← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9823

شرح البخاري للسفيري = المجالس الوعظية في شرح أحاديث خير البرية

شمس الدين السفيري

Полный текст (811 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ترجمة السفيري نسبه وموطنة ومذهبه هو: شمس الدين محمد بن الشيخ زين الدين عمر بن الشيخ شهاب الدين السفيري الحلبي الشافعي، الإمام العلامة ولد بحلب سنة سبع وسبعين وثمانمائة. وعرف به ناسخ كتابه هذا فقال: العالم العلامة والبحر الفهامة المحدث شيخ الإسلام شمس الدين محمد بن أحمد بن زين الدين بن شهاب الدين السفيري. ثم قال: السفيري الأصل، حلبي المنشأ، الشافعي المذهب. شيوخه وعلمه وسفره في تحصيل العلم ومن أشهر شيوخه الحافظ الإمام جلال الدين السيوطي المتوفى سنة٩١١هـ، ونقل عنه كثيراً في شرحه على صحيح البخاري. والعلاء الموصلي. والكمال ابن أبي شريف. وكمال الدين محمد بن علي القاهري الشافعي قاضي قضاة الشافعية بالديار المصرية، الشهير بالطويل، قال صاحب الشذرات: وأخذ بحلب عنه الشمس السفيري. وخليل بن نور الله المعروف بمنلا خليل الشافعي نزيل حلب، قال صاحب الشذرات: وأكب على القراءة عليه بها جماعة منهم الشمس السفيري. والبدر السيوفي، وغيرهم. وأما عن طلبه للعلم وإقباله عن شيوخه فقد قال نجم الدين الغزي في كتابه الكواكب السائرة، فقد أدرجه في الطبقة الثانية وقال: لازم العلاء الموصلي والبدر السيوفي في فنون شتى، وقرأ على الكمال بن أبي شريف في حاشيته على شرح العقائد النسفية، ورسالة العذبة له، وقدم مع أخيه الشيخ إبراهيم بن أبي شريف إلى دمشق فأجاز له ولبعض الدمشقيين، ثم إلى حلب فقرأ عليه بها رسالة مختصر الرسالة القشيرية له، وقرأ على أبي الفضل الدمشقي في شرحه النزهة في الحساب، وعلى الشيخ محمد الداديخي في شرح الشاطبية لابن القاصح، وعلى غيره. ودرس بالجامع الكبير بحلب، والعصرونية، والسفاحية، وجامع تغري بردي، وسافر إلى القاهرة سنة سبع وعشرين وتسعمائة، واجتمع بها بشيخ الإسلام زكريا الأنصاري، وحضر الصلاة عليه لما مات في تلك السنة، واجتمع بآخرين منهم: الشيخ نور الدين البحيري، وصحب في صغره الشيخ عبد القادر الدشطوطي، حين قدم

стр. 2

حلب، وفي كبره الشيخ شهاب الدين الأنطاكي. تلامذته الذين أجازهم للسفيري تلامذة أجازهم لما اجتمعوا به وحملت لنا المراجع اسمين فقط. فقد أجاز علاء الدين أبا الحسن علي بن سليمان بن أحمد بن محمد المرداوي السعدي ثم الصالحي الحنبلي. وعبد العزيز بن عبد الواحد بن محمد بن موسى المغربي المكناسي المالكي وحدث أنه لما زار بيت المقدس ودمشق في سنة ٩٥١ هـ، ثم ورد حلب فاستجاز بها شمس الدين السفيري، وموفق الدين ابن أبي ذر. مؤلفاته له غير شرحه لصحيح البخاري كتاب بعنوان: «تحفة الأخيار في حكم أطفال المسلمين والكفار» ذكره صاحب كشف الظنون. وفاته توفي رحمه الله تعالى سنة ست وخمسين وتسعمائة (١) .

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وعليه أتوكل (١) الحمد لله رب العالمين، وصلى على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. المجلس الأول في ترجمة البخاري ﵁ ونفعنا به وفي ذكر شيء من فضائله فإنه كان من أكابر العلماء، والأولياء والصالحين، وبذكر الأولياء والعلماء والصحابة تنزل الرحمة، كما تنزل على مجالس العلماء، فإن مجالس العلماء روضة من رياض الجنة، تنزل عليهم الرحمة كما ينزل المطر من السماء، تدخل العصاةُ مذنبين وينصرفون مغفوراً لهم، الملائكة تستغفر لهم، ما داموا جلوساً عندهم، إن الله تعالى ينظر إليهم، فيغفر للعالم والمستمع والمحب لهم، فكيف لا تجب محبتهم وإكرامهم، والله تعالى بسببهم ينزل الرحمة على كل من حضر المجالس التي فيها ذكرهم، وكذا ذكر أهل الخير والصلاح فعليك بمجالسة العلماء تنتفع بالحضور عندهم، فإنه من جالس الأخيار سلم، ومن جالس الأشرار ندم، ومن جالس العلماء غنم، نفعنا الله بهم في الدارين. نسب الإمام البخاري ولنبدأ بنسبه فنقول: أما نسبه فهو: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بَرْدِزْبَة الجعفي. وجده «بَرْدِزْبَة» كان فارسياً مجوسياً على دين قومه، مات ولم يسلم. «بَرْدِزْبَة» لفظة بخارية ومعناه بالعربية: الزارع، وجده المغيرة والد «بَرْدِزْبَة» كان مجوسياً، ولكنه أسلم على يد اليمان الجعفي والى بخارى، فلهذا يقال للبخاري الجعفي لكون جده المغيرة أسلم على يد اليماني الجعفي بمذهب من يرى أن من أسلم

стр. 4

على يد شخص كان ولاؤه له (١) . وجده إبراهيم ولد المغيرة قال شيخ الإسلام ابن حجر (٢) : لم نقف على شيء من أخباره. وأما والده إسماعيل فإنه كان من خيار الناس ﵁ حضر الأكابر، وسمع منهم كالإمام مالك، وحماد بن زيد، وصحب عبد الله بن المبارك ومات والبخاري صغير فنشأ في حجر أمه. وكانت ﵂ مجابة الدعوة، ومن كراماتها: أن البخاري ذهب بصره في صغره، فرأت أمه في المنام إبراهيم الخليل ﵊ فقال لها: يا هذه قد رَدَّ الله على ابنك بصره بكثرة دعائك أو بكائك، فأصبح وقد رَدَّ الله بصره عليه. ولد ﵁ ببخارى بالإجماع يوم الجمعة بعد الصلاة لثلاث عشر ليلة خلت من شوال سنة أربع وتسعين ومائه، وحج ﵁ مع أمه وأخيه أحمد. مناقب البخاري وكان أخوه أسنَّ منه، فأقام هو بمكة يطلب العلم مجاوراً، ورجع أخوه أحمد إلى بخارى فمات بها. وأما حفظة وسيلان ذهنه ففي الغاية والنهاية، نقل عنه ورَّاقُه (٣) أنه قال: ألهمت حفظ الحديث وأنا في الكُتَّاب، قلت: وكم أتى عليك إذ ذاك؟ فقال: عشر سنين أو أقل. ونقل عنه أنه قال: أحفظ مائه ألف حديث صحيح، ومائتي ألف حديث غير صحيح. واتفق له حكاية عجيبة تدل على قوة حفظه وهي: أنه لما دخل بغداد سمع به أصحاب الحديث، فاجتمعوا وأرادوا امتحان حفظه فعمدوا إلى مائة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها، وجعلوا متن هذا الإسناد إلى إسناد آخر، وإسناد هذا المتن لمتن آخر، ودفعوها إلى عشرة نفس، لكل رجل عشرة أحاديث، وأمروهم إذا حضروا المجلس أن يلقوا ذلك على البخاري، فلما اجتمعوا وحضر في المجلس خلق كثير واطمأن المجلس

стр. 5

بأهله، انتدب رجل من العشرة فسأله عن حديث من تلك الأحاديث، فقال البخاري: لا أعرفه، فمازال يلقي عليه واحداً بعد واحد حتى فرغ والبخاري يقول له: لا أعرفه، فكان العلماء ممن حضر المجلس يلتفت بعضهم إلى بعض ويقولون: فهم الرجل، من كان لم يدر القصة يقضي على البخاري بالعجز والتقصير وقلة الحفظ، ثم انتدب رجل أيضاً من العشرة فسأله عن حديث من تلك الأحاديث المقلوبة فقال: لا أعرفه، فلم يزل يلقي عليه واحداً بعد واحد حتى فرغ من عشرته، والبخاري يقول له: لا أعرفه، ثم انتدب الثالث والرابع إلى تمام العشرة حتى فرغوا. فلما عرف أنهم قد فرغوا، التفت إلى الأول فقال: أما حديثك الأول فقلت كذا وصوابه كذا، وحديثك الثاني كذا وصوابه كذا، والثالث والرابع على الولاة حتى أتى على تمام العشرة فرد كل سند إلى إسناده، وكل إسناد إلى متنه، وفعل بالآخرين مثل ذلك، فأقر الناس له بالحفظ، وأذعنوا له بالفضل. قال شيخ الإسلام ابن حجر: هنا [يخضع للبخاري] (١) فما العجب من رده الخطأ إلى الصواب، فإنه كان حافظاً، بل العجب من حفظه للخطأ على ترتيب ما ألقوه عليه من مرة واحدة. ذكر مشايخ البخاري وأما مشايخه الذين كتب عنهم فقد نقل عنه أنه قال: كتبت عن ألف وثمانين نفساً، ليس منهم إلا صاحب حديث. ونقل عنه أنه قال: ما قدمت على شيخ إلا كان انتفاعه بي أكثر من انتفاعي به. وأما الجماعة الذين قرؤوا عليه وأخذوا عنه الحديث فخلق كثيرون نحو مائة ألف أو يزيدون، أو ينقصون، وكان يحضر مجلسه أكثر من عشرين ألفاً يأخذون عنه. ذكر تعظيم الناس للبخاري وأما ثناء الناس عليه وتعظيمهم له فقد قال ابن خزيمة: «ما تحت أديم السماء أعلم بالحديث منه وأحفظ» (٢) .

стр. 6

وقال بعضهم: «هو آية من آيات الله يمشي على وجه الأرض» (١) . وقال له الإمام مسلم مؤلف الصحيح: «أشهد أنه ليس في الدنيا مثلك» (٢) . وكان مسلم كلما دخل يسلم ويقول: «دعني أقبل رجليك يا طبيب الحديث في علله، ويا أستاذ الأستاذين، ويا سيد المحدثين» (٣) . وقال أبو عيسي الترمذي: «لم أر مثله جعله الله زين هذه الأمة» (٤) . وقال عبد الله بن حماد: «وددت أن لو كنت شعرة في جسد محمد بن إسماعيل» (٥) . وحكي أن أهل بغداد كتبوا إلى البخاري كتاباً يثنون عليه فيه ومن جملته:

стр. 7

المسلمون بخير ما بقيت لهم ... وليس بعدك خير حين تفتقد (١) قال الحاكم: «ولوفتحنا باب الثناء عليه ممن تأخر عن عصره لفني القرطاس، ونفذت الأنفاس، فذاك بحر لا ساحل له» (٢) . رحلته في طلب الحديث وأما رحلته لأجل أخذ العلم والحديث من العلماء فقد رحل رحلات واسعات، وكتب عن شيوخ متوافرات، وافية متكاثرات، ونقل عنه أنه قال: «دخلت إلى الشام ومصر والجزيرة وإلى البصرة أربع مرات، وأقمت بالحجاز ستة أعوام، لا أُحصي كم دخلت إلى الكوفة وبغداد مع المحدثين» (٣) . كتابه الصحيح وسبب تأليفه وأما كتابة الصحيح فليس بعد القرآن كتاب أصح منه، وهو أصح من صحيح مسلم على الصحيح، واسمه «الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله ﷺ وسننه وأيامه» كذا سماه هو ﵁. وروي عنه أنه قال: «صنفت كتاب الصحيح في ستة عشر سنة، وخرجت من ستمائة ألف حديث، وجعلته حجة بيني وبين الله » (٤) . وسبب تصنيفه لهذا الكتاب ما نقل عنه أنه قال: «رأيت النبي ﷺ في المنام كأني واقف بين يديه وبيدي مروحة أذب بها عنه، فسألت بعض المعبرين فقال: أنت تذب الكذب عن حديثه ﷺ فهو الذي حملني على إخراج الصحيح» (٥) . ونقل عنه أنه قال: «ما وضعت في كتابي هذا حديثاً إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين» (٦) .

стр. 8

قيل: كان تصنيفه لهذا الكتاب بمكة المشرفة، والغسل بماء زمزم، والصلاة خلف المقام. وقيل: كان بالمدينة الشريفة، وترجم أبوابه في الروضة المباركة، وصلى لكل ترجمة ركعتين (١) . وله تصانيف كثيرة غير الصحيح نقل عنه ﵁ أنه قال: «أقمت بالبصرة خمس سنين مع كتبي، أصنف وأحج في كل سنة، وأرجع من مكة إلى البصرة، قال: وأنا أرجو أن الله يبارك للمسلمين في هذه المصنفات» ولقد بارك الله فيها. زهده وورعه وفضله وأما سيرته ومناقبه وشمائله وفضائله وزهده وروعة فكثيرة كلَّت الكتَّاب عن حصرها. قيل: إنه كان عنده شيء من شعرات النبي ﷺ فجعله في ملبوسه. ومن فضائله: أنه قال على سبيل التحدث بالنعمة: «إني لأرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبت أحد من هذه الأمة» (٢) . اسمع واتعظ يا من يغتاب الناس ويمزق أعراضهم: «أوحى الله إلى موسى ﵇ من مات تائباً من الغيبة، فهو آخر من يدخل الجنة، ومن مات مصراً عليها فهو أول من يدخل النار» . وجاء في الحديث: «من كف لسانه عن أعراض الناس قال الله عثرته يوم القيامة» (٣) . وحكي عن داود الطائي ﵁ أنه مر يوماً بموضع فوقع مغشياً عليه فحل إلى

стр. 9

منزله فلما أفاق سئل عن ذلك فقال: «ذكرت أني اغتبت رجلاً في هذا الموضع، فذكرت مطالبته إياي بين يدي الله تعالى» . قال بعضهم: «الغيبة فاكهة الفقراء، وضيافة الفساق، وبساتين الملوك، ومراتع النساء، ومزابل الأتقياء» . وقال حاتم الأصم: «المغتاب والنمام قردا أهل النار، والكذب كلب أهل النار، والحاسد خنزير أهل النار» . وحكي: أن عيسي ﵇ رأى إبليس وفي يده عسلاً، وفي الأخرى رماداً، فسأله عن ذلك فقال: العسل أجعله في شفاه المغتابين، والرماد أجعله في وجوه الأيتام، حتى يرمدوا فيستقذرهم الناس فلا يفعلون معهم خيراً. ومنها: أن والده إسماعيل كان كثير المال، نقل عن والده أنه قال: لا أعلم في مالي درهماً من حرام، ولا درهما من شبهة، فلما مات والده إسماعيل انتقل المال إليه، فكان يعطيه مضاربة، فقطع له غريم خمسة وعشرين ألفاً، فقالوا له: استعن عليه بالوالي، فقال: لن أبيع ديني بدنياي، ثم صالح غريمه على أن يعطيه كل شهر عشرة دراهم، وذهب ذلك المال كله (١) . وحمل إليه بعض عماله بضاعة وكانت مطلوبة، فجاءت إليه التجار آخر النهار وطلبوها منه بربح خمسة آلاف درهم فردهم، فقال لهم: انصرفوا الليلة، فجاءه من الغد تجاراً آخرون فطلبوا منه البضاعة تربح عشرة آلاف درهم، فردهم وقال: إني نويت البارحة أن أدفع إلى الأولين، فلا أغير نيتي ودفعها إليهم (٢) . ونقل عنه أنه قال: كنت استغل كل شهر خمسمائة درهم فأنفقها في الطلب، وما عند الله خير وأبقى (٣) . ومع كثرة هذا المال كان يأتي عليه نهار لا يأكل فيه، وكان أحياناً يأكل لوزتين أو ثلاثاً، وكان يتصدق بماله على الفقراء.

стр. 10

طلبه العلم مع سعة ماله ﵁ وطلبه العلم مع سعة هذا المال نقل عنه أنه قال: ما أشريت من حين ولدت من أحد بدرهم ولا بعت أحداً شيئاً، فسئل عن الورق الذي يكتب فيه والحبر فقال: كنت أوكل أنساناً يشتري لي، فكيف لا يكون ولياً. زهد البخاري وقد زهد في الدنيا وآثر غيره على نفسه، وصبر على شدة الجوع مع كثرة ما معه من مال، وكل هذا من علامات الأولياء. قال إبراهيم بن أدهم لرجل: أتحب أن تكون لله ولياً؟ قال: نعم، قال: لا ترغب في شيء من الدنيا والآخرة، وفرِّغ نفسك لله، وأقبل عليه بوجهك ليقبل عليك ويواليك. بل كثير من أولياء الله يأتيهم رزقهم من غير تعب ولا تكلف، كما حكي عن عتبة الغلام أنه دعا ربه أن يهب له ثلاث خصال في دار الدنيا، دعا أن يمن عليه بصوت حزين، ودمع غزير، وطعام من غير تكلف، فكان إذا قرأ بكى وأبكى، وكانت دموعه جارية دهره، وكان يأوي إلى منزله فيصيب قوته، ولا يدري من أين يأتيه. وحكي أن رابعة العدوية كانت تطبخ قدراً فاشتهت بصلاً فجاء طائر في منقاره بصلة فألقاها إليها. ومنها: أنه (١) وقف يصلي فلسعه زنبور سبع عشرة مرة، ولم يقطع صلاته (٢) . وفاة البخاري وما ظهر من الكرامات عند وفاته وكانت وفاته (٣) ﵁ ليلة السبت ليلة عيد الفطر، سنة ست وخمسين ومائتين، عن

стр. 11

اثنين وستين سنة إلا ثلاثة عشر يوماً وصفته: أنه كان نحيف الجسم، ليس بالطويل ولا بالقصير وحق أن ينشد فيه. تراه من الذكاء نحيف الجسم ... عليه من توقده دليل إذا كان الفتى ضخم المعالي ... فليس يضيره الجسد الضئيل (١) ولما دفن فاح من تراب قبره رائحة طيبة كالمسك، وكان الناس تأتي إلى قبره يأخذون التراب منه للتبرك به ولشمه، حتى ظهرت الحفرة للناس، ولم يكن يقدر على حفظ القبر بالحراس فنصبوا على القبر أخشاباً مشبكة منعوا الناس بها من الوصول إلى قبره، فكانت الناس تأخذ التراب والحصيات من حوالي القبر، دامت تلك الرائحة أياماً كثيرة، حتى توارت وشاعت في جميع تلك البلاد، ولا يبعد أن تكون هذه الرائحة رائحة صيامه الذي صامه في الحياة وأخفاه عن الناس، فأظهره الله لهم بعد موته، إظهاراً لفضله وعظيم منزلته عنده. قال العلامة ابن رجب في «اللطائف» : ريح الصائم أطيب عند الله من ريح المسك فكلما اجتهد صاحبه على إخفائه فاح ريحه، ثم قال: لما دفن عبد الله بن غالب كان يفوح من تراب قبره رائحة المسك، فرؤي في النوم فسئل عن تلك الرائحة التي توجد من قبره؟ فقال: تلك رائحة التلاوة والظمأ، ولله در من قال: وكاتم الحب يوم البين منهتك ... وصاحب الوجد لا تخفى سرائره (٢) لم ينم الصادقون أحوالهم، وريح الصدق ينم عليهم، ما أسر أحد سريرة إلا ألبسه

стр. 12

الله رداءها علانية، وما أحسن قول القائل: كم أكتم حبكم عن الأغياري ... والدمع يذيع في الهوى أسراري كم أستركم هتكتموا أستاري ... من يخفي في الهوى لهيب النار وقيل: إن بعض العلماء رأي ليلة موته (١) النبي ﷺ في النوم، ومعه جماعة من أصحابه، وهو واقف في موضع قال: فسلمت عليه، وقلت: يا رسول الله ما وقوفك هاهنا قال: انتظر محمد بن إسماعيل. ونقل عن الفربري أنه قال: رأيت النبي ﷺ في المنام فقال لي: أين تريد؟ فقلت: أريد محمد بن إسماعيل البخاري، فقال: اقرأه مني السلام (٢) . وقال أبو زيد المروزي الفقيه: كنت نائماً بين الركن والمقام، فرأيت النبي ﷺ في المنام: فقال: يا أبا زيد إلى متي تدرس الفقه ولا تدرس كتابي؟ فقلت: يا رسول الله وما كتابك؟ فقال: جامع ابن إسماعيل (٣) . وقال الإمام القدوة أبو محمد بن أبي جمرة المالكي نفعنا الله ببركاته: قال لي من لقيته من العارفين عن من لقي من السادة المقر لهم بالفضل: أن صحيح البخاري ما قريء في شدة إلا فرجت، ولا رُكب به في مركب فغرق (٤) . وحكي: أنه قريء مرة في حمص لرفع البلاء فرفعه الله. وجملة ما في صحيح البخاري من الأحاديث مع المكرر سبعة ألاف ومائتان وخمس وسبعون حديثاً كما جزم به ابن الصلاح، وبإسقاط المكرر أربعة آلاف حديث (٥) على

стр. 13

ما قيل (١) . ومن شعره ﵁ وأرضاه: اغتنم في الفراغ فضل الركوع ... فعسي أن يكون موتك بغتة كم صحيح رأيت من غير سقم ... ذهبت نفسه صحيحة فلتنه (٢) وكم له من الكرامات ﵁، رفع الله ذكره الشريف وقد فعل، وجعل له لسان صدق في الآخرين وقد جعل. * * *

стр. 14

كتاب بدء الوحي «قال الشيخ الحافظ الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم» . قال العلماء (١) : «بسم الله» جار ومجرور متعلق بمحذوف اتفاقاً، قدره بعضهم فعلاً نظراً إلى أن الأصل في العمل الأفعال، وقدره بعضهم مصدراً مرفوعاً على الابتدا نظراً إلى أن المقام مقام الابتدا، والتقدير على الأول: «بسم الله ابتدئ» وعلى الثاني: «ابتدائي ببسم الله ثابت» فحذف المبتدأ وخبره، وبقي معمول المبتدأ والتقدير الأول أولى، لأن المصدر لا يعمل محذوفاً. ولو قيل: إن «بسم الله» متعلق بالاستقرار على أنه في موضع الخبر لمبتدأ محذوف: والتقدير: «ابتدائي مستقر ببسم الله» لم يبعد وسلم من دعوى عمل المصدر في حالة حذفه، قاله في بعض المحققين، وقال: إنه لم يره مسطوراً. ويقدر متعلق «بسم الله» في كل موضع بحسبه، فإن جعلت «بسم الله» للأكل، قدرت: بسم الله آكل أو أكلي، أو للشرب قدرت: بسم الله أشرب أو شربي، وما أشبه. فالحاصل أن متعلق «بسم الله» إما «أبتدي» أو «ابتدائي» ، ويسمي «المجرور» حنيئذ «بالظرف اللغو» ، وإما أن يكون المتعلق الاستقرار ويسمي «بالظرف المستقر» ، والفرق بين الظرف اللغو والمستقر: أن الظرف اللغو ما كان عامله خاصاً كالابتداء ونحوه، والمستقر: ما كان عامله عاماً كالاستقراء ونحوه. وإضافة «اسم» إلى «الله» قيل: من إضافه العام إلى الخاص «كخاتم حديد» . وقيل: المضاف هنا مقتحم جيء به لإرشاد حسن الأداء. وقيل: الاسم هنا بمعني التسمية. وقيل: في الكلام حذف مضاف تقديره: باسم مسمى الله، «والله» علم على الذات المعبود بحق، وتفخم لامه وجوباً إذا ضم ما قبله، قال ابن الجزري: وفخم اللام من اسم الله ... عن فتح أو ضم كعبد الله و «الرحمن» على وزن فعلان مشتق من «رحم» بالكسر، «كغضبان» من غضب، وهو صفة مشبهة. فإن قيل: كيف يأتي من «رحم» بالكسر وهو متعدد، وهي لا تأتي إلا من فعل لازم؟

стр. 15

أجيب عنه: بأنها بنيت من «رحم» بالكسر بعد النقل إلى فعل بالضم، أو بعد تنزيل المتعدي منزلة الفعل اللازم، كما في قولك: «فلان يعطي» . وههنا سؤال وهو: إن قيل: «الرحمن والرحيم» صفتان مشتقتان من الرحمة، والرحمة: رقة القلب، وهي في حق الله محال تعالى سبحانه عن أن يكون له قلب أو نحوه من صفات الأجسام؟ والجواب عنه: أن أسماء الله تؤخذ باعتبار الغايات، فإذا وصف الله بأمر ولم يصح وصفه به، يحمل على غاية ذلك، وهذه قاعدة في كل مقام، وغاية رقة القلب التفضل والإحسان فهو المراد هنا. وابتدأ البخاري -رحمه الله تعالى- كتابه «ببسم الله الرحمن الرحيم» اقتداء بالقرآن الكريم العظيم، وعملاً بقول النبي ﷺ «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر» (١) أي: ذاهب البركة، رواه الخطيب بهذا اللفظ في كتابه الجامع،

стр. 16

فلهذا ابتدء بها المصنفون في أول كتبهم. فإن قيل: ما الحكمة في أن الله تعالى ابتدء القرآن العظيم بالبسملة؟ فالجواب: كما قاله البشفي: إنه فعل ذلك سبحانه ليعملنا بابتدائه بالرحمة رضاه عنا، فإن السيد إذا كتب لعبده الغائب كتاباً، عرف رضا سيده وسخطه من عنوان كتابه، والله تعالى جعل عنوان كتابه «بسم الله الرحمن الرحيم» ولم يقل: بسم الجبار والقهار، بل بدأ بالرحمة، وجعلها سابقة على الكل، إشارة لها إلى أن رحمته قبل غضبه، وأن رضاه قبل سخطه، فله الحمد والمنة على ذلك. جاء في حديث: «أن الله تعالى كتب على نفسه قبل أن يخلق الخلق: إن رحمتي تغلب غضبي» (١) . وجاء أيضا: «إذا كان يوم القيامة أخرج الله تعالى كتاباً من تحت العرش فيه مكتوب: إن رحمتي سبقت غضبي وأنا أرحم الراحمين» (٢) . فيا أيها الرب الكريم وخير من ... ينادى به رباه رباه رباه تفضل علينا يا كريم برحمة ... تعم جميع الخلق وتغشاه وبارك لنا في الزرع والضرع دائماًً ... وغزر لنا شعب النبات وفرعاه وأرخص لنا الأسعار في كل بلدة ... واغن جميع الخلق كلاً بمعناه وسهل ونفس واقض كل إنابة ... وتب واعف واغفر كل ذنب عملناه

стр. 17

لطيفة: قال الإمام الرازي: كتب عارف من العارفين لما دنا أجله «بسم الله الرحمن الرحيم» وأوصى أن تجعل في كفنه فقيل له: أي فائدة لك في هذا؟ قال: أقول يوم القيامة إلهي بعثت إلينا كتاباً وجعلت عنوانه «بسم الله الرحمن الرحيم» فعاملني بعنوان كتابك. واختلف العلماء في البسملة (١) هل هي آية من الفاتحة، ومن كل سورة أم لا؟ فذهب إمامنا الشافعي إلى أنها آية من الفاتحة، ومن كل سورة إلا براءة، للأخبار ولإجماع الصحابة على إثباتها في المصحف أوائل السور سوى براءة، فلو لم تكن قرآنا لما أجازوا ذلك، لأنه يحمل على اعتقاد ما ليس بقرآن قرآناً. بل ذكر الروياني من أصحابنا الشافعية في كتابة «البحر» : أن البسملة أفضل آي القرآن. والحكمة في عدم ابتداء سورة براءة بالبسملة: أنها نزلت في الخوف والقتال بالسيف، والبسملة آية أمان، والأمان والخوف لا يجتمعان. وذهب الأئمة الثلاثة إلى أنها ليست آية من كل سورة. واختلاف العلماء فيها لا يكفر جاحدها ومنكرها بخلاف غيرها من أي القرآن إذا أنكره فإنه يكفر. والبسملة التي في أثناء النمل آية من القرآن بالإجماع. ومذهب الشافعي يستحب الجهر بها في الصلاة الجهرية (٢) ، ومذهب أبي حنيفة وأحمد يسر بها مطلقاً، والإمام مالك لا يقرأها سراً ولا جهراً، وإذا قرأها خارج الصلاة ويأتي بها في أول الفاتحة وأول كل سورة إلا براءة، وإذا قرأ من أول الأجزاء لا من أول السورة فهو مخير بين البسملة وتركها. وقد ذكر العلماء فوائد متعلقة بالبسملة (٣) : الأولى: أن كعب الأحبار قال: إن الباء من بسم الله بهاء الله، والسين سناوه، والميم ملكه. الثانية: اشتملت البسملة على ثلاثة أسماء «الله، الرحمن، الرحيم» أما «الله» فهو المستحق للعبادة، وهذا معناه، وهو علم على الله غير مشتق كما قاله طائفة من العلماء منهم الإمام الشافعي، ومحمد بن الحسن، والغزالي. ونقل عن الأشعري أنه رؤي في المنام فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي بقولي: إن الله علم على ذات الله تعالى، وهو اسم الله الأعظم.

стр. 18

كما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة، وأكثر مشايخ التصوف والعارفين، فإنه لا ذكر لصاحب مقام فوق الذكر باسمه مجرداً. واستدلوا على ذلك بأشياء منها: أن الله تعالى لما خاطب موسي قال: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ﴾ [طه: ١٤] فلو كان له اسم أعظم منه لقاله. ومنها: أنه لم يسم به غيره بدليل قوله تعالي ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِياًّ﴾ [مريم: ٦٥] أي: هل تعلم أحد تسم غير الله. وفي الاسم الأعظم خلاف كثير سيأتي في محله. واسم الله أعرف المعارف، وقد ذكر هذا الاسم الشريف في القرآن في ألفين وثلاثمائة وستين موضعاً. وأما اسم «الرحمن» فهو اسم خاص به سبحانه، لأنه صفة لمن وسعت رحمته كل شيء، ومن لم يكن كذلك لا يسمي رحماناً. وتسمية مسيملة الكذاب برحمان فهو صادر من الكفار فلا عبرة بذلك، فلا يجوز للإنسان أن يسمي ولده بالرحمن بل بعبد الرحمن. قال السبكي: المختص بالله هو المعرف باللام دون غيره، فعلي قوله يجوز التسمية برحمان لا بالرحمن. وأما اسم «الرحيم» فإنه يطلق على غير الله أيضاً. فإن قيل: إذا كانت البسملة من الفاتحة فما الحكمة في ذكر الرحمن الرحيم في الفاتحة، بعد ذكرهما في البسملة؟ فالجواب عنه من وجهين: أحدها: أن الله تعالى لما ابتدء كتابه بالحمد لله رب العالمين بعد البسملة عَلِم سبحانه أن النفوس ترهب من ذلك، فعقبة بقوله «الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ» ليجمع في صفاته بين الرهبة منه، والرغبة إليه فيكون أعون على طاعته وأمنع من معصيتة، ونظير هذا قوله تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ العَذَابُ الأَلِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩، ٥٠] ، وقوله تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقَابِ ذِي الطَّوْلِ﴾ [غافر: ٣] .

стр. 19

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد» (١) قاله الغزالى في جواهر القرآن. ثانيهما: كررهما تأكيداً للرحمة وعناية بها، ومع ذلك عقبهما بقوله ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] لئلا يغتروا قاله النيابوري. و «الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» اسمان من أسماء الله يجب على كل مكلف أن يعلم أن الله هو الرحمن الرحيم، وأرحم الراحمين. واختلف العلماء فيهما هل هما بمعنى واحد أم لا؟ فقيل: هما بمعنى واحد وصححه ابن العربي. والصحيح أن «الرحمن» أبلغ من «الرحيم» كما قاله الأكثرون، ومعنى كون «الرحمن» أبلغ: أن رحمته في الدنيا شاملة له وللكافر والصالح، وتلك الرحمة هي إيصال الرزق، وخلق الصحة والسلامة ورفع الأسقام والمصائب والدواهي. و «الرحمن» أبلغ من الرحيم، لأن الرحمة الناشئة من الرحمن عامة في حق الولي والعدو والصديق والزنديق، والرحمة الناشئة من الرحيم مختصة بالمؤمنين. وقد فرق العلماء بين: «الرحمن، والرحيم» بفروق: الأول: أن «الرحمن» خاص بأهل السماء، و «الرحيم» بأهل الأرض. الثاني: أن «الرحمن» هو الذي يرحم برحمته واحدة، و «الرحيم» بمائة رحمة فعلى هذا يكون «الرحمن» خاص بأهل الدنيا، و «الرحيم» بأهل الآخرة، ويدل عليه ما رويناه في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله تعالى خلق يوم خلق السماوات والأرض مائة رحمة، كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض، فجعل منها في الأرض رحمة، فبها تعطف الوالدة على ولدها، والوحش والطير بعضها على بعض، فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة» (٢) .

стр. 20

الثالث: أن «الرحمن» ذو الرحمة الشاملة، الني وسعت الخلق في أرزاقهم وأسباب معايشهم ومصالحهم، عمت الجميع المؤمن والكافر، وأما «الرحيم» فخاص بالمؤمنين، كما قال ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ [الأحزاب: ٤٣] . وقيل غير ذلك. قال العلماء: «الرحمن» خاص بالله تعالى، لا يجوز أن يسمى به غيره بخلاف «الرحيم» وأما مسيلمة الكذاب فقد سماه قومه بذلك حيث قالوا. سموت بالمجد يا ابن الأكرمين أباً ... وانت غوث الورى لازلت رحماناً عناداً وكفراً لزعمهم أنه كان نبياً، فهو استعمال باطل، صدر من الكفار فلا عبرة به. وقد ذكر العلماء أن التسمية تستحب في مواضع منها: في ابتداء المصنفات للتأسي والاقتداء بالقرآن والتبرك بها، قال في نزهة المجالس: روي عن النبي ﷺ : «أول ما كتب القلم: بسم الله الرحمن الرحيم، ذا كتبتم فاكتبوها أوله، وهي مفتاح كل كتاب أنزل، ولما نزل بها جبريل ﵇ ها ثلاثاً وقال: هي لك ولأمتك وأمرهم لا يدعوها في شيء من أمورهم، فإني لم أدعها طرفة عين مذ نزلت على أبيك آدم ﵇ وكذلك الملائكة» (١) . وروي أن النبي ﷺ كان يكتب أولاً «باسمك اللهم» فلما نزلت السورة هود فيها ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [هود: ٤١] كتب: «بسم الله» فلما نزلت سورة سبحان وفيها: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أو ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الاسراء: ١١٠] كتب: «بسم الله الرحمن» فلما نزلت سورة النمل فيها ﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنِّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠] كتب: «بسم الله الرحمن الرحيم» (٢) .

стр. 21

واتفق العلماء على جواز كتابتها أول العلم والرسائل، ومنع جماعة من كتابتها في أول ديوان الشعر، إلا إذا كان فيه مواعظاً وحكماً. وذكر الرازي -رحمه الله تعالى- وغيره فوائد متعلقة بالبسملة: الفائدة الأولى: قيل: لما أنزلت «بسم الله الرحمن الرحيم» على آدم قال: الآن آمنت على ذريتي من العذاب فلما مات ارتفعت، ثم نزلت على نوح فنجاها من الطوفان، ثم ارتفعت بعد موته ثم نزلت على إبراهيم، فصارت النار عليه برداً وسلاماً، ثم نزلت على سليمان فاستقام ملكه، ثم نزلت على موسي فسلم في البحر، ثم ارتفعت ثم نزلت على عيسي، فأوحى الله إليه: قد نزلت عليك آية الأمان، فلما رفع ارتفعت، ثم نزلت على محمد ﷺ إلى يوم القيامة، فإذا كان يوم القيامة يأخذ المؤمن كتابة بيمينه ويقول: «بسم الله الرحمن الرحيم» فإذا هو أبيض لا شيء فيه، فيقال له: كان مملوءًا من السيئات ولكن محته «بسم الله الرحمن الرحيم» . الفائدة الثانية: لما أرسل الله موسى إلى فرعون وتمادى في الطغيان، فدعا عليه مدة، فقال تعالى: يا موسي أنت تنظر إلى كفره وأنا إلى ما هو مكتوب على باب قصره، وذلك أن جبريل ﵇ كتب عليه «بسم الله الرحمن الرحيم» فلذلك وصفه الله بالمقام الكريم. قال الرازي: ففي هذا إشارة إلى أن من كتب هذه الكلمة على باب داره أمن من الهلاك، وإن كان كافرًا، فكيف بالذي كتبها على سويداء قلبه من أول عمره إلى آخره لا يكون آمناً يوم القيامة من عذاب الله.

стр. 22

وروي عن علي أنه نظر إلى رجل يكتب «بسم الله الرحمن الرحيم» فقال: جودها فإن رجلاً جودها فغفر له (١) . واختلف الأئمة فيما إذا أرسل الإنسان كلباً له للصيد، ولم يقل «بسم الله الرحمن الرحيم» عند إرساله، وصاد الكلب هل يحل أكله أم لا (٢) ؟ ذهب إمامنا الشافعي إلى أنه يحل أكله سواء ترك التسمية سواء ترك التسمية عمداً وسهواً، فإن التسمية عند إرسال الكلب ونحوه للصيد سنة عند الشافعي لا واجبة (٣) . وذهب أبو حنيفة إلى أن ترك التسمية ناسياً حل أكله، وإن تركها عامداً لا يحل. مثل هذا ما إذا رمى الصيد بسهم فقتله فعلى مذهب الشافعي يحل، وعند أبي حنيفة كان ناسياً حل، وإن كان عامداً لا يحل. ومثل هذا الذبيحة ما إذا ذبح الإنسان شاة مثلاً وترك التسمية عند ذبحها هل تؤكل أم لا؟ مذهب إمامنا الشافعي يجوز أكلها سواء ترك لتسمية عامداً أو سهواً (٤) ، وعند أبي حنيفة إن تركها عمداً لا تؤكل لقوله تعالى ﴿وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] وإن تركها ناسياً تؤكل (٥) . وأجاب الشافعي عن الآية بأنها محمولة على الذي ذبح لغير الله، فإنه لا يحل أكله. وأقل التسمية «بسم الله» وأكملها «بسم الله الرحمن الرحيم» ، ويسن أن يقول عند الذبح والقتال «بسم الله والله أكبر» لأن الوقت لا يليق به «الرحمن الرحيم» . قال ابن العماد: وكيفية التسمية عليه أن يقول: «بسم الله» ولا يقل: «الرحمن الرحيم» لأن المقام لا يناسب الرحمة، ولا يقل: بسم الله واسم محمد. الفائدة الثالثة: قال الحناطي من الشافعية في فتاويه: لا يجوز جعل الفضة والذهب في ورقة كتب فيها «بسم الله الرحمن الرحيم» ، فإن فعل ذلك مع العلم بالمنع أثم. الفائدة الرابعة: إذا رأى الإنسان ورقة ملقاة على الأرض وفيها البسملة، أو شيء من القرآن يستحب رفعها بل يجب، إذا خيف أن تداس بالأرجل. قال ابن الجوزي: «قال رسول الله ﷺ : من رفع قرطاساً من الأرض فيه «بسم الله الرحمن الرحيم» احتراماً لله تعالى حرم الله وجهه على النار» (٦) .

стр. 23

وإذا رفعها جاز له غسلها بالماء وجاز له حرقها بالنار، لكن قال ابن عبد السلام الأولى أن يغسلها بالماء أو يحرقها بالنار، ويجعلها في شق الحائط أو غيره، ولأنها قد تسقط فتوطأ. وهل الحرق أولى أو الغسل بالماء؟ قال بعضهم: الحرق أولى من الغسل، لأنها بعد الغسل قد تقع على الأرض، ولا يكره الحرق إذا تعلق به غرض صحيح، كما إذا خاف أن توطأ تلك الورقة أو تستعمل في غير القراءة، فقد أحرق عثمان مصاحف، وكان فيها آيات وقرآن منسوخ ولم ينكر عليه. قال الزركشي: نعم يكره الحرق لغير حاجة (١) . الفائدة الخامسة: يحرم على الإنسان أن يضع على فراش أو نقش «بسم الله الرحمن الرحيم» أو بشيء من القرآن (٢) . لطيفة خاتمة: كتب قيصر إلى عمر بن الخطاب ﵁ أن بي صداعاً لا يسكن، فإذا

стр. 24

كان عندك دواءًا ابعثه إليَّ، فبعث إليه عمر قلنسوه فكان إذا وضعها على رأسه سكن صداعه، وإذا رفعها عن رأسه عاوده الصداع، فتعجب من ذلك ففتش القلنسوة فإذا مكتوب فيها «بسم الله الرحمن الرحيم» . الفائدة السادسة: ذكر ابن الملقن في شرحه على البخاري عن النقاش أنه قال: حين نزلت «بسم الله الرحمن الرحيم» سبحت الجبال فقالت قريش: سحر محمد الجبال (١) . قال: فإن صح ما ذكره فلذلك معنى، وذلك: أنها آية نزلت على آل داود، وقد كانت الجبال تسبح معه بنص القرآن العظيم. وقد ورد في فضلها عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: «من أراد أن ينجيه الله من الزبائية التسعة عشر فليقرأ «بسم الله الرحمن الرحيم» فيجعل الله له بكل حرف جنة من واحدة (٢) . وسنتكلم على التسمية وننقل فيها فوائد في باب الوضوء إن شاء الله تعالى. * * *

стр. 25

المجلس الثاني في الكلام على قوله: كيف كان بدء الوحي (١) إلى رسول الله ﷺ وفي قوله تعالى ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِه﴾ [النساء: ١٦٣] . وفيه طرف من خصائص سيدنا نوح وطرف من فضل الصلاة على النبي ﷺ . فإن قيل: لأي شيء لم يبتديء البخاري في أول صحيحه «بالحمد» (٢) وهو أمر مهم، وقد صح من حديث أبي هريرة ﵁ (٣) أن رسول الله ﷺ قال: «كل كلام لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أقطع ناقص البركة» رواه النسائي وابن ماجه (٤) . وأجاب عنه شيخ الإسلام سراج الدين ابن الملقن بسبعة أوجه: الأول: أن هذا الحديث ليس على شرطه فإن قرة بن عبد الرحمن وهو ممن انفرد به مسلم عن البخاري.

стр. 26

الثاني: أن المراد بالحمد الذكر والثناء، بدليل أنه جاء في رواية: «بذكر الله» (١) والتسمية مشتملة على ذلك، فاكتفي بها لأنها أبلغ الثناء. الثالث: يحتمل أن البخاري حمد الله بلسانه، لأن الذي اقتضاه لفظ الحمد أن يحمد لا أن يكتبه، وقيل في الجواب غير ذلك (٢) .

стр. 27

وقوله «باب» قال الكرماني: يجوز فيه وفي نظائره ثلاثة أوجه: الأول: «باب» بالرفع والتنوين. والثاني: «بابُ» بالرفع بلا تنوين على الإضافة، وعلى التقديرين هو خبر مبتدأ محذوف، أي: هذا باب. والثالث: «بابْ» بالسكون على سبيل التعداد للأبواب فلا إعراب له، قال البرماوي: ولا يخفى بُعده. و «بدء الوحي» بالهمز مصدر «بدء» بمعنى البداية، يقال: بدو الوحي بلا همز مصدر بدا يبدي بمعنى ظهر. و «الوحي» مصدر «وحى يحي» كوعد يعد، ويقال: «أوحى» رباعياً بمعناه، ولكن الأكثر في الاستعمال مصدر الثلاثي. ومعنى الوحي في اللغة: الإعلام بخفاء، وقيل: بسرعة ومنه الوحا. وأما في الشرع: فهو إعلام الله تعالى أنبياءه الشيء بكتاب أو برسالة أو ملك أو منام أو إلهام أو نحو ذلك (١) . واستعمل الوحي في كتاب الله بمعنى الأمر نحو: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الحَوَارِيِّينَ أَنْ

стр. 28

آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: ١١١] . وبمعني التسخير نحو: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨] وهو اتخاذها من الجبل بيوتاً، ومن عبر عن ذلك بالإلهام أراد هدايتها لذلك، وإلا فالإلهام حقيقة إنما يكون للعاقل. وبمعني الإشارة نحو: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَة وَعَشِياًّ﴾ [مريم: ١١] وقد يطلق الوحي بمعنى الموحى به كالقرآن والسنة، من إطلاق المصدر على المفعول قال تعالى ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤] ، وسنذكر أقسام الوحي في المجالس الآتية. وإنما صدر البخاري ﵁ كتابه بالوحي لأنه مادة الشريعة وقصده أن جميع أحاديث النبي ﷺ وحي (١) لقوله الله سبحانه إخباراً عن نبيه ﷺ ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤] . وقوله «إلى رسول الله» المراد: نبينا محمد ﷺ وإنما قال: إلى رسول الله ولم يقل إلى الرسول لكراهة ذلك، فقد قال السخاوي (٢) في القول البديع: أسند البيهقي (٣) من طريق الشافعي قال: يكره للرجل ان يقول قال الرسول، ولكن قال رسول الله ﷺ تعظيماً له والله الموفق. وصرح شيخنا السيوطي (٤) في خصائصه بذلك أيضاً قال: وكره الشافعي أن يقول في حقه: الرسول بل رسول الله، لأنه ليس فيه من التعظيم ما في الإضافة. فائدة: اختلف العلماء في الرسول والنبي هل هما بمعنى واحد؟ فقيل: هما بمعنى واحد فكل رسول نبي وكل نبي رسول. والجمهور على أن الرسول أخص من النبي فكل نبي رسول ولا عكس، إذ النبي إنسان أوحى الله إليه بشرع ولم يؤمر تبليغه، فإن أمر تبليغه فرسول أيضاً. وإنما قال: «إلي رسول الله» ولم يقل: إلى نبي الله، لأن الرسول المتصف بالرسالة، والنبي بالنبوة، والرسالة أفضل من النبوة، لأن الرسالة تثمر هداية الأمة، والنبوة قاصرة على النبي كالعلم والعبادة. وذهب ابن عبد السلام (٥) إلى أن النبوة أفضل من الرسالة، واحتج بأن النبوة: الوحي بمعرفة الله وصفاته، فهي متعلقة بالله من طرفها، والرسالة الأمر بالتبليغ فهي

стр. 29

متعلقة بالله من أحد طرفيها، والرسالة الأمر بالتبليغ، فهي متعلقة بالله من أحد طرفيها وبالعباد من الطرف الآخر، والمتعلق بالله من الطرفين أفضل من المتعلق به من أحدهما. ورد عليه بأن الرسالة أخص من النبوة، كما أن الرسول أخص من النبي فهي مشتملة على النبوة وزيادة. فائدة أخرى: مبنية على الفرق بين الرسول والنبي أفادها علماء الحديث وهي: ما إذا وقع في الرواية قال رسول الله، أو عن رسول الله هل يجوز تغييره إلى قال النبي، أو عن النبي، وكذا لو ورد قال النبي، أو عن النبي هل يجوز يجوز تغييره إلى قال رسول الله، أو عن رسول؟ اختلف علماء الحديث في ذلك فقال ابن الصلاح (١) : والظاهر أنه لا يجوز وإن جازت الرواية بالمعنى، لاختلاف معنى النبي والرسول. وقال النووي (٢) : الصواب الجواز لأنه لا يختلف به هنا معنى، وبه قال أحمد بن حنبل، وقد نبه العراقي (٣) في ألفيته على ما ذكرنا فقال (٤) :

стр. 30

إن رسول نبي أبدلا ... فالظاهر المنع كعكس فعلا قد رجي جوازه ابن حنبل ... والنووي صوبه وهو جلي ونظير هذه مسألة ذكرها الحليمي وهي: ما إذا قال الكافر: آمنت بمحمد النبي فإنه يصح إيمانه، بخلاف ما إذا قال: بمحمد الرسول، قال: لأن النبي لا يكون إلا لله، والرسول قد يكون لغيره، وهذا موافق لما قاله ابن الصلاح. قال ابن الملقن: وهو غريب. وقوله « ﷺ » فيه إشارة إلى أنه ينبغي لمن يكتب اسم النبي ﷺ أن يصلي ويسلم عليه عقب كتابته، كما يستحب أن يصلي ويسلم عقب ذكره. فائدة: علامة كون الإنسان من أهل السنة كثرة صلاته على النبي ﷺ ، وذكر العلماء: أن الملائكة تصلي عليه على الدوام، وأن مهر آدم على حوآء كان الصلاة عليه، فإن الله لما خلق حوآء أراد آدم القرب منها، فطلبت منه المهر فقال: يا رب ماذا أعطيها؟ قال: يا آدم صلي على صفيّ محمد بن عبد الله عشرين مرة، ففعل ذلك. وإن بكاء الصبي مدة صلاة عليه، فقد ورد في خبر: «لا تضربوا أطفالكم على بكائهم سنة، فإن أربعة أشهر منها يشهد أن لا إله إلا الله، وأربعة أشهر يصلي عليّ، وأربعة أشهر يدعو للوالدين» (١) .

стр. 31

وفي حديث آخر: «بكاء الصبي في المهد أربعة أشهر توحيد، وأربعة أشهر صلاة على نبيكم، وأربعة أشهر استغفار لأبويه» (١) . وفي حديث آخر: «فإذا استسقى نبع الله له ضرع أمه عيناً من الجنة فيشرب فيجزيه عن الطعام والشراب» (٢) . وذكروا: أن الصلاة على النبي ﷺ تزكية للأعمال ورفع للدرجات، ومغفرة للذنوب، وكفاية الدنيا والآخرة، ومحق للخطايا، ونجاة من الأهوال، ويحصل بها رضا الله ورحمته، وأمان من سخطه، ووجوب الشفاعة، والدخول تحت ظل العرش، ورجحان الميزان، وورد الحوض، والأمان من العطش، والعتق من النار، والجواز على الصراط، ورؤية المقعد المقرب من الجنة قبل الموت، وكثرة الأزواج في الجنة، وتقوم مقام الصدقة للمعسر، وينمو المال ببركتها، تقضى بها مائة حاجة من الحوائج بل وأكثر، وهي عبادة وأحب الأعمال إلى الله، وتزين المجالس، وتنفي الفقر وضيق العيش، وتنفع الإنسان وولده وولد ولده، وتقرب إلى الله وإلى رسوله، وتنصر على الأعداء، وتطهر القلوب من النفاق، وتوجب محبة الناس ورؤية النبي ﷺ في المنام، وتمنع صاحبها من الغيبة، وتنفع عند الهم والكرب والشدائد والفقر والغرق والطاعون، وهي من أبرك الأعمال وأفضلها، وأكثرها نفعاً في الدنيا. وتستحب في مواضع سنذكرها في محلها منها: كلما ذكر، بل ذهب بعض العلماء إلى أن الصلاة عليه تجب كلما ذكر، واختار هذا القول الحليمي (٣) من الشافعية والطحاوي (٤) من الحنفية، واللخمي (٥) من المالكية وابن بطه (٦) من الحنابلة، والصحيح عند إمامنا الشافعي (٧) : أن الصلاة على النبي ﷺ لا تجب إلا في الصلاة في التشهد الأخير، وهي فيه ركن من أركان الصلاة، وأما خارج الصلاة فإنها

стр. 32

تستحب. واختلف القائلون بالوجوب كلما ذكر، هل هو على العين فيجب على كل فرد، أو على الكفاية فإذا صلى واحد من الحاضرين سقط عن الباقين، والأكثر قالوا: على العين. قال ابن حجر: وتمسك القائلون بالوجوب كلما ذكر بأحاديث تدل على إبعاد تاركها وشقاوته وبخله وجفاه وغير ذلك، وهي قال رسول الله ﷺ : «رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصلي عليً، ورغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له، وغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة» (١) . وروي البخاري في الأدب المفرد، والطبري (٢) في تهذيبه، والدارقطني في الأفراد عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ رقي المنبر، فلما رقي الدرجة الأولي قال: «آمين» ، ثم رقي الثانية فقال: «آمين» ، ثم رقي الثالثة فقال: «آمين» فقالوا: يا رسول الله سمعناك تقول: «آمين» ثلاث مرات قال: «لما رقيت الدرجة الأولي جاءني جبريل فقال: شقى عبد أدرك رمضان فانسلخ منه ولم يغفر له، فقلت: آمين، ثم قال: شقى عبد أدرك والديه أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة، فقلت: آمين، ثم قال: شقى عبد ذكرت عنده فلم يصل عليك، فقلت: آمين» قال السخاوي: هو حديث حسن (٣) . وذكر في كتاب شرف المصطفى لأبي سعيد الواعظ (٤) : أنه ﷺ قال: «ألا أدلكم على خير الناس، وشر الناس، وأبخل الناس، وأكسل الناس، وألئم الناس، وأسرق الناس» قيل: يا رسول بلي، قال: «خير الناس من انتفع به الناس، وشر الناس من يسعي بأخيه المسلم، وأكسل الناس من أرق في ليلة فلم يذكر الله بلسانه وجوارحه، وألئم الناس من إذا ذكرت عنده فلم يصلي علي، وأبخل الناس من بخل

стр. 33

بالتسليم على الناس، وأسرق الناس من سرق صلاته» قيل: يا رسول الله وكيف يسرق صلاته؟ فقال: «لا يتم ركوعها ولا سجودها» (١) . وفي شرف المصطفى أيضاً: أن عائشة (٢) ﵂ كانت تخيط شيئاً في وقت السحر، فسقطت الإبرة من يدها، وطفئ السراج، فدخل عليها النبي ﷺ فأضاء البيت بضوءه ﷺ ووجدت الإيرة فقالت: ما أضوء وجهك يا رسول الله، قال: «ويل لمن لا يراني يوم القيامة» قالت: ومن لا يراك يوم القيامة؟ قال: «البخيل» قالت: ومن البخيل؟ قال: «الذي لا يصلي علي إذا سمع باسمي» (٣) . وفي حلية الأولياء لأبي نعيم (٤) : أن رجلاً مر بالنبي ﷺ ومعه ظبية قد اصطادها، فأنطق الله الظبية -سبحانه الذي أنطق كل شيء- فقالت: يا رسول الله: إن لي أولاداً، وأنا أرضعهم وإنهم جياع، فأمر هذا أن يخليني حتى أذهب فأرضع أولادي وأعود، قال: «فإن لم تعودي» قالت: إن لم أعد فيلعنني الله كمن تذكر بين يديهم ولم يصلوا عليك، أو كنت كمن صلى ولم يدع، فقال ﷺ : «أطلقها وأنا ضامنها» فذهبت الظبية، ثم عادت فنزل جبريل فقال: يا محمد الله يقرئك السلام ويقول لك: وعزتي وجلالي أنا أرحم بأمتك من هذه الظبية بأولادها، وأنا أردهم إليك كما رجعت الظبية إليك» (٥) .

стр. 34

وعن جابر (١) قال: قال رسول الله ﷺ : «حسب العبد من البخل إذا ذكرت عنده أن لا يصلي علي» رواه الديلمي (٢) من طريق الحاكم (٣) في غير المستدرك (٤) . وعن قتادة (٥) عن النبي ﷺ : «من الجفاء أن أذكر عند الرجل فلا يصلي عليّ» (٦) . وفي حديث أنس بن مالك (٧) قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من ذكرت بين يديه ولم يصل عليّ صلاة تامة فليس مني ولا أنا منه» ثم قال: «اللهم صل من وصلني، واقطع من لم يصلني» (٨) . قال السخاوي: وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «من لم يصل على فلا دين له» أخرجه محمد بن نصر المروزي (٩) وفي سنده من لم يسم (١٠) .

стр. 35

وعن عائشة مرفوعاً ولم أقف على سنده قال: «لا يرى وجهي ثلاثة أنفس: العاق لوالديه، وتارك سنتي، ومن لم يصل عليّ إذا ذكرت بين يديه» (١) . ففي الأحاديث المذكورة تحذير من ترك الصلاة عليه ما يذكر، وإخبار بحصول الشقاء، وأن من ترك الصلاة عليه أبخل الناس، ولا دين له، ولا يرى وجهه الكريم ﷺ وأنشد بعضهم فقال: من لم يصل عليه إن ذكر اسمه ... فهو البخيل وزده وصف جبان وإذا الفتى صلى عليه مرة ... من سائر الأقطار والبلدان صلى عليه الله عشراًً فليزد ... عبد ولا يجنح إلى نقصاني جججج والشافعي والجمهور أجابوا عن هذه الأحاديث بأنها خرجت مخرج المبالغة في تأكيد ذلك وطلبه، وأن الأمر فيها للندب لا للوجوب، وقالوا: إن الصلاة عليه لكلٍ تستحب في مواضع منها: كلما ذكر، ومنها: عند كتابة اسمه كما تقدم، فقد ورد في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «من صلى عليّ في كتابه لم تزل الملائكة تستغفر له ما دام اسمي في ذلك الكتاب» (٢) . قال ابن العربي (٣) بعده في رواية أخرى: «لم تزل الملائكة تكتب له الحسنات ما دام اسمي في ذلك الكتاب» (٤) .

стр. 36

وعن النبي ﷺ أنه قال: «من صلى في كتاب كتب الله تعالى له على مر الأيام فضل الصلاة» (١) . وحكى ابن الملقن أن بعض أصحاب الحديث رؤي في المنام فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي، فقيل له: بماذا؟ قال: بصلاتي على رسول الله ﷺ . وعن أبي بكر الصديق (٢) قال: قال رسول الله ﷺ : «من كتب عني علماً فكتب معه صلاة عليّ، لم يزل في أجر ما قريء ذلك الكتاب» أخرجه الدارقطني (٣) وغيره (٤) . وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا كان يوم القيامة يجيئ أصحاب الحديث ومعهم المحابر فيقول الله لهم: أنتم أصحاب الحديث طال ما كنتم تكتبون الصلاة على النبي ﷺ انطلقوا إلى الجنة» أخرجه الطبراني عن الديري عن عبد الزراق عن معمر بن راشد عن الزهري (٥) عن أنس (٦) . وعن سفيان ابن عيينة (٧) قال حدثنا خلف صاحب الخلقان قال: كان صديق يطلب معي الحديث، فمات فرأيته في المنام، وعليه ثياب خضر جديده يجول فيها فقلت له: ألست كنت تطلب معي الحديث؟ فما هذا الذي أري؟ فقال: كنت أكتب معكم الحديث فلا يمر حديث فيه ذكر النبي ﷺ إلا كتبت في أسفله ﷺ فإني بهذا الذي ترى. وإذا كتب الإنسان اسم النبي ينبغي أن يكتب معه ﷺ ، ويجمع بين الصلاة والسلام، ولا يقتصر على الصلاة فقط، بأن يكتب صلي الله عليه فقط، ولا يكتب وسلم فقط. حكي ابن عساكر (٨) عن من حدثه عن أبي العباس بن عبد الدايم قال -وكان كثير النقل لكتب العلم على اختلاف فنونه- أنه حدثه في لفظه قال: كنت إذا كتبت في كتب الحديث وغيرها النبي أكتب لفظ الصلاة دون التسليم، فرأيت النبي ﷺ في المنام

стр. 37

فقال لي: تحرم نفسك أربعين حسنة قلت: وكيف يا رسول الله؟ قال: إذا جاء ذكري تكتب صلى الله عليه، ولا تكتب وسلم، وهي أربعة أحرف كل حرف بعشر حسنات، قال: وعدهن ﷺ بيده. وكما قال ابن الصلاح ينبغي أن يحافظ على كتابة الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ عند ذكره، ولا يسأم من تكرير ذلك عند تكرره، فإن ذلك من أكبر الفوائد التي يتعجلها طلبة الحديث وكتبته، ومن أغفل ذلك مرة حرم حظاً عظيماً. ويتجنب أن يكتب «صلعم» مكان ﷺ كما يفعله الكسالى والجهلة وعوام الطلبة، يأخذون من كل كلمة حرفاً الصاد من صلي، واللام من الله، والعين من عليه، والميم من وسلم، ويجمعونها «صلعم» . ولنا عوده إلى الكلام على بقية المواضع والأوقات التي تستحب فيها الصلاة على النبي ﷺ وإلى ذكر مسائل نفيسة متعلقة بذلك في مجلس آخر. فائدة: من أكثر من الصلاة على النبي ﷺ في الكتابة وغيرها ولو كان مسرفاً ثم استغاث به في الشدة فإنه يغيثه ﷺ . فقد حكى ابن الملقن عن أبي الليث عن سفيان الثوري (١) أنه قال: كنت أطوف فإذا أنا برجل لا يرفع قدماً ولا يضع قدماً إلا ويصلي على النبي ﷺ فقلت: يا هذا إنك قد تركت التسبيح والتهليل، وأقبلت بالصلاة على النبي ﷺ فهل عندك من هذا شيء؟ فقال: من أنت عافاك الله؟ فقلت: أنا سفيان الثوري، فقال: لولا إنك غريب في أهل زمانك لما أخبرتك عن حالي، ولا أطلعتك على سري، ثم قال: خرجت أنا ووالدي حاجين إلى بيت الله الحرام، حتى إذا كنت في بعض المنازل مرض والدي، فقمت لأعالجه، فبينما أنا ذات ليلة عند رأسه إذ مات، فأسود وجهه، فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، مات والدي فاسود وجهه، فجذبت الإزار على وجهه، فغلبتني عيناي فنمت، فإذا أنا برجل لم أر أجمل منه وجهاً، ولا أنظف منه ثوباً، ولا أطيب منه ريحاً، يرفع قدماً ويضع أخرى، حتى دنا من والدي، فكشف الإزار عن وجهه، فمد يده الشريفة على وجهه، فعاد وجهه أبيض ثم ولي راجعاً، فتعلقت بثوبه، فقلت: يا عبد الله من أنت الذي مَنَّ الله على والدي بك في دار الغربة؟ فقال: أو ما تعرفني أنا محمد بن عبد الله، وصاحب القرآن، أما إن والدك كان مسرفاً على نفسه، ولكن كان يكثر الصلاة عليّ فلما نزل به ما نزل فاستغاث بي، وأنا غياث من يكثر الصلاة عليّ، فانتبهت فإذا وجهه أبيض.

стр. 38

قال السخاوي في القول البديع: وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إن لله سيارة من الملائكة، إذا سمعوا حلق الذكر قال بعضهم: اقعدوا فإذا دعا القوم أمنوا على دعائهم، فإذا صلوا على النبي ﷺ صلوا معهم حتى يفرغوا، ثم يقول بعضهم لبعض: طوبى لهؤلاء يرجعون مغفور لهم» رواه أبو القاسم التميمي في ترغيبه (١) . وحكي أن أبا العباس أحمد بن منصور يوم مات رآه رجل من أهل شيراز، وهو واقف بجامعها في المحراب، وعليه حلة وعلى رأسه تاج كامل بالجواهر، فقال له: ما فعل الله بك؟ قال غفر لي وأكرمني وتوجني وأدخلني الجنة، فقال له: بماذا؟ قال: بكثرة صلاتي على رسول الله ﷺ رواه النميري. وقول البخاري: «وقول الله تعالى» يجوز فيه الجر عطفاً على محل الجملة التي هي كيف كان بدء الوحي، والرفع عطفاً على لفظ البدء قاله الكرماني. قال البرماوي: وضعف بأن كلام الله لا يكيف، ثم قال: قلت: يصح على تقدير مضاف، أي: كيف نزول قول الله أو كيف فهم قول الله أو نحو ذلك. أو أن المراد بكلام الله تعالى المنزل المتلو لا مدلوله، وهو الصفة القديمة القائمة بذاته. وذكر البخاري هذه الآية الكريمة وهي قوله ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣] لأن عادته أن يبتذل للترجمة بما وقع له من قرآن وسنة مسندة وغيرها، وأراد: أن الوحي سنة الله وأنبيائه. ومعنى الآية: إنا أوحينا إليك يا محمد كما أوحينا إلى سائر الأنبياء وحي رسالة لا وحي إلهام فقط (٢) ..

стр. 39

وسبب نزول هذه الآية: أن الكفار أنكروا الوحي فنزلت رداً عليهم. وخص نوحاً بالذكر ولم يذكر آدم مع إنه أبو البشر، وأول الأنبياء، بل هو أول المسلمين، فإنه نبي مرسل وإن رسالته بمنزلة التربية والإرشاد للأولاد، لأن نوحاً أول نبي من أنبياء الشريعة، وأول نذير على الشرك، وأول من عُذب أمته لردهم دعوته، وأُهلك أهل الأرض بدعائه، وأول مشرع عند بعض العلماء، وأول نبي عوقب قومه، فخصصه بالذكر تهديداً لقوم رسول الله ﷺ وإعلاماً لهم أنكم ستعاقبون إذا خالفتم رسول الله ﷺ . قوله «نوح» ونوح لفظ أعجمي معرب، ومعناه بالسريانية: الساكن، وهو لقب لهذا النبي ﷺ . واسم «نوح» عبد الغفار، وقيل: يشكر. واختلف العلماء في سبب تلقيبه «بنوح» فقيل: لقب بذلك لكثرة نوحه على نفسه في طاعة ربه كما أخرجه ابن أبي حاتم عن يزيد الرقاشي. وقيل: لأنه مر بكلب فناح لذلك فقال: اخسأ يا قبيح، فأوحى الله إليه: أعبتني أم عبت الكلب، فناح لذلك ولقب بنوح. وقيل: لأنه رأى كلباً ميتاً فكرهه، فأوحي الله إليه: هذا خلقنا فاخلق أنت مثله، فصار يبكي وينوح، قاله البوني. وقيل: إنه رأى كلباً له أربعة أعين فاستقبحه فقال له الكلب: يا نوح أتعيب لصنعتي، فلو كان الأمر إلىّ لم أكن كلباً، وأما الصانع فهو الذي لم يلحقه عيب فصار يبكي وينوح قاله في العقائق. ففي هذا إشارة إلى أنه لا ينبغي لأحد أن يستقبح شيئاً من مخلوقات الله تعالى فإن الله لم يخلق شيئاً من العالم سدىً. حكى الكمال الدميري (١) عن القزويني (٢) أن رجلاً رأي خنفساء فقال: ماذا يريد الله تعالى من خلق هذه؟ أحسن شكلها أم أطيب ريحها؟ فابتلاه الله بقرحه عجز عنها

стр. 40

الأطباء حتى ترك علاجها، فسمع يوماً صوت طبيب من الطرقيين ينادي في الدرب فقال: هاتوه ينظر في أمري، فقالوا: ما تصنع بطرقي، وقد عجز عنك حذاق الأطباء؟ فقال: لابد لي منه، فلما أحضروه ورأى القرحة استدعى بخنفساء فضحك الحاضرون، فتذكر الرجل العليل القول الذي سبق منه فقال: احضروا ما طلب فإن الرجل على بصيرة، فاحضروا له الخنفساء ورد رمادها على قرحته فبريء بإذن الله تعالى، فقال للحاضرين ما وقع منه قال: إن الله أراد أن يعرفني أن أحسن المخلوقات أعز الأدوية. وخص نوح -صلوات الله وسلامة- عليه بخصائص منها: أنه لم يسم أحد من الأنبياء باسمه. ومنها: أنه كان أول أنبياء الشريعة، وأول داع إلى الله وأول من عُذبت أمته لعدم الإيمان به، وأهلك الله الأرض بدعوته، كما قال تعالى حكاية عنه ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الكَافِرِينَ دَيَّاراً * إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً﴾ [نوح: ٢٦، ٢٧] . ومنها: السفينة التي ركبها في الطوفان، وسنذكر قصة السفينة وكم كان طولها وعرضها، ومن أي شيء كانت، وكم أقام فيها في الكلام على عاشوراء. ومنها: أنه كان أطول الأنبياء عمراً كما صرح به النووي في تهذيب الأسماء واللغات، ولهذا يقال له كبير الأنبياء، وشيخ المرسلين عاش ألفاً وخمسمائه سنة قاله الكسائي والثعالبي، أو مائه وخمسين سنة قاله كعب الأحبار، وقيل: غير ذلك، وباقي الأنبياء لم يبلغوا هذا العمر. أما آدم فقيل: إنه عاش تسعمائه وستين سنة، لكن قال النووي في تهذيبه: اشتهر في كتب التاريخ أنه عاش ألف سنة، ولازالت أعمار الأنبياء في القصر والتناقص، فمنهم من عاش ثلاثمائه، ومنهم من عاش دون ذلك، وأما نبينا محمد ﷺ فإنه عاش ثلاثاً وستين سنة، وهكذا أعمار غالب أمته ما بين الستين إلى السبعين كما ورد في الترمذي: «أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك» (١) ، وفي
следующие страницы →