← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9823

شرح البخاري للسفيري = المجالس الوعظية في شرح أحاديث خير البرية

شمس الدين السفيري

Полный текст (811 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وعن النبي ﷺ أنه قال: «من صلى في كتاب كتب الله تعالى له على مر الأيام فضل الصلاة» (١) . وحكى ابن الملقن أن بعض أصحاب الحديث رؤي في المنام فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي، فقيل له: بماذا؟ قال: بصلاتي على رسول الله ﷺ . وعن أبي بكر الصديق (٢) قال: قال رسول الله ﷺ : «من كتب عني علماً فكتب معه صلاة عليّ، لم يزل في أجر ما قريء ذلك الكتاب» أخرجه الدارقطني (٣) وغيره (٤) . وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا كان يوم القيامة يجيئ أصحاب الحديث ومعهم المحابر فيقول الله لهم: أنتم أصحاب الحديث طال ما كنتم تكتبون الصلاة على النبي ﷺ انطلقوا إلى الجنة» أخرجه الطبراني عن الديري عن عبد الزراق عن معمر بن راشد عن الزهري (٥) عن أنس (٦) . وعن سفيان ابن عيينة (٧) قال حدثنا خلف صاحب الخلقان قال: كان صديق يطلب معي الحديث، فمات فرأيته في المنام، وعليه ثياب خضر جديده يجول فيها فقلت له: ألست كنت تطلب معي الحديث؟ فما هذا الذي أري؟ فقال: كنت أكتب معكم الحديث فلا يمر حديث فيه ذكر النبي ﷺ إلا كتبت في أسفله ﷺ فإني بهذا الذي ترى. وإذا كتب الإنسان اسم النبي ينبغي أن يكتب معه ﷺ ، ويجمع بين الصلاة والسلام، ولا يقتصر على الصلاة فقط، بأن يكتب صلي الله عليه فقط، ولا يكتب وسلم فقط. حكي ابن عساكر (٨) عن من حدثه عن أبي العباس بن عبد الدايم قال -وكان كثير النقل لكتب العلم على اختلاف فنونه- أنه حدثه في لفظه قال: كنت إذا كتبت في كتب الحديث وغيرها النبي أكتب لفظ الصلاة دون التسليم، فرأيت النبي ﷺ في المنام

стр. 37

فقال لي: تحرم نفسك أربعين حسنة قلت: وكيف يا رسول الله؟ قال: إذا جاء ذكري تكتب صلى الله عليه، ولا تكتب وسلم، وهي أربعة أحرف كل حرف بعشر حسنات، قال: وعدهن ﷺ بيده. وكما قال ابن الصلاح ينبغي أن يحافظ على كتابة الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ عند ذكره، ولا يسأم من تكرير ذلك عند تكرره، فإن ذلك من أكبر الفوائد التي يتعجلها طلبة الحديث وكتبته، ومن أغفل ذلك مرة حرم حظاً عظيماً. ويتجنب أن يكتب «صلعم» مكان ﷺ كما يفعله الكسالى والجهلة وعوام الطلبة، يأخذون من كل كلمة حرفاً الصاد من صلي، واللام من الله، والعين من عليه، والميم من وسلم، ويجمعونها «صلعم» . ولنا عوده إلى الكلام على بقية المواضع والأوقات التي تستحب فيها الصلاة على النبي ﷺ وإلى ذكر مسائل نفيسة متعلقة بذلك في مجلس آخر. فائدة: من أكثر من الصلاة على النبي ﷺ في الكتابة وغيرها ولو كان مسرفاً ثم استغاث به في الشدة فإنه يغيثه ﷺ . فقد حكى ابن الملقن عن أبي الليث عن سفيان الثوري (١) أنه قال: كنت أطوف فإذا أنا برجل لا يرفع قدماً ولا يضع قدماً إلا ويصلي على النبي ﷺ فقلت: يا هذا إنك قد تركت التسبيح والتهليل، وأقبلت بالصلاة على النبي ﷺ فهل عندك من هذا شيء؟ فقال: من أنت عافاك الله؟ فقلت: أنا سفيان الثوري، فقال: لولا إنك غريب في أهل زمانك لما أخبرتك عن حالي، ولا أطلعتك على سري، ثم قال: خرجت أنا ووالدي حاجين إلى بيت الله الحرام، حتى إذا كنت في بعض المنازل مرض والدي، فقمت لأعالجه، فبينما أنا ذات ليلة عند رأسه إذ مات، فأسود وجهه، فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، مات والدي فاسود وجهه، فجذبت الإزار على وجهه، فغلبتني عيناي فنمت، فإذا أنا برجل لم أر أجمل منه وجهاً، ولا أنظف منه ثوباً، ولا أطيب منه ريحاً، يرفع قدماً ويضع أخرى، حتى دنا من والدي، فكشف الإزار عن وجهه، فمد يده الشريفة على وجهه، فعاد وجهه أبيض ثم ولي راجعاً، فتعلقت بثوبه، فقلت: يا عبد الله من أنت الذي مَنَّ الله على والدي بك في دار الغربة؟ فقال: أو ما تعرفني أنا محمد بن عبد الله، وصاحب القرآن، أما إن والدك كان مسرفاً على نفسه، ولكن كان يكثر الصلاة عليّ فلما نزل به ما نزل فاستغاث بي، وأنا غياث من يكثر الصلاة عليّ، فانتبهت فإذا وجهه أبيض.

стр. 38

قال السخاوي في القول البديع: وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إن لله سيارة من الملائكة، إذا سمعوا حلق الذكر قال بعضهم: اقعدوا فإذا دعا القوم أمنوا على دعائهم، فإذا صلوا على النبي ﷺ صلوا معهم حتى يفرغوا، ثم يقول بعضهم لبعض: طوبى لهؤلاء يرجعون مغفور لهم» رواه أبو القاسم التميمي في ترغيبه (١) . وحكي أن أبا العباس أحمد بن منصور يوم مات رآه رجل من أهل شيراز، وهو واقف بجامعها في المحراب، وعليه حلة وعلى رأسه تاج كامل بالجواهر، فقال له: ما فعل الله بك؟ قال غفر لي وأكرمني وتوجني وأدخلني الجنة، فقال له: بماذا؟ قال: بكثرة صلاتي على رسول الله ﷺ رواه النميري. وقول البخاري: «وقول الله تعالى» يجوز فيه الجر عطفاً على محل الجملة التي هي كيف كان بدء الوحي، والرفع عطفاً على لفظ البدء قاله الكرماني. قال البرماوي: وضعف بأن كلام الله لا يكيف، ثم قال: قلت: يصح على تقدير مضاف، أي: كيف نزول قول الله أو كيف فهم قول الله أو نحو ذلك. أو أن المراد بكلام الله تعالى المنزل المتلو لا مدلوله، وهو الصفة القديمة القائمة بذاته. وذكر البخاري هذه الآية الكريمة وهي قوله ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣] لأن عادته أن يبتذل للترجمة بما وقع له من قرآن وسنة مسندة وغيرها، وأراد: أن الوحي سنة الله وأنبيائه. ومعنى الآية: إنا أوحينا إليك يا محمد كما أوحينا إلى سائر الأنبياء وحي رسالة لا وحي إلهام فقط (٢) ..

стр. 39

وسبب نزول هذه الآية: أن الكفار أنكروا الوحي فنزلت رداً عليهم. وخص نوحاً بالذكر ولم يذكر آدم مع إنه أبو البشر، وأول الأنبياء، بل هو أول المسلمين، فإنه نبي مرسل وإن رسالته بمنزلة التربية والإرشاد للأولاد، لأن نوحاً أول نبي من أنبياء الشريعة، وأول نذير على الشرك، وأول من عُذب أمته لردهم دعوته، وأُهلك أهل الأرض بدعائه، وأول مشرع عند بعض العلماء، وأول نبي عوقب قومه، فخصصه بالذكر تهديداً لقوم رسول الله ﷺ وإعلاماً لهم أنكم ستعاقبون إذا خالفتم رسول الله ﷺ . قوله «نوح» ونوح لفظ أعجمي معرب، ومعناه بالسريانية: الساكن، وهو لقب لهذا النبي ﷺ . واسم «نوح» عبد الغفار، وقيل: يشكر. واختلف العلماء في سبب تلقيبه «بنوح» فقيل: لقب بذلك لكثرة نوحه على نفسه في طاعة ربه كما أخرجه ابن أبي حاتم عن يزيد الرقاشي. وقيل: لأنه مر بكلب فناح لذلك فقال: اخسأ يا قبيح، فأوحى الله إليه: أعبتني أم عبت الكلب، فناح لذلك ولقب بنوح. وقيل: لأنه رأى كلباً ميتاً فكرهه، فأوحي الله إليه: هذا خلقنا فاخلق أنت مثله، فصار يبكي وينوح، قاله البوني. وقيل: إنه رأى كلباً له أربعة أعين فاستقبحه فقال له الكلب: يا نوح أتعيب لصنعتي، فلو كان الأمر إلىّ لم أكن كلباً، وأما الصانع فهو الذي لم يلحقه عيب فصار يبكي وينوح قاله في العقائق. ففي هذا إشارة إلى أنه لا ينبغي لأحد أن يستقبح شيئاً من مخلوقات الله تعالى فإن الله لم يخلق شيئاً من العالم سدىً. حكى الكمال الدميري (١) عن القزويني (٢) أن رجلاً رأي خنفساء فقال: ماذا يريد الله تعالى من خلق هذه؟ أحسن شكلها أم أطيب ريحها؟ فابتلاه الله بقرحه عجز عنها

стр. 40

الأطباء حتى ترك علاجها، فسمع يوماً صوت طبيب من الطرقيين ينادي في الدرب فقال: هاتوه ينظر في أمري، فقالوا: ما تصنع بطرقي، وقد عجز عنك حذاق الأطباء؟ فقال: لابد لي منه، فلما أحضروه ورأى القرحة استدعى بخنفساء فضحك الحاضرون، فتذكر الرجل العليل القول الذي سبق منه فقال: احضروا ما طلب فإن الرجل على بصيرة، فاحضروا له الخنفساء ورد رمادها على قرحته فبريء بإذن الله تعالى، فقال للحاضرين ما وقع منه قال: إن الله أراد أن يعرفني أن أحسن المخلوقات أعز الأدوية. وخص نوح -صلوات الله وسلامة- عليه بخصائص منها: أنه لم يسم أحد من الأنبياء باسمه. ومنها: أنه كان أول أنبياء الشريعة، وأول داع إلى الله وأول من عُذبت أمته لعدم الإيمان به، وأهلك الله الأرض بدعوته، كما قال تعالى حكاية عنه ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الكَافِرِينَ دَيَّاراً * إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً﴾ [نوح: ٢٦، ٢٧] . ومنها: السفينة التي ركبها في الطوفان، وسنذكر قصة السفينة وكم كان طولها وعرضها، ومن أي شيء كانت، وكم أقام فيها في الكلام على عاشوراء. ومنها: أنه كان أطول الأنبياء عمراً كما صرح به النووي في تهذيب الأسماء واللغات، ولهذا يقال له كبير الأنبياء، وشيخ المرسلين عاش ألفاً وخمسمائه سنة قاله الكسائي والثعالبي، أو مائه وخمسين سنة قاله كعب الأحبار، وقيل: غير ذلك، وباقي الأنبياء لم يبلغوا هذا العمر. أما آدم فقيل: إنه عاش تسعمائه وستين سنة، لكن قال النووي في تهذيبه: اشتهر في كتب التاريخ أنه عاش ألف سنة، ولازالت أعمار الأنبياء في القصر والتناقص، فمنهم من عاش ثلاثمائه، ومنهم من عاش دون ذلك، وأما نبينا محمد ﷺ فإنه عاش ثلاثاً وستين سنة، وهكذا أعمار غالب أمته ما بين الستين إلى السبعين كما ورد في الترمذي: «أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك» (١) ، وفي

стр. 41

رواية: «وجعل أمته آخر الأمم وأقصر الأمم أعماراً حتى لا يطول مكثهم تحت التراب، ولا يجتمع عليهم الذنوب الكثيرة» (١) . قال: ويدل على ذلك ما روي عن أنس بن مالك عن رسول الله ﷺ عن جبريل ﵇ عن ربه قال: «إني مننت عليك بسبعة أشياء: أولها: أني لم أخلق في السماوات والأرض أكرم علي منك، والثاني: أن مائة ألف وأربعة وعشرين ألف نبي كلهم مشتاقون إليك، والثالث: لم أعط أمتك مالاً كثيراً حتى لا يطول عليهم الحساب، والرابع: لم أطول أعمارهم حتى لا تجتمع عليهم الذنوب الكثيرة، والخامس: لم أعطهم من القوة كما أعطيت من قبلهم حتى لا يدَّعوا الربوبية كما ادعت الأمم السابقة، والسادس: أخرجهم في آخر الزمان حتى لا يطول مكثهم تحت التراب، والسابع: لا أعاقب أمتك كما عاقبت بني إسرائيل إذا أصابهم دم الحيض في ثيابهم أمرت بقطعه، ولا يجوز الغسل منه، وإذا أذنبوا ذنباً وجدوه مكتوباً على أبوابهم» (٢) . ومن خصائص نوح: أنه عاش هذا العمر الطويل فلم تنقص له قوة. ومنها: أنه لم يبالغ أحد من الرسل في الدعوة مثل ما بالغ، فكان يدعو قومه ليلاً ونهاراً سراً وإعلاناً كما قال تعالى حكاية عنه ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلاَّ فِرَاراً﴾ [نوح: ٥، ٦] ولم يلق نبي من الضرب والشتم وأنواع الأذى والجفاء ما لقي. ومنها: أنه جعل ثاني النبي ﷺ في الميثاق وفي الوحي قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ﴾ [الأحزاب: ٧] ، وقال: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣] . ومنها: أنه أول من تنشق عنه الأرض بعد نبينا ﷺ . ومنها: أن الله حفظه ومن معه في الفلك من الغرق، وأجراه فوق الماء وسماه عبداً

стр. 42

شكوراً فقال: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً﴾ [الإسراء: ٣] . وأكرمه بالسلام والبركة فقال: ﴿قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِّنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [هود: ٤٨] . قال بعض العلماء: دخل في ذلك السلام كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة. ومنها: أنه من قال حين يمسي: سلام على نوح في العالمين، لا تضرة تلك الليلة حية ولا عقرب، والسر في ذلك: أنه لما صنع السفينة وأمر أن يصنع فيها من كل زوجين اثنين، حضرت الحية والعقرب وقالا: احملنا معك فقال: لا لأنكما سبب الضر للناس، فقالا: احملنا ونحن نحلف لك أن لا نضر أحداً ذكرك في ليل أو نهار، فحلفها على ذلك. نبه على ذلك الدميري واستدل عليه بأحاديث. وكان له من الأولاد ثلاثة سام وحام ويافث، فسام أبو العرب وفارس والروم، وحام أبو السودان، ويافث أبو الترك ويأجوج ومأجوج. ويقال: لما حضرته الوفاة دعا ابنه ساماً فقال: يا بني أوصيك عن اثنين أو أنهاك عن اثنين فأما اللذان أنهاك عنهما فالإشراك بالله والكبر، فإنه لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من الشرك والكبر. وقيل: قال له: فأما اللذان أنهاك عنهما فالشرك بالله والاتكال على غير الله، وكفى بالعبد خزياً أن يتكل في حاجة على غير الله، وأما اللذان أوصيك بهما فإني رأيتهما يكثران الولوج على الله تعالى قول لا إله إلا الله، وقول سبحان الله، فإن لا إله إلا الله لو جمعت السموات السبع والأرض السبع لخرقتها حتى تبلغ إلى ربها، ولو جعلت لا إله إلا الله في كفة ميزان وجيىء بالسماوات السبع وما فيها لرجحت لا إله إلا الله، وأوصيك بسبحان الله فإنها صلاة الخلق، وبها يرزقون، فلما فرغ من وصيته أتاه ملك الموت فقال: له السلام عليك يا نبي الله فارتعد نوح منه، وقال: وعليك السلام أيها الشخص من أنت؟ فقد ارتاع قلبي منك، فقال: أنا ملك الموت قد أتيت لقبض روحك، فتغير وجهه وتلجلج لسانه، فقال له ملك الموت: ما هذا الجزع يا نوح؟ أو لم تشبع من الدنيا طول عمرك؟ فقال نوح: يا ملك الموت ما شبهت ما مضى في عمري إلا بدار لها بابان، دخلت من هذا الباب، وخرجت من الآخر، قال: فالتفت نوح عن يمينه وشماله فلم يرى أحداً من أولاده، فناوله ملك الموت كأساً فيه شراب، وقال له: اشرب هذا حتى يسكن روعك فتناوله نوح ﵇ فلما استوفى الشراب خر

стр. 43

ميتاً. لطيفه: سبب مجيىء أولاد حام سود أن نوحاً أمر أن لا يقرب ذكراً أنثى ما دام في السفينة، فأصاب حام امرأته في السفينة، فدعا الله نوح أن يغير نطفته، فجاء بالسودان. وقوله «والنبيين» قريء بالهمز وتركه، وهو جمع نبي، و «النبيء» بالهمز مأخوذ من النبأ بمعنى الخبر، لأنه مخبر عن الله، وبلا همز وهو الأكثر، فقيل: إنه مخفف المهموز أي: قلبت الهمز ياء، وأدغمت الياء في الياء. وقيل: إنه أصل مأخوذ من النبوة بمعنى الرفعة، لأنه مرفوع الرتبة عند الله على سائر الخلق. قال العلماء: وأول الأنبياء آدم ﵇ وآخرهم محمد ﷺ فقد نطق القرآن والحديث بأنه خاتم النبيين قال تعالى ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] . وعن العرياض بن سارية عن النبي ﷺ قال: «إني عند الله لخاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طنيته» رواه أحمد والبيهقي والحاكم وقال صحيح الإسناد (١) . وقوله «لمنجدل» يعني طريحاً ملقى على الأرض قبل نفخ الروح فيه. لطيفه: ذكر ابن الجوزي (٢) في مولده: أن الله تعالى قال لنور محمد ﷺ من أنا؟ فمن حلاوة الكلمة اهتز العرش فخرج منه قطرات كالمطر المترادف، فكان مائة ألف قطرة، وأربعة وعشرين ألف قطرة، فكل قطرة قطرت منه خلق الله منها نبياً هذا في البداية مائة ألف نبي وأربعة وعشرين ألف نبي يسعون في خدمته، وفي الآخرة يكونون تحت رآيته، يطلبون شفاعته (٣) قال بعضهم:

стр. 44

لبست رداء الفخر في صلب آدم ... فما تنتهي إلا إليك المفاخر ولله بدر في السماء منور ... وأنت لنا بدر على الأرض زاهر وأما عدد الأنبياء والمرسلين فقد جاء في رواية مسند أحمد في حديث أبي ذر أنه سأل رسول الله ﷺ عن أشياء منها قال: قلت: يا رسول الله كم عدد الأنبياء قال: «مائة ألف وأربعة وعشرون ألف نبي، الرسل من ذلك ثلاثمائه وخمسة عشر جماً غفيراً» (١) وكلهم خلقوا من رسول الله ﷺ . لكن قال العلماء: الأولى أن لا يقتصر على عدد في التسمية، فقد قال الله تعالى: ?مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ? [غافر: ٧٨] ، ولأنه لا يأمن في ذكر العدد أن يدخل فيهم من ليس منهم، إن ذكر عدد أكثر من عددهم، ويخرج منهم من هو منهم إن ذكر عدداً أقل من عددهم، وكلهم -صلوات الله عليهم وسلامه- كانوا مخبرين مبلغين عن الله تعالى صادقين ناصحين، وهم معصومون من الكبائر والصغائر، قبل النبوة وبعدها، عمداً سهواً. وفي إرسال الرسل حكمة أي: مصلحة وعاقبة حميدة فإن الله تعالى أرسلهم مبشرين لأهل الإيمان والطاعة بالجنة والثواب، ومنذرين لأهل الشرك والطغيان بالنار والعقاب، ومبينين للناس ما يحتاجون إليه من أمور الدين والدنيا، فإن العقل لا يستقل بمعرفة كل ما يحتاج إليه الإنسان من أمور الدين والدنيا، فقد خلق الله الأجسام النافعة والضارة ولم يجعل للمعقول والمحسوس الاستقلال بمعرفتها، فكان من فضل الله ورحمته إرسال الرسل لبيان ذلك، كما قال ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] . فائدة: لولا النبي ﷺ لم يخلق الله نبياً من الأنبياء ولا شيئاً من الأشياء، فإن الله لما

стр. 45

خلق آدم ﵇ قال له: ارفع رأسك فرفع آدم رأسه فرأى نور نبينا محمد ﷺ شبحاً تحت العرش، فقال آدم: يارب ما هذا الشبح النور؟ فقال: هذا الشبح سرادق نور خلق من ذريتك اسمه في السماء أحمد وفي الأرض محمد، لولاه ما خلقتك ولا خلقت سماءً ولا أرضاً ولا طولاً ولا عرضاً، قال: يارب لم سميته في السماء أحمد وفي الأرض محمد؟ قال: سميته في السماء أحمد لأن أحمد من حمدي، وسميته في الأرض محمد لأني جعلت كل من يحمدني يحمده (١) . * * *

стр. 46

المجلس الثالث في الكلام على رجال إسناد حديث «إنما الأعمال بالنيات» ونذكر فيه طرفاً من ترجمة عمر بن الخطاب ﵁ قَالَ البُخَارِي: حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيَّ، يَقُولُ سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ عَلَى الْمِنْبَرِ قَالَ ... قوله: «حدثنا الحميدي» هذا هو أحد مشايخ البخاري أبو بكر عبد الله بن عبد الله بن الزبير منسوب إلى جده الأعلى حميد، وهو إمام كبير مصنف رافق الشافعي في الطلب عن ابن عينيه وطبقته، وأخذ عنه الفقه ورحل معه إلى مصر، ورجع بعد وفاته إلى مكة، وكانت وفاته بها سنة تسع عشرة ومائتين (١) . وافتتح البخاري كتابة بالرواية عن الحميدي دون غيره من مشايخة لأنه قرشي، بل هو أفقه أهل قريش من أئمتنا لقوله ﷺ : «قدموا قريشاً ولا تقدموها» (٢) . ولتقديمه مناسبة أخرى وهي أنه مكي فناسب أن يذكر في أول ترجمة الوحي لأن ابتداءه كان من مكة (٣) .

стр. 47

وقوله: «قال حدثنا سفيان» هذ هو سفيان بن عينيه، ويجوز في سين سفيان الفتح والضم والكسر، والضم أشهر وهو هلالي كوفي، ثم مكي، وهو من تابع التابعين سكن بمكة ومات بها، وكان من الحفاظ المتقنين، وأهل الورع والدين، ومن العلماء بكلام رب العالمين، وسنة سيد المرسلين. ومن فضائله ﵁ أنه قرأ القرآن وهو ابن أربع سنين، وكتب الحديث وهو ابن سبع سنين، ولما بلغ خمس عشرة سنة قال أبوه يا بني اختلط بالخير تكن من أهله، واعلم أنه لن يسعد بالعلماء إلا من أطاعهم، فأطعهم وخذ منهم تقتبس من علمهم، قال: فجعلت لا أعدل عن وصية أبي. وكان كثير التلاوة والحج، حج نيفاً سبعين حجة، وفي كل يوم يقول: اللهم لا تجعله آخر العهد من هذا المكان، حتى قال في المرة الأخيرة: قد استحييت من الله تعالى من كثرة ما أساله، فرجع فتوفي في السنة الداخلة يوم السبت غرة رجب سنه ثمان وتسعين ومائة ودفن بالحجون. ومن مناقبة ما حكي عن بعض أصحابه أنه قال: دخلت عليه وبين يديه قرصان من شعير فقال: يا أبا يوسف إنهما طعامي منذ أربعين سنة. وكان كثيراً ما ينشد: خلت الديار فسرت غير مسود ... ومن الشقاء تفردي بالسودد قال الشافعي في حقه: لولا مالك (١) وسفيان لذهب علم الحجاز وهو من مشايخ الشافعي ومن ينتهي إليه سلسلة أصحابه في الفقه ومنه إلى النبي ﷺ ، وكان إذا جاءه شيء من التفسير أو الفتيا يلتفت إلى الشافعي ويقول: سلوا هذا. وكان يوماً جالساً وعنده أصحابه، وإذا بصبي قد دخل المسجد فتهاون به أهل المجلس لصغره، فقال سفيان: لأصحابه كذلك كنتم من قبل، فمنَّ الله عليكم، ثم التفت إلى واحد من أصحابه وقال له: يا فلان لو رأيتني ولي عشر سنين طولي خمسة أشبار، وأنا كشعلة من نار، ثيابي صغار، وأكمامي قصار، وذيلي بمقدار، وبغلي كآذان الفار، أختلف إلى علماء الأمصار، مثل الزهري وعمرو بن دينار (٢) ، أجلس بينهم كالمسمار، ومحبرتي كالجوزة، ومقلمتي كالموزة، وقلمي كاللوزة، فإذا جلست فيهم قالوا: وسعوا للشيخ الصغير، ثم ابتسم ابن عيينة وضحك، وإنما قال ذلك: حثاً لهم على إكرام الصغير، وإعلاماً لهم بأن العلم فضل الله يؤتيه من يشاء ولقد أحسن من قال: وكم من صغير وفقه الله في حال صغره، فغاب عليه الخوف من الله.

стр. 48

قال الحسن البصري (١) : رأيت صغير يبكي فقلت: يا صبي من ضربك أبوك أم أمك؟ قال: يا عم ما ضربني أبي ولا أمي، ولكن أبكي من خوف جهنم، فقلت له: يا بني مع صغر سنك تخاف من جهنم؟ قال: يا عم رأيت أمي إذا طبخت تترك الحطب الصغار تحت الكبار، فأبكاني ذلك، ثم قلت: له يا بني هل لك ان تصحبني حتى أعلمك مما علمني الله من العلم، فقال: على شرط إذا جعت تطعمني، وإذا عطشت تسقيني، وإذا مرضت تشفيني، وإذا زللت تغفر لي، وإذا مت تحييني، قلت: لا أقدر على ذلك، قال: أنا على باب ملك يقدر على ذلك كله. قوله «قال حدثنا يحيى بن سعيد الانصاري» هذ هو سعيد بن سعيد ين قيس بن عمرو بن سهل بن ثعلبة الأنصاري تابعي، اتفق العلماء على جلالته وعدالته وحفظه، وكانت وفاته سنه أربع أو ثلاث أو ست وأربعين ومائة بالعراق، وقيل: بالهاشمية. والأنصاري نسبة إلى الأنصار الذي هو كالعلم للقبيلتين الأوس والخزرج، ولهذا جاز النسبة إلى لفظ الجمع. وسموا أنصار لانهم نصروا رسول الله ﷺ ، قال الله تعالى ﴿وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢] وواحد الأنصار نصير كشريف وأشراف. قوله: «قال أخبرنا محمد بن إبراهيم الشيمي» هذا هو عبد الله محمد بن إبراهيم الحارث بن خالد بن صخر بن عامر بن كعب بن تميم بن مرة المدني القرشي التيمي، تابعي، وكانت وفاته بالمدينة سنة عشرين إحدى عشرين ومائة. قوله: «سمع علقمة بن أبي وقاص الليثي» قال الكرماني: «علقمة» بفتح العين المهملة، توفي بالمدينة في خلافة عبد الملك بن مروان، وهو منسوب إلى ليث بن عبد مناف، وهو تابعي على قول الأكثر، وقال ابن منده: إنه صحابي. وقوله: «يقول سمعت عمر بن الخطاب» هذا هو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب. وقبل الكلام على نسبة ومناقبه نذكر نسب النبي ﷺ تبركاً به وتشرفاً، فإن نسب عمر ﵁ يجتمع مع نسب ﷺ فنقول: هو ﷺ محمد بن عبد الله، سمي محمد لكثرة خصاله المحمودة، وسنذكر في المجالس الآتية أن والديه هل ماتا مؤمنين أو كافرين؟ فإن العلماء اختلفوا في ذلك. ابن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لوئ، ولوئ يقرأ بالهمز وتركه.

стр. 49

ابن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانه بن مدركة بن إلياس، هو أول من أهدى البدن إلى بيت الله الحرام، وهو أول من وضع مقام إبراهيم للناس بعد غرق البيت وانهدامه زمن نوح، فكان إلياس أول من ظفر به فوضعه في زاوية البيت، ولم تزل العرب تعظم إلياس. قال السهيلي (١) : ويذكر عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تسبوا إلياس فإنه كان مؤمناً» (٢) ، وذُكر أنه كان يسمع من صلبه تلبيه النبي ﷺ بالحج. ابن مضر بن نزار: بكسر النون مشتق من النذر، وهو القليل، سمي «بنزار» لأن أباه حين ولد له نظر إلى نور النبوة بين عينيه الذي كان ينتقل في الأصلاب، ففرح فرحاً شديداً، ونحروا طعم، وقال: هذا نذر في حق هذا المولود. ابن معد بن عدنان، إلى هنا أجمع العلماء على نسبه الشريف وحق أن ينشد فيه ينشد ﷺ : نسب كأن عليه من شمس الضحى نوراً ... ومن فلق الصباح عمودا ما فيه إلا سيداً وابن سيد ... حاز المكارم والتقى والجودا وأما رفع نسب النبي ﷺ إلى آدم فقد كرهه الإمام مالك، وقال: من أخبرك بذلك؟ ولكن الجمهور جوزوه لأنه يترتب عليه معرفة العرب من غيرهم، وقريش من غيرهم. وقد تنتقل ﷺ في الأصلاب الطاهره الزكية، وكلما انتقل إلى صلب واحد يلوح عليه أنواره البهية، ولقد أحسن من قال: تنقلت في أصلاب قوم أعزة ... بك افتخروا في كل واحة ومحفل وأشرقت الأنوار في كل بقعة ... وفاح الثناء في كل واد ومنزل وأضحى لسان الدهر ينشد فرحة ... تنقل فلذات الهوى في التنقل وأما عمر بن الخطاب فهو: أمير المؤمنين، أبو حفص عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رباح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لوي بن غالب الفهري العدوي القرشي، يتلقي نسبة بنسب النبي ﷺ في حفص، كناه بذلك رسول الله ﷺ كما رواه بن الجوزي. والحفص في اللغة: الأسد، واتفق العلماء على تسميته بالفاروق، قيل: لظهور

стр. 50

الفرق بين الحق والباطل بإسلامه. وقيل: سبب تسميته بالفاروق ما روي عن الشعبي (١) أن رجلاً من المنافقين ويهودياً اختصما فقال اليهود: ننطلق إلى محمد بن عبد الله، وقال المنافق: إلى كعب بن الأشرف، فأبى اليهودي، وأتى للنبي ﷺ فقضى لليهودي، فلما خرجا قال المنافق: ننطلق إلى عمر بن الخطاب، فأقبلا إليه فقصا عليه القصة، فقال: رويداً حتى أخرج إليكما فدخل البيت واشتمل على السيف، ثم خرج وضرب عنق المنافق، وقال: هكذا أقضي بين من لم يرض بقضاء النبي ﷺ فنزل جبريل فقال: إن عمر بن الخطاب فاروق الحق والباطل، فسمي الفاروق. خرجه الواحدي وأبو الفرج. واختلف العلماء فيمن سماه بالفاروق فقيل: ربه وهو ضعيف، وقيل: أهل الكتاب عن رسول الله ﷺ ، وذكر المحب الطبري (٢) في كتابه الرياض النضرة أنه قال: روي عن ابن العباس عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ينادي مناد يوم القيامة أين الفاروق عمر فيؤتى به، فيقول الله تعالى مرحباً بك يا أبا حفص، هذا كتابك فإن شئت فاقرأه، وإن شئت فلا، فقد غفرت لك» (٣) . قال: وقد روي أن اسمه في السماء فاروق، وفي الإنجيل كافي، وفي التوراة منطق الحق. وهو أول من سمي أمير المؤمنين، وكان يقال: لأبي بكر ﵁ خليفة رسول الله، فلما ولي عمر ﵁ قيل له: خليفة خليفة رسول الله ﵁ فاستطالوا ذلك، فقيل: إنه سمى نفسه فقال: أنتم المؤمنون وأنا أميركم، وقيل: سماه غيره به. واختلف العلماء في وقت إسلامه فقيل: أسلم بعد خمس من النبوة، وقيل: أربع، والراجح بعد ست، وكان مكملاً لعدة أربعين رجلاً فقد ورد عن ابن عباس (٤) قال: أسلم مع رسول الله ﷺ تسعة وثلاثون رجلاً ثم إن عمر أسلم فصاروا أربعين رجلاً فنزل جبريل ﵇ بقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤] خرجه الخلعي (٥) والواحدي (٦) . كما روي: أنه أسلم بعد أربعين رجلاً وإحدى عشر امرأة. وسبب إسلامه كما روي عن أنس بن مالك ﵁ قال: خرج علينا متقلداً السيف، فلقيه رجل من بني زهرة فقال: أين تعمد أين تريد يا عمر؟ فقال: أريد أن أقتل محمداً،

стр. 51

قال: وكيف تأمن من بني هاشم وبني زهرة وقد قتلت محمد؟ فقال له عمر: ما أراك إلا قد صبأت وتركت دينك الذي أنت عليه، قال: أفلا أدلك على العجب يا عمر إن أختك وختنك قد صباءا وتركا دينك الذي أنت عليه، فمشى عمر حتى أتاهما وعندهما رجل من المهاجرين يقال له: خباب، فلما سمع خباب حس عمر توارى في البيت فدخل عليهما فقال: ما هذه الهيمنة التي سمعتها عندكم قال: وكانوا يقرؤون ﴿طه﴾ [طه: ١] فقالا: حديثاً تحدثناه بيننا، قال: قد صبوتما؟ فقال له ختنة: أرايت يا عمر إن كان الحق في دينك، فوثب عمر على ختنة فوطئه واشتدد عليه، فجاءت أخته فدفعته عن زوجها، فدفعها دفعة بيده أدمى وجهها، فقالت وهي غضبى: يا عمر إن كان الحق في غير دينك أتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فلما تبين عمر قال: أعطوني هذا الكتاب الذي عندكم فأقرأه، وكان عمر يقرأ الكتب، فقالت أخته: إنك نجس، ولا يمسه إلا المطهرون فقام واغتسل وتوضأ، ثم أخذ الكتاب فقرأ ﴿طه﴾ [طه: ١] حتى إلى قوله تعالى ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] فقال عمر: دلوني على محمد، فلما سمع خباب قول عمر خرج من البيت فقال: أبشر يا عمر فإني أرجو أن تكون دعوة رسول الله ﷺ لك ليلة الخميس: «اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب أو بعمرو بن هشام» وقال: رسول الله ﷺ في الدار التي في أصل الصفا، فانطلق عمر حتى أتى الدار، قال: وعلى الباب حمزة وطلحة وناس من أصحاب رسول الله ﷺ فلما أقبل وجل القوم، قال حمزة: نعم هذا عمر، وإن يرد الله بعمر خيراً هداه إلى الإسلام، وإن يرد غير ذلك فقتله علينا هين. فلما سمع به رسول الله ﷺ ، ولم يعلم أنه جاء إلى الإسلام خرج إليه وأخذ بمجامع ثوبه نترة نترة، فما تمالك أن وقع على ركبتيه وقال: «ما أنت بمنته يا عمر حتى ينزل الله بك من الخزي والنكال ما أنزل الله بالوليد بن المغيرة» ثم قال: «اللهم اهد عمر بن الخطاب، اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب» فقال عمر: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله، فكبر المسلمون تكبيرة سمعها أهل مكة، ونزل جبريل وقال: يا محمد استسر أهل السماء بإسلام عمر (١) .

стр. 52

وقال ابن عبد البر عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ ضرب صدر عمر بن الخطاب حين أسلم ثلاث مرات وهو يقول: «اللهم أخرج ما في صدره من غل، وأبدله إيماناً» يقولها ثلاثاً (١) . ولما أسلم قال: إني ذاهب إلى أبي جهل لأعلمه بإسلامي، فإنه أشد الناس عداوة لرسول الله ﷺ ، فذهب إليه وطرق عليه الباب فخرج إليه وقال: مرحباً بعمر، وظن أنه باق على دينه، ما حاجتك؟ قال: جئتك أخبرك أني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله فضرب الباب في وجهه، وقال: قبحك الله وقبح ما جئت به. وورد في الصحيح: «مازلنا أعزة منذ أسلم عمر» (٢) . وذكر المحب الطبري من خصائصه أن الله جعله مفتاح الإسلام فقد جاء عن ابن عباس ﵁ قال: نظر رسول الله ﷺ ذات يوم إلى عمر فتبسم فقال: «يا ابن الخطاب أتدري لم تبسمت إليك؟» قال: الله ورسوله أعلم، فقال رسول الله ﷺ : «إن الله تعالى

стр. 53

نظر إليك بالشفقة والرحمة ليلة عرفة، وجعلك مفتاح الإسلام» (١) . وعن عمران بن حصين (٢) قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا كان يوم القيامة وحشر الناس، جاء عمر بن الخطاب حتى يقف في الموقف فيأتيه شيء أشبه شيء به، فيقول: جزاك الله يا عمر خيراً، فيقول له من أنت؟ فيقول: أنا الإسلام، جزاك الله يا عمر خيراً ثم ينادي مناد: لا يدفعن لأحد كتاب حتى يدفع لعمر بن الخطاب ﵁، ثم يعطى كتابه بيمينه، ويؤذن به إلى الجنة» (٣) فبكى عمر وأعتق جميع ما يملكه وهم تسعة. وقال ابن مسعود (٤) : وكان إسلام عمر فتحاً وهجرته نصراً وإمامته رحمة، ولقد رأيتنا ما نستطيع أن نصلي في البيت حتى أسلم عمر، فكان رسول الله ﷺ ومن معه يصلون في البيت خفية، فقال عمر: يا رسول الله على من تخفي ديننا، ونحن على الحق وهم على الباطل، فقال: إنا قليلون، فقال والذي بعثك بالحق نبياً لا يبقى مجلس من المجالس التي جلست فيها إلا أقر الإيمان، ثم خرج عمر، وطاف بالبيت، وهو يظهر الشهادتين، فوثب إليه المشركون، فوثب عمر على واحد منهم وجلس على صدره، وأدخل أصبعيه في عينيه فصاح الرجل ففروا من عمر، ثم جاء إلى النبي ﷺ وقال: يا رسول لم يبق مجلس إلا وأظهرت فيه الإيمان فخرج رسول الله ﷺ من الدار وعمر أمامه وحمزة خلفه، حتى طاف بالبيت، وصلى الظهر جهرة. وهو من المهاجرين الأولين صلي إلى القبلتين، وشهد بدراً وبيعة الرضوان، وجميع المشاهد مع رسول الله ﷺ ، بويع له بالخلافة يوم موت الصديق، وهو يوم الثلاثاء لثمان بقين من جمادي الآخر سنة ثلاث عشرة بوصية الصديق إليه فإن أبا بكر ﵁ لما أيس من حياته دعا عثمان وأملى عليه كتاب أبي بكر ﷺ فلما كتب ضم الصحيفة وأخرجها للناس يوم موت الصديق، وأمرهم أن يبايعوا لمن في الصحيفة، فبايعوا حتى مرت بعلي (٥) ﵁ فقال: بايعنا لمن فيها وإن كان عمر، فوقع الاتفاق على خلافته، فسار بأحسن سيرة، وزين الإسلام بعدالته، وفتح في خلافته الفتوحات، وهو أول من ضرب

стр. 54

بالدرة وحملها، وكانت درته أهيب من السيف. وله من الكرامات ما لا تحصى فمن كرامته أن العناصر الأربع وافقته، عنصر الماء والهواء والتراب والنار، وأما موافقة عنصر الماء له ففي قصة النيل، وذلك أن مصر لما انفتحت وتولى عمرو بن العاص بها في خلافه سيدنا عمر ﵁ نائباً عنه، وجاء وقت زيادة النيل، اجتمع أهل مصر وجاءوا إلى عمرو بن العاص وقالوا: هذا النيل يحتاج في كل سنه إلى جارية بكر من أحسن الجوار من بنات مصر، وتحلى بأنواع الحلي والحلل، وتزين بأنواع الزينة كالعروس التي تزف إلى زوجها، ثم نلقيها فيه وإلا فلا يجري ويخرب البلاد، فقال لهم: لا أفعل شيئاً حتى أشاور أمير المؤمنين، فكتب كتاباً إلى عمر بن الخطاب يخبره فكتب إليه عمر كتاباً جواباً إليه عن كتابه وفيه رقعة مكتوب فيها: «من عبد الله عمر بن الخطاب أما بعد: فإن كنت تجري من قبلك، فلا تجر ولا حاجة بنا إليك، وإن كان الواحد القهار هو الذي يجريك فنسأل الله الواحد القهار أن يجريك» وأمره أن يلقيها في النيل، فلما ألقى البطاقة في النيل، أصبحوا وقد أجرى الله النيل، وطلع ستة عشر ذراعاً في ليلة واحدة، ببركة عمر بن الخطاب، وأراح الله المسلمين من هذه البدعة القبيحة، التي كانت تصنع كل سنة من زمن فرعون إلى خلافة عمر ﵁ وأنشد بعضهم في المعنى فقال: يا أيها النيل المبارك إن تكن ... من عند ربك تأت فاجر بأمره وإن تكن من عند نفسك تأتنا ... فالله يبسط في بره كم من بلاد ليس تعرف أرضها ... ملأ الإله بيوتها من بره ووافقه عنصر الماء مرة أخرى وذلك: أنه بعث جيشاً إلى مدائن كسرى، وأمرَّ عليهم سعد بن أبي وقاص، وجعل قائد الجيش خالد بن الوليد، فلما بلغوا شط دجله ولم يجدوا سفينة تقدم سعد وخالد فقالا: يا بحر إنك تجري بأمر الله فبحرمة محمد ﷺ وبعدل عمر خليفة رسول الله ألا ما خليتنا والعبور، فعبر الجيش بخيله وحماله ورجاله إلى المدائن ولم تبتل حوافرها. وأما موافقه عنصر الهواء فذلك: أنه أرسل جيشاً وأمرَّ عليهم شخصاً يقال له: سارية، فلما قربوا من العدو كمنوا لهم وراء جبل وكانت نجاتهم في الصعود على الجبل، وكان نهار جمعة، فلما صعد المنبر للخطبة أطلعه الله على جيشه الذي أرسله، وعلى الكمين، وكشفت الحجب له من مسافة بعيدة، فبينما هو في الخطبة نادي: يا سارية الجبل مرتين أو ثلاثاً فاحتمل الهواء صوته حتى بلغ سارية فصعد الجبل وسلموا من

стр. 55

العدو، ثم أقبل على خطبته، فلما قضى صلاته سأله عبد الرحمن بن عوف، وكان ينبسط معه وقال له: يا أمير المؤمنين ما هذا الذي وقع منك في حال الخطبة؟ ناديت يا سارية الجبل، وجعلت للناس عليك كلاماً بإتيانك بشيء في الخطبة ليس منها، فقال: رأيت سارية وأصحابه يقاتلون عند جبل يؤخذون من جهته من بين أيديهم ومن خلفهم، فلم أملك أن قلت: يا سارية الجبل ليلحقوا بالجبل، فلم تمض أيام قليلة حتى عاد الجيش فقالوا: صلينا الصبح إلى أن حضرت الجمعة، فسمعت صوت مناد ينادي إلى الجبل، فلحقنا بالجبل فلم نزل قاهرين لعدونا، حتى هزمهم الله تعالى. وأما موافقة عنصر التراب له فذلك أن الأرض زلزلت في أيامه واضطربت، فضربها برجله، وقيل: بدرَّته وقال: أتزلزلين وأنا أعدل عليك، فما زلزلت في حياته بعد تلك المرة قط. ونقل السبكي عن إمام الحرمين أنه قال: إن الأرض زلزلت على زمن عمر، فحمد الله، وأثنى عليه، والأرض ترتج ثم ضربها بدرته، وقال: أقري ألم أعدل عليك؟ فاستقرت من وقتها. قال السبكي: كان عمر على الحقيقة في الظاهر والباطن، وخليفة الله في الأرض، فهو يعزر الأرض ويؤدبها بما يصدر منها، كما يعزر ساكنيها على خطيأتهم. فإن قيل: أيجب على الأرض تعزير وهي غير مكلفة؟ فالجواب: أن سيدنا عمر استوى عنده الظاهر والباطن، فجاز له تعزيرها لذلك، فإن ظاهر الشرع ما يبحث عنه الفقيه وباطن يطلع الله عليه بعض أصفيائه كعمر ﵁ ونظير فعل عمر ما فعله موسى بن عمران بالحجر، لما مر بثوبه فلحقه وهو يقول: ثوبي حجر ثوبي حجر، وضربه ستاً أو سبعاً. وقول سيدنا عمر للأرض: «ألم أعدل عليك» فيه إشارة إلى أن الظلم موجب الانتقام، وأن العدل موجب للرضا وأن الأرض مطيعة لله، وليس لها الارتجاج إلا في الوقت المعلوم وهو يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة: ١] ، وكذلك وقت وقوع الجور من الحكام كما يدل ذلك قوله تعالى ﴿تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الجِبَالُ هَداًّ * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً﴾ [مريم: ٩٠، ٩١] فدلت الآية على أن الأرض لولا أن الله يمسكها لانشقت من الجور والظلم والفجور الكائن عليها.

стр. 56

وأما موافقته عنصر النار فقد قال السبكي: إن ناراً كانت تخرج من كهف في جبل فتحرق ما أصابت، فخرجت في زمن عمر فأمر أبو موسى الأشعري أو تميماً الدري أن يدخلها الكهف، فجعل يحبسها بردائه، حتى أدخلها الكهف فلم تخرج بعد. قال: ولعله أراد بذلك منع أذاها. وورد في الموطأ عن مالك بن أنس أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ سأل رجلاً عن اسمه فقال: جمرة، فقال عمر: ابن من؟ قال: ابن شهاب فقال: ممن؟ قال: من الحرقة، فقال: واين مسكنك؟ فقال: بحرة النار، فقال: بأيها؟ قال: بذات لظى، فقال: أدرك أهلك فقد احترقوا فكان الأمر كما قال عمر ﵁ (١) . فقد وافقه عنصر النار في هذه ايضاً. وصفته ﵁ أنه كان طوالاً جداً، جسيماً، كث اللحية، خفيف العارضين، أصلع شديد الصلع، أعسر يسر أي: قوة يديه على السواء، وكان يأخذ بيده اليمنى أذنه اليسرى، ثم يجمع أطرافه ويبث فكأنما خلق على ظهر فرسه، وكان يخضب بالحناء والكتم، وأنزل الله القرآن بموافقته في مواضع ستأتي في محلها، وشهد له رسول الله ﷺ بالشهادة والجنة، وسماع سراج أهل الجنة، وأخبر أن الله جعل الحق على لسانه وقلبه، وأن رضاه عز، وغضبه عدل، وسماه عبقرياً أي: سيداً، ومحدثاً، فقد قال ﷺ : «لقد كان فيمن كان قبلكم محدثون فإن يك في أمتي أحد فإنه عمر» (٢) .

стр. 57

قال النووي (١) : اختلف في المراد «بمحدثون» فقيل معناه: ملهمون، وقيل: معناه مصيبون إذا ظنوا، وقيل: تكلمهم الملائكة ويؤيده أنه جاء في روايته عن رسول الله ﷺ خمسمائه حديث وتسعة وثلاثون حديثاً اتفق البخاري ومسلم على ستة وعشرين منها، وانفرد البخاري بأربعة وثلاثين، ومسلم بإحدى وعشرين، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة وغيرهم، وروى عنه نحو خمسين صحابياً منهم عثمان، وعلي، وطلحة، وسعد، وعبد الرحمن بن عوف وخلائق من التابعين. ولي الخلافة عشر سنين وخمسة أشهر أو ستة أشهر قولان، واستشهد يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين من الهجرة. واختلف في عمره على ثمانية أقوال ذكرها ابن الملقن في شرح هذا الصحيح وقال: الصحيح أنه مات ابن ثلاث وستين كسن رسول الله ﷺ ، وأبي بكر الصديق ﵁، طلب من الله تعالى في آخر عمره فاستجاب له، فقد قال سعيد بن المسبب قال عمر: اللهم كبرت سني، وضعفت قوتي، وانتشرت رعيتي، فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط، وكان دعاؤه في أيام التشريق، فما انسلخ ذو الحجة حتى طعن. طعنة أبو لؤلوة طعنة أبو لؤلؤة عبد المغيرة بن شعبة نصراني، وقيل: مجوسي، وسبب طعنه لعمر ﵁ أن المغيرة سيده كان يستغله أي: يأخذ منه كل يوماً أربعة دراهم، وكان يثقل على العبد أن يزن كل يوم أربعة دراهم، فجاء إلى عمر يشكو سيده، وقال يا أمير المؤمنين: إن المغيرة قد أثقل علىَّ غلتي فكلمه يخفف عني، فقال له عمر: اتق الله وأحسن إلى مولاك، فغضب العبد وقال: وسع الناس كلهم عدله غيري، وأضمر على قتله واصطنع خنجراً له رأسان، وقيل: سكينا ذا طرفين وسمهما، ثم جاء إلى عمر ﵁ وهو في صلاة الصبح وطعنه ثلاث طعنات فقال: قتلني أو أكلني الكلب، وطعن معه ثلاثة عشر رجلاً مات منهم تسعة، وقيل: سبعة، فلما رأى ذلك رجل من المسلمين طرح عليه برنساً، فلما ظن أنه مأخوذ نحر نفسه فصار إلى لعنة الله وغضبه قال عمر ﵁: قاتله الله لقد أمرته بمعروف، ثم قال: الحمد لله الذي لم يجعل منيتي على يد رجل يدعي الإسلام، ثم حمل عمر ﵁ إلى منزله، وبقي ثلاثة أيام، وقيل: سبعة ومات ﵁.

стр. 58

وقال الشعبي رحمه الله تعالى: لما طعن عمر بن الخطاب أتى بلبن فشرب منه، فخرج اللبن من طعنته، فقال: الله أكبر وعلم أنه يموت، وجعل جلساؤه يثنون عليه خيراً، فقال: وددت أن أخرج منها كفافاً كما دخلت، لا عليَّ ولا ليَّ، والله لو كان لي اليوم ما طلعت الشمس لافتديت به من هول المطلع، ولما احتضر غشي عليه، وكان رأسه على الأرض، فوضع ولده عبد الله رأسه في حجره، فلما أفاق قال له: ضع رأسي على الأرض فقال ابنه: يا أبت هل الأرض وحجري إلا سواء، قال: ضع رأسي بالأرض كما أمرتك، فوضعه فمسح خديه بالتراب، ثم قال: ويل لعمر، ويل لأم عمر إن لم يغفر الله لعمر، فإذا قبضت فأسرعوا بي إلى حفرتي، فإنما هو خير تقدموني إليه، أو شر تضعونه عن رقابكم. ولما توفي ﵁ أظلمت الأرض فجعل الصبي يقول: يا أماه أقامت القيامة؟ فتقول: لا يا بني ولكن قتل عمر. وقال علي ﵁ لما مات: وآعمراه قوَّم الأود، وأبر العمد، ومات تقي الثوب، قليل العيب. وروي أنه لما احتضر قال لابنه: انطلق إلى عائشة أم المؤمنين فقل: يقرأ عليك السلام عمر، ولا تقل أمير المؤمنين فإني اليوم لست للمؤمنين أميراً، وقل يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه فقالت: كنت أريده لنفسي ولأوثرنه اليوم على نفسي، فلما أقبل ابنه عليه قال: الذي تحب يا أمير المؤمنين أُذنت، فقال: الحمد الله ما كان شيء أهم لي من ذلك، فإذا أنا قبضت فاحملوني ثم سلم وقل: يستأذن عمر بن الخطاب ﵁ فإن أذن لي فأدخلوني فإن ردتني فردوني إلى مقابر المسلمين. غسله ولده الزاهد عبد الله الأكبر، وهو أفضل أولاده، وكان له عشرة أولاد ذكور، وكفنه في ثوبين سجوليين، ودفنه بالحجرة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة وأتم السلام. وكان له من البنات حفصه، وزينب، تزوج رسول ﵁ بنته حفصه سنة ثلاث من الهجرة، وكان الإسلام في حياته كالرجل المقبل لا يزد إلا قرباً، فلما قتل كان الإسلام كالرجل المدبر، لا يزداد إلا بعداً، ونظم بعضهم في هذا المعني فقال: لقد أصبح الإسلام فيه كآبة ... لفقدك يا فاروق يا سيدي عمر وقد كان في عز بوجهك مقبلاً ... فها هو قد ولى وها هو قد دبر

стр. 59

ويكفيك أن الله أعطاك فضله ... لقربك بعد الموت من سيد البشر ومن فضائله: أنه أول من يسلم عليه الحق ﷻ يصافحه. أخرجه ابن ماجة عن أبي بن كعب (١) .

стр. 60

المجلس الرابع في الكلام على حديث «إنما الأعمال بالنيات» وفيما يتعلق بالنية وفيما يتعلق بالهجرة ورأيت أن أفتح هذا المجلس بخطبة الألفية للعراقي للمناسبة وهي: الحمد لله الذي قبل بصحيح النية حسن العمل، وحمل الضعيف المتقطع على مراسيل لطفه فاتصل، ورفع من أسند في بابه، ووقف من شذ عن جنابه وانفصل، ووصل مقاطيع حبه، وأدرجهم في سلسلة حزبه، فسكت نفوسهم عن الاضطراب والعلل، فموضوعهم لا يكون محمولاً ومقلوبهم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحد لا شريك له الفرد الأول، وأن سيدنا محمد عبده ورسوله، أرسله والدين غريب فأصبح عزيراً مشهوراً واكتمل، وأوضح به معضلات الأمور، وأزال به منكرات الدهور الأُول، ﷺ ، وعلى آله وصحبه وسلم، ما علا إسناده ونزل، وطلع نجم وأفل. قال الشيخ الإمام العالم العلامة الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري الجعفي رحمه الله تعالى ورضي عنه: «حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيَّ، يَقُولُ سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ عَلَى الْمِنْبَرِ ... » . بكسر الميم مشتق من النبر، وهو الارتفاع، وهو بلفظ الآلة، لأنه آلة الارتفاع، والألف واللام فيه للعهد أي: منبر مسجد رسول الله ﵁، وكان عمل المنبر في السنة السابعة من الهجرة، وقيل: في السنة الثامنة، وهو أول منبر في الإسلام، والصانع له اسمه باقول، وقيل: باقوم، وقيل: إصباح، وقيل: إبراهيم، وقيل: تميم الداري، وكان درجتين والمقعد، فلما كان في خلافة معاوية بعث إلى مروان: أن ارفع المنبر فزاده ست درجات من أسفل، فلما كان في دولة بني العباس اتخذوا المنبر أمشاطاً للِّحى لأجل البركة من النبي ﷺ . قال النووي: واتخاذ المنبر سنة، ويستحب أن يكون على يمين المحراب، قريباً منه. وذكر البخاري في هذا الإسناد لفظ: «حدثنا» في ثلاثة مواضع، وذكر في الرابع: «أخبرني» (١) ، وفي الباقي: «سمعت» إشارة إلى الفرق بينهما، وهو قول

стр. 61

الجمهور من علماء الحديث، وإن سوى ابن عينيه بينهما. ومن لطائف هذا الإسناد أن فيه ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض وهم: يحيى، ومحمد، وعلقمة، وقد يقع أطرف من هذا وهو أربعة من التابعين روي بعضهم عن بعض. وفي هذا الإسناد لطيفة أخرى وهي: أن أوله مكيان والباقي مدينون. قال (١) سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «إِنَّمَا الأعمال بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ» . قال النووي: وقع هذا الحديث هاهنا وهو مختصراً وهو طويل مشهور ذكره البخاري في سبعة مواضع من كتابه، فذكره ههنا ثم في الإيمان، وفي النكاح، والعتق، والهجرة، وترك الحيل، والنذور. وقال غيره: إنه سقط من رواية البخاري هنا ما هو ثابت في بقية الروايات وهو قوله ﷺ : «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله» . وقال آخر: هذا الحديث ذكره البخاري في مواضع غير هذا الموضع، من غير طريق الحميدي (٢) ، فجاء به كاملاً لم يسقط منه شيء، إلا في هذا الموضع، فإنه جاء به مجزؤاً قد ذهب جزؤه (٣) .

стр. 62

قال العلماء: وحديث «إنما الأعمال بالنيات» حديث صحيح مشهور، ومتفق على صحته، مجمع على عظم موقعه وجلالته، أخرجه الأئمة الستة وغيرهم من حديث عمر بن الخطاب. وقد تواتر النقل عن الأئمة في تعظيم قدر هذا الحديث، قال أبو عبد الله (١) : ليس في أخبار النبي ﷺ شيء أجمع ولا أكثر فائدة منه. فلهذا جعله بعضهم ثلث العلم، وبعضهم ربع العلم، وبعضهم خمس العلم، فمن جعله ثلث العلم إمامنا الشافعي، والإمام أحمد بن حنبل وجماعة، ووجَّه البيهقي كونه ثلث العلم بأن كسب العبد يقع بقلبه وجوارحه، فالنية أحد أقسامها الثلاثة وأرجحها، لأنها قد تكون عبادة مستقلة، وغيرها يحتاج إليها (٢) .

стр. 63

فائدة: روى أبو يعلى الموصلي (١) في مسنده عن النبي ﷺ أنه قال: «يقول الله للحفظة يوم القيامة اكتبوا لعبدي كذا وكذا من الأجر، فيقولون: ربنا لم نحفظ ذلك عنه ولا هو في صحفنا، فيقول: إنه نواه» (٢) .

стр. 64

فقد دل هذا على وحدها عبادة مستقلة، وقد أنشد الشيخ الفاضل شهاب الدين ابن حجر العسقلاني لنفسه: إنما الأعمال بالنيات في ... كل أمر أمكنت فرصته فانو خيراً وافعل الخير فإن ... لم تطفه أجزأت نيته قال الدارقطني: أصول أحاديث الإسلام أربعة: حديث «إنما الأعمال بالنيات» ، وحديث «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» ، وحديث «الحلال بين والحرام بين» وحديث «ازهد في الدنيا يحبك الله» ، وقد نظم العلامة أبو الحسن الأشبيلي (١) هذه الأربعة فقال: عمدة الدين عندنا كلمات ... أربع قالهن خير البرية اتق الشبهات وأزهد ودع ما ... ليس يعنيك وأعملن بنية قال البرماوي: إنما صدر البخاري كتابة بحديث «إنما الأعمال» لأمور: أحدها: أنه مناسب للآية المذكورة في الترجمة لأنه أوحي لكل الأنبياء الأمر بالنية قال تعالى ? وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ? [البينة: ٥] والإخلاص: النية. ثانيهما: أن أول واجبات المكلف القصد إلى النظر الموصل إلى معرفة الله، فالقصد سابق دائماً. ثالثهما: بيان أن كل أمر ينبغي أن يكون بإخلاص ونية، حتى يكون مقبولاً منتفعاً به، فلذلك لما أخلص البخاري النية، وصفى الطوية، نفع الله بكتابه البرية. رابعها: أنه ﷺ لما قدم المدنية خطب بهذا الحديث، لأن مبدأ لكمال ظهوره ونصره، فناسب الابتداء بذكره في ابتداء الوحي إليه، وافتتاح إخلاص العمل لله تعالى، المستحق الجامع للمحامد (٢) .

стр. 65

ولصدور هذا الحديث سبب من النبي ﷺ وقد صنف علماء كبار في أسباب الحديث، كما صنفوا في أسباب النزول للقرآن، والسبب في صدوره منه: أن رجلاً من أهل مكة خطب أمرأة بمكة تسمي أم قيس قبل أن يهاجر النبي ﷺ إلى المدينة، فلما عزم ﷺ على الهجرة عزمت المرأة أن تهاجر معه ﷺ وآثرته على أهلها ووطنها، فلما خطبها الرجل أبت أن تتزوج به حتى يهاجر معها، فهاجر لا لوجه الله، بل لقصد أن يتزوج بها، وكان يسمي «مهاجر أم قيس» (١) .

стр. 66

وأم قيس التي هاجر الرجل لأجلها قالوا: يحتمل أن تكون أخت عكاشة، فإنها أسلمت بمكة، وهاجرت إلى المدينة، واسمها: آمنة، وقيل: جذامة، وكنيتها: أم قيس، وقيل: الذي هاجر الرجل لها كان اسمها: قيلة، وهي غير أخت عكاشة، وكانت تكنى أيضا: أم قيس. وأما الرجل المهاجر فقال ابن حجر وغيره (١) : لم نقف على اسمه بل كان يسمى مهاجر أم قيس لعله للتستر عليه لم يعينوه. فلما بلغ النبي ﷺ ذلك وصل إلى المدينة، وجلس على المنبر فقال مخاطباً بالخطاب العام، فإنه كان ﷺ لا يواجه أحداً بما يكره: «يا أيها الناس إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» . واستشكل العلماء كون النبي ﷺ خطب على المنبر أول قدومه بأن المنبر إنما اتخذه النبي ﷺ بعد الهجرة في سنة سبع، وقيل: ثمان، وأجيب: بأن الاستشكال بأن المراد بالمنبر ما كان يخطب عليه إذ ذاك، وهو غير المعروف الذي اتخذه آخراً. والكلام في هذا المجلس على شطر الحديث وهو: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» والكلام على شطره الثاني يأتي في المجلس الآتي. فقوله «إنما الأعمال بالنيات (٢) ، وإنما لكل امرئ ما نوى» جملتان أفادت الجملة

стр. 67

الأولى: أن الأعمال لا يترتب عليها الثواب والعقاب إلا بالنية، وأفادت الثانية: اشتراط تعيين المنوي كمن عليه صلاة فائتة لا يكفيه أن ينوي الفائت فقط، بل لابد من تعينها ظهراً مثلاً أو عصراً (١) .

стр. 68

واتفق العلماء المحققون على «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» تركيب مفيد للحصر، وأن معناه لا عمل بالنية، ولكن اختلفوا على استفادته من

стр. 69

الأعمال، لأنه جمع، واللام فيه للاستغراق، وهو مستلزم للحصر، إذ معناه: كل عمل بالنية فلا عمل إلا بالنية، ولا يصدق كل عمل بالنية، وإنما على هذا القول لا تفيد إلا التأكيد، وهذا مثل: صديقي زيد، فإن الحصر فيه مستفاد من عموم المبتدأ المضاف إلى المعرفة وخصوص خبره، و «إنما الأعمال بالنيات» الحصر فيه من عموم المبتدأ باللام وخصوص خبره. وقيل: الحصر فيه من «إنما» ، وهو حصر المبتدأ في الخبر، ويعبر عنه البيانيون بقصر الموصوف على الصفة، وربما عبروا عنه بقصر المسند إليه على المسند. والقول بأن «إنما» تفيد الحصر هو ما ذهب إليه الأكثرين، ونقله البلقيني عن جميع أهل الأصول من المذاهب الأربعة إلا اليسير منهم أن «إنما» تفيد الحصر استعمالها موضع استعمال النفي والاستثناء كقوله تعالى ?إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ? [التحريم: ٦] وقوله ?أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا البَلاغُ المُبِينُ? [المائدة: ٩٢] وقال: ?مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ البَلاغُ? [المائدة: ٩٩] . وهل «إنما» تفيد الحصر بالمنطوق وبالمفهوم قولان، الأكثر على أنها تفيده بالمنطوق قاله ابن السبكي. وقال شرذمة قليلون: «إنما» تفيد بالمفهوم. ومعنى الحصر في «إنما» إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما عداه أي: أن العبادة إذا صحبتها النية صحت، وإذا لم تصحبها لم تصح (١) .

стр. 70

فإن قيل: إن ظاهر الحديث يقتضي أن ذات العمل تنتفي عند انتفاء النية، وقد يوجد العمل ولا نية، إذ قد يفعل الإنسان العبادة بلا نية؟ فالجواب: أن ظاهر الحديث متروك، لأن الذوات غير منتفية، بل المراد أحكامها كالصحة، فلابد من تقدير مضاف. واختلف العلماء في تقديره فالذين اشترطوا النية مطلقاً كالإمام الشافعي وكثير من العلماء قدروا لفظ صحته فقالوا: إنما صحة الأعمال بالنيات ليفيد أن الأعمال لا تصح عند انتفاء النية، ورجح هذا التقدير على غيره من المفردات، لأن الأقرب لنفي حقيقة الشيء نفي صحته، وإن كان الكل مجازاً، والذين لم يشترطوا النية في الوسائل كأبي حنيفة قدروا لفظ «كمال» فقالوا: إنما كمال الأعمال بالنيات، قالوا: نفي الصحة يستدعي نفي الكمال وغيره فيكثر المجاز، بخلاف تقدير كمال فإنه تقليل المجاز، قال البرماوي: وضعف بأن نفي الكمال إنما هو بعد وجود الصحة، فليس في تقدير نفي الصحة إلا مجاز واحد. فإن قيل: إن قوله «إنما الأعمال بالنيات» يقتضي أن كل عمل يحتاج إلى نيات لا يكفيه نية واحدة، وليس كذلك. فالجواب: أن هذا من قبل مقابلة الجمع بالجمع، ومقابلة الجمع بالجمع تقتضي انقسام الآحاد على الآحاد أي: إنما كل عمل بنية، وهي قاعدة مفردة في كتب الأصول، يتخرج عليها كثير من المسائل.

стр. 71

قال الكرماني (١) : فإن قلت: النيات جمع قلة كالأعمال، وهي للعشرة فما دونها، لكن المعنى: إن كل عمل إنما هو بنية سواء كان قليلاً أو كثيراً. قلت: الفرق بالقلة والكثرة إنما هو في النكرات لا في المعارف. سؤال: فإن قيل: أهل النية أفضل من العمل أو العمل أفضل من النية؟ الجواب: قيل: العمل أفضل لأن نية الحسنة يثاب عليها حسنة واحدة، والفعل الحسن يثاب عليه عشرة، وما يثاب عليه عشرة أفضل مما يثاب عليه واحدة، ويدل على هذا قوله ﷺ : «من همَّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرة، ومن همَّ بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له سيئة» (٢) . واستشكل هذا بقوله ﷺ : «نية المؤمن خير من عمله» (٣) فإنه يدل على أن النية أفضل من العمل. وأجيب عنه بأجوبة منها: أن المراد بهذا الحديث أن النية وحدها خير من عمل بلا نية إذ لو كان المراد خير من عمله مع النية، يلزم أن يكون الشيء خيراً من نفسه مع غيره، والقائل تفضيل العمل على النية مراده: العمل مع نيته أفضل من مجرد النية. وقيل: إن هذا الحديث ورد على سبب وهو أن شخصاً من المسلمين نوى بناء

стр. 72

قنطرة على ساقية، يتضرر منها المارون فسبقه كافر فبناها، فعلم رسول الله ﷺ بذلك فقال: «نية المؤمن خير من عمله» أي: من عمل الكافر، ولا يلزم منه تفضيل نية المؤمن على عمله، وإنما تفضيل عمله على عمل الكافر. قال شيخنا العلامة جلال الدين السيوطي: وكون هذا الحديث ورد على هذا السبب باطل لا أصل له. وذهب بعضهم إلى أن النية أفضل من العمل وقال: لأن العمل يدخله رياء بخلاف النية، ولأن النية فعل القلب، وفعل الأشرف أشرف، ولأن تخليد الله تعالى المؤمن في الجنة ليس بعمله، وإنما هو بنيته، إذ لو كان بعمله لكان خلوده فيها بقدر عمله، إلا أنه جازاه بنيته لأنه كان ناوياً أن يطيع الله أبداً، فلما اخترمته منيته دون نيته جازاه عليها فخلده أبداً، وكذا الكافر لو كان مجازى بعمله لم يستحق التخليد في النار إلا بقدر كفره، فلما إن نوى أن يقيم على كفره أبداً لو بقي فجازاه على نيته، وخلده أبداً. فإن قلت: هل السيئة كالحسنة في أنه يعاقب عليها بمجرد النية كما يثاب على الحسنة بنيتها. فالجواب: أن الكرماني قال: المشهور أنه لا يعاقب عليها بمجرد النية، واستدلوا بقوله تعالى ? لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ? [البقرة: ٢٨٦] فإن اللام للخبر، فجاء بالكسب الذي يحتاج إلى تصرف، بخلاف على فإنها لما كانت للشر جاء فيها بالاكتساب الذي لابد فيه من التصرف والمعالجة. ثم قال الكرماني: ولكن الحق أن السيئة أيضاً يعاقب عليها، بمجرد النية لكن على النية لا على الفعل، حتى لو عزم أحد على ترك صلاة بعد عشرين سنة يأثم في الحال وإن لم يتحقق ذلك أي: ترك الصلاة، لأن العزم من أحكام الإيمان، ويعاقب على العزم لا على ترك الصلاة. والفرق بين الحسنة والسيئة: أنه بنية الحسنة يثاب الناوي على الحسنة، وبنية السيئة لا يعاقب عليها بل على نيتها (١) .

стр. 73

وههنا سبع سؤالات متعلقة بالنية نظمها الشيخ ولي الدين العراقي فقال: سبع سؤالات لذي فهم أنت ... تحكي لكل عالم في النية حقيقة حكم محل زمن ... وشرطها والقصد والكفية الأول: يقال ما حقيقة النية؟ ويجاب: إن حقيقة النية لغة: انبعاث القلب نحو ما يراه موافقاً لغرض من جلب نفع أو دفع ضر حالاً أو مألاً، والشرع: خصصه بالإرادة المتوجهة نحو الفعل لابتعاء رضا الله تعالى وامتثال حكمه. والنية في الحديث محمولة على المعنى اللغوي، ليحسن تطبيقه على ما بعده. وتقسيمه أحوال المهاجر فإنه تفصيل لما أجمل (١) .

стр. 74

الثاني: يقال: ما حكم النية، هل هي ركن أو شرط؟ والجواب: جمهور الفقهاء على أنها ركن لأنها داخل العبادة. وذهب جماعة على أنها شرط وإلا لافتقرت إلى نية أخرى، كما في أجزاء العبادة، والأولون أجابوا عن ذلك بلزوم التسلسل. وفصل شيخ الإسلام ابن حجر بأن إيجادها أول العمل ركن، واستصحابها حكماً لأنه لا يأت بمناف لما شرط (١) . والثالث: يقال ما محل النية؟ ويجاب: بأنها محل القلب في كل موضع، فلا يكفي التلفظ بها باللسان مع غفلة القلب، ولا يشترط التلفيظ مع القلب، بل القلب كافٍ لكن يستحب أن يتلفظ بما ينوي بقلبه ليساعد اللسان القلب، فلو نوى بقلبه وتلفظ بلسانه واختلف اللسان القلب فالعبرة بما في القلب، فلو أراد الإنسان أن يصلي الظهر فنوى بقلبه الظهر وبلسانه العصر، صحت صلاته إذ العبرة بما في القلب، فلو نوى في هذه الصورة بقلبه العصر وبلسانه الظهر لم تصح عملاً بما القلب، ولو سبق لسان الإنسان إلى اليمين بلا قصد كأن قال: والله اشتريت ولم يكن اشترى لا ينعقد يمينه، ولا يلزمه كفاره يمين، وكذا لو قصد الحلف على شيء فسبق اللسان إلى غيره، هذا في الحلف بالله، أما إذا سبق اللسان إلى الحلف بالطلاق، فإنه يقع ولا يقبل قوله: «سبق لساني إليه» بلا قصد ظاهر لتعلق حق الغير، ومثله العتق فلو سبق لسان السيد إلى العتق كأن قال لعبده: «أنت حر» بلا قصد فإنه يعتق، ولو حلف الإنسان أن لا يسلم على زيد فسلم على قوم هو فيهم واستثناه بقلبه، فإنه لا يحنث قال للكل سلام عليكم ونوى بقلبه إلا فلاناً، بخلاف ما لو حلف أن لا يدخل على زيد فدخل على

стр. 75

قوم هو فيهم واستثناه بقلبه، وقصد الدخول على غيره فإنه يحنث في الأصح، والفرق أن الدخول لا يدخله الاستثناء، إذا لا ينتظم أن يقال: «دخلت عليكم إلا على فلان» ، ويصح: «سلمت عليكم إلا على فلان» . وذكر العلماء الشافعية صور لا تكفي فيها النية بالقلب، بل لابد فيه من التلفيظ بها ما لو نوى النذر بقلبه لا ينعقد. ومنها: ما لو نوى الطلاق بقلبه ولم يتلفظ به لم يقع عليه. ومنها: ما لو اشترى شاة بنية الأضحية لم تصر أضحية حتى يتلفظ. ومنها: ما لو قال: أنت طالق ونوى بقلبه إن شاء الله وما تلفظ، وقع عليه الطلاق لا يقبل قوله: «أردت إن شاء الله» . الرابع: يقال: ما زمن النية؟ ويجاب: بأن العبادات بالتسمية إلى النية على ثلاثة أقسام قسم تجب النية في أوله كالوضوء والغسل، وقسم تجب فيه تقديم النية عليه كالصوم الواجب لابد فيه من إيقاع النية ليلاً قبل الفجر، فلو نوى مع الفجر لم يصح في الأصح، وقسم يجوز فيه تأخير النية عن أوله كالصوم المندوب، فإنه يجوز فيه تأخير النية إلى قبيل الزوال، ويجوز في الزكاة تقديم النية فيها على الدفع للمستحقين، فإذا عزل الإنسان شيئاً من ماله بنية الزكاة ثم دفعه بعد ذلك لأربابه لا يشترط إعادة النية، ولا إعلام المستحق أنه زكاة حال الدفع. الخامس: يقال: ما شروط النية؟ ويجاب بأن شروط أربعة: الأول: الإسلام، فلا يصح العبادات من كافر لعدم صحة نيته، نعم لنا صور تصح من كافر فيها النية من الكافر منها: الذمية تحت المسلم إذا حاضت وانقطع دمها فلا يحل الزوج وطئها حتى تغتسل، فإذا اغتسلت ونوت صحت نيتها، وغسلها للضرورة، ومنها: الكفارة تصح من الكافر ولابد فيها من النية، ويصح منه. الشرط الثاني: التمييز، فلا تصح عبادة صبي لا يميز ولا مجنون إذ لا نية لهما، نعم لنا صور تصح فيها عبادة غير المميز منها: الطفل في الإحرام بالحج إذا حرم عند وليه، ففي الطواف يوضأه وليه وينوي عنه، والمجنونة في الحيض إذ طهرت يغسلها سيدها وينوي عنها.
следующие страницы →