(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً، وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ) «١» .
(القرآن الكريم)
فكّرت في وضع هذا الكتاب، بعد أن قرأت كثيرا من المؤلفات العسكرية الباحثة في تاريخ حروب القادة العظام، الذين لمعت أسماؤهم قديما وحديثا.
لقد أبرزت تلك المؤلفات بكل وصوح أعمال أولئك القادة، ووصفت معاركهم بتسلسل منطقي سهل، ووضّحت تلك المعارك بالخرائط والمخطّطات والأشكال، وأظهرت الدروس المفيدة منها، فأضفت بذلك كلّه الخلود على حياة أولئك الرجال.
وعدت لأقارن بين هذا الأسلوب في البحث، وبين أسلوب المؤرخين عندنا
стр. 3
في الحديث عن معارك قادة المسلمين، فعرفت كيف أضاء الأسلوب الأول معالم الطريق للباحثين، وحقق قيمة جديدة لأعمال بعض القادة، بينما طمس الأسلوب الثاني أعمالا خالدة تستحق أعظم التقدير والإعجاب.
لقد قرأت أكثر كتب السيرة في تدبر وإمعان، وحاولت أن أستشف منها كل نواحي العظمة التي تتسم بها شخصية الرسول ﷺ ، ولكني وجدت أن عبقريته العسكرية التي لا تتطاول إليها أية عبقرية أخرى لأي قائد في القديم أو الحديث تكاد تكون متوارية محجوبة لم يتح لها من يكشف أسرارها ويجلي عظمتها بأسلوب حديث يجنح الى الكشف والتحليل وإبراز المواهب النادرة خاصة من عسكري يستطيع أن يلم بنواحي العظمة العسكرية التي تكمن فيها ويظهرها جلية للعيان، ومن هنا بقي الجانب العسكري من حياة الرسول ﷺ يشوبه الغموض حتى اليوم.
لقد تحدّث مؤرخو السيرة عن معارك الرسول ﷺ بإسهاب أو باقتضاب، ومع ذلك يخرج الباحث من دراسة كل معركة دون أن يلمّ بكل تفاصيلها ووقائعها ودوافعها، ويعود ليسأل نفسه: ما هو موقف الطرفين قبل المعركة؟
كيف جرى القتال؟ ما هي الدروس التي نستفيدها من المعركة؟ إلى غير ذلك من الأسئلة الحيوية الملحّة.
إنّ وصف معارك القواد المسلمين وعلى رأسهم الرسول ﷺ بهذا الأسلوب الذي لا يقنع باحثا ولا يشفي غلّة دارس، جعل تاريخ الحرب الحديث يورد أمثلة من أعمال القواد غير المسلمين، كهنبال وقيصر ونابليون ومولتكه ... الخ.
ولا يورد أمثلة من أعمال القواد المسلمين كالرسول ﷺ وخالد وسعد بن أبي وقاص ﵃ ... الخ، بينما يدرّس هذا التاريخ للمسلمين وفي بلاد المسلمين!! إنّ سبب ذلك هو (جناية) الأسلوب، هذه الجناية التي جعلتني أفكرّ في تأليف هذا الكتاب عن أعمال الرسول ﷺ العسكرية، متوخيا تنسيق
стр. 4
المعلومات التي جاءت في كتب السيرة بأسلوب علمي بسيط، تطرّقت فيه الى الموقف العام للطرفين قبل المعركة، وأهداف المعركة، وقوات الطرفين، وسير الحوادث قبل القتال وأثناءه وبعده، ونتائج المعركة، ودروسها المفيدة، تلك الدروس التي لم تقتصر على أعمال الرسول ﷺ ، بل أظهرت أعمال المشركين أيضا؛ وحاولت إيضاح كل ذلك بالخرائط والمخططات والأشكال، لمعرفة مواقع المعركة وأسلوبها وأسلحتها الغريبة عنا الآن، وبهذا الإيضاح أمكن أن يعيش القارىء في جو المعركة الأصيل، ويطّلع على تفاصيلها، ليحصل من ذلك على معلومات وافية عن المعركة من كل الوجوه.
ولكني أغفلت بعض الظواهر الخارقة التي لا يمكن أن تحدث في الحروب العادية بين المتطاحنين من البشر، والتي يرجع بعض المؤرخين إليها وحدها السر الأكبر في انتصار الرسول ﷺ على خصومه وأعدائه.
لقد أيد الله نبيه وثبت قدمه ونصره على أعدائه بالملائكة المنزلة: (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ: أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ، بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ، وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) «١» .
ووعده بالنصر حين أذن له في القتال دفاعا عن النفس وردا لعادية المعتدين:
(أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) «٢» .
ولكنّ الخوارق لم تكن وحدها أداة النصر والعامل الذي غلب به الرسول ﷺ ، والذين يذهبون إلى هذا يسلبونه قوته قائدا. ثم كيف يحتذي
стр. 5
المسلمون سيرته، ويتّبعون في الحروب نهجه وسنته، إذا لم يكن لفنه الحربي الأصيل ومواهبه العسكرية النادرة، الأثر العظيم في ظفره ونصره؟ إن الخوارق كانت إيذانا للنبي ﷺ بأن الله معه لا يتخلى عنه، حتى يشحذ همته ويثير عزيمته، وينبهه بكل ما فيه من حواس اليقظة والحذر إلى أعدائه المحاربين.
ولست أحاول في هذا الكتاب أن أعرض لهذه الخوارق والمعجزات التي أيد الله بها نبيه وثبت رسوله عليه أفضل الصلاة والسلام، فذلك أمر يؤمن به كل مسلم، وقد أثبته القرآن الكريم بما لا يدع فيه مجالا لشك أو ريبة، وإنما أريد أن أبرز للعيان سمات قيادة الرسول ﷺ التي يمكن أن تكون أسوة حسنة في الحروب لأتباعه.
لقد عمل الرسول ﷺ بكل مبادىء الحرب المعروفة، بالإضافة الى مزاياه الشخصية الأخرى في القيادة، لهذا انتصر على أعدائه، ولو أغفل شيئا من الحذر والحيطة والاستعداد، لتبدّل الحال غير الحال، ولكن الله سلّم.
لماذا كان إذا أراد غزوة ورّى بغيرها؟ ولماذا كان يأخذ بمبدأ: «الحرب خدعة» ؟
ماذا كان يحدث لو تردّد قبل معركة (بدر) ، عندما رأى المشركين متفوّقين على أصحابه بالعدد والعدد؟
ماذا كان يحدث لو استسلم لليأس في معركة (أحد) بعد أن طوّقته قوات المشركين المتفوّقة من كل جانب؟
ماذا كان يحدث لو ضعفت مقاومته للأحزاب في غزوة الخندق، وبخاصة بعد خيانة يهود، حين أصبح مهددا من خارج المدينة المنوّرة ومن داخلها؟
ماذا كان يحدث لو لم يثبت الرسول ﷺ مع عشرة فقط من آل بيته والمهاجرين بعد فرار المسلمين في غزوة (حنين) ؟
стр. 6
كيف نفسّر إصابة الرسول ﷺ بجروح خطرة في معركة (أحد) ، فقد كسرت رباعيّته «١» وشجّ في جبهته حتى سال الدم على وجهه الكريم، عندما خالف الرماة أمره وتركوا مواضعهم لجمع الغنائم، فخسر سبعين من أبطال المسلمين في هذه المعركة؟
وأي استعدادات بلغت من الإحكام والدقة في التفاصيل، ما بلغته استعدادات الرسول ﷺ لتجهيز جيش العسرة «٢» ؟
ولماذا تصلي طائفة من المسلمين في ساعات القتال، وتأخذ طائفة أخرى أسلحتها حذرا من مباغتة العدو؟
لماذا كل هذا الحذر الشديد والاستعدادات الدقيقة، إذا كان انتصار الرسول ﷺ بالخوارق غير العادية لا بالأعمال العسكرية والمواهب الحربية؟
إن النصر من عند الله، ما في ذلك شك، ولكنّ الله لا يهب نصره لمن لا يعدّ كل متطلبات القتال.
إنّ المسلم حقّا، هو الذي يقدّر الرسول ﷺ حق قدره، فيعترف بأن كفاية الرسول ﷺ قائدا متميّزا، وكفاية أصحابه جنودا متميزين، هي التي أمّنت لهم النصر العظيم.
أما أن نستند على الخوارق وحدها في الحرب، ونجعلها السبب المباشر لانتصار المسلمين، فذلك يجعل هذا النصر لا قيمة له من الناحية العسكرية،
стр. 7
بالإضافة الى أن ذلك غير منطقي وغير معقول: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ) «١» .
إن أعمال الرسول ﷺ ومنها العسكرية- سنّة متبعة في كل زمان ومكان، فهل يبقى أتباعه ينتظرون الخوارق لينتصروا على أعدائهم، أم يعدّون ما استطاعوا من قوة، كما قرر القرآن الكريم، لينالوا هذا النصر؟
إن سيرة الرسول ﷺ العسكرية، تثبت بشكل جازم لا يتطرّق إليه الشك، أن انتصاره كان لشجاعته الشخصية وسيطرته على أعصابه في أحلك المواقف، ولقراراته السريعة الجازمة في أخطر الظروف، ولعزمه الأكيد في التشبث بأسباب النصر، ولتطبيقه كل مبادىء الحرب المعروفة في كل معاركه، تلك العوامل الشخصية التي جعلته يتفوّق على أعدائه في الميدان، ولو لم تكن تلك الصفات الشخصية المدعومة بقوة الإيمان بالله، لما كتب له النصر.
يمتاز الرسول ﷺ عن غيره من القادة في كل زمان ومكان بميزتين مهمتين:
الأولى، أنه كان قائدا عصاميا. والثانية، أن معاركه كانت للدفاع عن الدعوة ولحماية حرية نشر الإسلام ولتوطيد- أركان السلام لا للعدوان والاغتصاب والاستغلال.
إن غيره من القادة العظام وجدوا أمما تؤيدهم وقوات جاهزة تساندهم؛ ولكن الرسول ﷺ لم تكن له أمة تؤيده، ولا قوات تسانده، فعمل على نشر دعوته، وتحمّل أعنف المشقات والصعاب، حتى كوّن له قوة بالتدريج ذات عقيدة واحدة وهدف واحد، هو التوحيد وإعلاء كلمة الله.
стр. 8
وعلى ذلك يمكن تقسيم حياة الرسول ﷺ من الناحية العسكرية الى أربعة أدوار: دور الحشد، ودور الدفاع عن العقيدة، ودور الهجوم، ودور التكامل.
أما دور الحشد: فمن بعثته الى هجرته الى المدينة المنوّرة واستقراره هناك، وفي هذا الدور اقتصر الرسول ﷺ على الحرب الكلامية: يبشّر وينذر ويحاول جاهدا نشر الإسلام، وبذلك كوّن النواة الأولى لقوات المسلمين، وحشدهم في المدينة المنورة (بالهجرة) إليها، وعاهد بعض يهود ليأمن جانبهم عند بدء الصراع.
أما دور الدفاع عن العقيدة: فمن بدء الرسول ﷺ بإرسال سراياه وقواته للقتال، الى انسحاب الأحزاب عن المدينة المنورة بعد غزوة الخندق، وبهذا الدور ازداد عدد المسلمين، فاستطاعوا الدفاع عن عقيدتهم ضدّ أعدائهم الأقوياء.
أما دور الهجوم: فهو من بعد غزوة (الخندق) الى بعد غزوة (حنين) ، وبهذا الدور انتشر الإسلام في الجزيرة العربية كلها، وأصبح المسلمون قوة ذات اعتبار وأثر في بلاد العرب، فاستطاعوا سحق كل قوة تعرّضت للاسلام.
والدور الرابع هو دور التكامل: وهو من بعد غزوة (حنين) الى أن التحق الرسول ﷺ بالرفيق الأعلى؛ فقد تكاملت قوات المسلمين بهذا الدور، فشملت شبه الجزيرة العربية كلها، وأخذت تحاول أن تجد لها متنفسا خارج شبه الجزيرة العربية، فكانت غزوة (تبوك) إيذانا بمولد الإمبراطورية الإسلامية.
بهذا التطوّر المنطقي، تدرّج هذا القائد العصامي بقواته من الضعف الى القوة، ومن الدفاع الى الهجوم، ومن الهجوم الى التعرّض، وبذلك بزّ كل
стр. 9
قائد في كل أدوار التاريخ، لأنه أوجد قوة كبيرة ذات عقيدة واحدة وهدف واحد من لا شيء ...
تلك هي الميزة الأولى للرسول القائد عليه أفضل الصلاة والسلام.
والميزة الثانية لقيادته: هي أن معاركه كانت حرب فروسية بكل معنى الكلمة، الغرض منها حماية حرية نشر الإسلام وتوطيد أركان السلام؛ فلم ينقض عهدا، ولم يمثّل بعدو، ولم يقتل ضعيفا، ولم يقاتل غير المحاربين. لذلك فإن إطلاق تعبير: (الفتح الإسلامي على عهد الرسول) ليس صحيحا، وإنما الصحيح أن يقال: (انتشار الإسلام على عهد الرسول) ، لأنه لم يفتح بلدا لغاية الفتح، بل لغرض حماية حرّية نشر الإسلام فيه وتوطيد أركان السلام في أرجائه.
ولا عجب في ذلك، فقد كان محمد ﷺ قائدا ورسولا، ومبشرا ونذيرا، (وداعيا الى الله بإذنه وسراجا منيرا) .
وربما يتبادر الى الأذهان، أن القيادة في العصور الغابرة كانت سهلة التكاليف بالنسبة للقيادة في الحرب الحديثة لقلّة عدد القوات حينذاك بالنسبة الى ضخامة عددها وكثرة أسلحتها ووسائلها في الجيوش الحديثة، ولكن العكس هو الصحيح.
إن مهمة القائد في العصور الغابرة كانت أصعب من مهمته في العصر الحديث، لأن سيطرة القائد ومزاياه الشخصية، كانت العامل الحاسم في الحروب القديمة؛ بينما يسيطر القائد في الحرب الحديثة على قواته الكبيرة بمعاونة عدد ضخم من ضباط الركن الذين يعاونونه في مهمته ويراقبون تنفيذ أوامره في الوقت والمكان المطلوبين، كما يسيطر القائد على قواته بوسائط المواصلات الداخلية الدقيقة من
стр. 10
أجهزة لا سلكية وسلكية ورادار وطيارات وأقمار إصطناعية ووسائط آلية ... الخ.
بل إن هيئات الركن مسؤولة حتى عن تهيئة خطط القتال قبل الوقت المناسب، ولا يقوم القائد إلا بمهمة الإشراف على التنفيذ.
إن القائد في الحرب الحديثة يحتاج الى العقل وحده، والقائد في الحرب القديمة يحتاج الى العقل والشجاعة.
بقي علينا أن نلفت النظر في هذا المكان الى إنتقاد قسم من المستشرقين لقسم من أعمال الرسول ﷺ العسكرية، لأننا لا نعود الى الكلام على هذا النقد مرة أخرى في غير هذا المكان.
إن الرسول ﷺ عند قسم من المستشرقين صاحب رقّة تحرمه القدرة على القتال، ودليلهم على ذلك أنه اشترك في حرب الفجار بتجهيز السهام فقط ولم يشترك في الطعان. وهو عند قسم من المستشرقين صاحب قسوة تغريه بالقتل وإهدار الدماء من غير جريرة، وحجّتهم على ذلك قتل أسيرين بعد (بدر) وقتل قسم من يهود بعد غزوة الأحزاب.
ولو لم يكن الهوى وحده هو الذي يثير هذا النقد المغرض، لما حدث مثل هذا التناقض بين أقوال المستشرقين.
إنّ المستشرقين لا يريدون وجه الحق في نقدهم، ولو أرادوا الحق لوجدوا أن الرسول ﷺ لم يقاتل أبدا إلا مضطرا، ولم يأمر أبدا بقتل أحد إلا عقابا له على جريمة نكراء أضرّت أشد الضرر بمصالح المسلمين.
ومن العجيب أن ينتقده هؤلاء لقتله بضعة أشخاص؛ لأنهم حالوا بطرق
стр. 11
غير شريفة دون حرية انتشار الإسلام، وعملوا بطرق غير شريفة لإثارة الحرب، وخانوا عهودهم بعد توكيدها في مواقف حرجة كادت تقضي على المسلمين، بينما لا ينتقدون قومهم في القرن العشرين على إفناء شعوب كاملة لأنهم قاوموا الظلم والعدوان.
ولهم أن يدرسوا قوانين الحرب والحياد في القرن العشرين، ليروا بأنفسهم أين تكون هذه القوانين الدولية بالنسبة الى ما طبّقه الرسول ﷺ عمليا في القتال قبل أربعة عشر قرنا! ...
لقد درست حياة الرسول العسكرية بروح علمية محايدة، توخيّت منها إظهار الواقع العملي من قيادة النبي ﷺ ، ذلك الواقع الذي يستحق التقدير كلّ التقدير.
ولم أنس المواقف التي تستحق التقدير من أعمال المشركين، لأن قيادتهم وقواتهم قامت بأعمال ذات قيمة عسكرية في قتالها المسلمين، مما يجعلنا نلمس ما لاقاه الرسول ﷺ من مصاعب في القضاء على اعتداءات المشركين.
إن دراستي لحياة الرسول ﷺ العسكرية بهذا الأسلوب، مجهود متواضع، لعلّ فيه فائدة للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، ليأخذوا عبرة من حياة قائدهم الأول في إعداد القوة وحماية الإسلام، لأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين.
فأن استطعت بهذا المجهود أن أضيف صفحة نيّرة الى صفحات التاريخ العسكري الاسلامي، أستثير بها نفوس العرب والمسلمين، فقد بلغت غاية أمنيتي؛ وإلا فإنما الأعمال بالنيات ...
ولله كل الفضل فيما فعلت، وله كل الشكر على ما أنتجت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
стр. 12
مقدمة الطبعة الثانية
لم تسمح ظروف خاصة بانتشار الطبعة الأولى من هذا الكتاب في البلدان العربية والإسلامية، بل لم تسمح تلك الظروف بانتشاره حتى في معظم المدن العراقية نفسها إلا في نطاق ضيّق جدا للقراء وإلا ما وصل منه هدايا لبعض القادة والمفكرين والصحف في العراق وفي خارجه.
وما كنت أتوقع أن يقابل هذا الجهد المتواضع، بمثل ما قوبل به من تشجيع لا أملك أن أقابله الآن بغير الشكر الجزيل، ذلك لأنني أعلم ما تستحقه مثل هذه الدراسة عن رسول الانسانية ﷺ من جهد وعلم وإيمان لا تتيسّر في أمثالي؛ ومن أكون حتى أو في حقّ دراسة حياة الرسول ﷺ العسكرية، وقد عجز من قبلي عن إيفاء حقها أكابر العلماء والمفكرين؟!
ولكن الله يعلم أنني لم أرد بهذا الكتاب إلا وجهه الكريم، وأن أقضي واجبا كنت ولا أزال أشعر بثقل مسؤوليته الجسمية على كاهلي الضعيف خدمة للرسول القائد عليه أفضل الصلاة والسلام باظهار ناحية الجهاد في الاسلام مبسّطة في جهاد النبي العربي العظيم، لهذا وافقت على إعادة طبعه ليتيسّر اقتناؤه في أوسع نطاق من بلاد المسلمين.
وسيجد القراء الكرام، أن الحرب في الاسلام حرب دفاعية بكل ما في الكلمة من معنى، لا يبدأ المسلمون فيها بالإعتداء على أحد، ولا يريدون من ورائها إلا حماية حرية نشر الدعوة وتوطيد أركان السلام في العالم؛ لأنّ الاسلام جاء للناس كافة لا لأمة من الأمم ولا لشعب من الشعوب، ولكنه جاء للعالم كله أملا في تحقيق فكرة سامية، هي فكرة وحدة الانسانية جمعاء؛ لهذا شجّع
стр. 13
الإسلام كل طلب للصلح يعرضه العدو: (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها) «١» ...
وقد يكون هذا العدو غير مخلص في طلبه هذا أو يقصد به كسب الوقت استعدادا لحرب أخرى، أو يكون يريد أن يخدع المسلمين مبيتا الغدر بهم أو إلحاق الاضرار بمصالحم العليا، ومع كل ذلك يحتم الاسلام النزول عند رغبات العدو السلمية: (وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ، فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ) «٢» ...
ولست أعلم مبدءا ساميا غير الإسلام يجيز الموافقة على إقرار السلام فورا دون قيد أو شرط بمجرد إقدام العدو على طلب إقراره مهما تكن الظروف والأحوال، ولكن السلام في الإسلام مادة وروح فهو لخير البشر على اختلاف أقطارهم وألوانهم ومللهم ونحلهم، بينما السلام عند أدعياء السلام مادة، لذلك فالسلام في غير الاسلام عرقلة لتسليح غيرهم وزيادة لتسليحهم من جهة، وقتل وسحل وتشريد وتعذيب وفتك بأعدائهم من جهة أخرى.
بل إنّ السلام في الإسلام نور يضيء للناس كافة، والسلام عند أدعياء السلام لا يراد منه إلا نار تحرق وتدمر غيرهم من الناس ... (يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ) «٣» .
ومتى انتشرت فكرة السلام الإسلامي في العالم، ساده السلام الحقيقي وانتشرت في ربوعه السعادة والاطمئنان؛ وإلا فسيبقى في حرب باردة تارة وفي حرب دامية تارة أخرى، وستبقى البشرية في هلع دائم من ويلات الفتن والحروب.
لقد كانت خسائر الشعوب في الحرب العالمية الأولى أقل من عشرة ملايين
стр. 14
نسمة فضلا عن الخراب والدمار الذي لحق بالممتلكات، ولكن خسائر الشعوب في الحرب العالمية الثانية بلغت أكثر من ستين مليونا من القتلى المدنيين والعسكريين كما قتل سبعة عشر مليون طفل بالغارات الجوية ودمّر ثلاثون مليونا من الأبنية واثنان وعشرون مليونا من المساكن عدا المآسي المروّعة التي صاحبت الحرب. فكم ستكون خسائر الإنسانية في حرب عالمية ثالثة، وقد أصبحت الأسلحة التي استخدمت في الحرب العالمية الثانية قديمة جدا وكأنها لعب أطفال بالنسبة للأسلحة النووية والصواريخ عابرة القارات ... ونحوهما مما سيستخدم إذا نشبت حرب جديدة «١» ؟
إن الإسلام وحده هو الذي يستطيع نشر السلام في ربوع العالم ويشيع فيه الثقة والاطمئنان، أما دعاة السلام الذين هم في الحقيقة أعداء السلام، فقد عرف الناس ماذا يعني سلامهم من فتك وتدمير يشمل الأبرياء وغير الأبرياء على حد سواء ... هؤلاء الأدعياء يجب أن يتواروا الى الأبد خجلا من الكرامة الإنسانية التي عفروها بالتراب ويفتشوا عن أحبولة أخرى لا يعرفها الناس غير الادّعاء بأنهم أنصار السلام «٢» !!!
والله أسأل أن يهدي الإنسانية الى طريق الإسلام: طريق المحبة والخير والسلام.
стр. 15
مقدمة الطبعة الثالثة «١»
الحمد لله والصلاة والسلام على سيد القادات وقائد السادات.
رجل الرجال وبطل الأبطال.
إمام المجاهدين الصادقين.
وقدوة الموحدين الوحدويين.
وعلى آله وصحبه وقادته الفاتحين.
ما أعظم حياة النبي الكريم صلوات الله وتسليمه عليه، وما أكثر ما توحي به من عبر ودروس!
فماذا توحيه للعرب في هذه الأيام (بخاصة) من عبر، وماذا تزجيه لهم- وهم على ما هم عليه الآن- من دروس؟
حياته الغالبة في جوهرها، توحيد وجهاد: توحيد الله وتوحيد الناس، وجهاد لتوحيد الله وتوحيد الناس.
بدأ حياته العملية بالدعوة سرا منذ نزول الوحي عليه: يدعو الناس الى توحيد الله، وتزكية نفوسهم وتطهيرها، ويدعوهم الى توحيد الصفوف ونكر ان مصلحة الفرد في حدود مصلحة الجماعة.
стр. 16
واستمرت دعوته سرا ثلاث سنين، حتى نزل قوله تعالى: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) «١» ، فأعلن دعوته.
وابتدأت قريش تظهر خصومتها لدعوته السّمحة، وأخذت هذه الخصومة تشتد وتعنف، فاستباحوا في الحرم الآمن دماء وأموال المسلمين، وحرّضوا القبائل على الدعوة وصاحبها، وقاطعوا المسلمين ومن يعطف عليهم: لا يبيعونهم ولا يبتاعون منهم شيئا، ولا يزوجونهم أو يتزوجون منهم.
ولكن الرسول ﷺ صمد صمود الرواسي: لا يلين ولا يتردد، ولا يخشى أحدا إلا الله، وتحمل التكذيب والتعذيب والأذى والجوع والحرمان، مصرا إصرارا عنيدا على تحقيق أهدافه كاملة.
كان يذهب الى الحجيج في مجامعهم، ويطلب منهم النصرة على مسمع ومرأى من جبابرة قريش وأحلافهم.
وتكلّلت إحدى محاولاته البطولية بالنجاح، وذلك بانبثاق بيعة (العقبة الأولى) ، ثم تلتها بيعة (العقبة الثانية) ، فكانت البيعة الأولى أول انتصار عسكري له خارج مكة المكرمة، وكانت البيعة الثانية انتصارا عسكريا آخر له، وأدى كل ذلك الى انتشار الإسلام في المدينة المنورة، وأصبح له فيها جنود يعتمد عليهم في الملمات.
إن حياته المباركة في مكة المكرمة، كانت مكرّسة للتوحيد من أجل الجهاد.
وأمر النبي ﷺ مسلمي مكة ومن حولها بالهجرة الى المدينة المنورة للانضمام الى إخوانهم هناك، فهاجر المسلمون تباعا تاركين أموالهم وأهليهم،
стр. 17
فكانت هجرة الرسول القائد عليه أفضل الصلاة والسلام الى المدينة المنورة معناها: اجتماع القائد بجنوده في قاعدتهم الأمينة.
وفي دار الهجرة، أنجز النبي الكريم ﷺ حشد قواته: بنى المسجد وهو الثكنة الأولى للإسلام، وآخى بين المهاجرين والأنصار حتى يتعاونوا على أسباب العيش وليكونوا جبهة واحدة لتحقيق هدف واحد، وعقد المعاهدات بين المسلمين وخصومهم في المدينة المنورة ليطمئن الى سلامة جبهته الداخلية، فلما نزلت أول آية من آيات الجهاد: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ. الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا: رَبُّنَا اللَّهُ) «١» ، كان الرسول القائد عليه أفضل الصلاة والسلام قد أكمل حشد جيش يؤمن بعقيدة واحدة، وله هدف واحد، وقائد واحد، يستند الى قاعدة أمينة واحدة.
ونشب القتال بين المسلمين وبين قريش بعد إنجاز دور الحشد، فبدأ دور الدفاع عن العقيدة، وهو من إرسال السرايا الأولى للقتال الى انسحاب (الأحزاب) عن المدينة المنورة بعد غزوة (الخندق) ؛ وفي هذا الدور ازداد عدد المسلمين، فصمدوا دفاعا عن عقيدتهم ضد أعدائهم الأقوياء.
وبعد غزوة (الخندق) بدأ دور (الهجوم) وانتهى هذا الدور بعد غزوة (حنين) ، وبهذا الدور انتشر المسلمون في أرجاء الجزيرة العربية كلها، وأصبحوا قوّة ذات مكانة وكيان.
وكان الدور الأخير من أدوار جهاد الرسول القائد عليه أفضل الصلاة والسلام في سبيل التوحيد، هو دور (التكامل) ، وهو من بعد غزوة (حنين) إلى أن التحق النبي ﷺ بالرفيق الأعلى، فتكاملت قوات المسلمين بهذا الدور،
стр. 18
واستطاعت إن توحّد شبه الجزيرة العربية كلها؛ فكانت غزوة (تبوك) نهاية جهاد النبي ﷺ في توحيد شبه الجزيرة العربية، تحت راية الإسلام.
إن حياة النبي الكريم ﷺ في المدينة المنورة كانت مكرّسة للجهاد من أجل التوحيد.
وكانت حياة خلفائه الراشدين ﵃ من بعده تطبيقا عمليا لأهداف النبي ﷺ التي نذر لها حياته الكريمة: جهاد من أجل التوحيد، وتوحيد من أجل الجهاد.
كانت حروب الردّة في أيام الصديق أبي بكر ﵁ حروبا لإعادة وحدة شبه الجزيرة العربية تحت لواء الإسلام، وحين عادت وحدة العرب بعد انتصار المسلمين على المرتدين أصبحوا قوة هائلة، وجدت لها (متنفسا) في الفتح، فخفقت رايات العرب المسلمين من الصين شرقا الى حدود سيبريا شمالا، الى فرنسا غربا، الى المحيط الهندي جنوبا.
وكان من فضل الإسلام على العرب، أنه وحّد صفوفهم، وجمع كلمتهم، ووجّههم للفتح، فكان الإسلام بحق عقيدة منشئة بناءة ذاد عنها حماة قادرون، هم العرب الموحدون الذين أصبحوا بفضل وحدتهم وتوحيدهم قوة جبارة، ولن يعيدوا سيرتهم الأولى بغير الوحدة والتوحيد.
واليوم فإن الوحدة العربية هدف حتمي، يستمد مقوماته من وحدة (اللغة) التي هي قوام الثقافة والفكر، ووحدة (التاريخ) التي تصنع الوجدان والضمير ووحدة (الجهاد) الشعبي الذي يقرر ويحدد المصير، ووحدة (القيم) الروحية النابعة من رسالات السماء! فلمصلحة من تبقى السدود والقيود بين البلاد العربية؟ ألمصلحة الشعب العربي، وهو شعب واحد في تفرقه الوهن وفي اتحاده القوة؟ أم لمصلحة المسلمين بكل مكان، والعرب إذا اتحدوا يعيدون لهم سابق عزهم
стр. 19
ومجدهم؟ أم لمصلحة الحضارة العالمية، وهذه الحضارة تحقق كسبا عظيما في رجوع الحضارة العربية الى سابق عزها؟
إن حياة رسول التوحيد والجهاد عليه أفضل الصلاة والسلام هي أسوة حسنة للعرب والمسلمين في كل مكان وكل زمان.
إنها تناديهم من وراء الغيب عبر القرون: وحدوا صفوفكم وجاهدوا أعداءكم.
صمموا على تحقيق أهدافكم كاملة.
ضحوا من أجل مثلكم العليا بكل ما تملكون.
تخطوا العقبات والصعاب من أجل تحقيق وحدتكم وتوحيدكم.
لتكن مصالحكم الشخصية تحت أقدامكم في سبيل المصالح العامة.
أقولها كلمة صريحة حاسمة موجهة لقادة العرب خاصة ولقادة المسلمين عامة.
إن التاريخ لم يخلد غير الذين وحّدوا وجاهدوا: وحدوا الصفوف، ولموا الشعب، وكونوا قوة موحدة من قوى متفرقة وجاهدوا في سبيل مثل عليا لمصلحة أمتهم، ولمصلحة عقيدتهم، فالحياة تافهة إذا خلت من مثل عليا.
وهذه البلاد العربية متفرقة، فيها ميدان واسع لمن يريد العمل حقا لتوحيدها.
وهذه فلسطين وعمان والمحميات، فيها ميدان واسع لمن يجاهد لإنقاذها.
وهذا التاريخ يفتح أنصع صفحاته لتخليد من يوحّد ويجاهد.
إن القائد الذي يقدم على توحيد العرب وجهاد أعدائهم، سيجد القلوب
стр. 20
في الوطن العربي تهوى إليه، وسيجد النفوس في دار الإسلام تبارك خطواته، وسيجد الذين يقاومون جهوده يتهاوون تحت أقدامه كما تتهاوى أوراق الشجر في الخريف.
وأخيرا سيجد أن الضعف أصبح قوة، وأن الفقر أصبح غنى، وأن الجهل أصبح علما، وأن المرض أصبح صحة، وحينذاك سيكون للعرب قوة لها شأن في العالم كله، تعيد للمسلمين عزهم ومجدهم.
إن النبي العربي صلوات الله عليه وتسليمه عليه يطالبكم اليوم جميعا، أن تجاهدوا من أجل الوحدة، وتوحدوا من أجل الجهاد.
وصدق الله العظيم: (وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ، وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) «١» .
стр. 21
مقدمة الطبعة الرابعة إرادة القتال في الجهاد الإسلامي ١
أ- بعث النبي ﷺ من (الحديبية) عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه إلى مكة المكرمة، ليبلغ أشراف قريش: أن المسلمين لم يأتوا للحرب، وإنما جاءوا زائرين للبيت الحرام ومعظمين لحرمته.
وبلغ عثمان أبا سفيان بن حرب وعظماء قريش عن رسول الله ﷺ ما أرسله به. فقالوا لعثمان حين فرغ من تبليغ رسالته الى قريش: (إن شئت أن تطوف بالبيت فطف) ، فقال عثمان: ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله ﷺ .
واحتبست قريش عثمان عندها، فبلغ رسول الله ﷺ والمسلمين، أن عثمان ابن عفان قد قتل، فقال الرسول القائد عليه أفضل الصلاة والسلام: (لا نبرح حتى نناجز القوم) .
ودعا النبي ﷺ الناس الى البيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة، وكانت هذه البيعة على الموت.
قال الصحابة الذين شهدوا بيعة الرضوان: (كنا نبايع يومئذ على الموت) .
ب- واستشهد في معركة (اليرموك) الحاسمة عكرمة بن أبي جهل وسهل ابن عمرو والحارث بن هشام، فأتوا بماء وهم صرعى في النزع الأخير، ولكنهم تدافعوا، كلما دفع الى رجل منهم قال: اسق فلانا، حتى ماتوا ولم يشربوه! فقد طلب عكرمة الماء، فرأى سهيلا ينظر إليه، فقال: (ادفعوا الى سهيل) .
стр. 22
ورأى سهيل الحارث ينظر إليه، فقال: (ادفعوه الى الحارث) ، فلم يصل إليه حتى ماتوا.
ج- وكان خالد بن الوليد ﵁ قائدا عاما على المسلمين في أرض الشام فقاد المسلمين في معركة (اليرموك) الفاصلة الى النصر، تلك المعركة التي فتحت أبواب فلسطين والأردن وسورية ولبنان للمسلمين.
وعزله عمر بن الخطاب ﵁ وهو في أوج انتصاراته، ولكن خالدا لم يأنف بهذا العزل، وقال قولته المشهورة: (لا أقاتل من أجل عمر، بل أقاتل من أجل إعلاء كلمة الله) .
د- وشهدت الخنساء الشاعرة المشهورة معركة القادسية الحاسمة، ومعها بنوها أربعة رجال، فحرضتهم على القتال.
وباشر أولاد الخنساء القتال، وقتلوا واحدا بعد واحد، فلما علمت باستشهادهم قالت: (الحمد لله الذي شرفني بقتلهم، وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته) .
لم تجزع الخنساء على استشهاد أولادها الأربعة تحت لواء الإسلام، وهي التي جزعت أشد الجزع وأعظمه على أخيها صخر بن عمرو السلمي الذي قتل تحت لواء الجاهلية، وبكته أحر البكاء وأغزره، ولا يزال شعرها في (صخر) مضرب الأمثال في العاطفة المتأججة وصدق الرثاء.
٢ أ- تلك أمثلة نابضة بالحياة من تاريخنا المجيد، وهي غيض من فيض ...
ولكنها تعطي الجواب العملي الواضح لمعنى: (إرادة القتال) ، كما فهمها وتشرب بها وطبقها السلف الصالح من أجدادنا العرب المسلمين.
стр. 23
فقد رفض عثمان بن عفان ﵁، أن يطوف بالبيت العتيق وحده دون المسلمين، وهو الذي كان في شوق غامر لهذا الذي دعته إليه قريش طائعة مبادرة، مما يدل على تشبعه بالضبط المتين، فلا يفعل شيئا حتى إذا صادف ذلك الشيء هوى في نفسه، إلا إذا تلقى أوامر قائده صريحة واضحة.
وهو- فوق ذلك- يدل على تشبعه بروح الجماعة وخضوعه لمصالحها العليا، ونبذ مصالحه الذاتية وراءه ظهريا.
وتدافع عكرمة وصحبه الماء وهم في الرمق الأخير، يدل على الإيثار بأروع صوره في أحرج الظروف والأحوال.
وموقف الخنساء عند علمها باستشهاد أولادها الأربعة وهي شيخ رهمة يدل على التضحية بأغلى وأعز شيء في الحياة من أجل المبدأ والعقيدة.
وقولة خالد بن الوليد بعد عزله، تدل على أنه لم يكن يجاهد في سبيل أمجاد شخصية ولا مصالح ذاتية، بل كان يجاهد في سبيل إعلاء كلمة الله.
وكل تلك المواقف، تدل بوضوح، على الإصرار الفذ والعزم الأكيد، على التضحية بكل غال ورخيص، وبكل ما في الدنيا من متاع، من أجل مجد الإسلام.
ب- فما معنى إرادة القتال إذن؟
هي الرغبة الأكيدة في الصمود والثبات في ميدان القتال من أجل مثل عليا وأهداف سامية، وإيمان لا يتزعزع بهذه المثل والأهداف. وثقة بأنها أحب وأعز وأغلى من كل شيء في الحياة، وتحمل أعباء الحرب بذلا للأموال والأنفس واستهانه بالأضرار والشدائد وصبرا في البأساء والضراء وحين البأس، حتى يتم تحقيق تلك المثل العليا والأهداف السامية، مهما طال الأمد وبعد الشوط وكثر العناء وازدادت المصاعب وتضاعفت التضحيات.
стр. 24
ذلك هو مفهوم: (إرادة القتال في الجهاد الإسلامي) ، وهو مفهوم لا تطمع في إدراك شأوه مفاهيم: إرادة القتال في العقيدتين العسكريتين الشرقية أو الغربية على حد سواء.
مفهوم: إرادة القتال في الجهاد الإسلامي، مادة وروح، فيه الدعوة الى الخير والسلام، وفيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفيه الإعراض عن الاستغلال والاستعباد.
ومفهوم: إرادة القتال في الشرق والغرب مادة فقط. فيه الدعوة الى التسلط والاستعمار وفيه إشاعة المنكر والفساد، وفيه حب الحرب وكراهية السلام.
٣ أ- فكيف غرس الإسلام مفاهيم إرادة القتال في نفوس المسلمين وعقولهم معا؟
حث الإسلام على (الطاعة) . والطاعة هي الضبط والنظام: (وَقالُوا:
سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) «١» .
وأشاع الإسلام معاني الخلق الكريم، ومنه الصبر الجميل: (ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) «٢» ، وقال تعالى: (اصْبِرُوا وَصابِرُوا
стр. 25
وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ) «١» ، وقال تعالى: (وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ) «٢» .
وغرس الإسلام روح الشجاعة والإقدام: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ. وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ، وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) «٣» .
والتولي يوم الزحف من الكبائر، كما نص على ذلك حديث رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام.
وأمر الإسلام بالثبات في ميدان القتال: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا) «٤» .
ودعا الإسلام الى الجهاد بالأموال والأنفس لإعلاء كلمة الله: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) «٥» ، وقال تعالى: (انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا، وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) «٦» .
стр. 26
وبين الإسلام أن المثل العليا لا بد أن تكون لها الأسبقية على كل شيء في الدنيا:
(قُلْ: إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ، وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ) «١» .
وجعل الإسلام مقام الشهداء من أعظم المقامات: (فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ) «٢» ، وقال تعالى:
(وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ) «٣» ، وقال تعالى: (وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً) «٤» .
ب- فاذا تذكرنا أن الجهاد في الإسلام، يهدف الى حماية حرية نشر الدعوة الإسلامية والى نشر السلام، والى الدفاع عن دار الإسلام.
وإذا تذكرنا أن تعاليم القتال في الإسلام، تنص على الوفاء بالعهود، واحترام المواثيق، والترفع عن الظلم والعدوان، وإقرار السلام.
وإذا تذكرنا أهداف القتال في الاسلام وتعاليمه، علمنا بأن: إرادة القتال، التي تتغلغل في أعماق المسلم الحق، مبنية على أسس سليمة رصينة، لأن هذا المسلم يؤمن إيمانا عميقا بأنه يخوض (حربا عادلة) ، وهذه الحرب هي (حافز) جديد تجعل من المؤمن مقاتلا رهيبا، كما عبر ذلك العسكريون المحدثون.
стр. 27
ولكن (إرادة القتال في الجهاد الإسلامي) ، تسيطر على المسلم في ميدان القتال أيام الحرب، كما تسيطر عليه في أيام السلام.
وإن الهدف الحيوي من الحرب هو تحطيم الطاقات المادية والمعنوية للعدو فإذا انتصر عليه في ميدان الحرب، واستطاع أن يحطم طاقاته المادية، فلا بد من جهود أخرى لتحطيم طاقاته المعنوية، ليكون النصر كاملا يؤدي الى الاستسلام.
وهنا تبدأ الحرب النفسية، التي تستهدف الطاقات المعنوية بالدرجة الأولى.
وفي تاريخ الحروب أمثلة لا تعد ولا تحصى، عن انتصارات استطاعت القضاء على الطاقات المادية، ولكنها لم تستطع القضاء على المعنوية، فكانت انتصارات ناقصة استمرت فترة من الزمن ثم أصبح المهزوم منتصرا وأصبح لمنتصر مهزوما.
فكيف يصاول الاسلام الحرب النفسية، ليصون معنويات المسلمين من الانهيار؟
كيف يحافظ الإسلام على إرادة القتال، في أيام السلام؟
لعل أهم أهداف الحرب النفسية هي التخويف من الموت والفقر ومن القوة الضاربة للمنتصر، ومجاولة جعل النصر حاسما والدعوة الى الاستسلام، وبث الاشاعات والأراجيف، وإشاعة الاستعمار الفكري بالغزو الحضاري، وإشاعة اليأس والقنوط.
المؤمن حقا لا يخشى الموت: (إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا
стр. 28
يَسْتَقْدِمُونَ) «١» . وقال تعالى: (فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ) «٢» ، وقال تعالى: (وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) «٣» ، وقال تعالى: (أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ) «٤» ، وقال تعالى: (قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ) «٥» .
إن المؤمن حقا يعتقد اعتقادا راسخا، بأن الآجال بيد الله ، وما أصدق قولة خالد بن الوليد ﵁: (ما في جسمي شبر إلا وفيه طعنة رمح أو سيف، وها أنا أموت على فراشي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء) .
والمؤمن حقا لا يخاف الفقر، لأنه يعتقد اعتقادا راسخا، بأن الأرزاق بيد الله : (وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ) «٦» ، وقال تعالى:
(وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ) «٧» ، وقال تعالى:
(فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) «٨» .
والمؤمن حقا لا يخشى قوات العدو الضاربة، فما انتصر المسلمون في أيام الرسول القائد عليه أفضل الصلاة والسلام وفي أيام الفتح الإسلامي العظيم، لعدد أو عدد، بل كان انتصارهم انتصار عقيدة لامراء. قال تعالى: (قالَ الَّذِينَ
стр. 29
يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ، وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) «١» ، وقال تعالى: (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ، إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ، وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ) «٢» .
والمؤمن حقا لا يقر بانتصار أحد عليه ما دام في حماية عقيدته، لذلك فهو يعرف أن الانتصار في معركة قد يدوم ساعة ولكنه لا يدوم الى قيام الساعة:
(إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ، وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ) «٣» .
والمؤمن حقا لا يستسلم بعد هزيمته، لأنه يعلم بأن بعد العسر يسرا: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ، وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ) «٤» ، وقال تعالى: (وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) «٥» .
والمؤمن حقا لا يصدق الإشاعات والأراجيف: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) «٦» ، وقال تعالى: (لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ) «٧» ، وقال تعالى: (وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ، لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) «٨» .
стр. 30
والمؤمن حقا يقاوم الاستعمار الفكري ويصاول الغزو الحضاري لأن له من مقومات دينه وتراث حضارته، ما يصونه من تيارات المبادىء الوافدة التي تذيب شخصيته وتمحو آثاره من الوجود.
والمؤمن حقا لا يقنط أبدا ولا ييأس من نصر الله ورحمته: (لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً) «١» ، وقال تعالى: (وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ) «٢» ، وقال تعالى: (وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ) «٣» ، وقال تعالى: (وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ) «٤» .
٥ ولكن القول بأن الحوافز الروحية وحدها هي التي تؤجج إرادة القتال في المؤمن الحق، لا يغني عن كل قول.
والواقع أن في الاسلام حوافز (مادية) لا تقل أهمية عن الحوافز (الروحية) تعمل جنبا لجنب لترصين ارادة القتال، في نفوس المسلمين وعقولهم معا.
ومن أهم الحوافز المادية: عدم الاستهانة بالعدو أولا، والإعداد الحربي تدريبا وتسليحا وتنظيما وتجهيزا وقيادة ثانيا.
لقد استهان المسلمون بعدوهم يوم (حنين) . فغلبوا على أمرهم في الصفحة الأولى من صفحات ذلك اليوم العصيب: (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ، فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً، وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ) «٥» .
стр. 31
والحذر واليقظة من مظاهر عدم الاستهانة بالعدو: (وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) «١» ، وقال تعالى: (يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ) «٢» ، وقال تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا) «٣» ، وقال تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ) «٤» ، وقال تعالى: (فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ) «٥» .
إن الاستهانة بالعدو، تؤدي حتما الى الاندحار، وما أصدق المثل العربي القائل: (إذا كان عدوك نملة، فلا تنم له) .
والإعداد الحربي إعدادا متكاملا، يرفع المعنويات ويقوي الثقة بالنفس ويلهب مزية إرادة القتال، قال تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ، وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ) «٦» ، وقال تعالى: (وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ) «٧» .
تلك هي معالم: (إرادة القتال في الجهاد الإسلامي) ، وتلك هي الحوافز المادية والمعنوية التي جاء بها الاسلام، ليجعل من الأمة المسلمة التي تعمل بتعاليمه أمة لا تقهر أبدا.
стр. 32
ذلك لأن الاسلام بتعاليمه السمحة الرضية، جعل من المسلم الحق مطيعا لا يعصى، صابرا لا يتخاذل، شجاعا لا يجبن، مقداما لا يتردد، مقبلا لا يفر، صامدا لا يتزعزع، مجاهدا لا يتخلف، مؤمنا بمثل عليا، مضحيا من أجلها بالمال والروح، يخوض حربا عادلة لإحقاق الحق وإزهاق الباطل.
لا يخاف الموت، ولا يخشى الفقر، ولا يهاب قوة في الأرض، يسالم ولا يستسلم، ولا تضعف عزيمته الأراجيف والإشاعات، لا يستكين للاستعمار الفكري، ويقاوم الغزو الحضاري، ولا يقنط أبدا ولا ييأس من رحمة الله.
هذا المسلم الحق يقظ أشد ما تكون اليقظة، حذر أعظم ما يكون الحذر، يتأهب لعدوه ويعد العدة للقائه، ولا يستهين به في السلم أو الحرب.
فلا عجب أن يكون هذا المسلم الحق، متحليا بمزية: إرادة القتال، بل العجب كل العجب في ألا يكون.
وهذا ما يفسر لنا سر الفتح الإسلامي العظيم الذي امتد خلال ثمانين عاما «١» من الصين شرقا الى فرنسا غربا، ومن سيبيريا شمالا الى المحيط جنوبا.
ذلك لأن شعار المسلمين كان: (قُلْ: هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ) «٢» ، النصر أو الشهادة.
ولأن المسلمين كانوا يحرصون على الموت حرص غيرهم على الحياة: (الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ، فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا
стр. 33
اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ، لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ، وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ، وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ) «١» .
وأشهد أنني لم أقرأ، حتى في كتب التعبية «٢» وسوق الجيش الفنية «٣» الصادرة في النصف الثاني من القرن العشرين، أوضح تعبيرا وأدق تعريفا وأكثر شمولا وأوجز عبارة، مما جاء في القرآن الكريم في هذه الآية الكريمة تعريفا لإرادة القتال.
بل لا يقتصر معناها على إرادة القتال وحدها، بل يشمل تعريف: المعنويات العالية أيضا.
تلك هي عظمة القرآن الكريم، حتى المجالات العسكرية، ولكن يا ليت قومي يعلمون.
٦ والسؤال الذي يتردد اليوم هو: ألسنا مسلمين؟ وإذا كنا مسلمين، فلماذا لا ينصرنا الله على أعدائنا؟
والجواب على هذا السؤال، يورده القرآن الكريم بصراحة ووضوح.
قال تعالى: َ كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ)
«٤» ، فهل نحن مؤمنون حقا؟
وقال تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ) «٥» ، فهل نصرنا الله حقا حتى ينصرنا ويثبت أقدامنا؟
стр. 34
وقال تعالى: (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ، إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ. الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ) «١» فهل أقمنا الصلاة وآتينا الزكاة حقا وأمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر حقا؟
وقال تعالى: (انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا، وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) «٢» ، فهل نفرنا خفافا وثقالا، وهل جاهدنا بأموالنا وأنفسنا في سبيل الله؟
ولكن، ما مصير الذين لا ينفرون؟ قال تعالى: (إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً) «٣» .
كيف ينصرنا الله، ونحن لا نطبق تعاليمه، وهل ورد في القرآن ما يشير الى أن الله ينصر المسلمين الذين يتقبلون الاسلام بدون تكاليفه في الجهاد والعمل الصالح؟
إن هذا الأمر لا يصلح إلا بما صلح به أوله: العودة الى الاسلام وحينذاك سيقول يهود، كما قالوا من قبل: (إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ) «٤» . ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله.
والحمد لله كثيرا، وصلى الله على سيدي ومولاي رسول الله، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
محمود شيت خطاب
القتال في الاسلام
معنى القتال في الإسلام
هو قتال العدو، لتأمين حرّية نشر الدعوة وتوطيد أركان السلام، مع مراعاة حرب الفروسية الشريفة في القتال «١» .
متى شرع القتال في الإسلام
لم يؤذن للمسلمين في القتال قبل الهجرة من مكة المكرمة الى المدينة المنورة رغم ما ذاقوا من المر وكابدوا من فنون الأسى والضر، فلم يكن من همهم إلا أن ينشروا (دعوة) ، ويثبتوا (عقيدة) ويقولوا في حرارة وصدق: ربنا الله ... فلما اشتد عداء قريش وصمموا على القضاء على الدعوة الاسلامية، وأجمعوا أمرهم على قتل النبي ﷺ ، هاجر هو وأصحابه الى المدينة المنورة.
فهل وقف البغي، وخفّت حدّة العدوان؟ كلا، ظلت قريش تحارب المسلمين، وتخرجهم من ديارهم وأموالهم حتى أذن الله للمسلمين في القتال فنزلت فيه أول آية: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ. الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا: رَبُّنَا اللَّهُ) «٢» .
стр. 37
لقد خرج الرسول ﷺ غازيا في صفر على رأس اثني عشر شهرا من مقدمه الى المدينة المنورة، وبذلك بدأ القتال (فعلا) في الإسلام.
أهداف القتال في الإسلام
١- حماية حرية نشر الدعوة:
ليس من أهداف الحرب في الاسلام (نشر) الدعوة، بل (حماية حرية) نشرها، لأن نشر الاسلام بالقوة معناه الإكراه، والله تعالى يقول: (لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ، قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) «١» . ولو كان الفضل في انتشار الإسلام لسيوف أهله ورماحهم، لزال سلطانه من القلوب بزوال سلطان دولته حين ضعف أهله وغلبوا على أمرهم.
ولكنّ هدف الحرب في الاسلام هو حماية العقيدة وتأمين حرية انتشارها بين الناس، وصدّ الاعتداء الخارجي على بلاد المسلمين: (وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ، وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) «٢» .
إن الحرب في الاسلام حرب دفاعية، لا يبدأ المسلمون فيها بالاعتداء على أحد، ولا يقاتلون إلا مكرهين على القتال، ويعتبرون الحرب كفاح شرف لا يجوز أن يلجأ المحاربون فيها الى عمل أو إجراء يتنافى مع الشرف، فهم مقيدون باحترام العهد، والترفّع عن الخيانة، ومواساة الجرحى والمرضى والأسرى والعناية بهم، وعدم التعرّض بسوء لغير المقاتلين والنساء والأطفال
стр. 38
والشيوخ والرهبان والعبيد والفلاحين ... الخ «١» .
٢- توطيد أركان السلام:
تكون الأمة بغير جيش قوي عرضة للضياع، إذ يطمع فيها أعداؤها ولا يهابون قوّتها، فاذا كان لها جيش قوي احترم العدو إرادتها، فلا تحدّثه نفسه باعتداء عليها، فيسود عند ذاك السلام: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل، ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم، وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوفّ إليكم وأنتم لا تظلمون
стр. 39
وإن جنحوا (للسلم) فاجنح لها) ... : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً) «١» .
إن السلام في الاسلام (دين) ، أما عند غيرهم؟! ...
إنّ الإسلام كما تدل عليه تسميته دين أمن وسلام، يقوم على أساس الود والتسامح، لا يجيز الحرب إلا في حالات محدودة بحيث تعتبر فيما عداها جريمة.
стр. 40
أنواع القتال في الإسلام
١- قتال المسلمين للمسلمين:
هذا النوع من القتال، هو شأن من الشئون الداخلية للمسلمين، فقد فرض القرآن الكريم حالة بغي وخروج على النظام العام تقع بين طوائف المسلمين بعضها مع بعض، أو بين الرعية وراعيها، فوضع لها تشريعا من شأنه أن يحفظ على الأمة وحدتها وعلى الهيئة الحاكمة سلطانها وهيبتها، ويقي المجموع شرّ البغي والتعادي: (وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما، فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ، فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ. إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) «١» .
هاتان الآيتان الكريمتان تفرضان حالة اختلاف يقع بين طائفتين من المؤمنين، ولا يستطاع حله بالوسائل السلمية، فتلجأ كل منهما الى القوة، فتوجب هاتان الآيتان على الأمة ممثلة في حكومتها أن تنظر فيما بين الطائفتين من أسباب الشقاق، وتحاول الإصلاح بينهما؛ فان وصلت الى ذلك عن طريق المفاوضات وأخذ كل ذي حق حقه، ورد البغي واستقرّ الأمن، فقد كفى الله المؤمنين شرّ القتال؛ وإن بغت إحداهما على الأخرى، واستمرّت على العدوان، وأبت أن تخضع للحق وتنزل على حكم المؤمنين، كانت بذلك باغية خارجة على سلطة القانون متمردة على التشريع الإلهي والنظام؛ فيجب على جماعة المسلمين قتالها، حتى تخضع وترجع إلى الحق.
إن القصد من هذا التشريع، هو المحافظة على وحدة الأمة، وعدم إفساح المجال لتفرقها، لذلك فهذه الحرب طريق (للسلم) وقضاء على البغي والعدوان.