ومنها: مسح الأذنين ظاهرها وباطنها بماء جديد، ويستحب أن يأخذ لصماخيه ماء جديد.
وأيضاً منها: تخليل أصابع اليدين بالتشبيك، وتخليل أصابع الرجلين، وتحصل سنه تخليلها بأي وجه كان، ولكن الأفضل أن يخللها بخنصر يده اليسرى.
فائدة: ينبغي أن يتوضأ المتوضئ للوسخ الذي بين أصابع رجليه، فإن كان حاصلاً من تراب ونحوه فلا بد من إزالته، لأنه يشترط لصحة الوضوء أن لا يقترن بمانع، والتراب ونحوه مانع، أما إذا كان الوسخ من عرق فليس بمانع.
ومنها: الموالاة وهي: التتابع بحيث لا يحصل بين العضوين تفرق، والضابط في ذلك: تطهير العضو بحيث لا يحصل قبله قبل شروعه فيه مع اعتدال الهواء، ومزاج الشخص.
وعند الإمام مالك: الموالاة واجبه، وعند الإمام أحمد في الروايتين.
ومنها: ترك النفض لأنه كالمتبرئ من العباءة.
ومنها: أن يقول بعد التسمية: الحمد لله الذي جعل الماء طهوراً.
ومنها: أن يستصحب النية في جميع أفعال الوضوء، وأن يجمع فيها بين القلب واللسان.
ومنها: أن يتعهد الموقين بالسبابتين، وأن يحرك الخاتم، وأن يبدأ في الوجه بأعلاه، وفي الرأس بمقدمته، وفي الرجل بأطراف الأصابع إن صب على نفسه، وإن صب عليه أحد غيرة بدأ بالمرفق والكعب.
ومنها: أن لا ينقص ماء الوضوء عن مد، وأن لا يسرف ولا يتكلم في أثناءه لغير حاجة، أما الحاجة فقد يجب الكلام، وأن لا يلطم وجهه بالماء، ولا يتوضأ في موضع يرجع رشاش الماء.
ومنها: أن يمر يده على الأعضاء.
ومنها: أن يقول بعد الفراغ وهو مستقبل القبلة رافعا طرفه إلى السماء: أشهد أن لا إله إلا الله وحدة لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
فقد ورد أنه: «من قال هذا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها
стр. 807
شاء» (١) .
وأما الدعوات على الأعضاء:
كقوله عند السواك: اللهم بيض به أسناني وشد به لثاتي وبارك فيه يا أرحم الراحمين.
وعند المضمضة: اللهم اسقني من حوض نبيك كأساً لا أظمأ بعده.
وعند الاستنشاق: اللهم لا تحرمني رائحة نعيمك وجناتك.
وعند الوجه: اللهم بيض وجهي يوم تبيض وجوه وتسود وجوه.
وعند اليمنى: اللهم اعطني كتابي بيميني وحاسبني حساباً يسيراً.
وعند اليسرى: اللهم لا تعطني كتابي بشمالي ولا من وراء ظهري.
وعند الرأس: اللهم اجعلني من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
وعند الرجلين: اللهم ثبت قدمي على الصراط يوم تزل الأقدام.
فقد قال النووي: لا أصل لها يعني لم يرد فيها حديث صحيح فهو دعاء حسن، فلا ينبغي تركة لاشتماله على مهمات كتبييض الوجه، وتناول الكتاب باليمين، وتثبيت الأقدام على الصراط وغير ذلك.
قال: وإذا أتى به الإنسان فلا يعتقد أنه سنه، بل دعاء حسن يتبرك به.
وقال النووي: وإن لم يكن له أصل فلا بأس به، فإنه دعاء حسن.
وأما مسح الرقبة فقد قال الرافعي تبعاً للغزالي: إنه سنة.
واستدل الرافعي على ذلك في الشرح الكبير بقوله ﷺ : «مسح الرقبة أمان من الغسل» (٢) .
لكن قال النووي: والصواب أنه ليس بسنه، لأنه لم يثبت فيه شيء.
قال: ولهذا لم يذكره الشافعي ومتقدموا الأصحاب.
قال: وأما الحديث فهو موضوع والله تعالى أعلم.
стр. 808
وأما تنشيف الوجه بمنديل ونحو فالسنة تركه، لأنه يزيل أثر العبادة، لأن هذا الماء الذي تطهر به نور يضيء يوم القيامة كما ورد، فلا ينبغي إزالته، لكن لا تكره إزالته، وإنما يستحب ترك التنشيف إذا لم يكن به غرض في إزالته، أما إذا كان لغرض وخشي من الهواء أن يلصق به النجاسة، أو كان يتيمم عقب الوضوء، فإنه يستحب التنشيف بل يتأكد استحبابه كما قال الأذرعي.
وإذا نشفها فالأولى أن لا يكون بذيله وطرف ثوبه، فقد ذكر الشيخ برهان الدين الناجي ﵀ في كتابه عقائد العبان: إن مما يورث الفقر ويمنع الرزق تجفيف الوجه بالثوب.
ويدل على عدم كراهه التنشيف ما قيل: أنه كان للنبي ﷺ منديل يمسح به وجهه من الوضوء (١) .
وقيل: كانت له خرقة يتنشف بها.
فائدة: قيل: كان عند أنس منديل إذا اتسخ ألقاه في النار فيتنظف، ويقول: إن النبي ﷺ كان يمسح به وجهه، والنار لا تأكل شيئاً مر على وجوه الأنبياء.
وأما قراءة سورة إنا أنزلناه عقب الوضوء فقد صرح علماء الحنفية في كتبهم أنها مستحبة، وقالوا: إن رسول الله ﷺ كان يقرؤها.
وأورد أبو الليث من الحنفية في فضل قراءتها حديثين:
أحدهما: روي عن رسول لله ﷺ أنه قال: «من قرأ سورة إنا أنزلناه في ليلة القدر على أثر الوضوء مرة واحدة، أعطاه الله تعالى ثواب خمسين سنه صيام نهارها وقيام ليلها، ومن قرأها مرتين أعطاه الله تعالى ما أعطاه الخليل والكليم والحبيب والرفيع، ومن قرأها ثلاث مرات يفتح الله تعالى له ثمانية أبواب الجنة فيدخلها من أي باب شاء بلا حساب ولا عذاب» .
الحديث الثاني: روى أبو هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من قرأ إنا أنزلناه في ليله القدر على أثر الوضوء مرة واحدة كتب من الصديقين، ومن قرأها مرتين كتب من الشهداء والصالحين، ومن قرأها ثلاث مرات يحشره الله يوم القيامة في محشر الأنبياء» (٢) .
стр. 809
فائدة في آداب الوضوء الباطنة: في نزهه الناظرين: اعلم أنك إذا أردت أن تتوضأ فإنك تريد زيارة ربك ، فينبغي لك أن تتوب من ذنوبك، لأن الله تعالى جعل الغسل بالماء علامة للغسل من الذنوب، فأبدأ بتسمية الله تعالى.
فإذا تمضمضت وطهرت فمك بالماء فطهر لسانك من الكذب والغيبة والنميمة، فإن اللسان خلق لذكر الله تعالى وتلاوة القرآن، ولترشيد خلق الله إلى طريقة، وتطهر به ما في ضميرك من حاجات دينك ودنياك، فإذا استعملته في غير ما خلق له فقد كفرت بنعمة الله فيه، فإن جوارحك نعمه من الله عليك، والاستعانة بنعم الله على معصيتة غاية الكفران.
وإذا استنشقت بالماء وأزلت ما في فتوحك من الأذى فطهرها من أن تشم محرماً كطيب مغصوب، وطبيب النساء الأجنبيات والحسان فإنه حرام كما قاله الشيخ عز الدين بن عبد السلام.
وقد قال رسول الله ﷺ : «أيما امرأة أصابت بخوراً فلا تشهد معنا العشاء الآخرة» (١) .
وإذا طهرت وجهك بالماء فطهر نظرك من ثلاث: أن تنظر إلى محرم، وإلى معلم بعين الاحتقار، وإلى عيب مسلم، فإنما خلقت العينان لتهتدي بهما في الظلمات، وتستعين بهما في الحاجات، وتنظر بهما في عجائب ملكوت الأرض والسماوات، وتعتبر بما فيها من الآيات، ولم يخلق نظرك لتنظر به إلى محرم أو إلى مسلم بعين الاحتقار، ولا إلى عيب مسلم.
ولله در إمامنا الشافعي حيث يقول:
إذا شئت أن تحيى سليما من الأذى ... وعرضك محفوظ ودينك صين
لسانك لا تذكر به سوءة امرئ ... ففيك لسان وللناس ألسن
وعينك إن أبدت إليك معايباً ... فقل يا عيني للناس أعين
وعاشر بمعروف وسامح من اعتدى ... ولا تلق إلا بالتي هي أحسن
وقال رسول الله ﷺ : «النظر سهم مسموم من سهام إبليس، فمن غض بصرة
стр. 810
عن محاسن امرأة أورث الله قلبه حلاوة إلى يوم يلقاه» (١) .
قال الإمام الغزالي: فعليك وفقك الله وإيانا بحفظ العين فإنها سبب كل فتنة وآفة، فقد ذكر عن عيسى صلوات الله عليه وسلم: «إياكم والنظرة فإنها تزرع في القلب الشهوة، وكفي لصاحبها فتنه»
ولقد أحسن من قال:
وأنت إذا أرسلت طرفك رائداً ... لقلبك يوماً أتعبتك النواظر
رأيت الذي لا كله أنت قادر ... عليه ولا عن بعضة أنت صابر
فإن لم تغمض عينيك وأرخيت عنانه بنظرك إلى ما لا يعنيك، فلا يخلو إما أن تقع عينك على حرام، فإن تعمدت فذنب فكبيرة، وربما تعلق قلبك بذلك فتهلك إن لم يرحم الله ، وإن كان مباحاً فربما يشتغل قلبك به، فجاءك الوسواس والخواطر بسببة، ولعلك لا تصل إليه فتبقى مشغول القلب، منقطعاً عن الخير، وقد كنت مستريحاً من ذلك كله.
وإذا طهرت يديك بالماء فطهرها من أن تضرب بهما مسلماً، وأن تتناول بهما مالاً حراماً، وتكتب بهما مما لا يجوز النطق به، فإن القلم أحد اللسانين كما قدمنا ذلك، فاحفظه عما يجب حفظ اللسان منه.
وإذا رفعته رأسك بالماء فاعلم أنك إنما تفعل ذلك امتثالاً لأوامر الله تعالى، فإن العبادات كلها لها معان، فإن الشرع لا يأمر بعبث وقد يفهمه المكلف وقد لا يفهمه المكلف.
وإذا مسحت أذنيك بالماء فطهرها من الإصغاء إلى بدعه أو غيبة أو خوض في باطل، فإنهما لم يخلقا إلا لتسمع بهما كلام الله تعالى وسنه رسوله ﷺ وحكمة أوليائه، فعليك بصيانة سمعك عن الخنا والفضول، فإن المستمع شريك المتكلم كما قال بعضهم:
تحرمن الطرق أواسطها ... وعد عن الجانب المشبته
وسمعك صن عن سماع القبيح ... كصون اللسان عن اللفظ به
فإنك عند سماع القبيح شريك لقائله فانتبه.
стр. 811
وإذا طهرت رجليك بالماء فطهرها عن المشي إلى حرام، والسعي بهما إلى أبواب الظلمه، وقال رسول الله ﷺ : «ما من عبد يخطو خطوة إلا يسال عنها، ماذا أراد بهما» (١) .
وقال: «العينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناهما البطش، والرجل زناهما الخطا» (٢) .
* * *