← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9823

شرح البخاري للسفيري = المجالس الوعظية في شرح أحاديث خير البرية

شمس الدين السفيري

Полный текст (811 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

قال الكرماني (١) : فإن قلت: النيات جمع قلة كالأعمال، وهي للعشرة فما دونها، لكن المعنى: إن كل عمل إنما هو بنية سواء كان قليلاً أو كثيراً. قلت: الفرق بالقلة والكثرة إنما هو في النكرات لا في المعارف. سؤال: فإن قيل: أهل النية أفضل من العمل أو العمل أفضل من النية؟ الجواب: قيل: العمل أفضل لأن نية الحسنة يثاب عليها حسنة واحدة، والفعل الحسن يثاب عليه عشرة، وما يثاب عليه عشرة أفضل مما يثاب عليه واحدة، ويدل على هذا قوله ﷺ : «من همَّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرة، ومن همَّ بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له سيئة» (٢) . واستشكل هذا بقوله ﷺ : «نية المؤمن خير من عمله» (٣) فإنه يدل على أن النية أفضل من العمل. وأجيب عنه بأجوبة منها: أن المراد بهذا الحديث أن النية وحدها خير من عمل بلا نية إذ لو كان المراد خير من عمله مع النية، يلزم أن يكون الشيء خيراً من نفسه مع غيره، والقائل تفضيل العمل على النية مراده: العمل مع نيته أفضل من مجرد النية. وقيل: إن هذا الحديث ورد على سبب وهو أن شخصاً من المسلمين نوى بناء

стр. 72

قنطرة على ساقية، يتضرر منها المارون فسبقه كافر فبناها، فعلم رسول الله ﷺ بذلك فقال: «نية المؤمن خير من عمله» أي: من عمل الكافر، ولا يلزم منه تفضيل نية المؤمن على عمله، وإنما تفضيل عمله على عمل الكافر. قال شيخنا العلامة جلال الدين السيوطي: وكون هذا الحديث ورد على هذا السبب باطل لا أصل له. وذهب بعضهم إلى أن النية أفضل من العمل وقال: لأن العمل يدخله رياء بخلاف النية، ولأن النية فعل القلب، وفعل الأشرف أشرف، ولأن تخليد الله تعالى المؤمن في الجنة ليس بعمله، وإنما هو بنيته، إذ لو كان بعمله لكان خلوده فيها بقدر عمله، إلا أنه جازاه بنيته لأنه كان ناوياً أن يطيع الله أبداً، فلما اخترمته منيته دون نيته جازاه عليها فخلده أبداً، وكذا الكافر لو كان مجازى بعمله لم يستحق التخليد في النار إلا بقدر كفره، فلما إن نوى أن يقيم على كفره أبداً لو بقي فجازاه على نيته، وخلده أبداً. فإن قلت: هل السيئة كالحسنة في أنه يعاقب عليها بمجرد النية كما يثاب على الحسنة بنيتها. فالجواب: أن الكرماني قال: المشهور أنه لا يعاقب عليها بمجرد النية، واستدلوا بقوله تعالى ? لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ? [البقرة: ٢٨٦] فإن اللام للخبر، فجاء بالكسب الذي يحتاج إلى تصرف، بخلاف على فإنها لما كانت للشر جاء فيها بالاكتساب الذي لابد فيه من التصرف والمعالجة. ثم قال الكرماني: ولكن الحق أن السيئة أيضاً يعاقب عليها، بمجرد النية لكن على النية لا على الفعل، حتى لو عزم أحد على ترك صلاة بعد عشرين سنة يأثم في الحال وإن لم يتحقق ذلك أي: ترك الصلاة، لأن العزم من أحكام الإيمان، ويعاقب على العزم لا على ترك الصلاة. والفرق بين الحسنة والسيئة: أنه بنية الحسنة يثاب الناوي على الحسنة، وبنية السيئة لا يعاقب عليها بل على نيتها (١) .

стр. 73

وههنا سبع سؤالات متعلقة بالنية نظمها الشيخ ولي الدين العراقي فقال: سبع سؤالات لذي فهم أنت ... تحكي لكل عالم في النية حقيقة حكم محل زمن ... وشرطها والقصد والكفية الأول: يقال ما حقيقة النية؟ ويجاب: إن حقيقة النية لغة: انبعاث القلب نحو ما يراه موافقاً لغرض من جلب نفع أو دفع ضر حالاً أو مألاً، والشرع: خصصه بالإرادة المتوجهة نحو الفعل لابتعاء رضا الله تعالى وامتثال حكمه. والنية في الحديث محمولة على المعنى اللغوي، ليحسن تطبيقه على ما بعده. وتقسيمه أحوال المهاجر فإنه تفصيل لما أجمل (١) .

стр. 74

الثاني: يقال: ما حكم النية، هل هي ركن أو شرط؟ والجواب: جمهور الفقهاء على أنها ركن لأنها داخل العبادة. وذهب جماعة على أنها شرط وإلا لافتقرت إلى نية أخرى، كما في أجزاء العبادة، والأولون أجابوا عن ذلك بلزوم التسلسل. وفصل شيخ الإسلام ابن حجر بأن إيجادها أول العمل ركن، واستصحابها حكماً لأنه لا يأت بمناف لما شرط (١) . والثالث: يقال ما محل النية؟ ويجاب: بأنها محل القلب في كل موضع، فلا يكفي التلفظ بها باللسان مع غفلة القلب، ولا يشترط التلفيظ مع القلب، بل القلب كافٍ لكن يستحب أن يتلفظ بما ينوي بقلبه ليساعد اللسان القلب، فلو نوى بقلبه وتلفظ بلسانه واختلف اللسان القلب فالعبرة بما في القلب، فلو أراد الإنسان أن يصلي الظهر فنوى بقلبه الظهر وبلسانه العصر، صحت صلاته إذ العبرة بما في القلب، فلو نوى في هذه الصورة بقلبه العصر وبلسانه الظهر لم تصح عملاً بما القلب، ولو سبق لسان الإنسان إلى اليمين بلا قصد كأن قال: والله اشتريت ولم يكن اشترى لا ينعقد يمينه، ولا يلزمه كفاره يمين، وكذا لو قصد الحلف على شيء فسبق اللسان إلى غيره، هذا في الحلف بالله، أما إذا سبق اللسان إلى الحلف بالطلاق، فإنه يقع ولا يقبل قوله: «سبق لساني إليه» بلا قصد ظاهر لتعلق حق الغير، ومثله العتق فلو سبق لسان السيد إلى العتق كأن قال لعبده: «أنت حر» بلا قصد فإنه يعتق، ولو حلف الإنسان أن لا يسلم على زيد فسلم على قوم هو فيهم واستثناه بقلبه، فإنه لا يحنث قال للكل سلام عليكم ونوى بقلبه إلا فلاناً، بخلاف ما لو حلف أن لا يدخل على زيد فدخل على

стр. 75

قوم هو فيهم واستثناه بقلبه، وقصد الدخول على غيره فإنه يحنث في الأصح، والفرق أن الدخول لا يدخله الاستثناء، إذا لا ينتظم أن يقال: «دخلت عليكم إلا على فلان» ، ويصح: «سلمت عليكم إلا على فلان» . وذكر العلماء الشافعية صور لا تكفي فيها النية بالقلب، بل لابد فيه من التلفيظ بها ما لو نوى النذر بقلبه لا ينعقد. ومنها: ما لو نوى الطلاق بقلبه ولم يتلفظ به لم يقع عليه. ومنها: ما لو اشترى شاة بنية الأضحية لم تصر أضحية حتى يتلفظ. ومنها: ما لو قال: أنت طالق ونوى بقلبه إن شاء الله وما تلفظ، وقع عليه الطلاق لا يقبل قوله: «أردت إن شاء الله» . الرابع: يقال: ما زمن النية؟ ويجاب: بأن العبادات بالتسمية إلى النية على ثلاثة أقسام قسم تجب النية في أوله كالوضوء والغسل، وقسم تجب فيه تقديم النية عليه كالصوم الواجب لابد فيه من إيقاع النية ليلاً قبل الفجر، فلو نوى مع الفجر لم يصح في الأصح، وقسم يجوز فيه تأخير النية عن أوله كالصوم المندوب، فإنه يجوز فيه تأخير النية إلى قبيل الزوال، ويجوز في الزكاة تقديم النية فيها على الدفع للمستحقين، فإذا عزل الإنسان شيئاً من ماله بنية الزكاة ثم دفعه بعد ذلك لأربابه لا يشترط إعادة النية، ولا إعلام المستحق أنه زكاة حال الدفع. الخامس: يقال: ما شروط النية؟ ويجاب بأن شروط أربعة: الأول: الإسلام، فلا يصح العبادات من كافر لعدم صحة نيته، نعم لنا صور تصح من كافر فيها النية من الكافر منها: الذمية تحت المسلم إذا حاضت وانقطع دمها فلا يحل الزوج وطئها حتى تغتسل، فإذا اغتسلت ونوت صحت نيتها، وغسلها للضرورة، ومنها: الكفارة تصح من الكافر ولابد فيها من النية، ويصح منه. الشرط الثاني: التمييز، فلا تصح عبادة صبي لا يميز ولا مجنون إذ لا نية لهما، نعم لنا صور تصح فيها عبادة غير المميز منها: الطفل في الإحرام بالحج إذا حرم عند وليه، ففي الطواف يوضأه وليه وينوي عنه، والمجنونة في الحيض إذ طهرت يغسلها سيدها وينوي عنها.

стр. 76

الشرط الثالث: العلم بالمنوي، فلو جهل فرضيه العبادة كفرضيه الوضوء أو الصلاة لا يصح منه فعلها. الشرط الرابع: أن لا يأتي بمناف للنية فلو ارتد في أثناء الصلاة أو الصوم أو غيرهما بطل ببطلان نيته أو في أثناء الوضوء أو الغسل لم يبطل ما فعل منها، فلو فعل شيئًا في زمن الرده لم يحسب، فإن عاد إلى الإسلام بني على ما تقدم، ولو ارتد بعد الفراغ من الوضوء والغسل لم يبطل أو بعد التيمم بطل لضعفه. السؤال السادس: يقال: ما العبادة التي يجب تعينها؟ ويجاب: بأن التعين واجب فيما يلتبس من العبادات دون غيره، ودليل وجوب التعين من الحديث قوله: «وإنما لكل امرئ ما نوى» أي: ما عين لأن أصل النية فهم من أول الحديث فيجب تعيين النية في الفرائض لتساوي الظهر والعصر صورة وفعلاً فيميز بينهما إلا التعيين. ويجب في الرواتب التي مع الفرائض بأن يضيفها إلى الفرائض، ويجب التعيين في العيدين، في عيد الفطر بأن يضيفه إلى الفطر، وفي عيد الأضحى بأن يضيفه إلى الأضحى أوالنحر، وكذلك يجب التعيين في التراويح، والضحى، والوتر، والكسوف، والاستسقاء، وكذلك ركعتا الإحرام، والطواف، بخلاف تحية المسجد وسنة الوضوء، فإذا قال داخل المسجد والمتوضئ: أصلي ركعتين لله تعالى كفى، وإن لم يقل تحية المسجد أو سنة الوضوء. السؤال السابع: يقال: ما كيفية النية؟ ويجاب: بأن الكيفية تختلف باختلاف العبادات، فالوضوء لنيته كيفية، والغسل لنيته كيفية، والصلاة لنيتها كيفية، وسيأتي بيان ذلك في محله إن شاء الله تعالى. وقد دل هذا الحديث الجليل على فوائد كثيرة فإنه يدخل في سبعين باباً من الفقه كما قاله الإمام الشافعي، ففيه دليل على أن الطهارة وهي الوضوء والغسل والتيمم لا يصح إلا بالنية، وهو مذهب إمامنا الشافعي، وعند أبي حنيفة لا تجب النية في الوضوء والغسل، واحتج على ذلك بأن كل واحد منهما ليس مقصود النفس، لأن المقصود به النظافة فأشبه إزالة النجاسة، وعموم الحديث يرد عليه. وفيه دليل على اشتراط النية لسجود التلاوة لأنه عبادة.

стр. 77

وفيه دليل أن المتوضئ إذا نوى عند غسل الوجه يحصل له ثواب السنن السابقة وهو الأصح عندنا. وفيه رد على زفر حيث ذهب إلى أن صيام رمضان لا تشترط فيه النية للصحيح المقيم، لتعين الزمان. وفيه دليل على أن المطلق إذا أطلق بصريح لفظ الطلاق ونوى عدداً وقع ما نواه، وهو مذهب الشافعي ومالك وعند أبي حنيفة وأحمد لا يقع إلا واحدة. وفيه دليل وحجة لمالك في إسقاط الحيل كمن باع ماله قبل الحول فراراً من الزكاة، فإنها لا تسقط عنه عند مالك لهذا الحديث. وتحرير القول في هذه المسألة أن الإنسان إذا ملك نصاباً ثم احتال في إسقاط الزكاة عنه بحيلة، بأن باع المال الزكوي أو ملكه لأحد من أولاده مثلاً قبل أن يحول عليه الحول ثم استرده فهل هذا الإسقاط مكروه أو حرام أو مباح؟ في المسألة خلاف عندنا قال الرافعي والنووي: إنه مكروه كراهة تنزية وليس بحرام، وتسقط الزكاة عنه. قال ابن الصلاح: إن المحتال في إسقاط الزكاة يأثم بقصده لذلك لا بفعله وتسقط عنه. وقال حجة الإسلام الغزالي (١) : لا يبرأ ذمته في الباطن ولكن تبرأ في الظاهر قال بعض المتأخرين: وهو المختار. وجزم بالتحريم جماعة، وقد نقل النسفي (٢) في الكافي عن محمد بن الحسن قال: ليس من أخلاق المؤمنين الفرار من أحكام لله تعالى بالحيل الموصلة إلى إبطال الحق. وتدخل النية في الوطء، فإذا وطئ زوجتة أو أمته، على ظن منه أنها أجنبية يزني بها عصي ولا يعاقب عليه في الآخرة عقاب المجترئ على معاصي الله تعالى المخالف لأمره، وكذا لو أقدم على شراب على ظن منه أنه خمر، أو أقدم على استعمال ملكه على ظن أنه لأجنبي فإنه يأثم اعتباراً بنيته، ويحرم عليه حكم الفاسق كما قاله ابن عبد السلام لجرأته على الله، بخلاف ما لو وطئ امرأة أجنبية على ظن أنها زوجته أو أمتة فلا أثم عليه، ولو شرب خمراً على ظن أنه شراب حلال مثلاً فإنه لا يأثم عملاً بنيته. فائدة: سئل بعض العلماء عمن يجامع زوجته ويفكر في حالة الجماع في غيرها

стр. 78

حتى يتخيل أنه يطئ الأجنبية، هل يأثم بذلك فاعله أويستحب له أن يفعل ذلك لحديث: «إذا أبصر أحدكم امرأة فليأت أهله، فإن ذلك يرد ما في نفسه» (١) . فأجاب: بأنه لا يحرم عليه ذلك، ولا يؤاخذ به لقوله ﷺ «إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به نفسها» (٢) ولكن يكره ذلك، والله أعلم قاله الدميري (٣) . وفيه دليل على أن ما ليس بعمل تشترط فيه النية كالتروك مثل ترك الزنا والخمر وباقي المعاصي، نعم إذا أراد تحصيل الثواب ولابد له من القصد، فمن ترك الزنا مثلاً بعد أن خطر على باله خوفاً من الله يثاب على هذا الترك، أما من لم يقصد ترك المعصية لا يثاب على تركها فمن لم تخطر المعصية بباله أصلاً ليس كمن خطر في نفسه عنها خوفاً من الله. وفيه دليل على أن النجاسة لا تجب إزالتها وهو الأصح لأنه من باب التروك (انتهى) . وفيه دليل على ما كان عليه النبي ﷺ من مكارم الأخلاق حيث لم يصرح بالإنكار على من هاجر لأجل المرأة، بل أورده مورد الإيهام كقوله في حديث آخر: «ما بال أقوام يفعلون كذا» (٤) وهذا من مكارم أخلاقه ﷺ .

стр. 79

وفيه دليل على استجاب التخلق بمكارم الأخلاق، وما أحسن قول الشيخ برهان الدين القيراطي حيث قال: بمكارم الأخلاق كن متخلقا ... ليفوح مسك ثنائك العطر الشذي وانفع صديقك إن صدقت صدقه ... وادفع عدوك بالتي فإذا الذي وفيه دليل على أنه يستحب الستر على من وقع منه منكر. وفيه دليل على أنه لا بأس للخطيب أن يورد أحاديث في أثناء الخطبة. وفيه دليل على أن الإمام الأعظم يستحب له أن يخطب عند الأمور المهمة وتعليم الحكم المهمة، لأنه أبلغ في الإشاعة والإشتهار. واستدل الحديث بعضهم على وجوب النية على غاسل الميت، وهو وجه عندنا، والأصح في النية لا تجب على الغاسل، بدليل أنه لو غسله كافر عندنا صح، وهو ليس من أهل النية. وفيه دليل وحث على الإخلاص في النية، والإخلاص من أعمال القلب والفرق بينه وبين النية أن النية تتعلق بفعل العبادة، والإخلاص يتعلق بإضافه العبادة إلى الله تعالى فالنية لابد منها في صحة العمل، وأما الإخلاص فليس يتعين، فمن صلى ونوى ولم يضف الصلاة إلى الله تعالى صحت صلاته، لأن العبادة لا تكون إلا لله سواء أضافها إليه أم لا، نعم الإخلاص مع النية أكمل من النية وحدها. وأما الرياء فقد قال العراقي في «الفروق» : إنه حرام محصل للإثم ومبطل لثواب العبادة. الرياء على قسمين: أحدهما: أن يعمل الذي أمره الله ويقصد به وجه الله تعالى وأن تعظمه الناس أو بعضهم. ثانيهما: أن يعمل الذي أمره الله ولا يريد وجه الله تعالى بالنية بل الناس فقط،

стр. 80

ويسمى القسم الأول: رياء الشرك لأنه للخلق وللحق، والثاني: رياء الإخلاص لأنه لا شريك فيه بل هو خالص للخلق، ومقصود المرائي يعمله ثلاثة أشياء: تعظيم الخلق له، وجلب المنافع الدنيوية له، ودفع المضار الدنيوية عنه. وإنما كان حراماً لأنه شرك وتشريك مع الله في طاعته، وقد صح في صحيح مسلم وغيره: «إن الله تعالى يقول: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملاً أشرك فيه غيري تركته له، أو تركته لشريكي» (١) فهذا الحديث ظاهر في عدم الاعتداد بذلك العمل عند الله تعالى. وقد نقل أنه يقال يوم القيامة للمرائي بعمله: خذ ثواب عملك ممن كنت تعمل لأجلهم وهو حديث رواه أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «يقال لمن أشرك في عمله: خذ أجرك ممن عملت له» (٢) . وحمل حجة الإسلام الغزالي هذه الأخبار ونحوها على من يرد بعمله إلا الدنيا وهو القسم الثاني من الرياء، أما الأول فله فيه تفصيل حيث قال: والذي ينقدح لنا فيه -والعلم عند الله- أن ننظر إلى قدر قوة الباعث، فإن كان الباعث الديني مساوياً للباعث النفسي تقاوما وتساقطا، فصار العمل لا له ولا عليه، وإن كان الباعث للرياء أغلب وأقوى فهو ليس بنافع بل هو مضر ومقتض للعقاب، نعم العقاب الذي فيه أخف من عقاب العمل الذي تجرد للرياء، ولم يمتزج به شائبة التقرب، وإن كان قصد التقرب أغلب بالإضافة إلى الباعث الآخر فله ثواب بقدر ما فضل من قوة الباعث الديني، وهذا كقوله تعالى ?فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَراًّ يَرَهُ? [الزلزلة: ٨] ، وكقوله ?إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ? [النساء: ٤٠] فلا ينبغي أن يضيع قصد الخير بل إن كان غالباً على قصد الرياء

стр. 81

حبط من القدر الذي يساويه وبقيت زيادته، وإن كان مغلوباً أسقط بسببه شيء من عقوبة القصد الفاسد، نعم لنا تشريك في العبادة وتحصيل المال من الغنيمة فهذا لا يضره ولا يحرم عليه بالإجماع، لأن الله تعالى جعل له في هذه العبادة، نعم لا يساوي ثوابه من لا يلتفت قلبه إلى الغنيمة أصلاً، بخلاف ما لو جاهد ليقول الناس: إنه شجاع، وليعظمه الإمام، فيكثر عطاؤه من بيت المال، فإنه يحرم حنيئذ ويكون رياء، أو نظير المجاهد من حج وشرك في حجة بأن قصد التجارة فإنه لا يقدح في صحة الحج، ولا يوجد إثماً ولا معصية، ولكن أكمل منه كذلك لو صام ليصح جسده، أو ليحصل له زوال مرض من الأمراض، فلا يكون قادحاً في صومه، وكذلك وجود الوضوء ليحصل له التبرد فلا يكون قادحاً وضوءه، لأن جميع هذه الأغراض لا يدخل فيها تعظيم الخلق بل هي تشريك أمور من المصالح، وما ليس للعظيم لا يقدح في العبادات وإن كان تشريك، نعم إن هذه المقاصد والأغراض الخالطة للعبادة قد تنقص الأجر، وإن العبادة إذا تجردت عنها عظم الأجر والثواب. ونختم المجلس بأخبار تطبيقية متعلقة بالإخلاص، وترك الرياء في العمل. قال الفضيل (١) ﵁: ترك العمل لأجل الناس رياء، والعمل لأجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما. وقال أبو سليمان الداراني ﵁: طوبي لمن صحت له خطوة واحدة، يريد بها وجه الله. وقال ذو النون المصري (٢) ﵁: من علامات الإخلاص استواء المدح والذم. ونقل عن بعضهم أنه قال: قضيت صلاة ثلاثين سنة كنت أصليها في الصف الأول لأني تأخرت يوماً فصليت في الصف الثاني، فخجلت من الناس حيث رأوني في الصف الثاني على خلاف عادتي، فعرفت أن نظر الناس لي في الصف الأول كان يعجبني. وذكر أن أعرابياً دخل المسجد وصلى صلاة خفيفة، فقام إليه علي بن أبي طالب بالدرة وقال: أعد الصلاة فأعادها، فقال: هذه خير أم الأولى؟ قال: الأولى لأني صليتها لله تعالى والثانية صليتها خوفاً من الدرة. وذكر شرف الدين بن يونس (٣) في مختصر الإحياء في باب الإخلاص: إن من أخلص لله تعالى في العمل ظهرت بركته عليه وعلى عقبه إلى يوم القيامة.

стр. 82

كما قيل لما هبط آدم ﵇ إلى الإرض جاءته وحوش الفلاة تسلم عليه وتزوره، فكان يدعو الكل حبس بما يليق به، فجاءته طائفة من الظباء فدعا لهن ومسح على ظهورهن فظهر فيهن نوافح المسك، فلما رأى بواقيها ذلك قالوا: من أين هذا لكن؟ فقلن: زرنا صفي الله آدم فدعا لنا، ومسح على ظهورنا، فمضى البواقي إليه فدعا لهن ومسح على ظهورهن فلم يظهر بهن من ذلك شيء، فقال الذين ظهر فيهم ذلك: نحن كان عملنا لله من غير شوب. فظهر ذلك في نسلهم وعقبهم إلى يوم القيامة ببركة الإخلاص. فائدة: غزال المسك يحل أكله من الغزلان هو أسود وهو كالغزال إلا أن له نابين أبيضين خفيفين خارجين من فيه كنابي الخنزير، كل واحد منها دون الفتر. وأصل المسك: دم يجتمع في سرتها في وقت معلوم، والمسك ثمر في كل سنة للشجرة التي تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، والمسك أطيب الطيب وأفضله، وهو طاهر وإن كان أصله دماً إذا أخذ من الظبية، وهي حية يجوز استعمالها في البدن والثوب ويجوز بيعه، وهو مستثنى من قول الفقهاء: «ما أبين من حي فهو ميت» . ومن خواص المسك أنه يقوي البصر، وينشف الرطوبات، ويقوي القلب والدماغ، ويجلو بياض العين، وينفع من الخفقان، وهو ترياق السموم، ويقوي الأعضاء الباطنة والظاهرة شماً وشرباً، ومنافعه كثيرة فلهذا كان النبي ﷺ يستعمله كثيراً. وحكى الإمام حجة الإسلام الغزالي: أن بعض العباد بلغه أن قوماً يعبدون شجرة من دون الله، فخرج العابد بنية قصد بها وجه الله، فاعترض له إبليس في صورة رجل وقال: إن قطعتها عبدوا غيرها فارجع إلى عبادتك، فقال: لابد من قطعها، فقاتله إبليس فصرع العابد إبليس وانتصر عليه، فقال له إبليس: أنت فقير ارجع إلى عبادتك، واجعل لك دينارين تحت رأسك كل ليلة، وقال للعابد: لو شاء الله لأرسل رسولاً يقطعها، وما عليك إذ لم تعبدها أنت، فمال العابد إلى قوله ورجع، فلما بات تلك الليلة وأصبح وجد دينارين، ثم في اليوم التالي وجدهما ثم في اليوم الثالث لم يجد شيئًا فخرج لقطعها لا لوجه الله، فعارضه إبليس في صفة رجل فقاتله فانتصر إبليس على العابد فقال العابد: كيف قدرت عليك في المرة الأولى بخلاف الثانية قال له إبليس: لأنك في المرة الأولى كان غضبك لله لا لأجل الدنيا بخلاف الثانية، فعرف من هذا أن الإنسان إذا أخلص في عمله قهر عدوه الشيطان، وإن لم يخلص كان مقهوراً مغلوباً مع الشيطان.

стр. 83

قال العلماء: بحسن نية الملك أو نائبه للناس يدخل الله الخيرات والبركات على الناس، وبشؤم نيته لهم تقل بركاتهم وتغلو أسعارهم. ويدل على ذلك ما نقله الغزالي في نصيحة الملوك عن وهب بن منبه أنه قال: إذا همَّ الوالي بالجور وعمل به أدخل الله تعالى النقص في أهل مملكته والزرع والضرع والثمر، وإذا همَّ بالعدل أدخل الله البركة في أهل مملكته، فقد كانت الحنطة في العصر الأول أكبر جرماً من هذا اليوم، وأكثر بركة، وأرخص سعراً. وروي الإمام أحمد بإسناده أنه وجد في خزائن بعض الملوك من بني أمية صرة فيها حنطة أمثال نوى التمر مكتوب عليها: «هذا كان ينبت العدل» . وحكي عن ابن عباس أنه قال: كان ملك من الملوك يخرج مستخفياً ليعلم أخبار مملكته، فنزل على رجل عنده بقرة تحلب حلاب ثلاثين بقرة، فلما أصبح حدث نفسه بأخذها فلم تحلب إلا الشيء اليسير الذي تدره له فقال له الملك: ما بال حلابها نقص عن عادتها، أرعت في غير موضعها الذي كانت فيه؟ فقال: لا ولكن ملكنا أظن أنه همَّ بالجور فنقص لبنها، فإن الملك إذا ظلم أو همَّ بالظلم ذهبت البركة، فعاهد الملك الله تعالى في نفسه أن لا يأخذها ولا يظلم، فراحت بين الظعن فحلبت مثل عادتها الأولى، فتاب الملك إلى الله . * * *

стр. 84

المجلس الخامس في بيان الهجرة والكلام على الشطر الثاني من حديث «إنما الأعمال بالنيات» قوله: «فمن كانت هجرته» . قال العلماء: الهجرة فعلة من الهجر ضد الوصل (١) ، ثم غلب ذلك على الخروج من أرض إلى أرض وترك الأولى للثانية، وتقسيم الهجرة إلى ثمانية أقسام كما أفاده العراقي: الأولى: الهجرة الأولى إلى الحبشة عندما آذى الكفار الصحابة خرج من الصحابة سراً أحد عشر نسوة منهم: عثمان بن عفان وزوجته رقية بنت رسول الله ﷺ . الثانية: الهجرة من مكة إلى المدينة. الثالثة: هجرة القبائل إلى رسول الله ﷺ لتعلم الشرائع، ثم يرجعون إلى الأوطان، ويعلمون قومهم. الرابعة: هجرة من أسلم من مكة ليأتي إلى النبي ﷺ ثم يرجع إلى مكة. الخامسة: هجرة ما نهي الله عنه. السادسة: الهجرة الثانية إلى أرض الحبشة مرتين، فإنهم هاجروا إلى أرض الحبشة مرتين كما هو معروف في السير، وجميع من هاجر إلى أرض الحبشة إثنان وثمانون رجلاً سوى النساء والصبيان. السابعة: هجرة من كان مقيماً ببلاد الكفر ولا يقدر على إظهار الدين فإنه يجب عليه أن يهاجر إلى بلاد الإسلام كما صرح به العلماء. الثامنة: الهجرة إلى الشام في آخر الزمان عند ظهور الفتن.

стр. 85

ومعنى الحديث وحكمه يتناول جميع الأقسام لأن السبب الذي قدمنا ذكره يدل على أن المراد هنا بالهجرة الهجرة من مكة إلى المدينة. فإن قيل: هل الهجرة باقية إلى يومنا هذا أو انقطعت بفتح مكة؟ فالجواب: أن الأحاديث تعارضت في ذلك ففي الصحيحين أن النبي ﷺ قال: «لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية» (١) فهذا يدل على انقطاعها. وقد روى أبو داود والنسائي مرفوعاً «لا تنقطع الهجرة حتى تقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها» (٢) فهذا يدل على عدم انقطاعها، وجمع بينهما بأن الهجرة كانت إلى الإسلام فرضاً، ثم صارت بعد فتح مكة مندوباً إليها غير مفروضة، فالمنقطعة هي الفرض والباقية هي الندب، وقوله ﷺ كما هو ثابت في بقية الروايات. قوله: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله» (٣) يحتمل أن تكون «من» فيه شرطية فالفاء في «هجرته» داخلة في جواب الشرط، ويحتمل أن تكون «من» موصولة، وهي مبتدأ فالفاء في «هجرته» داخلة على الخبر لتضمن المبتدأ معنى الشرط، وعلى الاحتمالين لابد من التغاير بين المبتدأ والخبر والشرط والجزاء، والظاهر هما هنا الاتحاد فلابد من تأويل التغاير بينهما، فقيل في تقدير

стр. 86

التغاير: فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله نية وقصداً، فهجرته إلى الله ورسوله حكماً وشرعاً، ويكون المقدر منصوباً على التمييز كقوله تعالى ?إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ? [الأنفال: ٦٥] أي: رجالاً أو نحوه لا منصوباً على الحال لأن الحال المبينة لا تحذف، ولهذا منع بعض العلماء تعلق الجار في ?بِسْمِ اللَّهِ? بحال محذوفة أي: ابتدئ متبركاً، وقيل: تأويل التغاير أن خبر الثاني محذوف والتقدير: فهجرته إلى الله رسوله (١) . وقيل: المراد ثواب من هاجر إلى الله ورسوله، فأقيم السبب مقام المسبب. وقيل: المراد في الثاني ما عهد في الذهن، وفي الأول المشخص في الخارج مثل أنا أبو النجم، وشعري شعري أي: شعري الذي سمعتموه هو شعري المستقل المعهود في الأذهان فلا حاجة لتقدير محذوف. فإن قيل: لأي شيء عدل عن الضمير إلى الظاهر حيث قال: «فهجرته إلى الله ورسوله» ولم يقل: «إليهما» مع إنه هو أخص. فالجواب: أنه فعل ذلك إما لأن في الظاهر استلذاذاً بذكره صريحاً، ولذلك لم

стр. 87

يأت مثله في الجملة بعده إعراضاً عن تكرار لفظ الدنيا، وإما لئلا يجمع بين اسم الله ورسوله في ضمير واحد، بل يفردان، ولهذا جمع الخطيب بينهم في ضمير واحد حيث قال: «ومن يعصهما» قال له رسول الله ﷺ : «بئس الخطيب قل ومن يعص الله ورسوله» (١) كما سيأتي في محله. وقوله: «فمن كانت هجرته إلى دنيا» قال العلماء: «دنيا» بضم الدال على المشهور، وحكى ابن قتيبة كسرها على وزن «فُعلا» من الدنو، وهو القرب سميت بذلك لدنوها إلى الزوال وجمعها دنى ككبرى، وهي مقصورة ليس فيها تنوين بلا خلاف. واختلف علماء الكلام في حقيقة الدنيا على قولين: أحدهما: أنها على الأرض الجواهر والأعراض الموجودة، قبل الدار الآخرة. قال ابن العطار (٢) : وهو الأظهر، وتطلق الدنيا على كل جزء منها، فيقال للمال دنيا، وللقماش دنيا، وللأملاك دنيا، وأراد ﷺ بدنيا متاعاً من متاعها (٣) . وقوله: «أو امرأة» من عطف الخاص على العام، لدخول المرأة في مسمي الدنيا بدليل حديث: «الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة» (٤) . واعترض النووي على من قال: إنه من عطف الخاص على العام، بأن لفظ «دينا» نكرة وهي لا تعم في الإثبات، فلا يلزم دخول المرأة فيها. وأجيب عن الاعتراض: بأنها في سياق الشرط فتعم.

стр. 88

لكن اعترض على من يقول: بأنه من عطف الخاص على العام أيضاً من جهة أن عطف الخاص على العام من الأحكام المختصة بالواو بين سائر حروف العطف، كما نص عليه ابن مالك (١) في شرح العمدة، وابن هشام (٢) في المغني (٣) ، فالصواب أن «أو» على بابها للتقسيم، وجعلت «المرأة» قسماً مقابلاً للدنيا تعظيماً لأمرها لأنها أشد فتنة، وعلى تقدير: أنها عطف الخاص على العام فالنكتة في التصريح بها مع دخولنا في الدنيا أمران: أحدهما التنبيه على زيادة التحذير، لأن الافتتان بها أشد. الثاني: أنها سبب الحديث، فحسن التصريح بها. وقال بعضهم: ذكر الدنيا تحذير للناس منها، وإفرد المرأة زيادة في التحذير، فقد ورد «ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء» (٤) . وفي وصية لقمان لابنه: «اتق المرأة فإنها تشيبك قبل الشيب، واتق شرار النساء فإنهن لا يدعون إلى خير، وكن من خيارهن على حذر» . وذكر الدنيا في الحديث لأنها حقيرة لا يتبعها إلا الحقير فقد روى الترمذي وقال حسن صحيح عن سهل بن سعد (٥) أن النبي ﷺ قال: «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً شربة ماء» (٦) . وأنشد بعضهم في هذا المعنى: إذ كان شيء لا يساوي جميعه ... جناح بعوض عند من أنت عبده واشغل جزء منه كلك ما الذي ... يكون على ذا الحال قدرك عنده معنى «هوان الدنيا على الله تعالى» : أن سبحانه لم يجعلها مقصودة لنفسها، بل جعلها طريقاً موصلاً إلى ما هو المقصود لنفسه، ولم يجعلها دار إقامة ولا جزاء، وإنما جعلها دار بلاء، وإنه ملكها في الغالب للجهلة والكفرة، وحماها الأنبياء والأولياء والأبدال، وحسبك بها هو أنه سبحانه صغرها وحقرها وأبغضها أو أبغض أهلها

стр. 89

ومحبيها، ولم يرض لعاقل فيها إلا بالتزود منها والتأهب للارتحال عنها. فائدة: قال ابن الجوزي خلق الله تعالى ستة أشياء وملأها سماً وجعل ترياقها ستة أشياء: الأول: خلق الدنيا وجعل المساجد ترياقها. الثاني: خلق الشهور، وجعل ترياقها شهر رمضان. الثالث: خلق الأيام وملأها سماً، وجعل ترياقها يوم الجمعة. الرابع: خلق المعاصي وملأها سماً، وجعل ترياقها التوبة. الخامس: خلق الساعات وملأها سماً، وجعل ترياقها الصلوات الخمس. السادس: خلق الأمراض وملأها سماً، وجعل ترياقها بسم الله الرحمن الرحيم، فإذا أردت أن تطيب فمك، وتطهر جسمك، وترفع اسمك، وتشفي سقمك فقل بسم الله الرحمن الرحيم. ولله دراً بقائك: كلامك والله يا سيدي ... ألذ وأحلى من العافية وأشهى إلى العين من غمضها ... وأطيب من عيشة راضية يا هذا: الدنيا دار غرور، ولا يدوم لها سرور، ولا يؤمن فيها محذور، جديدها يبلي، وحبيبها يقلي، الدنيا قدر يغلي، وكنيف يملأ، لا يغرنكم علو الدور والقصور، فإن مآلها إلى الخراب ومآل إلى القبور، لا يغرنكم الثياب الفاخرة، والوجوه النضرة، فإن منقلبها إلى الحافرة، والعظام النخرة، وقد أحسن من قال: أيا من قد تهاون بالمنايا ... ومن قد غره الأمل الطويل ألم تر إنما الدنيا غرور ... وأن جميع ما فيها يزول فلا يغررك من دنياك وعد ... فليس لوعدها أبداً حصول وقال القرطبي (١) في التذكرة وذكره ابن أبي الدنيا (٢) قال: حدثنا أبو إسحاق بن الأشعث سمعت فضيل بن عياض يقول: قال ابن عباس: «يؤتى بالدنيا يوم القيامة في صورة شمطاء زرقاء أنيابها مكشرة مشوهٌ خلقها، فتشرف على الخلائق، فيقال: هذه فيقولون: نعوذ بالله معرفة هذه، فيقال: الدنيا التي تفاخرتم عليها بها، تقاطعتم الأرحام، ولها تحاسدتم وتباغضتم واغتررتم، ثم تقذف في جهنم فتنادي أي رب أتباعي وأشياعي فيقول الله: ألحقوا بها أتباعها وأشياعها» (٣) .

стр. 90

وقال تعالى ?فَمَا مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ? [التوبة: ٣٨] . وقال النبي ﷺ : «إن الله يحمي عبده الدنيا، وهو يحميه كما تحمون مريضكم الطعام والشراب» (١) . وعن البراء بن عازب (٢) عن النبي ﷺ : «إن لله خواص يسكنهم الرفيع من الجنان في أعلى عليين كانوا أعقل الناس» قلنا: يا رسول الله كيف كانوا أعقل الناس؟ قال «كان همهم المسابقة إلى الله تعالى والمسارعة إلى ما يرضيه، زهدوا في الدنيا وفي فضولها في رياستها ونعيمها، فهانت عليهم فصبروا قليلاً فاسترحوا طويلاً» (٣) . وذكر القرطبي: أن رجلاً قال: يا رسول الله أخبرني بجلساء الله يوم القيامة؟ قال: «هم الخائفون الخاضعون المتواضعون الذاكرون الله كثيراً» قال: فهم أول الناس دخولاً الجنة؟ قال: «لا» قال: فمن أول الناس يدخلون؟ قال: «الفقراء يسبقون الناس إلى الجنة، فتخرج إليهم الملائكة فيقولون: ارجعوا إلى الحساب فيقولون: على ما نحاسب ما أُفيضت علينا من الأموال في الدنيا فنقبض ونبسط، وما كنا أمراء نعدل ونجور، ولكن جاءنا أمر الله فعرفناه حتى أتانا اليقين» (٤) . وقال النبي ﷺ «اتقوا الله فإنه يقول يوم القيامة: أين صفوتي من خلقي فتقول الملائكة: من هم يا ربنا فيقول: الفقراء الصابرون الصادقون الراضون بقدري، أدخلوهم الجنة، فيدخلون الجنة، ويأكلون ويشربون، والأغنياء في الحساب يترددون» (٥) . قال العلامي في تفسيره (٦) : «إن إبليس يعرض الدنيا على من يريدها كل يوم،

стр. 91

فيقول: من يشتري شيئًا يضره ولا ينفعه، وبهيمة لا تسره؟ فيقول أصحابها وعشاقها: نحن، فيقول: إنها معيبة فيقولون: لا بأس فيقول ثمنها ليس بالدراهم ولا بالدنانير، ولكن بنصيبكم من الجنة، فإني أشتريتها بأربعة أشياء بلعنة الله وغضبة وسخطه وعذابه، وبعت الجنة بها، فيقولون رضينا ذلك، فيقول: أريد أن أريح بأن توطنوا قلوبكم على أن لا تدعوها أبداً، فيقولون: نعم، فيبيعهم إياها على ذلك، ثم يقول: بئست التجارة» . وينبغي لكل أحد أن يرضى بما أعطاه الله من الرزق في الدنيا وقسمه له، ويشكر على ذلك ويراه كثيراً عليه، فإن فعل ذلك استراح وعظمت نعم الله في عينه، وإذا زاد من شكره وأجره، جاء الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «قال الله سبحانه تعالى: يا بني آدم وعزتي وجلالي لئن رضيت بما قسمت لك أرحتك، وأنت محمود، وإن لم ترض بما قسمت لك سلطت عليك الدنيا تركض فيها كركض الوحوش ثم لا يكون لك إلا ما قسمت لك وأنت مذموم» نقله الدميري في الوحش (١) . ويكفي في ذمها أن رسول الله ﷺ لعنها حيث قال: «الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما أولاه عالم أو متعلم» قال الترمذي هذا حديث حسن غريب (٢) . ولا يعارض هذا قوله ﷺ : «لا تسبوا الدنيا فنعمت مطية المؤمن عليها يبلغ الخير، وبها ينجو من الشر» (٣) لأن هذا محمول على ما كان من الدنيا يقرب من

стр. 92

الله، ويعين على عبادته، فإنه محمود بكل لسان، محبوب لكل إنسان، فمثل هذا لا يسب، بل يراعى فيه ويحب، كما أشار إلى ذلك في الحديث بقوله: «فنعمت مطية المؤمن عليها يبلغ الخير، وبها ينجو من الشر» . وأما المباح لعنة الله من الدنيا فهو ما كان مبعداً عن الله، وشاغلاً عنه كما قال بعض السلف: كل ما شغلك عن الله من مال ولد فهو شؤم عليك، وهو الذي نبه الله سبحانه عليه بقوله ?اعْلَمُوا أَنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ? [الحديد: ٢٠] . وفي فتاوى ابن عبد السلام الموصلية: أن الدنيا التي لعنت: هي الحرمة التي أخذت بغير حقها أو صرفت لغير مستحقها، فلا يلهينك يا هذا عن اكتساب دار القرار، والاغترار بشيء من زخرف هذه الدار، فوالله ما هي بدار مقام، بل دار إن أضحكت اليوم أبكت، وإن سرت أعقب سرورها ردى، وإن أخصبت أجدبت، وإن جمعت فرقت، وإن ضمت شتت، وإن غمرت دمرت، وإن وهبت سلبت، وإن ولت عزلت، وإن وصلت قطعت، دار الهموم والأحزان، والغموم والأشجان، والبين والفراق، والشقاء والشقاق، والرحلة والانتقال والزوال، قليلة الصفاء، وبيلة الجفاء، عديمة الوفاء، لا ثقة لعهدها، ولا وفاء لوعدها، ولا وصل لبعدها، محبها ثعبان، وعاشقها سكران، قد سترت معائبها، وكتمت مصائبها، وأخفت نوائبها، وخدعت بباطلها، وغيرت ببراطيلها، ونصبت شباكها، ووضعت إشراكها، وأبدت ملامح، وسترت قبائح الفعال، ونادت: الوصال أيها الرجال، فمن رام وصالها وقع في حبالها، وبدله سوء حالها، وشدة وبالها، فعض يديه ندماً، وبكى بعد الدموع دماً، وأسلمه ما طلب إلى سوء المنقلب، وجهد في الفرار فما أمكنه الهرب، فتيقظ لنفسك يا هذا قبل الهلاك، وأطلق نفسك من أسرها قبل ن يعسر الفكاك، وأقبل على ما فيه عظيم نجاحك، وما هو في الدارين سبب صلاحك، من عبادة الله، ومداومة ذكره، وملازمة حمده على ذلك وشكره، وافعل الخير ما وجدت سبيلاً، فقد انتظر المقام المهول، ولقد أحسن من يقول: سألت عن الدنيا الدنيئة قيل له ... هي الدار فيها الدائرات تدور فإن أضحكت أبكت وإن أحسنت أساءت ... وإن عدلت يوماً ما فسوف تجور وقال آخر:

стр. 93

يا خاطب الدنيا الدنيئة إنها ... شرك الردى وقرارة الأكدار دار إذا ما أضحكت في يومها ... أبكت غداً بعداً لها من دار وقد جاء أخبار في الزهد من هذه الدنيا الفائتة، وفضل الفقراء، وما يعطي الله الفقير الصابر. فائدة: سبب هجرة النبي ﷺ من مكة إلى المدينة ما نقله المفسرون وغيرهم عن ابن عباس (١) وغيره: إذ قريش خافوا لما أسلمت الأنصار أن يعظم أمر رسول الله ﷺ لأنه صار له شيعة وأنصاراً وأصحاباً من غيرهم، بغير بلدهم، ورأوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم، وخافوا خروج رسول الله ﷺ إليهم وأن يحاربهم بالصحابة، فاجتمع نفر من كبارهم في دار الندوة وهي دار قصي بن كلاب، وكانت قريش لا تقضي أمراً إلا فيها، ليتشاورا في أمر رسول الله ﷺ فجاءهم إبليس في صورة شيخ جليل عليه «بت» أي: طيلسان فقالوا: من أنت؟ قال: شيخ من نجد، فلما سمعت باجتماعكم أردت أن أحضركم، ولن تعدموا مني رأياً ونصحاً فقالوا: ادخل فدخل فقال أبو البحتري: أما أنا فأرى أن تأخذوا محمداً وتحبسوه في بيت وتشدوا وثاقه، وتسدوا باب البيت غير كوة تلقون إليه طعامه وشرابه، حتى يملك فيه فصرخ الشيخ النجدي وقال: بئس الرأي هذا، والله لأن حبستموه يخرج أمره إلى أصحابه فيوشك أن ينقلبوا عليكم ويقاتلوكم، قالوا: صدق الشيخ النجدي فقال هشام بن عمرو: وأما أنا فأرى أن تحملوه على بعير فتخرجوه من بين أظهركم فلا يضركم ما صنع إذا غاب عنكم واسترحتم، فقال إبليس: ما هذا برأي تعمدون إلى رجل قد أفسد سفهاؤكم فتخرجوه إلى غيركم فيفسدهم، ألم ترو حلاوة منطقه، وطلاوة لسانه، وأخذه القلوب ما تسمع من حديثه، والله لأن فعلتم ذلك فيذهب ويستميل إلى قلوب قوم، ثم يسير بهم إليكم فيخرجكم من بلادكم، قالوا: صدق الشيخ، فقال

стр. 94

أبو جهل: فوالله لأشيرن عليكم برأي ما أرى غيره إني أرى أن تأخذوا من كل قبيلة من قريش شاباً نسبياً، ثم يعطى كل واحد منهم سيفاً صارماً، ثم يضربونه ضربة رجل واحد، فيتفرق دمه في القبائل كلها، ولا أظن هذا الحي من بني هاشم يطيقون حرب قريش كلها، وإنهم إذا رأوا ذلك قبلوا ديته، فتودي قريش ديته، فقال إبليس: صدق هذا الفتى القول ما قال لا أرى غيره، فتفرقوا على قول أبي جهل فأتى جبريل النبي ﷺ وأخبره بذلك، وأمره أن لا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه، وأذن الله له عند ذلك بالهجرة إلى المدينة، فأمر رسول الله ﷺ علي ﵁ فنام في مضجعه الذي كان يبيت فيه، وقال: تسجى ببردي هذا الأخضر فإنه لم يخلص إليك منهم أمر لكرهم، وكان ﷺ ينام في برده هذا إذا نام، فكان علي ﵁ أول من جعل نفسه فداءً لرسول الله ﷺ كما أشار إلى ذلك بقوله: وقيت بنفسي خير من وطئ الثرى ... ومن طاف بالبيت العتيق وبالحجر رسول إله خاف أن يمكروا به ... فنجاه الإله ذو الطول من المكر وخلف علياً بمكة حتى يدفع الودائع إلى أهلها فإنه ﷺ كانت توضع الودائع عنده لصدقه وأمانته، فلما أمره الله بالخروج للهجرة قال لجبريل: من يهاجر معي؟ قال: أبو بكر الصديق، ثم احتاط الكفار وقت العتمة بدار النبي ﷺ يرصدونه حتى ينام فيثبون عليه، فلما علم بهم رسول الله ﷺ أخذ حفنة من تراب وخرج عليهم، وقد أخذ الله أبصارهم فلم يره منهم أحد وجعل ينثر التراب على رؤوسهم، وهو يقرأ قوله تعالى ?إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ * وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَداًّ وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَداًّ فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ? [يس: ٨، ٩] ولم يبق منهم رجل وقد وضع على رأسه تراباً. وكان خروجه مهاجراً في شهر ربيع الأول، ويقال: في صفر يوم الاثنين، وصحب معه أبو بكر ﵁ واستأجر عبد الله بن أريقط دليلاً وهو على شركه، ثم أسلم بعد ذلك وصحب، واستأجروا عامر بن فهيره خادماً وأما الكفار الذين أحاطوا بالدار فلما أصبحوا دخلوا على علي قالوا: أين صاحبك؟ قال: لا أدري فعلموا أنه ذهب فاقتصوا أثره وأرسلوا في طلبه، وأما رسول الله ﷺ فإنه استمر سائراً هو ومن معه، فجعل أبو بكر يمشي مرة أمامه ومرة خلفه ومرة عن يمينه ومرة عن يساره فقال له رسول الله ﷺ : ما هذا يا أبا بكر ما أعرف هذا من فعلك؟ قال: يا رسول

стр. 95

الله أذكر الرصد فأكون أمامك، وأذكر الطلب فأكون خلفك، ومرة عن يمينك ومرة عن يسارك لآمن عليك، فمشى ﷺ على أطراف أصابعه حتى حفيت رجلاه، فلما رأى أبو بكر أنها حفيت حمله على كاهله وجعل يسير به سيراً شديداً حتى وصل جبل ثور، وهو جبل بأسفل مكة فصعد عليه حتى أتى به الغار فأنزله عند بابه ثم قال: والذي بعثك بالحق نبيناً لا تدخله حتى أدخله قبلك، فإن كان فيه شيء نزل بي قبلك، فدخل فلم ير شيئاً فكنسه، فوجد فيه ثقوباً فيها حيات وأفاعي فشق إزاره وسد تلك الثقوب خوفاً أن يخرج منها شيء يؤذي رسول الله ﷺ وبقي ثقب كبير فسده أبو بكر بقدمه، وفي رواية فدخل رسول الله ﷺ فوضع رأسه في حجر أبي بكر ونام فجعلت الحيات والأفاعي تلسع رجل أبي بكر ﵁ وهو لا يتحرك مخافة أن يتنبه رسول الله ﷺ وجعلت دموعه تتساقط على وجه رسول الله ﷺ فانتبه وقال: «مالك يا أبا بكر؟» فقال: لذغت فداك أبي وأمي، فتفل عليه رسول الله ﷺ فذهب ما يجده من الألم، وقال: يا أبا بكر لا تحزن إن الله معنا، فأنزل الله سكنيته أي: طمأنينته على أبي بكر. وقيل: إنه لما صعد الجبل لم ير فيه مكاناً يختفون فيه قال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فانفتح في الجبل غار بقدرة الله فدخل ذلك الغار، ثم أمر الله العنكبوت فنسج على بابه في الحال، وأمر حمامتين وحيتين فعششتا على بابه. قال السهيلي: وحمام الحرم من نسلهما، وأنبت الله في الحال على باب الغار شجرة يقال لها «الرآءة» مثل قامة الإنسان ولها زهر أبيض فلما بلغوا الغار رأوا على بابه نسج العنكبوت، قالوا: لو دخل لم يبق نسج العنكبوت على بابه، وبيض الحمام، والنبي ﷺ يسمع ما قالوا، فعلم أن الله صدهم عن نبيه. وجاء في الحديث: إن الكفار لما وقفوا على باب الغار، وقال أبو بكر يا رسول الله لو أن أحدهم ينظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه، فقال: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالهما. قال الطبري: في هذا دليل على أن باب الغار كان من أعلى، وإلى ذلك أشار صاحب البرده بقوله: وما حوى الغار من خير ومن كرم ... وكل طرف من الكفار عنه عمي فالصدق في الغار والصديق لم يريا ... وهم يقولون ما بالغار من آدم

стр. 96

ظنوا الحمام وظنوا العنكبوت على ... خير البرية لم تنسج ولم تحم وقاية الله أغنت عن مضاعفة ... من الدروع وعن عال من الأطم ففي هذه إشارة إلى حماية النبي ﷺ من أعدائه من الكفار وقعت بأضعف الأشياء مغنية عن أقوى الأشياء، وقعت بنسج العنكبوت وهو أضعف الأشياء قال تعالى ?وَإِنَّ أَوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنكَبُوتِ? [العنكبوت: ٤١] مغنية عن الدروع التي قال الله عنها: ?وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّنْ بَأْسِكُمْ? [الأنبياء: ٨٠] . قال العلماء: نسج العنكبوت على جماعة غير النبي ﷺ ، الأول: شخص من الصحابة يقال له: «عبد الله بن أنيس» بعثه رسول الله ﷺ لأجل قتل شخص من الكفار يقال خالد بن نبيح الهذلي، فذهب إليه وهو بالغرفة فقتله ثم احتمل رأسه ودخل في غار فنسجت عليه العنكبوت، وجاءوا لطلبه فلم يجدوا شيئاً، فلما وصلوا إلى باب الغار نسج العنكبوت فانصرفوا راجعين، ثم خرج وسار إلى النبي ﷺ فلما رأه النبي ﷺ قال: «أفلح الوجه» قال: وجهك يا رسول الله، ووضع الرأس بين يديه، وأخبره الخبر فدفع إليه عصى كانت بيده وقال: «تُخص بهذه في الجنة» فكانت عنده إلى أن حضرته الوفاة ووصى أهله أن يدفنوها في كفنه ففعلوا، وكانت مدة غيبته ثمان عشرة ليلة. الثاني: داود ﵇ نسجت عليه مرتين حين كان جالوت يطلبه. الثالث: زيد بن علي بن الحسين بن على بن أبي طالب (١) لما انتهت إليه الخلافة وبايعه عليها خلق كثير حاربه والى العراق وهو يوسف بن عمر فظفر به وصلبه على خشبة عرياناً، ووجهه لغير القبلة، فدارت خشبته إلى القبلة وأرسل الله تعالى العنكبوت فنسج على عورته لبركة آبائه وإسلامه، وأقام مصلوباً أربع سنوات، ثم أحرقوا خشبته وجسده ﵁ وكان ظهوره وخلافته في أيام هشام بن عبد الملك فقال له طائفة كثيرة من أهل الكوفة تبرأ من أبي بكر وعمر حتى نبايعك فقال: لا، فقالوا: إذاً نرفضك، فمن ذلك اليوم سموا الرافضة. فائدة: أسند الثعلبي (٢) وغيره عن علي بن أبي طالب قال: طهروا بيوتكم من نسج العنكبوت، فإن تركه في البيوت يورث الفقر. وقال أبو الليث السمرقندي (٣) : تركه في الإصطبل يهزل الدوآب. وقال الزركشي من علماء الشافعية: إنه يجوز قتله، لأنه من ذوات السموم،

стр. 97

وورد في حديث ضعيف «العنكبوت شيطان مسخه الله فاقتلوه» (١) . فائدة لطيفة: روى أبو نعيم في الحلية في ترجمة مجاهد أنه قال في قوله تعالى ?أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ المَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ? [النساء: ٧٨] أنه قال: كان فيمن كان قبلكم امرأة وكان لها أجير فولدت جارية، وقالت لأجيرها: اقتبس لنا ناراً، فخرج فوجد بالنار رجلاً فقال: ما ولدت هذه المرأة؟ فقال: جارية، فقال: أما إن هذه الجارية لا تموت حتى تبغي بمائة رجل ويتزوجها أجيرها ويكون موتها بالعنكبوت، فقال الأجير في نفسه: فأنا والله ما أريد هذه بعد أن تبغي بمائة رجل، لأقتلها وأخذ شفرة ودخل وشق بطن الصبية وخرج على وجهه، فركب البحر فخيط بطن الصبية وعولجت، فشفيت وشبت، فكانت تبغي ساحلاً من سواحل البحر فأقامت هناك تبغي، ولبث الرجل ما شاء الله ثم قدم ذلك الرجل ساحل البحر ومعه مال كثير فقال لامرأة من أهل ساحل البحر: اختاري لي امرأة في القرية أتزوج بها، فقالت: هاهنا امرأة من أجمل الناس ولكنها تبغي، قال: آتيني بها، فأتتها فقالت: قد قدم رجل له مال كثير وقال لي: كذا، فقلت: كذا، فقالت: إني تركت البغاء ولكن إذا أراد تزوجته قال: فتزوجها فوقعت منه موقعاً، فبينما هو يوم عندها إذا أخبرها بأمره فقالت: أنا تلك الجارية وأرته الشق في بطنها، وقد كنت أبغي فما أدري بمائة أو أكثر أوأقل، قال: فإنه قال لي: يكون موتها بالعنكبوت، قال: نبني لها برجاً في الصحراء وشيده، فبينما هو يوماً في ذلك البرج إذا عنكبوت في السقف، فقال: هذا عنكبوت، فقالت: هذا يقتلني، لا يقتله أحد

стр. 98

غيري فحركته فسقط فأتته، فوضعت إبهام رجلها عليه فساخ سم بين ظفرها ولحمها واسودت رجلها وماتت، فنزلت هذه الآية ?أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ المَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ? (١) . قال العلماء: أقام النبي ﷺ في الغار ثلاثة أيام وأبو بكر ﵁ كل وقت من هذه الأيام الثلاثة عنده حزن خوف على رسول الله ﷺ ويقول له: يا أبا بكر لا تحزن إن الله معنا أو كما قال، وقد أشار إلى ذلك أبو بكر بقوله: قال النبي ولم يجزع يوقرني ... ونحن في سدف من ظلمة الغار لا تخش شيئًا فإن الله ثالثنا ... وقد توكل لنا منه بإظهار بعد الثالث خرج رسول الله ﷺ ومن معه من الغار. فائدة: خرج النبي ﷺ من الغار ليلة الاثنين أول يوم من ربيع الأول حكاه ابن الجوزي عن الكلبي. وقيل: خرج منه ليلة الاثنين أربع ليال خلون من ربيع الأول قاله ابن الملقن عن ابن سعد في الطبقات (٢) . وساروا والدليل أمامهم حتى مروا بمكان يقال له قديد يوم الثلاثاء، وهناك خيمة منصوبة لامرأة يقال لها: أم معبد واسمها عاتكة (٣) ، وهي جالسة في خيمتها وعندها شاة ضعيفة مهزولة تخلفت عن المراعي لشدة هزالها، وذهب زوجها ببقية الأغنام إلى المرعي فاستضافها رسول الله ﷺ وهي لا تعرفه، فقال لها: يا أم معبد هل عندك من لبن؟ فقالت: لو كان ما أحوجتكم إلى الطلب، فقال لها رسول الله ﷺ ما في هذه الشاة لبن؟ فقالت: إنها هزيلة تختلف عن المرعى لذلك، فقال: أتأذنين لي في حلابها؟ قالت: والله ما ضربها من فحل قط فشأنك وإياها، فدعا بها فمسح رسول

стр. 99

الله ﷺ ضرع الشاة وظهرها فحلب في الإناء، وكان إناء يفي رهطاً فشرب من لبنها وسقى أصحابه، ثم حلب في الإناء أيضاً وتركه عندها، واستمرت البركة في تلك الشاة ببركتة ﷺ ومن نسلها ما هو باق إلى زماننا هذا. وأما زوجها قال السهيلي: لا يعرف اسمه وقد ورد بأن اسمه: أكتم بن أبي الجون، فإنه جاء من المرعى وقت المساء، بعد أن سافر رسول الله ﷺ فرأى عندها لبناً في الإناء فقال لها: من أين هذا ولا حلوب عندك؟ قالت: يا أبا معبد مر بنا رجل ظاهر الوضاءة، متبلج الوجه، حسن الخلق، لم تعبه ثجلة، ولم تزر به صعلة، وسيم قسيم، في عينيه دعج، وفي أشفاره وطف، وفي صوته صحل، أحور، أكحل، أزج، أقرن، شديد، يخلو الشعر في عنقه سطع، وفي لحيته كثافة، إذا صمت فعليه الوقار، وإذا تكلم سما، وعلاه البهاء، وكأن منطقه خرزات نظم يتحدرن، حلو المنطق، فصل لا نزر، ولا هذر، أجهر الناس وأجمله من بعيد، وأحلاه وأحسنه من قريب، ربعة لا تشنوؤه من طول، ولا تقتحمه عين من قصر، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظراً، وأحسنهم قدراً، له رفقاء يحفون به، إذا قال استمعوا لقوله، وإذا أمر تبادروا إلى أمره محفود، محشود لا عابث ولا مفند، قال هذه والله صفة صاحب قريش، ولو رأيته لاتبعته ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلاً، ثم هاجرت بعد ذلك هي وزوجها فأسلما وكان أهلها يفرحون بنزول الرجل المبارك (١) . ثم لما فارق رسول الله ﷺ أم معبد وكان كفار مكة قد جعلوا لمن يقتل أو يأسر رسول الله ﷺ وأبا بكر دية كل واحد منهما، فبلغ ذلك سراقة بن مالك بن جعشم، وكذا قد بلغه أن رسول الله ﷺ وأصحابه ساروا على طريق السواحل،

стр. 100

فطمع في المال فأخذ رمحه وركب فرسه وتتبعهم، فلما دنى منهم وأحسن به رسول الله ﷺ دعا عليه، فعثرت فرسه وسط عنها، ثم ركبها وسار حتى قرب منهم وسمع قراءة رسول الله ﷺ وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات، فساخت قوائم فرسه في الأرض حتى بلغت الركبتين فنزل عنها وزحف فلم تستطع النهوض فطلب الأمان فدعا له رسول ﷺ ثم زجرها فنهضت، فلما استوت قائمة فركبها وسار نحو رسول الله ﷺ ، ووقع في نفسه ما لقي من الحبس عنهم وما اتفق لفرسه أنه سيظهر أمر رسول الله ﷺ وينتصر على أعدائه، فلما وصل إلى رسول الله ﷺ قال له: إن قومك قد جعلوا فيك الدية، وأخبرهم أخبار ما يريد الناس بهم وعرض عليهم الزاد والمتاع فلم يقبلوا منه شيئًا بل قالوا: أُخف عنا، ثم رجع سراقة إلى قومه إلى قومه بني مدلج، وأخبرهم بما اتفق له مع رسول الله ﷺ وقال لهم: لابد وإن يظهر أمره فسمع بذلك أبو جهل فأنشد يقول: بني مدلج إني أخاف سفهيكم ... سراقة يستغوي بنصر محمد عليكم أن لا يفرق جمعكم ... فيصبح شتى بعد عز وسودد فأجاب سراقة: أبا حكم والات لو كنت شاهداً ... لأمر جوادي أن تسيخ قوائمه عجبت ولن تشك بأن محمد ... نبي وبرهان فمن ذا يكاتمه عليك بكف الناس عنه فإنني ... أري أمره يوماً ستبدوا معالمه بأمر تود النصر فيه بأنها ... لو أن جميع الناس طراً تسالمه وأما رسول الله ﷺ فإنه مضى إلى المدينة وكان المسلمون من أهل المدينة قد سمعوا خروجه ﷺ من مكة، وكان المسلمون كل يوم يخرجون إلى مكان يقال له: الحرة، ينتظرونه حتى يشتد الحر، ثم يرجعون فلما كان يوم قدومه وذلك يوم الاثنين لاثنتي عشرة يوماً خلت من ربيع الأول، خرجوا ثم رجعوا إلى بيوتهم بعد ما طال انتظارهم وإذا يهودي صعد على جبل لحاجة فنظر من فوق فرأى رسول الله ﷺ وأصحابه فنادى بأعلى صوته: يا معشر العرب هذا جدكم الذي تنتظرونه قد أقبل فخرجوا إليه سراعاً وتلقوه، فنزل بقباء على بني عمرو بن عوف، ولبث عندهم

стр. 101

بضع عشر ليلة كما [رواه البخاري من طريق ابن شهاب عن عروة بن الزبير] (١) ، وقيل: غير ذلك. وأسس لهم المسجد الذي ذكر في القرآن أنه أسس على التقوى وصلى فيه، ثم ركب راحلته فسار يمشي ومعه الناس، وكلما مر على طائفه من أهل المدينة يقولون له: أقم عندنا فإننا أصحاب عدد وعدد ومتعة، وهو راكب ناقته وهم يحجزونها، فيقول لهم رسول الله ﷺ : خلوا سبيلها فإنها مأموره، حتى بركت عند مسجد رسول الله ﷺ ، وقيل: نزلت على باب المسجد ثلاث مراراً بركت أول مرة ورسول الله ﷺ عليها لم ينزل، ثم قامت وسارت غير بعيد، ثم رجعت إلى مبركها أول مرة ثم تحلحلت ثم عادت إليه فنزل عنها ﷺ فقال حين بركت به: هذا إن شاء الله هو المنزل ثم اشتراه من اليتيمين بعشرة دنانير، ثم بناه مسجداً، وكان ينقل معهم اللبن في بنائه ويقول: هذا الحمال لا حمال خيبر ... هذا أبر بنا وأطهر اللهم إن الأجر أجر الآخرة ... فارحم الأنصار والمهاجرة فائدة: وقال ابن سيد الناس (٢) قال عبد الله بن سلام (٣) : ولما قدم رسول الله ﷺ المدينة فانجفل الناس إليه فكنت فيمن انجفل، فلما رأيت وجهه ﷺ عرفت أن وجهه

стр. 102

ليس بوجه كذاب، فأول ما سمعته يقول: «أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام» (١) قال: أشرقت المدينة بقدومه ﷺ وسرى السرور إلى القلوب بحلوله بها. وعن أنس بن مالك قال: لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول لله ﷺ المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء. قال البراء بن عازب: ما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم برسول الله ﷺ . وسنذكر كم كان له باب في زمانه، وكم كان طوله وعرضه وارتفاعه، وغيره إن شاء الله تعالى. وأنزل الله تعالى في مشاورة قريش في أمر النبي ﷺ ?وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ? [الأنفال: ٣٠] والمكر: التدبير، والمعنى: ويدبرون ويدبر الله خير المدبرين (٢) .

стр. 103

المجلس السادس مشتمل علي شيء من ترجمة الإمام مالك وبقية الأئمة الأربع وترجمة عائشة وغيرها والكلام على الحديث الذي سأله الحارث من رسول الله ﷺ فقال: يا رسول كيف يأتيك الوحي، يأتي في المجلس السابع. قَالَ البُخَارِي: «حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أم الْمُؤْمِنِينَ ﵂ ... » . قوله: «قال حدثنا عبد الله بن يوسف» هذا هو أبو محمد التنيسي، أصله من دمشق، وكانت وفاته سنه سبع وثمان عشرة ومائتين. ويجوز في يوسف ست لغات ضم السين وفتحها، وكسرها مع الهمزة تركها، وهذه اللغة جارية في يونس أيضاً. «أنبأنا مالك» هذا هو الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة الأصبحي المدني، الإمام المجتهد أحد الأعلام الذي سارت به الركبان، ولد في خلافة الوليد بن عبد الملك، سنه أربع، وقيل: سنه ثلاث وتسعين، ومناقبه جمة أفردت بالتأليف، وثناء الناس عليه مشهور معروف، ولو سكتوا لأثنت عليه الحقائب، أخذ الرواية من تسعمائة شيخ منهم ثلاثمائه من التابعين وستمائة ممن تابعهم ممن اختاره وارتقى دينه وفقهه وقيامه بحق الرواية وشروطها، وسكنت النفس إليه، ومن مناقبه بل أجلها: أنه العالم

стр. 104

الذي بشر به النبي ﷺ بقوله: «ينقطع العلم فلا يبقى عالم أعلم من عالم المدينة» رواه الترمذي وغيره (١) . وحديث آخر: «ليس على ظهر الدنيا أعلم منه، فتضرب الناس إليه أكباد الإبل» . وفي لفظ آخر «يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل في طلب العلم فلا يجدون عالماً أعلم من عالم المدينة» (٢) . فالمراد بعالم المدينة في الأحاديث المذكورة هو الإمام مالك كما قاله التابعون وتابعوهم، ولم يعرف أن أحداً ضربت إليه أكباد الإبل مثل ما ضربت إليه. قال أبو مصعب (٣) : كان الناس يزدحمون علي باب مالك ويقتتلون عليه من الزحام لطلب العلم. وقال يحيى بن شعبة: دخلت المدينة سنة أربع وأربعين ومائة ومالك أسود الرأس واللحية، والناس حوله سكوت لا يتكلمون هيبة له، ولا يفتي أحد في مسجد رسول الله ﷺ غيره، فجلست بين يديه، وسألته فحدثني فاستردته فزادني، ثم غمزني أصحابه فسكت. وقال مالك: ما جلست للفتيا حتى شهد لي سبعون شيخاً من أهل العلم أني مرضاة لذلك. ومن مناقبة ما حكاه محمد بن رمح قال: حججت مع أبي وأنا صبي لم أبلغ الحلم

стр. 105

فنمت في مسجد رسول الله ﷺ في الروضة بين القبر والمنبر، فرأيت النبي ﷺ وقد خرج من قبره فقمت فسلمت عليه فرد علي السلام فقلت: يا رسول الله أين أنت ذاهب؟ فقال: أقيم لمالك الصراط المستقيم، فتنبهت وأتيت أنا وأبي فوجدت الناس مجتمعين علي مالك وقد أخرج الموطأ وكان أول خروجه. ومن مناقبة الجليلة: أن امرأة غسلت امرأة بالمدينة في زمنه ﵁ فوضعت الغاسلة يدها علي فرج الميتة، وقالت: طال ما عصى هذا الفرج ربه، فألتصقت يد الغاسلة في فرجها، فسألوا علماء المدينة عن أمرها، فبعضهم قال: تقطع يد الغاسلة، وبعض آخر قال: يشق فرج الميتة، وبعض آخر تحير في أمرها، فاستفتي الإمام مالك فقالوا: اسألوا الغاسلة ما قالت في حق الميتة لما وضعت يدها على فرجها؟ فسألوها فقالت: طالما عصى هذا الفرج، فقال مالك: هذا قذف اجلدوها ثمانين جلدة تتخلص يدها، فجلدوها فتخلصت يدها فمن ثم قيل: لا يفتى ومالك في المدينة. ولما اشتهر ﵁ بالعلم انتشر وصفه وذكره في البلاد، وحملت إليه الأموال لانتشار علمه فكان يفرقها على أصحابه، وأصحابه يفرقونها في وجوه الخير موافقة لفعله، وما كان يدخرها. وكان يقول: ليس الزهد فقد المال، وإنما الزهد فراغ القلب عنه. وكان يقول أيضاً: ما كان رجل صادقاً في حديثه لا يكذب إلا متعه الله بعقله ولم تصبه عند الكبر عند الهرم آفة ولا خرف. وكان يقول أيضاً: إذا لم يكن للإنسان في نفسه خير لم يكن للناس فيه خير. ومن مناقبة ما نقله في الحلية لأبي نعيم عن مالك أنه قال: ما بت ليلة إلا ورأيت فيها رسول الله ﷺ (١) . ومن مناقبة ما قاله عبد الله بن المبارك (٢) قال: كنت عند مالك، وهو يحدثنا بحديث رسول الله ﷺ ، ولا يقطع حديث رسول الله ﷺ ، فلما تفرق الناس عنه قلت يا أبا عبد الله لقد رأيت اليوم منك عجب قال: نعم صبرت إجلالاً لحديث رسول الله ﷺ . وكان يحب أن يعظم أحاديث رسول الله ﷺ فلا يحدث بشيء من أحاديثه في الطريق أي: وهو قائم مستعجل، وكان إذا ذكر النبي ﷺ يتغير لونه وينحني حتى يصعب ذلك علي جلسائه، فقيل له: لم ذلك؟ فقال: لو رأيتم ما رأيت لما أنكرتم ما

стр. 106

ترون. وعن الإمام الشافعي ﵁ قال: رأيت على باب مالك دوآباً من فراس خراسان جاءته هدية مني إليك، وقيل: من مصر ما رأيت أحسن منها، فقلت له: ما أحسن هذه الدوآب فقال: هي هدية مني إليك دع لنفسك منها دآبة تركبها، فقال: إني لأستحي من الله تعالى أن أطأ تربة فيها نبي الله ﷺ بحافر دآبة حملت به أمه ثلاث سنوات، وكان يمنع من الصلاة بعد العصر فدخل يوماً الجامع فقال له: قم فاركع ركعتين، فقام وصلى، فقيل له: كيف خالفت مذهبك؟ فقال: خشيت أن أكون من الذين قيل لهم: اركعوا ولا يركعون، وكان نقش خاتمه: حسبي الله ونعم الوكيل. ولما حضرته الوفاة تشهد ثم قال: لله الأمر من قبل ومن بعد، وكانت وفاته سنة سبع وسبعين ومائة بالمدينة، عن خمس وثمانين سنة، ودفن بالبقيع وهو أحد الائمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبوعة المشهورة. وثانيهم إمام الأئمة الإمام الشافعي اسمه: محمد بن إدريس، أخبر عنه النبي ﷺ : «عالم قريش يملأ طباق الأرض علماً» (١) ، كما قاله العلماء من المتقدمين وغيرهم لأنه

стр. 107

لم يكن في الأئمة قريشي قبل الشافعي، ولم يتصف بهذه الصفة أحد قبله ولا بعده فهو العالم المبعوث في رأس المائة الثانية. المشار إليه في حديث أبي داود «ويبعث الله على كل رأس مائة سنة من يجدد لهذه الأمة أمر دينها» (١) فإنه مات سنه أربع بعد مائتين. وكان ﵁ يختم القرآن في كل يوم مرة، وكان يختم في رمضان ستين مرة كل ذلك في الصلاة وكان بقول: من ادعى أنه جمع بين حب الدنيا وخالفها في قلبه فقد

стр. 108

كذب، وكان يقول أيضاً: ما حلفت بالله في عمري لا كذاباً ولا صادقاً. وسئل مرة عن مسألة فسكت، فقيل له: لم لا تجب؟ فقال: حتى أعلم الفضل في السكوت أم في الجواب. وأما سخاؤه فقد روى الحميدي أن الشافعي ﵁ خرج إلى اليمن في بعض أشغاله ثم انصرف إلى مكة ومعه عشرة آلاف درهم، فضرب خيمته خارج مكة فكان الناس يأتونه، فما راح من مكانه حتى فرقها جميعها، وخرج يوماً من الحمام وقد أتى بمال كثير فدفعه إلى الحمامي. وسقط سوط من يده وهو راكب فرفعه إليه إنسان فأعطاه خمسين دينار. وكان عفيفاً عن اللغو والكلام الفاحش، مر يوماً برجل يسفه على رجل من أهل العلم فالتفت الشافعي فقال: نزهوا أسماعكم عن سماع الخنا كما تنزهوا ألسنتكم عن النطق به فإن المستمع شريك القائل، وإن السفيه لينظر إلى أحب شيء في وعائه فيحرص أن يفرغه في أوعيتكم، ولو ردت كلمة السفيه لشقي رادها كما يشقي قائلها. ومن كلامه: أظلم الظالمين لنفسه الذي ارتفع جفاء أقاربه، وأنكر معارفه، واستخف بالأشراف، وتكبر علي ذوي الفضل. قال بعضهم للشافعي ثلاث كلمات لم يسبق إلى واحدة منهن قوله: إذا صح الحديث فهو مذهبي، وقوله: وددت أن الخلق تعلموا هذا العلم على أن لا ينسب إلى حرف منه، وقوله: ما ناظرت أحداً إلا وددت أن يظهر الله الحق علي يديه. وله شعر كثير يحتوي علي حكم ومواعظ، وله أدعيه كثيرة روى عبد الله بن مروان قال: كنت أجلس في حلقة العلم عند الإمام الشافعي، وأكتب ما أفهمه منه فآتيته سَحراً، فوجدته في المسجد وهو قائم يصلي فلبثت حتى فرغ من صلاته، ثم دعا بدعوات حفظتها منه فكان من جملة ذلك: اللهم امنن علينا بصفاء المعرفة، وهب لنا تصحيح المعاملة فيما بيننا وبينك على السنة، وارزقنا صدق التوكل عليك، وحسن الظن بك، وامنن علينا بكل ما يقربنا إليك مقروناً بالعافية في الدارين برحمتك يا أرحم الراحمين، قال: فلما فرغ من دعائه خرج من المسجد وخرجت خلفه فوقف ينظر إلى السماء ثم أنشد فقال: بموقف زلي عند عزتك العظمى ... بمخفي لا نحيط به علما بإطراق رأسي باعترافي بزلتي ... بمد يدي أسقط الجود والرحما

стр. 109

بأسمائك الحسنى التي بعض وصفها ... لعزتها تستغرق النثر والنظما بعهد قديم من ألست بربكم ... بمن كان مجهولاً فعلمته الأسما أذقنا شراب الأنس يا من إذا سقى ... محباً شراباً لا يضام ولا يظما قرأ بعضهم عنده يوماً قوله تعالى ?هَذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ * وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ? [المراسلات: ٣٥، ٣٦] فتغير لونه واقشعر جلده واضطربت مفاصله وخر مغشياً عليه، فلما أفاق قال: أعوذ بك من مقام الكاذبين، وإعراض الغافلين، اللهم خضعت لك قلوب العارفين، وذلت لهيبتك المشتاقون، إلهي هب لي جودك بسترك، واعف عني في تقصيرى بكرمك، يا ذا الجلال والإكرام. كان هذا خوف الشافعي مع علمه ويح للجاهلين الغافلين، أعمارهم تنهب، وآثامهم تكتب. وكان الإمام أحمد بن حنبل يعظم الشافعي ويذكره كثيراً ويثني عليه، وكانت له ابنة صالحة تقوم الليل وتقوم النهار، وتحب أخبار الصالحين الأخيار، وتود أن ترى الشافعي لتعظيم أبيها له، فاتفق مبيت الشافعي عند أحمد ففرحت البنت في ذلك طمعاً أن ترى أفعاله وتسمع، فلما كان الليل قام الإمام أحمد إلى وظيفة صلاته، وذكره والإمام الشافعي مستلق علي ظهره والبنت تراقبه إلى الفجر فقالت: لأبيها يا أبت أنت تعظم الشافعي وما رأيت في هذه الليلة منه لا صلاة ولا ذكراً ولا ورداً، فبينما هو في الحديث إذ قام الإمام الشافعي، فقال له الإمام أحمد: كيف كانت ليلتك فقال ما بت ليلة أطيب منها ولا أبرك ولا أربح، فقال: وكيف ذلك؟ قال: لأني رتبت في هذه الليلة مائة مسألة، وأنا مستلق علي ظهري كلها في منافع المسلمين ثم ودعه ومضى، فقال أحمد لابنته: هذا عمله الليلة وهو نائم أفضل من الذي عملته وأنا قائم. كانت حركاتهم وسكناتهم لله دافعاً لهم، وأقوالهم لله وذكرهم وفكرهم في الله، فقيامهم طاعة، ونيامهم صدقة، وذكرهم تسبيح، وسكونهم فكر، وعلمهم شفاء ورحمة للأمة لا جرم أن الله ذكرهم ومنحهم ومدحهم وجعلهم أئمة الإسلام وقدوة الأنام. وكان مولد الشافعي بغرة، وقيل: بعسقلان، وقيل: باليمن سنه خمسين ومائة وحمل إلى مكة وهو ابن سنتين، وحفظ القرآن وهو ابن سبع سنين، وأذن له مالك ابن أنس في الفتوى وهو ابن خمس عشرة سنة وكانت وفاته رحمة الله تعالى يوم الجمعة آخر يوم من رجب سنة أربع ومائتين كما تقدم، بمدينة مصر ودفن في الفسطاس، وله قبة عظيمة هناك، وأسف على موته أحمد بن حنبل، وكان لأحمد ولد يقال له: عبد الله

стр. 110

قال لأبيه يوماً يا أبت أراك تكثر الثناء والمدح للإمام الشافعي وتكثر الدعاء، أي رجل كان الشافعي؟ فقال: يا بني إن الشافعي كالشمس للنهار، كالعافية للناس، فانظر هل لهذين خلف أو عنهما عوض. عن تلميذه الربيع (١) قال رأيت الشافعي في المنام بعد وفاته فقلت: يا أبا عبد الله ما صنع بك قال: أجلسني على كرسي من ذهب وتبر على لؤلؤ الرطب ﵀. وثالث الأئمة أرباب المذاهب: الإمام أحمد بن حنبل ﵁ وأرضاه، وكان إمام أهل زمانه علماً وعملاً وورعاً. قال الإمام الشافعي: خرجت من بغداد وما خلفت بها أفقه ولا أزهد ولا أروع ولا أعلم من أحمد بن حنبل، وكان يصلي في كل يوم وليلة ثلاثمائة ركعة، ودعا إلى الخلق، القول بخلق القرآن وإمكان الرؤية فامتنع، ضرب وسجن وهو مصر على الامتناع، وزلزلت الأرض يوم ضرب. قال الهلال بن العلاء: مُنَّ على هذه الأمة بالشافعي تفقه في حديث رسول الله ﷺ ، وبأحمد بن حنبل ثبت في المحنة، ولولا ذلك لكفر الناس. ومن مناقبة العظيمة الجليلة ما حكاه ابن جماعة في كتاب أنس المحاضرة عن سلمه بن شيب قال كنا عند أحمد ابن حنبل فجاءه رجل فدق الباب أولاً وثانياً فقال أحمد: ادخل قال فدخل فسلم، وقال: أيكم فأشار بعضنا إليه قال: جئت من البحر من مسيرة أربعمائه فرسخ أتاني آت في منامي فقال: آت أحمد بن حنبل وسل عنه، فإنك تدل عليه، وقل له: إن الله عنك راض وملائكة سماواته عنك راضون، وملائكة الأرض عنك راضون، قال: ثم خرج فما سأله عن حديث ولا مسأله. وسيأتي في مناقب سفيان الثوري شيء من مناقبة، وكانت وفاته سنة إحدي وأربعين ومائتين عن سبع وسبعين سنة. قرأ على الإمام الشافعي كان إذا ركب الشافعي يمشي معه في ركابه أدباً، وكان كل منهما يزور الآخر فأنشد الشافعي في هذا المعنى: قالوا يزورك أحمد وتزوره ... قلت لفضائل ما تعدت منزله إن زارني أو زرته فبفضله ... فلفضله فالفضل في الحالين له ورابعهم: أبو حنيفة النعمان بن ثابت ﵁ وكان من التابعين فإنه رأى أنس هكذا قيل، لكن قال ابن حجر في التهذيب: لم يثبت أنه رأى أحداً من الصحابة، وهو فقيه العراق، وإمام أهل الرأي قال فيه مالك: رأيت رجلاً لو كلمك في هذه السارية أن
следующие страницы →