← Сира

Сира · id 9824

الرسول القائد

محمود شيت خطاب

Полный текст (477 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الملحق (ح) : شهداء المسلمين في غزوة خيبر من قريش ثم من بني أمية بن عبد شمس ثم من حلفائهم: ١- ربيعة بن أكثم بن سخبرة بن عمرو. ٢- ثقف بن عمرو. ٣- رفاعة بن مسروح. من بني أسد بن عبد العزّى: ٤- عبد الله بن الهبيب (ويقال الهبيب) من كنانة وابن أختهم. من بني زهرة: ٥- مسعود بن ربيعة (حليف لهم من القارة) . من الانصار ثم من بني سلحة: ٦- بشر بن البراء بن معرور ومات من الشاة التي سمّ فيها رسول الله ﷺ . ٧- فضيل بن النعمان. من بني زريق: ٨- مسعود بن سعد بن قيس بن خلدة. من الاوس ثم من بني عبد الاشهل: ٩- محمود بن مسلمة بن خالد (حليف لهم من بني حارثة) .

стр. 282

من بني عمرو بن عوف: ١٠- أبو ضيّاح بن ثابت بن النعمان. ١١- الحارث بن حاطب. ١٢- عروة بن مرّة بن سراقة. ١٣- أوس بن القائد. ١٤- أنيف بن حبيب. ١٥- ثابت بن أثلة. ١٦- طلحة بن يحيى بن مليل. ١٧- أوس بن قتادة. ١٨- مبشّر بن عبد المنذر. من غفار: ١٩- عمارة بن عقبة (رمي بسهم) . من أسلم: ٢٠- عامر بن الأكوع. ٢١- الأسود الراعي واسمه أسلم (من أهل خيبر أسلم واستشهد) .

стр. 283

الملحق (ي) : شهداء المسلمين في غزوة مؤتة ١- زيد بن حارثة- الأمير الأول. ٢- جعفر بن أبي طالب- الأمير الثاني بعده. ٣- عبد الله بن رواحة- الأمير الثالث. ٤- مسعود بن الأسود بن حارثة بن نضلة، من بني عدي بن كعب. ٥- وهب بن سعد بن أبي سرح، من بني حسل، ثم من بني عامر ابن لؤي ٦- عبّاد بن قيس، وهو عبد الله بن رواحة من بني الحارث بن الخزرج. ٧- الحارث بن النعمان بن إساف بن نضلة بن عوف بن غنم بن مالك ابن النجار. ٨- سراقة بن عمرو بن عطية بن خنساء بن مبذول، من بني مازن ابن النجار. ٩- أبو كليب وقيل: أبو كلاب بن عمرو بن زيد بن عوف بن مبذول. ١٠- أخوه جابر بن عمرو بن زيد بن عوف بن مبذول. ١١- عمرو بن سعد بن الحارث بن عبّاد بن سعد بن عامر بن ثعلبة من بني النجار. ١٢- وأخوه عامر بن سعد من بني النجار.

стр. 284

عودة المستضعفين (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ) . (القرآن الكريم)

стр. 285

فتح مكة الموقف العام ١- المسلمون: أتاحت هدنة الحديبيّة للمسلمين القضاء على يهود عسكريا في المدينة وخارجها، كما أتاحت لهم السيطرة على القبائل في شمال المدينة حتى حدود العراق والشام وفي جنوب المدينة أيضا، وانتشر الاسلام بين القبائل العربية كلها، فأصبح المسلمون قوة لا تدانيها أية قوة في بلاد العرب. ولم يبق أمام المسلمين إلا فتح مكة، تلك المدينة المقدّسة التي انتشر الاسلام فيها أيضا، وما أسهل فتحها على المسلمين لولا عهد الحديبية الذي يحرص على الوفاء به الرسول ﷺ . ٢- المشركون: أدى انتشار الاسلام بين قسم كبير من القبائل ومن ضمنها قريش وبقاء القسم الآخر على الشرك الى تفرّق كلمتها واستحالة جمع تلك الكلمة على حرب المسلمين. ولم يبق في قريش زعيم مسيطر يستطيع توجيهها الى ما يريد حين يريد: المسلمون فيها لا يخضعون إلا لأوامر الإسلام، والمشركون فيها بين متطرّف يدعو للحرب مهما تكن نتائجها، ومعتدل يعتبر الحرب كارثة تحيق بقريش. أراد بنو بكر حلفاء قريش أن يأخذوا بثاراتهم القديمة من بني خزاعة حلفاء المسلمين، وحرّضهم على ذلك متطرفو قريش بقيادة عكرمة بن أبي جهل وقسم من سادات قريش، وأمدّوهم سرا بالرجال والسلاح؛ فقامت بنو بكر بهجوم مباغت على بني خزاعة، فأوقعوا فيهم بعض الخسائر في الأرواح

стр. 286

والأموال! ولما التجأت خزاعة الى البيت الحرام، طاردتهم بنو بكر مصممة على القضاء عليهم غير مكترثة بعهد الحديبية. وانتهت الهدنة بين قريش وحلفائها من جهة، وبين المسلمين وحلفائهم من جهة أخرى، وكان السبب في انتهائها قريش وبنو بكر. إعلان الحرب ١- المسلمون: سارع عمرو بن سالم الخزاعي بالتوجه الى المدينة المنورة حاملا أخبار نقض قريش وبني بكر لعهد الحديبية، فلما وصلها قصد المسجد وقصّ على الرسول ﷺ وأصحابه ما أصاب خزاعة من بني بكر وقريش في مكة وخارجها، فأجابه الرسول ﷺ : (نصرت يا عمرو بن سالم) . وخرج بديل بن ورقاء في نفر من خزاعة، حتى قدموا المدينة، فأخبروا النبي ﷺ بما أصابهم، فعزم الرسول ﷺ على فتح مكة. ٢- قريش: قدّر معتدلو قريش وعقلاؤهم ماذا يعنيه انتهاء الهدنة بينهم وبين المسلمين، فقرّروا إيفاد أبي سفيان بن حرب الى المدينة للتشبث بتثبيت العهد وإطالة مدّته. ولما وصل أبو سفيان (عسفان) في طريقه الى المدينة، رأى بديل بن ورقاء وأصحابه عائدين من المدينة، فخاف أن يكونوا قد جاءوا محمدا رسول الله ﷺ وأخبروه بما حدث، مما يزيد مهمته التي جاء من أجلها تعقيدا؛ إلا أن بديلا نفى مقابلته النبي ﷺ ، ولكنّ أبا سفيان بن حرب عرف من فضلات راحلة بديل التي فيها نوى التمر أنه كان في المدينة.

стр. 287

ووصل أبو سفيان الى المدينة، فقصد دار ابنته أم حبيبة زوج النبي ﷺ ، وأراد أن يجلس على الفراش فطوته دونه، فقال لها: (يا بنيّة! ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش، أم رغبت به عني) ؟ قالت: (بل هو فراش رسول الله، وأنت مشرك نجس) . قال أبو سفيان: (والله، لقد أصابك بعدي شر) . واستشفع أبو سفيان بأبي بكر الصديق ﵁ ليكلّم الرسول ﷺ ، فأبى ... واستشفع بعمر بن الخطاب ﵁، فأغلظ له في الرد، وقال: (أأنا أشفع لكم عند رسول الله ﷺ ؟ والله لو لم أجد إلا الذّر لجاهدتكم به) . ودخل أبو سفيان على علي بن أبي طالب ﵁ وعنده فاطمة ﵂، فردّ عليه علي: (والله يا أبا سفيان! لقد عزم رسول الله ﷺ على أمر ما نستطيع أن نكلّمه فيه) . واستشفع أبو سفيان بفاطمة بنت النبي ﷺ أن يجير ابنها الحسن بن علي ابن أبي طالب ﵁ بين الناس، فقالت: (ما يجير أحد على رسول الله ﷺ . فاستنصح أبو سفيان عليا بعد أن اشتدّت عليه الأمور، فنصحه أن يعود من حيث أتى؛ فقفل أبو سفيان عائدا الى قريش، ليخبرهم بما لقي من صدود. ولم يبق هناك شك في إعلان الحرب. الاستعدادات أمر الرسول ﷺ أصحابه بإنجاز استعداداتهم للحركة وللحرب، وأرسل من يخبر قبائل المسلمين خارج المدينة بإنجاز استعداداتهم للحركة وللحرب أيضا، كما أمر أهله أن يجهزوه؛ ولكنه لم يخبر أحدا بنياته الحقيقية ولا

стр. 288

باتجاه حركته ولا بالعدو الذي ينوي قتاله. بل أخفى نياته حتى لأقرب المقربين إليه؛ ثم أرسل سرية أبي قتادة الأنصاري الى بطن (إضم) ليزيد من إسدال الستار الكثيف على نياته الحقيقية. دخل أبو بكر الصديق ﵁ على ابنته عائشة زوج النبي ﷺ وهي تهيىء جهاز الرسول ﷺ ، فقال لها: (أي بنية! أأمركم رسول الله ﷺ أن تجهزوه؟ قالت: نعم، فتجّهز. قال: فأين ترينه يريد؟ قالت: والله لا أدري) ! ولما اقترب موعد الحركة، صرّح الرسول ﷺ بأنه سائر الى مكة، وبثّ عيونه ليحول دون وصول أنباء حركته الى قريش. ولكنّ حاطب بن أبي بلتعة كتب رسالة أعطاها امرأة متوجّهة الى مكة، يخبرهم بها بنيّات المسلمين، فعلم الرسول ﷺ بهذه الرسالة، وبعث علي بن أبي طالب والزبير بن العوام ﵄ ليدركا المرأة ويأخذا تلك الرسالة منها؛ فأدركاها وأخذا الرسالة التي كانت معها. ودعا رسول الله ﷺ حاطبا يسأله: (ما حمله على ذلك) ؟ قال حاطب: (يا رسول الله، أما والله إني لمؤمن بالله ورسوله ما غيّرت ولا بدّلت، ولكني كنت أمرأ ليس له في القوم من أهل ولا عشيرة، وكان لي بين أظهرهم ولد وأهل، فصانعتهم عليهم) ، وقال عمر بن الخطاب ﵁: (يا رسول الله! دعني فلأضرب عنقه، فإن الرجل قد نافق) قال الرسول ﷺ : (أما إنه قد صدقكم، وما يدريك؟ لعل الله قد اطّلع على من شهد (بدرا) فقال: اعملوا ما شئتم) ! ... شفع لحاطب ماضيه الحافل بالجهاد، فعفا عنه الرسول ﷺ ، وأمر المسلمين أن يذكروه بأفضل ما فيه. وأنجز المسلمون استعداداتهم للحركه.

стр. 289

قوات الطرفين ١- المسلمون: عشرة آلاف رجل بقيادة الرسول ﷺ . ٢- المشركون: قريش وبنو بكر، كل قبيلة لها قائد خاص بها. في الطريق الى مكة ١- ترك المسلمون المدينة في رمضان من السنة الثامنة الهجرية قاصدين فتح مكة، وكان جيش المسلمين مؤلفا من الأنصار والمهاجرين وسليم ومزينة وغطفان وغفار وأسلم «١» وطوائف من قيس وأسد وتميم وغيرهم من القبائل الأخرى، في عدد وعدد لم تعرفه شبه الجزيرة العربية من قبل، وكلما تقدّم الجيش نحو هدفه ازداد عدده بانضمام مسلمي القبائل التي تسكن على جانبي الطريق إليه. ومع كثافة هذا الجيش وقوّته وأهميته، فقد بقي سر حركته مكتوما لا تعرف قريش عنه شيئا، إذ مع اعتقاد قريش بأن محمدا ﷺ في حل من مهاجمتها، ولكنها لم تكن تعرف متى وأين وكيف سيجري الهجوم المتوقّع. ولشعور قريش بالخطر المحدق بها أسرع كثير من رجالها بالخروج الى المسلمين لإعلان إسلامهم، فصادف قسم من هؤلاء ومنهم العباس بن عبد المطلب عم النبي ﷺ جيش المسلمين في طريقه الى مكة. وصل الجيش مساء موضع (مرّ الظّهران) على مسافة أربعة فراسخ من مكة، فعسكر هناك.

стр. 290

وأمر الرسول ﷺ أن يوقد كل مسلم نارا، حتى ترى قريش ضخامة الجيش دون أن تعرف هويته، فيؤثّر ذلك في معنوياتها وتستسلم للمسلمين دون قتال، وبذلك يؤمّن الرسول ﷺ هدفه في دخول مكة دون إراقة الدماء. وأوقد عشرة آلاف مسلم نيرانهم، ورأت قريش تلك النيران تملأ الأفق البعيد، فأسرع أبو سفيان بن حرب وبديل بن ورقاء وحكيم بن حزام بالخروج باتجاه النيران حتى يعرفوا مصدرها ونيات أصحابها وأهدافهم، فلما اقتربوا من موضع معسكر المسلمين، قال أبو سفيان لصاحبه بديل: (ما رأيت كالليلة نيرانا قط ولا عسكرا) . فردّ عليه بديل بن ورقاء: (هذه والله خزاعة حمشتها الحرب) ، فلم يقتنع أبو سفيان بهذا الجواب، فقال: (خزاعة أقل وأذل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها) . وكان العباس عم النبي ﷺ قد خرج من معسكر المسلمين راكبا بغلة الرسول ﷺ ليخبر قريشا بالجيش الضخم الذي جاء لقتالها والذي لا قبل لها به، حتى يؤثّر في معنوياتها ويضطرها للاستسلام دون قتال، فيحقن بذلك دماءها ويؤمّن لها صلحا شريفا ويخلّصها من معركة فاشلة معروفة النتائج سلفا لا يمكن أن تثيرها غير العصبية الجاهلية؛ فسمع وهو في طريقه حديث أبي سفيان وبديل بن ورقاء، فعرف العباس صوت أبي سفيان، فناداه وأخبره بوصول جيش المسلمين، ونصحه بأن يلجأ الى الرسول ﷺ حتى ينظر في أمره قبل أن يدخل الجيش مكة صباح غد فيحيق به وبقومه العقاب الذي يستحقونه. وأردف العباس ﵁ أبا سفيان على بغلة الرسول ﷺ ، وتوجّها نحو معسكر المسلمين. فلما وصل العباس المعسكر ودخله وأخذ يمر بنيران الجيش في طريقه الى خيمة الرسول ﷺ ، رآه المسلمون فلم ينكروا شيئا لأنهم عرفوا العباس، فلما مرّ العباس بنار عمر بن الخطاب ﵁ عرف أبا سفيان وأدرك أن العباس يريد أن يجيره، فأسرع عمر الى خيمة النبي صلّى الله عليه وسلم

стр. 291

وطلب منه أن يأمره بضرب عنق أبي سفيان، ولكنّ الرسول ﷺ طلب من عمه أن يأخذ أبا سفيان الى خيمته ويحضره إليه صباح غد؛ فلما كان الصباح وجيء بأبي سفيان الى النبي ﷺ ، أسلم ليحقن دمه، فقال العباس ﵁: (يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر، فاجعل له شيئا) . قال الرسول ﷺ : (نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن) . وأراد الرسول ﷺ أن يستوثق من سير الأمور كما يحب بعيدا عن وقوع الحرب، فأوصى العباس باحتجاز أبي سفيان في مضيق الوادي، حتى يستعرض الجيش الزاحف كله فلا تبقى في نفسه أية فكرة للمقاومة. قال العباس: (خرجت بأبي سفيان حتى حبسته بمضيق الوادي حيث أمرني رسول الله، ومرت القبائل على راياتها، كلما مرّت قبيلة قال: يا عباس! من هؤلاء؟ فأقول: سليم! فيقول: ما لي ولسليم؟ ثم تمرّ به القبيلة، فيقول: يا عباس! من هؤلاء؟ فأقول: مزينة. فيقول: ما لي ولمزينة؟ حتى نفدت القبائل، ما تمرّ به قبيلة إلا سألني عنها، فاذا أخبرته قال: ما لي ولبني فلان!! (حتى مرّ الرسول ﷺ في كتيبته الخضراء، وفيها المهاجرون والأنصار لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد فقال: سبحان الله! يا عباس! من هؤلاء؟ قلت: هذا رسول الله ﷺ في المهاجرين والأنصار. قال: ما لأحد بهؤلاء من قبل ولا طاقة! والله يا أبا الفضل! لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما) ... قال العباس: (يا أبا سفيان! إنها النبوّة. قال: نعم إذن) ... عند ذاك قال العباس لأبي سفيان: (النجاء الى قومك) ! فأسرع أبو سفيان الى مكة.

стр. 292

قبل دخول مكة دخل أبو سفيان بن حرب مكة مبهورا مذعورا، وهو يحسّ أن من ورائه إعصارا إذا انطلق اجتاح قريشا وقضى عليها قضاء لا تقوم لها قائمة بعده أبدا. ورأى أهل مكة قوات المسلمين تقترب منهم، ولم يكونوا حتى ذلك الوقت قد قرّروا قرارا حاسما ولا اتخذوا تدابير القتال الضرورية؛ فاجتمعوا الى ساداتهم ينتظرون الرأي الأخير، فاذا بصوت أبي سفيان ينطلق بينهم مجلجلا جازما: (يا معشر قريش! هذا محمد جاءكم فيما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن) ! دهشت امرأة أبي سفيان هند بنت عتبة التي كانت تشايع المتطرفين من مشركي قريش في عداوتهم للمسلمين وهي تسمع من زوجها هذا الكلام، فوثبت اليه وأخذت بشاربه تلويه وصاحت: اقتلوا الحميت الدسم الأحمس «١» (أي هذا الزق المنتفخ) قبح من طليعة قوم) «٢» . ولم يكترث أبو سفيان لسباب امرأته، فعاود تحذيره: (ويلكم! لا تغرنكم هذه من أنفسكم، فانه قد جاءكم ما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن) ... قالت قريش: (قاتلك الله! وما تغني عنا دارك) ؟ قال: (ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن) . وأصبحت مكة تنتظر دخول المسلمين: اختفى الرجال وراء الأبواب

стр. 293

الموصدة، واجتمع قسم منهم في المسجد الحرام، وبقي المتطرفون مصرّين على القتال. خطة الفتح (راجع المخطط المرفق) ١- كانت مجمل خطة الرسول القائد عليه أفضل الصلاة والسلام لفتح مكة ما يلي: أ- الميسرة بقيادة الزبير بن العوام، واجبها دخول مكة من شمالها. ب- الميمنة بقيادة خالد بن الوليد، واجبها دخول مكة من حنوبها. ج- قوات الأنصار بقيادة سعد بن عبادة، واجبها دخول مكة من الغرب. د- قوات المهاجرين بقيادة أبي عبيدة بن الجراح، واجبها دخول مكة من الشمال الغربي من اتجاه جبل هند. هـ- مثابة اجتماع القوات بعد الفتح في منطقة جبل هند. ٢- كانت أوامر الرسول ﷺ لقواده بألّا يقاتلوا إلا إذا اضطروا الى القتال، حتى يتم فتح مكة سلميا وبدون قتال. الفتح ١- قبل شروع قوات المسلمين في دخول مكة، سمع قسم من المسلمين سعد ابن عبادة يقول: (اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة) ... لذلك رأى الرسول ﷺ حين بلغه ما قال سعد أن يأخذ الراية منه وأن يدفعها الى ابنه قيس بن سعد، فقد كان قيس أهدأ أعصابا من أبيه وأكثر سيطرة على نفسه، حتى يحول دون اندفاع سعد لإثارة الحرب.

стр. 294

دخلت قوات المسلمين مكة، فلم تلق مقاومة، إلا جيش خالد بن الوليد، فقد تجمّع متطرفو قريش مع قسم من حلفائهم من بني بكر في منطقة (الخندمة) «١» ، فلما وصلتها قوات خالد أمطروها بوابل من نبالهم، لكن خالدا لم يلبث أن فرّقهم ولم يقتل من رجاله إلا اثنان «٢» ضلّا طريقهما وانفصلا عنه، ولم يلبث صفوان بن أميّة وسهيل بن عمرو وعكرمة بن أبي جهل حين رأوا الدائرة تدور عليهم أن تركوا مواضعهم في (الخندمة) وفروا مع قواتهم. واستسلمت المدينة المقدسة للمسلمين وفتحت أبوابها لهم. في مكة المكرمة عسكر النبي ﷺ في منطقة جبل هند بعد أن سيطرت قواته على جميع مداخل مكة، فلما استراح وتجمعت أرتاله، نهض والمهاجرين والأنصار بين يديه وخلفه وحوله، حتى دخل المسجد. فأقبل الى الحجر الأسود فاستلمه، ثم طاف بالبيت العتيق وحول البيت، وكان في الكعبة ستون وثلثمائة صنم، يطعنها بالقوس وهو يقول: (جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا. جاء الحق وما يبدىء الباطل وما يعيد) . ثم دعا عثمان بن طلحة فأخذ منه مفتاح الكعبة ودخلها، فرأى الصور تملؤها ومن بينها صورتان لإبراهيم وإسماعيل يستقسمان بالأزلام، فمحا ما في الكعبة من صور، ثم صلى ودار في البيت يكبّر، ولما أنهى تطهير البيت من الأصنام والصور، وقف على باب الكعبة وقريش تنظر ماذا يصنع، فقال: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده. ألا كل مأثرة أو مال فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت وسقاية

стр. 295

الحاج. يا معشر قريش! إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء: الناس من آدم، وآدم من تراب: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبير) . يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: (خيرا! أخ كريم وابن أخ كريم) . قال: (فإني أقول كما قال يوسف لإخوته: لا تثريب عليكم اليوم. اذهبوا فأنتم الطلقاء) . طهر المسلمون البيت من الأصنام، وأتم محمد ﷺ بذلك في أول يوم فتح مكة ما دعا اليه منذ عشرين سنة: أتم تحطيم الأصنام والقضاء على الوثنية في البيت الحرام بمشهد من قريش، ترى أصنامها التي كانت تعبد ويعبد آباؤها، وهي لا تملك لنفسها نفعا ولا ضرا. وأقام النبي ﷺ بمكة خمسة عشر يوما، نظم خلالها شئون مكة الإدارية والاجتماعية وفقّه أهلها في الدين، وأرسل قسم من المفارز للدعوة الى الاسلام ولتحطيم الأصنام خارج مكة من غير سفك للدماء. خسائر الطرفين ١- المسلمون: شهيدان فقط. ٢- المشركون: ثلاثة عشر قتيلا وبعض الجرحى.

стр. 296

سرايا الدعوة الى التوحيد الهدف: ١- دعوة القبائل العربية المحيطة بمكة الى الإسلام. ٢- تحطيم الأصنام والأوثان خارج مكة المكرمة. سرية خالد بن الوليد الى العزّى «١» بعث النبي ﷺ خالدا لخمس ليال بقين من رمضان- أي بعد خمسة أيام من فتح مكة- سنة ثمان الهجرية لهدم (العزّى) في ثلاثين فارسا من أصحابه، فلما سمع سادنها «٢» بمسير خالد إليها، علّق عليها سيفه والتجأ الى الجبل الذي هي فيه وهو يقول: أيا عزّ شدي شدّة لا شوى «٣» لها ... على خالد، ألقي القناع وشمّري ويا عزّ إن لم تقتلي اليوم خالدا ... فبوئي «٤» بإثم عاجل أو تنصّري فلما انتهى إليها خالد هدمها وهو يقول: يا عزّ كفرانك لا سبحانك ... إني رأيت الله قد أهانك وعاد خالد الى النبي ﷺ بعد انتهاء واجبه.

стр. 297

سرية عمرو بن العاص الى سواع «١» بعث رسول الله ﷺ في شهر رمضان سنة ثمان الهجرية عمرو بن العاص الى (سواع) صنم هذيل ليهدمه. قال عمرو: (فانتهيت إليه وعنده السادن فقال: ما تريد؟ قلت: أمرني رسول الله ﷺ أن أهدمه! فقال: لا تقدر على ذلك! فقلت: لم؟ فقال: تمنع! فقلت: حتى الآن أنت في الباطل؟! ويحك هل يسمع أو يبصر؟! فدنوت منه فكسرته وأمرت أصحابي فهدموا بيت خزانته، فلم يجدوا فيه شيئا، ثم قلت للسادن: كيف رأيت؟ فقال: أسلمت لله) . سرية سعد بن زيد الأشهلي الى مناة «٢» بعث رسول الله ﷺ في شهر رمضان سنة ثمان الهجرية سعد بن زيد الأشهلي الى (مناة) وكانت ب (المشلّل) «٣» للأوس والخزرج وغسان، فخرج في عشرين فارسا حتى انتهى إليها وعليها سادن، فقال السادن: (ما تريد) ؟ قال: (هدم مناة) ، قال: (أنت وذاك) ! فأقبل سعد يمشي إليها هو وأصحابه فهدموا الصنم ولم يجدوا في خزانتها شيئا، فانصرف الى رسول الله ﷺ في مكة، وكان ذلك لستّ بقين من رمضان المبارك.

стр. 298

سرية خالد بن الوليد الى جذيمة من كنانة لما رجع خالد من هدم (العزى) ورسول الله ﷺ مقيم بمكة، بعثه في شوال سنة ثمان الهجرية الى بني جذيمة وكانوا بأسفل مكة ناحية (يلملم) «١» ، وقد بعثه (داعيا) الى الإسلام ولم يبعثه (غازيا) «٢» ، فدعاهم الى الاسلام، فلم يحسنوا أن يقولوا: (أسلمنا) ! فجعلوا يقولون: (صبأنا! صبأنا) ! فجعل خالد يقتل منهم ويأسر، ثم دفع الى كل رجل أسيره، حتى إذا كان يوم من الأيام، أمر خالد أن يقتل كل رجل أسيره، فلما علم النبي ﷺ بذلك قال: (اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد) «٣» . وفي رواية أخرى، أن خالدا خرج في ثلاثمائة وخمسين رجلا من المهاجرين والأنصار وبني سليم، فلما انتهى الى بني جذيمة قال: (ما أنتم) ؟ قالوا: (مسلمون، قد صلّينا وصدّقنا بمحمد وبنينا المساجد في ساحاتنا وأذّنا فيها) ! فقال: (فما بال السلاح عليكم) ؟! فقالوا: إن بيننا وبين قوم من العرب عداوة، فخفنا أن تكونوا هم، فأخذنا السلاح) ! قال: (فضعوا السلاح) ، فلما وضعوه قال لهم: (استأسروا) ! فاستأسر القوم، فأمر بعضهم فكتّف بعضا وفرّقهم في أصحابه، فلما كان في السحر نادى خالد: (من كان معه أسير فليدافّه) ! والمدافة: الإجهاز عليه بالسيف. فأما بنو سليم فقتلوا من كان في أيديهم، وأما المهاجرون والأنصار، فأرسلوا أساراهم، فلما بلغ النبي

стр. 299

صلّى الله عليه وسلم ذلك قال: (اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد) ؛ وبعث علي بن أبي طالب ﵁، فودى لهم قتلاهم وما ذهب منهم «١» . قال رسول الله ﷺ : (يا علي! أخرج الى هؤلاء القوم فانظر في أمرهم واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك) ، فخرج علي حتى جاءهم، فودى لهم الدماء وما أصيب لهم من الأموال، حتى إنه ليدي لهم ميلغة الكلب «٢» ، حتى إذا لم يبق شيء من دم ولا مال إلا وداه، بقيت معه بقية من المال، فقال لهم حين فرغ منهم: (إني أعطيكم هذه البقية من المال احتياطا لرسول الله ﷺ مما لا يعلم وتعلمون) ، فلما رجع وأخبر رسول الله ﷺ بما فعل، قال له: (أصبت وأحسنت) «٣» . ومن الواضح أن الرواية الأولى، وهي الرواية التي رواها الإمام البخاري في صحيحه هي الصحيحة، لأن صحيح البخاري هو أوثق المصادر في روايته، ولأنها أقرب للعقل والمنطقق، ولأن خالدا لو اقتنع بإسلامهم لما تجرأ مطلقا على قتلهم. لقد قال بنو جذيمة: (صبأنا ... صبأنا) ، فحمل خالد هذه اللفظة على ظاهرها، أي أنهم خرجوا من دين الى دين، فلم يكتف خالد بذلك حتى يصرحوا بالاسلام «٤» ، والدليل على ذلك أنه قال لهم: (ضعوا السلاح فان الناس قد أسلموا) «٥» ، وهذا دليل قاطع على أنه لم يقتنع بأن كلمة: (صبأنا) ، هي بمعنى: أسلمنا «٦» .

стр. 300

دروس من الفتح ١- المباغتة: حرص النبي ﷺ أشد الحرص على الا يكشف نياته لأحد عندما اعتزم الحركة الى مكة، وكان سبيله الى ذلك الكتمان الشديد. لم يبح بنياته لأقرب أصحابه الى نفسه أبي بكر الصديق ﵁، بل لم يبح بنياته الى أحب نسائه إليه عائشة بنت أبي بكر الصديق ﵂، وبقيت نياته سرا مكتوما حتى أنجز هو وأصحابه جميع استعدادات الحركة، وحتى وصل أمره الإنذاري «١» الى المسلمين خارج المدينة وداخلها لإنجاز الاستعداد للحركة. ولكنه أباح بنياته في الحركة الى مكة قبيل موعد خروجه من المدينة، حيث لم يبق هناك مبرر للكتمان، لأن الحركة أصبحت وشيكة الوقوع. ومع ذلك فانه بثّ عيونه وأرصاده ودورياته لتحول دون تسرب المعلومات عن حركته الى قريش. بثّ عيونه داخل المدينة ليقضي على كل خبر يتسرّب من أهلها الى قريش، وقد رأيت كيف اطّلع على إرسال حاطب بن أبي بلتعة برسالته الى مكة، فاستطاع أن يحجز على تلك الرسالة قبل أن تصل الى الذين أرسلت اليهم. وبثّ دورياته في المدينة وخارجها ليحرم قريشا من الحصول على المعلومات عن نيات المسلمين، وليحرم المنافقين والموالين لقريش من إرسال المعلومات إليها. وبقي النبي ﷺ يقظا كل اليقظة، حذرا كل الحذر، حتى وصل ضواحي مكة، ونجح بترتيباته في حرمان قريش من معرفة تدابير المسلمين لفتح مكة.

стр. 301

ولو انكشفت نيات المسلمين لقريش في وقت مبكّر، لاستطاعت أن تحشد حلفاءها وتنظم قواتها وتقرر خطّة مناسبة لحرب المسلمين، ولاستطاعت مقاومة النبي ﷺ وأصحابه أطول مدة ممكنة، ولأوقعت بقواته خسائر في الأرواح والأموال دون مبرر ... ليس من السهل أبدا، أن يتحرّك جيش كبير تبلغ قوته عشرة آلاف راكب وراجل الى مكة، دون أن تعرف قريش وقت حركته ونياته، حتى يصل ذلك الجيش الى ضواحي مكة، فيفلت الأمر من قريش، ولا تعرف ما تصنع إلا أن تلجأ الى الاستسلام. إنّ ترتيبات الرسول ﷺ في الكتمان لحرمان قريش من معرفة نياته، أمّنت له مباغتة متميزة للغاية، وأجبرت قريشا على الاستسلام دون قتال. ٢- المعلومات: يقرّر القائد خطته بالنسبة الى المعلومات التي يستطيع الحصول عليها عن: نيات العدو، وعدد قواته، وتنظيمه وتسليحه ومواضعه وأسلوب قتاله والأرض التي سيقاتل فيها. وكلما كانت المعلومات المتيسّرة مفصّلة وافية، كانت خطة القائد دقيقة وكان احتمال نجاحها كبيرا. لقد استطاع المسلمون أن يعرفوا من وفد بني خزاعة أمر نقض الهدنة، واستطاعوا معرفة تردد قريش في قراراتها، كما استطاعوا أن يعرفوا كل خبر مهم أو غير مهم يدخل الى المدينة أو يخرج منها في أي وقت من الأوقات. أما قريش، فلم تستطع أن تحصل على أي نوع من المعلومات في أي وقت كان قبل حركة الرسول ﷺ وأثناءها حتى وصوله ضواحي مكة. حاول أبو سفيان أن يعرف نيات المسلمين من ابنته أم حبيبة زوج النبي صلّى الله عليه وسلم

стр. 302

فلم يفلح، وحاول أن يعرف ذلك من المسلمين في المدينة فأخفق، وحاول أن يعرف شيئا من وفد خزاعة، فأنكر الوفد ذهابه الى الرسول ﷺ ، وهكذا بقيت قريش في عماية من أمرها، حتى وصل جيش المسلمين ضواحي مكة ونزل القضاء المحتوم بقريش. ٣- بعد النظر: القائد الناجح هو الذي يتّسم ببعد النظر بالإضافة الى مزاياه الأخرى، ويتخذ لكل أمر محتمل الوقوع التدابير الضرورية لمعالجته، دون أن يترك مصائر قواته للأقدار. إن النصر من عند الله يؤتيه من يشاء، هذا أمر مفروغ منه، ولكنّ الله يكتب النصر لمن يعدّ له عدته ويحتاط لكل احتمال كبير أو صغير قد يصادفه؛ ولذلك يشدد العسكريون لإدخال أسوأ الاحتمالات في حسابهم عند الإقدام على أية حركة عسكرية. أمر الرسول ﷺ أن يحبس أبو سفيان في مدخل الجبل الى مكة، حتى تمر به جنود المسلمين، فيحدّث قومه عما رآه عن بيّنة ويقين، ولكي لا يكون إسراعه في العودة الى قريش قبل أن تتحطم معنوياته تماما، سببا لاحتمال وقوع أية مقاومة من قريش مهما يكن نوعها ودرجة خطورتها. وفعلا اقتنع أبو سفيان بعد أن رأى قوات المسلمين كلها، أن قريشا لا قبل لها بالمقاومة. وقد أدخل الرسول ﷺ في حسابه أسوأ الاحتمالات أيضا، عند تنظيم خطته لفتح مكة، فقد كانت تلك الخطة تؤمّن له تطويق البلد من جهاته الأربع بقوات مكتفية بذاتها بإمكانها العمل مستقلة عن القوات الأخرى عند الحاجة، وبذلك تستطيع القضاء على أية مقاومة في أية جهة من مكة، كما

стр. 303

تؤمّن له توزيع قوات قريش الى أقسام لمقاومة كل رتل من أرتال المسلمين على انفراد، فتكون قوات قريش ضعيفة في كل مكان. لقد اتخذ النبي ﷺ هذه التدابير الفعالة، على الرغم من اعتقاده بأن احتمال مقاومة قريش للمسلمين ضعيف جدا، وذلك ليحول دون مباغتة قواته وإيقاع الخسائر بها مهما تكن الظروف والأحوال. إن هذا العمل من أروع أمثلة بعد النظر الذي يجب أن يتّسم به القائد العبقري. ٤- التنظيم: كان جيش الفتح يتألف من المهاجرين والأنصار ومسلمي أكثر القبائل العربية المعروفة يومذاك: ألف رجل من بني سليم، وألف رجل وثلاثة رجال من مزينة، وأربعمائة من بني غفار، وأربعمائة وألف من بني جهينة، وأربعمائة من أسلم، وعدد من تميم وأسد وقيس وغيرها من القبائل الأخرى. إن هذا التنظيم جعل المشركين يترددون في مقاومة جيش المسلمين، لأن كل قبيلة من قبائل المشركين لها في جيش الفتح عدد كبير من الرجال بل إن كثيرا من القبائل تعتبر نجاح هذا الجيش نجاحا لها على الرغم من اختلاف العقيدتين؛ والأكثر من ذلك، فان انتصار هذا الجيش لا يعتبر فخرا لقبيلة دون أخرى، كما أن إخفاق أية قبيلة في التغلب عليه، لا يعتبر عارا عليها، لأن هذا الجيش لم يكن لقبيلة دون أخرى، بل لم يكن للعرب دون غيرهم، بل كان للإسلام ولمعتنقي هذا الدين الحنيف من العرب وغير العرب. إني أعتقد أن تنظيم هذا الجيش بهذا الأسلوب الذي لا يخضع إلا للعقيدة الموحدة فقط دون غيرها من المؤثرات، جعل القبائل كلها لا تحرص على مقاومته حرصها على مقاومة قبيلة خاصة أو قبائل خاصة، وجعل أكثر تلك القبائل لا تريد إخفاقه إذا لم تكن تريد النصر له، وهذا أدّى الى تردد القبائل

стр. 304

في مقاومته وامتناعها عن نقل المعلومات عنه الى قريش أو غيرها؛ كما أعتقد أن قوة هذا الجيش وحدها لم تكن المانع الوحيد لتردّد القبائل في قتاله ونقل المعلومات عنه للمشركين، لأن قتاله أو نقل المعلومات عنه لعدوّه، معناه إيقاع الخسائر في المسلمين، تلك الخسائر التي تكون على القبائل كلها لا على قبيلة واحدة، وبذلك يشمل الضرر القبائل كلها لا المسلمين وحدهم، ومن يضمن ألا تكون أكثر الخسائر من منتسبي تلك القبيلة التي سبّبت للمسلمين هذه الخسائر. ٥- المعنويات: لم تكن معنويات المسلمين في وقت من الأوقات أعلى وأقوى مما كانت عليه أيام فتح مكة البلد المقدس عند المسلمين الذي يتوجهون إليه في صلاتهم كل يوم، ويحجّون بيته كل عام: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً، وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى) «١» . وقد كانت أهمية مكة للمهاجرين أكثر من أنها بلد مقدس، فهي بلدهم الذي تركوه فرارا بدينهم وتركوا فيه أموالهم وأقرباءهم وكل عزيز عليهم. لذلك لم يتخلّف أحد من المسلمين عن هذه الغزوة إلا القليل من ذوي الأعذار الصعبة. أما معنويات قريش فقد كانت منهارة للغاية ومن حقها أن تنهار، فقد أثرت فيها (عمرة القضاء) كما رأيت، كما أثر فيها انتشار الإسلام في كل بيت من بيوت مكة تقريبا، وبذلك فقدت مكة روح المقاومة وإرادة القتال. كان حماس بن قيس من بني بكر يعد سلاحه قبل دخول الرسول ﷺ مكة، فسألته امرأته المشركة: (لماذا تعد ما أرى) !؟ قال: (لمحمد

стр. 305

وأصحابه) ! قالت: (والله ما أرى أنه يقوم لمحمد وأصحابه شيء) . فاذا كان هذا مقدار معنويات المشركين في مكة، فكيف تستطيع المقاومة، وكيف لا تتردد في الإقدام على القتال؟ إني أعتبر أن فتح مكة قد تمّ للمسلمين من يوم عمرة القضاء، لأن هذه العمرة أثرت في معنويات قريش أعظم التأثير. إن عمرة القضاء فتحت قلوب قريش، وغزوة الفتح فتحت أبوابها. ومما زاد في انهيار معنويات قريش وشلّ كل روح للمقاومة فيها، ما اتخذه الرسول ﷺ من ترتيبات إيقاد عشرة آلاف نار في ليلة الفتح، ومرور الجيش كله بأبي سفيان قائد قريش أو أكبر قائد فيها، ودخول أرتال المسلمين من كل جوانب مكة. لقد كانت معركة (الفتح) معركة معنويات لا معركة ميدان. ٦- السلم: حرص الرسول ﷺ منذ خروجه من المدينة المنورة حتى فتح مكة المكرمة على نياته السلمية، ليؤلف بذلك قلوب المشركين، ويجعلها تقبل على الاسلام. إيقاد النيران في ليلة الفتح بشكل لم تعرف له العرب مثيلا من قبل، يستهدف القضاء على روح المقاومة في قريش، ويجبرها على الاستسلام دون قتال. ومرور الجيش بأبي سفيان، يستهدف إقناعه بعدم جدوى المقاومة، ليعمل من جانبه على إقناع قريش بهذا الرأي. (ومن دخل دار أبي سفيان أو أغلق عليه بابه أو التجأ الى البيت الحرام فهو آمن) ، كما قال الرسول ﷺ ، ومعناه: منع تجمع قريش للمقاومة وإجبارهم على الاستسلام.

стр. 306

بل إن دخول أرتال المسلمين من كل جانب من جوانب مكة، لا يعني إلا إقناع قريش باستحالة المقاومة. كما عهد ﷺ الى أمرائه حين أمرهم أن يدخلوا مكة، ألّا يقاتلوا إلا من قاتلهم. كل ذلك كان يستهدف السلم وحقن الدماء. وبقي الرسول ﷺ مصرا على نياته السلمية بعد الفتح أيضا، فقد أصدر العفو العام عن قريش «١» وقال لهم: (اذهبوا فأنتم الطلقاء) .

стр. 307

وكما حرص النبي ﷺ على السلم الإجماعي حرصه على السلم للأفراد، فمنع القتل حتى لفرد من المشركين. قتلت خزاعة حلفاء المسلمين رجلا من هذيل غداة يوم الفتح لثأر سابق لها عنده، فغضب الرسول ﷺ أشد الغضب، وقام في الناس خطيبا، ومما قاله: (يا معشر خزاعة! ارفعوا أيديكم عن القتل فقد كثر إن نفع، لقد قتلتم قتيلا لأدينه، فمن قتل بعد مقامي هذا فأهله بخير النظرين: إن شاءوا فدم قاتله، وإن شاءوا فعقله- أي ديته-) . ثم ودى بعد ذلك الرجل الذي قتلت خزاعة. بل إن الرسول ﷺ لم يقتل رجلا من المشركين أراد اغتياله شخصيا وهو يطوف في البيت الحرام، بل تلطّف معه؛ فقد اقترب منه فضالة بن عمير يريد أن يجد له فرصة ليقتله، فنظر إليه النبي ﷺ نظرة عرف بها طويّته، فاستدعاه وسأله: «ماذا كنت تحدّث به نفسك) ؟! قال: (لا شيء! كنت أذكر الله) . فضحك النبي ﷺ وتلطّف معه ووضع يده على صدره، فانصرف الرجل وهو يقول: (ما رفع يده عن صدري، حتى ما من خلق الله شيء أحبّ إليّ منه) . لقد كان الرسول ﷺ يستهدف من حرصه على السلم تأليف قلوب الناس وتوحيد كلمتهم ليقبلوا طائعين على الاسلام، فلم يكن من السهل على قريش أن تقبل بمصيرها الذي آلت إليه وهي كانت سيدة العرب غير منازع، لأنها أعظمهم حضارة وأشدهم بأسا وأكثرهم مالا وفي بلدها البيت الحرام. ليس من السهل أن ترضى قريش بمصيرها هذا وتقبل على الاسلام طائعة وتحمل رايات الجهاد، لو لم تعامل هذه المعاملة السلمية التي لم تكن تتوقعها؛ وبذلك انقلب موقفها من أشد الناس عداوة للإسلام الى أحرص الناس على رفع راية الاسلام.

стр. 308

زد على ذلك أن (السلام) في الاسلام دين، أمر الله به في محكم كتابه: (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها) «١» ... ٧- الوفاء: التاريخ العسكري طافح بأعمال الظلم والانتقام التي قام بها المنتصرون، ويندر أن نجد في التاريخ كله وفاء يشابه وفاء الرسول ﷺ ، بل لا نجد مثيلا في التاريخ كله لهذا الوفاء. رأى الأنصار دخول الرسول ﷺ بلده الحبيب بعد فراق طال أمده، وشاهدوا التفاف قومه وأهله حوله، فقال بعضهم لبعض: (أترون رسول الله ﷺ إذ فتح الله عليه أرضه وبلده، يقيم بها) ؟ ولكنّ محمدا ﷺ ما لبث أن سألهم: (ما قالوا) ؟ فلما أباحوا له بما يخالج نفوسهم بعد تردد، قال: (معاذ الله! المحيا محياكم والممات مماتكم) . وقد كان من حقه أن يستقر بمكة وفيها أهله وقومه، وفيها بيت الله الحرام، ولكنّ وفاءه أبى عليه أن ينسى أصدقاء الشدّة في وقت الرخاء. ورأى عليّ بن أبي طالب ﵁ مفتاح الكعبة بيد الرسول ﷺ ، فقال له: (يا رسول الله! اجمع لنا الحجابة مع السقاية) . قال الرسول ﷺ : (أين عثمان بن طلحة) ؟ فلما جاء عثمان قال له: (يا ابن طلحة! هاك مفتاحك، اليوم يوم بر ووفاء) . أما وفاؤه بعهوده وحرصه الشديد على التمسّك بها، فحديث معاد. تلك أمثلة من وفاء الرسول ﷺ ، حتى قال أعداؤه عنه قبل أصدقائه: (إنه أوصل الناس وأحلمهم وأكرمهم وأوفاهم) .

стр. 309

٨- التواضع: السيطرة على الأعصاب في حالتي النصر والاندحار من أصعب الأمور التي يجب أن تتوفر في القائد المتميّز. وربما تكون السيطرة على الأعصاب في حالة الهزيمة أسهل من السيطرة عليها في حالة النصر، فكم غيّر النصر من أخلاق القادة وجعلها تتقلب من حال الى حال. ولكنّ نصر المسلمين يوم الفتح جعل الرسول ﷺ يتواضع لله، حتى رآه المسلمون يوم ذاك ورأسه قد انحنى على رحله، وبدا عليه التواضع الجمّ، حتى كادت لحيته تمسّ واسطة راحلته خشوعا، وترقرقت في عينيه الدموع تواضعا وشكرا لله. إنّ قيمة هذا التواضع في موقف يعدّ أكبر نصر للمسلمين، تتضاعف في النفوس والعقول معا إذا قارناه بمواقف العظمة والجبروت التي أبداها مختلف القادة في مختلف الظروف، عندما حازوا نصرا أقل قيمة من فتح مكة بكثير. إنّ تواضع الرسول ﷺ درس عملي لكل قائد منتصر، وما أصعب الظهور بهذا المظهر ساعة النصر! ٩- العقيدة: رأيت كيف طوت أم حبيبة ﵂ زوج الرسول ﷺ فراش النبي ﷺ عن والدها أبي سفيان بن حرب، وقد جاءها من سفر بعيد بعد غياب عنها طويل؛ ذلك لأنها رغبت به عن مشرك نجس ولو كان هذا المشرك أباها الحبيب. وعندما جاء أبو سفيان مع العباس عم النبي ﷺ ليواجه الرسول ﷺ ،

стр. 310

رآه عمر بن الخطاب ﵁، فترك خيمته واشتدّ نحو خيمة الرسول ﷺ ، فلما وصلها قال: (يا رسول الله! دعني أضرب عنقه) . قال العباس: (يا رسول الله! إني قد أجرته) ، فلما أكثر عمر بن الخطاب ﵁ قال العباس ﵁: (مهلا يا عمر! ما تصنع هذا إلا أنه من بني عبد مناف، ولو كان من بني عديّ ما قلت هذه المقالة) ؛ فقال عمر: (مهلا يا عباس! فو الله إسلامك يوم أسلمت كان أحب لي من إسلام الخطاب لو أسلم) . هذا صحيح، فقد كان عمر يمثّل عقيدة المسلمين الأولين الراسخة، بينما كان العباس حديث عهد بالإسلام. وكيف تبرّر إقدام المهاجرين على الاشتراك في غزوة الفتح، تلك الغزوة التي لم يكن من المستبعد أن تصطرع فيها قوات المسلمين وقوات قريش قوم المهاجرين وأهلهم في بلدهم الحبيب. إنّ عقيدة المسلمين لا تخضع للمصلحة الشخصية، بل هي رهن المصلحة العامة وحدها. ١٠- تحطيم الاصنام: تحطيم الأصنام في مكة يوم الفتح وفي غير مكة بعيد الفتح، قضى على عقيدة الإشراك في أقوى معقل من معاقلها في شبه الجزيرة العربية كلها. إنّ تحطيم الأصنام- وهي التي كان يعبدها المشركون ويقرّبون القرابين إليها دون أن تذود عن نفسها أو تصيب من حطمها بأذى كما كان يعتقد المشركون بها- نزع من نفوسهم الى الأبد آخر اعتقاد في قدسية هذه الأصنام وفائدتها.

стр. 311

١١- القضايا الادارية: كان موقف إعاشة المسلمين في غزوة الفتح جيدا، فلم يشك منهم أحد من نقص الأرزاق قبل الفتح وبعده، حتى عادوا الى المدينة المنورة. كما كان موقف النقلية جيدا أيضا، فقد كان لدى جيش المسلمين عدد كبير من الإبل والخيل، أفادوا منها في تنقلهم للركوب وحمل أمتعتهم. أما تسليحهم فكان متميّزا، ويكفي أن تسمع وصف الكتيبة الخضراء التي كان فيها النبي ﷺ ، فقد كان أفرادها لا يرى منهم إلا الحدق من كثرة الحديد. لقد تأمّنت كل القضايا الإدارية للمسلمين في غزوة الفتح بشكل لم يسبق له مثيل في غزوات الرسول ﷺ السابقة.

стр. 312

استثمار الفوز (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ، وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً، وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ، ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ) . (القرآن الكريم)

стр. 313

غزوة حنين «١» وحصار الطائف «٢» الموقف العام ١- المسلمون: كان لفتح مكة أكبر الأثر في توحيد شبه الجزيرة العربية كلها تحت لواء الاسلام، كما كان له أثر معنوي عميق في المسلمين والمشركين على حد سواء، فأصبحت شبه الجزيرة العربية قوة موحّدة ذات عقيدة واحدة وهدف واحد، تعمل بقيادة واحدة، ولم يبق على الشرك إلا قسم من القبائل كقبيلتي هوازن وثقيف، ومن الواضح أن قضية إسلام هذه القبائل أصبحت قضية وقت ليس إلا، لانهيار أكبر حصن للشرك: مكة، ولانهيار أكبر عدو للإسلام: قريش! ٢- المشركون: سمعت هوازن وثقيف وقسم من القبائل الأخرى بفتح مكة، فقررت أن تقوم بغزو المسلمين قبل أن يقوم المسلمون بغزوهم، وأخذت تحشد قواتها في منطقة الطائف. ولكن انتشار الاسلام في هوازن وثقيف، جعل الكثيرين من رجال تلك القبيلتين يتخلّفون عن هذا الحشد، إذ تخلّفت كعب وكلاب وأشجع كما تخلفت قبائل أخرى، ورجال من ذوي العقول.

стр. 314

كان التردد ظاهرا على القبائل المحتشدة، وكان الاختلاف واضحا بينها، ولم تكن معنوياتها عالية على كل حال. قوات الطرفين ١- المسلمون: اثنا عشر ألفا بين راكب وراجل بقيادة الرسول ﷺ : ألفان من أهل مكة وعشرة آلاف من المسلمين الذين حضروا فتح مكة. ٢- المشركون: قبيلة هوازن (عدا عقيل بن كعب بن ربيعة وبشر بن كعب بن ربيعة وبني كلاب بن ربيعة وسائر إخوتهم) ومعظم قبيلة ثقيف بقيادة مالك بن عوف النصري من هوازن. أهداف الطرفين ١- المسلمون: ضرب القبائل المحتشدة من ثقيف وهوازن قبل أن يستفحل أمرها وتهدّد مكة نفسها ومن فيها من المسلمين. ٢- المشركون: القضاء على قوات المسلمين وأخذ المبادأة منهم. قبل المعركة ١- المسلمون: سمع الرسول ﷺ بأخبار تحشّد هوازن وثقيف لمهاجمة المسلمين، فأرسل

стр. 315

عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي وأمره أن يذهب الى منطقة تحشد المشركين للتأكد من صحة تلك الأخبار. وعاد عبد الله الأسلمي من واجبه ليخبر المسلمين بأن قبائل هوازن وثقيف قد أنجزت حشدها في منطقة وادي أوطاس، وأنها تنوي مهاجمة المسلمين. قرر الرسول ﷺ مهاجمة هذه القبائل ليحتفظ بالمبادأة بيد المسلمين، وبدأ بانجاز الاستعدادات الضرورية للحركة. وبلغ الرسول ﷺ أن عند صفوان بن أمية دروعا وسلاحا فاستعارها من صفوان ليكمل بها تسليح قواته، وكان عددها مائة درع مع أسلحتها؛ ولما أنجز المسلمون استعداداتهم تحرّكوا باتجاه (حنين) ، وكانت المقدمة مؤلفة من سليم بقيادة خالد بن الوليد وأمامها القطعات الراكبة من الفرسان، وكان القسم الأكبر مؤلفا من القبائل الأخرى، وأمام كل قبيلة رايتها؛ وكانت الكتيبة الخضراء المؤلفة من المهاجرين والأنصار في مؤخرة القسم الأكبر ومعها الرسول ﷺ . وصل جيش المسلمين فجرا الى وادي (حنين) ، ذلك الجيش الذي قال المسلمون عنه: (لن نغلب اليوم من قلّة) . ٢- المشركون: حشدت هوازن وثقيف قواتها في وادي حنين (أوطاس) ومعهم نساؤهم وأطفالهم وأموالهم، وقد أراد مالك بن عوف قائدهم أن تكون الذراري والأموال مع المقاتلين، حتى يشعر كل رجل منهم وهو يقاتل أن حرمته وثروته وراءه فلا يفر عنها. وقد اعترض دريد بن الصمّة وهو فارس مجرب قائلا لمالك: (هل يردّ المنهزم شيء؟ إن كانت الدائرة لك لم ينفعك إلا رجل برمحه وسيفه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك) . فكان جواب مالك: (والله لا

стр. 316

أفعل ذلك، إنك قد كبرت وكبر علمك، والله لتطيعنني يا معشر هوازن أو لأتكئن على هذا السيف حتى يخرج من ظهري) . اضطرت هوازن الى الأخذ برأي مالك، وكان شابا في الثلاثين من عمره قوي الإرادة ماضي العزيمة شجاعا، ولكنه كان سقيم الرأي متهورا سيىء المشورة. كانت خطة مالك تتلخص باحتلال الهضاب والجبال المشرفة على وادي (حنين) الذي ستسلكه قوات المسلمين، حتى اذا دخلت قوات المسلمين في الوادي، باغتهم المشركون بالرمي عليهم بالنبال من كل جانب لارباك ترتيباتهم التعبوية التي اتخذوها في مسير الاقتراب والتأثير في معنوياتهم، ثم القيام بالهجوم عليهم بعد ارتباك ارتال مسيرهم وإيقاع الخسائر بهم وتحطيم معنوياتهم لإجبارهم على الانسحاب أولا ومحاولة قلب الانسحاب الى هزيمة نكراء. وأكمل المشركون احتلال هضاب الوادي ومضايقه قبل دخول المسلمين اليه، وكمنوا في مواضعهم المستورة انتظارا لجيش المسلمين. القتال ١- هجوم المشركين: دخلت قوات المسلمين وادي (حنين) فجرا، وكان واديا أجوف منحدرا ينحط فيه الركبان كلما أوغلوا، كأنهم يسيرون الى هاوية؛ فلما استقرت أكثر قوات المسلمين في الوادي، رماهم المشركون بوابل من سهامهم، فلم يعرف المسلمون مصدر ذلك الرمي ولا اتجاهه، لأن الظلام كان مخيّما وقتذاك، ولأن مواضع المشركين كانت مخفية تماما؛ فانسحبت مقدمة المسلمين وجرفت أمامها قوات المسلمين الأخرى، فانقلب انسحاب المسلمين الى هزيمة. ورأى أبو سفيان هزيمة المسلمين فقال: (لا تنتهي هزيمتهم دون البحر)

стр. 317

وقال آخرون ممن أسلموا حديثا مثل قوله، بل إن شيبة بن عثمان بن طلحة الذي قتل أبوه في غزوة (أحد) ، حاول اغتيال الرسول ﷺ في عنفوان هذا الموقف العصيب، ليدرك ثأر أبيه من النبي ﷺ . وترك المشركون مواضعهم للقيام بالمطاردة بعد انسحاب المسلمين، وكان يتقدم هوازن رجل على جمل له أحمر، بيده راية سوداء في رأس رمح طويل، وهو كلما أدرك المسلمين طعن برمحه، وهوازن وثقيف منحدرون وراءه يطعنون. وانتشر الفزع بين المسلمين، وازدحمت المسالك بالسابلة، وارتبكت ارتالهم واختلطت القبائل ببعضها، وركبت الإبل بعضها بعضا وهي مولية بأصحابها، وتعقدت الأمور. ٢- هجوم المسلمين المضاد: ثبت الرسول ﷺ في مكانه، وثبت معه عشرة من أهل بيته ومن المهاجرين «١» ، بينهم عمه عباس، وأخذ الرسول القائد عليه أفضل الصلاة والسلام ينادي الناس إذ يمرون به منهزمين: (أين أيها الناس!؟ أين!؟ هلموا إليّ. أنا رسول الله. أنا محمد بن عبد الله) ، فلا يرد عليه أحد بجواب، لأن الارتباك كان سائدا في صفوف المسلمين الى أقصى الحدود. عند ذاك أمر الرسول ﷺ عمه العباس- وكان جهير الصوت- أن ينادي: (يا معشر الأنصار! يا أصحاب البيعة يوم الحديبية) ! ... وكرر العباس النداء، حتى تجاوبت أصداؤه في جنبات الوادي. وسمع النداء المهاجرون والأنصار، فأخذوا يكافحون ليبلغوا مصدر الصوت،

стр. 318

فرمى اكثرهم درعه وترك بعيره واستصحب معه سيفه وترسه فقط، ليبلغ مصدر الصوت بسرعة ما استطاع الى ذلك سبيلا. واجتمع حول الرسول ﷺ نحو مائة مسلم وهم يهتفون: (لبيك) ، فاستقبل الرسول ﷺ بهم المشركين، وصمدوا في مواضعهم حتى فتر هجوم المشركين. وكان النهار قد طلع وكان المشركون قد تركوا مواضعهم التي كانوا قد احتلوها في الهضاب والجبال المحيطة بوادي (حنين) ، فأدى صمود المسلمين العنيد الى إيقاع بعض الخسائر بالمشركين، مما أدى الى انهيار معنوياتهم وتراجعهم. ولولا صمود هذا العدد القليل من المسلمين ومشاغلتهم المشركين، لكانت خسائر المسلمين في تلك المعركة كبيرة جدا. وأخذ عدد المسلمين الصامدين يتزايد، وهناك بدأوا بالهجوم المضاد على المشركين؛ وعندما رأت هوازن وثقيف أنّ المقاومة لا تجديهم نفعا، وأنهم لا يستطيعون صد هجوم المسلمين، انسحبوا من ميدان المعركة تاركين وراءهم نساءهم وأبناءهم وأموالهم غنيمة للمسلمين. ولم يكن للمشركين ساقة لحماية الانسحاب، فانقلب انسحابهم الى هزيمة. ٣- المطاردة: انسحبت أكثر ثقيف باتجاه (الطائف) ، وكان معهم مالك بن عوف، وانسحبت هوازن والقبائل الأخرى باتجاه (أوطاس) و (نخلة) «١» . وقام المسلمون بالمطاردة، وأعلن النبي ﷺ أنّ من قتل مشركا فله سلبه، ووصلت مطاردة المسلمين الى (أوطاس) ، فأوقعوا بهوازن هناك خسائر فادحة بالأرواح، كما وصلوا الى (نخلة) فأوقعوا بالمنسحبين الى هناك من هوازن أيضا خسائر فادحة، كما استسلم كثير من المشركين أسرى، ولما عاد حديث والعهد بالإسلام من هزيمتهم رأوا الكثيرين من المشركين أسرى مصفدين بالأغلال.

стр. 319

حصار الطائف وصل بعض المسلمين بمطاردتهم الى الطائف، التي التجأ إليها المنهزمون من المشركين، وكانت مدينة محصّنة ذات أسوار وحصون قوية ولها أبواب تغلق عليها. وتجمّعت أرتال المسلمين التي طاردت المنسحبين الى (أوطاس) و (نخلة) - بعد إنجاز واجباتها- برتل المسلمين الذي طارد ثقيفا باتجاه الطائف، لإجبار ثقيف على الاستسلام. إلا أنّ ثقيفا سدّدت نبالها على المسلمين الذين كانوا قريبين من الحصون، فأوقعوا فيهم بعض الخسائر، فقرر الرسول ﷺ الانسحاب بعيدا عن مرمى النبل، واستقرّ المسلمون في مواضع أمينة هناك. وفكّر المسلمون في وسيلة يستطيعون بها إجبار الطائف على الاستسلام، فأشار سلمان الفارسي بقذف حصونها بالمنجنيق وبمهاجمة تلك الحصون بالدبابات ... رمى المسلمون الطائف بالمنجنيق وتقرّب بعضهم بحماية الدبابات الى سور الطائف ليخرقوه، ولكنّ أهل الطائف استطاعوا إحباط هذا الهجوم، إذ أحموا قطعا من الحديد بالنار، حتى اذا انصهرت ألقوها على الدبابات الخشبية فحرقتهأ؛ فانسحب المسلمون المحتمون بها من تحتها لئلا يحترقوا، فرمتهم ثقيف بالنبل بعد انكشافهم من حماية الدبابات. أعلن الرسول ﷺ أنه سيعتق كل عبد يأتيه من الطائف، ففرّ إليه حوالي عشرين من عبيد أهلها، فعرف منهم أن المواد الغذائية كثيرة جدا لدى ثقيف، لذلك آثر أن يرفع الحصار عن الطائف بعد أن استمر حوالي شهر واحد، تاركا أمر استسلام ثقيف الى الزمن، خاصة وأن الكثيرين من رجالها اعتنقوا الإسلام.

стр. 320

خسائر الطرفين ١- المسلمون: كانت خسائرهم كبيرة جدا في الأرواح. أنظر الملحق (م) . ٢- المشركون: كانت خسائر المشركين في الأرواح كبيرة جدا، أما خسائرهم في الأموال فكانت: أربعة وعشرين ألف بعير. أربعين ألف شاة. أربعة آلاف أوقية من الفضة. ستة آلاف نسمة من السبي. أسباب التخلي عن محاصرة الطائف يمكن إجمال أسباب تخلي المسلمين عن محاصرة الطائف بما يلي: ١- قوة حصون الطائف وشجاعة بني ثقيف وتكديس المواد الغذائية فيها، كل ذلك جعل استسلامها للمسلمين صعبا يحتاج الى مدة طويلة. ٢- أصبحت الفترة بين ترك المسلمين المدينة في رمضان حتى حصار الطائف والبقاء هناك حوالي شهر واحد، أصبحت الفترة حوالي شهرين تقريبا، وهذه المدة ليست قليلة بالنسبة للمسلمين الذين دخلوا الإسلام حديثا، مما جعل بعضهم يرغب في سرعة العودة الى ديارهم، كما أن الوقت ثمين بالنسبة للرسول ﷺ لتوطيد دعائم الاسلام. ٣- قرب حلول الشهر الحرام (ذي القعدة) .
следующие страницы →