Полный текст (275 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
آيات من الذكر الحكيم
قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً (الأعراف: ١٥٨) .
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (الأنبياء: ١٠٧) .
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً (سبأ: ٢٨) .
لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (آل عمران: ١٨٦)
إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (الحجر: ٩٥) .
يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (التوبة: ٣٢، ٣٣) .
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (الأنفال: ٦٤) .
إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً (الأحزاب: ٥٧) .
وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ (النور: ١١) .
стр. 2
الإهداء
يشرفنى أن أقدم هذا العمل خالصا لوجه الله الكريم، وأهديه لحبيبه وخليله ورسوله سيدنا ومولانا محمد- ﷺ عسى أن أنال شفاعته يوم الحشر العظيم.
إلى الذين وهبهم الله البصيرة والإنصاف وحمدا لله أنهم ليسوا قلة فى هذا العالم.
إلى كل من يبحث عن الحقيقة ولا يخشى فى الله لومة لائم.
إلى كل من يساهم فى إظهار صورة الإسلام الصحيحة ونبيه محمد- ﷺ فى المجتمعات الغربية.
أهدى هذا الكتاب
стр. 3
مقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد النبى الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد،، كان محمد- ﷺ خير الخلق فى طفولته، وأطهر المطهرين فى شبابه، وأنجب البرية فى كهولته، وأزهد الناس فى حياته، وأعدل القضاة فى قضائه، وأشجع قائد فى دفاعه عن الحق، وخير قدوة للمصلحين، وخير أسوة للمربين.
اختصه الله بكل خلق نبيل، وحرسه بعنايته، وحفظه برعايته، وأيده بجوامع الكلم، مع الفصاحة وقوة الحجة، وأمر العالمين بطاعته، وجعل طاعته ﷺ مقرونة بطاعته تعالى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ (النساء: ٨٠)
كما عصمه من كل خطأ ومن الناس: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ (المائدة: ٦٧) .
وطهره من كل دنس، وهداه الصراط المستقيم، ومنح من الآيات والمعجزات مالم يمنحه غيره، وأدبه فأحسن تأديبه، وعلمه ما لم يكن يعلم.
هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (الفتح: ٢٨) ولم يسجد ﷺ لصنم من الأصنام ولم يشرك فى عيد من أعيادها.
كان محمد مثلا كاملا للإنسان الكامل، ذا شخصية قوية جذابة، لا يدانيه أحد فى كماله وعظمته، وصدقه وأمانته، وزهده وعفته.
стр. 4
اعترف كل من عرفه بعلو نفسه، وصفاء طبعه، وطهارة قلبه، ونبل خلقه، ورجاحة عقله، وتفوق ذكائه، وحضور بديهته، وقوة إرادته، وثبات عزيمته، ولين جانبه، وتمسكه بالحق، وإقامة العدل. فكان خير قدوة للناس جميعا.
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً (الأحزاب: ٢١) .
خلقه الله عظيما، فكانت عظمة فطرية طبيعية، وكان عظيما منذ ولادته، عظيما فى صباه، عظيما فى شبابه، عظيما فى رجولته، عظيما فى كهولته، عظيما فى شيخوخته، عظيما فى صغره وكبره، عظيما قبل الرسالة، عظيما بعدها.
خلقه الله عظيما كما شاء ليعده لأداء رسالته، وهو فى الأربعين فأداها خير أداء. وكان رسولا وهاديا للبشرية المتنازعة المتنافرة، وقدوة مثالية سامية للناس كافة.
ولقد تعرض الأنبياء والرسل الكرام ﵈ للتكذيب والتنكيل حتى وصل الأمر إلى درجة قتل بعضهم. ويبين تاريخ الرسالات الإلهية الكبرى أن أنبياء الله الذين حملوها إلى الناس قد تعرضوا لكثير من صنوف الآلام والمحن والعذاب على أيدى الذين حسبوهم من الكاذبين وما أفظعها من تهمة خاصة حين يقذف بها وجوه أصدق الناس حديثا ويزداد الأمر سوآ وتشتد المحنة عند ما يأتى التكذيب والسخرية من الأهل والعشيرة والأصحاب.
فها هى التوراة تقول إن موسى تعرض للنقد الجارح من أخيه هارون وأخته مريم عندما تزوج ثانية من امرأة سمراء أعجبته: «وتكلمات مريم وهارون على موسى بسبب المرأة الكوشية التى اتخذها لأنه كان قد اتخذ امرأة كوشية فحمى غضب الرب عليهما.. فالتفت هارون إلى مريم وإذا هى برصاء فقال هارون لموسى: أسألك يا سيدى لا تجعل علينا الخطيئة التى جمعتتا وأخطأنا بها» (سفر الأعمال ١٢: ١- ١١) .
стр. 5
وها هو المسيح يشك فيه أقرباؤه ويعتبرونه مختل العقل: «ولما سمع أقرباؤه خرجوا ليمسكوه، لأنهم قالوا إنه مختل» (إنجيل مرقس ٣: ٢١) ، وكان إخوته- أبناء أمه مريم حسب رواية الإنجيل- يشكون فيه: «قال له إخوته: انتقل من هنا واذهب إلى اليهودية لكى يرى تلاميذك أيضا الأعمال التى تعمل،.. لأن إخوته أيضا لم يكونوا يؤمنون به» (إنجيل يوحنا ٧: ٣- ٥) ، «وحين سمع كثير من تلاميذه بعض مواعظه فإنهم ارتدوا عنه وتركوا صحبته فلم يبق معه إلا اثنا عشر حواريا، قال كثير من تلاميذه إلى الوراء ولم يعودوا يمشون معه. فقال يسوع للاثنى عشر. ألعلكم أنتم أيضا تريدون أن تمضوا؟» (إنجيل يوحنا ٦: ٦٠- ٦٦) .
وقد سجل القرآن الكريم افتراآت الكفار والمشركين على الإسلام ونبيه محمد- ﷺ حتى حديث الإفك ضد زوجه عائشة جعله الله قرآنا يتلى، ولو كان الأمر بيد النبى- ﷺ لنحاه جانبا. ولكنه عبد لله مأمور قال له ربه: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ (آل عمران: ١٢٨) ، إذ (إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ (آل عمران: ١٥٤) . وهذه بعض مفترياتهم على رسول الله محمد- ﷺ والسخرية منه.
١- اتهامه بالجنون والكهانة والسحر والكذب:
وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ (ص: ٤) .
وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (القلم: ٥١) .
إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ (الصافات: ٣٥، ٣٦) .
فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ (الطور: ٢٩) .
٢- اتهامه بتأليف القرآن وافترائه كذبا على الله:
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً (٤) وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (الفرقان: ٤- ٥) .
стр. 6
- وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (النحل: ١٠٣) .
٣- السخرية من النبى- ﷺ -:
وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (الزخرف: ٣١) .
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (٧) أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ (سبأ: ٧، ٨) .
ولقد كان ما تعرض له محمد رسول الله- ﷺ فى الحرب الدعائية الظالمة، استمرارا لما تعرض له إخوانه السابقون من الأنبياء والمرسلين.
كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَواصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ (الذاريات: ٥٢، ٥٣) .
هذا ولقد دأب الغرب المسيحى الصليبى على الطعن فى الإسلام ونبيه.
وتعرضت سيرة خاتم النبيين إلى التشويه والمغالطات والمفتريات والأباطيل على أيدى رجال الكهنوت المسيحى وتلاميذهم من المستشرقين والمبشرين والمنصرين ومن بعض الكتاب والإعلاميين الضالين ... إلخ.
لقد تنبأ القرآن بهذا الواقع الأليم فقال: وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (آل عمران: ١٨٦)
واشتد الهجوم فى الغرب على الإسلام والمسلمين بعد الهجوم على مركز التجارة العالمى فى نيويورك، ومبنى البنتاجون فى واشنطن يوم ١١ سبتمبر ٢٠٠١، وأصبح الهجوم على الإسلام ونبيه مادة يومية فى الصحافة والتليفزيون وشبكة الإنترنت والقنوات الفضائية والأفلام السينمائية والكاريكيتير.. إلخ.
وكل مسلم موضع اتهام فى الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبا بمجرد اكتشاف أنه مسلم.
стр. 7
ولم يعد أمر العداء للإسلام فى الغرب خافيا على أحد فى العالم الإسلامى بعد أن صرح بذلك عشرات الكتاب والمفكرين والباحثين والعلماء والقادة والسياسيين- من الدول الغربية فى كثير من الكتب والإصدارات ووسائل الإعلام.
وأعتقد أن الذين ينكرون وجود هذا العداء بعد الحملات الكثيرة والمتكررة لتشويه صورة الإسلام ونبيه منذ فجر الإسلام هم فى الحقيقة يتهربون من مواجهة الحقيقة لأنها تفرض عليهم واجب العمل للدفاع عن الإسلام ورسوله محمد- ﷺ .
ولا ننكر أن فى الغرب مفكرين يتحدثون عن الإسلام بإنصاف ولكن تضيع أصواتهم داخل صناعة ضخمة تمولها المخططات الصهيونية الصليبية فى الغرب، هى صناعة الكراهية والعداء للإسلام والمسلمين.
ومما لا ريب فيه، أن هناك أيضا مفكرين عالميين منصفين درسوا الإسلام دراسة عميقة، فأحبه البعض وناصره، وآمن به البعض الآخر، وأعلن إسلامه وصدق فيه..
وهؤلاء الكتاب المفكرون، ينقسمون إلى فريقين:
فريق أعلن إسلامه، فى غير لبس ولا مراآة، وجابه الرأى العام فى بيئته بعقيدته، ثم أخذ يدعو إليه مكرسا وقته وجهده لنشره.
وفريق أحب الإسلام ومدحه. ولا ندرى ماذا أسر فى نفسه؟
وإذا كان الأمر كذلك، فما الذى يمنع الغربيين من الدخول فى الإسلام زرافات ووحدانا؟
إن الإسلام واضح جلى، وإن تعاليمه سهلة ميسورة، تنسجم مع العقل والمنطق، فما السر فى عدم أخذ الغربيين والأوربيين بهذا الدين، وعدم اعتناقهم له فى سرعة سريعة، وفى كثرة هائلة؟
الواقع أن العوامل التى تمنع الغربيين من اعتناق الإسلام كثيرة قوية، ومن
стр. 8
المؤسف أن بعض هذه العوامل يرجع إلى المسلمين أنفسهم بسبب عدم تطبيقهم وتمسكهم بالإسلام، وتكاد الصلة التى بينهم وبينه تكون مجرد صلة اسمية، وينسون عظمة المسلمين وقوتهم أيام كانوا متمسكين بالإسلام، وأيام أن كانت الدنيا لهم.
ولعل المسلمين يعودون إلى دينهم صافيا نقيا، ويستمسكون به فيكونون مرآة حقيقية يتمثل فيها الإسلام قويا ساميا.
ومن العوامل التى ساعدت على تشويه صورة الإسلام ونبيه محمد- ﷺ والمسلمين فى الغرب وإحجام الكثير منهم عن دخول الإسلام تجربة الكنيسة مع الدين، وما استتبع ذلك من وسائل التبشير والتنصير، ومحاربة الدين الإسلامى على كافة الأصعدة، وبمختلف الوسائل والطرق، ومما ساعد على ذلك أيضا تحالف الصهيونية مع الصليبية فى الغرب، وتخاذل وضعف بعض المسلمين وتقصيرهم فى الدفاع عن دينهم، والدعوة إليه ونشره فى جميع أنحاء العالم، وعدم تصحيح الصورة المغلوطة عن الإسلام فى الغرب.
ويقول جمال الدين الأفغانى: «إن الغربيين يستمدون فكرتهم عن الإسلام من مجرد رؤيتهم للمسلمين، فإنهم يرون المسلمين متخاذلين ضعفاء أذلاء مستكينين، فرقت بينهم الأهواء والشهوات، وقعدت بهم الصغائر، وانصرفوا عن عظائم الأمور، وأصبحوا مستعبدين مستذلين، ويقولون لو كان الإسلام دينا قويا لما كان المسلمون هكذا ... » .
ويقول أيضا: «إذا أردنا أن ندعو للإسلام، فليكن أول ما نبدأ به أن نبرهن للغربيين أننا مسلمون» .
والكتاب الذى نقدمه اليوم يعرض جملا من أقوال وشهادات بعض المستشرقين والمفكرين الغربيين الذين أعجبوا بشخصية الرسول العظيم ﷺ ، ومع كونهم لم يرتدوا عباءة الإسلام فإنهم قالوا كلمة حق سطرها التاريخ على ألسنتهم وفى كتبهم وتراثهم، وما أحبوه كذلك إلا لأن أنصبته قد فاضت بكم عظيم من الرقى الشخصى والأخلاقى والحضارى إلى أبعد حد مما جعلهم
стр. 9
معجبين به إلى حد أن جعلهم يسطرون فيه الكتب ويذكرون شخصه فى كل وقت. وهذا جزء من بعض ما قالوا فى عظيم شخصه وصفاته الجليلة.
وأخيرا -
فالكتاب لا يكتفى بسرد الشهادات الإيجابية والمنصفة للرسول- ﷺ فقط وإنما يقوم بالتحليل والنقد لتاريخ العدوان الفكرى الغربى على الإسلام ونبيه محمد ﷺ ، ويتساءل عن مضمون الإساءة إلى الإسلام فى الغرب. هل هى حرية تعبير أم عقيدة صليبية منذ فجر الإسلام؟
وعلاوة على ذلك يعرض الكتاب وسائل وأساليب لمواجهة حملات الإساءة والتشويه لصورة النبى- ﷺ فى الغرب.
وفى النهاية يلقى الضوء على بعض المعلومات المهمة عن الرسول- ﷺ متضمنة لصفاته الخلقيّة والخلقيّة، وما تفرد به- ﷺ عن باقى الأنبياء.
أيضا يتحدث عن واجب المسلمين فى الدفاع عن دينهم والتصدى لحملات التشكيك فى الإسلام والموجودة فى الغرب حاليا.
وأسأل الله العلى القدير أن أكون قد وفقت فى الدفاع عن سيد الأنبياء والمرسلين محمد- ﷺ ضد حملات الإساءة والتشوية التى يتعرض لها نبى الإسلام محمد- ﷺ فى الغرب.
كما أسأله أن يعيد للمسلمين وحدتهم، حتى يعود إليهم مجدهم وعظمتهم، ويصيروا سادة العالم وقادة الفكر بتطبيقهم لدينهم وشريعتهم كما كانوا.
وأرجوه تعالى أن يعز الإسلام ونبيه الكريم ﷺ ، وأن يظهره على الدين كله ولو كره الكافرون. إنه سميع النداء مجيب الدعاء.
وصلّى الله وسلم على سائر الأنبياء والمرسلين/ والحمد لله رب العالمين
الحسينى الحسينى معدّى
стр. 10
الفصل الأول الإساءة للرسول ص هوس غربى قديم
تاريخ العدوان الفكرى الغربى على الإسلام وعلى نبيه محمد- ﵊ -
العدوان الإعلامى الشرس وتصوير الإسلام ونبيه- ﵊ فى صورة مغايرة للحقيقة بالغة البشاعة ومعاكسة تماما، ليست جديدة، بل هى عقيدة غربية موروثة تشكلت ونمت خلال ثمانية قرون منذ القرن الأول وحتى نهاية القرن الثامن الهجرى.
قد يظن كثير من المسلمين أن العدوان الغربى على الإسلام وتشويه صورة الرسول محمد- ﵊ واختراع صورة بشعة ومعاكسة لحقيقة دين الإسلام ونبيه من طرف وسائل الإعلام فى الغرب، لا سيما فى أمريكا، من جانب رؤساء بعض الكنائس الإنجيلية أمر جديد حدث بعد هجمات الحادى عشر من سبتمبر ٢٠٠١ م وقيام الحرب الصليبية المقنّعة الجديدة التى تقودها الولايات المتحدة ضد الإسلام والمسلمين تحت قناع «الحرب على الإرهاب وإزالة أسلحة الدمار الشامل» .
стр. 11
والحق أن هذا العدوان الإعلامى الشرس وتصوير الإسلام ونبيه ﵊ فى صورة مغايرة بالغة البشاعة ومعاكسة تماما، ليست جديدة، بل هى: عقيدة غربية موروثة تشكلت ونمت خلال ثمانية قرون منذ القرن الأول وحتى نهاية القرن الثامن الهجرى.
وانتقلت هذه العقيدة كاملة متماسكة عبر القرون لتصل إلى القرون الحديثة والمعاصرة. وأصبحت أشبه بالمستنقع الآسن العفن الذى تغرف منه وسائل الإعلام الغربية وبعض رجال الدين الأنجيليين فى أمريكا، وينشرونها عبر وسائلهم المختلفة.
وقبل أن نلقى نظرة موجزة جدّا على تاريخ تلك العقيدة الغربية القائمة على أساس التلفيق والاختراع لتصوير الإسلام فى أشكال مشوهة وبشعة، نعرض لمقتطفات من أقوال بعض رجال الدين الإنجيليين فى أمريكا عن الإسلام ونبيه محمد- ﵊ ليتضح لكل صاحب فكر خصيب مدى اعتناق هؤلاء لتلك العقيدة الموروثة التى لفقها أسلافهم خلال العصور الوسطى فى أوروبا.
١- جيرى فالويل:Jerry Falwell وهو قسيس إنجيلى معروف له برنامج إذاعى وتلفزيونى يصل إلى أكثر من عشرة ملايين أسبوعيا وله جامعة أصولية خاصة تسمى جامعة الحرية Liberty University وهو الذى يروج فى موقعه على الإنترنت لكتابه «فلنتقدم إلى معركة هرمجدون March To Armgeddon «وهى معركة نهاية التاريخ كما فى معتقدات الإنجيليين. وفى الصفحة الأولى من موقعه على الإنترنت يضع تاريخا ملفقا عن النبى ﵊؛ مستمدا بكامله من كتابات بعض الرهبان الأوربيين فى العصور الوسطى.
ويهاجم فالويل النبى؛ من خلال بعض وسائل الإعلام الأمريكية الكبرى.
ومما قاله فالويل مساء يوم الأحد ٦ أكتوبر ٢٠٠٢ م فى برنامجه ٦٠ دقيقة ما نصه: «أنا أعتقد أن محمدا كان إرهابيا، لقد قرأت ما يكفى من المسلمين
стр. 12
وغير المسلمين أنه رجل عنف، ورجل حروب.. فى اعتقادى المسيح وضع مثالا للحب كما فعل موسى، وأنا أعتقد أن محمدا وضع مثالا عكسيا!!.
٢- بات روبرتسون:Pat Robertson وهو قسيس إنجيلى معروف باهتماماته السياسية وتأييده المعلن لإسرائيل، ويمتلك عددا من المؤسسات الإعلامية من بينها نادى ال) Club ٧٠٠ (٧٠٠ وهو برنامج تلفزيونى يصل إلى عشرات الملايين فى الولايات المتحدة الأمريكية إضافة إلى محطة فضائية تصل إلى ٩٠ دولة فى العالم بأكثر من ٥٠٠ لغة مختلفة وهى محطة (البث النصرانى Christian Broadcasting (ومنها إذاعة الشرق الأوسط المتخصصة فى التنصير فى منطقة العالم العربى.
كما سعى بات روبرتسون إلى الترشيخ لمنصب الرئيس الأمريكى فى عام ١٩٨٨ م، ويقف خلف أقوى تحالف سياسى دينى فى الحزب الجمهورى وهو (التحالف النصرانى saitsirhC) Coalition ((ويملك أيضا جامعة أصولية هى جامعة ريجنت ytisrevinU tneqeR وفى هجومه على النبى ﵊ من خلال برنامج هانتى وكولمز ssemloC dna ytinnaH فى قناة فوكس الإخبارية ssweN xaF قال ما يلى: «كل ما عليك هو أن تقرأ ما كتبه محمد فى القرآن، إنه كان يدعو قومه إلى قتل المشركين.. إنه رجل متعصب إلى أقصى حد ... إنه كان لصا وقاطع طريق.. «إن ما يدعو إليه هذا الرجل (محمد) فى رأيى الشخصى ليس إلا خديعة وحيلة ضخمة» «إن ٨٠ من القرآن من النصوص النصرانية واليهودية. ولقد ذكر موسى أكثر من ٥٠٠ مرة فى القرآن. أنا أقول إن هذا القرآن ما هو إلا سرقة من المعتقدات اليهودية..
ثم استدار محمد بعد ذلك ليقتل اليهود والنصارى فى المدينة. أنا أقصد.. أن هذا الرجل (محمد) كان قاتلا (سافكا للدماء) » - قطع الله لسان (روبرتسون) وإنا أنقل هذا ليعلم المنصفون مدى افتراء هذا الأفاك- وسنثبت بعد قليل أن هذا القسيس بات روبرتسون هو اللص والسارق عندما نورد أقوال الرهبان المتعصبين فى العصور الوسطى ليتبين للقارئ الكريم مدى تطابق أقوال هذا
стр. 13
المأفون مع أقوال عصر الظلمات فى أوربا فى العصور الوسطى ونقله لأقوالهم وأفكارهم.
٣- فرانكلين جراهام:Franklin Graham وهو ابن القسيس الأمريكى بيلى جراهام وقد عمل والده قسيسا خاصا للرؤساء الأمريكيين منذ عهد ريتشارد نيكسون، وحتى الرئيس الأمريكى السابق بيل كلينتون. ويتولى ابنه فرانكلين جراهام الآن نفس المهمة بعد تقاعد الأب، وقام بعمل الطقوس الدينية لتنصيب الرئيس الأمريكى الحالى جورج دبليو بوش. ويتولى جميع مسئوليات الكنيسة التى أنشأها أبوه والتى تعد من أكبر الكنائس الأمريكية عددا وتأثيرا، وقامت خلال السنوات الماضية بأكثر من ٤٥٠ حملة تنصير فى جميع أنحاء العالم. وقد أدلى فرانكلين جراهام بتصريحات إعلامية قال فيها إن الإرهاب جزء من التيار العام للإسلام، وأن القرآن (يحض على العنف) وكرر جراهام خلال برنامج (هاينتى وكولمز) المذاع على قناة فوكس نيوز الأمريكية فى الخامس من أغسطس ٢٠٠٢ م رفضه الاعتذار عن تصريحات أدلى بها بعد حوادث سبتمبر ٢٠٠١ م وصف فيها الإسلام بأنه دين (شرير) وفى كتاب جديد لفرانكلين جراهام يسمى (الاسم، The name (يحتوى على نصوص تتسم بالسفه والحطة بهدف الإساءة إلى الإسلام ومنها ما يلى: فى الصفحة رقم ٧١ يقول: «الإسلام.. أسّس بواسطة فرد بشرى مقاتل يسمى محمدا، وفى تعاليمه ترى تكتيك (نشر الإسلام من خلال التوسع العسكرى) ، ومن خلال العنف إذا كان ضروريا، من الواضح أن هدف الإسلام النهائى هو السيطرة على العالم» ويقول فى الصحفة ٧٢ من كتابه إن «القرآن يحتوى على قصص أخذت وحرّفت عن العهدين القديم والجديد.. لم يكن للقرآن التأثير الواسع على الثقافتين الغربية والمتحضرة الذى كان للإنجيل. الاختلاف رقم واحد بين الإسلام والمسيحية أن إله الإسلام ليس إله الديانة المسيحية» .
٤- جيرى فاينز:Jerry Vines وهو راعى كنيسة فى جاكسون يل فى فلوريدا، يصل عدد أتباعها إلى ٢٥ ألف شخص، وهو من أبرز المتحدثين
стр. 14
الأمريكيين فى المؤتمر السنوى للكنائس المعمدانية الجنوبية، وهو أكبر مؤتمر دينى يعقد كل عام. وقام الرئيس الحالى والرئيس السابق بمدح هذا القسيس واعتباره من المتحدثين بصدق عن دينهم وقد أدلى جيرى فاينز بتصريحات تتصف بالقذارة والسفه مليئة بالكراهية والحقد على الإسلام خلال الاجتماع السنوى للكنيسة المعمدانية الجنوبية، والذى عقد مؤخرا فى مدينة سانت لويس بولاية ميسورى الأمريكية.
وخلال الاجتماع افترى جيرى فينزى على الرسول ﵊ واتهمه زورا وبهتانا بأنه «شاذ يميل للأطفال ويتملكه الشيطان، وتزوج من ١٢ زوجة آخرهن طفلة عمرها تسع سنوات» وأضاف فاينز أن «الله (الذى يؤمن به المسلمون) ليس الرب الذى يؤمن به المسيحيون» .
هذه الصور الملفقة المشوهة هى عقيدة دينية غربية موروثة ضمن عقائد المجتمع الغربى النصرانى، أصبحت راسخة فى العقل الجمعى الغربى منذ نهاية القرن الثامن الهجرى. وكانت هى المصدر الرئيس للمستشرقين والمنصرين المتعصبين فى العصور الحديثة وهى التى نراها الآن ونسمع بها.
ويمكن أن نوجز مصادر تلك العقيدة الموروثة فى أربعة مصادر رئيسية هى:
١- ما كتبه النصارى الشرقيون وأشهرهم:
يوحنا الدمشقى وتلميذه أبو قرة ويوحنا النقيوسى، ويحيى بن عدى، ومؤلف مجهول لمقالة تسمى الدفاع السريانى.
٢- ما كتبه الكتّاب البيزنطيون (الروم) وعلى رأسهم:
ثيوفانس المعترف، ونيقتاس البيزنطى، وجرمانوس.
٣- المصادر الأسبانية:
وعلى رأسها المقالة الأسبانية عن محمد ﵊ وما كتبه ايزدور الأشبيلى، وأولوخيو، وبول الفارو، وغيرهم.
٤- ما كتبه ولفقه واخترعه الكتاب الغربيون حتى نهاية القرن الثامن الهجرى .
ويأتى على رأس تلك الكتابات: المشروع الكلونى. وهو أول وأكبر مشروع
стр. 15
استشراقى يهدف بالدرجة الأولى الإساءة إلى الإسلام. وكتاب لمؤلف مجهول يسمى: الدحض الرباعى، وكتاب آخر لمؤلف مجهول يسمى (المتناقضات) وما كتبه كل من: بدرودى الفونسو، وسان بدرو باسكوال، وريكولدو دى مونت كروس، ورامون مارتى، وريموندلول، ووليم الطرابلسى، ووليم الصورى، ووليم آدم، وجاكيوس دى فترى، وهامبرت الرومانى، وفيدينزو أوف بافيا، وغيرهم كثيرون.
ولا مجال هنا لعرض كل ما كتبته تلك المصادر الأربعة الرئيسية عن الإسلام، فالمادة العلمية التى جمعناها عن كل مصدر تغطى مجلدا كاملا.
وسوف نعرض مجرد نماذج مختصرة لبعض تلك الكتابات حتى نرى كيف تشكلت وتكونت تلك العقيدة الغربية الموروثة عن الإسلام ونبى الإسلام محمد ﵊.
من النصارى الشرقيين يوحنا الدمشقى (٥٥- ١٣١ هـ/ ٦٧٥- ٧٤٩ م) وهو من نصارى الشام، ولد وعاش فى العصر الأموى، وتضلع فى اللاهوت، وكتب كتبا كثيرة، ومن ضمنها كتاب كتبه باليونانية بعنوان الهرطقات. وأفرد فيه فصلا عن الإسلام أطلق عليه اسم (هرطقة الإسماعيليين) ويقصد بالإسماعيليين العرب من أبناء إسماعيل بن إبراهيم ﵉. وهذا الفصل شديد الطعن، اتهم فيه يوحنا العرب بالهرطقة والضلال والخرافة، واعتبرهم فرقة نصرانية متهرطقة، وزعم أن محمدا ﵊ كان رسولا زائفا ادّعى النبوة زمن الإمبراطور هرقل، بعد أن قرأ العهد القديم والعهد الجديد وتعلّم من راهب أريوسى فتظاهر بالتقوى حتى استمال العرب إليه وأخبرهم أنه تلقى كتابا من السماء، وقدّم فيه تلك الشرائع المضحكة على حد قوله- التى تسمى بالإسلام. ومن التلفيقات التى وضعها يوحنا فى فصله هذا لتشويه صورة النبى ﵊ زعمه الكاذب أن النبى ﵊ دخل إلى بيت زينب بنت جحش فى غياب زوجها فافتتن بها وخرج وهو يقول سبحان مقلب القلوب ... إلى آخر القصة التى تسربت إلى
стр. 16
. ةيدوهيلا ت ادقتعملا ن م ةقرس لاإ وه ام ن آرقلا اذه ن إ ل وقأ انأ. ن آرقلا ى ف ةرم ٠٠٥ ن م رثكأ ى سوم ركذ دقل و. ةيدوهيلا وةينارصنلا ص وصنلا ن م ن آرقلا ن م ٠٨ ن إ «» ةمخض ةليح وةعيدخ لاإ س يل ى صخشلا ى يأر ى ف) دمحم (ل جرلا اذه هـ يلإ وعدي ام ن إ «.. ق يرط ع طاق واصل ن اك هـ نإ ... دح ى صقأ ى لإ ب صعتم ل جر هـ نإ.. ن يكرشملا ل تق ى لإ هـ موق وعدي ن اك هـ نإ، ن آرقلا ى ف دمحم هـ بتك ام أرقت ن أوه ك يلع ام ل ك «: ى لي ام ل اق Fax Newss ةيرابخإلا س كوف ةانق ى ف Hannity and Colmess زملوك وى تناه ج مانرب ل لاخ ن م م لاسلا وةلاصلا هـ يلع ى بنلا ى لع هـ موجه ى ف و Reqent University ت نجير ةعماج ى هـ ةيلوصأ ةعماج اضيأ ك لمي و) Christias
ثم استدار محمد بعد ذلك ليقتل اليهود والنصارى فى المدينة. أنا أقصد.. أن هذا الرجل (محمد) كان قاتلا (سافكا للدماء) » - قطع الله لسان (روبرتسون) وإنا أنقل هذا ليعلم المنصفون مدى افتراء هذا الأفاك- وسنثبت بعد قليل أن هذا القسيس بات روبرتسون هو اللص والسارق عندما نورد أقوال الرهبان المتعصبين فى العصور الوسطى ليتبين للقارئ الكريم مدى تطابق أقوال هذا
стр. 17
المأفون مع أقوال عصر الظلمات فى أوربا فى العصور الوسطى ونقله لأقوالهم وأفكارهم.
٣- فرانكلين جراهام:Franklin Graham وهو ابن القسيس الأمريكى بيلى جراهام وقد عمل والده قسيسا خاصا للرؤساء الأمريكيين منذ عهد ريتشارد نيكسون، وحتى الرئيس الأمريكى السابق بيل كلينتون. ويتولى ابنه فرانكلين جراهام الآن نفس المهمة بعد تقاعد الأب، وقام بعمل الطقوس الدينية لتنصيب الرئيس الأمريكى الحالى جورج دبليو بوش. ويتولى جميع مسئوليات الكنيسة التى أنشأها أبوه والتى تعد من أكبر الكنائس الأمريكية عددا وتأثيرا، وقامت خلال السنوات الماضية بأكثر من ٤٥٠ حملة تنصير فى جميع أنحاء العالم. وقد أدلى فرانكلين جراهام بتصريحات إعلامية قال فيها إن الإرهاب جزء من التيار العام للإسلام، وأن القرآن (يحض على العنف) وكرر جراهام خلال برنامج (هاينتى وكولمز) المذاع على قناة فوكس نيوز الأمريكية فى الخامس من أغسطس ٢٠٠٢ م رفضه الاعتذار عن تصريحات أدلى بها بعد حوادث سبتمبر ٢٠٠١ م وصف فيها الإسلام بأنه دين (شرير) وفى كتاب جديد لفرانكلين جراهام يسمى (الاسم، The name (يحتوى على نصوص تتسم بالسفه والحطة بهدف الإساءة إلى الإسلام ومنها ما يلى: فى الصفحة رقم ٧١ يقول: «الإسلام.. أسّس بواسطة فرد بشرى مقاتل يسمى محمدا، وفى تعاليمه ترى تكتيك (نشر الإسلام من خلال التوسع العسكرى) ، ومن خلال العنف إذا كان ضروريا، من الواضح أن هدف الإسلام النهائى هو السيطرة على العالم» ويقول فى الصحفة ٧٢ من كتابه إن «القرآن يحتوى على قصص أخذت وحرّفت عن العهدين القديم والجديد.. لم يكن للقرآن التأثير الواسع على الثقافتين الغربية والمتحضرة الذى كان للإنجيل. الاختلاف رقم واحد بين الإسلام والمسيحية أن إله الإسلام ليس إله الديانة المسيحية» .
٤- جيرى فاينز:Jerry Vines وهو راعى كنيسة فى جاكسون يل فى فلوريدا، يصل عدد أتباعها إلى ٢٥ ألف شخص، وهو من أبرز المتحدثين
стр. 18
الأمريكيين فى المؤتمر السنوى للكنائس المعمدانية الجنوبية، وهو أكبر مؤتمر دينى يعقد كل عام. وقام الرئيس الحالى والرئيس السابق بمدح هذا القسيس واعتباره من المتحدثين بصدق عن دينهم وقد أدلى جيرى فاينز بتصريحات تتصف بالقذارة والسفه مليئة بالكراهية والحقد على الإسلام خلال الاجتماع السنوى للكنيسة المعمدانية الجنوبية، والذى عقد مؤخرا فى مدينة سانت لويس بولاية ميسورى الأمريكية.
وخلال الاجتماع افترى جيرى فينزى على الرسول ﵊ واتهمه زورا وبهتانا بأنه «شاذ يميل للأطفال ويتملكه الشيطان، وتزوج من ١٢ زوجة آخرهن طفلة عمرها تسع سنوات» وأضاف فاينز أن «الله (الذى يؤمن به المسلمون) ليس الرب الذى يؤمن به المسيحيون» .
هذه الصور الملفقة المشوهة هى عقيدة دينية غربية موروثة ضمن عقائد المجتمع الغربى النصرانى، أصبحت راسخة فى العقل الجمعى الغربى منذ نهاية القرن الثامن الهجرى. وكانت هى المصدر الرئيس للمستشرقين والمنصرين المتعصبين فى العصور الحديثة وهى التى نراها الآن ونسمع بها.
ويمكن أن نوجز مصادر تلك العقيدة الموروثة فى أربعة مصادر رئيسية هى:
١- ما كتبه النصارى الشرقيون وأشهرهم:
يوحنا الدمشقى وتلميذه أبو قرة ويوحنا النقيوسى، ويحيى بن عدى، ومؤلف مجهول لمقالة تسمى الدفاع السريانى.
٢- ما كتبه الكتّاب البيزنطيون (الروم) وعلى رأسهم:
ثيوفانس المعترف، ونيقتاس البيزنطى، وجرمانوس.
٣- المصادر الأسبانية:
وعلى رأسها المقالة الأسبانية عن محمد ﵊ وما كتبه ايزدور الأشبيلى، وأولوخيو، وبول الفارو، وغيرهم.
٤- ما كتبه ولفقه واخترعه الكتاب الغربيون حتى نهاية القرن الثامن الهجرى.
ويأتى على رأس تلك الكتابات: المشروع الكلونى. وهو أول وأكبر مشروع
стр. 19
استشراقى يهدف بالدرجة الأولى الإساءة إلى الإسلام. وكتاب لمؤلف مجهول يسمى: الدحض الرباعى، وكتاب آخر لمؤلف مجهول يسمى (المتناقضات) وما كتبه كل من: بدرودى الفونسو، وسان بدرو باسكوال، وريكولدو دى مونت كروس، ورامون مارتى، وريموندلول، ووليم الطرابلسى، ووليم الصورى، ووليم آدم، وجاكيوس دى فترى، وهامبرت الرومانى، وفيدينزو أوف بافيا، وغيرهم كثيرون.
ولا مجال هنا لعرض كل ما كتبته تلك المصادر الأربعة الرئيسية عن الإسلام، فالمادة العلمية التى جمعناها عن كل مصدر تغطى مجلدا كاملا.
وسوف نعرض مجرد نماذج مختصرة لبعض تلك الكتابات حتى نرى كيف تشكلت وتكونت تلك العقيدة الغربية الموروثة عن الإسلام ونبى الإسلام محمد ﵊.
من النصارى الشرقيين يوحنا الدمشقى (٥٥- ١٣١ هـ/ ٦٧٥- ٧٤٩ م) وهو من نصارى الشام، ولد وعاش فى العصر الأموى، وتضلع فى اللاهوت، وكتب كتبا كثيرة، ومن ضمنها كتاب كتبه باليونانية بعنوان الهرطقات. وأفرد فيه فصلا عن الإسلام أطلق عليه اسم (هرطقة الإسماعيليين) ويقصد بالإسماعيليين العرب من أبناء إسماعيل بن إبراهيم ﵉. وهذا الفصل شديد الطعن، اتهم فيه يوحنا العرب بالهرطقة والضلال والخرافة، واعتبرهم فرقة نصرانية متهرطقة، وزعم أن محمدا ﵊ كان رسولا زائفا ادّعى النبوة زمن الإمبراطور هرقل، بعد أن قرأ العهد القديم والعهد الجديد وتعلّم من راهب أريوسى فتظاهر بالتقوى حتى استمال العرب إليه وأخبرهم أنه تلقى كتابا من السماء، وقدّم فيه تلك الشرائع المضحكة على حد قوله- التى تسمى بالإسلام. ومن التلفيقات التى وضعها يوحنا فى فصله هذا لتشويه صورة النبى ﵊ زعمه الكاذب أن النبى ﵊ دخل إلى بيت زينب بنت جحش فى غياب زوجها فافتتن بها وخرج وهو يقول سبحان مقلب القلوب ... إلى آخر القصة التى تسربت إلى
стр. 20
بعض كتب التفسير، وأدرك ابن كثير زيفها فأعرض عن ذكرها فى تفسيره وأشار إلى أنها ملفقة لا تصح.
وكان هدف يوحنا الدمشقى من ذلك التشويه تحصين النصارى من أهل الذمة والحيلولة بينهم فى بلاد الشام وبين اعتناق الإسلام حين رأى تسامح المسلمين مع أهل الذمة، ودخول كثير من النصارى فى الإسلام فلم يجد وسيلة لتثبيت النصارى على دينهم سوى اتهام الإسلام بالهرطقة وتشويه سيرة النبى ﵊، لتكون صورته فى نظر النصارى صورة كريهة حتى لا يقبلوا على اعتناق الإسلام. وقد انتشر هذا الكتاب فى بلاد الدولة البيزنطية (دولة الروم) واستخدمه الكتّاب البيزنطيون فى هجماتهم الفكرية على الإسلام ثم ترجم إلى اللاتينية وأسهم فى صياغة العقيدة الغربية تجاه الإسلام والمسلمين طوال العصور الوسطى وحتى العصر الحاضر.
ومن الكتّاب البيزنطيين نيقتاس البيزنطى الذى عاش فى القرن الثالث الهجرى/ التاسع الميلادى. وكتب كتابا زعم أنه دحض للقرآن الكريم، ذلك أن الإمبراطور البيزنطى ميخائيل الثالث (٢٢٧- ٢٥٤/ ٨٤٢- ٨٦٧) تلقى مقالتين من بعض العلماء المسلمين تفندان مزاعم النصارى بأن الله جل وعلا ابن يشاركه فى أسمائه وصفاته، وبطلان مقولة الأقانيم الثلاثة. فكلّف الإمبراطور نيقتاس بالرد عليه فقام نيقتاس بتأليف رده الذى وصفه بأنه (دحض لكتاب محمد المزوّر) . ولم يكن نيقتاس متضلعا فى اللغة العربية، فقام حسب زعمه بالاطلاع على القرآن، وقام باستعراض سوره من سورة البقرة إلى سورة الكهف، وكل سورة يسميها الأسطورة المحمدية رقم كذا. مثلما هو رقمها فى القرآن- ثم يذكر اسمها. وأصدر حكمه الباطل بأن القرآن يصوّر الله- جل وعلا على شكل كروى كامل، أو على شكل مطرقة معدنية مطروقة فى السماء.
ويبدو أن نيقتاس اقتبس هذا الزعم من المقالة الأسبانية التى سأشير إليها بعد قليل. ثم أخذ يسخر من المسلمين على مناصرتهم لهذا التصور المادى- بزعمه-، وقال بأن محمدا ﵊ قاد المسلمين ليعبدوا فى مكة
стр. 21
وثنا مصنوعا على غرار أفروديت- معبود الحب والجمال عند الأغريق- وأنه جعل الشيطان ربا للخلق، وظل يؤكد على أن دين محمد ﵊ دين وثنىّ وأن أتباعه مجرد جماعة من الوثنيين. وكان فى كل سورة يتحدث عنها يوجه السب والشتم إلى النبى ﵊ زاعما- أنه هو الذى وضع القرآن وشحنه بالأساطير، وأنه أمر أتباعه بقتل من يجعل شريكا فى جانب الله، ولذلك وقع معظم ذلك القتل على النصارى الذين يعبدون المسيح ابن الله- بزعمه- وأخذ نيقتاس يحاول تفنيد بعض نصوص القرآن وقصصه عن طريق مقارنتها بنصوص العهدين القديم والجديد. ويبدو فى هذا متأثرا برأى يوحنا الدمشقى، فزعم على سبيل المثال أن إبراهيم الخليل- ﵇ لم يصل إلى مكة ولم يبن الكعبة، لأن سفر التكوين لم يذكر ذلك. كما حاول نيقتاس أن يستدل على عقيدة الثالوث ببعض آيات القرآن بتأويلها حسب عقيدته. واختتم حديثه بالتأكيد على أن الذى يعبده محمد ﵊ ويدعو إلى عبادته إنما هو الشيطان نفسه. والحق أن كل آراء نيقتاس لا تتعدى هذا الهذيان وقد أوردناها لنرى الأثر الذى أسهمت به فى صياغة العقيدة الغربية تجاه الإسلام والمسلمين خلال العصور الوسطى وإلى الآن.
وقد كان لبعض آراء نيقتاس الزائفة أثرها فى الدولة البيزنطية حتى إن أحد رجال الدين ألف رسالة فى زمن الإمبراطور مانويل كومنين (٥٤٩- ٥٨٥ هـ/ ١١٤٣- ١١٨٠ م) يشجب فيها الدين الإسلامى وفيها يلعن مصنفها (الرب الذى يعبده محمد ﵊ - أستغفر الله تعالى- وقدّم تلك الرسالة للإمبراطور الذي أراد شطب هذه العبارة المقيتة محتجا بأن الرب الذى يعبده محمد ﵊ إنما هو الأب الذى يعبده النصارى فأصر رجال الدين على أن الذى يعبده محمد ﵊ إنما هو إله غير إله المسيحيين. وهذا يوضح إلى أى مدى بقيت هذه العقيدة الزائفة حية حتى اعتنقها وقال بها فرانكلين جراهام وجيرى فاينز كما ذكرنا آنفا.
ومنذ النصف من القرن الثالث الهجرى/ النصف الثانى من القرن التاسع
стр. 22
الميلادى أصبح فى مقدور رجال الدين فى الغرب الأوروبى الاطلاع على تلك الصور المشوهة حين ترجم أمين مكتبة البلاط البابوى أنستاسيوس بعض تلك الكتابات، الشرقية والبيزنطية إلى اللاتينية وأدمجها فى حولياته التاريخية.
وفى أواخر القرن الثانى الهجرى/ أواخر القرن الثامن وأوائل التاسع الميلادى ظهرت مقالة فى أسبانيا فى أحد الأديرة الشمالية، وهى عبارة عن نص هجومى بذئ على النبى ﵊ عرفت باسم المقالة الإسبانية عن محمد ﵊ ولا يعرف كاتبها، ويرجح ناشرها دياز أنها من عمل أحد النصارى المستفزين. وهذه المقالة تصور النبى ﵊ بصورة مجافية للذوق ومعاكسة لصفاته، فتزعم- زورا وبهتانا أنه كان كاذبا مبتدعا شهوانيا، وأنه دعا عربه المتوحشين إلى أن يتخلوا عن الوثنية، وأن يعبدوا إلها ماديا فى السماء على شكل كرة مادية، وتزعم هذه المقالة الزائفة أن إبليس ظهر لمحمد- ﵊ مدعيا أنه الملك جبريل، وأخبره أن الرب أرسله ليبشر العرب بما كان قد سمعه فى مدارس المسيحيين ويدعوهم إلى عبادة ذلك الإله المادى فى السماء وهجر عبادة الأوثان. وتزعم المقالة البذيئة أن محمدا ﵊ عندما مات تعفنت جثته فقامت الكلاب والخنازير بالتهام الجثة العفنة أستغفر الله.
وقد نجم عن هذه المقالة المنحطة أن تشيع بها بعض الرهبان فظهرت حركة فى قرطبة فى منتصف القرن الثالث الهجرى/ التاسع الميلادى، يقوم أفرادها بسب النبى ﵊ علنا فيؤخذ أفرادها إلى القاضى فيكررون السب والشتم للنبى ﵊، الأمر الذى أدى إلى إصدار حكم الإعدام على عدد منهم، تذكر المصادر الأسبانية أن عددهم يبلغ زهاء ٥٠ شخصا، وسمّت تلك المصادر تلك الحركة بحركة الاستشهاد فى قرطبة وبدأت تلك الحركة براهب يدعى بيرفكتوس الذى ذهب إلى السوق فسأله بعض عامة المسلمين عن رأى النصارى فى المسيح ومحمد عليهما الصلاة والسلام فرد قائلا بألوهية المسيح ووصف محمدا عليه الصلاة
стр. 23
والسلام بتلك الصفات الواردة فى المقالة الأسبانية، فقبضوا عليه وأخذوه إلى القاضى فأصر على موقفه فصدر الحكم بقتله. وقد سار على منواله عدد من الرهبان، منهم بول الفارو، وأولوخيو أسقف طليطلة الأسمى. وأولوخيو كتب رواية عن هذه الحركة وسبّ النبى ﵊ فحكم عليه بالإعدام سنة ٢٤٥ هـ/ ٨٥٩ م. وبول الفارو هو الذى كتب سيرة أولوخيو بعد مقتله.
والاثنان اعتقدا بأن ظهور الإسلام وانتشاره إنما هو الإعداد النهائى لظهور المسيح الدجال، أو هو الدجال نفسه. ومما أورده أولوخيو فى روايته لتلك الحركة أن ثلاثة من الرهبان الأسبان هم جورجيوس، وأورليوس، وناثاليا كتبوا نصا عن آلام المسيح. وقد احتوى النص على هجوم متعصب حاقد على الإسلام ونبى الإسلام ﵊ فوصف الإسلام بأنه «العقيدة الضالة، وخدعة الشيطان الماكرة وأن الإسماعيليين (أى العرب أبناء إسماعيل ابن إبراهيم ﵉ يجلّون نبيّا كاذبا، صدّقوا أنه من خلاله يكون طريق الخلاص، وأن نبى المسلمين إنما هو- بزعمهم- غادر بطبعه ومؤمن بإبليس، وهو وكيل المسيح الدجال، والمستنقع لكل الرذائل، والذى سوف يلقى به فى جهنم، ومن خلال تعاليمه العقيمة كتب على أتباعه عذاب النار السرمدى، وأن الذى تراءى له فى هيئة ملاك إنما هو الشيطان» . ولا شك أن هذه الحركة الحاقدة المتعصبة فى قرطبة وما صاحبها من كتابات الرهبان المقيتة قد أسهمت بدور كبير فى صياغة العقيدة الغربية تجاه الإسلام والمسلمين فى أوروبا طوال العصور الوسطى وإلى اليوم فى الولايات المتحدة الأمريكية.
[المشروع الكلوني:]
أما المشروع الكلونى: فهو الذى أعدّ كل المواد اللازمة لغرس تلك العقيدة الباطلة فى العقل الغربى وأحكم معظم جوانبها لتستمر قائمة إلى العصر الحاضر.
وهذا المشروع الذى يعتبره بعض الباحثين الغربيين بأنه: المشروع الغربى العالمى الأول لدراسة الإسلام، إنما هو فى حقيقته المشروع الغربى الأكبر لتشويه صورة الإسلام، الذى حدث سنة ٥٣٧ هـ/ ١١٤٣ م.
وينسب هذا المشروع إلى دير كلونى فى جنوب فرنسا الذى تأسس سنة
стр. 24
٢٩٧ هـ/ ٩١٠ م ومنه انبثقت حركة لإصلاح الحياة الرهبانية عرفت فى التاريخ الأوربى باسم حركة الإصلاح الكلونية التى لم تلبث أن أسهمت فى تقوية الجهاز الكنسى فى الغرب الأوربى ونال دير كلونى منزلة الحصانة تحت الحماية المباشرة للبابا فى روما، والحق المطلق فى أن ينشئ أديرة أخرى تابعة له، وخلال القرنين التاليين من تأسيسه نال دير كلونى تأثيرا كبيرا وثروة ضخمة، وأصبح فى الواقع عاصمة للإمبراطورية الديرية حيث يتبعه أكثر من ستمائة دير، وعشرات الآلاف من الرهبان فى كل مكان من العالم الغربى النصرانى، وأصبح رهبان دير كلونى بابوات وكرادلة وكثير من رؤسائه كانوا مستشارين للأباطرة والملوك. ومن أشهر رهبان دير كلونى الذين وصلوا إلى منصب البابوية، البابا جريجورى السابع، وتلميذه البابا أوربان الثانى الذى أطلق الحروب الصليبية ضد المسلمين.
وفى سنة ٥١٦ هـ/ ١١٢٢ م تم اختيار رئيس جديد لدير كلونى هو الراهب بيير موريس دى مونتبورسيير، الذى أطلق عليه معاصروه لقب بطرس المكرّم.
وقد أمضى سنواته الأولى فى تدعيم سلطة الدير ومكانته. وفى سنة ٥٣٦ هـ/ ١١٤٢ م قام برحلة إلى شمال الأندلس لزيارة الأديرة الكلونية فى تلك البلاد.
وهناك علم من بعض المترجمين بوجود رسالة لنصرانى شرقى تدافع عن النصرانية وتهاجم الإسلام مكتوبة باللغة العربية، وعرف منهم مضمونها، فقرر القيام بمشروع ترجمتها وترجمة القرآن الكريم وبعض المصنفات الآخرى إلى اللاتينية بهدف دحض الإسلام والرد عليه.
عاد بطرس المكرم إلى دير كلونى فى فرنسا بعد أن اتفق مع خمسة مترجمين للقيام بالعمل لديه وبيّن لهم أهدافه من المشروع وأجزل لهم العطاء لتنفيذه. ونقدم الآن لمحة مختصرة جدا عن أخطر ترجمتين فى المشروع والأثر الذى أحدثته فى صياغة تلك العقيدة الغربية عن الإسلام ونبى الإسلام ﵊.
١- ترجمة القرآن الكريم إلى اللغة اللاتينية .
وهى إحدى الترجمات الخمس التى أصبحت تعرف فى أوربا باسم المجموعة الطليطلية. وقام بهذه
стр. 25
الترجمة مترجم إنجليزى يسمى روبرت أوف كيتون كان قد استقر فى برشلونة فى الأندلس منذ سنة ٥٣٠ هـ/ ١١٣٦ م وأتقن العربية واهتم بالمؤلفات العربية فى علم الفلك والهندسة وقد علم روبرت أوف كيتون من بطرس المكرم أن هدفه تعريف الغرب النصرانى بالإسلام الذى يعتبره هرطقة من الهرطقات الكبرى التى هددت النصرانية، وأن بطرس المكرم ينوى الرد على الإسلام، لذلك قام روبرت أوف كيتون بترجمة خاطئة مغرضة لمعانى القرآن الكريم، كان لها تأثير سىء فى صياغة تلك العقيدة الغربية الحاقدة تجاه الإسلام ونبيه محمد ﵊.
وتتضح أهداف روبرت أوف كيتون المبنية على أهداف بطرس المكرم مما جاء فى مقدمته لتلك الترجمة، حيث صدّرها بمقدمة طنانة سماها (تمهيد عن الخرافة الإسلامية المسماة بالقرآن) ومما قاله فى مقدمته، « ... أنا كشفت عن شريعة محمد بيدىّ وجلبتها إلى خزينة اللغة الرومانية، الأمر الذى سوف يساعد رسالة المسيح المخلّص على الانتشار وتخليص الجنس البشرى من هذا الإثم- الإسلام- ذلك أن دكاترة الكنيسة أهملوا تلك الهرطقة الكبرى- يقصد الإسلام- لتصل وتصعد إلى شىء ضخم جدا ومفرط لمدة خمسمائة وسبع وثلاثين سنة، لأنها مهلكة وضارة، بسبب أن الزهرة من تلك العقيدة المتعصبة الفاسدة، مجرد غطاء فوق عقرب، تحول دون أن تلفت الانتباه إليه، وتحطّم بالخداع قانون الدين المسيحى ... » إلى أن يقول مخاطبا بطرس المكرّم: «ولذلك قمت بالعمل معك لما علمت أن نفسك مجتهدة فى سبيل كل شىء صالح، وأنك تتوق إلى ردم المستنقع غير الخصب للعقيدة الإسلامية ... لذلك أنا كشفت عن السبل والوسائل- بكل جهدى- للوصول إلى ذلك ... وهكذا أنا أحضرت الخشب والحجارة اللازمة لعمارتك الجميلة التى يجب أن تنتصب فوق الجميع خالدة.
أنا كشفت الغطاء عن دخّان محمد الذى يجب أن يخمد بواسطة منفاخك» .
وقام روبرت أوف كيتون فى ترجمته لمعانى القرآن الكريم بإعادة ترتيب السور وعمد إلى الاختصار والتشويه المتعمّد والحذف والإضافة، وإضفاء
стр. 26
الطابع اللاتينى على المعانى، مما أعطى صورة بشعة لمعانى القرآن الكريم.
ومن أمثلة الفساد والتشويه فى تلك الترجمة ما يلى:
أ- أعطى معنى غامضا لخطاب يا أهل الكتاب وجعله يبدو فى معظم الأحيان وكأنه موجه إلى المسلمين.
ب- أضفى على كل الآيات المتعلقة بأحكام الزواج والطلاق معانى جنسية داعرة بحيث تبدو للقارئ الغربى لا سيما الرهبان مثيرة للاشمئزاز والنفور. مثل:
ج- الآية ٢٣٠ من سورة البقرة؛ فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ ترجمها «فلا تحل له حتى يطأها رجل غيره» . والنكاح هنا بمعنى عقد الزواج.
د- الآية ٢٢٠ من سورة البقرة: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ ترجم تخالطوهم بمعنى تمارسوا معهم اللواط.
هـ- الآية ٢٢٣ من سورة البقرة: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ترجمعها بمعنى «فأتوهن فى أدبارهن» .
والآية ٥٠ من سورة الأحزاب: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ..
الآية، ترجمها هكذا: «نحن نجيز لك أزواجك اللائى أتيتهن مهورهن، وجميع إيمائك اللائى أعطاكهن الله، وبنات عمك، وبنات عماتك، وبنات خالك وبنات خالاتك، اللائى اتبعنك، وكل امرأة مؤمنة إذ هى ترغب فى تقديم جسدها أو نفسها للرسول، وإذا الرسول يرغب أن يضطجع معها فليفعل، وهذا خاص لك وليس للمؤمنين الآخرين» .
وهذا قليل من كثير مما فى تلك الترجمة القبيحة من تشويه متعمّد.
ولم يقتصر الأمر على ذلك؛ بل قام معلق مجهول بالتعليق والتحشية على تلك الترجمة فزاد فى التشويه إلى أقصى حد فمثلا عندما لا يتفق القصص
стр. 27
القرآنى مع بعض قصص العهد القديم يهاجم القرآن، ويتهمه بالخرافة مثل وسوسة الشيطان لآدم وزوجه للأكل من الشجرة وفى العهد القديم أن الحية هى التى أغرت آدم بالأكل من الشجرة. ويعلق المعلق على القرآن بقوله: «كذب وقح» . أيضا القصة الرائعة لحمل مريم بعيسى- ﵇ كما جاء فى سورة مريم، يسميها أيضا «كذب وقح» .
كما أن هذا المعلق علّق- مثلا- على الآيتين من سورة الغاشية: فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (الغاشية: ٢٠، ٢١) ، علّق عليها موجها الخطاب إلى النبى ﵊؛ قائلا: «لماذا أنت بعد كل هذا توجّه أصحابك إلى أن يحوّلوا الناس إلى دينك بالسيف، إذا أنت تقول مثل هذه المبادئ التى لا تجبر الناس على الطاعة، فلماذا تجبر الناس على الطاعة ولماذا تخضعهم بالقوة مثل الحيوانات والبهائم المتوحشة، وليس بواسطة الحجج والبراهين مثل البشر، فى الحقيقة أنت نموذج للكذّاب، فأنت فى كل مكان تناقض نفسك» .
هذه الترجمة المشوهة لمعانى القرآن الكريم التى قام بها روبرت أوف كيتون لحساب بطرس المكرّم سنة ٥٣٧ هـ/ ١١٤٣ م هى أول ترجمة عرفتها أوربا وأحدثت تأثيرا واسعا على الفهم الأوربى المشوه للإسلام حتى القرن الثامن عشر، فقط ظلت تنتشر مخطوطاتها حتى قام عالمان سويسريان بطباعتها فى بازل سنة ٩٤٩ هـ/ ١٥٤٣ م. وعن هذه الترجمة اللاتينية قام أريفابينى الإيطالى بترجمتها إلى الإيطالية سنة ٩٥٣ هـ/ ١٥٤٧ م. وعن هذه الترجمة الإيطالية قام سالمون اشفجر بترجمتها إلى الألمانية سنة ١٠٢٥ هـ- ١٦١٦ م وعن هذه الترجمة الألمانية ترجمت إلى الهولندية سنة ١٠٥١ هـ/ ١٦٤١ م.
ومن هنا يتبين لنا الأثر السىء الذى تركته هذه الترجمة على صورة الإ «لام فى الغرب، إذ قامت عليها الكثير من دراسات المستشرقين عن الإسلام.
٢- رسالة النصرانى الشرقى: وهى الأخيرة فى المجموعة الطليطلية، وتعرف باسم الرسالة الإسلامية والجواب المسيحى. وهى التى أحدثت المشروع
стр. 28
الكلونى برمته. وهى عبارة عن رسالة وجواب على الرسالة. الرسالة مرسلة من رجل مسلم يدعى عبد الله بن إسماعيل الهاشمى إلى صديق له نصرانى يدعى عبد المسيح بن إسحاق الكندى، وقد صيغت رسالة الهاشمى المزعومة بحيث يبدو قريبا للخليفة المأمون، بينما صيغ الجواب وكأن الكندى المزعوم يعمل فى بلاط الخليفة نفسه. ومن الواضح أن كلا الاسمين مستعاران وأن كاتب النصين عالم عربى نصرانى عاش فى العراق فى القرن الرابع الهجرى/ العاشر الميلادى، والراجع أنه الطبيب والفيلسوف النصرانى يحيى بن عدى المتوفى سنة ٣٦٤ هـ/ ٩٧٥ م. ولا نجد لهذه المصنفة ذكرا فى المصادر الإسلامية إلا عند البيرونى المتوفى سنة ٤٤٠ هـ/ ١٠٤٨ م. الذى اقتبس منها نصا فى حديثه عن الصابئة.
وقد كلّف بطرس المكرم اثنين من المترجمين بترجمة هذا النص هما بطرس الطليطلى، وبطرس أوف بواتييه. وقد صاغ يحيى بن عدى رسالة الهاشمى المزعوم فى نحو عشرين صفحة، بحيث بدأ بالسلام والرحمة على صديقه النصرانى، زاعما أن ذلك سنة النبى ﵊ فى مخاطبته للناس بما فيهم النصارى ثم يبدى الهاشمى المزعوم تعبيرات مختلفة من الاحترام لصديقه والإشارة إلى النسب الأصيل للكندى، والإشادة بتقواه وثقافته ومعرفته، ويدعوه إلى اعتناق الإسلام الذى هو دين الحنيفية، دين أبيهما الأول ابراهيم ﵇، وهو التوحيد الخالص لله تعالى، ثم يعرض أركان الإسلام الخمسة، والجهاد، ويسهب فى ذكر نعيم الجنة لإغراء صديقه النصرانى باعتناق الإسلام. وأنه إذا اعتنق الإسلام يمكنه الزواج بأربع زوجات ويطلق متى يشاء ويملك من الجوارى ما يشاء، ويحصل على ترقية فى بلاط الخليفة وفى النهاية يعرض على صديقه أن يجيبه بكل صراحة على عرضه وأن يقول ما يحلو له فى الدفاع عن دينه ويحثه على التخلى عن عبادة الثالوث.
وقد أجاب يحيى بن عدى على رسالته التى جعلها على لسان الهاشمى، بجوابه الذى جعله على لسان الكندى فى ١٤٠ صفحة، أى أكبر بسبع مرات
стр. 29
من رسالة الهاشمى، بحيث يترك جوابه الانطباع لدى القارئ النصرانى أنه نال الغلبة والقهر بالحجة والبرهان. ومن الواضح أن يحيى بن عدى كتب هذا الكتاب حين ازداد دخول النصارى فى الإسلام فى القرن الرابع الهجرى، وكان هدفه منه تحصين أهل الذمة من النصارى لمنعهم من اعتناق الإسلام وإقناعهم بأن دينهم هو الدين الصحيح.
ويبدأ يحيى بن عدى جوابه على لسان الكندى المزعوم بالعرفان بالجميل لصديقه الهاشمى والدعاء للخليفة المأمون. ثم يدافع عن عقيدة الثالوث، ويزعم أن عقيدة الحنيفية التى يدعو إليها الهاشمى التى كان عليها إبراهيم ﵇ إنما هى عبادة الأصنام، حيث يزعم أن إبراهيم ظل يعبدها لمدة سبعين سنة فى حرّان مع آبائه.
ويحاول بأسلوب فلسفى تفنيد عقيدة التوحيد، ثم يوجه هجومه إلى النبى ﵊، ويتهمه بأنه تطلع إلى الملك، ولما كان يعرف أن نفوس قريش تأبى أن يصبح ملكا عليها ادّعى النبوة للوصول إلى هدفه. ولا يتحدث جواب الكندى المزعوم عن دعوة النبى ﵊ فى مكة، وإنما ينتقل فجأة إلى المدينة حيث يزعم أن النبى ﵊ اغتصب مربد غلامين يتيمين وبنى عليه مسجده، وأنه اصطحب قوما فراغا لا عمل لهم وبدأ فى شن الغارات وممارسة النهب والسلب وقطع الطريق وإخافة السبيل، ويتهم النبى ﵊ أنه أمر باغتيال بعض الآمنين فى بيوتهم، ثم يشير إلى جروح النبى ﵊ يوم أحد، ويرى أنه لو كان رسولا لمنعه الله من الضرر، ثم يزعم أن النبى ﵊ لم يكن له هم إلا امرأة جميلة يتزوجها، ويتهمه بالاستخفاف بالله فى محاباة زوجاته ويكرر حديث الإفك عن عائشة رضى الله عنها.
وبعد ذلك يثير جواب الكندى المزعوم موضوع النبوة وعلاماتها ويزعم أن شروط النبوة لا تتوافر فى محمد ﵊. ويزعم أن أهم علامات النبوة هى المعجزات، وأن النبى ﵊ لم يأت بشىء منها، وأنه
стр. 30
أنكر أنه يستطيع أن يأت باية كما جاء فى القرآن، وأنه لا دليل لدى محمد ﵊ على رسالة إلاهية ويزعم أن الإسلام انتشر بحد السيف، وأن نجاح الفتوح الإسلامية ليس دليلا على إعجاز إلاهى، لأنها يمكن أن تكون وسيلة من الله لمعاقبة الناس المذنبين، ويزعم أن النصرانية انتشرت بالتبشير واستشهاد الحواريين بينما الإسلام انتشر بالقهر والسيف، ويزعم أن لغة القرآن ليست معجزة، ويعتبر لغة الشاعر امرئ القيس أقوى من لغة القرآن. ويزعم جواب الكندى أن الإغراء المادى والوعد بالملذات الحسية فى جنة شهوانية هو الذى أغرى العرب المحرومين أن ينضموا إلى الإسلام وجيوشه، وأن جيوش المسلمين كانت مليئة بالمنافقين الذين انضموا إليها طلبا للغنائم.
ثم يهاجم شعائر الإسلام، ويعتبر الحج عملا من أعمال الوثنية، ويرى أن الجهاد فى سبيل الله إنما هو عمل الشيطان. ويزعم أن محمدا ﵊ لم يكن يهدف مثلما هدف المسيح- ﵇ إلى أن يخلّص ويهذب الإنسان، وإنما هدف إلى ما هدف إليه الفاتحون الآخرون وهو أن يوسع مملكته. ويزعم أن النصرانية هى الصراط المستقيم المذكور فى سورة الفاتحة.
ويزعم أن الشرائع ثلاث: شريعة الكمال الإلهى وهى التى جاء بها المسيح ﵇، وشريعة العدل وهى التى جاء بها موسى ﵇، وشريعة الشيطان وهى التى جاء بها- بزعمه الكاذب- محمد ﵊.
ويزعم أن النبى ﵊ كان يتلقى من راهب طرد من الكنيسة وذهب إلى تهامة واسمه سرجيوس، وتسمى عند محمد ﵊ بإسم نسطوريوس وأنه هو الذى كان يسميه النبى ﵊ جبريل أو الروح القدس.
وقال هذا النصرانى- قطع الله لسانه- فى جوابه عن النبى ﵊ ما نصه: «فإنا لم نره دعا الناس إلا بالسيف وبالسلب والسبى والإخراج من الديار ولم نسمع برجل غيره جاء فقال من لم يقر بنبوتى وإنى رسول رب العالمين ضربته بالسيف وسلبت بيته وسبيت ذريته من غير حجة ولا برهان» .
стр. 31
وزعم- زورا وبهتانا- أن النبى ﵊ أجبر الناس على قبول القرآن: «وقال من لا يقبل كتابى هذا ويقول إنه منزّل من عند الله وأنى نبى مرسل قتلته وسلبته ماله وسبيت ذريته واستبحت حريمه» .
وزعم النصرانى أن عبد الله بن سلام وكعب الأحبار عمدا إلى ما فى يد على بن أبى طالب- ﵁ من القرآن بعد وفاة النبى ﵊ وأدخلا فيه أخبار التوراة وأحكامها وزادا وأنقصا منه وسخر من عملية جمع القرآن فى عهد أبى بكر- ﵁، وزعم أنه وقع فيه التحريف والتبديل، وأن الحجاج بن يوسف الثقفى جمع المصاحف وأسقط منها أشياء كثيرة عن بنى أمية، وذكر كلاما كثيرا ملفقا فى هذا الموضوع وختم جوابه بدعوة الهاشمى المزعوم لاعتناق النصرانية.
هذه الترجمة الرئيسية فى المشروع الكلونى نالت فى الغرب شعبية هائلة وأصبحت بمثابة إنجيل المنصّرين والمستشرقين منذ ترجمتها وإلى اليوم حيث اعتبروها أفضل دفاع عن النصرانية وأقوى هجوم على الإسلام.
وهناك ثلاثة مصنفات أخرى ترجمت فى المشروع الكلونى هى (نشؤ محمد) و (عقيدة محمد) و (الأحاديث الإسلامية) ولكن لم يكن لها تأثير يضاهى تأثير رسالة الكندى المزعوم والترجمة الخاطئة والمغرضة لمعانى القرآن الكريم من جانب روبرت أوف كيتون.
وبعد أن انتهى بطرس المكرم من ترجمة مشروعه الآنف الذكر قام بتأليف ردين على الإسلام هما:
١- المجمع الكامل عن الهرطقة الإسلامية وقسمه إلى ستة فصول هى:
أ- الرب، المسيح، ويوم الحساب.
ب- النبى محمد ﵊.
ج- القرآن ومصادره.
стр. 32
د- الجنة والنار والتعاليم الأخلاقية.
هـ- انتشار الإسلام.
والإسلام بوصفه هرطقة مسيحية.
٢- الدحض وقسمه إلى كتابين كل كتاب مكون من فصلين وكلاهما كتبه باللاتينية.
وكان هدف بطرس المكرم من تأليف رديه أن يغرس فى قلوب النصارى موقفا معاديا للإسلام ينبغى على كل نصرانى أن يتخذه ويعتقده تجاه العقيدة الإسلامية. وسوف أعرض هنا مقتطفات مختصرة من مجمل بطرس المكرم للتدليل على هدفه هذا. بعد أن عرض بتهكم مشاهد يوم القيامة التى انفرد بها القرآن ولا توجد عندهم فى كتبهم المقدسة قال: «إلى هذا الحد الفعلى) Mahumet محمد) - أستغفر الله العظيم- القذر الشرير علّم أتباعه إنكار جميع أسرار الدين المسيحى، وحكم تقريبا على ثلث الجنس البشرى بعدم معرفة يوم الدينونة للرب، بواسطة حكايات مجنونة يهذى بما لم يسمع بمثلها استجابة لإبليس والهلاك السرمدى» . ثم يقدّم فى مجمله مختصرا مشوها لسيرة النبى ﵊ إلى أن يقول: «هكذا كان Mahumet ناشطا جدا فى الشؤون العالمية، وذكى إلى أبعد حد، هو انبثق من الأصل الوضيع والفقر إلى الغنى والشهرة، ونهض بنفسه إلى أعلى شيئا فشيئا، وتكرارا هاجم كل أولئك الذين كانوا بجواره، وكان بشكل بارز يضم إليه الأقرباء بالخداع، والسلب، والغزوات، قاتلا أى شخص غيلة إن استطاع، هو ازداد رعبا بواسطة اسمه، وفى الوقت المناسب وصل إلى القمة بالنزاعات. ثم بدأ يطمح إلى منصب الملك على شعبه، ولما كان يدرك أنه لا يستطيع أن يحقق هذه الرغبة بسبب أصله الوضيع. قرّر أن يصبح ملكا عن طريق السيف، وتحت قناع الدين وبواسطة الاسم رسول الله» . ثم يتناول فى مجمله القرآن ويرفض بشدةت نبوة محمد ﵊ ويزعم أن القرآن له مصادر هى: إبليس،
стр. 33
وسرجيوس ونسطرويوس وبحيرا ... إلى آخر ما يقول ما نصه: «هكذا علّم محمد من جانب أحسن علماء من اللاهوت البارزين، والمتهرطقين، فأنتجوا قرآنه، ونسجوا معا، فى ذلك الشكل غير الفصيح، له كتابا مقدسا شيطانيا، صنّف على حد سواء من الخرافات اليهودية والأغانى العابثة للهراطقة، كاذبا أن هذه المجموعة جلبت إليه سورة وراء سورة بواسطة جبريل، الذى اسمه هو عرفه من الكتاب المقدس فى ذلك الوقت، هو أفسد بسهم مهلك ذلك الشعب الذى لم يعرف الرب، وفى سلوك هذا المفسد أن جعل فى حواف القدح المملوء بالعسل السم المهلك الذى يتسرب معه، هو (محمد) حطّم، وا حسرتاه، الأرواح والأجساد لذلك الشعب البائس، ذلك الرجل، أثنى على الشريعة المسيحية واليهودية، والشرير مع ذلك يقتبس منها ويرفضها فى الوقت نفسه» .
وبعد ذلك يتناول بطرس المكرّم، الجنة والنار، والتعاليم الأخلاقية ويهاجم التصوير القرآنى للجنة والنار فيقول: «محمد يصف عذاب جهنم كأنها تسره حتى يصفها، وكأنه كان ملائما لرسول زائف كبير أن يخترع تلك الأوصاف. وهو يصور جنة ليست من مجتمع ملائكى، ولا من تجلى الرب، ولا من ذلك الخير الأعلى، الذى لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.. بل فى هذه الطريقة هو وصفها مثلما هو رغبها أن تكون معدّة لنفسه، هو يعد أتباعه هناك بالأكل من اللحم، وكل أنواع الثمرات، هناك أنهار من اللبن والعسل والمياه المتدفقة. هناك العناق والإشباع الشهوانى من النساء العذارى الأجمل، فيها أشياء كثيرة، جنته كلها حسية» . ثم يتناول بطرس المكرم تعدد الزوجات فى الإسلام باعتباره عملا من أعمال الزنا وفق المنظور الرهبانى دون أن يعلم أن المجتمع الغربى من بعده، فى العصور الحديثة، سيصل إلى ممارسة الزنا علنا فى الشوارع وعلى الأرصفة بسبب تلك الرهبانية المصادمة للفطرة البشرية التى فرضها رجال الدين على المجتمع الغربى طوال العصور الوسطى. بل كان بعض الرهبان والقسس فى الكنائس يفعلون ما هو الأسوأ.
стр. 34
ثم يعود بطرس المبجل للهجوم البذئ على النبى ﵊ فيقول: وبالإضافة إلى كل هذه الأشياء، هو استطاع أن يجتذب إليه الرغبات الشهوانية للرجال، حيث أطلق لهم الأعنة للنهم والتلوث هو نفسه كان له فى ذات الوقت ست عشرة زوجة ... مقترفا الزنا كأنه شرط بواسطة الأمر الإلهى، وبذلك أضاف إلى نفسه عددا ضخما من الناس المحكوم عليهم بالهلاك السرمدى» .
وبالمقارنة اتضح أن مجمل ما قاله بطرس المكرم ودحضه قد اعتمد فيهما على رسالة الكندى المزعوم حيث نسج على منوالها. وأصبح هذان الردان ضمن المشروع الكلونى الذى غدا فى متناول الرهبان المتعصبين للاعتماد عليه فى كتاباتهم العدائية ضد الإسلام ونبيه محمد ﵊.
فهذا وليم الصورى أسقف صور الذى عاصر الحروب الصليبية حتى عصر صلاح الدين الأيوبى وأرّخ للمملكة الصليبية فى بلاد الشام وعلاقتها بالمسلمين بدأ حديثه فى تاريخه عن النبى ﵊ فقال ما نصه: «فى زمن الإمبراطور هرقل، وطبقا للروايات والتواريخ الشرقية حققت معتقدات محمد الضارة- بزعمه الباطل- موطئ قدم راسخ لها فى الشرق، وهذا هو أول أبناء الشيطان المعلن بالكذب أنه رسول مرسل من الله، وبذلك أضل بلدان الشرق خصوصا بلاد العرب. والبذرة السّامة التى زرعها اخترقت إلى حد بعيد المناطق التى استخدم فيها خلفاؤه السيف والعنف بدلا من التبشير والنصح، لإجبار الناس، مهما كانوا خاضعين، ليعتنقوا المعتقدات الخاطئة للرسول» .
أما جايكوس دى فترى أسقف عكا الذى شارك فى الحملة الصليبية الخامسة ٦١٤- ٦١٨ هـ/ ١٢١٧- ١٢٢١ م فقال ما نصه: «إن محمدا أخذ جيرانه الذين كان يحسدهم فى الخفاء، وذبحهم بغدر» .
أما سان بدرو باسكوال وهو راهب إسبانى عاش فى القرن السابع الهجرى/ ١٣ م والمتوفى سنة ٧٠٠ هـ/ ١٣٠٠ م فقد كتب عدة كتب ضد المسلمين
стр. 35
ومنها كتاب أطلق عليه الفرقة المحمدية فقال فيه ما نصه: «ما الذى جاء به محمد غير الفسوق والسلب، القرآن على حد سواء أمر بالسلب والحرب، والحديث أكد هذا، حيث وعد المسلمون بمكافأة ضخمة من أجل الموت فى الحرب، وأن جروحهم سوف تكون جميلة يوم البعث، ذلك أن محمدا أمر بأن الناس من غير المسلمين يجب أن يقتلوا بواسطة الجهاد، وتغتصب نساؤهم ويؤخذون سبايا مع الأطفال، وخيراتهم تنهب وبلادهم تحتل» . وقد زعم سان بدرو باسكوال هذا أن محمدا عليه الصلاة والسلامه، أثنى ذات مرة على آلهة الوثنيين فى آيات زعم أن المسلمين يسمونها الآيات الشيطانية. ومن عجب أن قول سان بدرو باسكوال هذا، كان هو الذى أوحى للمرتد البريطانى سلمان رشدى بعنوان روايته «الآيات الشيطانية» ، كما أن باسكوال وفندينزو وبريكولدو وغيرهم من كتّاب العصور الوسطى كانوا المصدر الرئيس لرواية سلمان رشدى، بل هى مسروقة بالكامل من تلك الكتابات الوسيطة.
لقد اخترع سان بدور باسكوال قصصا وأساطير عجيبة تناول فيها جوانب من سيرة النبى ﵊ ونزول الوحى عليه وموقف خديجة- رضى الله عنها- فمثلا غزوة بدر يقدمها بهذا الشكل الملفق: «اصطحب محمد عصابة من اللصوص، وبعد ذلك سمع أن تجارا كثيرين من مكة كانوا يقتربون من تلك المدينة من مناطق أخرى فى طابور عظيم من البهائم المحملة بالأثقال، هو اختبأ فى مكمن مع أصحابه وقتل سبعين من التجار وسائقى البغال من أهل مكة، وأخذ أكثر من سبعين أسيرا، ونهبوا القافلة بالكامل» .
وعن قصة نزول الوحى على النبى ﵊ يورد رواية مشوهة ويزعم أن النبى ﵊ تلبسه الشيطان، ويسب خديجة رضى الله عنها- التى صدقته ويقول مخاطبا النبى ﵊ ما نصه: «فى الواقع أنا أقول لك يا محمد إن هذا الذى فعلته ليس نبوة، بل إنك قلت أشياء معينة مثلما تعوّد العرافون اليوم أن يقولوها عن طريق استحضار العفاريت بأى أسلوب، فهذا لن يكون مدهشا لأنه سيوجد عرّافون كثيرون فى العالم
стр. 36
يقولون حقائق قليلة وكذبا كثيرا» وكتابات سان باسكوال عن الإسلام ونبيه ﵊ تتصف بالاختلاق والسفه فمثلا عند حديثه عن وفاة النبى ﵊ قال ما نصه: «إن محمدا عندما أوشك أن يموت حاول أن يعمّد نفسه- أى يتنصّر- لكن الشياطين منعته» .
أما الراهب الإيطالى فيدينزو أوف بافيا الذى جاء إلى بلاد الشام فى النصف الثانى من القرن السابع الهجرى/ النصف الثانى من القرن الثالث عشر الميلادى فقد كتب وصفا مختصرا مختلفا لتشويه صورة النبى ﵊ عند القراء الغربيين ومما قاله: «إن محمدا جمع حوله عبيدا آبقين، ورجالا مؤذين مرتشين ومضطهدين للآخرين، من أصناف مختلفة، وعندما أطاعوه وأصبح أميرهم، أرسلهم إلى غابة ذات طرق فرعية وإلى قمم الجبال، وأخذوا يغيرون على الطرق التى يتردد عليها المسافرون، فيسلبون الناس، وينهبون بضائعهم ويقتلون كل من يبدى مقاومة. وحل الخوف من محمد وأصحابه بجميع الناس الذين يقطنون بتلك البلاد» . وهذا الراهب فيدينزو أحد الكتّاب الغربيين الذين تلقفوا القصة المختلقة عن النبى ﵊ وزينب بنت جحش رضى الله عنها، التى اخترعها يوحنا الدمشقى وصاغوها بشكل داعر، ومما قاله فيدينزو ما نصه: «كان هناك رجل معروف يدعى سايدوس- زيد- وكان له زوجة تدعى سيبيب- زينب- كانت من أجمل الناس الجميلات اللائى عشن على الأرض فى أيامها، فسمع محمد بشهرة جمالها، واشتعل بالرغبة فيها، وأراد أن يراها، فجاء إلى منزل المرأة فى غياب زوجها، وسأل عن زوجها. هى قالت: يا رسول الله، ماذا تريد، لماذا أنت هنا؟
زوجى ذهب إلى الخارج فى العمل. هذا لم يكن مخفيا عن زوجها، هو عندما عاد إلى بيته، قال لزوجته: هل كان رسول الله هنا؟ هى أجابت: هو كان هذا، هو قال هل رأى وجهك؟ هى أجابت: نعم هو رآه، وهو أيضا سهّرنى وقتا طويلا، هو قال لها: أنا لا أستطيع أن أعيش معك وقتا أطول من هذا ... » .
ومن الرهبان المنصرين الذين كتبوا عن الإسلام، ريكولدو أوف مونت
стр. 37
كروس المتوفى سنة ٧٢٠ هـ/ ١٣٢٠ م وقد جاء إلى عكا سنة ٦٨٨ هـ/ ١٢٨٩ م وانتقل منها إلى آسيا الصغرى ومنها إلى الشرق حيث وصل إلى مراغة فى رحلة تنصيرية ثم جاء إلى الموصل وإلى بغداد. ثم عاد إلى دير مونت كروس وصنّف عدة كتب يهاجم فيها الإسلام منها كتاب سماه «دحض القرآن» ومما قاله: «إن الإسلام مجرد خدعة شيطانية ابتدعها الشيطان كى يمهد الطريق لمجىء المسيح الدجّال، وذلك حين شعر الشيطان بعدم قدرته على إيقاف انتشار النصرانية، وأن الوثنيات بدأت تتهاوى أمام النصرانية، وأنه ليس فى مقدوره دحض شريعة موسى وإنجيل عيسى، فابتدع الشيطان ذلك الدين ليكون وسطا بين النصرانية واليهودية ... والقرآن ليس قانون الله، نظرا لأن أسلوبه لا يطابق الأسلوب الإلهى، الذى لا يوجد فيه سجع ولا عبارات موزونة كتلك التى جاءت فى الكتب المقدسة» .
والحق أن القرنين السابع والثامن الهجريين/ الثالث عشر والرابع عشر الميلاديين، قد شهدا حملة فكرية عدوانية شرسة ضد الإسلام ونبى الإسلام محمد ﵊ من جانب مئات الكتّاب الغربيين من الرهبان والمنصرين والحجاج الذين زاروا الديار المقدسة فى بلاد الشام، وهى حملة عدائية تضاهى فى ضخامتها العدوان الفكرى الحالى الذى نشهده فى وسائل الإعلام الغربية. ويتضح أحد أهداف تلك الحملة السابقة مما كتبه أحد أعضائها وهو روبرت هالكوت الذى كتب سنة ٧٤١ هـ/ ١٣٤٠ م يقول: «إنه لن يكون سهلا أن ننشر تعاليم المسيح بين المسلمين إلا عن طريق تحطيم وشجب شريعة محمد» .
ويتضح توطّد وترسّخ تلك العقيدة الغربية الباطلة تجاه الإسلام والمسلمين فى الغرب، وأنه لم يكن بمقدور أحد هناك اعتقاد سوى ما حدث سنة ٧٦٢ هـ/ ١٣٦١ م عندما كتب راهب بندكتى يعمل فى جامعة أكسفورد، اسمه أوثرد أوف بولدون، مقترحا قال فيه: «إنه عند لحظة الموت لكل إنسان سواء كان نصرانيا، أو مسلما، أو من أى دين، فإنه ينعم بالرؤية المباشرة للرب، ويتلقى حكمه
стр. 38
الأبدى فى ضوء استجابته لهذه التجربة» فقامت ضد الراهب أوثرد احتجاجات عنيفة من زملائه الرهبان مفادها: كيف يمكن لمسلم أن ينجو من الهلاك والعذاب السرمدى؟؟؟ فاضطر الراهب أوثرد إلى سحب اقتراحه!!!
وفى ضوء هذا العرض المختصر للعقيدة الغربية المركوزة فى الفكر الغربى تجاه الإسلام ونبيه محمد ﵊ يمكن أن نخرج بالملاحظات والحقائق التالية.
أولا: لا نجد نظيرا لهذه العقيدة تجاه نبى من الأنبياء وأمة من الأمم إلا فى عقيدة التلمود عند اليهود تجاه المسيح- ﵇ ووالدته الطاهرة مريم- ﵍ وتجاه المسيحيين. فالتلمود الذى يقدسه اليهود إلى أقصى حد «يرى بأن المسيح عيسى ابن مريم موجود فى لجات الجحيم بين الزفت والقطران والنار، وأن أمه مريم أتت به من العسكرى الرومانى «باندارا» بمباشرة الزنا.
ويرى التلمود أن المسيح ارتد عن اليهودية وعبد الأوثان، وأن أتباعه النصارى وثنيون. ويذهب التلمود إلى أن المسيح كان ساحرا وثنيا ومن يتبعه من الأمم إنما هم وثنيون مثله، وأن المسيح كان مجنونا وكافرا لا يعرف الله وأن الطقوس الدينية عند النصارى إنما هى نوع من عبادة الأصنام. ويقرّر التلمود أن الأناجيل كتب النصارى المقدسة- إنما هى كتب الظلم والخطايا وأنه يجب على اليهود إحراقها ولو كان فيها اسم الله. وأن الكنائس النصرانية بمثابة قاذورات، وأن الواعظين فيها أشبه بالكلاب النابحة، وأن قتل النصارى من الأفعال التى يكافئ الله عليها، وإذا لم يتمكن من قتل النصارى، فالواجب عليه أن يلعن النصارى ثلاث مرات فى اليوم، ويطلب من الله أن يبيدهم ويفنى ملوكهم وحكامهم وعلى اليهود أن يعاملوا النصارى كحيوانات دنيئة غير عاقلة ... » .
ثانيا: إذ تأملنا أسباب نشأة هذه العقيدة الغربية الضالة تجاه الإسلام ونبيه محمد ﵊ يمكن أن نستخلص بعض الأسباب الرئيسة وأهمها وهى:
стр. 39
أ- أن اعتراف النصارى بنبوة محمد ﵊ وصحة القرآن وأنه الكتاب الحق المنزّل من الله ينسف العقيدة النصرانية بكاملها من الأساس وهى التى تقوم على أساس أن المسيح هو الرّب وأنه ظل يرسل الرسل والأنبياء للدعوة إليها، وأخيرا تجسّد الرب بنفسه ليبلّغ البشر برسالته الأخيرة، وأنه قتل وصلب ليكفر عن خطايا البشر ويخلصهم الخلاص النهائى.
ب- اعتقادهم بأن النصرانية هى الحق والهدى وأن ما سواها هو الكفر والضلال، وأن لا خلاص للبشر إلا باعتناق النصرانية، ومن هنا رفضوا الإسلام، وحاولوا بكل ما يستطيعون إثبات أن الإسلام دين مختلق وليس وحيا من الله تعالى. ولإثبات هذا الزعم الباطل عمدوا إلى سيرة النبى محمد ﵊ المرسل بهذا الدين- وشوهوها واخترعوا له قصصا وأساطير من خيالاتهم تظهره فى صورة سيئة تقنع من يقرأها من عامة النصارى أنه لم يكن مرسلا من الله وأن تلك السيرة السيئة لا تليق برسول، هذا فضلا عن تعمّد الكتّاب النصارى طمس كل معالم سيرته الصحيحة وشمائله وأخلاقه وفضائله وهديه وعدم ذكر أى شيء منها، حتى لا ينجذب إليها القارئ النصرانى وتجعله يفتتن بها ومن ثم يعتنق الإسلام.
ج- افتراضهم المسبق أن الإسلام هرطقة ومن ثمة البحث فى المصادر النصرانية والأحاديث والسّير الموضوعة ما يثبت ويبرهن على هذا الافتراض الزائف.
د- اعتقاد الرهبان ورجال الدين فى العصور الوسطى أن الإسلام شكّل خطرا داهما على أوربا وأن عقيدته تهدد النصرانية فى عقر دارها وأن جماهير النصارى قد تقبل على اعتناقه مثلما حدث فى سائر البلدان التى فتحها المسلمون لاسيما الأندلس، ولذلك عمدوا إلى رسم صورة مشوهة ملفقة عن الإسلام كنوع من التحصين للمجتمع الغربى النصرانى والحيلولة بين عامة النصارى وبين اعتناق الإسلام.
стр. 40
ثالثا: إن هذه العقيدة الضالة التى اكتمل بناؤها وصياغتها خلال العصور الوسطى عبرت كاملة متماسكة إلى العصور الحديثة وتبناها الكثير من الكتّاب والرهبان والمنصرين والمستشرقين المتعصبين فى العصور الحديثة لا يتسع المجال هنا لذكرهم ويكفى ما أوردناه فى بداية الحديث عما تقوله وتنشره وسائل الإعلام الغربية فى هذه الأيام.
رابعا: إن هذه اللمحة الموجزة عن هذه العقيدة الغربية تجاه الإسلام ونبيه محمد ﵊ والمقتطفات التى أوردناها لا تصل فى حقيقتها إلى نسبة واحد فى الألف مما كتبه الغربيون عن الإسلام عبر العصور من كتابات معادية ظالمة.
فإذا أضفنا إلى هذا العدوان الفكرى، العدوان العسكرى الشامل والمستمر ضد المسلمين على مدى أكثر من ألف سنة بدا من حروب الاسترداد الأسبانية والحروب الصليبية عبر قرون كثيرة، والتنصير القسرى ضد مسلمى الأندلس بعد احتلالها، وضد مسلمى صقلية وجنوب إيطاليا وكريت وجزر البليار، وقتل الملايين من المسلمين الذين رفضوا التنصّر، وطرد الملايين الآخرين من الأندلس. ثم حركة الاستعمار الغربى ضد العالم الإسلامى بأكمله منذ الكشوف الجغرافية وحتى القرن العشرين، وما قتل من ملايين المسلمين فى تلك الحروب العدوانية المتمادية التى لا تكاد تنتهى ثم الظلم الأخير للمسلمين بزرع دولة اليهود فى قلب بلادهم، وتشريد شعب فلسطين من أرضه ووطنه.
ونهب الغرب لثروات ومقدرات المسلمين عبر العصور وتقسيمهم إلى دول كثيرة، وأخيرا العدوان الشامل الذى تمارسه الولايات المتحدة ضد العالم الإسلامى، إذا نظرنا إلى هذا كله فإننا نخرج بحقيقة كبرى مفادها:
أنه لا يوجد فى التاريخ البشرى بأكمله ولا فى تاريخ الحيوانات والوحوش ولا فى تاريخ الحشرات والزواحف أمة ظلمت أمة وبغت عليها وآذتها مثل ظلم الغرب وبغيه وعدوانه على أمة الإسلام. ولهذا كله يجب على كل مسلم أن يعلم طبيعة هذا العدوان وهدفه وأن يعمل على مقاومته وإفشاله بكل ما يستطيع.
следующие страницы →