دروس من الحديبية
١- توخّي الهدف:
توخي الهدف مبدأ من مبادىء الحرب المهمة، وهو أن نعرف هدفنا تماما ونفكر بأقوم الطرق لتحقيقه، ثم نقرّر خطة مناسبة للحصول عليه وننفذ تلك الخطة جاعلين هدفنا الرئيس وحده نصب أعيننا دون أن تعيقنا أو تغيّر من خطتنا الأهداف الثانوية الأخرى.
وقد برز مبدأ توخي الهدف لدى الرسول ﷺ في غزوة الحديبية بأجلى مظاهره حتى يمكن أن تكون دروس هذه الغزوة من أروع الأمثلة المفيدة للذين يريدون أن يفهموا معنى توخي الهدف.
قرّر الرسول ﷺ منذ مغادرته المدينة ألا يحارب قريشا، بل يبذل كل جهده للتفاهم معها، إلا اذا لم يجد مناصا من القتال ...
ووضع هذا الهدف نصب عينيه دائما.
خرج محرما، واستصحب أسلحة الراكب وهي السيوف في القرب؛ فلما علم من دوريات استطلاعه اعتزام قريش على قتاله، أصرّ على (السلم) ، فخرج عن الطريق العام الى طريق فرعية وعرة شديدة الوعورة، مما جعل أصحابه يكابدون المشقات عند قطعها؛ ولم يكن الرسول ﷺ يهدف من الخروج عن الطريق العام إلا التملص من اصطدام أكيد بطلائع قريش، لأن المكوث في موضع (عسفان) الذي وصله المسلمون، يؤدي الى اصطدام الفريقين، لاندفاع خيالة قريش أمام قواتها الأصلية واقترابها من مواضع المسلمين. ولو انسحبت قوات المسلمين إلى الخلف باتجاه المدينة، لطاردتهم قوات قريش أيضا، وفي هاتين الحالتين سيحصل الاصطدام الذي لا يريده الرسول صلوات الله وتسليمه عليه.
стр. 247
ولكن خروجه عن الطريق العام الى طريق فرعية باتجاه مكة، جعل طلائع قريش تضطر الى الاسراع في العودة أدراجها للدفاع عن مكة، لأن المسلمين هدّدوها تهديدا مباشرا وأصبحوا قريبين منها. ولم تكن حركة المسلمين على هذه الطريق خوفا من قوات قريش، لأن الذي يخاف عدوه لا يقترب من قاعدته «١» الأصلية وهي مركز قواته، بل يحاول الابتعاد عن قاعدة العدو الأصلية حتى يطيل خطوط مواصلات «٢» العدو، ويذلك يزيد من صعوباته ومشاكله ويجعل فرصة النصر أمامه أقلّ من حالة الاقتراب من قاعدته الأصلية.
وعندما وصل الرسول ﷺ (الحديبية) بقي مصرا على هدفه (السلام) الذي لم ينسه قط: أفسح المجال لمفاوضي قريش بالقدوم الى معسكر المسلمين في كل وقت للتأكد من نيات المسلمين السلمية، وأرسل مفاوضين من المسلمين ليؤكدوا للمشركين صدق نياتهم السلمية.
وعندما هاجم قسم من المشركين معسكر المسلمين ورموهم بالنبل، حاول المسلمون حينذاك أن يلقوا القبض على المهاجمين دون أن يوقعوا بهم خسائر بالأرواح أو بالأموال؛ فاستطاعوا فعلا تطويقهم والقبض عليهم، ثم أطلقوا سراحهم وأعادوهم الى قريش دون أن يلحقوا بهم أي أذى.
ألا يدل ذلك على إصرار الرسول ﷺ على التفاهم مع قريش وإحلال السلم بين الطرفين؟
لقد لاحظنا في هذه الغزوة دون غزوات الرسول ﷺ الأخرى، أنه لم يستشر أصحابه في عقد الهدنة واستقلّ هو برأيه، وسبب هذا الإصرار على
стр. 248
الرأي واضح جدا، فقد كان قرار الرسول ﷺ في التشبث بالتفاهم مع قريش نهائيا وحاسما، ولا يحتاج مثل هذا القرار الى استشارة أحد.
إن الرسول ﷺ كان يتوخى من التفاهم مع قريش أهدافا بعيدة جدا ليس من مصلحة الدعوة ولا من مصلحة المسلمين الإخبار عنها، وقد ظهرت أهدافه فيما بعد.
كانت قوات المسلمين في الحديبية ستمائة وألف رجل، فأصبحت قواتهم يوم فتح مكة بعد عامين عشرة آلاف رجل ... وشتان بين العددين ... وهذا بعض ما في صلح الحديبية من فوائد للمسلمين.
فهل كان بامكان الإسلام أن ينتشر بهذه السرعة في مثل تلك الظروف، لو لم تضع الحرب أوزارها بعض الوقت ويتهادن الطرفان؟
٢- الضبط «١» :
لا أكاد أقرأ تفاصيل غزوة (الحديبية كما ترويها كتب السيرة، إلا وأهتف من صميم نفسي: ما أعظم الضبط الذي كان يتحلى به الرسول ﷺ وأصحابه حينذاك!
لم يكن موقف الرسول ﷺ والمسلمين سهلا أثناء مفاوضات الهدنة وبعدها حتى عودتهم الى المدينة المنورة، فقد كان الرسول ﷺ يعرف أهدافه القريبة والبعيدة ويعمل لتحقيقها بصبر وأناة وإصرار، ولكنّ كيف السبيل الى إفهام كل تلك الأهداف للمسلمين في مثل تلك الظروف؟
стр. 249
أما المسلمون، فما أصعب موقفهم! ...
لم يكن أحد منهم يشك في دخول مكة، فانهارت آمالهم أثناء المفاوضات.
ولم يكن أحد يفهم ما يبرّر الهدنة، فشاهدوا هذه الهدنة تصبح أمرا مفروغا منه.
وكانت عقيدتهم تطغى على كل شيء سواها، فوجدوا إخوانهم المستضعفين من المسلمين يردّون الى المشركين ليفتنوهم عن دينهم.
ولو كان المسلمون ضعفاء أو يشعرون بالضعف لهان الخطب، ولكنهم كانوا أقوياء ماديا ومعنويا، فكيف يقتنعون بالهدنة في شكلها وأسلوبها الذي كان؟
بينما كان الرسول ﷺ يكتب عقد الهدنة، جاء الى المسلمين أبو جندل- وهو ابن سهيل بن عمرو ممثل قريش في المفاوضات- يرسف في الحديد، فقد اعتنق الإسلام فلقي العذاب من أهله المشركين. فلما رأى سهيل ابنه ضرب وجهه وجعل يجرّه ليرده الى قريش، وأبو جندل يصيح بأعلى صوته: (يا معشر المسلمين، أأردّ الى المشركين يفتنونني عن ديني) ؟!
ليس من السهل احتمال المسلمين لمثل هذا الموقف حينذاك. ولكنهم احتملوه صابرين، على الرغم من بعض التذمر الخافت الذي كان يخالج بعض نفوس المسلمين، والذي كان يثيره حرصهم الشديد على عزة الإسلام.
إن ضبط الرسول ﷺ أعصابه أثناء المفاوضات وبعدها على الرغم من تذمر بعض المسلمين. وضبط المسلمين أعصابهم في مثل ذلك الموقف على الرغم من حنق بعضهم على المفاوضات والهدنة، كل ذلك يدل على تحلي المسلمين حينذاك بالضبط المتين بشكل يدعو الى الإعجاب الشديد.
стр. 250
٣- الحياد المسلح «١» :
ما كاد عهد (الحديبية) يبرم حتى حالفت خزاعة محمدا ﷺ وحالفت بنو بكر قريشا؛ فربح المسلمون حليفا قويا له أهمية خاصة لقرب دياره من قريش.
لقد كانت خزاعة تميل قلبيا الى المسلمين قبل اليوم، وكان الاسلام قد انتشر بين أفرادها، ولكنها لم تستطع أن تحالف المسلمين قبل هذه الهدنة، لأن ذلك يهدّد مصالحها الدينية لوجود البيت الحرام بمكة التي تسيطر عليها قريش، هذا بالإضافة الى تهديد مصالحها الأخرى.
والهدنة حرمت يهود (خيبر) من الأمل في معاونة قريش لها، وقريش هي ألد أعداء المسلمين وذلك حين يأتي موعد محاسبة المسلمين ليهود.
والهدنة جعلت المنطقة الجنوبية (جنوب المدينة) أمينة بالنسبة للمسلمين، وكانت هذه المنطقة أخطر ما يهدد الدعوة، لأن فيها قبائل قوية ذات حضارة وعقيدة، بينما كانت قبائل الشمال حتى حدود العراق والشام بدوية ممعنة في البداوة.
فإذا أمّنت هذه الهدنة الاستقرار الذي جعل الإسلام ينتشر بسرعة فائقة، وأمنت القوة والمنعة للمسلمين، فماذا أمنت لقريش؟
توخت قريش أهدافا سطحية دفعتها اليها العصبية الجاهلية: هي ردّ المسلمين عن زيارة البيت الحرام هذا العام ليعودوا لزيارته في العام المقبل، وردّ الذين يسلمون من قريش بدون رضى أوليائهم، حتى لا يكثر عدد المسلمين؛
стр. 251
وأن ينالوا بهذه الهدنة الاستقرار ليتفرغوا لتجارتهم، وهذا أهم هدف حيوي بالنسبة لقريش.
فماذا كانت النتيجة؟
وفد أبو بصير عتبة بن أسيد بن جارية من مكة الى المدينة مسلما بغير رأي مولاه وهو ثقفي حليف لبني زهرة، فكتب أزهر بن عوف والأخنس بن شريق الى النبي ﷺ كي يرده، وبعثا بكتابهما مع رجل من بني عامر ومعه مولى لهما.
قال النبي ﷺ : (يا أبا بصير! إنا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت، ولا يصح لنا في ديننا الغدر، وإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا، فانطلق الى قومك) ...
قال أبو بصير: (يا رسول الله! أتردّني الى المشركين يفتنونني في ديني) ؟
فكرّر الرسول ﷺ عليه قوله الأول.
انطلق أبو بصير مع الرجلين، حتى اذا كان بذي الحليفة «١» ، سأل حارسه العامري أن يريه سيفه، وما أن استوت قبضته في يده حتى علا به العامري، فقتله؛ فعاد المولى يعدو ناحية المدينة، حتى أتى النبي ﷺ ، فلما رآه قال: (قتل صاحبي) ! ثم ما برح حتى طلع أبو بصير متوشحا السيف موجها الحديث الى الرسول ﷺ : (يا رسول الله! وفت ذمتك وأدّى الله عنك. أسلمتني الى القوم وقد امتنعت بديني أن أفتن فيه أو يعبث بي) .
لم يخف الرسول ﷺ إعجابه به وتمنيه لو كان معه رجال، وقال النبي ﷺ لأصحابه عن أبي بصير: (ويل أمه! مسعر حرب لو كان معه رجال) !
стр. 252
أدرك أبو بصير أنه لا مقام له في المدينة ولا مأمن له في مكة، فانطلق الى ساحل البحر الى ناحية تدعى (العيص) «١» وشرع يهدد قوافل قريش المارة بطريق الساحل أهم طرقها الى الشام.
وسمع المسلمون بمكة عن مقام أبي بصير وعن كلمة الرسول ﷺ فيه:
(مسعر حرب لو كان معه رجال) ! فتجمعوا حول أبي بصير في مكمنه يشدون إزره، حتى اجتمع إليه قريب من سبعين مسلما فيهم أبو جندل بن سهيل ابن عمرو.
وألّف هؤلاء المعذبون في الأرض الناقمون على المشركين المستقتلون في سبيل عقيدتهم الذين لا ملجأ لهم إلا سيوفهم، وقد فروا من أهلهم وأموالهم بعقيدتهم وإيمانهم، ألّف هؤلاء قوة مغاوير «٢» لا تمر قافلة لقريش إلا اغتنموها ولا يرون رجلا من قريش إلا قتلوه.
وإذا بقريش تبعث الى الرسول ﷺ تسترحمه وتناشده الرّحم أن يؤوي إليه هؤلاء المسلمين الذين ضيّقوا عليها الخناق، فلا حاجة لها بهم.
وبذلك نزلت قريش طائعة عن الشرط الذي اعتبرته نصرا لها واعتبره المسلمون شرطا لا يناسب كرامتهم على أقل تقدير.
وهكذا حافظ المسلمون على عهودهم كلها، وانصرفوا الى نشر دعوتهم، بينما استمر مشردو المسلمين في التعرض على قريش، وهكذا بقي المسلمون محايدين وبقي الفارون بدينهم من قريش والقبائل الموالية لها مقاتلين؛ وبذلك تمّ الحياد المسلّح في أقوى مظاهره للإسلام.
стр. 253
٤- حرب الدعاية:
شنّ المسلمون على قريش بخروجهم لزيارة البيت العتيق، أضخم حرب للدعاية التي هي من أهم أركان الحرب الباردة.
لقد أظهروا تعظيمهم للبيت الحرام بصورة عملية لا تقبل الشك والمماراة، فتسامع العرب بذلك؛ فلما أصرّت قريش على رجوع المسلمين دون زيارة المسجد الحرام، اعتبر العرب قريشا ظالمة للمسلمين، إذ ليس لها أن تحرم أحدا جاء لتعظيم البيت وزيارته.
وقد رأيت كيف أن قريشا أرسلت الحليس بن علقمة لمفاوضة الرسول ﷺ ، فلما رأى الهدي في الوادي، عاد أدراجه دون أن يقابل النبي ﷺ وأخبر قريشا بما رأى وهدّدهم أعنف تهديد.
بل إن هذه الدعاية كادت أن تثير حربا أهلية داخل مكة بين قريش نفسها من جهة وبين قريش والأحابيش من جهة أخرى.
أما عثمان بن عفان ﵁ فقد استطاع أن يتصل بالمسلمين في مكة حين بعثه الرسول ﷺ لمفاوضة قريش ويوجههم الى أهداف الإسلام الحيوية.
لقد كانت غزوة الحديبية حرب دعاية من الطراز الأول.
نتائج الحديبية
١- أهم نتائج غزوة الحديبية هي ما يأتي:
أ- اعتبار المسلمين طرفا مساويا لقريش، وهذا أول اعتراف بالدولة الإسلامية من أشد أعدائها وأقواهم في الحجاز.
لقد كانت قريش تعتبر المسلمين من قبل عصاة شقوا عليها عصا الطاعة، ولم تكن تعتبرهم ندا لها قدرا وقيمة وقوة ومكانة.
стр. 254
ب- أصبح المجال مفتوحا أمام الرسول ﷺ لمحالفة القبائل التي لم تكن تطمئن الى محالفته، لقوة قريش ولوجود الكعبة في مكة، وبذلك قوي جانب المسلمين وكثر حلفاؤهم وازدادت قوتهم الضاربة.
ج- التفريق بين قريش وحلفائها الطبيعيين يهود خيبر الذين كانوا لا ينفكون يحرّضون القبائل على الرسول ﷺ .
د- الاستقرار الذي أمّن التفرّغ للدعوة وانتشار الإسلام.
هـ- نجاح المسلمين في الحصول على الحياد المسلح: المسلمون محايدون ومشردوهم الذين فروا بدينهم من قريش وحلفائها مسلحون يقاتلون.
وإثارة المسلمين للرأي العام ضد قريش لصدّها المسلمين عن زيارة البيت الحرام وتعظيمه، مما أكسب المسلمين عطف كثير من القبائل وكثير من قريش نفسها وكثير من أهل المنطقة المجاورة لقريش، مما سهّل عملية فتح مكة عليهم فيما بعد.
٢- هذه هي نتائج (الحديبية) ، وهي بعض أهداف الرسول ﷺ البعيدة التي لم يستطع المسلمون إدراكها في حينه، فلما عادوا الى المدينة واستقر بهم المقام هناك ورأو بعض تباشير هذه النتائج، قال أبو بكر الصديق ﵁ معبرا عن رأي المسلمين: (لم يجلب نصر للإسلام ما جلب صلح الحديبية) .
ثم نزل في هذا النصر قول الله تعالى: (إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً) «١» .
وبدأ المسلمون حينذاك يلمسون بعد نظر الرسول ﷺ وتباشير ما بشّرهم به من فتح قريب.
ثمرات الحديبية
الموقف العام
١- المسلمون:
أتاح الاستقرار الذي كان من ثمرات هدنة الحديبية للمسلمين، التفرّغ للتبشير بالدعوة الإسلامية داخل شبه الجزيرة العربية كلها وخارجها، فأوفد الرسول ﷺ دعاته الى الملوك والأمراء والرؤساء النابهين يدعوهم الى الإسلام.
وقد أصبحت المنطقة الكائنة جنوب المدينة أمينة بالنسبة للمسلمين، ولم يبق أمام الرسول ﷺ بعد الحديبية غير خصمين: يهود في منطقة (خيبر) وما حولها، والأعراب في شمال المدينة المنورة.
وكان الموقف يتطلب القضاء على هذين الخصمين ليتفرغ المسلمون بعد إكمال حشد قواتهم الى خصمهم الأكبر: قريش، والى هدفهم الرئيس: مكة المكرمة.
٢- المشركون:
لقد كسدت تجارة قريش قبل الهدنة، فأرادت بعد عقدها أن تعود الى إرسال قوافلها التجارية على طريق مكة- الشام، بعد أن حرمت من سلوكها مدة طويلة.
وفعلا تحركت قوافلها الى الشام، ولكن أبا بصير وأصحابه المغاوير «١»
стр. 257
الذين ردّهم المسلمون الى قريش تنفيذا لشروط هدنة الحديبية؛ حدّدوا حرية حركة قواقل قريش الى الشام، فأخذوا يتعرضون بكل قافلة تمر بهم فيقضون على حراسها ويعبثون بأموالها، بعد أن تركوا أهلهم وأموالهم بمكة، وآثروا الجهاد دفاعا عن عقيدتهم على العودة الى أهليهم وذويهم.
ولم تنعم قريش بنعمة الاستقرار إلا بعد أن سألت الرسول ﷺ بإلحاح شديد أن يؤوي إليه أبا بصير وأصحابه متنازلة بمحض إرادتها للمسلمين عن شرط الهدنة، الذي يقضي بردّ المسلمين الذين يقصدون المدينة بدون موافقة أوليائهم الى قريش.
٣- يهود:
استمرّ يهود (خيبر) وما جاورها على تحريض القبائل وجمع الأحلاف ضد المسلمين وقذف الإسلام بالنهم الباطلة وإيواء أعداء المسلمين والغدر بالمسلمين كلما وجدوا الى ذلك سبيلا.
لقد كانوا موطن خطر يتهدد المسلمين في شمال المدينة المنورة، وقد حرمتهم الهدنة من معاونة قريش، فاستمالوا غطفان لمعاونتهم عندما يتهدّدهم خطر المسلمين.
إنهم ينظرون الى مصلحتهم الخاصة، ولا يبالون لكي يحصلوا عليها أن يستخدموا أية وسيلة ...
الهدف الحيوي للمسلمين
إكمال حشد قوى المسلمين استعدادا لمعركة الإسلام الحاسمة ضد قريش.
стр. 258
غزوة خيبر «١»
١- أسباب الغزوة:
أ- أسباب مباشرة:
القضاء على تحريض القبائل العربية يهود ضد المسلمين.
ب- أسباب غير مباشرة:
القضاء على يهود نهائيا في منطقة المدينة المنورة للتخلص من أقوى أعداء المسلمين في المنطقة الشمالية، ولتكون تلك المنطقة أمينة عندما يحين موعد محاسبة قريش.
٢- قوات الطرفين:
أ- المسلمون:
ستمائة وألف رجل بينهم مائتا فارس بقيادة الرسول ﷺ ، وهي القوات التي حضرت غزوة (الحديبية) .
ب- يهود:
يهود خيبر الذين يقدّرون بألف وأربعمائة نسمة بقيادة سلّام بن مشكم.
٣- الهدف:
القضاء على يهود للتخلص من المشاكل الخطيرة التي يعملون على خلقها وإثارتها ضد المسلمين.
стр. 259
٤- سير الحوادث:
أ- الأعمال التمهيدية:
أقام الرسول ﷺ حوالي الشهر الواحد في المدينة المنورة بعد عودته من (الحديبية) ، ثم تحرّك بأصحابه الى مواضع (الرّجيع) من أرض غطفان، ليحول بين تعاون يهود خيبر وغطفان حلفائهم في قتال المسلمين؛ إذ استطاع يهود أن يضمنوا معاونة غطفان لهم إذا داهمهم الخطر، وبهذه الحركة استطاع الرسول ﷺ إيهام غطفان بأن الهجوم موجّه ضدهم وأن قوات المسلمين توشك أن تطوّقهم.
وعاد الرسول ﷺ الى خيبر، ولكنه أرسل مفرزة من أصحابه لمباغتة ديار غطفان بعد أن تركتها قوات غطفان الضاربة لمعاونة يهود. ونجحت هذه المفرزة في إلقاء الرعب في ديار غطفان، مما اضطر هذه القبيلة الى الإسراع بالعودة الى ديارها لحمايتها من تهديد المسلمين، وتركت يهودا وحدهم أمام المسلمين. وهكذا نجحت خطة الرسول ﷺ في عزل يهود عن غطفان حلفائهم.
ب- القتال:
وصلت قوات المسلمين قرية (خيبر) ليلا، فلم يعرف يهود أنهم أصبحوا مطوّقين بقوات المسلمين إلا عند خروج قسم من الفلاحين صباحا ليباشروا أعمالهم، فلما رأوا جيش المسلمين عادوا أدراجهم «١» .
стр. 260
وبدأ قتال المدن والأحراش بين المسلمين ويهود، ولم يكن هذا القتال سهلا، لأن (خيبر) محصّنة تكتنفها البساتين، ولأن يهود خيبر أقوياء مسلحون أغنياء.
أدخل يهود أموالهم وعيالهم حصني (الوطيح) و (السلالم) ، وأدخلوا ذخائرهم حصن (ناعم) ، ودخلت قواتهم حصن (نطأة) .
وابتدأ هجوم المسلمين بشدة من أول يوم للتأثير على معنويات يهود، حتى بلغ عدد جرحى المسلمين في هذا اليوم خمسين جريحا.
وخرجت مفرزة من يهود لمقاتلة المسلمين بالعراء بقيادة الحارث بن أبي زينب بعد أن قتل سلّام بن مشكم، ولكنّ الخزرج اضطروهم بهجوم مضاد الى الالتجاء الى حصونهم.
واستمات المسلمون في الهجوم، واستمات يهود في الدفاع، إذ كانوا يعلمون علم اليقين أن اندحارهم معناه القضاء الأخير عليهم في شبه الجزيرة العربية.
ركز المسلمون هجومهم الرئيس على حصن (ناعم) وبقيت قوات المسلمين الثانوية تشاغل الحصون الأخرى، كي تمنع قوات يهود من التعاون فيما بينها وتحرمها من معرفة اتجاه الهجوم الرئيس للمسلمين.
واستمر الهجوم العنيف على حصن (ناعم) ثلاثة أيام: بقي يهود داخل الحصن في اليومين الأولين، وخرجوا منه في اليوم الثالث للقتال خارجه بعد تشديد الحصار عليهم في اليومين السابقين، فانتهز المسلمون فرصة خروجهم ودارت حول الحصن معركة في العراء قتل فيها قائد يهود الحارث بن أبي زينب، فاستسلم حصن (ناعم) المنيع للمسلمين.
أثّر سقوط هذا الحصن في معنويات يهود، فاستسلم بعده حصن (القموص) بعد قتال عنيف، ولكنّ إعاشة المسلمين نفدت، فوجهوا هجومهم الرئيس على حصن الصعب بن معاذ الذي كان يهود قد كدّسوا فيه أرزاقهم وكثيرا من
стр. 261
المواد الغذائية، فاستطاعوا الاستيلاء على هذا الحصن، واستفادوا من مواد الإعاشة المتيسرة فيه، مما خفف عنهم وطأة المشكلة الإدارية.
واستمات يهود بعد ذلك في الدفاع عن حصونهم الأخرى، والحق أن دفاعهم عن حصونهم كان دفاعا مستميتا!
وركز المسلمون هجومهم على حصن (الزبير) ، ولكنه استعصى عليهم؛ فقرروا قطع الماء عنه، وبذلك اضطروا يهود المدافعين فيه على الخروج عنه، فقاتلهم المسلمون في العراء وقضوا على أكثرهم، وألجأوا الباقين من يهود الى الفرار.
وأخذت الحصون تسقط بالتعاقب بيد المسلمين، حتى سقطت الحصون كلها إلا حصني (الوطيح) و (السلالم) ، وكانا آخر حصنين منيعين ليهود.
وتجمعت قوات المسلمين كلها حول هذين الحصنين، وضيّقوا الحصار عليهما، وحين ذاك طلب يهود الصلح على أن يحقن المسلمون دماءهم.
وقبل رسول الله ﷺ استسلامهم بشرط حقن دمائهم، وأبقاهم على أرضهم على أن يكون لهم نصف ثمرها مقابل عملهم فيها، لأن موقف المسلمين لم يكن يساعد على الاستغناء عن قسم من قواتهم لزراعة الأرض.
لقد كانوا بحاجة الى كل قادر على حمل السلاح للدفاع عن الإسلام.
٥- خسائر الطرفين:
أ- المسلمون:
واحد وعشرون شهيدا مع كثير من الجرحى. أنظر الملحق (ح) .
ب- يهود:
كانت خسائرهم في الأرواح كبيرة جدا، كما خسروا أموالهم وأملاكهم.
стр. 262
نهاية يهود في شبه الجزيرة العربية
١- يهود فدك «١» :
بعث الرسول ﷺ بعد انتهاء معركة (خيبر) الى أهل (فدك) من يهود يدعوهم الى الاسلام أو الاستسلام للمسلمين، وكانت معنوياتهم ضعيفة جدا فصالحوا المسلمين بنفس شروط (خيبر) دون قتال.
٢- يهود وادي القرى «٢» :
عاد المسلمون الى المدينة على طريق (وادي القرى) فأنجز يهود هناك استحضاراتهم للقتال.
ونشبت معركة محدودة استمرت بضع ساعات انتهت باستسلام يهود للمسلمين، حيث فتحت (وادي القرى) أبوابها عنوة فصالحهم الرسول ﷺ على ما صالح عليه يهود (خيبر) .
٣- يهود تيماء «٣» :
استسلم يهود (تيماء) بدون قتال للمسلمين بنفس شروط يهود خيبر أيضا.
٤- النتائج:
القضاء على يهود عسكريا في شبه الجزيرة العربية.
стр. 263
سرايا تأديب الأعراب
١- الهدف:
توطيد الأمن في المنطقة الشمالية للمدينة المنورة بصورة خاصة، ومنع غارات الأعراب على المدينة، وحماية الدعاة من غدر القبائل.
٢- الحوادث:
راجع الملحق المرفق، الملحق (ط) .
أ- سرية عمر بن الخطاب الى تربة «١» :
بعث رسول الله ﷺ في شعبان سنة سبع الهجرية عمر بن الخطاب ﵁ في ثلاثين رجلا الى عجز هوازن بتربة؛ فخرج ومعه دليل من بني هلال، فكان يسير الليل ويكمن النهار، فأتى الخبر هوازن فهربوا، فلم يلق عمر منهم أحدا، فانصرف راجعا الى المدينة المنورة.
ب- سرية أبي بكر الصديق الى بني كلاب بنجد:
بعث رسول الله ﷺ في شعبان سنة سبع الهجرية أبا بكر الصديق ﵁ الى بني كلاب بنجد ناحية (ضرّية) «٢» فهاجمهم في الصباح الباكر وقتل منهم وسبى آخرين، ثم عاد الى المدينة المنورة.
стр. 264
ج- سرية بشير بن سعد الأنصاري الى فدك:
بعث رسول الله ﷺ في شعبان سنة سبع الهجرية بشير بن سعد الأنصاري في ثلاثين رجلا الى بني (مرّة) بفدك، فخرج يلقى رعاء الشاء، فسأل عن بني مرّة، فقيل له: إنهم بواديهم، فاستاق النعم والشاء وانحدر الى المدينة المنورة.
وخرج الصريخ فأخبر بني مرّة، فأدركوا المسلمين عند الليل، فرموهم بالنبل حتى فنيت نبل أصحاب بشير، فلما أصبحوا حمل بنو مرة على المسلمين فقتلوهم وجرحوا بشيرا حتى ظنّ أنه مات، ولكنه عاد الى المدينة المنورة حيث شفي من جراحه هناك.
د- سرية غالب بن عبد الله الليثي الى الميفعة «١» :
بعث رسول الله ﷺ في رمضان سنة سبع الهجرية غالب بن عبد الله الى عوال وبني عبد بن ثعلبة وهم بالميفعة، وبعث معه مائة وثلاثين رجلا؛ فهجموا عليهم وقتلوا بعضهم ولم يأسروا أحدا، واستاقوا نعما وشاء الى المدينة المنورة.
هـ- سرية بشير بن سعد الأنصاري الى يمن «٢» وجبار «٣» :
بلغ رسول الله ﷺ أن جمعا من غطفان بالجناب «٤» قد واعدهم عيينة بن
стр. 265
حصن ليكون معهم في الزحف الى المدينة، فدعا رسول الله ﷺ بشير بن سعد في شوال سنة سبع الهجرية وعقد له لواء وبعث معه ثلاثمائة رجل، فساروا الليل وكمنوا النهار حتى أتوا (يمن) و (جبار) وهي نحو (الجناب) ، فنزلوا ب (سلاح) «١» ثم دنوا من القوم فأصابوا لهم نعما كثيرا. وتفرّق الرعاء فحذّروا القوم فتفرقوا وخرج بشير حتى أتى منطقتهم فلم يجد فيها أحدا، فرجع بالنعم وأصاب منهم رجلين أسرهما وقدم بهما المدينة فأسلما.
وسرية ابن أبي العوجاء السّلمي الى بني سليم:
بعث رسول الله ﷺ في ذي الحجّة سنة سبع الهجرية ابن أبي العوجاء السّلمي في خمسين رجلا الى بني سليم، فخرج إليهم، فتقدّمه عين لهم كان محذّرهم، فحشدوا جمعهم وقاتلوا المسلمين وأحدقوا بهم من كل ناحية؛ فقاتل المسلمون قتالا شديدا حتى قتل عامتهم وأصيب ابن أبي العوجاء جريحا مع القتلى، ثم تحامل حتى بلغ المدينة في أول يوم من صفر سنة ثمان الهجرية.
ز- سرية غالب بن عبد الله الليثي الى بني الملوّح بالكديد «٢» :
بعث رسول الله ﷺ في صفر سنة ثمان الهجرية غالب بن عبد الله الليثي ثم أحد بني كلب بن عوف في سرية مؤلفة من بضعة عشر رجلا، وأمرهم أن يشنوا الغارة على بني الملّوح بالكديد، وهم من بني ليث.
وخرج غالب حتى إذا كان (بقديد) «٣» لقي رجلا زعم أنه خرج الى رسول الله ﷺ يريد الإسلام، فحجزه غالب وقال له: (إن تكن مسلما لم يضررك رباطنا يوما وليلة، وإن تكن على غير ذلك نستوثق منك) ، وبذلك قطع غالب دابر احتمال أن يكون هذا الرجل عينا لبني الملوح.
стр. 266
وسار المسلمون حتى أتوا (الكديد) عند غروب الشمس، فكمنوا في ناحية الوادي، فلما نام بنو الملوح شنوا عليهم الغارة واستاقوا النعم، وعادوا الى المدينة المنورة.
ح- سرية غالب بن عبد الله الليثي الى فدك:
بعث رسول ﷺ في صفر سنة ثمان الهجرية غالب بن عبد الله الليثي في مائتي رجل معهم أسامة بن زيد الى مصاب أصحاب بشير بن سعد. راجع ما جاء منها في الفقرة (ج) .
فخرج غالب وخطب أصحابه فقال: (لا تعصوني، فإن رسول الله ﷺ قال:
(من أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصاه فقد عصاني، وإنكم متى ما تعصوني تعصون نبيكم) ، فأغار المسلمون على بني (مرّة) مع الصبح فقتلوا منهم قتلى وأصابوا منهم نعما ثم عادوا الى المدينة، وقد أعطوا بني مرة درسا قاسيا لقتلهم سرية بشير بن سعد.
ط- سرية شجاع بن وهب الأسدي الى بني عامر بالسّيّ «١» :
بعث رسول الله ﷺ في ربيع الأول سنة ثمان الهجرية شجاع بن وهب الأسدي في أربعة وعشرين رجلا الى جمع من هوازن ب (السّيّ) ناحية (ركبة) «٢» من وراء (المعدن) «٣» وأمره أن يغير عليهم، فسار المسلمون ليلا وكمنوا نهارا حتى صبحوهم وهم غارّون، فأصابوا نعما كثيرا وشاء، فاستاقوا ذلك حتى قدموا المدينة بعد أن غابت السرية خمس عشرة ليلة.
стр. 267
ي- سرية كعب بن عمير الغفاري الى ذات أطلاح «١» :
بعث رسول الله ﷺ في شهر ربيع الأول سنة ثمان الهجرية كعب بن عمير الغفاري في خمسة عشر رجلا حتى انتهوا الى (ذات أطلاح) من أرض الشام، فوجدوا جمعا من المشركين فدعوهم الى الاسلام فلم يستجيبوا لهم ورشقوهم بالنبل؛ فلما رأى ذلك أصحاب رسول الله ﷺ قاتلوهم أشدّ القتال حتى قتلوا وأفلت منهم رجل جريح في القتلى، فلما برد عليه الليل تحامل حتى أتى رسول الله ﷺ ، فأخبره الخبر فشقّ عليه ذلك. وهمّ أن يبعث إليهم من يؤدبهم لولا أنه علم بأنهم ارتحلوا الى موضع آخر.
٣- النتائج:
أ- توطيد هيبة المسلمين في المنطقة الشمالية (شمال المدينة) .
ب- حماية الدعاة من غدر القبائل بهم.
ج- انتشار الاسلام بين القبائل الشمالية.
غزوة مؤتة «٢»
١- أسباب الغزوة:
أ- تأديب الأعراب الذين غدروا بدعاة المسلمين ب (ذات أطلاح) على حدود الشام.
ب- تأديب شرحبيل بن عمرو الغساني عامل هرقل «٣» في القسطنطينية على
стр. 268
(بصرى) ومن ينصره من القبائل، لسكوته عن اغتيال حامل رسالة الرسول ﷺ إليه.
٢- قوات الطرفين:
أ- المسلمون:
ثلاثة آلاف مسلم بقيادة زيد بن حارثة الكلبي فجعفر بن أبي طالب فعبد الله بن رواحة بالتعاقب.
ب- المشركون والروم:
مائة ألف من الروم بقيادة هرقل قيصر الروم ومثلها من القبائل الموالية بقيادة شرحبيل بن عمرو الغساني، كما نذكر كثير من المصادر التاريخية، ولكنني أعتقد أن هذا العدد مبالغ فيه كثيرا وأن الجيش لم يكن بقيادة هرقل نفسه، بل بقيادة أحد قادة جيوشه.
٣- الهدف:
تأديب القبائل لغدرها بالمسلمين، وإظهار قوة المسلمين للروم والقبائل المتاخمة للشام، ولاستطلاع قوة وكفاية قبائل الحدود المتاخمة لأرض الشام، وقوة وكفاية الروم أيضا، وطبيعة الأرض هناك.
٤- سير الحوادث:
أ- الأعمال التمهيدية:
خرج المسلمون في جمادى الأولى من السنة الثامنة الهجرية، فودّعهم الرسول ﷺ والمسلمون وأوصاهم: (ألا يقتلوا النساء والأطفال ولا المكفوفين وألا يهدموا المنازل ولا يقطعوا الأشجار) .
وصلت قوات المسلمين (معان) «١» من أرض الشام، ولكنّ أنباء حركتهم
стр. 269
وصلت الى الروم قبل وصول المسلمين إليهم، فحشدوا قواتهم في (مآب) «١» من أرض البلقاء. فلما علم المسلمون بأمر جموع الروم المتفوقة على قواتهم فواقا ساحقا، تذاكروا بينهم، فرأى بعضهم أن يكتبوا الى النبي ﷺ يخبرونه بالموقف الراهن ويتلقّوا أوامره النهائية؛ ولكنّ أكثرهم رأى أن يمضوا الى هدفهم مهما تكن النتائج. قال لهم عبد الله بن رواحة: (يا قوم! والله إنّ التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون: الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوّة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به؛ فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين: إما ظهور وإما شهادة) ...
قال الناس: (صدق ابن رواحة) .
ب- القتال:
تحرّك المسلمون نحو جيوش الروم وحلفائهم من القبائل فحصلوا على التماس الأول في قرية (مشارف) «٢» بتخوم البلقاء.
ولكنّ المسلمين رأوا أن منطقة قرية (مؤتة) - بين الكرك والطفيلة- أنسب لقبول المعركة فيها، وذلك لوجود العوارض الطبيعية التي يستطيعون التحصّن بها نظرا لقلة قوتهم بالنسبة الى الأعداء.
بدأ القتال بين قوتين غير متكافئتين عددا وعددا، وقد لاحظ المسلمون تفوّق الروم وحلفائهم عليهم، ولكنهم لم يكترثوا بذلك.
وبدأ هجوم المسلمين باندفاع زيد بن حارثة ﵁ بالراية إلى صفوف العدو، فحارب مستقتلا مستميتا حتى مزقته رماح العدو.
стр. 270
وتناول الراية جعفر بن أبي طالب ﵁ واندفع بها فأصيبت يده اليمنى، فتناول الراية بشماله فقطعت أيضا، فاحتضن الراية بعضديه حتى استشهد.
وأخذ عبد الله بن رواحة الراية، فقاتل بها حتى قتل أيضا.
وتناول الراية ثابت بن أقرم البلوي، فهتف بالمسلمين: (يا قوم اصطلحوا على رجل منكم) ...
واصطلح الناس على خالد بن الوليد ﵁.
ج- الانسحاب «١» :
قرّر خالد بن الوليد ﵁ الانسحاب من هذه المعركة لانقاذ قوات المسلمين من المأزق الحرج الذي وقعوا فيه، واستفاد من حلول الظلام، فأعاد تنظيم قواته وألّف مؤخرة قوية لحماية الانسحاب.
قامت مؤخرة المسلمين بقتال التعويق لإحباط مطاردة العدو للمسلمين وإنقاذ القسم الأكبر من قوات المسلمين من التطويق الذي يعقبه الفناء، وقد انتشرت مؤخرة المسلمين في جبهة واسعة وأحدثت ضجة عالية لإيهام العدو بقدوم إمدادات جديدة للمسلمين، ولحرمان العدو من معرفة انسحاب قوات المسلمين حتى لا يطاردها العدو فيكبدها خسائر فادحة، وبذلك استطاعت هذه المؤخرة النجاح في مهمتها، فلم يتكبد المسلمون في انسحابهم خسائر تذكر على الرغم من أن حركة الانسحاب من أصعب الحركات العسكرية، لاحتمال انقلاب الانسحاب إلى هزيمة، والهزيمة كارثة تؤدي إلى خسائر فادحة بالمنهزمين «٢» .
стр. 271
وعاد المسلمون إلى المدينة ليستقبلهم أهل المدينة من المسلمين يحثون التراب في وجوههم قائلين لهم: (يا فرّار! أفررتم في سبيل الله) ؟!
ولكنّ الرسول ﷺ أجابهم: (إنهم ليسوا بالفرار، ولكنهم الكرّار إن شاء الله) .
٥- خسائر الطرفين:
أ- المسلمون:
استشهد من المسلمين اثنا عشر رجلا. انظر الملحق (ي) .
ب- الروم والمشركون:
كانت خسائرهم أضعاف خسائر المسلمين مما أثّر في معنوياتهم، ولذلك لم يقوموا بمطاردة المسلمين مطاردة حاسمة تقضي على قواتهم كلها.
٦- النتيجة:
كانت معركة (مؤتة) معركة استطلاعية أفادت المسلمين كثيرا في معرفة خواص قوات الروم وأساليب قتالها، وخواص حلفائها من القبائل وأساليب قتالهم وقوتهم، فأفادوا من هذه المعلومات في قتالهم بعد ذلك ضد الروم.
ولا تعدّ خسائر المسلمين الطفيفة شيئا يذكر بجانب الفائدة العسكرية التي أفادوها من الاطلاع على خواص قوات الروم وحلفائها وتنظيمها وتسليحها وأساليب قتالها، مما سنرى أثره في المعارك التي خاضها المسلمون فيما بعد.
غزوة ذات السلاسل «١»
١- أسباب الغزوة:
أ- أخذ ثأر المسلمين من القبائل التي اشتركت في غزوة (مؤتة) ، وهي من لخم وجذام وبلقين وبهراء وبليّ وطيء وعذرة.
стр. 272
ب- ضرب حشود قضاعة الذين اعتزموا مهاجمة المسلمين في المدينة.
٢- سير الحوادث:
قرّر الرسول ﷺ بعد عودة المسلمين من غزوة (مؤتة) أن يسترد هيبة المسلمين في المنطقة الشمالية للمدينة المنورة، فأرسل عمرو بن العاص يستنفر العرب الى الشام؛ وذلك لأن والدة عمرو من قبائل تلك المنطقة، فمن السهل عليه أن يستميلهم الى جانبه.
فلما وصل ماء (ذات السلاسل) من أرض جذام، خشي كثرة عدوه، فطلب من الرسول ﷺ أن يمده بالرجال، وبقي ينتظر المدد في موضع (ذات السلاسل) .
بعث الرسول ﷺ جيشا من المهاجرين الأولين في مائتين: فيهم أبو بكر وعمر بقيادة أبي عبيدة بن الجراح ﵃، وأمره حين وجّهه نجدة لعمرو: (ألّا يختلفا وأن يكونا جميعا) .
ولما وصل أبو عبيدة بن الجراح، قال له عمرو: (إنما جئت مددا لي) .
قال أبو عبيدة: (لا، ولكني على ما أنا عليه، وأنت على ما أنت عليه) !
قال عمرو: (أنت مدد لي) .
قال أبو عبيدة: (يا عمرو! إنّ رسول الله قال لي: لا تختلفا، وإنك إن عصيتني أطعتك) ...
أخذ عمرو يطارد القبائل الموالية للروم، فتوغل في ديار قبائل بليّ وعذرة وبلقين وطيء، وكلما انتهى الى موضع فرّت القبائل التي كانت فيه، واستطاع مرة واحدة الاصطدام بجموع من القبائل، ولكنها فرّت لا تلوي على شيء! ...
وبذلك شتت عمرو بن العاص جموع قبائل الشام، وأعاد هيبة المسلمين الى نفوس القبائل القاطنين هناك.
стр. 273
سرية الخبط «١»
بعث رسول الله ﷺ في رجب سنة ثمان الهجرية أبا عبيدة بن الجراح ﵁ في ثلاثمائة رجل من المهاجرين والأنصار وفيهم عمر بن الخطاب ﵁، الى حيّ من جهينة ب (القبلية) «٢» مما يلي ساحل البحر الأحمر، فأصابهم في الطريق جوع شديد، فأكلوا الخبط وابتاع قيس بن سعد جزرا ونحرها لهم وانصرفوا ولم يلقوا كيدا.
سرية أبي قتادة الأنصاري إلى خضرة «٣»
بعث رسول الله ﷺ في شعبان سنة ثمان الهجرية أبا قتادة بن ربعي الأنصاري ومعه خمسة عشر رجلا الى غطفان، وأمره أن يشنّ عليهم الغارة، فسار الليل وكمن النهار، ثم هجم على حاضر «٤» منهم عظيم فأحاط بهم، فصرخ رجل منهم: يا خضرة! وقاتل منهم رجال فقتل المسلمون بعضهم واستاقوا النعم والشاء وعادوا الى المدينة بعد أن غابوا عنها خمس عشرة ليلة.
سرية أبي قتادة الأنصاري إلى بطن إضم «٥»
لما همّ رسول الله ﷺ بغزو أهل مكة، بعث أبا قتادة الأنصاري في أول
стр. 274
شهر رمضان سنة ثمان الهجرية في ثمانية نفر سرية الى بطن (إضم) فيما بين (ذي خشب) و (ذي المروة) وبينها وبين المدينة ثلاثة برد، ليظن ظان أن رسول الله ﷺ توجه الى تلك الناحية حتى تذهب بذلك الأخبار فلا يعرف المشركون نياته الحقيقية في مهاجمة أهل مكة.
وصلت السرية هدفها دون أن تلقى كيدا، فلما بلغهم أن المسلمين توجهوا الى مكة انصرفوا حتى لقوا النبي ﷺ .
دروس من ثمرات الهدنة
١- القضايا التعبوية:
أ- المباغتة:
حركة الرسول ﷺ الى اتجاه (الرجيع) وعودته الى (خيبر) وقيامه بارسال مفرزة صغيرة الى ديار غطفان ليجبرها على العودة لحماية أموالها وذراريها والنكوص عن معاونة حلفائها يهود في محنتهم، أدّى الى إيهام غطفان بأن الرسول ﷺ يريدهم بقواته، وإيهام يهود بأنه يريد غطفان ولا يريدهم، كل ذلك كان مباغتة كاملة لليهود وغطفان على حد سواء.
كما يعتبر مسير اقتراب «١» قوات المسلمين الى (خيبر) ووصولها ليلا الى منطقة (خيبر) دون أن يستطيع يهود معرفة وصولها، يعتبر ذلك مثالا متميزا لضبط المسير ومباغتة فذّة لليهود.
هذه المباغتة في المكان والزمان حالت دون تعاون يهود مع حلفائهم وضمنت النصر للمسلمين عليهم، بالرغم من استقتالهم ورصانة حصونهم وتيسر قضاياهم الإدارية بشكل متميّز للغاية.
стр. 275
ب- قتال المدن والأحراش:
خطة الرسول ﷺ في الاستيلاء على حصون يهود المنيعة، كانت تتلخص بمشاغلة بعضها بقوات صغيرة، وتركيز الهجوم على حصن واحد بقواته الرئيسة، حتى يتم له الاستيلاء على الحصن، ثم ينتقل بهجومه المركّز الى حصن آخر.
كما أنه قسّم قواته الى أقسام بالنسبة الى قبائلها وبطونها، وجعل لكل قسم منها قائدا، حتى يشتدّ التنافس بين القوات، ولكي يقوم بعضها بالمشاغلة بينما يأخذ الباقي قسطه من الراحة ليستأنف القتال مرتاحا عند الحاجة.
إنّ هذه الخطة تتفق مع أحدث الخطط العسكرية الحديثة في قتال المدن والأحراش.
ولو أنه قاتل بأسلوب (الكر والفر) ، أو بأسلوب (الصفوف) في مثل هذا الموقف، لما كتب للمسلمين النصر على يهود.
ج- الانسحاب:
يعتبر نجاح خالد بن الوليد ﵁ في انسحابه من (مؤتة) تجاه قوات متفوقة على قوته فواقا ساحقا، يعتبر هذا الانسحاب عملا عسكريا فذّا.
كما أن أسلوب قتال مؤخرة قوات المسلمين كان رائعا حقّا: احتلت جبهة واسعة لتجبر العدو على الانفتاح على جبهة واسعة أيضا، مما يضعف قواته، وأثارت تلك المؤخرة ضجّة عظيمة، مما جعل العدو يعتقد بوجود قوات كبيرة للمسلمين جاءت مددا لهم.
كل ذلك أنقذ قوة القسم الأكبر «١» للمسلمين من التطويق، وسهّل عليهم عملية الانسحاب.
стр. 276
٢- المعنويات:
أثّرت عمرة القصاء في معنويات قريش تأثيرا كبيرا.
وقف كثير من قريش عند دار الندوة بمكة، كما عسكر آخرون فوق الجبال والهضاب المحيطة بها ليشاهدوا دخول الرسول ﷺ وأصحابه مكة والبيت الحرام وسعيهم بين الصفا والمروة.
فلما دخل رسول الله ﷺ المسجد اضطبع بردائه وأخرج عضده اليمنى ثم قال: (رحم الله امرءا أراهم اليوم من نفسه قوة) ثم استلم الركن وأخذ يهرول ويهرول أصحابه معه حتى واراه البيت عن قريش.
والتطواف بهذه السرعة إظهار لقوة المسلمين وتكذيب لإشاعات الضعف التي زعمتها قريش للناس.
في هرول وهرول أصحابه حين سعوا بين الصفا والمروة.
ونحر الرسول ﷺ وأصحابه الهدي عند المروة، ثم بقي بمكة ثلاثة أيام وعاد بعدها الى المدينة، وهو لا يشك بتأثير ما رأته قريش من قوة المسلمين ومن ضبطهم وإطاعتهم للرسول ﷺ ومن تعظيمهم للبيت الحرام في معنويات قريش، فلم يكد يترك مكة حتى وقف خالد بن الوليد ﵁ يقول في جمع من قريش قائلا: (لقد استبان لكل ذي عقل أن محمدا ليس بساحر ولا شاعر، وأن كلامه من كلام رب العالمين، فحقّ على كل ذي لب أن يتبعه) .
وسمع أبو سفيان بن حرب بما كان من قول خالد بن الوليد، فبعث في طلبه وسأله عن صحة ما سمع عنه، فأكد له خالد صحته، فاندفع أبو سفيان الى خالد في غضبه، فحجز عنه عكرمة بن أبي جهل وكان حاضرا! وقال:
(مهلا يا أبا سفيان! فو الله خفت أن أقول مثل ما قال خالد وأكون على دينه.
стр. 277
أنتم تقتلون خالدا على رأي رآه، وهذه قريش كلها تبايعت عليه، والله لقد خفت ألا يحول الحول حتى يتبعه أهل مكة كلهم) .
وأسلم من بعد خالد عمرو بن العاص وحارس الكعبة نفسها عثمان بن طلحة ﵃؛ بل ظهر الإسلام في كل بيت من قريش سرا وعلانية.
إنّ عمرة القضاء فتحت أبواب قلوب أهل مكة قبل أن يفتح المسلمون أبواب مكة نفسها بعد حين.
٣- الامانة:
أ- حرص المسلمون على الوفاء بعهودهم كل الحرص، ولم يحاولوا بتاتا أن ينتهزوا الفرص السانحة للقضاء على خصومهم حرصا على الوفاء بتلك العهود.
كان بامكان المسلمين احتلال مكة في أيام عمرة القضاء والبقاء فيها، وفعلا أراد عبد الله بن رواحة ﵁ أن يقذف في وجه قريش بصيحة الحرب، فصدّه عمر بن الخطاب ﵁ وصدّه الرسول ﷺ .
ب- كان المسلمون في غزوة خيبر يعانون أشد العناء من نقص في مواد إعاشتهم حتى جاءت جماعة من المسلمين الى الرسول ﷺ يشكون اليه قلة مئونتهم ويطلبون اليه إعطاءهم ما يسدون به رمقهم، فلم يجد شيئا يعطيهم إياه، وأذن لهم بأكل لحوم الخيل على ندرتها وقيمتها العسكرية الكبيرة حين ذاك.
في هذا الموقف العصيب، أقبل عبد حبشي بغنمه على رسول الله ﷺ فأسلم، ثم قال: (يا نبي الله! إن هذه الغنم عندي أمانة) ، وكانت هذه الغنم تعود الى يهودي من (خيبر) . قال له الرسول ﷺ : (أخرجها من عندك وارمها بالحصباء، فإن الله سيؤدي عنك أمانتك) ...
فعل العبد ما أمره به الرسول ﷺ ، فرجعت الغنم الى صاحبها، فعلم اليهودي أن غلامه أسلم.
стр. 278
إنّ مثل هذه الأمانة في مثل هذا الموقف تدعو الى الإعجاب والتقدير الشديدين.
٤- إكمال الحشد:
أ- الهدف:
حشد أكبر قوة ممكنة من المسلمين للقيام بالعمل الحاسم: فتح مكة وتوحيد شبه الجزيرة العربية، لتكون القاعدة الأمينة لحركات المسلمين المقبلة، لنشر الإسلام بين الناس كافة، وتأسيس الدولة الإسلامية.
ب- عودة مهاجري الحبشة:
التجأ قسم من المسلمين الى الحبشة قبل هجرة الرسول ﷺ الى المدينة فرارا من أذى قريش، وبقوا هناك بضعة عشر عاما، حتى أصبح سلطان المسلمين قويا، ولم يبق هناك مبرر لبقائهم في الحبشة بعيدين عن إخوانهم المسلمين الذين يحتاجون لمعاونتهم في نشر الدعوة وتوطيد دعائم الإسلام.
وفعلا بعث الرسول ﷺ الى النجاشي يطلب إليه إعادة مهاجري الحبشة، فعادوا الى المدينة بعد فتح (خيبر) مباشرة، ففرح المسلمون بقدوم هؤلاء المهاجرين، واندمجوا بقوات المسلمين ليقوموا بواجبهم في الجهاد.
٥- نشر الاسلام:
دعوة الملوك والأمراء والرؤساء للإسلام.
راجع الملحقين المرفقين الملحق (ك) والملحق (ل) حول دعوة الملوك والأمراء والرؤساء المسيطرين على البلاد العربية حين ذاك، من النصارى الذين كانوا يدينون بدين الروم، ومن المجوس الذين كانوا يدينون بدين الفرس.
لقد أتاحت مكاتبات الرسول ﷺ لهؤلاء الفرصة لانتشار الإسلام خاصة في
стр. 279
منطقة البحرين وفي اليمن، كما أتاحت الفرصة لعدد عظيم من الناس أن يعرفوا أهداف الدين الجديد وغاياته، مما جعل قلوب كثيرين منهم تهوي إليه سواء تظاهروا بذلك أم أبقوه في طي الكتمان.
إن انتشار الاسلام في اليمن له أهمية خاصة من الناحية العسكرية، فقد جعل قريشا مطوقة بالمسلمين من الشمال والجنوب.
وبذلك تقرر مصير مكة وقريش نهائيا.
٦- القضايا الادارية:
أ- الإعاشة:
كانت مواد الاعاشة قليلة جدا عند المسلمين في غزوة (خيبر) ، فجاع قسم منهم، ولم يجد الرسول ﷺ شيئا عنده ليسد به رمقهم، ولكنّ تداعي حصون (خيبر) التي تكدست فيها الأرزاق واستسلامها للمسلمين حسّن موقف الإعاشة عند المسلمين.
أما يهود فقد كان موقف إعاشتهم متميزا.
ب- الماء:
استفاد يهود من الآبار وبعض العيون في غزوة (خيبر) لتموينهم بالماء، وعندما علم المسلمون بذلك، سيطروا على المياه خارج الحصون وحرموا يهودا منها، مما سهّل عليهم استسلام الحصون.
ج- الصحة:
كان جو (خيبر) وخما وفي المنطقة كثير من المستنقعات، فأدى ذلك إلى إصابة المسلمين بالحميات.
وقد أفاد المسلمون من النساء في غزوة (خيبر) لتمريض الجرحى والمرضى.
стр. 280
د- المجندات:
أفاد المسلمون من النساء المتطوعات في غزوة (خيبر) ؛ لإدامة المقاتلين بالسهام والنبال، ولتهيئة السويق وتضميد الجرحى والمرضى وتمريضهم.
هـ- الغنائم:
قسمت غنائم (خيبر) بالتساوي بين المقاتلين، وقد كانوا ممن حضر صلح الحديبية وبيعة الرضوان، كما أشرك الرسول ﷺ في الغنائم مهاجري الحبشة العائدين منها توّا الى أحضان المسلمين؛ لأن حالتهم الاقتصادية كانت رديئة للغاية، ولا بد من مكافأتهم لإخلاصهم وعنائهم بهجرتهم الى الحبشة وبقائهم هناك بضعة عشر عاما.
وأسهم للنساء المتطوعات من مواد الإعاشة فقط كما أسهم للرجال.
٧- النتائج:
كانت نتائج فترة هدنة الحديبية ما يلي:
أ- القضاء الأخير على يهود في شبه الجزيرة العربية.
ب- السيطرة على القبائل العربية شمال المدينة المنورة وجنوبها.
ج- التأثير في معنويات قريش وحلفائها مما سهّل فتح مكة.
د- انتشار الإسلام انتشارا عظيما داخل الجزيرة العربية.
كل ذلك جعل المسلمين يعيدون تنظيم صفوفهم على أسس مكينة، وينجزون حشد قواتهم بحيث أصبحت أكبر قوة في شبه الجزيرة العربية كلها.
стр. 281
الملحق (ح) : شهداء المسلمين في غزوة خيبر
من قريش ثم من بني أمية بن عبد شمس ثم من حلفائهم:
١- ربيعة بن أكثم بن سخبرة بن عمرو.
٢- ثقف بن عمرو.
٣- رفاعة بن مسروح.
من بني أسد بن عبد العزّى:
٤- عبد الله بن الهبيب (ويقال الهبيب) من كنانة وابن أختهم.
من بني زهرة:
٥- مسعود بن ربيعة (حليف لهم من القارة) .
من الانصار ثم من بني سلحة:
٦- بشر بن البراء بن معرور ومات من الشاة التي سمّ فيها رسول الله ﷺ .
٧- فضيل بن النعمان.
من بني زريق:
٨- مسعود بن سعد بن قيس بن خلدة.
من الاوس ثم من بني عبد الاشهل:
٩- محمود بن مسلمة بن خالد (حليف لهم من بني حارثة) .
стр. 282
من بني عمرو بن عوف:
١٠- أبو ضيّاح بن ثابت بن النعمان.
١١- الحارث بن حاطب.
١٢- عروة بن مرّة بن سراقة.
١٣- أوس بن القائد.
١٤- أنيف بن حبيب.
١٥- ثابت بن أثلة.
١٦- طلحة بن يحيى بن مليل.
١٧- أوس بن قتادة.
١٨- مبشّر بن عبد المنذر.
من غفار:
١٩- عمارة بن عقبة (رمي بسهم) .
من أسلم:
٢٠- عامر بن الأكوع.
٢١- الأسود الراعي واسمه أسلم (من أهل خيبر أسلم واستشهد) .
стр. 283
الملحق (ي) : شهداء المسلمين في غزوة مؤتة
١- زيد بن حارثة- الأمير الأول.
٢- جعفر بن أبي طالب- الأمير الثاني بعده.
٣- عبد الله بن رواحة- الأمير الثالث.
٤- مسعود بن الأسود بن حارثة بن نضلة، من بني عدي بن كعب.
٥- وهب بن سعد بن أبي سرح، من بني حسل، ثم من بني عامر ابن لؤي
٦- عبّاد بن قيس، وهو عبد الله بن رواحة من بني الحارث بن الخزرج.
٧- الحارث بن النعمان بن إساف بن نضلة بن عوف بن غنم بن مالك ابن النجار.
٨- سراقة بن عمرو بن عطية بن خنساء بن مبذول، من بني مازن ابن النجار.
٩- أبو كليب وقيل: أبو كلاب بن عمرو بن زيد بن عوف بن مبذول.
١٠- أخوه جابر بن عمرو بن زيد بن عوف بن مبذول.
١١- عمرو بن سعد بن الحارث بن عبّاد بن سعد بن عامر بن ثعلبة من بني النجار.
١٢- وأخوه عامر بن سعد من بني النجار.
فتح مكة
الموقف العام
١- المسلمون:
أتاحت هدنة الحديبيّة للمسلمين القضاء على يهود عسكريا في المدينة وخارجها، كما أتاحت لهم السيطرة على القبائل في شمال المدينة حتى حدود العراق والشام وفي جنوب المدينة أيضا، وانتشر الاسلام بين القبائل العربية كلها، فأصبح المسلمون قوة لا تدانيها أية قوة في بلاد العرب.
ولم يبق أمام المسلمين إلا فتح مكة، تلك المدينة المقدّسة التي انتشر الاسلام فيها أيضا، وما أسهل فتحها على المسلمين لولا عهد الحديبية الذي يحرص على الوفاء به الرسول ﷺ .
٢- المشركون:
أدى انتشار الاسلام بين قسم كبير من القبائل ومن ضمنها قريش وبقاء القسم الآخر على الشرك الى تفرّق كلمتها واستحالة جمع تلك الكلمة على حرب المسلمين.
ولم يبق في قريش زعيم مسيطر يستطيع توجيهها الى ما يريد حين يريد:
المسلمون فيها لا يخضعون إلا لأوامر الإسلام، والمشركون فيها بين متطرّف يدعو للحرب مهما تكن نتائجها، ومعتدل يعتبر الحرب كارثة تحيق بقريش.
أراد بنو بكر حلفاء قريش أن يأخذوا بثاراتهم القديمة من بني خزاعة حلفاء المسلمين، وحرّضهم على ذلك متطرفو قريش بقيادة عكرمة بن أبي جهل وقسم من سادات قريش، وأمدّوهم سرا بالرجال والسلاح؛ فقامت بنو بكر بهجوم مباغت على بني خزاعة، فأوقعوا فيهم بعض الخسائر في الأرواح