مكتوبة بيده «١» ، وكان أنس بن مالك- وهو معروف بكثرة الرواية- يقول لأولاده: يا بنيّ! اكتبوا العلم وقيّدوه بالكتابة «٢» ، وكان تلميذه أبان «٣» يكتب رواياته بين يديه «٤» ، وروي عن سلمى «٥» قالت: رأيت عبد الله بن عباس يستملي أبا رافع «٦» خادم رسول الله ﷺ ما كان ﷺ يفعل، أو يقول «٧» .
والواقدي «٨» وهو من متقدّمي المصنفين في السيرة النبوية يقول: رأيت عند عبد الله بن عباس الكتاب الذي أرسله رسول الله ﷺ إلى المنذر بن ساوى «٩» سيد البحرين مع كتب أخرى «١٠» ، وفي تاريخ الطبري: أنّ
стр. 72
عروة بن الزبير «١» كتب جميع ما كان في غزوة بدر مفصّلا إلى عبد الملك الخليفة الأموي «٢» .
وكان عبد الله بن مسعود- وهو الذي كان يكثر الدّخول على رسول الله ﷺ ليلا ونهارا حتى خيّل إلى الناس أنه من أهل البيت- يشكو الناس أنّهم يكتبون منه عن رسول الله ﷺ ؛ لأنه كان لا يستحلّ أن يكتب غير القرآن الحكيم حرصا منه على القرآن أن يلتبس به غيره «٣» ، ويقول سعيد بن جبير التابعي «٤» : كنت أكتب على الأقتاب ما أسمعه في الليل من عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، فإذا أصبحت كتبته واضحا «٥» .
وكان أصحاب البراء بن عازب «٦» يكتبون عنده رواياته، وكان نافع «٧» - وقد صحب ابن عمر «٨» ثلاثين سنة- يملي على الناس «٩» ،
стр. 73
وعبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود «١» أخرج كتابا، وقال: وايم الله هذا ما كتبته يد ابن مسعود «٢» ! وقال سعيد بن جبير: كنا نختلف في بعض الأمور، فنكتب ذلك، ثم نأتي عبد الله بن عمر، فنعرضه عليه، ونخفي عنه ما كتبنا، ولو علم به لكانت الفيصل بيننا وبينه. أي أنه لا يأذن لهم بحضور مجلسه «٣» ويقول الأسود التابعي «٤» : وقعت أنا وعلقمة على صحيفة جئنا بها إلى ابن عمر، فمحاها «٥» . وأنّ زيد بن ثابت- هو من كتبة الوحي- كان لا يرى كتابة شيء إلا القرآن، فاحتال مروان على أن أجلسه بين يديه، وأجلس كاتبا من وراء الستر يكتب ما يقول، وفعل مثل ذلك معاوية بن أبي سفيان ﵁، فاستملاه حديثا، ولكن زيد بن ثابت فطن لذلك، فألحّ بمحوه حتى محي «٦» .
سادتي! لعلّكم سئمتم سماع الأسماء، وضجرتم بهذه الأخبار، ومللتم ما اقتبسته لكم من هذه النصوص، فمعذرة وعفوا. ولكننا قد بلغنا إلى حيث يتبين لنا الطريق واضحا، وتبدو لنا الحقيقة جلية.
لقد حاولت أن أثبت لكم هذه الحقيقة الرّاهنة، وهي أنّه إذا كان لا يوثق إلا بما كتب ودوّن، فأصحاب النبي ﷺ كتبوا بأيديهم في عهده ﷺ ، وجمعوا من أحاديثه في حياته، وتركوا ذلك لمن بعدهم، والذين جاؤوا
стр. 74
بعدهم أدخلوه في كتبهم. ولا أعدو الحقيقة إذا قلت: إن التابعين ﵃ جمعوا جميع المرويات في عهد الصحابة، وكتبوا في حياتهم ما وصل إلى علمهم من الأخبار والشؤون، وبحثوا عن ذلك بحثا طويلا، وبذلوا فيه جهودهم، وسافروا له، وطرقوا أبواب العلماء والمحدّثين، حتى لقد كانوا يطوون لأجل الحديث الواحد مسافة طويلة، وشقّة بعيدة، ومن أشهرهم محمد بن شهاب الزّهري «١» ، وهشام بن عروة بن جبير «٢» ، وأبو الزناد «٣» ، وغيرهم. إن علماء التابعين- وكانوا يعدّون بالمئات- جابوا البلاد، وجالوا خلال الدّيار، وطووا الصحارى والمفاوز، وشدّوا الرّحال إلى أصحاب النبي ﷺ ، وكذلك فعل تلاميذهم، ليرووا أحاديث رسول الله ﷺ ، فجمعوا لنا هذه الذخيرة العلمية، وربما سافروا وقطعوا مئات الأميال لحديث واحد. وإنّ محمد بن شهاب الزهري- وهو الإمام في الحديث والسيرة- كتب كل ما سمع ممّا يتعلق برسول الله ﷺ ، حتى قال عنه أبو الزناد: كنا نكتب الحلال والحرام وكان الزّهري يكتب كل شيء «٤» .
ويقول طاووس بن كيسان «٥» : كنت أنا والزّهري رفيقين في طلب العلم، فقلت: لا أكتب إلا السنن، فكتبت ما يتعلق برسول الله ﷺ ، وقال
стр. 75
الزّهري: أكتب هذا وكلّ ما يتعلق بأصحاب النبي ﷺ ، فإنّه من السنة.
فقلت: ليس ذلك من السنة، ولم أكتب ذلك، وكتبه الزهري، ففاز، وخسرت «١» ، وهذا قطرة من بحر. وإن المئتين من التابعين كانوا يكتبون الأحاديث والأخبار، والزّهري واحد منهم، وإنّ ما كتبه الزهري وحده بلغ فيما رواه معمر أنّ الدفاتر من علم الزهري حملت على الدواب بعد قتل الوليد، وكانت في خزانته.
التابعون الّذين دوّنوا الحديث:
ولد الزهريّ سنة ٥٠ للهجرة وتوفي سنة ١٢٤ هـ، وهو قرشيّ نسبا، وقد بذل جهده في جمع الروايات عن سيرة النبي ﷺ ، وهديه، وأحاديثه حتى لقي في طلب العلم عناء ونصبا، كما يدل عليه قول المؤرخين: إنّه كان يطوف على بيوت الأنصار في المدينة، ويغشى كلّ بيت منها، ويسأل عن أحاديث النبي ﷺ ، وهديه، وسيرته كلّ من يلقاه من نساء، ورجال، وشيوخ، وشباب، حتى كان يسأل العواتق في خدورهن عن أحوال النبيّ ﷺ ، وأقواله، ويكتبه «٢» ، وكان لا يزال بعض الصحابة أحياء في حياة الزهري. ثم تلقّى عن الزهري كثير من تلاميذه العلماء، ويبلغ عددهم المئات، ولم يكن لهم شغل إلا جمع الأحاديث، وأقوال الصحابة، وتعليم الأمّة الإسلاميّة الدّين، ونشر السنّة، وقد انقطعوا كلّهم لهذا العمل، وفرّغوا أنفسهم له.
ومن أعظم الخطأ في تاريخ تدوين الحديث دعوى بعض الناس أنه بدأ بعد المئة، وذلك تبعا لخطئهم في تحديد زمن التابعين. فإنّه لمّا بلغهم أنّ التدوين بدأ في عهد التابعين، وهم يعلمون أنّ بعض الصحابة امتد بهم العمر إلى أواخر المئة الأولى للهجرة، ظنّوا أنّ عهد التابعين يبدأ بعد انقضاء زمن الصحابة، فذهبوا إلى أنّ التدوين بدأ بعد المئة، وهذا كله خطأ. والحقّ أنّ عنوان «التابعين» يطلق على الذين لم يدركوا النبي ﷺ ، أو
стр. 76
ولدوا في أواخر عهده فلم يروه، وإنما رأوا أصحابه، وأخذوا عنهم، وعلى أقل تقدير يعدّ تابعيا من ولد بعد وفاة النبي ﷺ (ربيع الأول سنة ١١) ، وأعمال التابعين التي تنسب إليهم يبدأ عهدها من سنة ١١ هـ، وليس من المحتم ألا ينسب إلى التابعين إلا ما صدر عنهم بعد وفاة آخر الصحابة بقاء على قيد الحياة، فاخر الصحابة بقاء على قيد الحياة امتدّ زمنه إلى أواخر المئة الأولى للهجرة، وأعمال التابعين- ومنها البدء بتدوين الحديث- ينبغي أن تنسب إلى زمنهم الذي بدأ من بعد سنة ١١ هـ التي انتقل فيها النبيّ ﷺ إلى الرّفيق الأعلى.
جمع الحديث له ثلاثة أطوار:
والحق أنّ جمع الأحاديث، والأحكام، والأخبار، وتدوينها عند المسلمين له ثلاثة أطوار: الطور الأول: هو الذي جمع فيه الرجال ما عندهم من العلم. والطور الثاني: هو الذي قام فيه أهل كلّ مصر من الأمصار الإسلامية بتدوين ما عند علماء ذلك المصر من العلم في كتب خاصّة بأهل مصرهم. والطور الثالث: هو الذي جمعت فيه علوم الدّين الإسلاميّ كلّها من جميع الأمصار، ودوّنت في الدواوين الكبرى، والمصنفات الجليلة، وهي التي صارت إلينا، ولا تزال بين أيدينا.
والطّور الأول استمرّ إلى سنة ١٠٠ هـ، وامتدّ الطّور الثاني إلى سنة ١٥٠ هـ، وبدأ الطور الثالث من سنة ١٥٠ هـ إلى القرن الثالث للهجرة، أو بعده بقليل. وإنّ الطّور الأول هو الذي كان فيه الصحابة، وكبار التابعين.
والطور الثاني هو الذي كان فيه صغار التابعين، وتابعو التابعين. والطور الثالث هو عهد المحدّثين، وأئمة السنة، كالإمام محمد بن إسماعيل البخاري، والإمام مسلم صاحب الجامع الصحيح، والإمام الترمذي، والإمام أحمد بن حنبل، وغيرهم من المحدّثين. وما جمع في الطور الأول دوّن في كتب الطور الثاني، وما دوّن في الطور الثاني جمع، ونظم في كتب الطور الثالث. ونرى أمامنا أكثر ما جمع في الطورين الثاني والثالث مدونا في كتب كثيرة تشتمل على آلاف من الأوراق هي في الواقع من أثمن الذخائر
стр. 77
العلمية في العالم، بل لا يوجد في جميع ذخائر الدنيا العلمية أوثق منها سندا، وأصحّ تاريخا ورواية. ولقد صدق الأستاذ الكبير العلامة الشيخ شبلي النعماني «١» حين قال: (لما أرادت الأمم الآخرى من غير المسلمين أن تجمع في أطوار نهضتها أقوال رجالها، ورواياتهم كان قد فات عليهم زمن طويل، وانقضى بينها وبينهم عهد بعيد، فحاولوا كتابة شؤون أمّة قد خلت، ولم يميزوا بين غثّ ذلك الماضي وسمينه، وصحيحه وسقيمه، بل لم يعلموا أحوال رواة تلك الأخبار، ولا أسماءهم، ولا تواريخ ولادتهم، فاكتفوا بأن اصطفوا من أخبار هؤلاء الرواة المجهولين ورواياتهم ما يوافق هواهم، ويلائم بيئتهم، وينطبق على مقاييسهم.
ثم لم يمض غير زمن يسير حتى صارت تلك الخرافات معدودة كالحقائق التاريخية المدوّنة في الكتب، وعلى هذا المنهاج السّقيم صنّفت أكثر الكتب الأوربية مما يتعلق بالأمم الخوالي وشؤونها، والأقوام القديمة وأخبارها، والأديان السالفة، ومذاهبها، ورجالها.
أما المسلمون فقد جعلوا لرواية الأخبار والسير قواعد محكمة يرجعون إليها، وأصولا متقنة يتمسّكون بها، وأعلاها ألّا تروى واقعة من الوقائع إلا عن الذي شهدها، وكلّما بعد العهد على هذه الواقعة فمن الواجب تسمية من نقل ذلك الخبر عن الذي نقله عمّن شهد، وهكذا بالتسلسل من وقت الاستشهاد بالواقعة، والتحدّث عنها إلى زمن وقوعها، والتثبت من أمانة هؤلاء الرواة، وفقههم، وعدالتهم، وحسن تحمّلهم للخبر الذي يروونه، وإذا كانوا على خلاف ذلك وجب تبيينه أيضا. وهذه المهمّة من أشقّ الأمور، ومع ذلك فإنّ مئات من المحدّثين تفرّغوا لها، ووقفوا أعمارهم على تحرّي ذلك، واستقصائه وتدوينه، وطافوا لأجله البلاد، ورحلوا بين الأقطار، باحثين دارسين لأحوال الرواة، وكانوا يلقون المعاصرين لهم من الرواة؛ لينقدوا أحوالهم، وإذا اطمأنوا إلى سيرة فريق منهم سألوهم عما
стр. 78
يعرفونه من أحوال الطبقة التي كانت قبلهم، وقد اجتمع من هذا المجهود العلمي العظيم علم مستقلّ من العلوم الإسلامية، أطلق عليه فيما بعد عنوان (أسماء الرجال) فتيسّر لمن أتى بعدهم أن يقفوا على أقدار مئات الألوف من الحفّاظ، والعلماء، والرواة، وغيرهم.
علم نقد الحديث من جهة الدراية والفهم:
هذا فيما يتعلق بالرواية وحملتها، وهنالك علم نقد الحديث من جهة الدراية والفهم، وأنّ له أصولا محكمة، وقواعد متقنة اتخذوها لنقد المرويات، وتمييز صحيحها من سقيمها، وغثّها من السمين، والرّاجح من المرجوح، وقد تحرّى علماء السّنّة في هذا الأمر الحقّ وحده، وتمسّكوا فيه بالمحجّة البيضاء، وكل ما يؤدي إليه الصدق، فكان عملهم هذا من مفاخر الإسلام، وأنت تعلم أنّ ممّن تحمل الرواية رجالا من الولاة، والحكام، والأمراء الذين يخشى جانبهم، ويحذر الناس بطشهم وجبروتهم، فكان المحدّثون يلتزمون فيهم قول الحقّ، وينزلونهم في المنازل التي يستحقّونها، ولا يبالون بما قد يصيبهم من مكروه بسبب هذه المصارحة بما يرضي الله ويصون أمانات الإسلام. وكان وكيع «١» محدّثا كبيرا، وكان أبوه عاملا للدولة على بيت المال، فكان إذا روى عن أبيه شيئا عضده برواية راو آخر، فإذا انفرد أبوه برواية خبر توقّف وكيع عن الأخذ بذلك حتى تعضده رواية أخرى. فهل رأيت مثل هذا الاحتياط، ومثل هذه المبالغة في التثبت عند أهل ملّة أخرى غير ملّة الإسلام؟ ويقول الإمام معاذ بن معاذ «٢» : رأيت المسعودي في سنة ١٥٤
стр. 79
هـ «١» يطالع كتابا، يعني أنه قد تغيّر حفظه «٢» . ومما يثير العجب والاستغراب أنّ الإمام معاذ بن معاذ تقدّم إليه رجل بألف دينار على ألا يكتب في كتابه شيئا عن رجل سماه، فلا يوثقه، ولا يجرحه، بل يسكت عنه، فرفض الإمام ذلك المال بشدّة، وقال: إنّي لا أكتم الحق «٣» ، فهل يعرف أحد في تاريخ البشر مثالا للاحتياط في العلم والأمانة للحقّ والاستقامة على منهج الصّدق أعلى من هذا المثال؟ على أنّ جميع مرويات السنة لا تزال محفوظة كما هي إلى زماننا هذا، وإنّ قواعد النقد الموضوعة، وأحوال الرواة الممحّصة، قد يسّرت لكلّ من شاء حتى في زماننا هذا وفي كل زمان أن يميز بها بين الصحيح والسقيم، والغثّ والسمين، والرّاجح والمرجوح، والقويّ والضعيف.
ستة مصادر لسيرة النبيّ ﷺ وهديه:
سادتي: لقد شغلت شطرا من وقتكم الثمين بإيراد هذه الأمور العلمية التي قلّما يستطيبها السّامعون، لكنّي فيما أظنّ قد استعرضت لكم أنحاء مختلفة من السّيرة النبوية، ومثلت أمامكم جوانبها التاريخية المتنوعة، وأريد أن ألفت أنظاركم إلى المصادر التي أخذت عنها سيرة النبي ﷺ وهديه، وكيف دوّنت تلك المصادر وجمعت،
[المصدر الأول من مصادر السيرة النبوية: ما اقتبس من القرآن الحكيم]
وإنّ أهمّ ما في سيرته ﷺ ، وأوثقها، وأكثرها صحة هو ما اقتبس من القرآن الحكيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، تنزيل من عزيز حميد، وهو الذي لم يشك في صحته العدوّ اللدود فضلا عن الحبيب الودود. والقرآن يقصّ علينا جميع مناحي السيرة النبوية، وطرفا من حياته ﷺ قبل النبوة، فيذكر لنا يتمه، وفقره، وتحنثه، كما يذكر لنا شؤونه بعد النبوة من هبوط الوحي الإلهي عليه، وتبليغه إيّاه، والعروج به، وعداوة الأعداء، وهجرته، وغزواته، وفي القرآن الكريم ذكر أخلاقه ﷺ ، كلّ ذلك تراه مذكورا في
стр. 80
القرآن ببيان واضح، وأسلوب متين رائق، ومن ذلك تعلمون أنّه لم تتطرّق أذن التاريخ سيرة رجل بأحسن، ولا أصحّ، ولا أوثق من سيرة محمّد ﷺ .
والمصدر الثاني من مصادر السيرة النبوية «١» : كتب الحديث
، وهي كتب حفظت لنا من أقوال النبي ﷺ ، وأفعاله، وأحواله ما يبلغ مئة ألف حديث، وقد امتاز الصحيح منها عن الضعيف والموضوع، والقوي منها عن غير القوي. ومن الكتب المصنفة في الحديث الكتب الستة الصحاح التي محّص العلماء كلّ ما ورد فيها، وذكروا شواهده، ومتابعاته، حتى لم
стр. 81
يتركوا في النفوس منزع ظفر لمحقق منصف، بل ولا لمدقق جائز. ويتلو الكتب الستّة كتب المسانيد، وأعظمها مسند الإمام أحمد بن حنبل في ستة مجلدات كبار، كلّ مجلّد منها يحتوي على نحو خمسمئة صفحة من القطع الكبير بحروف دقيقة. وقد تضمّن هذا المسند مرويات كلّ صحابي مجموعة ومذكورة على حدة، وفي هذه المجموعات جميع تعاليم الرسول ﷺ ، وأحواله، وسيرته غير مرتبة على المواضيع.
والمصدر الثالث: كتب المغازي
، ومعظم ما فيها ذكر الغزوات النبوية، وقد تتضمن أمورا أخرى. ومن المصنفات القديمة في المغازي مغازي عروة بن الزبير «١» المتوفى سنة ٩٤ هـ، ومغازي الزهري المتوفى سنة ١٢٤ هـ، ومغازي موسى بن عقبة المتوفى سنة ١٤١ هـ، ومغازي ابن إسحاق المتوفى سنة ١٥٠ هـ ومغازي زياد البكائي المتوفى سنة ١٨٢ هـ، ومغازي الواقدي المتوفى سنة ٢٠٧ هـ وغيرهم.
والمصدر الرابع: كتب التاريخ الإسلامي
العام التي تبتدىء بالسيرة النبوية، ومن أوثقها، وأصحها، وأطولها، وأضخمها: طبقات ابن سعد، وتاريخ الرسل والملوك للإمام أبي جعفر الطبري، والتاريخ الصغير، والتاريخ الكبير لمحمد بن إسماعيل البخاري، وتاريخ ابن حيان، وتاريخ ابن أبي خيثمة البغدادي المتوفى سنة ٢٩٩ هـ، وغيرهم.
والمصدر الخامس: [كتب الدلائل]
الكتب التي ألفت في المعجزات، وتسمّى بكتب الدلائل، ومنها دلائل النبوة لأبي إسحاق الحربي المتوفى سنة ٢٥٥ هـ، ودلائل النبوة لابن قتيبة المتوفى سنة ٢٧٦ هـ، ودلائل النبوة للإمام البيهقي المتوفى سنة ٤٣٠ هـ، ودلائل النبوة لأبي نعيم الأصفهاني المتوفى سنة ٤٣٠ هـ، ودلائل النبوة للمستغفري المتوفى سنة ٤٣٢ هـ، ودلائل
стр. 82
أبي القاسم إسماعيل الأصفهاني المتوفى سنة ٥٣٥ هـ، وأضخمها وأبسطها كتائب الخصائص الكبرى للجلال السيوطي المتوفى سنة ٩١١ هـ.
والمصدر السادس: كتب الشمائل
، وهي مقصورة على ذكر أخلاق النبي ﷺ ، وعاداته، وفضائله، وما كان يعمل في يومه من الصباح إلى المساء، وفي ليلة من المساء إلى الصباح. وأشهر هذه الكتب وأولها (كتاب الشمائل) للحافظ الترمذي. وقد كتب كبار العلماء زيادات عليه، أهمّها وأضخمها وأطولها (كتاب الشفا في حقوق المصطفى) للقاضي عياض، وقد شرحه الشهاب الخفاجي، وسمّاه: نسيم الرياض، وصنف في هذا الموضع علماء آخرون، منها: كتاب (شمائل النبي ﷺ لأبي العباس المستغفري المتوفى سنة ٤٣٢ هـ، و (النور السّاطع) لابن المقري الغرناطي المتوفى سنة ٥٥٢ هـ، و (سفر السعادة) لمجد الدين الفيروز أبادي المتوفى سنة ٨١٢ هـ.
يضاف إلى ما ذكرناه الكتب التي صنفها بعض العلماء المتقدمين في أحوال مكّة المعظمة، والمدينة المنورة، وذكروا فيها ما في هذين البلدين الطيبين من بقاع، وأماكن، وأودية، وجبال، وخطط، وذكروا من تولى إماراتهما بادئين بكلّ ما له علاقة بالنبي ﷺ . وأقدم كتاب في هذا الموضوع (أخبار مكة) للأزرقي المتوفى سنة ٢٢٣ هـ و (أخبار المدينة) لعمر بن شبة المتوفى سنة ٢٦٨ هـ ثم أخبار مكة للفاكهي، وأخبار المدينة لابن زبالة.
ساداتي! لقد عرضت عليكم أسماء الكتب في السيرة النبوية، وذكرت لكم ما صنف في هذا الباب من قديم الزمان، ومنه يعلم القارئ مكانة السيرة المحمّدية من التاريخ، وأنّ هؤلاء المحدّثين والخلفاء الإسلاميين لم يقتصروا على حفظ الروايات عن ظهر قلب، وتقييدها بالكتابة وحسب، بل اتخذ الولاة والخلفاء معاهد لكبار العلماء والأئمة يتولّون التدريس فيها، وأقاموا المباني في المساجد ليشتغل فيها المعلمون والمدرسون من كبار العلماء بتعليم المغازي، وكان عاصم بن عمر المتوفى سنة ١٢١ هـ- وهو
стр. 83
حفيد قتادة الصحابي- يدرس في المسجد الجامع بدمشق بأمر الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز ﵁.
كتب السيرة النّبوية تعدّ بالألوف:
والذي ألفه الناس في سيرة النبي ﷺ من عهد الرسالة إلى يومنا هذا في مختلف الأوطان الإسلامية والأجنبية في معظم لغات العالم يعدّ بالألوف، واعتبر ذلك بما صنف باللغة الأوردية الحديثة وحدها في موضوع السيرة النبوية، مع أن الأوردية لم تصر لغة تأليف إلا منذ قرنين على الأكثر، وفي تقديري أنّ ما صنف بها وحدها في السيرة النبوية يبلغ ألفا إن لم يزد عليه «١» .
مرجليوث أشدّ المستشرقين تحاملا على الإسلام:
ودع عنك المسلمين وما صنفوا في سيرة نبيّهم ﷺ ، فإنّهم يحبّونه حبّا عظيما، ويقدمون ذلك بين يدي الله فرطا وذخرا لهم يوم القيامة، وتعال ننظر إلى من ألف في سيرته ممّن لا يؤمنون بنبوته، ولا يوقنون برسالته، فإننا نجد في الهند نفسها على اختلاف مللها: من الهنادك، والسيخ، والبرهمو سماج كثيرا من علمائهم قد ألفوا في سيرته ﷺ ، أما الأوربيون الذين لا يدينون بالإسلام، ولا يؤمنون بالرسالة المحمدية فقد صنّف منهم في سيرة النبي ﷺ حتى المبشرون من دعاة النصرانية والمستشرقون، عناية منهم بالتاريخ، وإرواء لظمئهم العلمي، ويعد ما ألفوه في ذلك بالمئات.
وكنت قرأت في مجلة «المقتبس» التي كانت تصدر في دمشق قبل نحو أربعين سنة إحصاء لما صنف في السيرة النبوية بمختلف اللغات الأوربية،
стр. 84
فبلغ نحو ثلاثمئة كتاب وألف كتاب، ولو أضفنا إلى هذا العدد ما صدر من المطابع الأوربية في السيرة النبوية خلال الأربعين سنة بعد ذلك الإحصاء الذي نشرته مجلة «المقتبس» لأربى على ذلك كثيرا. وإنّ مرجوليوث الذي كان أستاذا للغة العربية في جامعة أوكسفورد أصدر في سنة ١٩٠٥ م كتابه (محمد) وجعله حلقة في سلسلة «عظاماء الأمم» وهو لم يكتب كتابه هذا ليثني فيه على رسول الله محمد ﷺ ، بل لعلّه لم يؤلف كاتب بالإنجليزية كتابا أشدّ تحاملا على النبي ﷺ مما جاء في هذا الكتاب، وقد حاول مرجليوث أن يشوّه كلّ ما يتعلق بالسيرة الشريفة، وأن يشكّك في أسانيدها، ولم يأل جهدا في نقض ما أبرمه التاريخ، ومعارضة ما حقّقه المحقّقون من المنصفين، لكنه مع كل هذا لم يتمالك عن الاعتراف في مقدمة كتابه بأنّ الذين كتبوا في سيرة محمد ﷺ لا ينتهي ذكر أسمائهم، وأنهم يرون أن من الشرف للكاتب أن ينال المجد بتبوّئه مجلسا بين الذين كتبوا في السيرة المحمدية.
the biographers of the prophet Mohammad from a Long Series it is impossible to end but in Which Would be honourable to find a plaee.
اعترافات كبار المستشرقين حول السيرة النبوية:
وقد كتب جون ديون بورت سنة ١٨٧٠ م كتابا بالإنجليزية في السيرة المحمدية عنوانه (اعتذار من محمد والقرآن Appologey for Mhammad Quran) والذي يقرؤه يخيّل إليه أنّه كتبه بنزعة الإخلاص والإنصاف، ويقول في مقدمته:
لا ريب أنه لا يوجد في الفاتحين، والمشرعين، والذين سنوا السنن من يعرف الناس حياته وأحواله بأكثر تفصيلا، وأشمل بيانا مما يعرفون من سيرة محمد ﷺ وأحواله.
وألقى ريورند باسورث سميث Basworth smith عضو كلية التثليث في أوكسفورد سنة ١٨٧٤ م محاضرات عن (محمد والمحمدية) في الجمعية الملكية لبريطانيا العظمى، هذا الكتاب أشد تحاملا على النبي ﷺ ، ومما جاء فيه: «كلّ ما يقال في الدّين يغلب فيه الجهل ببدايته، ومما يؤسف له
стр. 85
أن هذا يصحّ إطلاقه على الدّيانات الثلاث «١» وعلى أصحابها الذين نعدّهم تاريخيين؛ لأننا لا نعمل لهم وصفا أحسن من هذا الوصف، فإنّنا قلّما نعلم عن الذين كانوا في طلائع الدعوة، والذي نعلمه عن الذين جاؤوا بعدهم واجتهدوا في نشر عقائدهم أكثر من الذي نعلمه عن أصحاب الدعوة الأولين.
فالذي نعلمه من شؤون زردشت، وكونفوشيوس أقل من الذي نعلمه عن سولون، وسقراط. والذي نعلمه عن موسى، وبوذا أقل مما نعلمه عن أمبرس (Ambrase) «٢» وقيصر. ولا نعلم من سيرة عيسى إلا شذرات تتناول شعبا قليلة من شعب حياته المتنوعة والكثيرة. ومن ذا الذي يستطيع أن يكشف لنا الستار عن شؤون ثلاثين عاما هي تمهيد واستعداد للثلاثة أعوام التي لنا علم بها من حياته. إنّه بعث ثلث العالم من رقدته، ولعله يحيي أكثر مما أحيا، وحياته المثالية بعيدة عنّا مع قربها منّا، وإنها تتراوح بين الممكن والمستحيل، بيد أنّ كثيرا من صفحاتها لا نعلم عنها شيئا أبدا، وما الذي نعلمه عن أمّ المسيح، وعن حياته في بيته، وعيشته العائلية، وما الذي نعلمه عن أصحابه الأولين، وحواريه، وكيف كان يعاملهم، وكيف تدرجات رسالته الروحية في الظهور، وكيف فاجأ الناس بدعوته ورسالته. وكم وكم من أسئلة تجيش في نفوسنا، ولن يستطيع أحد أن يجيب عليها إلى يوم القيامة؟!
«أما الإسلام فأمره واضح كلّه، ليس فيه سرّ مكتوم عن أحد، ولا غمّة ينبهم أمرها على التاريخ. ففي أيدي الناس تاريخه الصحيح، وهم يعلمون من أمر محمد ﷺ كالذي يعلمونه من أمر لوثر، وملتن، وإنّك لا تجد فيما كتبه عنه المؤرخون الأولون أساطير، ولا أوهاما، ولا مستحيلات، وإذا عرض لك طرف من ذلك أمكنك تمييزه عن الحقائق التاريخية الراهنة، فليس لأحد هنا أن يخدع نفسه، أو يخدع غيره، والأمر كلّه واضح وضوح النهار، كأنه الشمس رأد الضّحى يتبين تحت أشعة نورها كلّ شيء» .
стр. 86
السيرة النبوية أوثق رواية وأكثر صحة من كل ما كتب في سيرة النبيين:
لقد ألف المسلمون في السيرة النبوية ألوف الكتب، بل أكثر من ذلك، ولا يزالون ماضين في التأليف فيها، وكلّ كتاب في السيرة المحمّدية مهما كان لا ريب أنّه أوضح بيانا، وأوثق رواية، وأكثر صحة من كل ما كتبه الناس في قصص النبيين وسيرهم ﵈. والكتب الأولى في السيرة المحمدية تلقاها عن أصحابها مئون، وآلاف من تلاميذهم، وأتقنوها فهما، وأحكموها فقها ولم يتركوا فيها كلمة غامضة، ولا عبارة معضلة إلا أوضحوا مبهمها، وحلّوا معضلها. وأول كتاب عندنا في الحديث النبوية كتاب الموطأ للإمام مالك بن أنس، وقد سمعه من مؤلفه ستمئة من تلاميذه فيهم: الخلفاء، والولاة، والعلماء، والفقهاء، والأدباء، والزهّاد، والنسّاك. والجامع الصحيح لأبي عبد الله بن إسماعيل البخاري تلقاه ستون ألفا من أهل العلم عن تلميذ واحد من تلاميذه وهو الإمام الفربري «١» . فهل في العالم دين احتاط أهله مثل هذا الاحتياط، واهتمّوا مثل هذا الاهتمام في كلّ ما يتعلّق بأمر نبيهم وهدايته، وهل ألف في هذا الباب تأليف أكثر صحة، وأعظم ثقة، وتثبتا، وهل نال مثل هذه الصحّة التاريخية دين غيره، وهل حفظ التاريخ من تفاصيل حياة نبيّ من الأنبياء ﵈ مثل الذي حفظه من سيرة محمّد ﷺ ؟!
стр. 87
المحاضرة الرّابعة في السّيرة المحمّديّة من ناحية كمالها وتمامها وإحاطتها بشؤون الحياة البشريّة
стр. 88
لا تكون حياة أحد كاملة إلا إذا كانت معلومة للناس، وحياة محمد ﷺ من ميلاده إلى ساعة وفاته معلومة التفاصيل بجميع دخائلها.
سادتي وإخواني! موضوع كلامنا اليوم في أنّ السيرة المحمّدية هي السيرة التامّة الكاملة الشاملة لجميع أطوار الحياة، وما من حياة أحد- مهما بلغت من صحة التاريخ وثبوت الرواية- يصح أن يكون منها للناس أسوة تتبع ومثال يقتدى به إلا إذا كانت متصفة بالكمال، ولا تكون حياة أحد كاملة ومنزهة عن العيوب والمثالب إلا إذا كانت معلومة للناس بجميع أطوارها، ومتجلية لهم دخائلها من كلّ مناحيها. وحياة محمد ﷺ من ميلاده إلى ساعة وفاته معلومة للّذين عاصروه، وشهدوا عهده، وقد حفظها التاريخ عنهم لمن بعدهم، وهو في
حياته لم يحتجب عن عيون قومه إلا مدّة يسيرة ليعدّ عدّته للمستقبل، وليهيّىء الأسباب لحياته القابلة. إنّ جميع شؤونه وأطوار حياته- من ولادته، ورضاعه، وطفولته إلى أن صار يافعا وشابا- كلّ ذلك ظاهر أمره، معلومة تفاصيله. وقد علم التاريخ عن هذا النبي ﷺ باشتغاله في التجارة، وكيفية زواجه، وعلم الناس سجاياه في صداقته، وفي وفائه للناس قبل النبوة، واتصلوا به حين اتخذوه أمينا، وأقاموه حكما فيما اختلفوا فيه من نصب الحجر الأسود في موضعه من الكعبة، ثم وقفوا على أمره حين حبّب الله إليه الخلوة، فاعتزلهم في غار حراء، ثم علموا حاله حين نزل عليه الوحي من ربّ العالمين، وحين بدأ أمر الإسلام يظهر للوجود، فأخذ يدعو الناس إليه، ويبلغ ما أنزل عليه.
وقد رأى التاريخ كيف خالفوه وعاندوه. وهل غاب عن التاريخ ما لقي ﷺ في نشر الإسلام من جهد وعناء، وما قابله به أهل الطائف حين سار إليهم ينهاهم عن عبادة الأوثان؟ ويأمرهم بعبادة الرحمن. وهل نسي التاريخ حين أخبر أهل مكّة- وهم أقلية قليلة من المسلمين وأكثرية ساحقة من المشركين- بخبر العروج به إلى السماء؟ ثم هل خفي عن التاريخ أمر
стр. 89
هجرته، ومع من هاجر، والغزوات التي غزاها، والأسباب الباعثة عليها، وموقفه من الهدنة «١» إذا هادن، وعهوده إذا عاهد؟ وما صلح الحديبية بسرّ. والذين طالعوا كتب السيرة النبوية يعلمون ما ذكرنا، وما لم نذكر، وقد وقفوا على كتبه ﷺ إلى الملوك، والأقيال، والولاة، يدعوهم فيها إلى دين الله، دين السلام والوئام، وعرفوا جهاده في سبيل الحق، وما بذله في تبليغ دعوة الإسلام إلى الناس، إلى أن أكمل الله للإنسانية دينها، وحجّ ﷺ حجّة الوداع، وتوفاه الله إليه. فهل في شيء من ذلك ما يجهله التاريخ، وهل فيما يتعلق بهذا الرسول الأعظم ورسالته ما أسدل عليه ستار من خفاء؟ إنّ كل ما ينسب إليه ﷺ ، أو يعزى إليه من حق أو باطل، وصدق أو كذب، وصحيح أو فاسد معلوم بالتفصيل، وواضح أمره للناقدين. وقد يخطر ببال سائل أن يسأل: ما بال المحدّثين حافظوا موضوعات الأحاديث وضعافها، وهلا اكتفوا بالصحيح وأهملوا غيره؟
والذي ينعم النظر في ذلك يبدو له من المصلحة ألايوجه القادحون اللائمة إلى المسلمين بأنّ هنالك مرويات قضوا عليها، وأخبارا نبذوها ليخفوا من أمر نبيهم ما فيه مغمز، كما يطعن الطاعنون في هذه الأيام على الأخبار المسيحية لأجل ذلك. أما المحدّثون الكرام من علماء المسلمين؛ فقد جمعوا كلّ ما له علاقة بالنبي ﷺ صحيحا كان أو سقيما، حقا أو باطلا، وجعلوا لنقده قواعد، وأصّلوا لتحقيقه أصولا، يرجع إليها في تمييز الصحيح من الفاسد، والغثّ من السمين. وهم قد حافظوا شؤون حياة النبي ﷺ ، وأحواله، وأخباره كلّها، ولم يتركوا أمرا من أموره، ولا شأنا من شؤونه إلا ذكروه. حتى لقد وصفوه في قيامه، وجلوسه، ونهوضه من النوم، وهيئته في ضحكه، وابتسامه، وعبادته في ليلة ونهاره، وكيف كان يفعل إذا اغتسل، وإذا أكل، وكيف كان يشرب، وماذا كان يلبس، وكيف يتحدث إلى الناس إذا لقيهم، وما كان يحبّ من الألوان، ومن الطيب، وما هي حليته وشمائله، ووصفوا جسده الطاهر وصفا كاملا كأنك
стр. 90
تراه، ووصفوا حياته العائلية من معاشرة الرجل أهله، وخليلته، وأتبعوا ذلك بذكر الطهارة من الغسل، فوصفوا ذلك كما وصفوا الوضوء للصلاة.
مثال من كتب الشمائل لتفاصيل ما يعرفه التاريخ عن محمد ﷺ من جليل ودقيق:
وأستعرض لكم فهرسة أقدم كتاب في الشمائل للترمذي؛ لتعلموا كيف ضبط المسلمون أحوال النبي ﷺ ، وأحصوا أخباره جليلها ودقيقها، خطيرها وحقيرها، كثيرها وقليلها: (١) باب ما جاء في حلية النبيّ ﷺ ، (٢) في ذكر شعره، (٣) في ترجّله، (٤) شيبه، (٥) خضابه، (٦) كحله، (٧) لباسه، (٨) عيشه، (٩) خفّه، (١٠) نعله، (١١) خاتمه، (١٢) صفة سيفه، (١٣) درعه، (١٤) مغفره، (١٥) عمامته، (١٦) إزاره، (١٧) مشيته، (١٨) تقنّعه، (١٩) جلسته، (٢٠) فرشه ووسادته، (٢١) ما جاء في اتكائه، (٢٢) صفة أكله، (٢٣) خبزه، (٢٤) إدامه، (٢٥) وضوءه، (٢٦) ما يقوله قبل الطعام وبعده، (٢٧) قدحه، (٢٨) فاكهته، (٢٩) شرابه، (٣٠) صفة شربه، (٣١) تعطره وتطيبه، (٣٢) كيف كان كلامه، (٣٣) إنشاده الشعر، (٣٤) مسامرته وقصصه، (٣٥) نومه، (٣٦) عبادته، (٣٧) ضحكه وتبسمه، (٣٨) مزاحه، (٣٩) عبادته بعد طلوع الشمس، (٤٠) تطوعه في بيته، (٤١) صومه، (٤٢) تلاوة القرآن، (٤٣) بكاؤه وخشوعه، (٤٤) فراشه، (٤٥) تواضعه، (٤٦) أخلاقه، (٤٧) أسماؤه الكريمة، (٤٨) معاشرته، (٤٩) سنه، (٥٠) وفاته، (٥١) ميراثه، (٥٢) حجامته.
ذلك ممّا يتعلق بنفسه الشريفة، وشخصه الكريم، وهنالك أحاديث عن كلّ طور من أطوار حياته، وناحية من نواحيها، كلّ ذلك في وضوح وجلاء، بحيث لم يبق شيء من حياته مخفيا أمره، مكتوما سرّه، فإذا دخل بيته؛ فهو بين أهله، وعياله، وأولاده، وإن خرج منه؛ فهو بين أصحابه، ورفقائه، وكلّ ذلك محفوظ، مذكور، مشهور.
стр. 91
كلمات المستشرقين الكبيرين عما يعرفه التاريخ من دخائل محمد ﷺ :
إخواني! إنّ أعظم الناس وأجلّهم إذا انقلب إلى بيته كان فيه رجلا من الرجال، وواحدا كاحاد الناس، ولقد صدق فولتير «١» في كلمته المشهورة:
«إنّ الرجل لا يكون عظيما في داخل بيته، ولا بطلا في أسرته» يريد أنّ عظمة المرء لا يعترف بها من هو أقرب الناس إليه، لاطّلاعه على دخيلته في مباذله. وهذا الحكم يشذّ عن الرسول صلوات الله وسلامه عليه، فيقول باسورت سمث: إن ما قيل عن العظماء في مباذلهم لا يصحّ- على الأقل- في محمد رسول الإسلام، واستشهد بقول كبن «٢» : «لم يمتحن رسول من الرسل أصحابه كما امتحن محمد أصحابه، إنه قبل أن يتقدّم إلى الناس جميعا، تقدم إلى الذين عرفوه إنسانا المعرفة الكاملة، فطلب من زوجته، وغلامه، وأخيه، وأقرب أصدقائه إليه وأحبّ خلانه أن يؤمنوا به نبيا مرسلا، فكلّ منهم صدّق دعواه، وآمن بنبوّته. وإنّ حليلة المرء أكثر الناس علما بباطن أمره، ودخيلة نفسه، وألصقهم به، فلا يوجد من هو أعرف منها بهناته، ونقائصه، أليس أول من آمن بمحمد رسول الله زوجه الكريمة التي عاشرته خمسة عشر عاما، واطّلعت على دخائله في جميع أموره، وأحاطت به علما ومعرفة، فلما ادّعى النبوّة كانت أول من صدّقه في نبوّته» .
تفاصيل أخرى عما يعرفه التاريخ عنه ﷺ :
إنّ أعظم الناس لا يأذن لزوجه- وإن كانت له زوج واحدة- بأن تحدّث الناس عن جميع ما تراه من حليلها، وأن تعلن كلّ ما شاهدته من أحواله، لكنّ رسول الله كانت له في وقت واحد تسع زوجات، وكانت كلّ منهن في
стр. 92
إذن من الرسول بأن تقول عنه للناس كلّ ما تراه منه في خلواته، وهن في حلّ من أن يخبرن الناس في وضح النهار كلّ ما رأين منه في ظلمة الليل، وأن يتحدّثن في الساحات، والمجامع بما يشاهدن منه في الحجرات، فهل عرفت الدّنيا رجلا كهذا الرجل يثق بنفسه كلّ هذه الثقة، ويعتمد عليها إلى هذا الحد، ولا يخاف قالة السّوء عنه من أحد؛ لأنه أبعد الناس عن السوء.
هذا ما يتعلق بذات الرسول، وأما ما تحلّت به نفسه من دماثة الخلق، ورجاحة العقل، وحصافة الرأي، وكرم النفس، وعلوّ الهمّة، ورحابة الصدر، فإنّ كتب الحديث ملأى بتفاصيله. وأحسن كتاب في ذلك كتاب (الشفا) للقاضي عياض الأندلسي. وقد قال لي يوما وأنا في فرنسا مستشرق اسمه ماسنيون «١» : يكفي لتعرف أوربا محاسن رسول الله محمد ﷺ ومحامده أن ينقل كتاب (الشفا) للقاضي عياض إلى إحدى اللغات الأوربية.
إنني بوّبت في الجزء الثاني من السيرة «٢» عند ذكر شمائله ﷺ هذه الأمور: خلق رسول الله ﷺ ، وحليته، وخاتم النبوة، وشعره، ومشيته، وكلامه، وضحكه، وتبسمه، ولباسه، وخاتمه، ومغفره، ودرعه، وطعامه، وصفة أكله، وسنن طعامه، وشارته، واللون المحبب إليه، واللون الذي كان يرغب عنه، وتعطره، وحبه للنظافة والطهارة، وركوبه.
وذكرت في أشغاله: ما كان يعمله في نهاره من الصباح إلى المساء، ثم نومه، وتهجّده، ووظائفه في الصلوات، وأسلوب خطبته، وأعماله في السفر، وأعماله في الجهاد، وسنته في عيادة المرضى، وتعزيته أهل الميت، وسنته في لقاء الناس، وعامة أشغاله. وإليكم ما ذكرت عن مجلسه ﷺ : مجالس الإرشاد، آداب المجلس، أوقات جلوسه مع الناس، مجالسه الخاصة بالنساء، طريقة هديه وإرشاده، لقاؤه الناس بالبشاشة والبشر، تأثير صحبته فيمن يصحبه، وأسلوب كلامه معهم،
стр. 93
وأنواع خطبه النبوية، وأثرها في السامعين. ومن العناوين التي وردت فيما ذكرته عن عبادته: دعاؤه، صلاته، صومه، زكاته وصدقاته، حجّه، مداومته ذكر الله، ذكره الله في مواقف القتال، خشيته من الله، بكاؤه، محبته لله، توكله عليه، صبره، شكره لمفيض النعم ﷻ .
ومما جاء في كتابي المذكور عن أخلاقه ﷺ : أخلاقه بالتفصيل، مواظبته على العلم، مكارم أخلاقه، حسن معاملته للناس، عدله، جوده وكرمه، إيثاره، ضيافته وقراه، كراهته سؤال الناس، إباؤه لأموال الصدقة، قبوله الهدية، ترفعه عن فضل الغير ومنته، تنزهه عن الفظاظة، وموقفه من التقشف، وكرهه للهجاء والمدح، والتزامه عدم التكلف في الحياة، وبعده عن التأنق في المشرب والمأكل، اجتنابه الرياء والخيلاء، مساواته، تواضعه، كرهه للمبالغة في التعظيم والإطراء، حياؤه، عمله بيده، عزيمته، شجاعته، صدقه في القول، وفاؤه بالوعد، زهده في الدّنيا، قناعته، حلمه، عفوه عن الناس، صفحه عن أعدائه، إحسانه إليهم، معاملته للكافرين والمشركين، معاملته لليهود والنصارى، حبّه الفقراء والمساكين، عفوه عن أشد أعدائه، دعاؤه لأعدائه بالخير، شفقته على الصبيان، معاملته للنساء، رحمته بالحيوان، ما فطر عليه من الرحمة والمحبة بوجه عام، لين قلبه ورقته، عيادته للمرضى، سجاحة خلقه، ودماثته، محبّته لأولاده، معاشرته لأزواجه الطاهرات، هديه في المراسلة، معالجته لأمراض النفس وأمراض البدن.
استقصاء ابن القيم في «زاد المعاد» كلّ أحوال النبي ﷺ الخاصّة وشؤونه اليومية:
وقد استقصى الحافظ ابن القيم في كتابه (زاد المعاد) كل ما ينبغي معرفته عن النبي ﷺ وأحواله، فاستوعب ذلك أكثر من غيره من المؤلفين.
وإليكم فهرس ما ورد فيه عن أحواله الخاصّة ﷺ وشؤونه اليومية: هديه في إرسال الكتب والرسائل، هديه في الأكل، وذكر كيفيته، هديه في النكاح ومعاشرة الأهل، هديه في نومه وانتباهه، هديه في ركوب الدواب، هديه في العبيد والإماء، هديه في البيع والشراء، والتعامل مع الناس، هديه
стр. 94
عند قضاء الحاجة، هديه في أمور الفطرة، هديه في قص الشارب، هديه في كلامه، وسكوته، وضحكه، وبكائه، هديه في خطبته، هديه في وضوئه، هديه في مسح الخفين، هديه في التيمم، هديه في الصلاة، هديه في الجلسة بين السجدتين، هديه في السجود، كيفية تورّكه «١» في القعدة الأخيرة بعد السجدة، هديه في جلوسه وإشارته بالتشهد، هيئة تسليمه عند الخروج من الصلاة، دعاؤه بعد التسليم، هديه في سجدة السهو، هديه في السنن الرواتب، وصلاة التطوع في الحضر والسفر، وفي المسجد والبيت، هديه في قيام الليل (التهجد) ، اضطجاعه بعد سنة الفجر، صلاته في الليل ووتره، صلاته جالسا بعد الوتر، قنوت الوتر، هديه في قراءة القرآن، وترتيله، هديه في صلاة الضحى، هديه في سجود الشكر، هديه في سجدات القرآن، هديه في الجمعة، هديه في عبادات الجمعة، هديه في خطبة الجمعة، هديه في العيدين، هديه في صلاة الخوف، وصلاة الكسوف، هديه في الاستسقاء، هديه في السفر، والتطوع فيه، هديه في الجمع بين الصلاتين، هديه في تلاوة القرآن، والاستماع له، هديه في عيادة المرضى، هديه في الجنائز، والإسراع بها، هديه في تسجية الميت، هديه في السؤال عن الميت إذا حضرت جنازته، هديه في الصلاة على الجنازة، هديه في الصلاة على جنازة الصغير، هديه في تركه الصلاة على قاتل نفسه والغالّ، هديه في المشي أمام الجنازة، هديه في الصلاة على الميت الغائب، هديه في قيامه للجنازة إذا مرت به، هديه في التعزية، وزيارة القبور، هديه في الإكثار من العبادة في رمضان، هديه في الصوم عند رؤية الهلال، والإفطار لرؤية الهلال، هديه في قبول الشهادة لرؤية الهلال، هديه في الإفطار في السفر، الإفطار يوم عرفة، صومه أيام الجمعة، والسبت، والإثنين، هديه في صوم الوصال، هديه في صوم التطوع، وإفطاره، وترك قضائه، كراهيته
стр. 95
تخصيص الجمعة للصوم، هديه في الاعتكاف، هديه في الحجّ والعمرة، اعتماره مرتين في سنة واحدة، أداؤه الحج، وهديه في التضحية بيده، هديه في تضحية البدنة، هديه في العقيقة، أذانه في أذن المولود، وتسميته، وختانه، هديه في تسمية الناس، وتكنيتهم، احتياطه في الكلام، وتخيّر الألفاظ، هديه في الذكر والدعاء، هديه في دخول البيت، هديه في لبس الثياب، هديه في الذهاب إلى الخلاء والرجوع منه، هديه في الدعاء عند الوضوء، هديه في ترديد كلمات الأذان، هديه في الدّعاء لرؤية الهلال، والدّعاء قبل الطعام وبعده، هديه في الطعام، وفي السلام، وألايدخل أحد على الناس في بيوتهم إلا بعد الاستئذان، هديه في الدعاء في السفر، وعند النكاح، هديه في كراهية بعض الكلمات، هديه في الغزو والجهاد، معاملته لأسرى الحرب والعبيد، وهديه في معاملة الجواسيس إذا أسروا، هديه في عقد الصلح، وتأمين المحارب، وضرب الجزية، ومعاملته أهل الكتاب والمنافقين.
لقد أجملت لكم فيما تقدّم ما جاء في أحوال النبيّ ﷺ خاصّة، ليتبين لكم أنه إذا كانت هذه الأمور الدقيقة قد عني المسلمون بحفظها، فما ظنكم بالأمور الجليلة العظيمة الخطر، وكم بذل رواة الشريعة من عنايتهم في إحصاء أمهات السنن، وأصول الرسالة، وإحصائها، وضبطها مفصلة، ويظهر لكم من ذلك: أنّ جميع وجوه الحياة النبوية، ومناحيها، وألوانها قد صينت، وحفظت من أن تعبث بها أيدي الدّهر.
إخواني! حسبكم الآن أنكم قد علمتم ما أوردته في أول هذه المحاضرة من وصف السيرة المحمدية بالكمال، والتمام، والإحاطة، وقد تبيّن لكم صدق ما ادعيته لها من أنه ما من أحد من الرسل قد حفظت سيرته، وأحصيت أخباره، وأحواله كما حفظت سيرة محمد ﷺ ، وأحصيت أخباره وأحواله.
إباحة النبي ﷺ لأصحابه أن يذكروا عنه كل ما يعرفونه بلا تحفّظ:
إنّ الوقت ضيق، والذي أريد أن أفضي به إليكم متنوع، ومترامي
стр. 96
الأطراف، وكثير المناحي، فأنا أجمل لكم في القول ما استطعت، وأرجو منكم أن تستمعوا له. إنّ النبي ﷺ أذن لأصحابه ولمن يحضر مجالسه أن يبلغوا عنه لمن غاب عنها، وهذا الإذن عامّ لما يكون عنه في بيته، وبين أهله وعياله، أو ما يصدر عنه في حلقته مع أصحابه، أو ما يقفون عليه من أعماله، وأقواله عند تعبده في مسجده، أو قيامه على منبره خطيبا، أو جهاده في ساحة الحرب تجاه أعدائه، وهو يسوّي صفوف المجاهدين في سبيل الله، أو إذا خلا إلى ربه في حجرة منعزلة في بيته يعبد الله ويتضرّع إليه، فكان أزواجه وأصحابه يتحدثون جميعا بكلّ ما يصدر عنه من قول أو عمل. ثم إنّه كان تجاه مسجده صفّة يأوي إليها فقراء الصحابة الذين لم تكن لهم بيوت يأوون إليها، فكانوا يتناوبون الخروج إلى ما بعد بنيان المدينة يحتطبون من أشجار الصحراء والجبل، ويبيعون ما يأتون به ليقتاتوا جميعا بثمنه، ولم يكن لسائرهم عمل غير صحبة النبي ﷺ ولزوم مجالسه؛ ليحافظوا عنه ما يقول، وما يعمل، ثم يروونه للناس بعناية، وأمانة، وقد بلغ عدد أهل الصفة هؤلاء سبعين رجلا، كان منهم أبو هريرة الذي لم يكن صحابيّ أكثر منه حديثا عن رسول الله ﷺ ، وهؤلاء السبعون كانوا كأنهم جواسيس الحكومة وعيونها في نشاطهم وإخلاصهم لما يسّرهم الله له من حفظ كلّ ما يستطيعون حفظه مما يدخل في موضوع الحديث النبوي، ولا يفترون عن ذلك آناء الليل وأطراف النهار، وقد استمرّ الحال بهم على ذلك يوميا مدّة عشر سنوات متوالية، وإذا ارتحل عن المدينة في غزو، أو حجّ كانوا معه، وكذلك غيرهم من الصحابة، حتى لم تخف عنهم خافية من أمره، ولم يغب عنهم معنى من معاني رسالته، ولما كان فتح مكة كان معه من أصحابه عشرة آلاف، ولما سار إلى تبوك كان في معسكره ثلاثون ألفا، ولما حجّ حجّة الوداع حجّ معه في تلك السنة مئة ألف مسلم ينطبق عليهم عنوان الصحابة، وما منهم إلا من يحرص على الوقوف على شيء من هداية نبيه ﷺ ، أو أيّ أمر من أموره، فيتحدّث عنه. بل هو الذي أمرهم أن يبلغوا عنه ما يسمعون منه، أو يرون من تصرفاته، فما ظنّكم به بعد ذلك؛ هل يخفى عن التاريخ وجه من وجوه حياته، أو ناحية من نواحيها.
стр. 97
هذا من جهة أصحابه، وأما أعداؤه؛ فإنهم أفرغوا جهدهم، واستنفذوا سعيهم؛ ليقفوا على دخيلة من دخائله، وليؤاخذوه بحقيقة يعلمونها عنه، فلم يستطع أحد منهم أن يجد له ناحية ضعف، ولا ما يندّد به. وأقصى ما استطاع أعداؤه في كل زمان ومكان أن يقولوه عنه: إنه سلّ سيفه للقتال، وإنّه كان كثير الأزواج، وقد تبين لكم مما سلف أنّ حياته الطاهرة التي فصّلنا حقيقتها تفصيلا، وأحطنا بجوانبها علما، هي حياة العصمة من كلّ نقص، البريئة من كلّ عيب، فأين هذا من حياة لا نعلم عنها شيئا، ولا تزال نواحيها ووجوها سرّا في ضمير الزّمن؟!
كان الرسول ﷺ معروف الدخائل لأعدائه أيضا فلم ينقلوا عنه إلا خيرا:
إخواني! أريد أن ألفت أنظاركم إلى أمر آخر: إنّ الرسول ﷺ لم يقض حياته كلّها بين أحبابه وأصحابه، بل قضى أربعين سنة من عمره في مكة قبل أن يبعث، فكان بين أهلها مشركي قريش، وكان يتعاطى فيهم التجارة، ويعاملهم في أمور الحياة ليل نهار، وهي الحياة اليومية، وما تنطوي عليه من أخذ وعطاء، ومن شأنها أن تكشف عن أخلاق المرء، فيتبين للناس فسادها وصلاحها، وهي عيشة طويل طريقها، كثيرة منعطفاتها، وعرة مسالكها، تعترضها وهدات مما قد يصدر عن المرء من خيانة، وإخفار عهد، وأكل مال بالباطل، وعقبات من الخديعة والخيانة، وتطفيف الكيل، وبخس الحقوق وإخلاف الوعد. وإنّ الرسول ﷺ اجتاز هذه السبيل الشائكة الوعرة، وخلص منها سالما نقيا، لم يصبه شيء مما يصيب عامّة الناس، حتى لقد دعوه «الأمين» . وإنّ قريشا بعد بعثته وادّعائه النّبوّة كانوا يودعون عنده ودائعهم، وأموالهم لعظيم ثقتهم به، وقد علمتم أنّه ﷺ لما هاجر من مكة خلّف فيها عليّا ليردّ ما كان لديه من الودائع إلى أهلها. فقريش خالفوه أشدّ الخلاف في دعوته، ولم يتركوا سبيلا إلى ذلك إلا سلكوه، فقاطعوه، وعاندوه، وصدّوا عن سبيله، وألقوا عليه سلى جزور وهو يصلّي، ورموه بالحجارة، وأرادوا قتله، وكادوا له كيدهم، وسمّوه ساحرا، ودعوه شاعرا، وفنّدوا آراءه، وسخّفوا حلمه، ولكن لم يجرؤ أحد منهم على أن يقول شيئا في أخلاقه، ولا أن يرميه بالخيانة، أو ينسب
стр. 98
إليه الكذب في القول، أو إخلاف الوعد، أو إخفار الذمّة، أو نقض العهد. وإنّ من ادّعى النبوّة، وقال: إن الله يوحي إليه؛ فكأنه ادّعى العصمة والبراءة من جميع المفاسد، ومساوىء الأعمال. ألم يكن يكفي قريشا في ردّهم على الرسول أن يذكروا أمورا عمل فيها الرسول بغير الحقّ، وأن يشهدوا عليه بأن أخلفهم وعدا، أو خانهم في أموالهم، أو كذبهم في شيء مما قاله لهم؟ إنّ قريشا أنفقوا أموالهم، وبذلوا نفوسهم في عداوة الرسول، وضحوا بفلذات أكبادهم في قتاله حتى قتل منهم وجرح كثيرون، لكنّهم لم يستطيعوا أن يدنسوا ذيله الطّاهر، ولا أن يصموه بشيء في عظيم أخلاقه.
وكانت أحوال الرسول وشؤونه وهديه ظاهرة لجميع الناس، معلومة لهم، استوى في ذلك أحبابه وأعداؤه، ولم يخف عليهم شيء من أمره.
كان عظاماء قريش مجتمعين ذات يوم في ناديهم، فجرى ذكر الرسول ﷺ ، وفيهم النضر بن الحارث «١» وكان رجلا داهية محنّكا، وعالما بالأخبار، فقال لهم: يا معشر قريش! لقد أعياكم أمر محمد، وعجزتم عن أن تدبروا فيه رأيا لما أصابكم به. إنّ محمدا قد نشأ فيكم حتى بلغ مبلغ الرجال، وكان أحبّ الناس إليكم، وأصدقهم فيكم، واتخذتموه أمينا، فلما وخطه الشيب، وعرض عليكم هذا الأمر قلتم ساحر، وكاهن، وشاعر، ومجنون. تالله لقد سمعت كلامه فليس فيه شيء مما ذكرتم!
وأبو جهل كان أشدّ الناس عداوة للرسول، وقد قال له ذات يوم:
يا محمد إنّي لا أقول: إنّك كاذب، لكني أجحد الذي جئت به، وما تدعو إليه. فأنزل الله هذه الآية: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام: ٣٣] «٢» .
стр. 99
ولما تلقى الرسول أمر ربه بأن يدعو ذوي قرباه إلى الإسلام، وينذر عشيرته الأقربين؛ صعد الجبل؛ ونادى: يا معشر قريش! فلما اجتمعوا؛ قال: هل كنتم مصدّقيّ إن قلت: إن جيشا قد بلغ سفح هذا الجبل؟ قالوا:
ما جرّبنا عليك كذبا قطّ (صحيح البخاري: سورة تبّت) .
شهادة أبي سفيان (قبل إسلامه) للنبي ﷺ عند هرقل:
ولما أرسل النبي ﷺ كتاب الدعوة إلى هرقل عظيم الروم؛ دعا هرقل أبا سفيان ليسأله عن هذه الدعوة وصاحبه، وأنتم تعلمون أنّ أبا سفيان كان يومئذ على العداوة للإسلام ورسوله مدة ست سنوات متوالية انقضت بحشد المقاتلة، واستنفار المشركين لحرب المسلمين. وانظروا إلى هذا الموقف يدعى فيه عدو ليسأل عن عدوه اللدود الذي يتمنى لو استطاع أن يقتله، ويمحو اسمه، ويخفض من شأنه، ثم يدعى إلى مجلس رجل عظيم صاحب سلطان ليشهد عنده في عدوّه. فسأله هرقل عن النبي ﷺ :
كيف نسبه فيكم؟
قال أبو سفيان: هو فينا ذو نسب.
هل قال هذا القول منكم أحد قبله؟
قال أبو سفيان: لا.
هل كان من آبائه من ملك؟
قال أبو سفيان: لا.
فأشراف النّاس اتّبعوه أم ضعفاؤهم؟
стр. 100
قال أبو سفيان: بل ضعفاؤهم.
أيزيدون أم ينقصون؟
قال أبو سفيان: بل يزيدون.
فهل يرتدّ أحد منهم سخطة لدينه؟
قال أبو سفيان: لا.
فهل كنتم تتّهمونه بالكذب؟
قال أبو سفيان: لا.
فهل يغدر؟
قال أبو سفيان: لا، ونحن منه في مدّة لا ندري ما هو فاعل فيها.
ماذا يأمركم؟
يقول: اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصّلاة، والصّدق، والعفاف، والصّلة «١» .
فهل تجدون شهادة أعظم من هذه الشهادة؟ إنّ الموقف حرج، والسائل ملك ذو شوكة وقوة، يسأل رجلا ملأ الضغن صدره عن أمر الرسول، فلا يقول فيه إلا الصّدق، والحقّ. فهل تجدون رسولا كاملا أعظم من محمد ﷺ ، وأيّ شهادة أصدق من هذه الشهادة؟ إنّ تاريخ الرسل أعجز من أن يأتي بمثلها عن غيره.
رجاحة عقول العرب تجعلهم لا ينخدعون في أمر الرسول ﷺ فاتبعوه وهم على بينة:
سادتي! أريد أن ألفت أنظاركم إلى أمر آخر جدير بأن تهتمّوا له، وتعنوا به، ذلك أنّ الذين آمنوا بمحمد ﷺ أولا لم يكونوا من صيادي الشواطىء، ولا من الذين استعبدهم فرعون مصر، بل كان الذين آمنوا بمحمد أولا
стр. 101
رجالا من أمة عريقة في الحرية، ذات عقول ناضجة وفطنة، ولهم حماسة وحميّة، لم تلن قناتهم لحكومة قاهرة، ولا ذلّلت أنفتهم دولة قوية منذ فجر التاريخ، وكانت لهم تجارة واسعة النطاق تصدر فيها، وترد سلعهم وأمتعتهم بين بلاد وبلاد، وكانت مملكة فارس، وبلاد الشام، ومصر، وآسيا الصغرى مضربهم وموارد تجاراتهم، ولاحتكاكهم بالأمم المتمدنة ولقائهم الرجال من مختلف الأمم تفتقت آراؤهم، واتسعت عقولهم، وازدادت تجاربهم. يدلّ على ذلك ما أثر عنهم من الأحكام، وما وصل إلينا من صفحات التاريخ من الأخبار. وكان من هؤلاء من قاد الجيوش، وانتصر بها، فعدّ من أعظم القادة الفاتحين، وكان منهم من ساس البلاد، وحكم الناس، فأحسن الإحسان كلّه في سياسته وحكمه حتى عدّ من أعدل الولاة وأحكم الحكام سياسة وتدبيرا. وهل يسوغ في العقل، أن من أوتي مثل هذا العقل الراجح، والمواهب العظيمة، والرأي الحصيف يخفى عليه شيء من أمر هذا الرسول ﷺ ، أو ينخدع به! هؤلاء الرجال هم الذين نقلوا عنه ما شهدوه بأنفسهم، وسمعوه باذانهم، وكانوا يرون الاقتداء به سعادة لهم، والاهتداء بهديه شرفا لهم في الدّنيا، وذخرا لهم في الآخرة، فاقتفوا آثاره، وسلكوا سبيله، واستنوا بسنته، وهذا دليل واضح على أنه الرسول الكامل، وأنّه على الحق، ومما لا يردّه، ولا يجادل فيه إلا مكابر.
إنّ رسول الله محمدا ﷺ لم يحاول أن يخفي عن الناس أمرا من أموره، ولا أن يكتمهم حالة من حالاته، لذلك عرفوه كما كان في الواقع، وهو الآن في أذهان عارفيه كما كان في أعين مشاهديه. تقول أمّ المؤمنين عائشة ﵂ وقد عاشرته زوجة مدّة تسع سنين: لا تصدّقوا من يزعم أنّ محمّدا رسول الله قد كتم ممّا أوحي إليه، فلم يبده للنّاس؛ إذ يقول الله تعالى: * يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ [المائدة: ٦٧] «١» .
إن من طباع الناس- ولا سيما من يقوم لهم بالإصلاح والهداية
стр. 102
والتهذيب- أنّهم لا يحبّون أن يظهر للناس من نفوسهم ما يؤاخذون به، أو يعاب عليهم. وفي القرآن الحكيم عدّة آيات نبه الله فيها رسوله على بعض خطئه، فكان الرسول يتلو هذه الآيات كلّها على الناس، ويدعوهم إلى حفظها وإلى تلاوتها في الصلاة والمساجد، ولا تزال هذه الآيات كأخواتها- تتلى بألسنة أتباع محمد رسول الله ﷺ ، فحيثما يبلغ انتشار الدّين المحمّديّ، ويدين به كثير أو قليل من الناس تتلى هذه الآيات، ولولا أنّ هذه الأمور ذكرت في القرآن لما انتشر العلم بها هذا الانتشار، وهكذا السيرة الطاهرة، والحياة الكاملة هي التي تتّضح للجميع بمثل وضح النهار أو أشد.
لو كتم الرسول شيئا لكتم ما في القرآن من مؤاخذته:
كان العرب في الجاهلية ينكرون نكاح الرّجل مطلقة متبناه، وقد تزوج الرسول زينب التي كانت من قبل زوجا لمتبناه زيد بعد أن طلقها، فوردت هذه القصة في القرآن ببيان صريح، وإنّ أمّ المؤمنين عائشة تقول: لو كتم رسول الله ﷺ شيئا من القرآن لكتم هذه الآية (أي: قصة طلاق زيد لزوجه زينب وزواج النبي ﷺ بها) لكيلا يسيء فهمها الجهلاء وضعاف العقول، لكن الرسول ﷺ لم يفعل ذلك، أليس هذا مما يدل على أنّه ﷺ لم يكتم من أمره شيئا ولا خفي على الناس شيء من سيرته.
كلمات كبار المستشرقين في المقارنة بين محمد ﷺ والذين قبله:
وجدير بالذكر شهادة الفاضل الإنجليزي باسورث سميث «١» ؛ إذ يقول:
«ترى الشمس هاهنا بارزة بيضاء، تنير أشعتها كلّ شيء، وتصل إلى كل شيء. لا شك أن في الوجود شخصيات لا نعلم عنها شيئا، ولا نتبين حقيقتها أبدا، أو تبقى منها أمور مجهولة، بيد أنّ التاريخ الخارجي لمحمد ﷺ نعلم جميع تفاصيله من نشأته إلى شبابه، وعلاقته بالناس، وروابطه، وعاداته، ونعلم أول تفكيره، وتطوره وارتقاءه التدريجي، ثم
стр. 103
نزول الوحي العظيم عليه نوبة بعد نوبة، ونعلم تاريخه الدّاخلي بعد ظهور دعوته وإعلان رسالته، وإنّ عندنا كتابه (القرآن) لا مثيل له في حقيقته وفي كونه محفوظا مصونا، وفي عدم التزام الترتيب في معانيه، وإنّه لم يستطع أحد أن يشك في قيامه على أساس الصدق شكّا يعتدّ به، فهو عندنا ممثل لروح عصره، ومرآة لبيئته، فهو لذلك بريء من كل تصنّع أو تكلف. وإنه بعدم التزام الترتيب فيه، وفي تحدّثه عن الشيء وضدّه معتب لنا، غير أنه عامر بالأفكار العظيمة. فترى منه نفسا ملأى بتلك الرّوحانية، مرتبطة بها، مقصورة عليها، ثملة بأمر الله مع الضعف الإنسانيّ؛ الذي لم يدّع أنه بريء منه، بل أكبر دليل على عظمة محمد أنه لم يدّع قطّ أنه بريء من ذلك» (ص ١٥) . ويقول جيّبن: «لم ينجح في الامتحان العسير رسول من الرسل الأولين من بداية أمره كما نجح محمّد ﷺ حين عرض نفسه بادىء ذي بدء بصفته رسولا يوحى إليه- على الذين عرفوا ضعفه البشري، وعرفوه أكثر مما يعرفه غيرهم، فعرض رسالته على زوجه، وعبده العنيد، وابن عمه، وصديقه القديم؛ الذي لم يتحوّل عنه ولم يخذله، وهؤلاء هم الذين سبقوا الناس إلى الإيمان بنبوّته. إنّ نصيب الأنبياء انقلب في حقّ محمّد وتغيّر عما كان عليه فيمن مضى من الرسل، فلم يكن محمّد غير محبوب إلا من الذين لم يعرفوه» . فهذه الشهادات على أنّ من كان أعرف الناس برسول الله وأقربهم إليه كان أشدّهم إيمانا برسالته، وأما الرسل الآخرون فكان الأجانب والغرباء الذين لم يعرفوهم إلا قليلا هم الذين سبقوا إلى الإيمان بهم، وتأخر عن الإيمان بهم، وتلكأ ذووهم، وأهل بيوتهم، والذين كانوا أكثر معرفة بهم. وهكذا كان المؤمنون برسالة محمد ﷺ هم أعرف الناس بحقيقته، وأكثرهم اطّلاعا على أخلاقه، وسننه، وهديه، وقد بلي كلّ منهم في سبيل هذا الإيمان بلاء عظيما، وامتحن امتحانا شديدا، حتى أنّ خديجة زوج النبي ﷺ قضت معه ثلاث سنوات محصورة في شعب أبي طالب، تقاسي معه الجوع والظمأ، والفاقة المنهكة. وأبو بكر صحب النبي ﷺ يوم ضاقت به أرض مكة، فخرج معه مرتديا ظلام الليل خائفا يترقّب، والعدو في أثرهما يتعقّب مواطىء أقدامهما، فقام أبو بكر بحق
стр. 104
الصحبة، وكان الوفيّ بعهد الصداقة، أما عليّ فبات على فراش الرسول الذي كان المشركون قد بيتوا الفتك به. وعبده زيد حلّ من النبي الكريم محل الولد بعطفه عليه ورأفته به، فلما جاء أبوه الذي ولد من صلبه يطلب ردّ ابنه عليه خيّره رسول الله ﷺ بين أن يصحب أباه، أو يبقى تحت جناحين من عطف الرسول ورأفته، فاختار صحبة النبي ﷺ على الرجوع مع أبيه إلى قبيلته. يقول هيجنس في كتابه (الاعتذار عن محمد والقرآن (md.and Quran
:rof ygoloppA إنّ أتباع عيسى ﵇ ينبغي لهم أن يجعلوا على ذكر منهم أنّ دعوة محمد ﷺ أحدثت في نفوس أصحابه من الحميّة ما لم يحدث مثله في الأتباع الأولين لعيسى ﵇ ، ومن بحث عن مثل ذلك لا يرجع إلا خائبا، فقد هرب الحواريون، وانفضوا عن عيسى حين ذهب به أعداؤه ليصلبوه، فخذله أصحابه، وصحوا من سكرتهم الدّينية، وأسلموا نبيّهم لأعدائه يسقونه كأس الموت، أما أصحاب محمد فالتفوا حول نبيهم المبغيّ عليه، ودافعوا عنه مخاطرين بأنفسهم إلى أن تغلّب بهم على أعدائه» .
وحين كرّ مشركو قريش يوم أحد على المسلمين، فاختلّت صفوفهم، وتفرّق جمعهم نادى الرسول ﷺ : من يفديني؟ فخرج من الأنصار سبعة دافع كلّ واحد منهم عن الرسول، وما زال يقاتل دونه حتى قتل، وقد قتل لامرأة من الأنصار في هذه الحرب ثلاثة رجال من بيتها: أبوها، وأخوها، وزوجها، وتتابع إليها نعي الثلاثة واحدا بعد واحد، فكانت تسأل أولا عن الرسول ﷺ : كيف هو؟ فيقولون لها: إنّه سالم، ثم لما رأت وجهه ﷺ سرّي عنها، ولم تتمالك أن صاحت قائلة: «كلّ مصيبة بعدك جلل يا رسول الله!» «٢» .
إنّ الذين دافعوا عنه، وقتلوا دونه، وفدوه بأنفسهم قد عرفوه حقّ المعرفة، وعلموا سنته، وهديه، وخلقه، ولولا أنّ حياة الرسول ﷺ
стр. 105
كانت عظيمة كاملة، ونفسه كانت أحبّ النفوس إليهم، وأعظمها في أعين أصحابه وأحبابه؛ لما فدوه بأنفسهم. ومن أجل ذلك كانت حياة النّبيّ ﷺ أسوة لأصحابه، وإن من طباع الناس- ولا سيما من يقوم لهم بالإصلاح والهداية
стр. 106
والتهذيب- أنّهم لا يحبّون أن يظهر للناس من نفوسهم ما يؤاخذون به، أو يعاب عليهم. وفي القرآن الحكيم عدّة آيات نبه الله فيها رسوله على بعض خطئه، فكان الرسول يتلو هذه الآيات كلّها على الناس، ويدعوهم إلى حفظها وإلى تلاوتها في الصلاة والمساجد، ولا تزال هذه الآيات كأخواتها- تتلى بألسنة أتباع محمد رسول الله ﷺ ، فحيثما يبلغ انتشار الدّين المحمّديّ، ويدين به كثير أو قليل من الناس تتلى هذه الآيات، ولولا أنّ هذه الأمور ذكرت في القرآن لما انتشر العلم بها هذا الانتشار، وهكذا السيرة الطاهرة، والحياة الكاملة هي التي تتّضح للجميع بمثل وضح النهار أو أشد.
لو كتم الرسول شيئا لكتم ما في القرآن من مؤاخذته:
كان العرب في الجاهلية ينكرون نكاح الرّجل مطلقة متبناه، وقد تزوج الرسول زينب التي كانت من قبل زوجا لمتبناه زيد بعد أن طلقها، فوردت هذه القصة في القرآن ببيان صريح، وإنّ أمّ المؤمنين عائشة تقول: لو كتم رسول الله ﷺ شيئا من القرآن لكتم هذه الآية (أي: قصة طلاق زيد لزوجه زينب وزواج النبي ﷺ بها) لكيلا يسيء فهمها الجهلاء وضعاف العقول، لكن الرسول ﷺ لم يفعل ذلك، أليس هذا مما يدل على أنّه ﷺ لم يكتم من أمره شيئا ولا خفي على الناس شيء من سيرته.
كلمات كبار المستشرقين في المقارنة بين محمد ﷺ والذين قبله:
وجدير بالذكر شهادة الفاضل الإنجليزي باسورث سميث «١» ؛ إذ يقول:
«ترى الشمس هاهنا بارزة بيضاء، تنير أشعتها كلّ شيء، وتصل إلى كل شيء. لا شك أن في الوجود شخصيات لا نعلم عنها شيئا، ولا نتبين حقيقتها أبدا، أو تبقى منها أمور مجهولة، بيد أنّ التاريخ الخارجي لمحمد ﷺ نعلم جميع تفاصيله من نشأته إلى شبابه، وعلاقته بالناس، وروابطه، وعاداته، ونعلم أول تفكيره، وتطوره وارتقاءه التدريجي، ثم
стр. 107
نزول الوحي العظيم عليه نوبة بعد نوبة، ونعلم تاريخه الدّاخلي بعد ظهور دعوته وإعلان رسالته، وإنّ عندنا كتابه (القرآن) لا مثيل له في حقيقته وفي كونه محفوظا مصونا، وفي عدم التزام الترتيب في معانيه، وإنّه لم يستطع أحد أن يشك في قيامه على أساس الصدق شكّا يعتدّ به، فهو عندنا ممثل لروح عصره، ومرآة لبيئته، فهو لذلك بريء من كل تصنّع أو تكلف. وإنه بعدم التزام الترتيب فيه، وفي تحدّثه عن الشيء وضدّه معتب لنا، غير أنه عامر بالأفكار العظيمة. فترى منه نفسا ملأى بتلك الرّوحانية، مرتبطة بها، مقصورة عليها، ثملة بأمر الله مع الضعف الإنسانيّ؛ الذي لم يدّع أنه بريء منه، بل أكبر دليل على عظمة محمد أنه لم يدّع قطّ أنه بريء من ذلك» (ص ١٥) . ويقول جيّبن: «لم ينجح في الامتحان العسير رسول من الرسل الأولين من بداية أمره كما نجح محمّد ﷺ حين عرض نفسه بادىء ذي بدء بصفته رسولا يوحى إليه- على الذين عرفوا ضعفه البشري، وعرفوه أكثر مما يعرفه غيرهم، فعرض رسالته على زوجه، وعبده العنيد، وابن عمه، وصديقه القديم؛ الذي لم يتحوّل عنه ولم يخذله، وهؤلاء هم الذين سبقوا الناس إلى الإيمان بنبوّته. إنّ نصيب الأنبياء انقلب في حقّ محمّد وتغيّر عما كان عليه فيمن مضى من الرسل، فلم يكن محمّد غير محبوب إلا من الذين لم يعرفوه» . فهذه الشهادات على أنّ من كان أعرف الناس برسول الله وأقربهم إليه كان أشدّهم إيمانا برسالته، وأما الرسل الآخرون فكان الأجانب والغرباء الذين لم يعرفوهم إلا قليلا هم الذين سبقوا إلى الإيمان بهم، وتأخر عن الإيمان بهم، وتلكأ ذووهم، وأهل بيوتهم، والذين كانوا أكثر معرفة بهم. وهكذا كان المؤمنون برسالة محمد ﷺ هم أعرف الناس بحقيقته، وأكثرهم اطّلاعا على أخلاقه، وسننه، وهديه، وقد بلي كلّ منهم في سبيل هذا الإيمان بلاء عظيما، وامتحن امتحانا شديدا، حتى أنّ خديجة زوج النبي ﷺ قضت معه ثلاث سنوات محصورة في شعب أبي طالب، تقاسي معه الجوع والظمأ، والفاقة المنهكة. وأبو بكر صحب النبي ﷺ يوم ضاقت به أرض مكة، فخرج معه مرتديا ظلام الليل خائفا يترقّب، والعدو في أثرهما يتعقّب مواطىء أقدامهما، فقام أبو بكر بحق
стр. 108
الصحبة، وكان الوفيّ بعهد الصداقة، أما عليّ فبات على فراش الرسول الذي كان المشركون قد بيتوا الفتك به. وعبده زيد حلّ من النبي الكريم محل الولد بعطفه عليه ورأفته به، فلما جاء أبوه الذي ولد من صلبه يطلب ردّ ابنه عليه خيّره رسول الله ﷺ بين أن يصحب أباه، أو يبقى تحت جناحين من عطف الرسول ورأفته، فاختار صحبة النبي ﷺ على الرجوع مع أبيه إلى قبيلته. يقول هيجنس في كتابه (الاعتذار عن محمد والقرآن. (md.and Quran
» هـ ئادعأ ى لع م هب بّ لغت ن أى لإ م هسفنأب ن يرطاخم هـ نع اوعفاد و، هـ يلع ّي غبملا م هيبن ل وح اوفتلاف دمحم ب احصأ امأ، ت وملا س أك هـ نوقسي هـ ئادعأل م هّيبن اوملسأ و، ةينيّدلا م هتركس ن م اوحص و، هـ باحصأ هـ لذخف، هـ وبلصيل هـ ؤادعأ هـ ب ب هذ ن يح ى سيع ن ع اوضفنا و، ن ويراوحلا ب ره دقف، ابئاخ لاإ ع جري لا ك لذ ل ثم ن ع ث حب ن م و،) م لاسلا هـ يلع (ى سيعل ن يلوألا ع ابتألا ي ف هـ لثم ث دحي م ل ام ةّيمحلا ن م هـ باحصأ س وفن ي ف ت ثدحأ م لس وهـ يلع هّ للا ىّ لص دمحم ةوعد ّن أم هنم ركذ ى لع اولعجي ن أم هل ي غبني) م لاسلا هـ يلع (ى سيع ع ابتأ ّن إ Appology for:
وحين كرّ مشركو قريش يوم أحد على المسلمين، فاختلّت صفوفهم، وتفرّق جمعهم نادى الرسول ﷺ : من يفديني؟ فخرج من الأنصار سبعة دافع كلّ واحد منهم عن الرسول، وما زال يقاتل دونه حتى قتل، وقد قتل لامرأة من الأنصار في هذه الحرب ثلاثة رجال من بيتها: أبوها، وأخوها، وزوجها، وتتابع إليها نعي الثلاثة واحدا بعد واحد، فكانت تسأل أولا عن الرسول ﷺ : كيف هو؟ فيقولون لها: إنّه سالم، ثم لما رأت وجهه ﷺ سرّي عنها، ولم تتمالك أن صاحت قائلة: «كلّ مصيبة بعدك جلل يا رسول الله!» «٢» .
إنّ الذين دافعوا عنه، وقتلوا دونه، وفدوه بأنفسهم قد عرفوه حقّ المعرفة، وعلموا سنته، وهديه، وخلقه، ولولا أنّ حياة الرسول ﷺ
стр. 109
كانت عظيمة كاملة، ونفسه كانت أحبّ النفوس إليهم، وأعظمها في أعين أصحابه وأحبابه؛ لما فدوه بأنفسهم. ومن أجل ذلك كانت حياة النّبيّ ﷺ أسوة لأصحابه،
ومحبته ذريعة لمحبة الله، فقال الله : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران: ٣١] فجعل اتّباع الرسول في أخلاقه وأعماله، والاقتداء بسنته وهديه من علامات حبّهم لله، ومن السّهل أن يبذل الإنسان نفسه حميّة لدينه لأمر يعرض له فجأة، ولكن من العسير أن يقتدي المرء مدّة حياته كلّها في جميع أطوارها، وشعبها، ومناحيها بهدي شخص وسننه اقتداء كاملا، لا يحيد عنه، ولا يعدل إلى شيء غيره، أما أصحاب محمد رسول الله ﷺ ؛ فإنهم اتبعوه في جميع أخلاقهم، وأعمالهم، وسائر نواحي حياتهم وطرقها، واقتفوا أثره، وامتحنوا في ذلك امتحانا شديدا، وأبلوا فيه بلاء عظيما، ثم خرجوا من هذا الامتحان فائزين. وإنّ الولع الشديد بالرسول، والمحبّة الصادقة له قد حمل الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، ثم المحدّثين ومؤلفي السير والمؤرخين، على أن يعنوا عناية كبرى بجمع كلّ ما يتعلق بالرسول ﷺ من قول وعمل، وأمر ونهي، وحديث وخلق، وأن يبلغوا ذلك للذين يأتون بعدهم، فأحسنوا كلّ الإحسان ووفوا هذه المهمّة حقها، ليعمل بهذه الهداية كلّ مسلم ما استطاع، ولولا أنّ حياة محمد ﷺ كانت كاملة وعظيمة في عيون أصحابه؛ لما اعتبروا اتّباعه شرفا لهم وكمالا، ولما عدّوا الاقتداء به ملاك السّعادة، وأصل الهناء، وقوام الخير.
فالإسلام قرّر أنّ حياة محمد هي المثل الكامل لجميع المسلمين، وينبغي بيان جميع نواحيها، وشعبها، ووجوهها للناس كافّة، وقد حقّق المسلمون ذلك، وحرصوا على تعرف ذلك وبيانه، فلم تخف منه خافية، ولم تفقد ولا حلقة واحدة من سلسلة الحياة النبوية المباركة، فجميع أحواله وشؤونه مسطورة في كتب التاريخ، ومن ذلك يستدلّ على أنّها كانت حياة كاملة، ولا تكون كذلك إلا إذا كانت واضحة ناصعة معلومة من كل وجوهها ونواحيها، جامعة لجميع المحامد، شاملة لأكرم الأخلاق وأحسن التعاليم.
стр. 110
سنن الأمم السالفة في الأخلاق بادت ولم يبق إلا سنن الإسلام:
لقد كانت لبلاد بابل، والهند، والصين، ولمصر، والشام، واليونان، والرومان حضارات زاهرة، ومدنيّات عظيمة، وثقافات عالية، وقد كانت لأهالي تلك البلاد سنن في الأخلاق اتخذوا منها أصولا، وضوابط للثقافة، وآدابا للمعاشرة: في النهوض، والقعود، والكلام، والطعام، والشراب، واختاروا مناهج خاصّة بمعيشتهم، ووضعوا آدابا لهم في الزّيّ والشارة، وأوضاعا في الملابس، وكان لهم هدي في نومهم، ويقظتهم، وحدود في لقاء الناس، والتعامل معهم، وسنّوا لأنفسهم سننا في الزواج، ورسموا رسوما للتهنئة، والتعزية، وتكفين الموتى، ودفنهم، ولم يتركوا حالا من أحوال الإنسان- من عيادة المريض، ومصافحة الإخوان، ولقاء الخلّان، والاستحمام- إلا اتخذوا لها السنن، والرسوم، والآداب، فنشأت من ذلك أصول وقواعد لمدنيتهم، وثقافتهم. وبديهيّ أنّ هذه السنن والآداب لم تتم لهم إلا في قرون متطاولة، ثم درست آثارها، ومحيت رسومها، وطمست معالمها، فكان قيامها واكتمالها في زمان طويل، وزوالها في مدّة قليلة. أما مدنية الإسلام وثقافته؛ فإن قيامهما، واكتمالهما، وظهور بهائهما في سنوات قليلة، ولا تزال مدنية الإسلام، وثقافته مستمرة، ومعمولا بها في الدّنيا منذ أربعة عشر قرنا بين أمم شتّى، وأقوام مختلفة، يستوي في ذلك العربيّ، والهنديّ، والشرقيّ، والغربيّ؛ لأنّ المسلمين اقتبسوا ذلك من مشكاة نبيهم ﷺ ، وتأسّوا فيه بحياته الكريمة، فاستنارت بهذا النور حياة الصحابة، وانعكست أضواؤها على حياة التابعين، ومن جاء بعدهم، فنشأت عن ذلك بيئة صالحة زكيّة، وكان منها للعالم الإسلامي كلّه أسوة حسنة في رسومه الفاشية، وآدابه القويمة.
ويمكننا أن نقول بعبارة أخرى: إن الحياة المحمدية كانت مركز الدائرة، فجاء الصحابة، فخطّوا حول نقطة المركز خطوطا تمّت بها تلك الدائرة والتف المسلمون بعد ذلك من حولها. وإذا كانت المدنية الإسلامية