← Сира

Сира · id 9824

الرسول القائد

محمود شيت خطاب

Полный текст (477 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

القتال في الاسلام معنى القتال في الإسلام هو قتال العدو، لتأمين حرّية نشر الدعوة وتوطيد أركان السلام، مع مراعاة حرب الفروسية الشريفة في القتال «١» . متى شرع القتال في الإسلام لم يؤذن للمسلمين في القتال قبل الهجرة من مكة المكرمة الى المدينة المنورة رغم ما ذاقوا من المر وكابدوا من فنون الأسى والضر، فلم يكن من همهم إلا أن ينشروا (دعوة) ، ويثبتوا (عقيدة) ويقولوا في حرارة وصدق: ربنا الله ... فلما اشتد عداء قريش وصمموا على القضاء على الدعوة الاسلامية، وأجمعوا أمرهم على قتل النبي ﷺ ، هاجر هو وأصحابه الى المدينة المنورة. فهل وقف البغي، وخفّت حدّة العدوان؟ كلا، ظلت قريش تحارب المسلمين، وتخرجهم من ديارهم وأموالهم حتى أذن الله للمسلمين في القتال فنزلت فيه أول آية: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ. الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا: رَبُّنَا اللَّهُ) «٢» .

стр. 37

لقد خرج الرسول ﷺ غازيا في صفر على رأس اثني عشر شهرا من مقدمه الى المدينة المنورة، وبذلك بدأ القتال (فعلا) في الإسلام. أهداف القتال في الإسلام ١- حماية حرية نشر الدعوة: ليس من أهداف الحرب في الاسلام (نشر) الدعوة، بل (حماية حرية) نشرها، لأن نشر الاسلام بالقوة معناه الإكراه، والله تعالى يقول: (لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ، قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) «١» . ولو كان الفضل في انتشار الإسلام لسيوف أهله ورماحهم، لزال سلطانه من القلوب بزوال سلطان دولته حين ضعف أهله وغلبوا على أمرهم. ولكنّ هدف الحرب في الاسلام هو حماية العقيدة وتأمين حرية انتشارها بين الناس، وصدّ الاعتداء الخارجي على بلاد المسلمين: (وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ، وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) «٢» . إن الحرب في الاسلام حرب دفاعية، لا يبدأ المسلمون فيها بالاعتداء على أحد، ولا يقاتلون إلا مكرهين على القتال، ويعتبرون الحرب كفاح شرف لا يجوز أن يلجأ المحاربون فيها الى عمل أو إجراء يتنافى مع الشرف، فهم مقيدون باحترام العهد، والترفّع عن الخيانة، ومواساة الجرحى والمرضى والأسرى والعناية بهم، وعدم التعرّض بسوء لغير المقاتلين والنساء والأطفال

стр. 38

والشيوخ والرهبان والعبيد والفلاحين ... الخ «١» . ٢- توطيد أركان السلام: تكون الأمة بغير جيش قوي عرضة للضياع، إذ يطمع فيها أعداؤها ولا يهابون قوّتها، فاذا كان لها جيش قوي احترم العدو إرادتها، فلا تحدّثه نفسه باعتداء عليها، فيسود عند ذاك السلام: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل، ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم، وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوفّ إليكم وأنتم لا تظلمون

стр. 39

وإن جنحوا (للسلم) فاجنح لها) ... : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً) «١» . إن السلام في الاسلام (دين) ، أما عند غيرهم؟! ... إنّ الإسلام كما تدل عليه تسميته دين أمن وسلام، يقوم على أساس الود والتسامح، لا يجيز الحرب إلا في حالات محدودة بحيث تعتبر فيما عداها جريمة.

стр. 40

أنواع القتال في الإسلام ١- قتال المسلمين للمسلمين: هذا النوع من القتال، هو شأن من الشئون الداخلية للمسلمين، فقد فرض القرآن الكريم حالة بغي وخروج على النظام العام تقع بين طوائف المسلمين بعضها مع بعض، أو بين الرعية وراعيها، فوضع لها تشريعا من شأنه أن يحفظ على الأمة وحدتها وعلى الهيئة الحاكمة سلطانها وهيبتها، ويقي المجموع شرّ البغي والتعادي: (وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما، فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ، فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ. إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) «١» . هاتان الآيتان الكريمتان تفرضان حالة اختلاف يقع بين طائفتين من المؤمنين، ولا يستطاع حله بالوسائل السلمية، فتلجأ كل منهما الى القوة، فتوجب هاتان الآيتان على الأمة ممثلة في حكومتها أن تنظر فيما بين الطائفتين من أسباب الشقاق، وتحاول الإصلاح بينهما؛ فان وصلت الى ذلك عن طريق المفاوضات وأخذ كل ذي حق حقه، ورد البغي واستقرّ الأمن، فقد كفى الله المؤمنين شرّ القتال؛ وإن بغت إحداهما على الأخرى، واستمرّت على العدوان، وأبت أن تخضع للحق وتنزل على حكم المؤمنين، كانت بذلك باغية خارجة على سلطة القانون متمردة على التشريع الإلهي والنظام؛ فيجب على جماعة المسلمين قتالها، حتى تخضع وترجع إلى الحق. إن القصد من هذا التشريع، هو المحافظة على وحدة الأمة، وعدم إفساح المجال لتفرقها، لذلك فهذه الحرب طريق (للسلم) وقضاء على البغي والعدوان.

стр. 41

٢- قتال المسلمين لغير المسلمين: شرع قتال المسلمين لغير المسلمين لرد العدوان على بلاد المسلمين وحماية الدعوة، وحماية حرية انتشار الدين، والقرآن الكريم حينما شرع القتال نأى به عن جوانب الطمع والاستئثار وإذلال الضعفاء، وتوخّى به أن يكون طريقا الى السلام والاطمئنان وتركيز الحياة على موازين العدل والإنصاف. وليست الجزية عوضا ماليا عن دم أو عقيدة، وإنما هي لحماية المغلوبين في أموالهم وعقائدهم وأعراضهم وكرامتهم وتمكينهم من التمتع بحقوق الرعاية مع المسلمين سواء بسواء ... يدل على ذلك أن جميع المعاهدات التي تمت بين المسلمين وبين المغلوبين من سكان البلاد، كانت تنصّ على هذه الحماية في العقائد والأموال. وقد جاء في عهد خالد بن الوليد لصاحب (قسّ الناطف) : (إني عاهدتكم على الجزية والمنعة ... فإن منعناكم فلنا الجزية، وإلا فلا حتى نمنعكم) «١» . لقد ردّ خالد بن الوليد على أهل (حمص) وأبو عبيدة على أهل (دمشق) ، وبقية القواد المسلمين على أهل المدن الشامية المفتوحة ما أخذوه منهم من الجزية حين اضطر المسلمون الى مغادرتها في ظروف حربية صعبة، وكان مما قال القواد المسلمون لأهل تلك المدن: (إنا كنا قد أخذنا منكم الجزية على المنعة والحماية، ونحن الآن عاجزون عن حمايتكم، فهذه هي أموالكم نردها إليكم) . لقد كان فرض الجزية في الاسلام أبعد ما يكون عن الاستغلال والطمع في أموال المغلوبين، إذ كانت تفرض بمقادير قليلة على المحاربين والقادرين على العمل فحسب، وكانت على ثلاثة أقسام: أعلاها وهو (٤٨) درهما في السنة على

стр. 42

الأغنياء (حوالي دينارين ونصف دينار عراقي أو عشرين ليرة سورية أو لبنانية أو ٢٤٠ قرشا مصريا) . وأوسطها وهو (٢٤) درهما في السنة على المتوسطين من تجار وزراع. وأدناها وهو (١٢) درهما في السنة على العمال المحترفين الذين يجدون عملا. وهذا مبلغ لا يكاد يذكر بجانب ما يدفعه المسلم نفسه من زكاة ماله وهو بنسبة اثنين ونصف في المائة القدر الشرعي لفريضة الزكاة. إن إسقاط الجزية عن الفقير والصبي والمرأة والراهب والمنقطع للعبادة والأعمى والمقعد وذوي العاهات أكبر دليل على أن الجزية يراعى فيها قدرة المكلفين على دفعها، كما أن تقسيمها الى ثلاث فئات دليل على مراعاة رفع الحرج والمشقة في تحصيلها، وقد جاء في عهد خالد لصاحب (قس الناطف) : (إني عاهدتكم على الجزية والمنعة على كل ذي يد: القوي على قدر قوته، والمقل على قدر إقلاله) . ليس ذلك فحسب، بل أعفى الإسلام دافع الجزية من الخدمة في الجيش. والذمي الذي يقبل التطوع في الجيش الإسلامي تسقط عنه الجزية، وهذا معناه أن الجزية تشابه البدل النقدي للخدمة العسكرية في عصرنا الحاضر. كما ضمن الإسلام إعالة البائسين والمحتاجين من الذميين. جاء بعهد خالد بن الوليد لأهل الحيرة: (وأيما شخص ضعف عن العمل أو أصابته آفة من الآفات أو كان غنيا فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه، طرحت جزيته وأعيل من بيت مال المسلمين وعياله) . إن فرض الجزية لا يحمل معنى الامتهان والإذلال، ومعنى (صاغرون) في آية الجزية: (حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ) «١» ، هو الخضوع، إذ من معاني الصغار في اللغة الخضوع، ومنه أطلق (الصغير) على الطفل لأنه

стр. 43

يخضع لأبويه ولمن هو أكبر منه؛ والمراد بالخضوع حينئذ الخضوع لسلطان الدولة، بحيث يكون في دفع الجزية معنى الالتزام من قبل أهل الذمة بالولاء للدولة، كما تلتزم الدولة لقاء ذلك بحمايتهم ورعايتهم واحترام عقائدهم. ولا توجد آية في القرآن الكريم تدل أو تشير الى أن القتال في الإسلام لحمل الناس على اعتناقه. وقد نصّ القرآن الكريم بوضوح على طريقة معاملة المسلمين لغير المسلمين: (لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ. إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ، وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) «١» . واقرأ الآية الكريمة، وهي من أواخر القرآن نزولا، فهي تحدّد أيضا علاقة المسلمين بغيرهم: (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ، وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ، وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ، وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ، وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ) «٢» . من ذلك يفهم أن علاقة المسلمين بغير المسلمين هي: برّ، وقسط «٣» ، وتعاون، ومصاهرة.

стр. 44

تنظيم القتال في الإسلام ١- تقوية المعنويات: يعمل الاسلام على تقوية معنويات المقاتلين في سبيل الله، فيعدهم بمضاعفة أجر العاملين وثواب المجاهدين، لأنهم يقاتلون في سبيل إنقاذ الضعفاء والبر بالإنسان ومقاومة الجبروت والطغيان، ولدحض عوامل الشر والإفساد: (فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ، وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً. وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها، وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً. الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ، فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ، إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً) «١» . واستأصل الاسلام جميع النواحي التي ينبعث من قبلها الجبن والخور، وحثّ المؤمنين على الجهاد في سبيل الله والحق، في سبيل الخير والسعادة، فلا الآباء ولا الأبناء ولا الإخوان ولا الأزواج ولا العشيرة ولا الأموال ولا التجارة التي يخشى كسادها ولا المساكن، لا شيء من ذلك كله يصح أن يحول بين المؤمنين وبين ما تقتضيه محبّة الله ورسوله من تضحية وجهاد: (قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها، أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ، فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ، وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ) «٢» .

стр. 45

بمثل هذا الأسلوب القوي، حارب الاسلام عوامل الضعف ونزعات الخوف، وغرس في نفوس الأمة خلق الشجاعة والتضحية والاستهانة بزخرف الحياة في سبيل الحق ونصرته: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا، وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) «١» . لقد توخّى الاسلام تقوية الروح المعنوية، وقد كانت المعنويات العالية ولا تزال، من أهم مزايا الجيوش ذات القيمة العسكرية الرفيعة، كما أنها من أهم مبادىء الحرب. ٢- إعداد القوة المادية: حثّ الإسلام على الاهتمام بناحيتين: القوة والرباط. فأما القوة فتتناول العدد والعدّة، وهذا يتّسع لكل ما عرف ويعرف من حشد الرجال وإعداد آلات الحرب ووسائل القتال ومواد التموين والقضايا الإدارية الأخرى. وأما الرباط فيتّسع لكل ما عرف أيضا من تحصين الحدود والثغور والأماكن الواهنة تجاه العدو، وتهيئة القوة الكاملة فيها لحمايتها. يهدف الاسلام بالحثّ على إعداد هاتين الناحيتين الى تأمين السلم والاستقرار، وذلك لإرهاب العدو، حتى لا تحدّثه نفسه باستغلال ناحية من نواحي الضعف والتخاذل: (وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً) «٢» . كما يحثّ الإسلام على إنشاء المعامل الحربية لصنع الأسلحة، ويذكّر بالحديد بصورة خاصة للاستفادة منه للأغراض العسكرية: (وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ

стр. 46

فِيهِ (بَأْسٌ) شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ، وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ، إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) «١» . إن الجهاد في الاسلام إنما يتوخى الاستعداد الدائم للمنافحة عن الحق وحمايته، ولتكون لدى المسلمين قوة ضاربة يحسب لها ألف حساب قبل أن يقدم على الاضرار بمصالح المسلمين العليا. ٣- التنظيم العملي للقتال: أ- الإعفاء من الجندية: أسباب الإعفاء من الجندية في الاسلام محصورة في الضعف، ويشمل الضعف: المرض والعجز والشيخوخة وعدم القدرة على الإنفاق: (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ «٢» ) . لم يجعل الاسلام من أسباب الإعفاء من الجندية حمل الشهادات العلمية، ولا الانتساب الى الجامعات، ولا حفظ القرآن الكريم، ولا دفع البدل النقدي، ولا النبوّة لحاكم كبير مما عهدناه في عصور الانحلال، بل كان العمل في عصر النبي ﷺ والعصور التالية له على عكس ذلك؛ وما كان التفكير في جمع القرآن الكريم، إلا خوفا من أن يذهب بذهاب القرّاء الذين كانوا أكثر القوم إقداما وبسالة في حرب (اليمامة) ، وكان إقدامهم وجرأتهم على اقتحام صفوف الأعداء سببا في أن يستحرّ «٣» القتل فيهم. ب- إعلان الحرب: حذر القرآن الكريم من انتهاز غفلة العدو وأخذه على غرّة غدرا: (وَإِمَّا

стр. 47

تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً، فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ) «١» . فتطلب الآية الكريمة طرح العهد عند توجّس الشر منهم، وتطلب أن يكون هذا النبذ صريحا. إن المسلمين لا يخونون أحدا ولا يغدرون بأحد، ويعلنون الحرب صراحة على أعدائهم، ثم يشرعون بعد هذا الإعلان في القتال. ج- الدعوة للجهاد: حذر الاسلام من التباطؤ في تلبية داعي الجهاد والتثاقل عنه: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ؟ أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ، فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ. إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً، وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) «٢» . د- عقاب المتخلفين: عاقب الاسلام المتخلّف عن الجهاد عقابا نفسيا، إذ يهجر المتخلف أهله حتى زوجه، كما يهجره المسلمون جميعا ويقاطعونه، وينظر إليه المجتمع نظرة احتقار وازدراء: (وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ، وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ، ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا) «٣» . فقد تاب الله عليهم بعد كل هذا العقاب النفسي ليتوبوا ولا يعودوا الى التخلّف مرة أخرى.

стр. 48

إن عقاب المتخلّف يقتصر عليه فقط ولا يشمل أهله وعشيرته ولا سكان قريته، كما حدث في القرن العشرين عند قسم من الدول الكبرى، إذ نزل العقاب الصارم بأهل المتخلّف وعشيرته، وحتى بأهل قريته في بعض الأحيان، بحجّة أن هؤلاء يجب أن يسلموا المتخلّف أو ينالهم العقاب. هـ- تطهير الجيش: يأمر الاسلام بتطهير الجيش من عناصر الفتنة والخذلان ومن الذين يختلفون عن أفراده بالعقيدة، حتى يكون الجيش كله مؤمنا بعقيدة واحدة يعمل لتحقيقها ويبذل كل ما يملكه في سبيلها، وبذلك يستطيع الفوز في الحرب: (وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا) «١» ... وأساليب القتال: ينظم الاسلام مواضعه الدفاعية، ويوزع وحداته على تلك المواضع: (وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ) «٢» . ويبتكر القتال بأسلوب الصف الذي لم تكن العرب تعرفه حينذاك، بل كانت تقاتل بأسلوب الكرّ والفر: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ) «٣» . إنّ أسلوب الصف يتفق مع أساليب القتال في العصر الحاضر، فهو يؤمّن العمق والاحتياط، ليستطيع القائد معالجة المواقف التي ليست في الحسبان. ز- الضبط «٤» : يحثّ الاسلام على السمع والطاعة للقيادة العامة، والثبات في المواقف

стр. 49

وتجنّب أسباب الفشل، والاعتصام بالله وباليقين: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ، وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) «١» كما حذّر الاسلام من الفرار وبين سوء عاقبته: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ، وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ، فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) «٢» . ح- الكتمان: حذّر الاسلام من إذاعة الأسرار العسكرية، وجعل إذاعتها من شأن المنافقين، وطلب الرجوع بها الى القيادة العامة، كما طلب من المسلمين أن يتثبتوا مما يصلهم من أنباء قبل الركون إليها والعمل بها: (لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ، لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلَّا قَلِيلًا) «٣» . ويقول القرآن الكريم: (وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ، وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ، لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) «٤» .

стр. 50

ط- الهدنة «١» والصلح: أمر الاسلام بتلبية دعوة السلم ووقف الحرب إذا جنح إليها الأعداء، وظهرت منهم علامات الصدق والوفاء: (وَإِنْ جَنَحُوا (لِلسَّلْمِ) فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ، هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ) «٢» .

стр. 51

ي- الأسرى: خيّر الاسلام القائد بين أن يمنّ على الأسرى ويطلقهم من غير فدية أو مقابل، أو يأخذ منهم الفدية من مال ورجال، وذلك على حسب ما يرى من المصلحة: (فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ، حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ، فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً) «١» . لقد حرّم الاسلام قتل الأسير، ومن اسلم امتنع قتله ... ومن أسلم قبل أسره ولو لخوف فهو كالمسلم الأصلي يحرم دمه أيضا. ك- المحافظة على العهود: حثّ الاسلام بصورة خاصة على حفظ العهود، وأوجب الوفاء بها، وحرّم الخيانة فيها والعمل على نقضها، وأرشد الى أن القصد منها إحلال الأمن والسلم محل الاضطراب والحرب، وحذّر أن تكون وسيلة للاحتيال على سلب الحقوق والوقيعة بالضعفاء: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ، وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا، إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ. وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً، تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ) «٢» . شروط القبول للجندية لا يقبل في جيش المسلمين إلا من تتوفّر فيه الشروط التالية: ١- البلوغ: اعتبر سنّ البلوغ السادسة عشرة كما هو الحال في أكثر الدول في الوقت الحاضر.

стр. 52

ولا يقتصر التجنيد على الرجال البالغين، بل يشمل النساء البالغات «١» أيضا، فقد استصحب الرسول ﷺ النساء في غزواته، بل كان يصحب معه أزواجه بالاقتراع.

стр. 53

ولم يعترض أحد على اشتراك النساء في الحرب على عهد الخلفاء الراشدين والأمويين، فلما جاء العباسيون ظهر بعض الفقهاء فأضافوا الى شروط الخدمة العسكرية شرطا خامسا وهو (الذكورة) ، فحرموا الجيش من عنصر فعّال يزيد في عدده ومعنوياته، وهذا منهم انحراف لا يقرّه الإجماع. ٢- الاسلام: ليدافع عن بلاد المسلمين عن عقيدة وإخلاص، والعقيدة من أهم أسباب النصر، لأن الانسان بدون عقيدة لا يمكن أن يقاتل قتالا مستميتا، ولا يمكن أن يصمد صمودا عنيدا، لذلك لا يمكن أن ينتصر أبدا. ٣- السلامة: تمتّع الجندي بالصحة الكاملة والعقل السليم، ومن أسباب العجز عندهم المرض المزمن، وهو الذي طال عليه الأمد، والعمى. ٤- الاقدام: وهو أن يكون قوي البنية، عارفا بالقتال، قادرا على استخدام سلاحه، متحملا مشاق السفر، غير جبان. النفير ينقسم النفير قسمين: لكل قسم موضعه الخاص به. ١- النفير العام: وذلك في حالة الدفاع، أي عند اعتداء العدو على بلاد المسلمين، فعند ذاك يكون النفير عاما، ولا يتخلّف عن الجهاد مسلم إلا ويرمى بالنفاق، ويعاقب بأشدّ العقاب.

стр. 54

إن الجهاد في هذه الحالة (فرض عين) «١» كما يعبّر عنه الفقهاء. والنفير العام معناه دعوة جميع القادرين على حمل السلاح للاشتراك في الحرب. ٢- النفير الخاص: وذلك في حالة التعرض أي في حالة مهاجمة العدو في بلاده «٢» إذ يدعى نفر من الأمة للفتح، وعند ذاك يكون النفير خاصا، وفي هذه الحالة يكون الجهاد (فرض كفاية) «٣» ، كما يعبّر عنه الفقهاء ... والنفير الخاص معناه دعوة بعض القادرين على حمل السلاح للاشتراك في الحرب، أو دعوة القادرين على حمل السلاح في قسم من البلاد. - الخلاصة لقد أوضحنا القتال في الاسلام من الوجهة النظرية، وسنرى التطبيق العملي لكل ما أوضحناه في جهاد الرسول ﷺ . ومن ذلك يتضح أن الاسلام يدعو للقتال كضرورة لحماية حرية التوحيد: توحيد الله وتوحيد الناس. إن الاسلام لا يؤمن بالحروب التي تثيرها العصبيّة العنصرية كما يستبعد الحروب التي تثيرها المطامع والمنافع: حروب الاستعمار والاستغلال والبحث عن الأسواق والخامات واستعباد المرافق والرحال، كما يستبعد الاسلام تلك الحروب التي يثيرها حب الأمجاد الزائفة أو حب المغانم الشخصية.

стр. 55

إن القتال في الاسلام ليس أساس العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين، وهذا طبيعي في دين لا ينشره أصحابه للتوسع الاقتصادي وللاستغلال، دين يحرم العدوان ويشرع التكافؤ والمساواة بين الناس ويجعل مقياس التفاضل بينهم التقوى والعمل الصالح. إن السلم في الاسلام هو القاعدة الثابتة والحرب هي الاستثناء «١» ...

стр. 56

قبل نشوب القتال (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ، وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) . (القرآن الكريم)

стр. 57

الموقف العسكري العام المسلمون ١- في مكة المكرمة (الوحدة والتوحيد من أجل الجهاد) : أ- الدعوة سرا: بدأ العمل للحشد العسكري منذ نزل الوحي على الرسول ﷺ ، فأخذ يدعو الناس الى توحيد الله وتزكية نفوسهم وتطهيرها، وتوحيد الصفوف وفناء مصلحة الفرق في مصلحة الجماعة: (فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ، وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) «١» . عرض الرسول ﷺ الاسلام على آل بيته وأصدقائه الذين يعتمد عليهم، فآمن به الصفوة المختارة الذين كوّنوا النواة الأولى لجيش المسلمين ... واستمرت الدعوة سرا ثلاث سنين حتى نزل قول الله: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) «٢» . لقد جاهد الرسول ﷺ في هذه الفترة ليوحد الله ويوحد العقيدة ويوحد الصفوف ويوحّد الهدف. ب- الدعوة علنا: أخذ الرسول ﷺ يدعو قريشا الى الاسلام علنا، وابتدأت قريش تظهر خصومتها للدعوة، وأخذت خصومتهم تشتدّ وتعنف كلما زاد عدد المسلمين.

стр. 58

اعتبرت قريش المسلمين عصاة ثائرين، فاستباحت في الحرم الآمن الدماء والأموال من المستضعفين المسلمين ممن لا أعوان لهم يدفعون عنهم الظلم والعدوان. أسلم عمّار بن ياسر وأسلم أبوه وأمّه، فكان المشركون يخرجونهم في الظهيرة الى العراء فيعذبونهم بحرّها، فمات ياسر من العذاب، وأغلظت امرأته القول لأبي جهل، فطعنها بحربة فماتت هي أيضا. ولاقى مثل هذا العذاب ومثل هذا المصير كثير من المستضعفين. ولم تكتف قريش بذلك، بل شنّت حربا من السخرية على الرسول ﷺ وعلى أصحابه، فزعموا أن الرسول ساحر، وزعموا أنه كاهن أو شاعر أو مجنون. وسيطرت قريش على القبائل الوافدة الى مكة المكرمة للحج أو للزيارة أو لأغراض أخرى، فخصصوا جماعة منهم لاستقبال الوافدين لينفروهم عن محمد ﷺ ودعوته. ولكنّ الرسول ﷺ كان يذهب الى الحجيج في مجامعهم، ويطلب منهم النصرة على مشهد من رجال قريش. واشتدت مقاومة قريش للمسلمين، فأوعز الرسول ﷺ الى المستضعفين منهم والى قسم من أصحابه أن يهاجروا الى الحبشة، وكان ذلك في السنة الخامسة من مبعثه. ورأت قريش انتشار الاسلام، فعزمت على عقد معاهدة تعتبر فيها المسلمين ومن يرضى بدينهم أو يعطف عليهم أو يحمي أحدا منهم حزبا واحدا: لا يبيعونهم شيئا ولا يبتاعون منهم شيئا، ولا يزوجونهم أو يتزوجون منهم؛ وكتبوا ذلك في صحيفة علّقوها في جوف الكعبة توكيدا لنصوصها، فاضطر

стр. 59

الرسول ﷺ ومن معه أن يلتجئوا الى شعب بني هاشم «١» ، وانحاز إليهم بنو المطّلب كافرهم ومؤمنهم عدا أبا لهب، فقد آزر قريشا في خصومتها لقومه. واشتد الحصار على المسلمين، فقلّ غذاؤهم وكساؤهم، وبلغ بهم الجهد أقصاه، ومع ذلك لم تفتر خصومة قريش في حملتها على الاسلام وأصحابه وتأليبها العرب عليهم في كل مكان. وتحمّل المسلمون هذه المحنة ثلاث سنوات، حتى تيقظ ضمير بعض أفراد قريش، فنقضوا صحيفة القطيعة. ج- بيعة العقبة الأولى: قدم سويد بن الصامت «٢» من الأوس الى مكة حاجا، فتصدى له الرسول ﷺ ودعاه الى الاسلام، فقال سويد: (إن هذا القول حسن) ثم انصرف الى المدينة وأخبر قومه بما سمع، ولكنه قتل يوم (بعاث) «٣» عند نشوب القتال بين قومه الأوس وأعدائهم الخزرج من أهل المدينة المنوّرة.

стр. 60

وخرج الرسول ﷺ يعرض نفسه على القبائل في موسم الحج، فرأى سبعة رجال من الخزرج عند (العقبة) «١» ، فعرض عليهم الاسلام، فأجابوه وصدّقوه. فلما عاد هؤلاء الى المدينة المنورة، ذكروا إسلامهم لقومهم، ودعوهم الى الاسلام، فانتشر الاسلام في المدينة المنورة. وبعد عام واحد قدم الى مكة في موسم الحج اثنا عشر رجلا، فلقوا الرسول ﷺ في (العقبة) ، فبايعوه على الايمان بالله وحده والاستمساك بفضائل الأعمال والبعد عن الحمية الجاهلية. وبعث النبي ﷺ مصعب بن عمير «٢» ليتعهّد انتشار الاسلام في المدينة المنورة ويقرأ على أهلها القرآن ويفقههم في الدين، فدخلت في الاسلام جموع غفيرة من أهل (يثرب) «٣» . إن بيعة (العقبة) أول نجاح عسكري للرسول ﷺ خارج مكة المكرمة،

стр. 61

إذ انتشر الاسلام في (يثرب) ، فأصبح للنبي ﷺ فيها جنود يعتمد عليهم في الملمات ... د- بيعة العقبة الثانية: لما انتشر الاسلام في المدينة المنورة، خرج منها سبعون رجلا من المسلمين مع قومهم المشركين يريدون لقاء الرسول ﷺ في موسم الحج في مكة؛ فلما وصلوا، واعدوا الرسول أن يجتمعوا به ليلا في (العقبة) . ومضى ثلث الليل فأخذوا يتسللون جماعات صغيرة الى المثابة «١» في (العقبة) ، حتى اجتمع هناك سبعون رجلا من الأوس والخزرج معهم امرأتان: نسيبة بنت كعب أم عمارة «٢» وأسماء بنت عمرو بن عدي «٣» . وجاء النبي ﷺ ومعه عمّه العباس وهو حينذاك كافر، ولكنه أراد أن يطمئن الى مصير ابن أخيه.

стр. 62

وتكلم العباس وتكلم بعده الرسول ﷺ وتلا القرآن ورغّب في الاسلام، ثم قال: (أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم) فبايعوه على ذلك وهم يقولون: (لنمنعنّك مما نمنع منه أزرنا «١» ، فبايعنا يا رسول الله، فو الله نحن أبناء الحروب، وأهل الحلقة «٢» ورثناها كابرا عن كابر) . وأمرهم الرسول ﷺ أن يخرجوا اثني عشر نقيبا «٣» يكونون على قومهم، فأخرجوا منهم تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس ... وبذلك بدأ الرسول ﷺ بتنظيم أتباعه خارج مكة المكرمة. واستمع أحد المشركين- وهو يتجوّل مصادفة بين مضارب الخيام ومنازل الحجيج- ما دار في هذا الاجتماع، فصرخ ينذر أهل مكة: إن محمدا والصبّاء «٤» معه قد اجتمعوا على حربكم. لم يكترث المبايعون بانكشاف أمرهم، بل أرادوا مهاجمة قريش بأسيافهم، ولكنّ الرسول ﷺ أمرهم بالعودة الى رحالهم ... لأن الله لم يأذن لهم بالقتال بعد ... فلما أصبحوا جاءهم رجالات قريش فقالوا: (يا معشر الخزرج! إنه قد بلغنا أنكم جئتم الى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا وتبايعونه على حربنا، وإنه والله ما من حيّ من العرب أبغض إلينا من أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم) .

стр. 63

ولكن مشركي الخزرج الذين لم يكونوا يعلمون بتفاصيل بيعة (العقبة) ، حلفوا لقريش: (إنه ما كان من هذا الشيء وما علموه) ، فصدّقت قريش. إن بيعة العقبة الثانية نجاح عسكري آخر للرسول ﷺ . هـ- الحشد في المدينة المنورة: أمر الرسول ﷺ مسلمي مكة المكرمة بالهجرة الى إخوانهم في المدينة المنورة، فهاجر المسلمون بالتعاقب تاركين أموالهم وأهليهم هناك. واجتمع رجالات قريش في (دار الندوة) ، وقرّروا أن يأخذوا من كل بطن من قريش شابا نسيبا وسطا فتيا، ثم يعطون كل فتى من هؤلاء سيفا صارما، ويرسلونهم لاغتيال الرسول ﷺ ، حتى يتفرق دمه في القبائل كلها، فلا يقوى بنو هاشم على حرب قريش كلها، فيرضون بالديّة. ولكن الرسول ﷺ ، علم بهذه المؤامرة فهاجر مع أبي بكر الصديق ﵁ الى المدينة المنورة ليلة تنفيذها، واستطاع الوصول سالما الى المدينة، على الرغم من تشبّث قريش الشديد بالقبض عليه. وترامت أخبار المهاجر العظيم الى المدينة، فكان أهلها يخرجون كل صباح لاستقباله، فإذا اشتد الحرّ عادوا الى بيوتهم؛ فلما وصل قريبا من المدينة، خرج أهلها لاستقباله بالسلاح، ولبست المدينة حلّة العيد ... إن هجرة الرسول ﷺ الى المدينة المنورة معناها: اجتماع القائد بجنوده في قاعدتهم الأمينة ... وبهجرة رسول الله ﷺ الى المدينة المنورة نشأت الدولة الاسلامية، فتاريخ هذه الدولة مقترن بالتاريخ الهجري، وباستقراره ﵊ في المدينة ظهر عنصر (السلطة) متركزة في شخصه الكريم باعتباره الرئيس الأعلى لجماعة المسلمين التي اتخذت المدينة المنورة مقرا لها وقاعدة أمينة.

стр. 64

٢- في المدينة المنورة: (الجهاد من أجل الوحدة والتوحيد) . أ- بناء المسجد: انتخب الرسول ﷺ موضعا لبناء مسجده في المدينة المنورة، وبدأ بناءه باللبن، والحجارة واشترك مع أصحابه في حمل اللبنات والأحجار على كواهلهم، فتم بناء المسجد: فراشه الرمل والحصى، وسقفه الجريد، وأعمدته الجذوع. وتم ببناء هذا المسجد بناء (الثّكنة) «١» الأولى في الاسلام ... ب- الاخوّة: آخى الرسول ﷺ بين أصحابه من المهاجرين والأنصار، حتى يتعاونوا على أسباب العيش ويكون الجميع يدا واحدة تعمل لهدف واحد. آخى بين عبد الرحمن بن عوف «٢» وسعد بن الربيع «٣» ، فقال سعد لعبد الرحمن:

стр. 65

(إني أكثر الأنصار مالا، فاقسم مالي الى نصفين، ولي امرأتان، فانظر أعجبهما إليك فسمّها لي، أطلّقها؛ فإذا انقضت عدّتها، فتزوجها) ... هذا مثال من الإيثار الذي كان نتيجة لهذا التآخي. وظلت عقود الإخاء مقدّمة على حقوق القرابة في توارث التركات الى موقعة (بدر) ، حيث استقرّ أمر المسلمين؛ فألغى التوارث بعقد الأخوّة ورجع الى زوي الرحم ... إن هذا التآخي جعل المسلمين كرجل واحد: يؤمن بعقيدة واحدة، ويعمل لهدف واحد، بإمرة قائد واحد. ج- المعاهدات «١» : عقد الرسول ﷺ معاهدة بين المسلمين من جهة ويهود والمشركين من أهل المدينة المنورة من جهة أخرى، وادعهم فيها وأقرّهم على دينهم وأموالهم.

стр. 66

وفي هذه المعاهدة نظّم الرسول ﷺ الحياة الاجتماعية والاقتصادية والعسكرية لسكان المدينة المنورة من المسلمين والمشركين ويهود.

стр. 67

نظّم بها الحياة الاقتصادية، فالفقير يجد معاونة من الغني في معيشته وفك ديونه وتحمّل فدائه وديّته. ونظّم بها الحياة الاجتماعية، فالجار له حرمة من جاره، وسكان المدينة المنورة آمنون فيها من القتل والاغتيال والغدر، ولكل دينه الذي هو عليه، والمجرم ينال عقابه على جرمه دون أن يحول دون تنفيذ العقاب عليه حائل، وليس هناك ما يفرّق بين الصفوف من دين أو أغراض أخرى. هاتان الناحيتان: الاقتصادية والاجتماعية، واضحتان ومفهومتان في هذه المعاهدة، وإنما يهمنا الناحية العسكرية فيها بالدرجة الأولى. لقد نصّت المعاهدة على قيادة محمد ﷺ لسكان المدينة المنورة كافة: مسلمين ومشركين ويهود. فإليه يرجع الأمر كله، وله أن يحكم في كل اختلاف يقع بين السكان، وبذلك أصبح النبي ﷺ (قائدا) في المدينة المنورة. كما نصّت المعاهدة على تعاون أهل المدينة في ردّ كل اعتداء يقع عليها من الخارج، وبذلك توحّدت صفوف أهل المدينة وأصبح لهم هدف، هي الدفاع عن المدينة ضد كل اعتداء خارجي.

стр. 68

كما أعلنت المعاهدة بصراحة، أنه لا يجوز لمشرك من أهل المدينة أن يجير مالا لقريش ولا نفسا، وأن اليهود يعاونون المؤمنين في النفقة عليهم ما داموا محاربين، وبذلك أو شك الكفاح بين المسلمين وقريش أن يبدأ. بهذه المعاهدة استطاع الرسول ﷺ أن يجعل أهل المدينة كلهم على اختلاف أديانهم وميولهم وأهوائهم يدا واحدة على أعدائهم. لقد أنجز الرسول ﷺ بهذه المعاهدة الاستعدادات كافة لحشد قواته في مكان واحد تحت قيادة واحدة، فأصبحت مهيئة للدفاع عن الاسلام. لقد عمل في هذه الفترة على الاستعداد للجهاد، فلما أكمل توحيد رجاله بدأ الجهاد. ٣- النتائج: لقد استطاع الرسول ﷺ أن يلجأ الى المدينة ويحشد قواته فيها، ويوحّد صفوف سكانها على اختلاف ميولهم وأهوائهم ودياناتهم، ويجعلهم كتلة متّحدة للدفاع عنها ضد الغارات الخارجية، وكتلة واحدة للقضاء على الاختلافات الداخلية. وعلى الرغم من أن المسلمين وحدهم- على قلّتهم يومذاك- هم جيش الرسول ﷺ الذي يعتمد عليه في كفاح أعدائه، إلا أن الرسول ﷺ استطاع أن يغرس فيهم عقيدة راسخة يؤمنون بها كل الإيمان، وأن يجعل لهم أهدافا واضحة كل الوضوح يبذلون في سبيل تحقيقها أرواحهم وأموالهم. لقد كانت أهدافهم الدفاع عن الإسلام والعمل على حماية حرية انتشاره؛ وفي سبيل الدفاع عن الاسلام وفي سبيل حماية حرية انتشاره بين الناس يبذلون كل غال ورخيص.

стр. 69

لقد تهيأ الآن للرسول القائد عليه أفضل الصلاة والسلام جيش يجمعه هدف موحّد، يأتمر بأمر قائد واحد، ويستند إلى قاعدة أمينة، وبذلك تهيأت للمسلمين- رغم قلة عددهم- كل أسباب النجاح عند نشوب القتال. العرب والروم والفرس ١- العرب: الشعب العربي يمثل أقدم الشعوب الساميّة وأكثرها نقاء، لانعزاله في الجزيرة العربية، ولم ينجح أحد من الغزاة في دخول هذه الجزيرة، واستمر بقاؤه فيها ردحا طويلا. والعرب قسمان: عدنانيون، أي عرب الشمال. وقحطانيون، أي عرب الجنوب. وهذا التقسيم لا يستند الى أساس عنصري، بل الى ظروف زمانية ومكانية أدّت الى فروق في اللهجة والثقافة. وقد أيدت الكشوف الأثرية وجود أربع دول متحضّرة على الأقل في الجنوب، وهي معين وسبأ وحضرموت وقتبان. كما تكونت في المنطقة الشمالية كثير من الدول العربية المتحضرة كدولة اللحيانيين في منطقة (الحجر) على خليج العقبة، ودولة الأنباط في جنوبي سورية، ومملكة تدمر في بادية الشام، ودولة المناذرة على حدود العراق، ومملكة الغساسنة في الشام، ومملكة كندة في نجد. وكانت لهذه الممالك حضارات راقية، ولكنّ حضارة العرب قبل الإسلام تدهورت، فانحطّ المستوى الديني، وتحكمت فيهم بعض العادات، كالعصبية والثأر ... كانت أبرز القبائل العربية وأقواها قبيل الإسلام هي قريش التي كانت

стр. 70

تسكن مكة المكرمة، وكان الحكم بمكة بيد الأشراف ورؤساء الأسر وأهل القوة وأصحاب الأموال. وقد أصبح لمكة بسبب موقعها على الطرق التجارية ولسبب حرمتها الدينية أهمية كبيرة، كما أن الناس احترموا قريشا، لأنهم جيران بيت الله الحرام، فلا يجترىء عليهم أحد، وهذا حفظ تجارتهم من تحرّش كثير من البدو. ولما كانت مكة بواد غير ذي زرع، كان عامة أهلها يشتغلون بالتجارة. لم يكن عند العرب عقيدة دينية تقوم على أساس صحيح، فقد كانت آراؤهم الدينية ساذجة حينذاك، فاعتقد البدوي أن في الدنيا قوى خارقة تسيطر عليه بتسليطها الجن والشياطين، ويرون أن الجن لهم اتصال بالكهّان والسحرة؛ لذلك كان هؤلاء يتكهنون عن المستقبل، فاهتموا بالسحر والكهانة واستعمل الكهنة لغة مسجّعة مبهمة. واعتنق قليل من العرب المسيحية واليهودية، وكان قليل منهم موحدين. لقد كانت الجزيرة في فترة تدهور وانقسام سياسي، وفي فترة ركود حضاري، مرتبكة في سير حياتها الاجتماعية، مضطربة في حالتها الاقتصادية، منحطة في مستواها الديني. في هذه الظروف ظهر الإسلام، فهاجم الرسول ﷺ النظام القبلي والفردية المتطرفة وإهمال الدين، وحمل على الاستغلال المادي والظلم الاجتماعي، وبذلك كان ظهور الإسلام أكبر ثورة اجتماعية وسياسية واقتصادية وثقافية ظهرت في العالم عامة، إذ جاء الإسلام دولة ودينا للناس كافة. ٢- الروم: كان الجيش الروماني مرتكزا على الحكم الإقطاعي، وذلك أن كل نبيل

стр. 71

يعدّ قائدا لجماعته، وكان هؤلاء النبلاء يمنحون الأراضي والعقارات الشاسعة لإعاشة أتباعهم. وقد أدى ذلك إلى حدوث حروب داخلية، وبخاصة عندما تضعف الحكومة المركزية في القسطنطينية، فقد كان كل نبيل يطمع في توسيع ملكه وسلطته على حساب غيره من النبلاء، بل كان قسم من النبلاء ينتقضون حتى على الحكومة المركزية في بعض الأحيان. واعتمد الرومان على الغساسنة والقبائل العربية الأخرى لحماية حدودهم الجنوبية التي تحد الجزيرة العربية وحدودهم الجنوبية الشرقية التي تحد فارس. وقد اشتدت الاختلافات بين طوائف المسيحيين قبل الإسلام، حتى شملت العامة والخاصة على حد سواء، وحتى اشتغل الناس بالجدل فيها أكثر من اشتغالهم بكل عمل آخر، وشمل هذا الجدل طبقات الناس كافة في مختلف الأماكن والأوقات. إن المسيطر على الجيش الروماني حينذاك هو الارتزاق، وكثيرا ما كانت أعطيات الجند تتأخر عن مواعيدها لارتباك الحالة المالية للدولة، فيتذمر الجنود، ولم يكن للجيش هدف معيّن يوحّد صفوفه ويسعى لتحقيقه غير الارتزاق. وهكذا كان جيش الروم جيشا مرتزقا يقوده قادة من النبلاء يتولون مناصبهم غالبا بالوراثة لا بالكفاية والمقدرة. ٣- الفرس «١» : كانت القوات العسكرية للفرس مشابهة للقوات العسكرية عند الروم، فكان المرازبة والدهاقين يتولون قيادة الجيوش ويتحكمون في الأراضي الشاسعة والعقارات الكبيرة.

стр. 72

كما اعتمدوا على المناذرة لحماية حدودهم الجنوبية المتاخمة للجزيرة العربية وحدودهم الجنوبية الغربية المتاخمة للروم. وكانت العقيدة المجوسية مسيطرة على الفرس وأكثر أتباعهم، ولم يكن للجيش هدف يوحّذ صفوفه ويسعى لتحقيقه غير الارتزاق أيضا ... كما كانت قيادته غالبا وراثية وقادته يعتمدون على حسبهم ونسبهم وحظوتهم لدى الأكاسرة لا على قابلياتهم العسكرية وكفاياتهم في القتال. ٤- النتائج: على الرغم من كثرة القبائل العربية قبل الإسلام، فانها كانت متفرقة لا تخضع إلا لسيطرة رؤسائها الذين تسيطر عليهم أهواؤهم ورغباتهم الشخصية. كما أن النظام العسكري في كل من الامبراطوريتين الفارسية والرومية كان فاسدا. ولم يكن لكل من هؤلاء العرب والفرس والروم أهداف يؤمنون بها ويضحون في سبيل تحقيقها. لقد كانوا أعدادا ضخمة ولكن بلا نظام، وكان المسلمون قليلين ولكنهم منظمون. مناقشة الموقف العسكري للطرفين أصبح واضحا من دراسة الموقف العسكري للطرفين، أن المسلمين- على قلتهم- كانوا أقوى من أعدائهم المشركين والروم والفرس- على كثرتهم- ذلك لأن المسلمين يتميزون على أعدائهم بعقيدتهم الراسخة وإيمانهم العميق بأهدافهم، وبذلهم عن طيبة خاطر كل ما يملكونه في سبيل تحقيق تلك الأهداف.

стр. 73

لقد رأينا في الحرب العالمية الثانية وفي كل الحروب القديمة والحديثة، كيف أن المتحاربين يحاولون بشتى الطرق إقناع جيوشهم بعدالة قضيّتهم، ليدفعوا تلك الجيوش الى التضحية في سبيل تلك القضية. بذل كل من الحلفاء ودول المحور في الحرب العالمية الثانية أقصى جهودهم لإقناع أممهم والشعوب الأخرى بسموّ أهدافهم التي يحاربون من أجلها. لقد فعل الحلفاء والمحور كل ذلك لغرض واحد: هو جعل جنودهم يقاتلون في سبيل هدف معين، وجعل شعوبهم والشعوب الأخرى تؤمن بهذا الهدف؛ وبهذا وحده يمكن أن يضحّي الجندي بنفسه في ساحات القتال مقبلا غير مدبر وتضحي الأمة بما تملكه ماديا ومعنويا في سبيل تحقيق تلك الأهداف. إنّ كل جيش يحارب (بعقيدد) لتحقيق هدف (معيّن) لا بد أن (يستقتل) في سبيل عقيدته وهدفه، وبذلك يصعب قهره إذا لم يكن قهره مستحيلا. وقد يخفق في معركة محدودة، ولكن النتيجة مضمونة له على كل حال. أما الجيش الذي لا عقيدة له ولا هدف، فما أسهل أن تتحطم معنوياته عند الخطر ... إذا كانت لديه معنويات!! وما أصدق نابليون حين يقول: (إن العامل المعنوي في الحرب أكثر أهمية من العامل المادي بنسبة ثلاثة الى واحد) ... إنّ الموقف العسكري كان بجانب المسلمين نتيجة للاستعدادات الدقيقة المتميزة التي أنجزها الرسول ﷺ . وقد كان الوقت في صالح المسلمين أيضا، لأنه كلما مرّت الأيام ازداد المسلمون عددا وقوة وازداد إيمانهم بعقيدتهم وتفانيهم في سبيلها.

стр. 74

إنّ قضية تغلّب المسلمين القليلين على أعدائهم الكثيرين، كانت متوقعة النتائج من الوجهة العسكرية قبل نشوب القتال، نظرا لإعداد قوات المسلمين على نظام رصين مكين، ونظرا لأن نظام أعدائهم كان فاسدا من كل الوجوه. ولعل في توضيح الموقف العسكري للطرفين ما يعطي بعض الجواب للمؤرخين وللمفكرين العسكريين عن تساؤلهم: كيف تم الفتح الاسلامي بمثل تلك السرعة، فاستطاع المسلمون في خلال ثلاثين سنة فقط من ظهور دعوتهم، أن يكونّوا دولة تمتد من الصين شرقا الى حدود فرنسا غربا والى سبريا شمالا والى المحيط الهندي جنوبا؟ ...

стр. 75

الدفاع عن العقيدة (الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ) . (القرآن الكريم)
следующие страницы →