وذكرها بما ذكره الله مع زوجها من الذم، أتت رسول الله ﷺ وهو جالس في المسجد ومعه أبو بكر وفي يدها فهر من الحجارة فلما وقفت عليهما لم تر إلا أبا بكر، وأخذ الله ببصرها عن نبيه ﷺ فقالت: يا أبا بكر أين صاحبك؟ فقد بلغني أنه يهجوني، والله لو وجدته لضربته بهذا الفهر فاه (١) .
فمن عصمه من الأعرابى والسيف في يده، ومن ضرر جمر النار، ومن الفهر الذي في يد حمالة الحطب إلا الله، فلهذا كان لا يلتفت في مشيه ﷺ .
ومما ورد في عصمته ما ذكره ابن إسحاق وغيره: أن أبا جهل أتاه بصخرة وهو ساجد وقريش ينظرون لطرحها، فلزقت بيده ويبست يداه في عنقه، وأقبل يرجع بهذا الفهر إلى خلفه، ثم سأله أن يدعو له ففعل فانطلقت يداه.
وكان قد تواعد مع قريش بذلك وحلف لئن رآه ليدمغنه، فسألوه عن شأنه فقالوا له لأي شيء رجعت القهقرى بعد أن حلفت أنك إن رأيته لتدمعنه، فذكر أنه عرض له دونه فحل ما رأيت مثله قط همَّ بي أن يأكلني.
فقال النبي ﷺ : «ذلك جبريل لو دنا لأخذه» (٢) .
وقريب من هذا ما ذكره أهل التفسير عن أبي هريرة: أن أبا جهل وعد قريشاً لئن رأى محمد يصلي ليطأن رقبته فلما صلى النبي ﷺ أعلموه فأقبل، فلما قرب منه ولي هارباً ناكصاً على عقبيه متقياً بيده، فسئل فقال: لما دنوت منه أشرفت على خندق مملوءٍ من نار كدت أهوي فيه، وأبصرت هولاً عظيماً وخفق أجنحة قد ملأت الأرض، فقال ﷺ : «تلك الملائكة لو دنا لاختطفته عضواً عضواً» (٣) .
ثم أنزل الله تعالى على النبي ﷺ بسبب ذلك: ?كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى * إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى? إلى آخر السورة [العلق ٦ - ١٩] .
стр. 772
ومن عصمته أيضاً ما ذكره السمرقندى: أن رجلاً من بني المغيرة أتى النبي ﷺ ليقتله فطمس الله على بصره فلم ير النبي ﷺ وسمع قوله فرجع إلى أصحابه فلم يرهم حتى نادوه.
وفي هذا أنزل الله تعالى: ?إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ * وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَداًّ وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَداًّ فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ? [يس: ٨، ٩] .
ومن عصمته هداية الله تعالى من أراد قتله للإسلام ما روي: أن رجلاً يعرف بشبيبة بن عثمان أدرك النبي ﷺ يوم حنين، وكان حمزة قد قتل أباه وعمه، فقصد النبي ﷺ فلما اختلط الناس أتاه من خلفه ورفع سيفه ليصيبه علَيْه، قال: فلما دنوت منه ارتفع إلي شواظ من نار أسرع من البرق، فوليت هارباً، وأحس بي النبي ﷺ فوضع يده على صدري وهو أبغض الخلق إلي، فما رفعها إلا وهو أحب الخلق إلي، وقال لي: «ادن فقاتل» فتقدمت أمامه أضرب بسيفي، وأقيه بنفسي ولو لاقيت أبي تلك الساعة لأوقعت به دونه (١) .
فانظر كيف عصمه الله من هذا وهداه بسببه للإسلام، وصار أحب الخلق إليه.
ونظير هذا ما ورد عن فضالة بن عمرو قال: أردت قتل النبي ﷺ عام الفتح، وهو يطوف بالبيت فلما دنوت منه قال: يا فضالة قلت: نعم، قال: ما كنت تحدث به نفسك؟ قلت: لا شيء، فضحك واستغفر لي ووضع يده على صدري، فسكن قلبي، فوالله ما رفعها حتى ما خلق الله شيئاً أحب إلي منه (٢) .
فائدة: دانيال عصمه الله أيضاً من أعداءه من الآدميين والسباع وغيرهم وكان دانيال في أيام بخت نضر، وكان الله أعطاه النبوة والحكمة واتفق له غرائب في حال صغره وحال كبره.
فمما اتفق له في حال الصغر ما روى ابن أبي الدنيا: أن الملك الذي كان دينال في سلطانه جاءه المنجمون وأصحاب العلم فقالوا له: إنه يولد في ليلة كذا وكذا غلام
стр. 773
يفسد ملكك، فأمر بقتل كل من يولد في تلك الليلة، فلما ولد دانيال ألقته أمه في أجمة أسد فبات الأسد ولبوته يلحسانه فنجاه الله تعالى بذلك.
فانظر ما أعظم هذه العصمة.
ومما وقع له في الكبر ما رواه البيهقي في الشعب: أن دانيال طرح في جب وألقيت عليه السباع تلحسه ويتبصبصن إليه فأتاه رسول فناداه فقال: يا دانيال فقال: من أنت؟ قال: أنا رسول ربك إليك أرسلني بطعام فقال: الحمد لله الذي لا ينسى من ذكره (١) .
والذي ألقاه في الجب وألقى عليه السباع بخت نصر.
فقد روى ابن أبي الدنيا أن بخت نصر أمسك أسدين وألقاهما في جب، وجاء بدانيال فألقاه عليهما فمكث ما شاء الله له، ثم إنه اشتهى الطعام والشراب فأوحى الله إلى أرميا وهو بالشام أن يذهب إلى دانيال بطعام وهو بأرض العراق، فذهب إليه حتى وقف على الجب، وقال: دانيال، دانيال. فقال: من هذا؟ قال: أرميا، قال: ما جاء بك؟ قال: أرسلني إليك ربك، فقال: الحمد لله الذي لا ينسى من ذكره، والحمد لله الذي لا يخيب من رجاه، والحمد لله من وثق به لم يكله إلى غيره، والحمد لله الذي يجزي بالإحسان إحساناً، والحمد لله الذي يجزي بالصبر نجاةً وغفراناً، والحمد لله الذي يكشف ضرنا بعد كربنا، والحمد لله الذي هو ثقتنا حين يسوء ظننا بأعمالنا، والحمد لله الذي هو رجاءنا حين تنقطع الحيل عنا.
ثم أخرجه بخت نصر من الجب بسبب رؤيا رآها عجز الناس عن تفسيرها، ففسرها دانيال فأعجبه وأكرمه ونقش دانيال صورته وصورة الأسدين يلحسانه في فص خاتمه لئلا ينسى نعمة الله عليه في ذلك.
وقبره بنهر السوس ووجده أبو موسى الأشعري فأخرجه وكفنه وصلى عليه ثم قَبَرَه في نهر السوس، وأجرى عليه الماء فأخذ خاتمه ولبسه في يده قاله الدميرى.
فائدة: روى عن ابن السني في عمل اليوم والليلة من حديث داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: «إذا كنت بواد تخاف فيه السبع فقل: أعوذ بدانيال والجب من شر الأسد» .
قال الدميرى: لما ابتلى دانيال أولاً وآخراً بالسباع، جعل الله الاستعاذة به في ذلك تمنع الذي لا يستطاع.
* * *
قال البخاري: «حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأُوَيْسِىُّ قَالَ حَدَّثَنِى إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَزِيدَ أَخْبَرَهُ أَنَّ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ»
قال العلماء: «حمران» اسم أبيه «أبان» وهو مدني قرشي، سباه خالد بن الوليد من عين التمر، فوجده غلاماًَ كيساً، فوجهه إلى عثمان فأعتقه، وكان كاتب سيدنا عثمان وحاجبه، ولِي نيسابور من الحجاج، وغرمه الحجاج بسبب هذه الولاية مائة ألف، ثم ردها عليه بشفاعة عبد الملك، وهو تابعي وكذا الاثنان قبله.
ومن لطائف هذا الإسناد أنه اشتمل على ثلاثة تابعين يروي بعضهم عن بعض، وكانت وفاة حمران خمس وسبعين.
«أَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ﵁» هذا هو ثالث الخلفاء الراشدين أمير المؤمنين أبو عبد الله بن عفان بن العاص بن أمية بن عبد شمس ين عبد مناف الأموي القرشي، أسلم في أول الإسلام على يد الصديق، روى عن رسول الله ﷺ مائة حديث وستة وأربعون حديثاً، أخرج البخاري منها إحدى عشر.
استخلف أول يوم من المحرم سنة أربع وعشرين، وفي خلافته صارت الأموال والأرزاق في أيدي الناس كثيرة، وربحت الناس ربحاً كثيراً، حتى بيعت جارية بوزنها وفرس بمائة ألف، ونخلة بألف درهم، وكل ذلك بحسن قصده لرعيته ولنفسه، ولم يزل
стр. 776
اسمه في الجاهلية والإسلام عثمان، ويكنى أبا عمرو وأبا عبد الله.
ومن فضائله: أنه يجتمع نسبه بنسب رسول الله ﷺ في عبد مناف.
ومن فضائله: أنه كان يسمى بذي النورين دون غيره من الصحابة، بل لم يعرف واحد من خلق الله يسمى بهذا الاسم غيره.
واختلفت في سبب تسميته بذلك على خمسة أقوال:
أحدها: تسمى بذلك لأنه تزوج بنتي رسول الله ﷺ رقية فماتت عنده ثم أم كلثوم، ولا يعلم أحد تزوج بنتى نبي غيره، ولاشك أنه ﷺ نوراً وبناته وجميع أولاه كانوا كذلك.
الثاني: سمي بذلك لأنه إذا دخل الجنة برقت له برقتين.
الثالث: سمي بذلك لأنه كان يختم القرآن في الوتر، فالقرآن نور، وقيام الليل نور.
الرابع: سمي بذلك لأنه كان سخياً قبل الإسلام وبعد الإسلام.
الخامس: سمي بذلك لأنه ذو كنيتين يكنى أبا عمرو وأبا عبد الله.
ومن فضائله: أنه كان من السابقين الأولين صلى إلى القبلتين، وهاجر الهجرتين، وهو أول من هاجر إلى الحبشة فاراً بدينه ومعه زوجته رقية بنت سيد الأولين والآخرين.
ومن فضائله: أنه عد من البدريين ومن أهل بيعة الرضوان ولم يحضرهما، وسبب غيبته عن غزوة بدر أن بنت رسول الله ﷺ كانت تحته، وهي مريضة فأذن له رسول الله ﷺ في الجلوس عندها، وقال له: «لك أجر رجل شهد بدراً وسهمه» (١) .
وأما سبب غيبته عن بيعة الرضوان فهو أن رسول الله ﷺ كان قد بعثه إلى مكة، ولو كان عنده أحد أعز من عثمان لبعثه، فوقعت البيعة في غيبته فقال رسول الله ﷺ بعد أن رفع يده اليمني: «هذه يد عثمان» (٢) فكانت أحسن من أيدي الصحابة عن أنفسهم.
ومن فضائله: أن رسول الله ﷺ دعا له بخصوصه غير مرة فأثرى وكثر ماله، ومن
стр. 777
دعائه له: «اللهم إني قد رضيت عن عثمان فارض عنه ثلاث مرات» (١) .
ودعا له مرة أخرى فقال: «غفر الله لك يا عثمان ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أخفيت وما هو كائن إلى يوم القيامة» (٢) .
ومن فضائله: أنه كان متواضعاً ذا شفقة، وازداد تواضعه وخوفه ورفقه برعيته حين تولى الخلافة.
قيل: كان له عبد وكان عثمان قد مسك أذنه يوماً وعركها فقال له: إني كنت قد عركت أذنك فاقتص مني، فأخذ بأذنه فقال له: اشدد يا حبذا قصاص في الدنيا لا قصاص في الآخرة.
وقال علي ﵁: كان عثمان أوصلنا للرحم، وكان من الذين آمنوا واتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين.
حكاية وقعت بين عمر وعثمان رضى الله عنهما: قال في الروض الفائق: قيل إن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان ﵄ كانا في بعض أشغال النبي ﷺ فأدركتهما العصر، فقال عمر بن الخطاب لعثمان: تقدم فصل بنا. فقال عثمان ﵁: أنت أولى بالتقدم مني يا عمر، فإن رسول الله ﷺ قدمك، وأثنى عليك. فقال عمر: أنا لا أتقدم عليك فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «نعم الرجل عثمان صهري، وزوج ابنتي، ومن جمع الله به نوري» . فقال عثمان ﵁: أنا لا أتقدم عليك فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «عمر أكمل الله به دين الإسلام» . فقال عمر ﵁: أنا لا أتقدم عليك فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «عثمان تستحي منه الملائكة» . فقال عثمان ﵁: أنا لا أتقدم عليك فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «عمر أكمل الله به الدين، وسماكم المسلمين» . فقال عمر ﵁: أنا لا أتقدم عليك فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «عثمان يجمع القرآن وهو حبيب الرحمن» . فقال عثمان ﵁: أنا لا أتقدم عليك فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «عمر نعم الرجل عمر يتفقد الأرامل والأيتام ويحمل لهم الطعام وهم نيام» . فقال عمر ﵁: أنا لا أتقدم عليك فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول في حقك: «غفر الله لعثمان مجهز جيش العسرة» . فقال عثمان ﵁: أنا لا أتقدم عليك فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اللهم أعز الإسلام بعمر»
стр. 778
وسماك رسول الله ﷺ الفاروق، وفرق الله تعالى بك بين الحق والباطل. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فدعا لهما وشكرهما على حسن أدبهما مع بعضهما بعضاً.
وقد وقع نظير هذا بين أبي بكر وعلي رضى الله عنهما، وسنذكره في محله.
ومن فضائله: أنه اشترى بئر رومة، وكانت ركية ليهودي يبيع المسلمين ماءها فقال رسول الله ﷺ : «من يشتري بئر رومة فيجعلها للمسلمين يضرب دلوه في دلائهم وله بها مشرب في الجنة» فأتى عثمان اليهودى فساومه بها فأبى أن يبيعها كلها، فاشترى نصفها باثنتي عشرة ألف درهم، فجعله للمسلمين ثم اتفق عثمان واليهودي على أن يكون له يوم وللمسلمين يوم، فكان إذا كان يوم للمسلمين استقوا ما يكفيهم يومين، فلما رأى اليهودي ذلك قال لعثمان: أفسدت على ركيتي فاشترى النصف الآخر فاشتراه منه بثمانية آلاف درهم (١) .
ومن فضائله: أنه اشترى أرضاً وزادها في مسجد رسول الله ﷺ .
ومن فضائله: أنه جهز جيش العسرة بتسعمائة وخمسين بعيراً، وأتم الألف بخمسين فرساً، وجيش العسرة كان في غزوة تبوك.
وقيل: حمل في جيش العسرة على ألف بعير وسبعين فرساً.
ومن فضائله وخصائصه: أنه تزوج ببنتي رسول الله ﷺ وكان يأمر الله نبيه بذلك فقد أخرج الطبراني وغيره عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله أوحى إلي أن أزوج كريمتي عثمان يعني رقية وأم كلثوم» (٢) .
وفي حديث: «أتاني جبريل فأمرني أن أزوج عثمان ابنتي» .
وجاء في حديث: أن رقية لما ماتت لقى النبي ﷺ عثمان عند باب المسجد فقال: «يا عثمان هذا جبريل أخبرني أن الله قد أمرني أن أزوجك أم كلثوم بمثل صداق رقية وعلى مثل صحبتها» أخرجه ابن ماجة وغيره (٣) .
стр. 779
وعن أبي هريرة أنه قال: قال عثمان: لما ماتت امرأتي بنت رسول الله ﷺ بكيت بكاء شديداً فقال رسول الله ﷺ : «ما يبكيك؟» فقلت: أبكي على انقطاع صهري منك، فقال: «فهذا جبريل يأمرني بأمر الله أن أزوجك أختها» .
وفي حديث: «والذي نفسي بيده لو أن عندي مائة بنت تموت واحدة بعد واحدة زوجتك أخرى حتى لا يبقى من المائة شيء، هذا جبريل أخبرني أن الله يأمرني أن أزوجك أختها، وأن أجعل صداقها مثل صداق أختها» أخرجه الفضائلي.
ومن فضائله وخصائصه: أنه نور أهل السماء، ومصباح أهل الأرض والجنة، فقد ورد عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «قوموا بنا نعود عثمان بن عفان» قلنا: عليل يا رسول الله؟ قال: «نعم» فقام رسول الله ﷺ واتبعناه حتى أتى منزل عثمان فاستأذن فأذن له، فدخل ودخلنا فوجدنا عثمان مكبوباً على وجهه فقال رسول الله ﷺ : «مالك يا عثمان لا ترفع رأسك؟» فقال: يا رسول الله إني استحي، يعني من الله تعالى، قال: «ولم ذلك؟» قال: أخاف أن يكون علي غضباناً فقال له النبي ﷺ : «ألست حافر بئر رومة، ومجهز جيش العسرة، والزائد في مسجدي، وباذل المال في رضا الله ورضائي، ومن تستحي منه ملائكة السماء، هذا جبريل يخبرني عن الله أنك نور أهل السماء، ومصباح أهل الأرض وأهل الجنة» أخرجه الملا.
وله من الفضائل والخيرات ما يطول ذكره ﵁.
وحصر ﵁ في داره وقتل مظلوماً، والذي تولى ذلك جماعة الخوارج من أهل مصر وغيرهم، واختلف في قدر مدة حصره وقتله ظلماً ﵁، ويستفاد من الأخبار أنه لما ولي الخلافة كره ولايته نفر من الصحابة بسبب أنه كان يحسب قومه بنى أمية، وكان كثيراً ما يوليهم الإمارة على البلاد ويخصهم بذلك دون غيرهم من الصحابة، بل عزل غيرهم وولاهم، عزل أبا موسى الأشعري عن البصرة وولاها عبد الله بن عامر، وعزل عمرو بن العاص عن مصر وولاها عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وكان ارتد في زمان النبي ﷺ ولحق بالمشركين، فأهدر النبي ﷺ دمه بعد الفتح، إلى أن أخذ له عثمان الأمان ثم أسلم، وعزل عمار بن ياسر عن الكوفة، وغيرهم وله عذر واضح في عزلهم رضى الله عنهم وتولية المذكورين كما هو مذكور في محله.
وكان يولي منهم من لم تكن له مع رسول الله ﷺ صحبة، وكان يقع من أمراءه ما يكرهه أصحاب رسول الله ﷺ فكان الناس من الصحابة وغيرهم يأتون إليه ويستغيثون منهم ويخبرونه بأفعالهم فلا يغيث أحداً، ولا يسمع فيهم كلام أحد، لعلمه بأنهم
стр. 780
يكرهونهم لحبه لهم وتوليتهم دون غيرهم، وإنما كان عثمان يولي أقاربه ويحبهم ويوصلهم بالعطاء كثيراً لأن الإنسان جبل على حبه لأقاربه وعلى حب الخير لهم، فمحبة الإنسان لأقاربه صفة جبلية لم يودعها الله تعالى إلا في خيار خلقه، فلما ولى على مصر عبد الله بن سعد بن أبي سرح جاء أهل مصر يشتكوه إلى عثمان، فخرج جيش من أهل مصر وقدره سبعمائة رجل إلى المدينة، فنزلوا المسجد وشكوا إلى أصحاب رسول الله ﷺ ما فعله ابن أبي سرح معهم، وأنه قتل منهم واحداً، وجاءوا يطلبون أن يقتص عثمان من عامله، فدخل علي بن أبي طالب على عثمان فكلمه بسبب مجيئهم، وأنهم جاءوا يطلبون منك أن تقتله عوضاً عن الرجل المقتول، ثم قال له علي: اعزله عنهم وإن وجب عليه حق فانصفهم من عاملك، فقال لهم: اختاروا رجلاً حتى أوليه مكانه فأشاروا إلى محمد بن أبي بكر، فكتب له عهده وولاه وخرج معه جماعة من المهاجرين والأنصار، لينظروا فيما وقع بين أهل مصر وبين أبي السرح، فلما بعدوا عن المدينة ثلاثة أيام وإذا هم بغلام أسود على بعير يخبط البعير خبطاً، حتى كأنه يطلب أو يطلب، فقال له أصحاب محمد: ما قصتك وما شأنك؟ كأنك هارب أو طالب، فقال لهم: أنا غلام أمير المؤمنين وجهني إلى عامل مصر، فقال له: رجل من الجماعة هذا عامل مصر معنا، قال: ليس هذا الذي أريد ثم ذهبوا وأخبروا محمد بن أبي بكر بأمره، فبعث في طلبه رجالاً فأخذوه فجاءوا به إليه، فقال له: يا غلام من أنت؟ فصار تارة يقول: أنا غلام أمير المؤمنين، وتارة يقول: أنا غلام مروان، فقال له محمد: إلى من أرسلت؟ قال: إلى عامل مصر، قال:
بماذا قال: برسالة، قال: معك كتاب؟ قال: لا، قال: ففتشوه فإذا معه كتاب من عثمان إلى ابن أبي السرح، فجمع محمد بن أبي بكر من كان معه من المهاجرين والأنصار وغيرهم، ثم فك الكتاب بمحضر منهم، فإذا فيه إذا أتاك فلان وفلان، ومعهم محمد بن أبي بكر ومعه كتاب عهد فاحتل لقتلهم وأبطل كتابه، وقف على عملك حتى يأتيك أمري أن شاء الله تعالى.
وفي رواية: معه كتاباً على لسان عثمان مختوماً بخاتمه إلى عامله بمصر أن يصلبهم أو يقتلهم أو يقطع أيديهم وأرجلهم، فلما قرأوا الكتاب فزعوا ورجعوا إلى المدينة، وختم محمد بن أبي بكر الكتاب ودفعه إلى واحد من الصحابة، فلما قدموا المدينة جمعوا الصحابة كعلي والزبير وطلحة وغيرهم، وفكوا الكتاب وقرأوه عليهم وأخبروهم بقصة العبد، فلم يبق أحد من أهل المدينة إلا حنق على عثمان، وقام أصحاب رسول الله ﷺ إلى منازلهم ما منهم من أحد إلا مغتم بسبب ذلك، ثم تقدموا لحصاره، فلما
стр. 781
رأى علي ذلك جمع طلحة والزبير وسعيداً وعماراً ونفراً من الصحابة، ثم دخلوا على عثمان ومعهم الكتاب والغلام والبعير، فقال له علي ﵁ هذا الغلام غلامك؟ قال: نعم، والبعير بعيرك؟ قال: نعم، قال: فأنت كتبت هذا الكتاب؟ قال: لا، وحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما كتبت هذا الكتاب، ولا أمرت به ولا علمت به، ولا وجهت به هذا الغلام إلى مصر، قال: وأنتم تعلمون أن الكتاب يكتب على لسان الرجل، وينقش الخاتم على نقش خاتمه، وكان ﵁ صادقاً فيما قال، فإن مروان زور عليه هذا الكتاب، وكتبه على لسانه وختمه بختمه من غير علمه، وأمره وأرسله مع عبده وعرف علي وغيره ممن رأى الكتاب أن الخط خط مروان، ولكن ظنوا أنه كتبه بأمره وإرادته، فلما حلف تحققوا من صدقه وقالوا له: سلمنا مروان وكان معه في الدار فأبى وخشي عليه القتل، فخرج أصحاب رسول الله ﷺ غاضبين من عنده فحاصره الأعداء ومنعوه من
الماء، ومن الصلاة في المسجد أنشدت زينب بنت العوام:
وعطشتم عثمان في جوف داره ... شربتم مشرب الهيم شرب الحميم
فأشرف عليهم في تلك الحال وقال: السلام عليكم، فما رد عليه أحد، فقال: أنشدكم الله هل تعلمون أني اشتريت بئر رومة من مالي وسبلتها على المسلمين قيل: نعم، قال: فعلام تمنعوني شرب مائها، وأفطر على الماء المالح، ثم قال: أنشدكم الله هل تعلمون أني اشتريت كذا وكذا من أرض فزدته في المسجد، قيل: نعم، قال: فهل علمتم أن أحد منع أن يصلي فيه قبلي.
وفي رواية: أشرف عليهم فقال: أفيكم علي؟ قالوا: لا، فقال: أفيكم سعد؟ فقالوا: لا، فقال: ألا أحد يسقينا ماء؟ فبلغ ذلك علياً، فبعث إليه بثلاث قرب مملوءة ماء، فما وصلت إلا بعد جهد، ثم بلغ علياً أنهم يريدون قتله، فقال: إنما أردنا منه مروان لا قتله، وقال للحسن والحسين: اذهبا بسيفكما حتى تقوما على باب عثمان، فلا تدعا أحد يصل إليه، وبعث الزبير ابنه وبعث طلحة ابنه، وبعث عدة من الصحابة أبناءهم لأجل أن يمنعوا الناس من الدخول عليه.
وذكر العلامة الحافظ ابن الجوزى: أن الذين خرجوا على عثمان هجموا على المدينة، وكان عثمان يخرج فيصلي بالناس وهم يصلون خلفه شهراً، ثم خرج من آخر جمعة خرج فيها فحصبوه بالحجارة وهو على المنبر حتى وقع عنه، ولم يقدر أن يصلي بهم فصلى بهم يومئذ أبو أمامة بن سهل، ثم حصروه ومنعوه الصلاة في المسجد.
وروي أن الجهجاه الغفاري بعد أن حصبوه ونزل من المنبر، أخذ العصا التي كانت
стр. 782
في يده، وهي عصا النبي ﷺ التي كان يمسكها بيده في حال خطبته، فكسرها بركبته فوقعت الأكلة في ركبتيه.
وروى الإمام أحمد عن أبي أمامة أنه قال: كنا مع عثمان وهو محصور في الدار فقال: إنهم يتوعدونني بالقتل: قال: فقلنا يكفيهم الله يا أمير المؤمنين، قال: وبم يقتلوني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، رجل كفر بعد إسلامه، أو زنا بعد إحصانه، أو قتل نفساً فيقتل بها» فوالله ما أحببت بديني بدلاً منذ هداني الله تعالى، ولا زنيت في الجاهلية ولا في الإسلام قط، ولا قتلت نفساً، فبم يقتلوني (١) .
وقال شداد بن أوس: لما اشتد الحصار بعثمان يوم الدار رأيت علياً ﵁ خارجاً من منزله، متعمماً بعمامة رسول الله ﷺ متقلداً بسيفه أمامه الحسن وعبد الله بن عمر في نفر من المهاجرين والأنصار، حتى حملوا على الناس وفرقوهم، ثم دخلوا على عثمان فقال له: السلام عليك يا أمير المؤمنين إن رسول الله ﷺ لم يلحق هذا الأمر حتى ضرب بالمقبل والمدبر، وإني والله لا أرى القوم إلا قاتلينك، فمرنا لنقاتل، فقال عثمان: أنشد الله رجلاً رأى لله حقاً وأقر أن ما عليه حقاً أن يهريق مني ملء محجمة من دم أو يهراق دمه علي، فأعاد علي عليه القول فأجابه بمثل ما أجاب، ومنعه أن يقاتل معه، فرأيت علياً خارجاً من الباب، وهو يقول: اللهم إنك تعلم أنا قد بذلنا المجهود، ثم دخل المسجد وحضرت الصلاة فقالوا له: يا أبا الحسين تقدم فصلى بالناس، فقال: لا أصلي بكم والإمام محصور، ولكن أصلي وحدي، فصلى وحده وانصرف.
وروي أنه دخل الحسن بن علي على عثمان وهو محصور فقال: يا أمير المؤمنين مرني بما شئت، فقال: يا ابن أخي ارجع واجلس حتى يأتي الله بأمره، فخرج ثم دخل عليه عبد الله بن عمر فسلم عليه ثم قال: يا أمير المؤمنين صحبت رسول الله ﷺ فسمعت وأطعت، ثم صحبت أبا بكر فسمعت وأطعت، ثم عمر فرأيت له حق الوالد وحق الخلافة، وها أنا طوع يدك يا أمير المؤمنين، فمرني بما شئت، فقال عثمان: جزاكم الله يا آل عمر خيراً مرتين، لا حاجة لى في إراقة الدم، ثم دخل أبو هريرة متقلداً بسيفه فقال: الآن طاب الضراب، فقال له عثمان: عزمت عليك يا أبا هريرة لما
стр. 783
ألقيت سيفك، فقال: ألقيته فما أدري من أخذه.
وروي أيضاً أن أبا هريرة أنه قال: إني لمحصور في الدار مع عثمان قال: فرمى رجل منا أي: قتل، قلت: يا أمير المؤمنين الآن طاب الضراب، قتلوا منا رجلاً، قال: عزمت عليك يا أبا هريرة ألا رميت بسيفك فرميت بسيفي لا أدري أين هو حتى الساعة.
وقد أفاد المحب الطبري أن عثمان ﵁ رأى النبي ﷺ في الليلة التي قتل في يومها، وأنه سقاه الماء وأنه خيره في الانتصار عليهم وفي الفطر عنده فاختار الفطر عنده.
ونقب في ذلك أخبار منها: عن عبد الله بن سلام أنه قال: «أتيت عثمان وهو محصور أسلم عليه فقال: مرحباً بأخي مرحباً يا أخي، أفلا أحدثك ما رأيت الليلة في المنام؟ فقلت: بلى، قال: رأيت رسول الله ﷺ في هذه الخوخة فإذا خوخة في البيت، فقال: حصروك؟ فقلت: نعم، فقال: عطشوك؟ فقلت: نعم، فأدلى دلوا من ماء فشربت حتى رويت، وإني لأجد برداً بين كتفي وبين ثدي، قال: إن شئت نصرت عليهم، وإن شئت أفطرت عندنا، قال: فاخترت أن أفطر عنده» (١) خرجه القروينى.
وأعتق صبيحة تلك الليلة عشرين مملوكاً وصار يحدث الناس برؤيته ﷺ ويقول: رأيت النبي ﷺ البارحة وأبا بكر وعمر، فقالوا: اصبر فإنك تفطر عندنا، فقتل ذلك اليوم.
واختلفت الروايات هل دخلوا عليه من الباب أم لا؟
فقيل: دخلوا عليه من دار رجل من الأنصار، وكان معه في الدار ستمائة رجل وكلهم كانوا فوق البيت، ولم يكن عنده في البيت إلا امرأته، فدخلوا عليه فقتلوه وخرجوا هاربين من حيث دخلوا، ولم يعلم بذلك أحد ممن معه في الدار لاشتغالهم بالحصار، حتى صرخت امرأته وصعدت إلى الناس، وأعلمتهم بأنه قتل، فدخل عليه الحسن والحسين ومن كانوا معهما فوجدوه مذبوحاً، فانكبوا عليه يبكون، وأنشد أبو القاسم بن أمية بن أبي الصلت فأحسن:
لعمرى لبئس الذبح ضحيتم به ... وخنتم رسول الله في قتل صاحبه
فبلغ علياً قتله ومن كان في المدينة فخرجوا، وقد ذهبت عقولهم حتى دخلوا على عثمان، فوجدوه مقتولاً فاسترجعوا.
وقال علي لابنيه: كيف قتل أمير المؤمنين وأنتم على الباب، ورفع يده فلطم
стр. 784
الحسن، وضرب صدر الحسين، وشتم محمد بن طلحة، ولعن عبد الله بن الزبير، وخرج علي وهو غضبان.
وقيل: إنهم دخلوا عليه من الباب فإنه ﵁ لما رأى النبي ﷺ وقال له: أفطر عندنا الليلة، أصبح ذلك اليوم صائماً، فطلب المصحف ووضعه بين يديه، وقال لامرأته: افتحى الباب ففتحت الباب فدخل عليه رجل، فقال له عثمان: بيني وبينك كتاب الله تعالى، والمصحف بين يديه قال: فأهوى إليه بالسيف فاتقاه بيده فقطعها، فقال الراوي: -فلا أدري أبانها أم لم يبنها- فقال عثمان: أما والله إنها لأول كف خطت المصحف.
وروي عنه أنه جعل يقول حين ضرب والدماء تسيل من على لحيته: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، اللهم إني أستهديك وأستعينك على جميع أموري، وأسألك الصبر على بليتي.
ونقل عن عدي بن حاتم الطائي أنه قال: سمعت صوتاً يوم قتل عثمان يقول: أبشر يا ابن عفان بروح وريحان، أبشر يا ابن عفان بغفران ورضوان، أبشر يا ابن عفان برب غير غضبان، قال فالتفت فلم أر أحداً (قاله ابن عبد البر) .
وأكثرهم يروي: أن قطرة أو قطرات من دمه سقطت على المصحف على قوله تعالى: ?فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ? [البقرة: ١٣٧] .
وورد عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا كان يوم القيامة يؤتى بعثمان وأوداجه تشخب دماً اللون لون الدم والرائحة رائحة المسك، يكسى حلتين من نور، وينصب له منبر على الصراط، فيجوز المؤمنون بنور وجهه، ليس لمبغضة من نصيب» خرجه الملا في سيرته.
واختلف العلماء فيمن باشر قتله بنفسه:
فقيل: محمد بن أبي بكر ضربه بمشقص.
وقيل: رومان بن سرحان دخل عليه وكان رجلاً قصيراً أزرق معه خنجر، فاستقبله به وقال: على أي دين أنت يا نعثل، فقال عثمان: لست بنعثل ولكني عثمان بن عفان، وأنا على ملة إبراهيم حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين، فقال: كذبت وضربه على صدغه الأيسر فقتله فخر، وأدخلته امرأته نائلة بينها وبين ثيابها، وكانت امرأة جسيمة فدخل رجل من أهل مصر معه السيف مسلطاً فقال والله لأقطعن أنفه فعالج المرأة فكشف عن ذراعيها، وقبضت على السيف فقطع إبهامها، فقالت لغلام
стр. 785
عثمان يقال له «رباح» ومعه سيف عثمان: أعني على هذا وأخرجه عني فضربه الغلام بالسيف فقتله.
وقيل: الذي باشر قتله: جبلة بن الأيهم من أهل مصر، وطاف بالمدينة ثلاثة أيام يقول: أنا قاتل نعثل.
وقيل: رومان اليماني، وقيل: بل رومان رجل من جبل أسد.
وقيل: يسار بن عياض.
وقيل: قتله الأسود النجيبي، وبه جزم الكرمانى.
قال ابن عبد البر في الإستيعاب: أول من دخل على عثمان محمد بن أبي بكر فأخذ بلحيته، فقال: دعها يا ابن أخي فوالله كان يكرمها أبوك فاستحيا وخرج (١) .
وقيل: لما أخذ لحيته هزها وقال له: ما أغني عنك معاوية وما أغنى عنك ابن أبي سرح وما أغنى عنك ابن عامر، فقال له: يا ابن أخي إنك لتجذب لحية كانت تعز على أبيك، وما كان أبوك يرضى مجلسك هذا مني، فيقال: إنه حينئذ تركه وخرج عنه.
ويقال: إنه حينئذ أشار إلى من معه فطعنه أحدهم وقتلوه والله أعلم.
واختلف في اليوم الذي قتل فيه:
فقال ابن اسحاق: قتل يوم الأربعاء بعد العصر ودفن يوم السبت قبل الظهر.
وقيل: قتل يوم الجمعة.
وقيل: قتله في وسط أيام التشريق في المدينة الشريفة.
وقيل: قتله يوم التروية، وقيل غير ذلك.
ولقد أحسن القائل:
ضحوا بعثمان في الشهر الحرام ضحى ... فأي ذبح حرام ويلهم ذبحوا
وأي كفر سن أولهم ... وباب شر على سلطانهم فتحوا
ماذا أرادوا أضل الله سعيهم ... بسفك ذاك الدم الذكي الذي سفحوا
وأما السنة التي قتل فيها فهى سنة خمس وثلاثين.
واختلف أيضاً في مدة إقامته بعد موته مطروحاً قبل دفنه:
стр. 786
فقيل: أقام يومه ذلك مطروحاً إلى الليل، فحمله رجال على باب ليدفنوه فعرض لهم ناس ليمنعوهم من دفنه، فوجدوا قبراً كان قد حفر لغيره فدفنوه فيه، وصلى عليه جبير بن مطعم.
وروى عن مالك أنه قال: لما قتل عثمان ألقي على المزبلة ثلاثة أيام، فلما كان في الليل أتاه اثنى عشر رجلاً منهم حويطب بن عبد العزى وحكيم بن حزام وعبد الله بن الزبير واحتملوه فلما صاروا به إلى المقبرة ليدفنوه، ناداه قوم من بني مازن: والله لئن دفنتموه ها هنا لنخبرن الناس غداً، فاحتملوه حتى ساروا إلى «حش كوكب» فاحتفروا له «وكوكب» اسم رجل من الأنصار «والحش» البستان، وكان عثمان قد اشتراه منه وزاده في البقيع (١) ، فكان أول من قبر فيه هو، وكان رضى الله عنه إذا مر «بحش كوكب» يقول: يدفن ها هنا رجل صالح، حتى دفن هو فيه.
ونقل عن الحسن أنه قال: شهدت عثمان بن عفان وقد دفن في ثيابه بدمائه، واختلف هل صلى عليه أم لا؟
فروي أنه أقام في «حش كوكب» ثلاثاً مطروحاً لا يصلى عليه، حتى هتف بهم هاتف: ادفنوه ولا تصلوا عليه فإن الله صلى عليه.
وقيل: صلى عليه وغشيهم في الصلاة عليه وفي دفنه سواد، فلما فرغوا منه نودوا: أن لا روع عليكم اثبتوا، وكانوا يرون أنهم الملائكة حضروا جنازته.
ونقل المحب الطبرى عن الحسن عن الحسن بن على قال: ما كنت لأقاتل بعد رؤيا رأيتها، رأيت رسول الله ﷺ واضعاً يده على العرش، ورأيت أبا بكر واضعاً يده على منكب رسول الله ﷺ ورأيت عمر واضعاً يده على منكب أبي بكر، ورأيت عثمان واضعاً يده على منكب عمر ورأيت دماً دونه، فقلت: ما هذا؟ قال: دم عثمان يطلب الله به. (أخرجه الديلمى في كتابه الشفا) .
وأنشد حسان فيه:
قلتم ولي الله في جوف داره ... وجئتم بأمر جائر غير مهتدى
فلا ظفرت أيمان قوم تعاونوا ... على قتل عثمان الرشيد المسدد
وأنشد كعب بن مالك فيه وقال:
يا للرجال لأمر هاج لي حزنا ... لقد عجبت لمن يبكي على الزمن
стр. 787
إني رأيت قتيل الله مضطهداً ... عثمان يهدي إلى الأجداث في كفن
قاتل الله قوماً كان أمرهم ... قتل الإمام الزكي الطيب الردن
ما قتلوه على ذنب ألم به ... إلا الذي نطقوا زوراً ولم يكن
وأنشد حسان أيضاً، وقيل: كعب بن مالك حين منع عثمان الناس من القتال معه:
فكف يده ثم أغلق بابه ... وأيقن أن الله ليس بغافل
وقال لأهل الدار لا تقتلوهم ... عفا الله عن ذنب امرئ لم يقاتل
فكيف رأيت الله ألقى عليهم ... العداوة والبغضاء بعد التواصل
وكيف رأيت الخير أدبر بعده ... عن الناس أدبار الرياح الحوافل
وقالت ليلى الأخيلية:
قتل ابن عفان الإمام ... وضاع أمر المسلمينا
وتشتت سبل الرشاد ... بصادرين أو واردينا
قال العلماء: عرف عثمان أنه يقتل عرَّفه رسول الله ﷺ بذلك.
روي عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : «ادعوا لى بعض أصحابي» فقلت: أبو بكر؟ فقال: «لا» فقلت: عمر؟ فقال: «لا» فقلت: ابن عمك؟ فقال: «لا» فقلت له: عثمان؟ قال: «نعم» فلما جاء قال بيده فتنحيت، فجعل رسول الله ﷺ يساره ولون عثمان يتغير، فلما كان يوم الدار وحصر، قيل له: ألا تقاتل؟ قال: لا، إن رسول الله ﷺ عهد إلى عهداً وأنا صابر نفسي عليه (١) .
وكانت ولايته كما قاله ابن اسحاق اثنتى عشرة سنة وإحدى عشر شهراً وأربعة عشر يوماً، وقيل: ثمانية عشر يوماً.
ومن كراماته ما رواه الطبري عن أبي قلابة قال: كنت في رفقة بالشام فسمعت رجلاً يقول: يا ويلاه النار، قال: فقمت إليه، وإذا رجل مقطوع اليدين والرجلين من الحقوين أعمى العينين منكباً لوجهه، فسألته عن حاله فقال إني كنت ممن دخل على
стр. 788
عثمان الدار، فلما دنوت منه خرجت زوجته فلطمتها، فقال: مالك قطع الله يديك ورجليك وأعمى عينيك وأدخلك النار، فأخذتنى رعدة عظيمة وخرجت هارباً فأصابني ما ترى، ولم يبق من دعائه إلا النار، قال: فقلت له: بعداً لك وسحقاً. خرجه الملا في سيرته.
«عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَزِيدَ أَخْبَرَهُ أَنَّ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ دَعَا بِإِنَاءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى كَفَّيْهِ ثَلاَثَ مِرَارٍ فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِى الإِنَاءِ فَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاَثاً، وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثَلاَثَ مِرَارٍ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلاَثَ مِرَارٍ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، ثُمَّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِى هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، لاَ يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» .
دل هذا الحديث على أحكام كثيرة أوصلها ابن الملقن إلى نيف وعشرين حكماً فمن أحكامه:
أن فيه دلالة على استحباب غسل اليدين في الوضوء إلى الكوعين، وعلى استحباب غسلهما قبل إدخالهما في الإناء.
قال علماؤنا: من سنن الوضوء غسل الكفين إلى الكوعين قبل المضمضة والاستنشاق تأسيا بالنبى ﷺ فإن لم يتيقن الإنسان من طهارة يده بسبب نوم أو غيره كره له إدخالها في ماء دون قلتين أو مائع قبل غسلهما.
والعلة في هذه الكراهة توهم النجاسة، فإنه قد يكون في جسده قروح أو دماميل فيضع يده عليها فتنجس وقد يضع يده على دبره أو غير ذلك، فإن صادفت ماء قليلاً أو مائعاً نجسته.
وقد ورد النهي عن غمس اليد في الإناء عند الاستيقاظ من النوم قبيل غسلهما قال النبي ﷺ : «إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها، فإنه لا يدري أين باتت يده» (١) .
стр. 789
قال النووي في كتابه «البستان» : حكي أن بعض المبتدعين سمع قول النبي ﷺ : «فإنه لا يدري أين باتت يده» ، فقال المبتدع: أنا أدري أين باتت يدي، باتت في الفراش، فأصبح وقد أدخل يده في دبره حتى ذراعه.
قال الإمام النووي: ومن هذا المعنى ما وجد في زماننا وتواترته الأخبار وثبت عند القضاة: أن رجلاً في قرية من بلاد البصرة في أوائل سنة خمس وستين وستمائة، كان سيئ الاعتقاد فيهم، فجاءه ابنه من عند شيخ صالح معه سواك، فقال: ما أعطاك شيخك مستهزئاً؟ فقال: هذا السواك فأخذه وأدخله في دبره احتقاراً له، فبقى مدة ثم ولد ذلك الرجل أي: الذي أدخل السواك في دبره جرواً قريب الشبه بالسمكة فقتله ومات الرجل في الحال، أو بعد يومين عافانا الله من بلائه.
ولا تزول هذه الكراهة إلا بغسل اليدين ثلاثاً ولا يكره غسلهما في البرك والحياض، وكذا لا يكره في الإناء إذا تيقن طهارتهما.
ولابد في حصول سنة غسل اليدين إلى الكوعين أن يغسلهما قبل المضمضة والاستنشاق، فلو غسلهما بعدهما لا يكون محصلاً للسنة لقوله في الحديث: «فغسلهما حتى أدخل يمينه في الإناء فمضمض» فأتى بالفاء المقتضية للترتيب وزيادة وهو التعقيب.
وفي الحديث دلالة على جواز الاستعانة في إحضار الماء.
قال العلماء: ترك الاستعانة في الوضوء سنة، لأنها نوع من التنعم والتكبر، وذلك لا يليق بحال المتعبد، والأجر على قدر النصب.
والاستعانة على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أن يستعين بغيره ليصب عليه الماء لغير عذر، فهذه الاستعانة خلاف الأولى، أما إذا كانت لعذر كمرض ولو كان خفيفاً، فلا يكون خلاف الأولى، بل مباحاً دفاعاً للمشقة، ولو كان بالإنسان مرض شديد أو أقطع لزمه أن يستأجر إنساناً ليعينه على الطهارة إن لم يحصل له متبرع، وإن حصل له متبرع وجب عليه القبول.
القسم الثاني: أن يستعين بمن يغسل له الأعضاء بلا عذر ترفعاً فهذه مكروهة قطعاً.
стр. 790
القسم الثالث: الاستعانة بإحضار الماء والإناء والدلو فمباحة بالإجماع من غير كراهة فلا خلاف الأولى، فلهذا طلب عثمان الإناء فتوضأ منه.
وفي الحديث دلالة على استحباب غسل الأعضاء المغسولة.
قال العلماء: من سنن الوضوء أن يغسل المتوضئ كل عضو ثلاثاً ثلاثاً، وهذه سنة بالإجماع، فقد صح أنه ﷺ توضأ ثلاثا ثلاثا، كما دل عليه الحديث المذكور وغيره.
وتكره الزيادة على الثلاث ويكره النقص عنها لأنه ﷺ لما توضأ ثلاثاً ثلاثاً قال: «هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء أو ظلم» رواه أبو داود وغيره (١) .
قال النووي: أنه حديث صحيح ومعناه: فمن زاد على الثلاث أو نقص منها فقد أساء وظلم في كل من الزيادة والنقص.
وقيل: أساء في النقص وظلم في الزيادة.
وقيل: عكسه.
سؤال: فإن قيل: كيف يكون النقص من الثلاث إساءة وظلماً ومكروهاً وقد فعله رسول الله ﷺ فإنه توضأ مرة وتوضأ مرتين؟
جوابه: أنه فعل ذلك بياناً للجواز، وكان فعله لذلك في ذلك الحال أفضل، لأن البيان جائز، وليس معنى «أساء وظلم» ارتكب محرماً، بل معنى «أساء» ترك الأولى وتعدى حد السنة، ومعنى «ظلم» وضع الشيء في غير موضعه.
وأما مسح الرأس فهل يستحب تثليثه أم لا؟
ظاهر الحديث أنه لا يستحب فإنه قال فيه: «ثم مسح برأسه» ولم يقل ثلاثاً، والذي ذهب إليه إمامنا الشافعي أنه يستحب مسحه ثلاثاً كما يستحب ذلك في المغسول، فقد ورد: «أنه ﷺ مسح رأسه ثلاثاً» رواه البيهقي والحاكم وقال: إنه حسن (٢) .
وذهبت الأئمة الثلاثة إلى عدم استحبابه.
فائدة: إنما تحصل فضيلة تثليث مسح الرأس إذا أورد المسح ثانياً وثالثاً على ما
стр. 791
أورده أولاً، فلو مسح ثانياً وثالثاً غير ما مسحه أولاً لم يكن ذلك تكراراً، بل هو محاولة على استيعاب الرأس، أفاد ذلك العلامة الجوجري.
قال العلماء: ولو شك في العدد في أثناء الوضوء أخذ بالأقل وكمل كالركعات، أما لو شك بعد الفراغ منه فإنه لا عبرة به.
قالوا: وإنما تكره الزيادة على الثلاثة إذا أتى بها بقصد نية الوضوء، فلو زاد بقصد نية التبرد مثلاً لم يكره.
قال الزركشي: ومحل كراهة الزيادة أيضاً إذا توضأ بماء مباح أو مملوك له، فإن توضأ من ماء موقوف على من يتطهر أو يتوضأ منه كالمدارس والربط، حرمت الزيادة بلا خلاف، لأن الزيادة غير مأذون فيها.
فائدة: لو توضأ وضوء كاملاً مرة مرة، ثم توضأ أخرى كذلك، ثم ثالثاً لتأكيد ذلك حصلت له فضلية التثليث كما قاله الروياني والإمام.
قال الجوجري: وهو ظاهر المعنى، لكن قال الشيخ إسماعيل صاحب الروض: إنها لا تحصل بل لابد من تثليث كل عضو قبل الانتقال إلى غيره.
فائدة أخرى: ذكر العلماء مسائل لا يستحب فيها التثليث:
الأولى: لوضاق الوقت عنه، ولو ثلث لخرجت الصلاة أو بعضها عن الوقت، فإنه يقتصر على الفرض وهو مرة.
الثانية: لو كان عطشاناً ولو اقتصر على الفرض فضل له فضلة يشربها فيقتصر عليه.
الثالثة: لوكان الماء يكفي لفرض فقط، ولو ثلث لا يكفيه، فلا يستحب له التثليث لئلا يحتاج إلى التيمم، فلو ثلث وتيمم للباقي في قضاء عليه.
الرابعة: لو خاف فوت الجماعة لو ثلث، فإنه يقتصر على الغرض ليدرك الجماعة فإنها أهم من التثليث.
لطيفة: قال في نزهة المجالس: جاء جبريل إلى النبي ﷺ على سرير من ذهب، قوائمة من فضة، مفصص بالياقوت، فاستقر على الأرض ببطحاء مكة، فسلم على النبي ﷺ واقعده معه على السرير، ولجبريل أربعة أجنحة، جناح من لولؤ، وجناح من ياقوت، وجناح من زبرجد، وجناح من نور رب العالمين، بين الجناح والجناح ما بين المشرق والمغرب، ومعه سبعون ألف ملك، فضرب بجناحه الأرض فنبعت فتوضأ جبريل وغسل أعضاءه ثلاثاً وتمضمض ثلاثاُ واستنشق ثلاثاً، ثم قال: أشهد أن لا إله
стр. 792
إلا الله وحدة لا شريك له وأنك رسول الله بعثك بالحق، يا محمد قم وأفعل كما فعلت، ففعل النبي ﷺ مثله، فقال: يا محمد قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، ويغفر الله لمن يصنع مثل صنيعك ذنوبه حدثيها وقديمها وسرها وعلاينتها وعمدها وخطاها وحرم لحمه ودمه على النار.
فائدة: هل فرض الله الوضوء بمكة أو بالمدينة؟
قال ابن العماد في شرح سيرته: ونقل الباجي في شرح الموطأ عن بعض العلماء: أن فريضة الوضوء كانت بالمدينة، وأنه لم يكن واجباً مكة، بل كان سنة.
وكذا نقل القاضي عياض قال: والأكثرون على أنه كان واجباً بمكة لكنهما لم يعينوا وقته.
وفي دلائل النبوة للبيهقي: «أن جبريل صلوات الله وسلامة عليه علمه الوضوء في أول الإسلام» .
وذكر ابن الرفعة في الكفاية في باب الجهاد: أن جبريل ﵇ نزل بأعلى مكة، فهمز في ناحية الوادي فانفجرت فيه عين فتوضأ جبريل ﵇ ليريه كيف الطهور، فتوضأ رسول الله ﷺ منها، ثم قام جبريل يصلي وصلى النبي ﷺ بصلاته، فكانت هذه أول عبادة فرضت عليه كما قاله الماوردي.
ثم جاء إلى خديجة فتوضأ لها حتى توضأت وصلى بها كما صلى به جبريل عليهم الصلاة والسلام، فكانت أول من توضأ بعد رسول الله ﷺ .
وفي الحديث دلالة على استحباب ركعتين فأكثر عقب كل وضوء، ينوي بها سنة الوضوء، وهي سنة مؤكدة، ويستحب فعلها في كل وقت توضأ فيه، حتى في أوقات الكراهة، لأن لها سبباً مقدماً عليها.
قال النووي: ولو صلى بعد الوضوء فريضة أو نافلة مقصودة حصلت له فضيلة سنة الوضوء، كما تحصل تحية المسجد بذلك، بل لو دخل المسجد على وضوء في وقت الظهر مثلاً، وصلى ركعتين ونوى بهما سنة الظهر وسنة الوضوء وتحية المسجد حصل له ثواب الجميع.
قال النووي: إنما قال ﷺ : «نحو وضوئي» ولم يقل: مثل وضوئي لأن حقيقة مما ثلثه ﷺ لا يقدر عليها غيره.
وفي الحديث دلالة وبشارة لمن صلى سنة الوضوء بمغفرة الذنوب المتقدمة، وهذا الغفران للصغائر دون الكبائر، أما الكبائر فلا يكفرها إلا التوبة، وينبغي أن يعلم أن
стр. 793
غفران الذنوب الصغائر المتقدمة لمن صلى سنة الوضوء عقبه مشروطة بشرطين:
أحدهما: أن يتوضأ على النحو المذكور في الحديث وهو أن يغسل كل عضو ثلاث مرات.
الثاني: أن لا يحدث نفسه في الصلاة التي صلاها بعد الوضوء بشيء من أمور الدنيا، وما لا يتعلق بالصلاة.
فإن يتوضأ على النحو المذكور أولم تسلم صلاته من الخواطر الدنيوية التي لا تتعلق بالصلاة، لم يحصل له الغفران المذكور، نعم لو عرض له حديث دينوي فأعرض عنه بمجرد عروضه عفي عنه ولا يحرم فضيلة سنة الوضوء إن شاء الله تعالى، لأن هذا ليس من فعله، وقد يعفى لهذه الأمة عن الخواطر التي تعرض ولا تستقر (قاله النووي) .
فائدة: يستحب للإنسان إذا تيمم أو اغتسل أن يصلي ركعتين عقبه، كما يستحب أن يصليهما عقب الوضوء كما اختار ذلك البلقيني، وقاسهما على الوضوء، ولم ير من تعرض له.
ويمكن أن يستنبط من استحباب الصلاة عقب التيمم من قوله ﷺ : «الصعيد الطيب وضوء المسلم» (١) .
فإنه إذا صدق على التيمم أنه وضوء فقد دخل في عموم قوله ﷺ : «نحو وضوئي هذا» .
فائدة أخرى وبشارة: قال في نزهة المجالس: ينبغي لمن أحدث أن يتوضأ عقب حدثه، ولمن توضأ أن يصلي ركعتين عقب وضوئه، ولمن صلى أن يدعو الله عقب صلاته، فقد ورد في الخبر يقول الله: «من أحدث ولم يتوضأ فقد جفاني، ومن أحدث وتوضأ ولم يصلي فقد جفاني، ومن أحدث وتوضأ ولم يدعني فقد جفاني، ومن أحدث وتوضأ وصلى ودعاني فلم أستجب له فقد جفوته، ولست برب جافي» (٢) .
وقد عقد البخاري ﵁ في كتاب التهجد باباً في فضل الطهور بالليل والنهار،
стр. 794
وروى حديثاً عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال لبلال عن صلاة الفجر: «يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام، فإني سمعت دق نعليك بين يدي في الجنة» قال: ما عملت عملاً أرجى عندي من أني لم أتطهر طهوراً في ساعة من ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي (١) .
وروى أبو داود عن زيد بن خالد الجهني أن رسول الله ﷺ قال: «من توضأ فأحسن وضؤه ثم صلى ركعتين لا يسهوا فيها غفر له ما تقدم من ذنبة» (٢) .
وفي رواية عنده: «ما من أحد يتوضأ فيحسن الوضوء ويصلي ركعتين يقبل بقلبه ووجه عليهما إلا وجبت له الجنة» (٣) والله أعلم.
* * *
قال العلماء: أم عطية راوية الحديث الأول اسمها «نسيبة» بضم النون وفتح المهملة وسكون التحتانية وبالموحدة.
وقيل: «نسيبة» بفتح النون وكسر السين.
وقيل: «حقة» وهي: بنت كعب ويقال: بنت الحارث، وهي: بصرية صحابية، أنصارية جليلة، كانت تغسل الموتى، وتغزو مع رسول الله ﷺ غزت معه سبع غزوات، وشهدت خيبر، وكان علي يقيل عندها، وكانت تمرض المرضى، وتداوي الجرحى.
روى لها عن رسول الله ﷺ أربعون حديثاً، للبخاري منها سبعة.
стр. 797
وبنت رسول الله ﷺ المبهمة في هذا الحديث:
قيل: هي زينب، وبه صرح النووي في تهذيب الأسماء واللغات، وصرح به في صحيح مسلم، وقال القاضي عياض: إنه الصواب.
وقيل: هي أم كلثوم زوج عثمان بن عفان، قاله ابن الملقن، ولما دفنت أم كلثوم قال ﵊: «دفن البنات من المكرمات» .
وقيل: إنه قال هذا حين ماتت رقية فقد روى الطبراني في الكبير والأوسط من رواية ابن عباس قال: لما عزى النبي ﷺ بابنته رقية قال: «الحمد لله دفن البنات من المكرمات» (١) .
لكن ذكر ابن الجوزي في موضوعاته أن حديث: «دفن البنات من المكرمات» لا يصح عن رسول الله ﷺ .
وليس المراد بالبنات في هذا الحديث فاطمة لأنها ماتت بعده، والمذكور هنا ماتت في حياته، فأمر أم عطية الغاسلة، وأسماء بنت عميس، وصفية بنت عبد المطلب أن يغسلنها، وأن يبدأن في غسلها بميامنها أي: بالجانب الأيمن منها، لشرفه.
فائدة: كان له من البنات أربعة:
الأولى: فاطمة البتول، وكانت وفاتها بعد النبي ﷺ بستة أشهر.
الثانية: زينب، وكانت وفاتها في السنة الثامنة من الهجرة، وكانت زوجة لأبي العاصي بن الربيع، واسمه لقيط.
وقيل: هشيم.
وقيل: مهشم.
الثالثة والرابعة: رقية، وأم كلثوم زوجاً عثمان بن عفان ﵃.
стр. 798
وأم كلثوم كانت وفاتها في السنة التاسعة من الهجرة.
ورقية كانت وفاتها في السنة الثانية من الهجرة، وكان النبي ﷺ حينئذ ببدر، وليس في بنات النبي ﷺ من له نسل وعقب سوى فاطمة.
قاله العراقي في ألفيته:
وليس في بناته من أعقبا ... إلا البتول طاب أماً وأباً
فائدة أخرى: أفضل بناته ﷺ فاطمة ﵂ بل هي أفضل نساء العالمين كما قدمنا ذلك.
ومن فضائلها وخصائصها: أنها لم ترد قط دم حيض ولا دم نفاس حتى لا يفوتها صلاة، ولذلك سميت بالزهراء.
قال محب الدين الطبري في ذخائر العقبى: إن فاطمة طاهرة مطهرة لا تحيض، ولا يرى لها دم في طمث، ولا ولادة وأورد في ذلك حديثين.
قال في نزهة المجالس: قالت أسماء: لما ولدت فاطمة ولدها الحسن لم أر لها دماً، فقلت: يا نبي الله لم أر لفاطمة دماً من حيض أو نفاس، فقال: «أما علمتي أن ابنتي فاطمة طاهرة مطهرة» .
وفي هذا الحديث فوائد منها:
أن فيه دلالة على أنه يستحب لغاسل الميت أن يوضئه كما يتوضأ الحي ثلاثاً ثلاثاً، مع المضمضة والاستنشاق قبل الغسل هذا مذهب الشافعي.
وعند أبي حنيفة: يوضئه من غير مضمضة ولا استنشاق، قال: لأن إخراج الماء من فمه متعذر.
وعند إمامنا الشافعي يميل رأسه في المضمضة والاستنشاق لئلا يصل الماء إلى باطنه، فإذا فرغ من وضوءه غسل رأسه ثم لحيته، ثم ينتقل إلى الشق الأيمن قبل الأيسر، ففي الحديث دلالة على استحباب غسل الميامن قبل المياسر، فإن النبي ﷺ قال لغاسلات ابنته: «إبدأن بميامنها» .
وقد ذكر العلماء لغسل الميامن والمياسر كيفيات:
أولاها كما قال الجمهور: أن يغسل شقه الأيمن من عنقه وصدره وفخذه وساقه وقدمه، ثم يغسل الأيسر كذلك، ثم يحول إلى جنبه الأيسر فيغسل الأيمن مما يلي القفا والظهر من كتفه إلى قدمه ثم يحوله إلى جنبه الأيمن فيغسل شقه الأيسر ثم يعيد غسل
стр. 799
رأسه ولحيته ووجهه لحصول الغرض بغسلها أولاً، بل يبدأ بصفحة عنقه فما تحتها هذا كله غسلة واحدة.
فائدة: يحرم كب الإنسان في حال الغسل على وجهه احتراماً له، بخلاف ما إذا نام الإنسان على وجهه فإنه ليس بحرام بل مكروه.
ويستحب للمغسل أن يغسله ثلاثاً، فإن لم تحصل النظافة زاد حتى تحصل، وهذا بخلاف الحي فإنه لا يزاد فيها على الثلاث لأن طهارته محض تعبد، والغسل لميت نظافة فلا بأس بالزيادة.
وفي الحديث دلالة أيضاً على أن النساء أحرى بغسيل المرأة من الزوج، ومن رجال المحارم كما أن الرجال أحرى بغسل الرجل من زوجته ومن نساء المحارم.
نعم يجوز للزوج عند إمامنا الشافعي إن يغسل زوجته المسلمة أو الذمية لأن حقوق النكاح لا تسقط بالموت، بدليل أنه يرثها، ولأنه ﷺ قال لعائشة: «لو مت قبلي فقمت عليك فغسلتك وكفنتك وصليت عليك ودفنتك» أخرجه النسائي وابن ماجه (١) .
وقد غسل علي فاطمة الزهراء، لكن في مسند أحمد وغيره: أنها لما احتضرت غسلت نفسها وأوصت أن لا يكشفها أحد فدفنها علي بغسلها ذلك.
وللزوجة أيضاً أن تغسل زوجها بالإجماع ولقول عائشة: «أيم الله لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل رسول الله ﷺ إلا نساؤه» رواه أبو داود والحاكم وصححه على شرط مسلم (٢) .
ولو طلق زوجته ومات أحدهما ليس للآخر أن يغسله حتى لو كان الطلاق رجعياً وإن حصل الموت في العدة، لتحريم النظر.
ولو غسل أحد الزوجين الآخر لف على يده خرقة ولا يمس، فإن غسل من غير
стр. 800
حائل انتقض وضوء الغاسل، وأما وضوء المغسول فلا ينتقض.
سؤال: فإن قيل: لأي شيء ينتقض وضوء الملموس الحي كما ينتقض وضوء اللامس بخلاف الملموس الميت؟
جوابه: أن الميت غير مكلف فلا ينتقض وضوءه بخلاف الحي فافترقا.
فائدة أخرى: يجوز للسيد أن يغسل أمته، ولو كانت مدبرة وأم ولد ومكاتبة، لأنهن مملوكات له، إلا إن كانت أمته مزوجة أو معتدة أو مستبرأة أو مشركة أو مبعضة بتحريم بعضها عليه.
وأما الأمة فليس لها إذا مات سيدها أن تغسله لانتقال ملكه عنها.
فائدة أخرى: يجوز لرجال المحارم أن يغسلوا المرأة مع وجود النساء، كأن يغسل الرجل ابنته أو أخته أو نحوها، ويجوز لنساء المحارم أن يغسلوا الرجل مع وجود الرجال، كأن تغسل الأم ولدها وإن وجد رجل.
وقول عائشة ﵂ في الحديث الثاني: «كان رسول الله ﷺ يعجبه التيمن» أي: كان ﷺ يستحسن البدآة باليمنى في تنعله أي: في لبسه النعل، وترجله أي: في تمشيطه الشعر.
«وطهوره» : بضم الطاء أي: في تطهيره، فيه دليل على استحباب تقديم اليمنى على اليسرى في اليدين والرجلين، فلو غسل يده اليسرى قبل اليمين أو رجله اليسرى قبل اليمين صح وضوءه بالإجماع كما قاله المنذري، ولكن ارتكب المكروه فقد روي ابن حبان في صحيحه عن ابن عمر: «نهى رسول الله ﷺ أن يتعاطى أحدنا شيئاً بشماله» (١) .
ولم يقل أحد بوجوب تقديم اليمنى على اليسرى إلا الشيعة، وما نقله الرضى الشيعي عن الشافعي في القديم من وجوب تقديم اليمنى على اليسرى فهو كما قال ابن الملقن: غريب.
سؤال: ما السر والحكمة في جعل الفضل لليمنى ولم يكن لليسار، فكل يمن وبركة مختص باليمين كتناول المأكل والكتاب ودخول الجنة وغير ذلك، وكل ما كان من شقاوة فهو للشمال؟
أجاب عنه في العقائق: بأن نور المصطفى ﷺ عبر على يد آدم اليمنى فنالت اليمنى
стр. 801
المنى، ووجدت اليمن والبركة إلى الأبد، وبقى هذا الاسم عليها بإرادة الصمد.
قال النووي في الأذكار: يستحب أن يبتدئ في لبس النعل والثوب والسراويل وشبهها باليمين، من كميه ورجلي السراويل، وإذا خلعتها يستحب أن يخلع الأيسر قبل الأيمن.
وكذلك يستحب الابتداء باليمين في الاكتحال، والسواك، وتقليم الأظفار، وقص الشارب، ونتف الإبط، وحلق الرأس، والسلام من الصلاة، ودخول المسجد، والخروج من الخلاء، والوضوء، والغسل، والأكل، والشرب، والمصافحة، واستلام الحجر الأسود، وأخذ الحاجة من إنسان دفعها إليه وما أشبه ذلك، فكله يفعله باليمنى، وضده باليسار.
وقوله: «وفي شأنه كله» معناه: أن النبي ﷺ كان يحب التيمن في جميع أموره.
سؤال: فإن قيل: يشكل على قوله وفي شأنه كله دخول الخلاء، والخروج من المسجد، فإن المستحب فيهما ونحوهما البدآة باليسار كما قدمنا أنه فعله ﷺ .
جوابه: أنه عام خص منه دخول الخلاء، والخروج من المسجد ونحوهما بالأدلة الخارجية.
قال الكرماني: وما من عام إلا وقد خص، والله بكل شيء عليم.
سؤال آخر: يشكل أيضاً على قوله: «وفي شأنه كله» الخدان والكفان والأذنان، فإنه لا يستحب فيها التيامن ولا التياسر، بل من السنة فيها غسل الكفين معاً، وغسل الخدين معاً ومسح الأذنين معاً إلا إذا كان أقطع اليد أو به علة تمنعه من ذلك، فإنه يستحب له التيامن حينئذ.
جوابه: أن هذه خارجة بالدليل فهو مخصوصة من عموم الحديث.
فائدة: دلت محبته ﷺ التيامن في شأنه كله أن اليمين أشرف من اليسار، ويدل عليه أيضاً أن السعيد في الدار الآخرة هو الذي يتناول كتابه بيمينه.
قال القرطبي: أول من يتناول كتابه بيمينه عمر بن الخطاب ﵁ فقد ذكر أبو بكر أحمد بن علي الخطيب عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله ﷺ : «أول من يعطى كتابه بيمينه من هذه الأمة عمر بن الخطاب، وله شعاع كشعاع الشمس» فقيل له: فأين أبو بكر يا رسول الله؟ قال: «هيهات زفته الملائكة إلى الجنات» (١) .
стр. 802
وروي الترمذي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ?يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ? [الإسراء: ٧١] قال: «يدعي أحدهم فيعطى كتابه بيمينه، ويمد في جسمه ستون ذراعاً ويبيض وجهه ويجعل على رأسه تاج من لؤلؤ فينطلق إلى أصحابه فيرونه من بعيد فيقولون: اللهم آتنا بهذا وبارك لنا في هذا حتى يأتيهم، ويقول لهم: أبشروا فإن لكل مسلم مثل هذا. قال: وأما الكافر فيسوء وجهه ويمد له في جسمه ستون ذراعاً على صورة آدم، فيلبس تاجاً من نار، فيراه أصحابه فيقولون: نعوذ بالله من شر هذا، اللهم لا تأتنا به قال: فيأتيهم، فيقولون: اللهم أخزه، فيقول: أبعدكم الله، فإن لكل رجل منكم مثل هذا» قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب (١) .
قال العلماء: إذا تناول العبد كتابه بيمينه يوم القيامة يعلم أنه من أهل الجنة، فيقول للناس اقرؤوا كتابيه.
قال تعالى: ?فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ? [الحاقة: ١٩] وذلك حين يؤذن الله تعالى بقراءة كتابه، فإذا كان الرجل رأساً في الخير يدعو إليه ويأمر به، فيكثر تبعه عليه، ودعي باسمه واسم أبيه، فيتقدم حتى إذا دنا أخرج له كتاب أبيض بخط أبيض، في باطنه السيئات وفي ظاهره الحسنات، فيبدأ بالسيئات فيقرؤها فيصفر لونه ويخف من ذلك، فإذا بلغ آخر الكتاب وجد فيه: هذه سيئاتك وقد غفرت لك فيفرح عند ذلك فرحاً شديداً، ثم يقلب كتابه فيقرأ حسناته فلا يزداد إلا فرحاً حتى إذا بلغ آخر الكتاب وجد فيه: هذه حسنات قد ضوعفت لك، فيفرح فيبيض وجهه، ويؤتى بتاج فيوضع على رأسه ويكسى حلتين، ويحلي كل مفصل منه ويطول ستون ذراعاً وهي قامة آدم ﵇ ويقال له: انطلق إلى أصحابك وبشرهم وأخبرهم: أن لكل إنسان منهم مثل هذا، فإذا أدبر قال: ?هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ? [الحاقة: ١٩، ٢٠] .
قال الله تعالى: ?فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ? [الحاقة: ٢١، ٢٢]
стр. 803
قطوفها وثمارها وعناقيدها دانية أدنيت، فيقول لأصحابه: هل تعرفوني؟ فيقولون: لقد غمرتك كرامة الله تعالى من أنت؟ فيقول: أنا فلان ابن فلان ليبشر كل رجل منكم بمثل هذا.
?كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الخَالِيَةِ? [الحاقة: ٢٤] أي: ما قدمتم في أيام الدنيا.
وإذا كان الرجل رأساً في الشر يدعو إلية ويأمر به فيكثر تبعه عليه، ونودي باسمه واسم أبيه فيتقدم إلى حسابه، فيخرج له كتاب أسود بخط أسود، في باطنه الحسنات وفي ظاهره السيئات، فيبدأ بالحسنات فيقرؤها ويظن أنه سينجو، فإذا بلغ آخر الكتاب وجد فيه هذه الحسنات ردت إليك فيسود وجهه ويعلوه الحزن ويقنط من الخير، ثم ينقلب كتابه فيقرأ سيئاته، فلا يزداد إلا حزناً ولا يزداد وجهه إلا سواداً، فإذا بلغ آخر الكتاب وجد فيه هذه السيئات قد ضوعفت عليك أي: يضاعف عليه العذاب وتزرق عيناه، ويسود وجهه، ويكسى سرابيل القطران، ويقال له: انطلق إلى أصحابك وأخبرهم أن لكل إنسان منهم مثل هذا، فينطلق وهو يقول: ?يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ القَاضِيَةَ? [الحاقة: ٢٥، ٢٦، ٢٧] يعني: الموت ?مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ? [الحاقة: ٢٨، ٢٩] أي: هلكت عن حجتي.
قال الله تعالى: ?خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ? [الحاقة: ٣٠، ٣١، ٣٢] .
قال الحسن: الله اعلم بأي ذراع هذه السبعون.
واختلف في معنى «فاسلكوه» :
فقيل: تدخل من فمه حتى تخرج من دبره.
وقيل: بالعكس.
وقيل: يدخل عنقه فيها، ثم يجر بها جراً، ولو أن حلقه وضعت على جبل لذاب، فينادي أصحابه فيقول: هل تعرفوني؟ فيقولون: لا، ولكن قد نرى ما بك من الخزي العظيم، فمن أنت؟ فيقول: أنا فلان ابن فلان لكل إنسان منكم مثل هذه.
واختلف في معنى: ?وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ? [الإنشقاق: ١٠] .
فقيل: معناه أنه يخلع كتفه الأيسر فتجعل يده خلفة فيأخذ كتابه.
стр. 804
وقيل: يحول وجهه في موضع قفاه فيقرأ كتابه كذلك.
فائدة أخرى: هل يتناول كل أحد من المؤمنين كتابه بيمينه يوم القيامة؟ وهل ذلك مخصوص بالناجين من النار؟
حكى النووي والقاضي عياض في المسألة قولان:
أحدهما: أن جميع المؤمنين من الأمم يأخذون كتبهم بإيمانهم، ثم يعذب الله من يشاء من عصاتهم.
والثاني: إنما يأخذ بيمينه الناجون من النار خاصة وقد ورد في فضائل النبي ﷺ قوله ﷺ : «إن الله قسم الخلائق قسمين وجعلني من خير القسمين، فذلك قوله: ?وَأَصْحَابُ اليَمِينِ? [الواقعة: ٢٧] ثم جعل القسمين ثلاثاً، فجعلني من خيرها ثلاثاً وذلك قوله: ?أَصْحَابُ المَيْمَنَةِ? [البلد: ١٨] ، ?وَأَصْحَابُ المَشْأَمَةِ? [الواقعة: ٩] ، ?وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ? [الواقعة: ١٠] ، فأنا من السابقين، ثم جعل الأثلاث قبائل فجعلني من خير قبيلة فذلك قوله تعالى: ?وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ? [الحجرات: ١٣] ، أنا أتقي ولد آدم، وأكرمهم ولا فخر، ثم جعل القبائل بيوتاً فجعلني في خيرها بيتا فذلك قوله تعالى: ?إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً? [الأحزاب: ٣٣] » (١) .
إخواني كأنكم بهاذم الذات قد هجم، ونقلك إلى بيت الديوان والظلم، وفرق من شمل من الأحباب ما انتظم، وقد ندم المفرط حيث لا ينفع الندم، على الأعمال في الأيام الخالية، يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية، أما تحذر من بوعيده حذرك، أما تستحي ممن وجدك وصورك، كأني بك والله وقد نسيك الحبيب وأفردك، وإلى ضيق قبرك أوردك، وعادت قلوب حزنت عليك سالية، يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية.
ولقد أحسن من قال: واحسرتي واشقوتي في يوم نشر كتابيه، وأطول حزني إذا أوتيته بشماليه، وإذا سئلت عن الخطأ ماذا يكون جوابيه، وأحر قلبي أن يكون مع القلوب القاسية، كلا ولا قدمت له ولا ليوم حسابيه، بل إنني لشقاوتي وقساوتي
стр. 805
وعذابيه، بارزت في الزلات في أيام دهر خالية، من ليس يخفى عنه من قبح المعاصي خافية، استغفر الله العظيم وتبت من أفعاليه، فعسى الله يجود لي بالعفو ثم العافية.
فائدة: من سنن الوضوء المضمضة والاستنشاق، واختلف العلماء فيهما هل هما واجبان في الوضوء والغسل أو سنتان؟
فقال الشافعي ومالك: هما سنتان في الوضوء والغسل.
وقال أبو حنيفة: هما فرضان في الطهارة الكبرى، سنتان في الصغرى.
وقال أحمد: هما واجبان فيهما.
وأقل المضمضة والاستنشاق جعل الماء في فمه وأنفه، ولا يشترط مجة ولا إدارته في الفم، وتسن فيهما المبالغة في غير حق الصائم، وأما الصائم فتكره المبالغة، والمبالغة في المضمضة أن يوصل الماء إلى أقصى الحنك، مع إمرار الأصابع على ذلك، والمبالغة في الاستنشاق أن يصعد الماء بالنفس إلى الخيشوم مع إدخال إصبع يده اليسرى وإزاله ما فيه من الأذى.
والحكمة في تقديم المضمضة والاستنشاق على فروض الوضوء: ليعلم المتوضئ أوصاف الماء هل تغيرت أم لا، فيعلم الطعم بالمضمضة والرائحة بالاستنشاق.
ولا بد في تحصيل سنه الاستنشاق من تقديم المضمضة عليه، فلو استنشق قبل أن يمضمض لا يثاب على سنته الاستنشاق.
والحكمة في تقديم المضمضة على الاستنشاق كما قاله عز الدين بن عبد السلام: أن منافع الفم أنفع من منافع الأنف، فإنه مدخل الطعام والشراب اللذين هما قوام الحياة، وهو محل الأذكار الواجبة والمندوبة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصلاة على النبي ﷺ وغير ذلك.
وللمضمضة والاستنشاق أربع كيفيات:
أفضلها كما قاله النووي: أن يجمع بين المضمضة والاستنشاق بثلاث غرف، يتمضمض بكل غرفة ثم يستنشق.
ومنها: تخليل اللحية الكثة من الرجل، وهي التي ترى بشرتها في مجلس التخاطب، فيجب غسل ظاهرها وباطنها.
ومنها: استيعاب الرأس بالمسح خروجاً من خلاف من أوجه، فلو مسح بعض الرأس وكمل الباقي على العمامة، وحصل له سنة مسح جميع الرأس، أما لو اقتصر على مسح العمامة من غير أن يمسح على الرأس شيئاً، فلا يكفي.
стр. 806
ومنها: مسح الأذنين ظاهرها وباطنها بماء جديد، ويستحب أن يأخذ لصماخيه ماء جديد.
وأيضاً منها: تخليل أصابع اليدين بالتشبيك، وتخليل أصابع الرجلين، وتحصل سنه تخليلها بأي وجه كان، ولكن الأفضل أن يخللها بخنصر يده اليسرى.
فائدة: ينبغي أن يتوضأ المتوضئ للوسخ الذي بين أصابع رجليه، فإن كان حاصلاً من تراب ونحوه فلا بد من إزالته، لأنه يشترط لصحة الوضوء أن لا يقترن بمانع، والتراب ونحوه مانع، أما إذا كان الوسخ من عرق فليس بمانع.
ومنها: الموالاة وهي: التتابع بحيث لا يحصل بين العضوين تفرق، والضابط في ذلك: تطهير العضو بحيث لا يحصل قبله قبل شروعه فيه مع اعتدال الهواء، ومزاج الشخص.
وعند الإمام مالك: الموالاة واجبه، وعند الإمام أحمد في الروايتين.
ومنها: ترك النفض لأنه كالمتبرئ من العباءة.
ومنها: أن يقول بعد التسمية: الحمد لله الذي جعل الماء طهوراً.
ومنها: أن يستصحب النية في جميع أفعال الوضوء، وأن يجمع فيها بين القلب واللسان.
ومنها: أن يتعهد الموقين بالسبابتين، وأن يحرك الخاتم، وأن يبدأ في الوجه بأعلاه، وفي الرأس بمقدمته، وفي الرجل بأطراف الأصابع إن صب على نفسه، وإن صب عليه أحد غيرة بدأ بالمرفق والكعب.
ومنها: أن لا ينقص ماء الوضوء عن مد، وأن لا يسرف ولا يتكلم في أثناءه لغير حاجة، أما الحاجة فقد يجب الكلام، وأن لا يلطم وجهه بالماء، ولا يتوضأ في موضع يرجع رشاش الماء.
ومنها: أن يمر يده على الأعضاء.
ومنها: أن يقول بعد الفراغ وهو مستقبل القبلة رافعا طرفه إلى السماء: أشهد أن لا إله إلا الله وحدة لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
فقد ورد أنه: «من قال هذا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها
стр. 807
شاء» (١) .
وأما الدعوات على الأعضاء:
كقوله عند السواك: اللهم بيض به أسناني وشد به لثاتي وبارك فيه يا أرحم الراحمين.
وعند المضمضة: اللهم اسقني من حوض نبيك كأساً لا أظمأ بعده.
وعند الاستنشاق: اللهم لا تحرمني رائحة نعيمك وجناتك.
وعند الوجه: اللهم بيض وجهي يوم تبيض وجوه وتسود وجوه.
وعند اليمنى: اللهم اعطني كتابي بيميني وحاسبني حساباً يسيراً.
وعند اليسرى: اللهم لا تعطني كتابي بشمالي ولا من وراء ظهري.
وعند الرأس: اللهم اجعلني من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
وعند الرجلين: اللهم ثبت قدمي على الصراط يوم تزل الأقدام.
فقد قال النووي: لا أصل لها يعني لم يرد فيها حديث صحيح فهو دعاء حسن، فلا ينبغي تركة لاشتماله على مهمات كتبييض الوجه، وتناول الكتاب باليمين، وتثبيت الأقدام على الصراط وغير ذلك.
قال: وإذا أتى به الإنسان فلا يعتقد أنه سنه، بل دعاء حسن يتبرك به.
وقال النووي: وإن لم يكن له أصل فلا بأس به، فإنه دعاء حسن.
وأما مسح الرقبة فقد قال الرافعي تبعاً للغزالي: إنه سنة.
واستدل الرافعي على ذلك في الشرح الكبير بقوله ﷺ : «مسح الرقبة أمان من الغسل» (٢) .
لكن قال النووي: والصواب أنه ليس بسنه، لأنه لم يثبت فيه شيء.
قال: ولهذا لم يذكره الشافعي ومتقدموا الأصحاب.
قال: وأما الحديث فهو موضوع والله تعالى أعلم.
стр. 808
وأما تنشيف الوجه بمنديل ونحو فالسنة تركه، لأنه يزيل أثر العبادة، لأن هذا الماء الذي تطهر به نور يضيء يوم القيامة كما ورد، فلا ينبغي إزالته، لكن لا تكره إزالته، وإنما يستحب ترك التنشيف إذا لم يكن به غرض في إزالته، أما إذا كان لغرض وخشي من الهواء أن يلصق به النجاسة، أو كان يتيمم عقب الوضوء، فإنه يستحب التنشيف بل يتأكد استحبابه كما قال الأذرعي.
وإذا نشفها فالأولى أن لا يكون بذيله وطرف ثوبه، فقد ذكر الشيخ برهان الدين الناجي ﵀ في كتابه عقائد العبان: إن مما يورث الفقر ويمنع الرزق تجفيف الوجه بالثوب.
ويدل على عدم كراهه التنشيف ما قيل: أنه كان للنبي ﷺ منديل يمسح به وجهه من الوضوء (١) .
وقيل: كانت له خرقة يتنشف بها.
فائدة: قيل: كان عند أنس منديل إذا اتسخ ألقاه في النار فيتنظف، ويقول: إن النبي ﷺ كان يمسح به وجهه، والنار لا تأكل شيئاً مر على وجوه الأنبياء.
وأما قراءة سورة إنا أنزلناه عقب الوضوء فقد صرح علماء الحنفية في كتبهم أنها مستحبة، وقالوا: إن رسول الله ﷺ كان يقرؤها.
وأورد أبو الليث من الحنفية في فضل قراءتها حديثين:
أحدهما: روي عن رسول لله ﷺ أنه قال: «من قرأ سورة إنا أنزلناه في ليلة القدر على أثر الوضوء مرة واحدة، أعطاه الله تعالى ثواب خمسين سنه صيام نهارها وقيام ليلها، ومن قرأها مرتين أعطاه الله تعالى ما أعطاه الخليل والكليم والحبيب والرفيع، ومن قرأها ثلاث مرات يفتح الله تعالى له ثمانية أبواب الجنة فيدخلها من أي باب شاء بلا حساب ولا عذاب» .
الحديث الثاني: روى أبو هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من قرأ إنا أنزلناه في ليله القدر على أثر الوضوء مرة واحدة كتب من الصديقين، ومن قرأها مرتين كتب من الشهداء والصالحين، ومن قرأها ثلاث مرات يحشره الله يوم القيامة في محشر الأنبياء» (٢) .
стр. 809
فائدة في آداب الوضوء الباطنة: في نزهه الناظرين: اعلم أنك إذا أردت أن تتوضأ فإنك تريد زيارة ربك ، فينبغي لك أن تتوب من ذنوبك، لأن الله تعالى جعل الغسل بالماء علامة للغسل من الذنوب، فأبدأ بتسمية الله تعالى.
فإذا تمضمضت وطهرت فمك بالماء فطهر لسانك من الكذب والغيبة والنميمة، فإن اللسان خلق لذكر الله تعالى وتلاوة القرآن، ولترشيد خلق الله إلى طريقة، وتطهر به ما في ضميرك من حاجات دينك ودنياك، فإذا استعملته في غير ما خلق له فقد كفرت بنعمة الله فيه، فإن جوارحك نعمه من الله عليك، والاستعانة بنعم الله على معصيتة غاية الكفران.
وإذا استنشقت بالماء وأزلت ما في فتوحك من الأذى فطهرها من أن تشم محرماً كطيب مغصوب، وطبيب النساء الأجنبيات والحسان فإنه حرام كما قاله الشيخ عز الدين بن عبد السلام.
وقد قال رسول الله ﷺ : «أيما امرأة أصابت بخوراً فلا تشهد معنا العشاء الآخرة» (١) .
وإذا طهرت وجهك بالماء فطهر نظرك من ثلاث: أن تنظر إلى محرم، وإلى معلم بعين الاحتقار، وإلى عيب مسلم، فإنما خلقت العينان لتهتدي بهما في الظلمات، وتستعين بهما في الحاجات، وتنظر بهما في عجائب ملكوت الأرض والسماوات، وتعتبر بما فيها من الآيات، ولم يخلق نظرك لتنظر به إلى محرم أو إلى مسلم بعين الاحتقار، ولا إلى عيب مسلم.
ولله در إمامنا الشافعي حيث يقول:
إذا شئت أن تحيى سليما من الأذى ... وعرضك محفوظ ودينك صين
لسانك لا تذكر به سوءة امرئ ... ففيك لسان وللناس ألسن
وعينك إن أبدت إليك معايباً ... فقل يا عيني للناس أعين
وعاشر بمعروف وسامح من اعتدى ... ولا تلق إلا بالتي هي أحسن
وقال رسول الله ﷺ : «النظر سهم مسموم من سهام إبليس، فمن غض بصرة
стр. 810
عن محاسن امرأة أورث الله قلبه حلاوة إلى يوم يلقاه» (١) .
قال الإمام الغزالي: فعليك وفقك الله وإيانا بحفظ العين فإنها سبب كل فتنة وآفة، فقد ذكر عن عيسى صلوات الله عليه وسلم: «إياكم والنظرة فإنها تزرع في القلب الشهوة، وكفي لصاحبها فتنه»
ولقد أحسن من قال:
وأنت إذا أرسلت طرفك رائداً ... لقلبك يوماً أتعبتك النواظر
رأيت الذي لا كله أنت قادر ... عليه ولا عن بعضة أنت صابر
فإن لم تغمض عينيك وأرخيت عنانه بنظرك إلى ما لا يعنيك، فلا يخلو إما أن تقع عينك على حرام، فإن تعمدت فذنب فكبيرة، وربما تعلق قلبك بذلك فتهلك إن لم يرحم الله ، وإن كان مباحاً فربما يشتغل قلبك به، فجاءك الوسواس والخواطر بسببة، ولعلك لا تصل إليه فتبقى مشغول القلب، منقطعاً عن الخير، وقد كنت مستريحاً من ذلك كله.
وإذا طهرت يديك بالماء فطهرها من أن تضرب بهما مسلماً، وأن تتناول بهما مالاً حراماً، وتكتب بهما مما لا يجوز النطق به، فإن القلم أحد اللسانين كما قدمنا ذلك، فاحفظه عما يجب حفظ اللسان منه.
وإذا رفعته رأسك بالماء فاعلم أنك إنما تفعل ذلك امتثالاً لأوامر الله تعالى، فإن العبادات كلها لها معان، فإن الشرع لا يأمر بعبث وقد يفهمه المكلف وقد لا يفهمه المكلف.
وإذا مسحت أذنيك بالماء فطهرها من الإصغاء إلى بدعه أو غيبة أو خوض في باطل، فإنهما لم يخلقا إلا لتسمع بهما كلام الله تعالى وسنه رسوله ﷺ وحكمة أوليائه، فعليك بصيانة سمعك عن الخنا والفضول، فإن المستمع شريك المتكلم كما قال بعضهم:
تحرمن الطرق أواسطها ... وعد عن الجانب المشبته
وسمعك صن عن سماع القبيح ... كصون اللسان عن اللفظ به
فإنك عند سماع القبيح شريك لقائله فانتبه.