبيات شعرية في (كاثا) «٦» غير زردشت الذي نراه في (وستا) الجديدة، فالموصوف في المصدر الأول مباين للمذكور في المصدر الثاني ومضادّ له. وعلى كل فإن الأسطورة التي تشتمل على الحياة المستغربة (وقد نقل الكاتب شؤونا في سيرته من كاثا) لا تدلّنا على حياة زردشت دلالة واضحة، ولا تهديناا السبيل إلى معرفته معرفة تاريخية، بسبب ما نجد من غموض لا ندرك معناه. وأخذ الكاتب يسرد المصنفات التي وضعت في هذا العصر عن حياة

стр. 44

زردشت، وقال: إنّ مولده لم يعيّن بعد، والشهادات على ذلك يناقض بعضها بعضا. والعهد الذي كان فيه زردشت مجهول كذلك، فالمؤرخون من اليونان اختلفوا فيه اختلافا شديدا، كما اختلف علماء عصرنا في تعيين عهده، وانتهى كاتب ترجمته في دائرة المعارف البريطانية إلى القول بأنّنا لا نعلم زمن زردشت البتّة، ونجهله جهلا تامّا. وخلاصة ما نعلمه عن حياة زردشت أنّه ولد في مقاطعة أذربيجان، ونشر دعوته في بلخ وأطرافها، وأنّ الملك هشتاسب دخل في دينه، ثم ظهرت على يده معجزات، وقد تزوّج، وولد له أولاد، ثمّ توفي. فهل يظنّ أحد أنّ هذه المعلومات عن حياة رجل صاحب دعوة تكفي لأن يتّخذ من حياته أسوة، وأن يقتدى به في جميع مراحل الحياة، فيكون للناس سراجا يستضيئون بنوره في تصرّفاتهم، وسلوكهم؟ ما يمكن معرفته من أسفار التوراة عن موسى: ومن أكثر الأنبياء ذكرا وأوضحهم حياة موسى ﵇، ترى ماذا تقول أسفار التوراة الخمسة عن حياته؟ ذلك ما نستعرضه بلا أيّ نقد لما فيه من روايات ضعيفة، وغير متعرضين الآن لذكر صحتها، أو سقمها، بل نوردها مفترضين صحّتها: لا نجد في هذه الأسفار الخمسة من التوراة عن حياة موسى إلا أنّه بعد ولادته تربّى في قصر فرعون، ولما بلغ مبلغ الرجال نصر قومه بني إسرائيل على ظلم فرعون مرّة أو مرّتين، ثم هرب من مصر إلى (مدين) من بلاد العرب، وتزوج فيها، وأقام هناك برهة من الزمن، ثم رجع منها إلى مصر، وبينما هو في طريقه إليها أوحي إليه من ربّه، وبعث إلى قومه نبيّا وداعيا، ثم لقي فرعون، وأراه آيات بيّنات، واستأذنه في الخروج ببني إسرائيل من مصر، فلم يأذن له بذلك، فخرج بهم على حين غفلة من فرعون، ووجد في البحر طريقا بإذن الله، وتبعه فرعون فأدركه الغرق. أما موسى فقصد بقومه إلا بلاد العرب، ودخل بهم أرض الشام، وجاهد من كانوا على الشّرك من أهلها، ومازال يقاتل ويجاهد إلى أن هرم، وبلغ من

стр. 45

العمر عتيّا، وأرعشه الكبر، فجاءه الموت وهو على ربوة، وقد اختتم سفر التثنية بهذه الفقرات: «إنّ عبد الله موسى مات بإذن الله في أرض موآب، ودفنه الله في الجواء في أرض موآب مقابل بيت فغور، ولم يعرف إنسان قبره إلى هذا اليوم. وكان موسى ابن عشرين ومئة سنة حين جاءه الموت ... ولم يقم بعد نبيّ في إسرائيل مثل موسى» «١» . هذه الفقرات نقلناها من سفر التثنية وهو السّفر الخامس من التوراة الموحى إلى موسى ﵇، ولا يخفى على ناظر هذا السفر أنّ الكلمات التي نقلناها لم ينطق بها موسى ﵇، وهذا يدلّ على أنّ هذا السفر كلّه، أو جزءه الأخير على الأقل، ليس لموسى، وأنّ الدّنيا تجهل كاتب هذه السيرة لموسى. ومما يلفت نظر القارئ قول القائل في هذا السفر «ولم يعرف إنسان قبره (أي قبر موسى ﵇ إلى اليوم» وقوله «لم يقم بعد نبي في إسرائيل مثل موسى» . إنّ هاتين الفقرتين تدلان على أنّ هذا الجزء الأخير من سيرة موسى ﵇ قد أضيفت إلى كتاب حياته بعد أيام طويلة ذهبت فيها يد الدهر باثار هذا المزار العظيم والمشهد الكبير حتى عمي محلّه عن الأجيال التالية، ونسوه، بل أضيف هذا الجزء من سيرة موسى إلى سفر التثنية بعد زمان طويل كان يرجى فيه أن يقوم في إسرائيل نبيّ يسدّ فراغ موسى، فنوّه كاتب السفر بأنه لم يقم بعد مثله. إنّ موسى ﵇ عمّر طويلا، وقد نسأ الله من أجله حتى عاش عشرين ومئة سنة، فما الذي نعرفه عن حياته الطويلة، وبأي الأعمال شغل فراغ حياته المباركة، وما هي النواحي التي نعلمها واضحة مفصّلة من سيرته الحافلة بكثير ممّا كان ينبغي أن يعلم؛ لتحسن به الأسوة؟ إننا لا نعلم إلا مولده، وشبابه، وهجرته، وزواجه، وبعثته، ثم قتاله المشركين إلى

стр. 46

أن لقيناه مرّة أخرى وهو يرتعش من الكبر، وقد أدركه الهرم، وبلغ من العمر عشرين ومئة سنة. وهل يغنينا ذكر ما يتعلق بحياته الخاصّة مما يمرّ بكلّ إنسان في حياته وبيئته العادية؟ إنّ الأمور التي كان يحتاج البشر إلى معرفتها من حياة موسى الاجتماعية هي: الأخلاق، والعادات، والهدي، وكلّ ذلك لا نجده في سيرته. أما ذكر أسماء الرجال، وأنسابهم، وأماكنهم، وبلادهم، وعددهم، فممّا لا يهمّنا علمه في مقام القدوة والأسوة والهداية، مع أنه هو الذي نراه مفصلا في التوراة. وكذلك نرى فيها شيئا كثيرا من القوانين، والمبادئ، والأصول، لكن هذه الأمور والتي سبقتها مهما تكن أهميتها عند علماء الجغرافيا، والأنساب، والحقوق فإنّها لا تعنينا نحن من جهة الأسوة والقدوة في الحياة، ولا تسدّ الخلل الواقع في سيرة موسى ﵇ من هذه النّاحية؛ التي لا يكمل بيانها إلّا بذكر أخلاقه، وشؤون حياته، وأحواله في معاشرته، وهو ما لا بدّ منه ليتخذه البشر مثالا يعمل به. شؤون حياة المسيح أخفى من غيره وأغمض: ومن أقرب الأنبياء عهدا بالإسلام عيسى ﵇ الذي يزيد عدد المنتسبين إليه بحسب إحصاآت الأوربيين على عدد المنتسبين إلى الدّيانات الآخرى، وإنّ المرء ليستغرب حين يعلم أنّ شؤون حياته وأحوال معيشته أخفى من غيره، وأغمض، وقد أسدل الزمان عليها حجابا أكثف مما نراه في حياة العظماء الآخرين من الرسل الذين يعدّون من أصحاب الأديان المشهورة. وإنّ أوربا المسيحية قد حملها حافز البحث والكشف على أن تستثير بطون الصّحارى، وقلل الجبال، وأطراف الصّخور والأطلال الدارسة، ومظانّ الآثار، ومجالات الحوادث التي مرّت عليها الأحقاب الطويلة، فكتب المستشرقون التاريخ القديم لبابل، وأشور، والعرب، والشام، ومصر، وإفريقية، والهند، وتركستان، وأخذوا يلائمون بين الحوادث القديمة المجهولة الزّمن، ويعرضونها على الناس واضحة، نقيّة، منسّقة، مرتبطا بعضها ببعض، وطفقوا يعثرون على الصّفحات المفقودة من كتاب التاريخ القديم للبشر، إلا أنهم قد أعياهم البحث

стр. 47

والفحص، فلم يجدوا الصفحات المفقودة عن حياة نبيهم. وقد استفرغ العلامة رينان «١» جهده، ولقي من العناء والنصب مبلغا عظيما ليقف على حياة عيسى كاملة تامّة، ومع ذلك فإنّ شؤون عيسى ﵇ وأحواله لا تزال سرا مكنونا في ضمير الزّمن لم يبح به لسانه بعد. إنّ عيسى ﵇ عاش في هذه الدنيا ثلاثا وثلاثين سنة كما يروي الإنجيل، والأناجيل الموجودة في الأيدي- على ما في رواياتها من ضعف ولبس- مقصورة على ذكر أحواله لمدة ثلاث سنوات من أواخر حياته وحسب، فنحن لا نعلم عن حياته علم اليقين إلا أنّه ولد، وجيء به إلى مصر، وأراه الله آية أو آيتين في صباه، ثم غاب عن الناس، وظهر لهم وهو في الثلاثين من عمره، فنراه قائما يعظ الملّاحين، وصيادي السّمك على الشواطىء، وفي بعض الرّبوات، فصحبه جماعة من حوارييه، وقد جادل اليهود، وناظرهم في بعض الأحيان، إلى أن حمل اليهود الحكام الروميين على القبض عليه، ورفع أمره إلى محكمة يرأسها قاض من الروم، فقضى عليه بالصّلب، وبعد ثلاثة أيام وجد قبره خاليا من جسده ﵇. أين قضى عيسى ﵇ الثلاثين أو الخمس والعشرين سنة على الأقل من حياته؟ وفيم قضاها؟ وبأيّ الأعمال شغل هذا الفراغ الواسع من عمره؟ إنّ الدّنيا لا تعلم عن ذلك شيئا ولن تعلم. والسنوات الثلاث الأخيرة ماذا نجد فيها؟ آيات ومعجزات معدودات، وبعض العظات، ثم قيل: إنّه صلب، فانطوت صحيفة حياته. الحياة المثالية هي التي يبدأ صاحب دعوتها بنفسه فيعمل بما يدعو إليه: من الشروط المحتّمة التي لا بدّ منها لكلّ من يرجّى أن تكون سيرته وهدايته أسوة للبشر: الكمال، والتّمام، والجمع. والمراد بالكمال، والتمام، والجمع: أنّ الطوائف الإنسانية المتفرقة والطبقات البشرية

стр. 48

المختلفة تحتاج إلى أمثلة كثيرة ومتنوعة تتخذها منهاجا لحياتها الاجتماعية. وكذلك الأفراد في المجتمع البشريّ هم في حاجة إلى مثل عليا يقتدون بها في مناحي حياتهم البيتية؛ لتتوثق الروابط بين الأفراد، وتحسن العلاقات بين شتّى الطوائف في داخل الأسرة وخارجها. لذلك ينبغي أن تكون تلك المثل كلّها واضحة في حياة الإنسان العظيم الذي يتّخذ مثالا في الحياة. وإذا صحّت هذه النظرة- وهي صحيحة- لم نجد في سالف الأيام قدوة واضح الحياة غير محمّد خاتم النبيين عليه وعليهم السّلام. والدّين هو طاعة المخلوق للخالق، وبالدّين يتعلّم المرء ما فرضه الخالق على خلقه من فرائض، وما أوجبه من واجبات، فيؤمن بها، ويحقّقها بالعمل. وإذا أردنا أن نعبّر عن الدّين بعبارة أخرى قلنا: هو القيام بحقوق الله، وحقوق خلقه، إذا فيجب على كلّ متّبع لدين أن يتعرّف هذه الحقوق، والفرائض، والواجبات من سيرة نبيه، والأحوال التي كان عليها صاحب ملّته، ثم يقتدي بها، ويفرغ حياته في قالبها. وإذا نظرنا إلى سير الأنبياء هذه النظرة، وحاولنا معرفة حقوق الله، وحقوق خلقه كاملة تامّة من سيرتهم؛ لم نجد ذلك إلا في سيرة محمّد ﷺ المبعوث إلى الناس كافّة. والدّيانات إذا تأملناها يبدو لنا أنها على نوعين: نوع لا نجد فيه ذكر الله تعالى البتة، ومن هذا النوع دين «بوذا» ودين الصين، فليس فيهما ذكر الله تعالى، ولا لصفاته، وليس فيهما فرائض وواجبات على الإنسان، ومن باب أولى ليس فيهما ذكر للحبّ في الله، وتوحيده، والإخلاص له، فالذي يبحث فيهما عن هذه الأمور لا يخرج من بحثه بشيء. ونوع آخر ورد فيه ذكر الله ، وسلّموا فيه بوجوده على وجه ما، وآمنوا به إيمانا بالجملة، لكنّك لا ترى في سير أنبيائه، أو في تعاليم دعاته ما يعرف منه الإنسان كيف يعتقد بربه، وكيف يؤمن به، وبأيّ الأوصاف يصفه، وكيف كان هؤلاء يعتقدون بالله، وإلى أيّ حدّ تأثّروا بتلك العقائد في أعمالهم وأخلاقهم، وفي أيّ صورة من صور الأعمال تجلّت عقائدهم، وبرزت للوجود. كلّ هذا لا نرى له أثرا في سير هؤلاء. اقرأ التوراة، واستقص النظر في فصولها، وفقراتها، وتدبّر ذلك ما استطعت فإنك لن

стр. 49

تجد فيها إلا توحيد الله، وشرائط القربان، وشيئا من الأحكام، أما إذا أردت أن تعرف من الأسفار الخمسة التي تتألف منها التوراة شيئا عمّا كان في قلب موسى ﵇ من الحبّ لله، والشّوق للقائه، وكيف كان يطيع الله ويعبده، وكيف كان توكّله على الله، ويقينه به، وكم أثرت الصفات الإلهية على قلبه، فإنّك لا تجد فيها شيئا من ذلك. ولو كانت الشرعية الموسوية وأحكامها عامّة للبشر، دائمة بدوام الدّهر؛ لكان واجبا على أتباع موسى ﵇ أن يقيّدوها بالحفظ والكتابة، وأن يصونوها من عبث الدّهر بها، لكن الله لمّا لم يرد أن تكون شريعته عامّة خالدة لم يتح لها هذه العناية في الحفظ والتّخليد. والإنجيل مرآة صافية، تجلّت فيها حياة عيسى ﵇، لكننا نجد فيه أن الله (تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا) هو أبو عيسى ﵇. أما كيف كانت رابطة الأبوّة بين هذا الولد المقدّس ووالده، فإن الولد يخبرنا بأن أباه كان يحبه حبّا جمّا، لكنّنا لم نعلم إلى أيّ حدّ بلغ حبّ الولد لوالده، وكيف كانت طاعة الابن لأبيه، وهل كان يركع له، ويسجد في النّهار، أو في الليل، وهل سأله شيئا غير خبز يومه، وهل دعا أباه بدعوة في ليلة من الليالي قبل الليلة التي اعتقل في نهارها؟ إنّنا لا نعلم هذا ولا ذاك. ولو أنّ سيرة سيدنا عيسى ﵇ المذكورة في الإنجيل تحتوي على بيان العلاقة بين المخلوق وخالقه، وتهدي المرء إلى ذلك هداية تامّة؛ لما احتاج أول ملوك المسيحية أن يعقد مجلسا شهده ثلاثمئة حبر من أحبار الكنيسة بعد ثلاثة قرون ونصف قرن من المسيح، ليبتوا الحكم في أمر المسيحية. ومع ذلك بقي أمر سيدنا عيسى ﵇ سرّا من أسرار الزّمان، وسيبقى سرّا في ضمير الزمان، لا يعرب عنه لسان البحث. هذا فيما يتعلّق بحقوق الله، أما حقوق الخلق؛ فلا تراها مفصّلة أحكامها، محكمة أصولها وأركانها في سيرة أحد من الأنبياء، وتعاليمهم غير محمد ﷺ .

стр. 50

أما «بوذا» «١» فإنّه منذ هجر أهله وعياله إلى الصحارى والغابات لم يرجع قطّ إلى خليلته التي كانت حبيبة إلى قلبه، ولم ير ولده الوحيد مرّة أخرى، وترك خلانه، وأحباءه، فخفّف عن كاهله أعباء الحكم، وارتضى الموت آخر وسيلة له إلى النجاة، فكان الأجل المحتوم الغاية القصوى للحياة البشرية عنده. فمن ذا الذي يرضى بأن يتّخذ من حياة «بوذا» أسوة في هذه الدّنيا التي لا بقاء لها، ولا عمران إلا بالحياة الاجتماعية، والروابط العمرانية، والأواصر الإنسانية، ولا بدّ فيها من راع يرعى رعيته، وصديق يألف صديقه، ووالد يشفق على ولده، وأمّ تحنّ على فلذة كبدها. وهل في حياة «بوذا» شيء من ذلك يكون به أسوة للجميع: من الرهبان الذين انقطعوا للآخرة، إلى الآباء ذوي العيال وأصحاب الضياع والمزارع والمصانع والأموال؟ كلا ثمّ كلا، لم تكن سيرة «بوذا» قطّ أسوة للهناء العائلي، ولا لأهل الصناعات والمتاجر، ولو اتخذ أتباع «بوذا» قدوة لهم من حياة «بوذا» لما قامت لهم هذه الدّول في «الصّين» و «اليابان» و «سيام» و «تبت» و «برما» ، ولما عمرت للتجارة في بلادهم سوق، ولا دبّت الحياة في صناعاتهم ومصانعهم. ولو اختار أهل تلك البلاد سيرة متبوعهم سيرة لهم، وساروا عليها؛ لأقفرت الأرض العامرة، وتحوّلت إلى صحارى قاحلة، ولأصبحت المدن خرابا، أو أرضا جرداء. وأما موسى ﵇ فلا نعلم عن حياته- حسب الأسفار الخمسة من التوراة- إلا قتاله وقيادته في الحرب وبسالته فيها. أما النّواحي الآخرى من

стр. 51

حياته، كالحقوق في أمور الدّنيا، والفرائض، والواجبات؛ فلا نتبيّنها بوضوح وجلاء، لذلك يتعذّر على المرء أن يتّخذ منها أسوة في أعماله. ومن يحاول أن يقف على ما ينبغي أن تكون عليه العلاقة بين الزوج وزوجه، والولد ووالده، وشروط الصداقة بين الصديقين، وأساليب الهدنة بين الفريقين المتقاتلين، وكيف ينفق المرء أمواله، وفيم ينفقها؟ وكيف يعامل اليتامى والفقراء والمساكين؟ فإنّ من يحاول معرفة ذلك من سيرة موسى ﵇ فسيرى: أنّ صحيفة حياته قد خلت من ذكر هذه الأمور، مع أنّ موسى كان له زوج، وإخوة، وأقارب، ولا ريب أنّ موسى كان يعاشرهم أحسن معاشرة، فكان خير زوج لأهله، وأفضل أخ لإخوته، وأوفى صديق لأصدقائه، والأسوة به في ذلك كلّه مرغوب فيها، محمود أثرها، لكن كتبهم التي استعرضت سيرته خالية من ذلك. والتاريخ لم يطرق سمعه شيء عن هذه الأنباء من حياة موسى؛ ليتسنى للناس أن يتّخذوا منها أسوة في الحياة. وكان لعيسى ﵇ أمّ، والإنجيل يخبرنا بأنّه كان له أخ وأخت، بل كان له والد أيضا كما يكون لعامة الأبناء آباء وأمهات، لكن قصة حياته لا تدلّنا على كيفية معاملته لذويه، وكيف كان يعاشرهم، مع أنّ الدّنيا معمورة بالإخوة، والخلّان، وذوي القربى، وستبقى حافلة بهم، وقد اعتنت الدّيانات بحقوق هؤلاء وأولئك، وفرضت كثيرا من فرائضها المتعلقة بحقوق الأسرة والعائلة، وحثّت على القيام بتلك الفرائض. إنّ عيسى ﵇ عاش عيشة المغلوبين المحكومين، فلا غرو إذا لم نجد في حياته مثالا من واجبات الحاكم الغالب. ولم يكن له ﵇ زوجة، لذلك لا نرى في حياته مثالا لما ينبغي أن يتبادله الزّوج والزوجة من واجبات وحقوق، خصوصا وأنّ الذي بين الزوجين من الصلة أوثق، وأشدّ من الذي بين الأولاد وآبائهم كما جاء في سفر التكوين من التوراة «١» : أنّ هذه الدنيا معظم سكانها يعيش عيشة الزواج والمناكحة، فليس له في حياة

стр. 52

عيسى ﵇ مثال. وأنّ العالم الذي يحتاج سكانه في حياتهم إلى أسوة تامّة ليعلموا كيف تكون الرابطة بين الزوج وزوجه، وبين الصديق وأصدقائه، والأب وبنيه، والمقاتل وأعدائه، والهدنة بين المتحاربين، وكيف تنعقد، لا يستطيع أن يجد له أسوة في حياة من لا يجد لهذه الأمور ذكرا في سيرته. ولو أنّ الناس في أيامنا هذه آثروا التأسي بحياة عيسى ﵇، وأرادوا أن يعيشوا كما عاش؛ لخربت الدّنيا واستحال عمرانها خرابا يبابا، ولأصبحت القرى مقابر تتردّد في أنحائها أصوات البوم. أما الحضارة، وتقدّمها فسرعان ما يعتريهما الزوال، ويمحى اسمهما، وأوربا المسيحية لن تبقى بعد ذلك يوما واحدا. إنّ الحياة المثالية لن تكون أسوة الناس ما لم تكن أعمال صاحبها- الذي يؤسس دينا، ويدعو الناس إليه- مثالا وأنموذجا لمن يدعو إليه، ولا يتطرّق الشكّ إلى الناس بأنّ ما يدعو إليه هو مما يعمل به. ومن السّهل أن يدعو الدّاعي إلى فلسفة تحظى بإعجاب الناس، وإلى فكرة يستحسنونها، أو نظرية جديدة في الحياة تروق لهم. وكلّ ذلك مما يقدر عليه كثير من الناس متى شاؤوا وأين شاؤوا. أما الذي لا يستطاع دائما فهو عمل الدعاة بما يدعون إليه، وليست الأفكار الصّحيحة، والنّظريات الشائقة، والأقوال الحسنة هي التي تجعل الإنسان إنسانا كاملا، وتجعل من حياته أسوة للناس، ومثلا أعلى في الحياة، بل أعمال الدّاعي وأخلاقه هي التي تجعله كذلك. ولولا ذلك لما كان هناك فرق بين الخير والشر، ولما تميّز المصلح عن غيره. ولا متلأت الدّنيا بالثرثارين والمتفيهقين الذين يقولون ما لا يفعلون. وهنا ينبغي لنا توجيه السؤال إلى العالم أجمع: من ذا الذي تعدّ حياته أسوة للبشر، وفيها المثل الأعلى للبشر، من بين مئات الألوف من الرسل والأنبياء، وعظاماء المصلحين ممّن شرعوا للإنسانية دياناتها، وسنّوا السنن للناس؟ «تحبّ الربّ إلهك من كلّ قلبك ومن كلّ نفسك ومن كلّ فكرك. أحبب

стр. 53

أعداءك. من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر أيضا. من سخّرك ميلا فاذهب معه ميلين. من أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك؛ فاترك له الرداء أيضا. اذهب وبع أملاكك، وأعط الفقراء. واعف عن أخيك سبعين مرّة. يعسر أن يدخل غني إلى ملكوت السموات» . إنّ هذا وأمثاله لا شكّ أنّه من الموعظة الحسنة المحببة إلى النفوس، لكنّها لا تعدّ سيرة ما لم يقترن بها العمل. نعم إنّها قول ليّن وحديث لذيذ، ولكنّ الذي لا يغلب عدوه كيف يتسنّى له العفو، ومن لا يملك، ومن لا يكون له مال كيف يتصدّق على الفقراء والمساكين واليتامى، وكيف يقضي لهم حاجاتهم؟ ومن لا زوج له، ولا ولد، ولا أهل كيف تكون حياته أسوة للأزواج، وذوي البنين، والمتأهلين، وهم هم الناس الذين تعمر الدنيا بهم؟ ومن لم يتفق له أن يصفح عن أحد في حياته كيف يقتدي به من كان شديد الغضب، سريع البادرة. الحسنات قسمان: قسم سلبي، وآخر إيجابيّ. وأنت إذا اعتزلت الدّنيا في غار بسفح جبل تعبد فيه ربّك، ولم تبرحه طوال حياتك، تصرف فيه أوقاتك بالتبتّل إلى الله، فإنّ أحسن ما يقال في مدحك: إنك اتقيت الشرّ، ولم تقترف سيئة تذمّ عليها، وذلك من الحسنات، إلا أنها حسنات سلبية. ولكن ماذا فعلت من الناحية الإيجابية من خير: هل حملت كلّا، أو نصرت مظلوما، أو كسبت معدما، أو أطعمت جائعا، أو كسوت عاريا، أو ساعدت فقيرا، أو ذدت عن ضعيف، أو هديت ضالّا؟ إن الأخلاق الحسنة ومكارمها من العفو، والسماحة، والقرى، وبذل المال، والصّدق بالحق، والحميّة في قمع الباطل، والجهاد في أداء الواجب لا تعدّ مكارم أخلاق لأجل ترك الدّنيا، والتبتّل في عزلة عن المجتمع، وليست الحسنات من الأمور السلبية فحسب، بل معظم الحسنات ترجع إلى العمل الإيجابيّ الذي يقوم به المرء، ولا يكفي فيها ترك المعاصي، واجتناب السّوء. وهذا كلّه يدلّ على أنّ حياة العظيم لا تكون فيها الأسوة للناس ما لم تصدر عن صاحبها الأعمال الإيجابية المحمودة، والأخلاق النّافعة الكريمة ممّا يوافق

стр. 54

الحياة المثالية، (Idial Life) وأيّ عمل يعمله المتأسّي إن لم ير لمن يأتسي به أعمالا إيجابية تتمّ بها الحياة الصالحة في شتى أطوارها. إنّ الإنسان ينشد مثالا يقتدي به في كلّ عمل يقدم عليه في غناه وفقره، وفي سلمه وحربه، ويتحرّى السبيل الذي يسلكه إذا تزوّج، أو بقي عازبا، ويريد أنموذجا عاليا يأتمّ به إذا عبد ربّه، أو عاشر الناس، ويحاول أن يلمّ بالقوانين التي ينبغي العمل بها بالنسبة إلى الرّاعي والرعية، والحكام والمحكومين. جميع هذه الأمور ينبغي للمرء أن يتّخذ لنفسه القدوة فيها؛ لأنّ الأمم قد التوت عليها هذه المسألة، فأهمّها التماس الطريق الموصل إلى حلّ هذه المعضلات، وتذليل هذه المصاعب. ومعظم الشعوب تشعر بالحاجة الشديدة إلى المثل العليا في ذلك؛ لتخفّف عن الإنسانية آلامها، وتأسو جراحها: وهي متلهفة على مثال لذلك من الأعمال، لا على مثال عليه من الأقوال. ولست بمبالغ إذا قلت: إنّ التاريخ أصدق شاهد على أنّه ليس في الدّنيا أحد يصحّ أن تكون للإنسانية أسوة من سيرته وحياته غير سيرة محمّد ﷺ ، وحياته. اشتراط أن تكون سيرة المتبوع تاريخية وجامعة وكاملة وعمليّة: وليكن على ذكر منكم ما تحدثت به إليكم من قبل، وهو أنّ حياة العظيم التي يجدر بالناس أن يتّخذوا منها قدوة لهم في الحياة. ينبغي أن تتوفر فيها أربع خصال: ١- أن تكون «تاريخيّة» ، أي: أنّ التاريخ الصحيح الممحص يصدّقها، ويشهد لها. ٢- أن تكون «جامعة» أي: محيطة بأطوار الحياة، ومناحيها، وجميع شؤونها. ٣- أن تكون «كاملة» أي: أن تكون متسلسلة، لا تنقص شيئا من حلقات الحياة.

стр. 55

٤- أن تكون «عملية» أي: أن تكون الدّعوة إلى المبادىء، والفضائل، والواجبات بعمل الدّاعي وأخلاقه، وأن يكون كلّ ما دعا إليه بلسانه قد حقّقه بسيرته، وعمل به في حياته الشخصية، والعائلية، والاجتماعية، فأصبحت أعماله مثلا عليا للناس يأتسون بها. وأنا لا أقول: إنّ الأنبياء صفرت صحائف حياتهم من هذه الميزة مدّة وجودهم في الحياة الدّنيا، بل أقول: إن سيرتهم التي توجد الآن بين أيدي الناس لا تنصّ على هذه الأمور، ويخيّل إليّ أنّ الحكمة الإلهية في ذلك ترجع إلى أن أولئك الأنبياء إنما بعثوا لأزمانهم، وشعوبهم، فكان الموفقون للخير من شعوبهم في أزمانهم يرون سيرتهم فيأتسون بها، ولم يكن هنالك حاجة إلى أن تبقى سيرتهم معلومة للأجيال التالية بعدهم؛ لأنّ النبوّات ستختم برسالة محمد ﷺ الكاملة إلى الناس كافّة في كلّ زمان ومكان، فمسّت الحاجة إلى أن تكون سيرته ﷺ معلومة على حقيقتها في كلّ زمان ومكان إلى يوم القيامة؛ ليتيسّر التأسّي بها لجميع أمم الأرض. وهذا من أصدق البراهين على كون محمّد ﷺ خاتم النبيين، ولا نبيّ بعده ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب: ٤٠] .

стр. 56

المحاضرة الثّالثة السّيرة المحمّديّة من النّاحية التّاريخيّة

стр. 57

امتياز الإسلام بحفظ السيرة النبويّة وتراجم الصّحابة والتابعين والأئمة والمتبوعين: أيها السادة! قلنا فيما سبق: إنّ الحياة المثالية جدير بها أن تكون مشتملة على خصال أربع. وسننظر الآن إلى سيرة محمد ﷺ من هذه النواحي، وأولها أن تكون سيرة «تاريخية» . لقد شهدت الدّنيا أصدق شهادة، ثم ازداد ذلك ثبوتا على الأيام بأنّ الإسلام لم يقتصر على حفظ سيرته ﷺ ، بل توسّع في ذلك إلى ما يتعلّق بها من كلّ النواحي، وصان هذه الأمانة القدسية، فلم تلمسها يد الضّياع، ولم تعبث بها عوامل الدّهر، إلى درجة أنّ العالم كلّه يقف من ذلك موقف العجب والاستغراب. والذين وقفوا حياتهم منذ العصر النّبويّ على حفظ أقوال النبيّ ﷺ ، ورواية أحاديثه، وكلّ ما يتعلّق بحياته أدّوها إلى من ضبطوها بعدهم، وكتبوها، وصاروا يسمّون «رواة الحديث» أو «المحدّثين» و «أصحاب السّير» ، وهم طبقات متسلسلة من «الصحابة» و «التابعين» و «تابعي التابعين» حتى وافى القرن الرابع. فلما كملت هذه الذخيرة التاريخيّة جمعا، وكتابة، وتدوينا جعل العلماء يكتبون سير هؤلاء الرّواة من الصّحابة والتابعين، ومن بعدهم من العلماء الذين رووا شيئا مما يتعلّق بحياة رسول الله ﷺ ، فكتبوا أسماءهم، وكناهم، وأنسابهم، ومنشأهم، وأخلاقهم، وعاداتهم، وبالجملة أحصوا شؤون حياتهم كلّها، حتى أصبح ما كتبوا في هذا الباب علما مستقلّا سمّي فيما بعد «علم أسماء الرجال» «١» .

стр. 58

عناية الصّحابة بحفظ الحديث النّبويّ وعناية التابعين والأئمة والمتبوعين: وقد بلغ عدد الصحابة ﵃ في آخر حياة النّبيّ ﷺ عند ما حجّ حجّة الوداع- مئة ألف ومن هؤلاء عشرة آلاف صحابي مذكورة أسماؤهم وأحوالهم في كتب التاريخ التي أفردت لتدوين أحوالهم خاصّة. وإن التاريخ لم يهتم بتدوين أحوالهم، ولم يحفظ لنا شؤونهم إلا لأنّ كلّ واحد منهم حفظ شيئا من أقوال النبيّ ﷺ ، وأفعاله، وتصرفاته، وهديه، وسيرته. لقد توفي ﷺ سنة ١١ من الهجرة النبوية، وبقي فريق من كبار الصحابة بعده إلى سنة ٤٠ هـ، وبقي بعد ذلك من الصحابة الذين كانوا أحداثا في حياة النبي ﷺ عدد غير قليل، فلما انقرض ذلك الجيل لم يبق من الصحابة أحد، وانطفأ كلّ سراج أو قد بنور النبوة. وإليكم أسماء آخر من مات من الصحابة، والبلاد التي ماتوا فيها، وسنوات وفاتهم. آخر الصحابة موتا المدن التي توفوا فيها سنة الوفاة ١- أبو أمامة «١» الشام ٨٦ هـ ٢- عبد الله بن الحارث بن جزء «٢» مصر ٨٦ هـ ٣- عبد الله بن أبي أوفى «٣» الكوفة ٨٧ هـ

стр. 59

٤- السائب بن يزيد «١» المدينة ٩١ هـ ٥- أنس بن مالك «٢» البصرة ٩٣ هـ وأنس بن مالك هذا الذي كان آخر من بقي من الصحابة كان الخادم الخاص لرسول الله ﷺ ، استمرّ في خدمته عشر سنوات متوالية. الكلام على التابعين وأساتذتهم من الصحابة: أما التابعون الذين هم تلاميذ الصحابة؛ فيبدأ تاريخ طبقتهم من السنة الأولى للهجرة، ومنهم من ولد في عهد النّبيّ ﷺ لكنه لم يتشرّف برؤيته، أو كان في العهد النّبويّ صغير السن فلم يحظ بالصحبة، ولم يقدّر له أن ينال قبسا من مشكاة النبوة، كعبد الرحمن بن الحارث «٣» المولود سنة ٣ هـ، وقيس بن أبي حازم «٤» المولود سنة ٤ هـ، وسعيد بن المسيب «٥» المولود سنة ١٤ هـ. وهؤلاء التابعون الذين ينزلون المنزلة الثانية بعد

стр. 60

الصحابة في نشر الإسلام وتبليغ دعوته، وقد حملوا الرسالة المحمدية إلى الأنحاء النائية، والبلاد المترامية الأطراف، ولم يكن لهم همّ في الدنيا إلا حفظ الدين، ونشر أحكامه، وتبليغ الإسلام، وتعميم سننه وآدابه، والتعريف بسيرة الرسول ﷺ وهديه. وقد ذكر ابن سعد «١» في الطبقات ١٣٩ من التابعين أهل الطبقة الأولى الذين كانوا في المدينة، وأدركوا كبار الصحابة، وسمعوا منهم أحاديث النبي ﷺ ، ورووها عنهم. وذكر ١٢٩ من الطبقة الثانية الذين لقوا عامّة الصحابة، ورووا عنهم، أما الطبقة الثالثة من التابعين فهم الذين حظي الواحد منهم برؤية صحابي واحد، أو عدّة من الصحابة، وعدد هؤلاء ٨٧، فمجموع عدد التابعين ٣٥٥ في مدينة واحدة وهي مدينة الرسول ﷺ ، فقيسوا على ذلك عدد الذين أخذوا عن الصحابة في بقية المدن الإسلامية التي انتشر الصحابة فيها من مكة إلى الطائف، والبصرة، والكوفة، ودمشق، واليمن، ومصر، وغيرها. وهؤلاء- كما علمتم- لم يكن لهم همّ إلا نشر رسالة الإسلام، وتبليغ أقوال النبي ﷺ ، وهديه، وسيرته. وانظروا إلى اهتمام المؤرخين باستيعابهم، واستقصاء أحوالهم في إحصاء الأحاديث المروية عن الصحابة. وإليكم أسماء بعض الصحابة الذين امتازوا بكثرة ما يحفظونه من الحديث النبويّ، وعدد ما روي عنهم منه: أسماء الرواة من الصحابة عدد مروياتهم سنة وفاتهم ١- أبو هريرة «٢» ٥٣٧٤ ٥٩ هـ

стр. 61

٢- عبد الله بن عباس «١» ١٦٦٠ ٦٨ هـ ٣- عائشة الصديقة «٢» ٢٢١٠ ٥٨ هـ ٤- عبد الله بن عمر «٣» ٢٦٣٠ ٧٣ هـ ٥- جابر بن عبد الله «٤» ١٥٤٠ ٧٨ هـ ٦- أنس بن مالك «٥» ٢٢٨٦ ٩٣ هـ ٧- أبو سعيد الخدري» ١١٧٠ ٧٤ هـ وعلى هؤلاء يعتمد في نقل السنة النّبوية، وإلى هؤلاء يرجع الفضل في حفظ الرسالة المحمدية، وإنّ رواياتهم هي التي تدلّ على النبوة الواضحة والمحجّة البيضاء، فإذا نظرنا إلى أعوام وفاتهم بدا لنا أنّ الله قد

стр. 62

نسأ في آجالهم، وأطال حياتهم، وأخّر موتهم، حتى تسنّى لكثير من الناس أن يتلقوا عنهم ما حافظوا من أمانات الحديث النّبويّ، ويعوا أقوالهم، وينشروا رواياتهم، ولم يكن العلم يومئذ إلا معرفة هذه الأمور. وبه ينالون شرف الدّين، وعزّة الدّنيا، فكان الآلاف من الصحابة يبلغون إلى الجيل الذي بعدهم ما رأوه بأعينهم، وسمعوه باذانهم من أحوال النّبيّ ﷺ ، وأقواله، وتشريعه؛ لأنه ﷺ هو الذي أمرهم بذلك، فقال: «بلّغوا عنّي» «١» و «ليبلّغ الشّاهد الغائب» «٢» ، فكانوا يعلمون أولادهم، وإخوانهم، وأصحابهم، وأقرباءهم من الدّين والعلم كلّ ما كانوا يعلمونه، فكان ذلك شغلهم، وهمّهم آناء الليل وأطراف النهار، وفي الغدوّ والآصال، فتعلم النشء الإسلامي الأول حقائق رسالة الإسلام، وتفاصيل حياة الرسول منذ ترعرعوا في بيئاتهم التي كانت ساحات للعلم، ومدارس يتقلّبون في حجرها، وما لبثوا أن قاموا مقام الصحابة، وسدّوا مسدّهم في حفظ هذه الأحاديث، ووعي هذه المرويات، فكان هؤلاء التابعون يحفظونها كلمة كلمة، ويعيدون روايتها بألفاظها دون أن يخرموا منها كلمة. وكما كان رسول الله ﷺ يحرّض الصحابة على أن يبلغوا عنه، ويفقهوا تشريعه، وينشروا دعوته وأحكامه، كان ينهى الناس عن أن يتقولوا عليه ما لم يقل، أو ينسبوا إليه ما لم يفعل، وكان ينذر من يتعمّد الكذب عليه بأنه سيتبوّأ نار جهنم، لذلك كان كبار الصحابة ترتعد فرائصهم وتمتقع وجوههم عند رواية أحاديث الرسول خوفا من أن يكذبوا عليه أو ينحلوه ما لم يقل «٣» . وكان عبد الله بن مسعود إذا قال: «قال رسول الله ﷺ » استقلته

стр. 63

الرّعدة، وقال «هكذا» أو «نحوذا» «أو قريب من ذا» «١» . ومن المعلوم: أنّ ذاكرة العرب كانت قوية، وكانوا يحفظون آلافا من الشعر، وينشدونها عن ظهر قلب بلا زيادة ولا نقص. ومن طبيعة البشر أنهم إذا أكثروا استعمال قوة من قواهم تزداد هذه القوة قوة وحيوية. وقد مرن الصّحابة والتابعون على حفظ الأحاديث حتى بلغوا في ذلك شأوا بعيدا، وكانوا إذا سمعوا حديثا وعوه، وحفظوه كما يحفظ الصبيان سورة الفاتحة في هذه الأيام. والمحدّثون كانوا يحفظون ألوفا من أحاديث الرسول؛ بل مئات الألوف، ويكتبون بعد ذلك ما كانوا يسمعون ويحفظون، لكنهم لا يبلغون منزلة الإجلال والإكرام بين العلماء وعند الناس إلا بما يخفونه من المرويات عن ظهر قلب، ولذلك كانوا يخفون كراريسهم وصحائفهم عن الناس ويكتمونها؛ لئلا يظنّ الناس بهم أنهم يعتمدون في علمهم على هذه الصحائف، ولا يحفظون محتوياتها في صدورهم. المستشرقون وتشكيكهم في رواية الحديث، والكلام على الحفظ والكتابة: سادتي! إنّ بعض المستشرقين ودعاة المسيحية- وفي مقدمتهم السر وليم ميوروغولد زيهير- أرادوا أن يشكّكوا الناس في رواية الحديث بما

стр. 64

زعموه من أنّ تدوين السنّة بدأ بعد وفاة النبي ﷺ بتسعين سنة، وقد ذكرت لكم فيما سلف كيف كان الصحابة والتابعون يعنون بالأحاديث، ويحفظونها، ويحتاطون في روايتها حتى لا يبقى مجال للشكّ في صحتها وصدقها. والذي دعا الصحابة إلى ألايقيدوا الأحاديث بالكتابة ثلاثة أمور: أولها: أنّ رسول الله ﷺ نهاهم في بداية الأمر عن أن يكتبوا عنه غير القرآن؛ لكيلا يلتبس القرآن بغيره، فلما حفظ القرآن، فصار معروفا، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؛ أذن للصحابة بأن يكتبوا ما يسمعون منه، ومع ذلك بقي الصحابة يحتاطون في ذلك احتياطا شديدا، وكان معظمهم يتحرّجون في كتابة الحديث. وثانيها: أن الصحابة كانوا يخشون أن يعتمد الناس في الحديث على الكتابة، فيقصّرون في حفظها وتدبّرها مرتكنين على أنّها مكتوبة عندهم، ويمكنهم الرجوع إليها عند الحاجة، وقد وقع الذي ظنوه، فإنه كلّما ازداد الاهتمام بالكتابة والتدوين قلّت العناية بالحفظ، وكذلك كان الصحابة يخشون أن يدّعي كلّ من تكون الأحاديث المكتوبة في متناول يده بأنه عالم، وقد وقع ما كانوا يحذرون. وثالثها: أنّ العرب كانوا يعدون الاعتماد على الكتابة اعترافا بنقص مواهبهم، وضعف حفظهم، وفي ذلك غضّ من شرفهم، فكانوا يعتمدون على حفظهم، وإذا كتبوا شيئا ممّا يحفظون كتموا أمره. كان المحدّثون يرون أنّ الحفظ في الصدور أصون من التدوين في السّطور؛ لأنّ ما يتناقله الناسخون بالكتابة معرّض للتّحريف، وأما ما يتلقّاه الحافظون الضابطون عن الحافظين الضابطين؛ فإنه لا يتطرّق إليه الخطأ، ولا يصيبه أيّ تحريف. وإني لأكشف القناع لأول مرة في ناديكم هذا بأن من زعم أنّ الأحاديث النبوية لم تدوّن إلى مئة سنة أو تسعين سنة قد أخطأ، والتاريخ يعارضه، والسبب في هذا الخطأ ظنهم أنّ أول كتاب في الحديث النبوي كتاب الموطأ

стр. 65

لمالك بن أنس، وأول كتاب في السيرة كتاب المغازي لابن إسحاق «١» ، وهذان الإمامان الجليلان كانا متعاصرين، وتوفي الأول سنة ١٧٩ هـ والثاني سنة ١٥١ هـ، فاعتبروا العقود الأولى من القرن الثاني بداية تدوين الأخبار والسير، والأمر ليس كذلك، فإن بواكير التدوين ابتدأت قبل ذلك بكثير، وقد كان أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز المتوفى سنة ١٠١ هـ عالما جليلا ولي إمارة المدينة، ثم استخلف سنة ٩٩ هـ، وقد عهد إلى القاضي أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم «٢» - الذي كان إماما في الحديث والخبر- أن يبدأ في تدوين سنن النبي ﷺ وأخباره؛ لأنه خاف على العلم أن يرفع شيئا فشيئا وخاف درس العلم وعفاءه «٣» ، وقد ذكر هذا في تعليقات البخاري والموطأ لمالك والمسند للدّارمي. فقام بذلك أبو بكر بن حزم، وكتبت الأحاديث والأخبار والسنن في القراطيس، وأرسلت إلى دار الخلافة بدمشق، ونسخت في الصّحف والكتب، وبعث بها إلى البلاد الإسلامية، وكبريات المدن يومئذ. فأبو بكر هذا الذي علمتم مكانته من العلم والفضل وكان قاضيا بالمدينة المنورة، هو الذي اختاره عمر بن عبد العزيز لهذا العمل الجليل، لعلمه، وفضله، ولأنّ خالته عمرة كانت من كبريات تلاميذ أمّ المؤمنين عائشة، وكان ما روته خالته عمرة عن أمّ المؤمنين عائشة محفوظا عنده، فأوعز إليه عمر بن عبد العزيز بتدوين مرويات خالته، وقد اختصّها بالذكر في كتابه إليه. كتابة الحديث في العهد النّبوي: وإنّي لا أعدو الحقّ إذا قلت: إنّ كتابة الحديث، والسنن، والأخبار،

стр. 66

والسيرة قد بدىء بها في عهد النّبي ﷺ ، فقد جاء في باب كتابة العلم من صحيح البخاري: أنّ رسول الله ﷺ أمر، فكتبت خطبته التي خطبها يوم فتح مكة إجابة لسؤال صحابيّ من اليمن يدعى أبا شاه «١» . وقد أرسل رسول الله ﷺ رسائله إلى الملوك التي يدعوهم فيها إلى الإسلام، وكلّها كانت مكتوبة، والكتاب الذي أرسله إلى المقوقس ملك مصر قد وجد ملصقا بدفّة كتاب في أحد الأديرة المسيحية في مصر، ويغلب على الظنّ أنه هو أصل الكتاب المرسل من النّبيّ ﷺ ، وخطّه عربيّ قديم، وعبارته وترتيب كلماته التي في الخاتم هي عين ما يروى في الأحاديث، وهذا من أصدق الأدلّة على صدق الأحاديث المروية وصحتها. ويقول أبو هريرة: ما من أحد أحفظ منّي لخدمة رسول الله ﷺ ، ولا أكثر منّي رواية له، غير عبد الله بن عمرو بن العاص؛ لأنّه كان يكتب كلّ ما يسمع من النّبيّ ﷺ ولم أكن أكتب «٢» . وفي سنن أبي داود ومسند الإمام أحمد أنّ عبد الله بن عمرو بن العاص قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله ﷺ أريد حفظه، فنهتني قريش عن ذلك، وقالوا: تكتب ورسول الله ﷺ يقول في الغضب والرّضا فأمسكت، حتّى ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: «اكتب، فو الّذي نفسي بيده ما خرج منه إلّا حق!» وأومأ بأصبعه إلى فيه حين قال ذلك «٣» . وسمى عبد الله بن عمرو بن العاص صحيفته هذه (الصادقة) «٤» وكان يقول: لقد حبّب الحياة إليّ أمران: أحدهما هذه

стр. 67

«الصّادقة» .. ثم قال: وأما الصادقة فهي صحيفة ما كتبت فيها إلا ما سمعت أذناي من رسول الله ﷺ . ويقول مجاهد: رأيت عند عبد الله بن عمرو كتابا، فسألته: ما هذا؟ فقال: هذه «الصّادقة» فيها ما سمعته من رسول الله ﷺ ليس في ذلك بيني وبين رسول الله ﷺ أحد «١» . وفي صحيح البخاري: أنّ النبي ﷺ أمر بعد هجرته إلى المدينة أن يحصى له كم عدد الذين يلفظون بالإسلام، فأحصوا، فكان عددهم خمسمئة وألفا. وأمر ﷺ ، فكتبت أحكام الزكاة، وما تجب فيه، ومقادير ذلك، فكتبت مشروحة مفصلة في صفحتين، وبعث بصورة ذلك إلى أمراء البلاد وولاتها، وبقيت محفوظة في بيت أبي بكر الصديق، وأبي بكر بن عمرو بن حزم «٢» . وكان عند عمال الزكاة رسائل فيها أحكام الزكاة. وكان عند عليّ صحيفة في قراب سيفه، كتبت فيها أحاديث تتعلق بالأحكام، ورآها الناس لما سألوه عن ذلك «٣» . وفي هدنة الحديبية التي كانت بين المسلمين ومشركي قريش أمر رسول الله ﷺ عليّا، فكتب كتاب الهدنة في نسختين أعطى المشركين نسخة منها وبقيت النسخة الآخرى عند النبي ﷺ «٤» . ولما ولّى رسول الله ﷺ عمرو بن حزم اليمن، وبعثه إليها؛ أعطاه أحكاما مكتوبة في الفرائض والصدقات والدّيات «٥» وتلقّى عبد الله بن حكيم

стр. 68

كتابا من رسول الله ﷺ فيه أحكام الحيوانات الميتة «١» ولما أراد وائل بن حجر أن يرجع إلى بلاده حضر موت؛ ناوله رسول الله ﷺ كتابا فيه أحكام الصلاة، والصوم، والربا، والخمر وغير ذلك «٢» ولما وجه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب السؤال إلى أصحاب رسول الله ﷺ إن كان عند أحد منهم سنة عن النبي ﷺ في نصيب المرأة من دية زوجها قام الضحّاك بن سفيان «٣» فقال: نعم عندنا كتاب من رسول الله ﷺ يبين فيه ذلك «٤» . وكتب عمر بن عبد العزيز في خلافته إلى المدينة يسأل عن كتاب رسول الله ﷺ في أحكام الصدقات، فوجدت نسخته عن آل عمرو بن حزم «٥» . وكان مروان «٦» قد خطب في الناس، فذكر مكة وحرمتها، فقال رافع بن خديج «٧» بصوت يسمعه الناس: والمدينة حرم حرّمها رسول الله ﷺ ، وهو مكتوب عندنا في أديم خولاني إن شئت نقرئكه فعلنا. فناداه مروان: أجل قد بلغنا ذلك «٨» . وأرسل الضحاك بن قيس «٩» كتابا إلى النعمان بن بشير «١٠» يسأله فيه عن

стр. 69

السورة التي كان رسول الله ﷺ يقرؤها في صلاة الجمعة غير سورة الجمعة، فكتب إليه يقول: كان يقرأ: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ «١» وكتب عمر بن الخطاب إلى عتبة بن فرقد «٢» كتابا ذكر فيه أن رسول الله ﷺ نهى عن لبس الحرير» «٣» . وقد ثبت عندي بالدلائل الواضحة أنّ كبار الصحابة ﵃ أرادوا أن يدوّنوا السنن والأحكام، بل قد فعل ذلك بعضهم، وقد جمع أبو بكر في خلافته الأحكام والسنن في كتاب، ثمّ بدا له أن يمحوه «٤» وعزم عمر بن الخطاب أيام خلافته على جمع السنن ثم بدا له ألا يفعل، وقد ذكرنا آنفا: أنّ عبد الله بن عمرو بن العاص جمع بإذن رسول الله ﷺ ما كان يسمعه منه في صحيفة، وكان الناس يقصدونه ليروها، فيطلعهم عليها «٥» ، وأتى عبد الله بن عباس بسجلّ فيه فتاوى عليّ بن أبي طالب «٦» وكان لمرويات عبد الله بن عباس كراريس عدّة، وجاء قوم من أهل الطائف بكراسة منها ليرووها عنه «٧» وكان سعيد بن جبير يكتب روايات عبد الله بن عباس «٨» وبقيت صحيفة عبد الله بن عمرو (الصّادقة) موجودة عند حفيده عمرو بن شعيب «٩» وكانوا يضعفون عمرو بن شعيب لأنّه يروي من الصحيفة، وكان

стр. 70

ينبغي له أن يروي من حفظه. وجمع وهب التّابعي روايات جابر بن عبد الله، وكانت عند إسماعيل بن عبد الكريم، وضعفوه لأجل ذلك «١» ، وروى سليمان بن سمرة بن جندب أنّه كان عند أبيه صحيفة فيها أحاديث، وكذلك روى ابنه حبيب بن سليمان «٢» وجمع همام بن منبه روايات أبي هريرة، وهو أكثر الصحابة رواية، وأوعاهم حفظا لأحاديث الرسول ﷺ ، فصارت تعرف صحيفته بين المحدّثين بصحيفة همام «٣» ، وقد أوردها الإمام أحمد بن حنبل في الجزء الثاني من مسنده، وكذلك بشير بن نهيك كتب مروياته عن أبي هريرة في كتاب، وقرأه عليه «٤» . وذكر ابن حجر في كتابه فتح الباري أنّ أبا هريرة جاء برجل إلى بيته، وأراه أوراقا، وقال: هذه رواياتي. وقال الذي روى ذلك: إنها لم تكن

стр. 71

مكتوبة بيده «١» ، وكان أنس بن مالك- وهو معروف بكثرة الرواية- يقول لأولاده: يا بنيّ! اكتبوا العلم وقيّدوه بالكتابة «٢» ، وكان تلميذه أبان «٣» يكتب رواياته بين يديه «٤» ، وروي عن سلمى «٥» قالت: رأيت عبد الله بن عباس يستملي أبا رافع «٦» خادم رسول الله ﷺ ما كان ﷺ يفعل، أو يقول «٧» . والواقدي «٨» وهو من متقدّمي المصنفين في السيرة النبوية يقول: رأيت عند عبد الله بن عباس الكتاب الذي أرسله رسول الله ﷺ إلى المنذر بن ساوى «٩» سيد البحرين مع كتب أخرى «١٠» ، وفي تاريخ الطبري: أنّ

стр. 72

عروة بن الزبير «١» كتب جميع ما كان في غزوة بدر مفصّلا إلى عبد الملك الخليفة الأموي «٢» . وكان عبد الله بن مسعود- وهو الذي كان يكثر الدّخول على رسول الله ﷺ ليلا ونهارا حتى خيّل إلى الناس أنه من أهل البيت- يشكو الناس أنّهم يكتبون منه عن رسول الله ﷺ ؛ لأنه كان لا يستحلّ أن يكتب غير القرآن الحكيم حرصا منه على القرآن أن يلتبس به غيره «٣» ، ويقول سعيد بن جبير التابعي «٤» : كنت أكتب على الأقتاب ما أسمعه في الليل من عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، فإذا أصبحت كتبته واضحا «٥» . وكان أصحاب البراء بن عازب «٦» يكتبون عنده رواياته، وكان نافع «٧» - وقد صحب ابن عمر «٨» ثلاثين سنة- يملي على الناس «٩» ،

стр. 73

وعبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود «١» أخرج كتابا، وقال: وايم الله هذا ما كتبته يد ابن مسعود «٢» ! وقال سعيد بن جبير: كنا نختلف في بعض الأمور، فنكتب ذلك، ثم نأتي عبد الله بن عمر، فنعرضه عليه، ونخفي عنه ما كتبنا، ولو علم به لكانت الفيصل بيننا وبينه. أي أنه لا يأذن لهم بحضور مجلسه «٣» ويقول الأسود التابعي «٤» : وقعت أنا وعلقمة على صحيفة جئنا بها إلى ابن عمر، فمحاها «٥» . وأنّ زيد بن ثابت- هو من كتبة الوحي- كان لا يرى كتابة شيء إلا القرآن، فاحتال مروان على أن أجلسه بين يديه، وأجلس كاتبا من وراء الستر يكتب ما يقول، وفعل مثل ذلك معاوية بن أبي سفيان ﵁، فاستملاه حديثا، ولكن زيد بن ثابت فطن لذلك، فألحّ بمحوه حتى محي «٦» . سادتي! لعلّكم سئمتم سماع الأسماء، وضجرتم بهذه الأخبار، ومللتم ما اقتبسته لكم من هذه النصوص، فمعذرة وعفوا. ولكننا قد بلغنا إلى حيث يتبين لنا الطريق واضحا، وتبدو لنا الحقيقة جلية. لقد حاولت أن أثبت لكم هذه الحقيقة الرّاهنة، وهي أنّه إذا كان لا يوثق إلا بما كتب ودوّن، فأصحاب النبي ﷺ كتبوا بأيديهم في عهده ﷺ ، وجمعوا من أحاديثه في حياته، وتركوا ذلك لمن بعدهم، والذين جاؤوا

стр. 74

بعدهم أدخلوه في كتبهم. ولا أعدو الحقيقة إذا قلت: إن التابعين ﵃ جمعوا جميع المرويات في عهد الصحابة، وكتبوا في حياتهم ما وصل إلى علمهم من الأخبار والشؤون، وبحثوا عن ذلك بحثا طويلا، وبذلوا فيه جهودهم، وسافروا له، وطرقوا أبواب العلماء والمحدّثين، حتى لقد كانوا يطوون لأجل الحديث الواحد مسافة طويلة، وشقّة بعيدة، ومن أشهرهم محمد بن شهاب الزّهري «١» ، وهشام بن عروة بن جبير «٢» ، وأبو الزناد «٣» ، وغيرهم. إن علماء التابعين- وكانوا يعدّون بالمئات- جابوا البلاد، وجالوا خلال الدّيار، وطووا الصحارى والمفاوز، وشدّوا الرّحال إلى أصحاب النبي ﷺ ، وكذلك فعل تلاميذهم، ليرووا أحاديث رسول الله ﷺ ، فجمعوا لنا هذه الذخيرة العلمية، وربما سافروا وقطعوا مئات الأميال لحديث واحد. وإنّ محمد بن شهاب الزهري- وهو الإمام في الحديث والسيرة- كتب كل ما سمع ممّا يتعلق برسول الله ﷺ ، حتى قال عنه أبو الزناد: كنا نكتب الحلال والحرام وكان الزّهري يكتب كل شيء «٤» . ويقول طاووس بن كيسان «٥» : كنت أنا والزّهري رفيقين في طلب العلم، فقلت: لا أكتب إلا السنن، فكتبت ما يتعلق برسول الله ﷺ ، وقال

стр. 75

الزّهري: أكتب هذا وكلّ ما يتعلق بأصحاب النبي ﷺ ، فإنّه من السنة. فقلت: ليس ذلك من السنة، ولم أكتب ذلك، وكتبه الزهري، ففاز، وخسرت «١» ، وهذا قطرة من بحر. وإن المئتين من التابعين كانوا يكتبون الأحاديث والأخبار، والزّهري واحد منهم، وإنّ ما كتبه الزهري وحده بلغ فيما رواه معمر أنّ الدفاتر من علم الزهري حملت على الدواب بعد قتل الوليد، وكانت في خزانته. التابعون الّذين دوّنوا الحديث: ولد الزهريّ سنة ٥٠ للهجرة وتوفي سنة ١٢٤ هـ، وهو قرشيّ نسبا، وقد بذل جهده في جمع الروايات عن سيرة النبي ﷺ ، وهديه، وأحاديثه حتى لقي في طلب العلم عناء ونصبا، كما يدل عليه قول المؤرخين: إنّه كان يطوف على بيوت الأنصار في المدينة، ويغشى كلّ بيت منها، ويسأل عن أحاديث النبي ﷺ ، وهديه، وسيرته كلّ من يلقاه من نساء، ورجال، وشيوخ، وشباب، حتى كان يسأل العواتق في خدورهن عن أحوال النبيّ ﷺ ، وأقواله، ويكتبه «٢» ، وكان لا يزال بعض الصحابة أحياء في حياة الزهري. ثم تلقّى عن الزهري كثير من تلاميذه العلماء، ويبلغ عددهم المئات، ولم يكن لهم شغل إلا جمع الأحاديث، وأقوال الصحابة، وتعليم الأمّة الإسلاميّة الدّين، ونشر السنّة، وقد انقطعوا كلّهم لهذا العمل، وفرّغوا أنفسهم له. ومن أعظم الخطأ في تاريخ تدوين الحديث دعوى بعض الناس أنه بدأ بعد المئة، وذلك تبعا لخطئهم في تحديد زمن التابعين. فإنّه لمّا بلغهم أنّ التدوين بدأ في عهد التابعين، وهم يعلمون أنّ بعض الصحابة امتد بهم العمر إلى أواخر المئة الأولى للهجرة، ظنّوا أنّ عهد التابعين يبدأ بعد انقضاء زمن الصحابة، فذهبوا إلى أنّ التدوين بدأ بعد المئة، وهذا كله خطأ. والحقّ أنّ عنوان «التابعين» يطلق على الذين لم يدركوا النبي ﷺ ، أو
следующие страницы →