لقد وجدت في اثناء ممارستي للطب ان تسلحي بالنواحي الروحية إلى جانب المامي بالمادة العلمية يمكناني من معالجة جميع الامراض علاجا يتسم بالبركة الحقيقية، اما اذا أبعد الإنسان ربه عن هذه المحيط، فان محاولاته لا تكون الا نصف العلاج، بل قد لا تبلغ هذا القدر.
فمعظم القرح المعدية لا ترجع إلى ما يأكله الناس كما يقال، وانما إلى ما تأكل قلوبهم، ولابد لعلاج المريض بها من علاج قلبه وأحقاده اولا، وليكن لنا أسوة بالأنبياء الذين كانوا يصلون من أجل أعدائهم ويدعون لهم بالخير. فاذا تطهرت قلوبنا وصرنا مخلصين، فاننا نشق طريقنا نحو الشفاء، وبخاصة اذا كان العلاج الروحي مصحوبا بتناول المواد ضد الحامضية وغيرها من العقاقير التي تساعد على الشفاء من هذه القرح.
وهنالك كثير من الحالات النفسية التي يلعب الخوف والقلق دورا هاماً فيها، فاذا عولج الخوف والقلق على أساس تدعيم ايمان الانسان بالله، فان الصحة والشفاء يعودان إلى الانسان بصورة كأنها السحر في كثير من الحالات.
ولا يتسع المقام لذكر كثير من الحالات التي تم فيها الشفاء فورا بسبب الالتجاء إلى الله والثقة به، وقد وصفت كثيرا من هذه الحالات في احد الكتب التي ألفتها وهو: (الصحة تتدفق) ، وبينت في هذا الكتاب كيف كان الايمان بالله جزءا هاماً من العلاج النفسي والطبي، وكيف أدى إلى نتائج تدعو إلى العجب.
ان الجسم الانساني يصبح على أفضل ما يمكن عندما يكون على وفاق مع صانعه وخالقه، وبدون ذلك يصيبنا الاضطراب والمرض.
نعم هنالك اله. ولقد عرفته في مواطن كثيرة، وهو الذي يشفي العظام المكسورة والقلوب المحطمة (١) .
стр. 142
الزهر وطيور بالتيمور
كتبه: سيسل هامان
عالم بيولوجي
حاصل على درجة الدكتوراه من جامعة بوردو- أستاذ في جامعة كنتاكي وجامعة سانت لويز سابقا – أستاذ في كلية آسبوري – اخصائي في تقسيم الطفيليات الحيوانية..
أينما اتجهت ببصري في دنيا العلوم، رأيت الادلة على التصميم والابداع، على القانون والنظام، على وجود الخالق الأعلى
سر في طريق مشمس وتأمل بدائع تركيب الأزهار، واستمع إلى تغريد الطيور، وانظر إلى عجائب الاعشاش، فهل كان محض مصادفة ان تنتج الازهار ذلك الرحيق الحلو الذي يجتذب الحشرات فتلقح الازهار وتؤدي إلى زيادة المحصول في العام التالي؟ وهل هو محض مصادفة ان تهبط حبوب اللقاح الرقيقة على مبسم الزهرة فتنبت وتسير في القلم حتى تصل إلى المبيض فيتم التلقيح وتتكون البذور؟ فليس من المنطق ان نعتقد بان يد الله التي لا نراها هي التي رتبت ونظمت هذه الاشياء تبعا لقوانين ما زلنا في بداية الطريق نحو معرفتها والكشف عنها؟ وهل من الممكن ان يغرد الطير، لا لأن له أليفا فحسب، بل لان الله يجب تغريده ويعلم اننا نطرب بتغريده.
وكما ان هنالك ما لا يحصى من أغاريد الثناء التي تشدوها الطيور كل يوم، والتي لا تصل إلى آذاننا القاصرة الفانية، فان هنالك ما لا يحصى من نعم الله وأفضاله يسبغها على عباده، وهي تنتظر من الانسان ان يفتح عينيه لكي يراها.
стр. 143
وماذا عن عش طائر بالتيمور؟ من الذي علم هذا الطير ذلك الفن الرفيع؟ ولماذا تتشابه جميع الاعشاش التي تبنيها الطيور من هذا النوع؟ اذا قلت الغريزة، فان ذلك قد يعد مخرجا من السؤال ولكنه اجابة قاصرة. فما هي الغرائز؟ يقول البعض: انها السلوك الذي لا يتعلمه الحيوان. اليس من المنطق ان نرى قدرة الله تتجلى في هذه الكائنات التي خلقها فسواها تبعا لقوانين خاصة لا نكاد ندري عن كنهها شيئا؟
نعم انني اعتقد بوجود الله؟ وأعتقد انه هو القدير الذي خلق الكون وحفظه، وليس ذلك فحسب، بل هو الذي يرعى درة خلقة وهو الانسان.
ولا يرجع هذا الاعتقاد الراسخ الذي يمتلئ به قلبي إلى تأثير الثقافة الامريكية الدينية عليّ فحسب، ولكنه يرجع ايضا إلى مشاهداتي العلمية لعجائب الكون، كما يرجع إلى شعوري به وإحساسي بوجوده داخل نفسي.
وحيثما قلب الانسان وجهه وجد أسئلة لا يجد لها جوابا، وهو عند محاولته العثور على الجواب يفترض فروضا عديدة، ثم لا يلبث ان يهجر معظمها أو يعدله تعديلا شاملاً قبل ان يصل إلى الاجابة عن سؤاله. وما أكثر ما وصل اليه الانسان من اجابات عن أسئلة، وما أكثر ما سوف يصل اليه من هذه الاجابات كلما انقضت من سنة من السنين، ولكن زيادة المعرفة لم تصل بالانسان – بكل أسف – إلى زيادة معرفته بالله، بل على نقيض ذلك يظهر انه كلما أحس الانسان انه أحاط بسر من أسرار هذا الكون اضعف ذلك من شعوره بالحاجة إلى فكرة وجود الله، وكان الأجدر بالبشر ان يدركوا ان هذه المستكشفات ليست الا أدلة ناطقة على وجود إله مدبر أعلى وراء هذا الكون.
عندما نذهب إلى المعمل ونفحص قطرة من ماء المستنقع تحت المجهر لكي نشاهد سكانها، فاننا نرى احدى عجائب هذا الكون: فتلك الأميبا تتحرك في بطء وتتجه نحو كائن صغير فتحوطه بجسمها، فاذا به داخلها، واذا به يتم هضمه وتمثيله داخل جسمها
стр. 144
الرقيق، بل اننا نستطيع ان نرى فضلاته تخرج من جسم الأميبا قبل ان نرفع اعيننا من المهجر، فاذا ما لاحظنا هذا الحيوان فترة اطول، فاننا نشاهد كيف ينشطر جسمه شطرين، ثم ينمو كل من هذين الشطرين ليكون حيوانا جديدا كاملا. تلك خلية واحدة تقوم بجميع وظائف الحياة التي تحتاج الكائنات الكبيرة الاخرى في أدائها إلى آلاف الخلايا أو ملايينها. لاشك ان صناعة هذا الحيوان العجيب الذي بلغ من الصغر حد النهاية تحتاج إلى أكثر من المصادفة.
ولقد كشفت قوانين الكيمياء الحيوية من أسرار الحياة وظواهرها ما لم تكشفه القوانين في أي ميدان آخر من ميادين الدراسات العلمية. لقد كان الناس ينظرون إلى خفايا عمليات الهضم والامتصاص، ويستدلون بها على وجود التدبير المقدس. أما في الوقت الحاضر فقد أمكن شرح هذه العمليات ومعرفة التفاعلات الكيماوية التي تنطوي عليها والخميرة التي تقوم بكل تفاعل. ولكن هل يدل ذلك على انه لم يعد لله مكان في كونه؟ فمن اذن الذي دبر لهذه التفاعلات ان تسير؟ وان تسيطر عليها الأنزيمات تلك السيطرة الدقيقة المحكمة؟ ان نظرة واحدة إلى احدى الخرائط التي تبين التفاعلات الدائرية العديدة وما يدور بين كل منها والآخر من تفاعلات اخرى، كفيلة بان تقنع الانسان بان مثل هذه العلاقات لا يمكن ان تتم بمحض المصادفة، ولعل هذا الميدان يهيئ للانسان من العلم ما لا يهيئه اي ميدان آخر بان الله يسير هذا الكون تبعا لسنن رسمها ودبرها عندما خلق الحياة.
فاذا رفعنا أعيننا نحو السماء، فلا بد ان يستولي علينا العجب من كثرة ما نشاهده فيها من النجوم والكواكب السابحة فيها، والتي تتبع نظاما دقيقا لا تحيد عنه قيد أنملة مهما مرت بها الليالي وتعاقبت عليها الفصول والأعوام والقرون. انها تدور في أفلاكها بنظام يمكننا من التنبؤ بما يحدث من الكسوف والخسوف قبل وقوعه بقرون عديدة. فهل يظن احد بعد ذلك ان هذه الكواكب والنجوم قد لا تكون اكثر من تجمعات
стр. 145
عشوائية من المادة تتخبط على غير هدى في الفضاء؟ واذا لم يكن لها نظام ثابت ولم تكن تتبع قوانين معينة فهل كان من الممكن ان يثق الانسان بها ويهتدي بهديها في خضم البحار السبعة، وفي متاهات الطرق الجوية التي تتبعها الطائرات؟ قد لا يسلم بعض الناس بوجود الله سبحانه وبقدرته، ومع ذلك فانهم يسلمون بان هذه الأجرام السماوية تخضع لقوانين خاصة وتتبع نظاما معينا، وأنها ليست حرة تتخبط في السماء كيف تشاء.
الحق انه من قطرة الماء التي رأينا تحت المجهر إلى تلك النجوم التي شاهدناها خلال المنظار المكبر، لا يسع الانسان الا ان يمجد ذلك النظام الرائع وتلك الدقة البالغة والقوانين التي تعبر عن تماثل السلوك وتجانسه. ولولا ثقة الانسان في ان هنالك قوانين يمكن كشفها وتحديدها، لما أضاع الناس أعمارهم بحثا عنها. فبدون هذا الاعتقاد وتلك الثقة في نظام الكون يصير البحث عبثا ليس وراءه طائل. ولو انه كلما أجريت تجربة أعطيت نتيجة مخالفة لسابقتها بسبب توقفها على المصادفة أو عدم وجود قوانين مسيطرة، فاي تقدم كان من الممكن ان يحققه الانسان؟ لابد ان يكون وراء كل ذلك النظام خالق أعلى، فليس مما يقبله العقل ان يكون هنالك نظام أو قوانين دون ان يكون وراءها عقل أعلى ومنظم مبدع. وكلما وصل الانسان إلى قانون جديد فان هذا القانون ينادي قائلا: (ان الله هو خالق وليس الانسان الا مستكشفاً) .
ان وجود الله في حياتي اليومية حقيقة لا مراء فيها، حقيقة أقوى من الحقائق العلمية التي لا يتسرب اليها الشك، ومع ذلك فاننا بينما نستطيع ان نصف النجوم ونخطط مداراتها في السماء، أو نثبت الأميبا على شريحة من الزجاج ثم نصورها، نجد اننا لا نستطيع ان نحصل على مثل هذا الدليل المادي حول وجود الله. فالانسان لا يستطيع ان يدركه أو يعرفه حتى يتجه اليه اتجاها شخصيا، وتكون له خبرة به. فاذا رفض شخص ان ينظر خلال المجهر أو يتطلع إلى صورة الأميبا فانه يستطيع ان يجادل حول عدم وجودها فيطيل الجدال،
стр. 146
ولكنه ما ان يراها أو يرى صورتها حتى تنهار حجته، وكذلك الحال بالنسبة لوجود الله: قد يستطيع الانسان ان يجادل طويلا في الله، وما ان يلمحه الجاحد حتى تنهار حجته، ويسلم بوجوده تسليما. ولكن لا بد ان تكون الخبرة شخصية، فاذا رفض الانسان ان يرفع رأسه ويبحث عنه فان جداله قد يطول دون طائل، فالله لا يشرق الا في قلوب الباحثين عنه. نعم، انني أؤمن بالله رب هذا الكون وربي، كما أنني أراه في نفسي وفي كل ما هو حولي.
стр. 147
وجود الله حقيقة مطلقة
كتبه: أندرو كونواي ايغي
عالم فسيولوجي
من العلماء الطبيعيين ذوي الشهرة العالمية – من سنة ١٩٢٥ إلى سنة ١٩٤٦م رئيس قسم الدراسات الفسيولوجية والصيدلية بجامعة نورث وسترن – ومن سنة ١٩٤٦ إلى سنة ١٩٥٣م أستاذ في كلية الطب ووكيل الكلية في جامعة ألينوي – وفي الوقت الحاضر أستاذ الفسيولوجيا ورئيس قسم العلوم الإكلينيكية بكلية الطب بجامعة شيكاغو.
هل هناك إله؟ نعم أنني أؤمن بوجوده كما أؤمن بوجود شيء ألمسه، وكما أؤمن بوجود نفسي.
ان الاعتقاد بوجود الله هو الوسيلة الفكرية الكاملة الوحيدة التي تجعل لهذا الوجود معنى، وهذا الاعتقاد هو الذي يجعل لوجود الانسان معنى اكثر من انه مجرد كتلة من المادة أو الطاقة. والاعتقاد بوجود الله هو المنبع لأسمى فكرة انسانية حول المحبة، والقاعدة التي تقوم عليها الأخوة بين البشر بسبب اجتماعهم على محبة الله وطاعته، وهو مصدر احساسنا بالحقوق والواجبات، لاننا لا نتساوى الا في نظر الحب والعدالة والرحمة المطلقة. والاعتقاد بوجود الله هو الحصن الذي يعصمنا من الشرور، وهو بعد ذلك الاساس المتين الذي يقوم عليه الايمان، وتدوم بسببه القيم الروحية التي يعتبر وجودها رهينا بوجوده تعالى.
المنطق يثبت وجود الله
من الممكن ان نستخدم المنطق لاثبات وجود الله، وذلك باستخدام أسس التفكير
стр. 148
المشتقة من تفاعل خبرتنا الحسية المعتادة مع عقولنا، وأول من استخدم هذه الطريقة هو القديس توماس الأكويني. وتمثل المبادئ الأساسية التي يقوم عليها هذا النوع من الاستدلال بمشاهدات الآباء الفعلية في أثناء تطور عقول أبنائهم العاديين كما سنبين فيما بعد. وقد آمن باستخدام هذه الطريقة ملايين من البشر الذين يفكرون تفكيرا واقعياً عميقاً، ومنهم من أدى للعلوم وللبشرية أجل الخدمات.
إنكار وجود الله لا يستند إلى دليل منطقي
ان احدا لا يستطيع ان يثبت خطأ الفكرة التي تقول (ان الله موجود) ، كما ان أحدا لا يستطيع ان يثبت صحة الفكرة التي تقول: (ان الله غير موجود) . وقد ينكر منكر وجود الله، ولكنه لا يستطيع ان يؤيد انكاره بدليل. وأحيانا يشك الانسان في وجود شيء من الأشياء، ولابد في هذه الحالة ان يستند شكه إلى اساس فكري. ولكنني لم أقرأ ولم أسمع في حياتي دليلا عقليا واحداً على عدم وجوده تعالى. وقد قرأت وسمعت في الوقت ذاته أدله كثيرة على وجوده، كما لمست بنفسي بعض ما يتركه الايمان من حلاوة في نفوس المؤمنين، وما يخلفه الالحاد من مرارة في نفوس الملحدين.
والبرهان الذي يتطلبه الملحدون لاثبات وجود الله هو نفس البرهان الذي يطلب كما لو كان الله تعالى شبيها بالانسان أو شيئا ماديا، أو حتى تمثالا من التماثيل أو صنما من الأصنام. ولو كان لله مثل هذا الوجود المادي لما وجد هنالك مجال للشك في وجوده، ولكن الله أراد ضمن ما أراد ان يختبر عقولنا حول الايمان به، فترك لنا حرية الاختيار لكي يؤمن به من يؤمن وينكره من ينكر، فالانسان يستطيع اذا شاء – بخداع نفسه – ان ينكر وجود الله، وعليه ان يتحمل النتائج. ومعظم الملحدين والمارقين من الأديان ينظرون إلى الله كما لو كان بشرا يمكن التعالم مع تعامل الأنداد فيقولون مثلا: سوف
стр. 149
أعتقد بوجود الله اذا شفاني من مرضي، أو اذا أنزل المطر، واذا قضى حاجتي، أو اذا أوقف الفيضان، أو اذا محا الشر والظلم من الكون.. الخ. وقد يقول بعضهم اذا كان هنالك اله عادل ما أصابني وجع في أسناني.. ومعنى ذلك بعبارة أخرى انني أؤمن بالله اذا بنى الكون أو عدله تبعا لخطتي الخاصة التي تقوم على الأنانية وتبعا لصالحي الشخصي.
ولا مناص من الوصول إلى الله، ولكي يفكر الانسان فيه تفكيرا مستقيما لا عوج فيه ولا نفور، عليه ان يحرر عقله من الأنانية ومن الأحقاد ومن كل ما يعوق التفكير الصافي السليم حتى يتسنى له أن يصل إلى الله ويحبه، وبذلك يسهم في محاربة الشرور والظلم الذي يتحدث عنه من يشكون في أمره ووجوده تعالى، فلقد اقتضت حكمة الله ان يستخدم الانسان عقله وارادته وحريته في اتخاذ القرارات اللازمة لمحاربة هذه الشرور حتى يصير حكم الله في الأرض مثل حكمه في السماء.
لابد ان يقوم الإيمان
والأمل والمحبة على أساس العقل
ان اعتقادي بوجود الله الذي خلق كل شيء، والذي يوجد داخل الكون وخارجه، والذي يرعاني ويرعاك، يقوم أولا على استخدام العقل، ثم يقوم بعد ذلك على الايمان والأمل والمحبة، فأنا لا استطيع ان أمتلك الإيمان والأمل والمحبة الا اذا كانت كلها قائمة على أساس العقل. ولا يجوز للإنسان ان يتخلى عن عقله، بل لا بد من استخدامه استخداما دقيقا قويا. والايمان الذي لا يسبقه العقل يعتبر إيمانا ضعيفا هزيلا، ويكون عرضه للهجمات الفتاكة والهزيمة الساحقة. والايمان الديني الذي لا يقوم على العقل لا يؤدي إلى الأخلاق السيئة والسلوك الشائن، ولذلك ينبغي الا يتخلى الإنسان عن عقله أبدا، ولا عن المبادئ الفكرية التي تقوم عليها الأعمال والأفكار التي يستخدمها الناس في حياتهم اليومية، والتي يقوم عليها جميع ما أحرزه علماؤنا من انتصارات في الميادين العلمية.
стр. 150
والاعتقاد بوجود الله يوم على نفس المبادئ الفكرية التي يقوم عليها الإيمان بمستقبل التقدم المادي، وهي نفس الأسباب التي تجعلني وتجعلك تعتقد بأن الشمس سوف تشرق صباح الغد، أو أنني سأعيش غدا وأذهب إلى عملي وأستمتع به. فاذا كان التفكير هو وسيلة التقدم المادي، فلماذا لا يكون كذلك وسيلة للتقدم الروحي والأخلاقي؟ ولابد ان يكون لدى كل منا الشجاعة الأدبية التي تجعله قادرا على توضيح الأسباب التي تجعله يؤمن بدين من الأديان وان يثبت مدى ايمانه بصحة هذا الدين وإخلاصه له بما يؤديه من الأعمال الصالحة.
فاذا لم تكن قادرا على اثبات وجود الله بطريق ناجحة فقد تسلم بوجوده على أساس الايمان والقبول، أو تقول انه أمر واضح لا يحتاج إلى دليل، وتفعل كما فعل توماس جيفرسن عندما كتب وثيقة الاستقلال الأمريكي بالصورة التالية: (اننا نعتقد ان هذه الحقائق واضحة لا ريب فيها، فالناس متساوون وقد وهبهم خالقهم بعض الحقوق الثابتة، ومن هذه الحقوق حق الحياة والحرية وتحقيق السعادة. وانه لصيانة هذه الحقوق تقوم الحكومات وتستمد قوتها العادلة من الشعب الذي تحكمه) .
ذلك هو الأساس العميق للايمان الديني والأخلاقي والسياسي الذي يقوم عليه دستور الولايات المتحدة وحكومتها. ولقد كانت الولايات المتحدة اولى الدول التي يقوم نظامها على مثل هذا الأساس، ولقد توافر لدى جيفرسن وغيره من حكام الولايات المتحدة من الأسباب الخفية ما دعاهم إلى الأخذ بهذا الاتجاه.
ومع ذلك فانه حتى عندما يقول الناس انهم يعتقدون بوجود الله على اساس التسليم، فاننا نجد ان هذا التسليم لابد ان يكون قائما على أساس معلومات سابقة، أو خبرة سابقة، أو تفكير سابق. فالتسليم بأي شيء لا يمكن ان يقوم إلا على اساس من المعرفة والتفكير. فاذا قلنا: ان وجود الله أمر واضح أو بدهي، فان ذلك قد يعني اننا لا نستطيع ان نتناول
стр. 151
الموضوع بطريقة علمية أو شكية بسبب نقص في تعليمنا، أو لاننا لم يسبق لنا تنظيم تفكيرنا حول الموضوع، أو بسبب عدم الاستعداد للمناقشة، أو غير ذلك من الأسباب الاخرى. انني لم أعثر في حياتي كلها على شخص واحد لا يستطيع عند مناقشة هذا الموضوع ان يبين لماذا يعتقد أو لماذا ينبغي ان يعتقد بوجود الله. وتشير معظم الاسباب إلى انه لابد ان يكون لهذا الكون من خالق، ولتلك القوانين التي يسير عليها الوجود من صائغ، وانه لا يمكن ان تكون هنالك آلة دون صانع.. تلك حقيقة أساسية يدركها كل انسان طبيعي سواء أكان كبيراً أو صغيراً.
نشأة المبادئ الاولى في عقل الطفل
عندما كان عمري ثلاث سنوات – كسائر الأطفال بين الثالثة والخامسة -، سألت أبي وأمي: من الذي صنعني؟ ومن الذي صنع الطيور؟ ومن الذي صنع بقرتنا؟ ومن الذي صنع الدنيا؟
لقد تفاعلت حقائق الحياة أو خبرتي الحسية مع عقلي حين تكوينه بحيث جعلتني أصل إلى انه لا يمكن ان تكون هنالك آلة دون صانع. ثم تحرك ذكائي وعقلي إلى ما وراء الحقائق المباشرة، إلى ما وراء ذاتي والطير والبقرة، ووصل إلى انه لا يمكن ان اكون (أنا) او يكون الطير، أو تكون البقرة، دون ان يكون هنالك سبب لوجودها أو صانع لها.
لقد توصل عقلي البسيط البريء غير المتحيز أو المختلط، غير المكبوت أو المضطرب إلى مبدأ يعتبر من أرسخ المبادئ الفلسفية والعلمية التي توصل اليها العقل البشري حول الوجود والفكر.
لقد تفاعل عقلي مع خبرتي الحسية تفاعلا يكفي لانتاج قدر من التفكير يعين على الاحساس بالوجود، فانا أدرك ان هذا انا أو تلك ذاتي، كما أنني وصلت في نفس الوقت إلى
стр. 152
مبدأ عدم الوجود، فانا لست طائرا او بقرة او الدنيا، وبعبارة اخرى توصل عقلي إلى مبدأ الوجود وعدمه ومبدأ الجزيء والكل اكبر من الجزء.
وما ان يتكون لدى الطفل هذا الاحساس بالوجود وعدمه حتى يكون قد ألم بالمبدأ الأول من مبادئ الفكر وهو: (اننا لا نستطيع ان نثبت وجود شيء وننكره في نفس الوقت) . فالطفل الصغير يقول أنا توم وهذه أختي ماري. وق وصل الطفل إلى درجة من التفكير تمنعه من ان يخلط بين نفسه وبين أخته فيقول أنا ماري وأختي توم الا على سبيل الفكاهة. ثم يعرف الطفل بعد قليل انه من الخطأ أن نقول ان المربع مستدير، فهو يدرك ان المربع لديه من الاسباب ما يكفي لجعله مربعا، وهذه الأسباب تجعله مربعا وتجعل ذلك أمرا واضحا بالنسبة له.
هذه المعلومات من جانب الطفل وسؤاله من الذي صنعني؟ ومن الذي صنع الدنيا؟ يوضح لنا ان الطفل قد اكتشف مبدأ السببية او قانون السببية الذي ينص على أنه: (لا تأثير بغير مؤثر) ، ومعناه انه لابد لكل آلة من صانع ولكل تغيير من محدث. ثم يسير التفكير في سلسلة من المسببات تبدأ بوجودي ووجود الدنيا وتنتهي إلى وجود الله بوصفه السبب الأول، او تبدأ من وجود الحركة وتنتهي إلى المحرك الأول. ويمكننا ان نعبر عن ذلك كله بطريقة اخرى وهي انه اذا كان هنالك تصميم فلابد ان يكون من ورائه مصمم، ولابد ان تكون لذلك المصمم الكوني صفات لا نهائية، ذلك الخالق البارع هو الله. ويبلغ قانون السببية درجة من الشدة تجعل الطفل ما بين الثالثة والخامسة يتحقق من انه لابد ان يكون هنالك اله.
ولقد كرست حياتي بحكم اشتغالي بالعلوم للبحث عن الأسباب التي تقع وراء الحقائق الواضحة المعروفة. ان عقلي بحكم اهتمامه بالخبرات الحسية وما يترتب عليها يصر على ان ينظر إلى ما وراء الحقائق المباشرة عن الحياة التي تكشف حقائق جديدة لها قيمتها حول النواحي
стр. 153
المادية والروحية للوجود. وقد دفعني هذا البحث إلى القراءة والدراسة في ميدان العلوم الطبيعية او (العالم كما هو قائم فعلا) ، وفي ميدان الأخلاق والدين أو (العالم كما ينبغي ان يكون) ، وقد وجدت ان كثيرا من الكتاب الممتازين، ومن أولئك الذين يسمون الفلاسفة، ومن غيرهم من صفوة المفكرين، اما أنهم وقعوا في أخطاء جسمية واضحة تثير الغبار، واما أنهم أقاموا أمام أنفسهم حاجزا يحول بينهم وبين النظر إلى ما وراء الحقائق مباشرة، واما أنهم تجاهلوا الحقائق المباشرة الواضحة، ورجل العلوم الذي يفعل ذلك يضع حائلا بين نفسه وبين التقدم، فبمعرفة الحقائق الواضحة، وبالنظر إلى ما وراءها في معمل القيم المادية والروحية والقانون والنظام، وبالبحث عن أسباب القوانين الطبيعية بحثا تحدوه الثقة والأمل، نقول بكل ذلك يتحقق التقدم.
مبدأ السببية
منذ سنوات عديدة كنت أجلس إلى مائدة الطعام مع جماعة من رجال الأعمال وكان معنا أحد مشهوري رجال العلوم. وفي أثناء الحديث الذي دار بيننا قال أحد رجال الأعمال: (سمعت ان معظم المشتغلين بالعلوم ملحدون. فهل هذا صحيح) ؟
ثم نظر رجل الأعمال إلى فأجبته قائلا: (انني لا أعتقد ان هذا القول صحيح. بل انني – على نقيض ذلك – وجدت في قراءاتي ومناقشاتي ان معظم من اشتغلوا في ميدان العلوم من العباقرة لم يكونوا ملحدين، ولكن الناس أساءوا نقل أحاديثهم أو أساءوا فهمهم) ، ثم استطردت قائلا: (ان الالحاد، أو الإلحاد المادي، يتعارض مع الطريقة التي يتبعها رجل العلوم في تفكيره وعمله وحياته. فهو يتبع المبدأ الذي يقول بانه لا يمكن ان توجد آلة دون صانع. وهو يستخدم العقل على أساس الحقائق المعروفة، ويدخل إلى معمله يحدوه الأمل ويمتلئ قلبه بالإيمان، ومعظم رجال العلوم يقومون بأعمالهم حبا في المعرفة وفي الناس
стр. 154
وفي الله. حقيقة ان رجل العلوم يستخدم فكرة الآلية بوصفها احدى وسائله أو أدواته. فهو يتكلم مثلا عن آلية الجسم، ولكنه يجري بحوثه على أساس مبدأ السببية، مبدأ السبب والنتيجة، على أساس وحدة الكون وما يسوده من القانون والنظام. وهو كأي انسان آخر يتخذ كل قرار ويفكر في كل أمر على أساس الإيمان بمبدأ السببية) .
(ففي علم وظائف الأعضاء، عندما يدرس الانسان النمو والتكوين والصيانة واصلاح الجسم، يجد ان كل خلية من خلايا الجسم – دون استثناء – (تعرف) الدور الذي تلعبه في سبيل تحقيق سلامة الجسم كله. ففي الجهاز العصبي تتسم الأفعال العكسية البسيطة بالغرضية كصفة من صفاتها الأساسية. فاذا ما أنعمنا النظر والدراسة فاننا واصلون حتما إلى الاستعدادات الموروثة في تكوين العقل قد ركبت بحي انه عندما يتأثر هذا العقل بالخبرات الحسية تأثرا كافيا يصل حتما إلى مبدأ السببية. وبعبارة اخرى فان الجهاز المسؤول عن التصرفات الغرضية في سائر الكائنات يزداد تخصصه زيادة مستمرة حتى يصير قادرا على المعرفة التمييزية او الشعور. ويتم ذلك نتيجة لتفاعل الخبرات الحسية مع العقل) ؟
(وبازدياد قدرة الانسان على التمييز الادراكي تنشأ لديه حاسة ترتيب الأشياء تبعا لأسبقيتها السببية، او يصير قادرا على رد الأشياء إلى أسبابها الأولى، فاذا بدأنا بالطبيعة الغرضية التي تظهر في الخلايا المفردة وتتبعنا ما يطرأ عليها من التطور حتى تصير مدركة للبيئة التي تحيط بها، فاننا نستطيع ان نتوقع ظهور القدرة على الحكم واستخدام قانون السببية الذي وصل الانسان باستخدامه إلى مزيد من السيطرة على البيئة) ؟
(ففي علم وظائف الاعضاء تدل خياشيم الأسماك على أسبقية الماء، كما تدل اجنحة الطيور ورئات الانسان على أسبقية الهواء، وتدل أعين الانسان على أسبقية الضوء، كما يدل حب الاستطلاع العلمي على أسبقية الوقائع، وكما تدل الحياة على أسبقية القانون الطبيعي اللازم لنشأتها. وانني أتساءل الان: أفلا يدل التدبر العميق والتفكير الصافي
стр. 155
والشجاعة العظمى والواجب الأعظم والإيمان الكبير والحب العميق – أقول أفلا يدل كل أولئك على شيء سابق؟ من الحماقة ان نظن ان أعمق الأفكار والعواطف والأعمال التي نشاهدها في الانسان لا تدل على شيء سابق. انها تدل على أسبقية وجود عقل علوي. انها تدل على وجود خالق يتجلى في خبرة أولئك الذين لا يضعون الحواجز في طريق عقولهم عند البحث عن العقل الأسمى او الخالق الأعلى) .
(ان أحداً لا يستطيع ان يثبت خطأ قانون السببية، فبدونه تنعدم جميع الاشياء الحية. والعقل البشري لا يستطيع ان يعمل الا على اساس السببية. انني أسلم ان لقانون السببية وجودا حقيقيا) .
(وقد سمعت بعض رجال العلوم يقولون: ان السببية تنتهي حيث تبدأ الميتافيزيقا او مبادئ التفكير. ولكنني لا أوافق على ان يستخدم الانسان هذا القانون في المواطن التي تعجبه، ثم يرفض استخدامه عندما يخشى النتائج التي يوصله اليها. واضافة حلقة ميتافيزيقية جديدة آلي سلسلة السببية لا تعتبر تعارضا مع المنطق، فنحن نفعل ذلك دائما في ميدان العلوم وفي شؤون حياتنا اليومية. والبحث عن حقيقة هذه الحلقة أمر آخر، ولكن الانسان لا يستطيع ان يكشف مدى تمثيل هذه الحلقة للحقيقة الواقعة فعلا الا اذا طرقها واختبرها، فالاختبار هو الوسيلة الوحيدة لكشف الحقيقة حولها) .
(ويظهر ان الملحدين او المنكرين بما لديهم من الشك لديهم بقعة عمياء او بقعة مخدرة داخل عقولهم تمنعهم من تصور ان كل هذه العوالم سواء منها ما كان ميتا او حياً احيا تصير لا معنى لها بدون الاعتقاد بوجود الله، وكما قال أينشتين: (ان الشخص الذي يعتبر حياته وحياة غيره من المخلوقات عديمة المعنى ليس تعيسا فحسب، ولكنه غير مؤهل للحياة) . وأحب ان أضيف إلى ذلك ان السبب الأوحد الذي يمنعه من ان يكون غير مؤهل تأهيلا تاماً للحياة، هو الأمل – القائم على العقل والايمان – في انه قد يرتد إلى عقله فيدرك
стр. 156
الصواب او يرتد طفلا فيستطيع ان يفكر في أمور الحياة كما يفكر الأطفال) .
ثم التفت إلى زميلي العلامة الذي أعجبت كما أعجب كل شخص آخر بتفكيره وقدرته على النقد وسألته: (هل ما قتله صحيح؟) فقال: (نعم ولكن السؤال المهم هو أي نوع من الاله؟) .
وقد وافقت على أن اهم سؤال يواجهه الشخص المفكر في هذا الموضوع اول ما يواجه هو: هل هنالك إله؟ وان السؤال الثاني هو: ما نوع هذا الإله؟ والسؤال الثالث هو: ما الغرض من الحياة؟ والسؤال الرابع هو: ما الصواب وما الخطأ؟
ثم قلت: (ان الاعتقاد بان الله مجرد خالق ومبدع لا يتفق مع الفكرة الدينية عنه. ولكي أكون واضحا وموجزا، فانني احب ان استمر في التشبيه الذي بدأته عن الآلة وصانعها. وقبل ان افعل ذلك أحب ان أشير آلي ان الدين يذهب آلي ابعد مما يستطيع ان يصل اليه العقل حول هذا الأمر، ولكنه لا يتعارض معه، فعندما يقوم صانع مفكر بعمل آلة، يكون لديه تصميم لها وغاية من ورائها، وهو في أثناء صناعتها يبث فيها روحه ونفسه، وبعد أن يتمها يرتبط بها عاطفيا لانه يكون مهتما بصيانتها او بالطريقة التي تعمل بها. وانا لا أستطيع ان أتصور خالقا مدركا لا يصدق عليه هذا القول. والخالق سبحانه كما تدل عليه أعماله يمكن الوصول آلي انه بالغ العقل والحكمة. انني اعتقد بوجود إله اذا أدخله الناس آلي قلوبهم وحفظوه في عقولهم هداهم آلي مكارم الاخلاق، والى السلوك السوي، والقصد النبيل، وأغدق عليهم محبته ومحبة الناس) .
وعندئذ كان الساعة قد بلغت الثانية من بعد الظهر وانتهى وقت الغذاء وانتهت معه المحادثة.
ولا يتسع هذا الكتاب ولا الوقت لمناقشة الموضوع الذي بدأناه مناقشة كاملة، ومع ذلك فانني أحب ان أوضح بعض النقاط الاخرى اتماما لإجابتي عن سؤال: (هل يوجد إله) ؟
стр. 157
صفات الله
لقد درست صفات الله دراسة مطولة على أساس التحليل المنطقي الذي قام به الفلاسفة. وأمكن باستخدام المنطق الوصول آلي ان لله صفات معينة، وفيما يلي مجموعة غير كاملة منها:
الله أبدي – خالد – لطيف (ليس ماديا) – ليس حادثا – قدوس – طيب – يعلم الشر ولكنه ليس شريرا ولا يريد الشر – لا يكر الأشياء – حق – عليم – محب – مريد – منزه عن الشهوات والنزوات – أصل الفضائل جميعا.
وتتفق هذه الصفات آلي حد كبير مع الصفات التي وردت عن الله في الانجيل (١) ، وبخاصة في العهد الحديث. ولكن معظم صفات الله التي وردت في الانجيل، جاءت على أنها بديهيات ولم تقدم على أساس منطقي.
السببية الأخلاقية مضافة آلي حرية الاختيار
هنالك كثير من الأسباب التي تدعو آلي الاعتقاد بوجود الله، ومن الأسباب التي لا يجوز اغفالها في هذا المقام ما اسميه بالسببية الأخلاقية مضافة آلي حرية الاختيار، وأعني بحرية الاختيار هنا حرية اتخاذ القرارات.
ان النواحي الروحانية والأخلاقية من حياة الانسان وما ينبغي ان يفعله لها أهمية بالغة بالنسبة لسلامة الانسان ورفاهيته، وهي أهمية تفوق أهمية معرفته وسيطرته على الطبيعة غير الانسانية. فاحاطتنا بالعلوم الطبيعية تزيد من فهمنا للعالم الذي نعيش فيه،
стр. 158
ومن وسائلنا في تحسين الانتاج وتوزيع الضروريات ووسائل الاستمتاع بالحياة، وتقلل من الآلام وتطيل الحياة، ومع ذلك فان المشكلة العظمى في العالم في الوقت الحاضر تعد مشكلة أخلاقية ودينية، فهي تدور حول معرفة كيف نستخدم الطاقة الذرية لتحقيق صالح البشر ورفاهيتهم، لا لكي تنزل بهم الدمار. ولعل أعظم ما صادف الناس والمجتمعات من مشكلات في الحياة كانت من النوع الخلقي، وكانت تدور حول معرفة كيف تتخذ القرارات الصائبة.
اينما وجهنا انظارنا حولنا وجدنا الطبيعة الجامدة تحكمها قوانين ثابتة. وكذلك الحال بالنسبة للحيوانات في معيشتها البرية. ولكن الانسان خلق على غرار كائن علوي آخر، اذ ان له حرية الاختيار، او بعبارة اخرى فان المجتمع الانساني قد خلق كما لو كان مجموعة من الأرواح او الأشخاص الذين لديهم الحرية في ان يقرروا ما يشاءون، وان يأكلوا او لا يأكلوا من (شجرة المعرفة) . فاذا لم نطق القانون الأخلاقي الذي وضعه الله، فعلينا ان نتحمل النتائج. ومن الواضح انه لو كان للطبيعة المادية حرية الاختيار لفقد الانسان ذاته حرية الاختيار ولأصبح كل شيء فوضى.
وتدل دراسة سلوك الحيوان على ان القانونين الأساسيين اللذين يتحكمان في سلوك سائر الكائنات الحية التي هي دون الانسان هما:
١- بقاء النفس.
٢- بقاء النوع.
ونستطيع بقليل من التفكير ان نتبين انه بدون هذين القانونين لا يكون هنالك سبيل لاستمرار حياة الأنواع الحيوانية المختلفة فترة طويلة. والسلوك العكسي غير المكتسب هو الذي يتحكم على ما يظهر تحكما كليا في سلوك الحيوانات الدنيا. وكلما ارتقى الحيوان في المملكة الحيوانية كان أكثر اعتمادا على السلوك المكتسب الذي يتعلمه. ولكن هنالك شكا فيما اذا كان لدى الحيوانات التي هي أقل رقيا من الانسان اي درجة من الحرية في اتخاذ القرارات، وهي الحرية التي نعرفها لدى الانسان. فاذا كان
стр. 159
الأمر كذلك فان حرية هذه الحيوانات محدودة، ومعنى ذلك ان طبيعة الحيوان هي التي تجعله يحافظ على جسمه فلا يتلفه او يعرضه لاذى الا في سبيل الدفاع عن نفسه او نوعه. ويلاحظ انه في العلاقات التي تقوم بين الأنواع المختلفة من الحيوانات او بين افراد النوع الواحد يكون قانون الغابة الذي يرى ان (القوة هي الحق) هو السائد. وهذا القانون هو الذي يحكم الحيوانات ابتداء من القرود فما دونها. أما الكائنات التي تعيش معيشة اجتماعية فتخضع لنوع من الحكم المستبد. والخلاصة هي ان هنالك قوانين للسلوك تتبعها الحيوانات التي هي دون الانسان ولا تجد عنها محيدا. ويدل تاريخ الانسان على ان سلوكه يخضع للقانون الطبيعي الذي تخضع له الحيوانات ولكنه يتأثر فوق ذلك بعوامل أخرى اضافية، فمن ذلك اولا شعوره بالرهبة من المجهول، ومن ذلك ثانيا شعوره بالإثم او بالواجب (الضمير) ، ومن ذلك ثالثا الحكم بان القوة التي تسبب الرهبة تستنكر الأعمال او القرارات التي يتسبب عنها الشعور بالإثم.
وعلى ذلك فانه يلاحظ ان سلسلة من الأسباب تبدأ من العالم المادي آلي الحيوانات الدنيا، ثم تنتهي آلي الحيوانات العليا التي يقع الانسان في قمتها. وقد أدى ذلك آلي ما نشاهده من امتياز الانسان بدرجة اكبر من حرية الأختيار، وهذه بدورها أدت آلي زيادة سيطرته على بيئته ونفسه. وقد ترتب على هذه الحرية شعور الانسان بالخطأ او الصواب، أو قدرته على التمييز بين الخطأ والصواب.
فماذا عسى أن يكون مصدر هذه السلسلة السببية؟ هل نشأت عن غير شيء؟ ام حدثت نتيجة للمصادفة ان الأخذ بهذا الرأي يعد أشد سخافة وأكثر حمقا من القول بان الانسان يستطيع ان يحصل على صورة رائعة للعالم عندما يسكب زجاجة من الماء على الأرض. وليس من العجيب ان نجد ان قانون السببية الذي يعد أساسيا في فهم ظواهر الكون المادي، والذي يتحكم في النباتات والحيوان، والذي يتكون العقل
стр. 160
الانساني بمقتضاه، هو ذاته القانون الذي نستطيع ان نصل به آلي ادراك قيم القانون الأخلاقي الطبيعي القائم على المحبة والعدل والرحمة والحقوق والمسؤوليات والجمال. بل هو ذاته القانون الذي يوصلنا آلي ادراك وجود الله. وبعبارة اخرى فان هذا القانون يوصلنا آلي قيم ومعان سامية لا نستطيع ان نبين قيمتها الحقيقية او نحصيها عدا، ونعتقد ان الأمل في مستقبل الانسان يقع أولا على الدواف التي تقودنا آلي امتلاك هذه الفضائل في الحياة، وهي الفضائل التي لا نستطيع لهد عدا ولا وزنا.
فاذا توافرت لدى الانسان ضروريات الحياة، فان السعادة الحقيقية تاتي عن طريق الاشياء التي لا يتناولها العد او الوزن، وعن تلك المتع التي لا يحتاج الانسان أن يندم عليها.
وقد أقنعني التفكير والتاريخ ان أهمية القيم الروحية والأخلاقية بالنسبة للانسان ترجع آلي عقيدته او عدم عقيدته في وجود شخصية مقدسة تمثل الكمال المقدس وتوجه سلوك الانسان. او عقولنا تكشف عن وحدة الكون ونظامه وعن مبدأ السببية، ولكن هذه الأشياء وحدها لا تكون الدين، او لا تكون دينا ثابتا الا عندما يسمح لها بأن تؤثر في حياتنا اليومية على أساس الحرية في اتخاذ القرارات وصدق العبودية لله والأخوة بين البشر.
فاذا كنا نريد ان تبقى الحياة على سطح الأرض محافظة على ما عرف عنها في الماضي من سمو، فاننا نحتاج آلي توجيه مقدس. فالأحزان والأمراض والكوارث التاريخية تثبت لنا ان الأخلاق والحق والعدالة والرحمة، قد تفقد معانيها وتؤدي آلي حياة ذليلة خسيسة ما لم تكن متصلة بايمان عملي او قائمة على أساس (١) . ففي ظل النارية اللادينية والنزعات الالحادية، ضاعت المواهب التي حبا الله بها الانسان وتلطخت بالأوحال.
стр. 161
ان الانسان لا يستطيع ان يكون حرا او ان يعيش معيشة انسانية الا في عالم يقوم على الأخلاق وعلى تحمل المسؤوليات، فالناس متساوون وأحرار لا لشيء الا لأنهم عباد الله، اي لم تقم المساواة بينهم الا بوصفهم خلفاء الله على الأرض، فهي مساواة من وجهة نظر الله (١) والقانون الأخلاقي. فاذا أنكر وجود الله وأنكر القانون الأخلاقي فلا سبيل إلى انكار الاستعباد ولا آلي محاربة المبدأ الذي يرى أن القوة هي الحق، او إلى محاربة الجشع واستغلال البشر.
واذا لم يكن لدى الناس قيم داخلية، فأنى تكون لهم حرية اختيار مطلقة تنبعث عن النفس او واجب مطلق. ان ذلك يؤدي إلى فهم هذه القيم فهما سطحيا والى امكان استخدامها لتحقيق الأثرة والتوسع في الصالح الشخصي كاستخدام الآلة او الرقيق في أيدي ذوي السلطان.
ان الحقوق التي أعطاها الله للانسان لا يستطيع ان يستردها سواه، أما الحقوق التي يعطيها الإنسان لأخيه والانسان، او تعطيها له إحدى المؤسسات التي صنعها البشر فليس من العسير انكارها او استردادها. فاذا لم تكن حقوقنا الثابتة صادرة عن المصدر الأعظم، عن الخالق، فمن الجهل والحماقة ان نظن ان للبشر حقوقا لا يستطيع انسان او مؤسسة من المؤسسات التي صنعها الناس ان يتغافلها او ينكرها، وعلى ذلك فانه ليس للإنسان الحق في ان يدعي ان له قيمة داخلية او كرامة او حقوقا او واجبات مطلقة، أو مسؤوليات الا بوصفه مخلوقا من مخلوقات الله.
وأعوذ فأقول هل الأخوة بين الناس اتفاق مادي يقوم على أساس ان القوة وحدها هي التي تحدد سلوك الأفراد والجماعات، ام ان هذه الاخوة ترجع آلي اشتراكنا في
стр. 162
عبودية الله؟ وأي المصدرين يهيئ لها بقاء أطول ودواما أدوم؟ وهل ترجع حريتنا آلي حرية الروح، حرية اتخاذ القرارات وحرية الفعل؟ ام انها مجرد اتفاق ماجي له صبغة اجتماعية؟ وكيف يمكن ان يستمتع الانسان بالحرية اذا كان ينظر اليه على انه عبد من عبيد الدولة؟
عندما ينعدم الاعتقاد بوجود القيم الداخلية وفي كرامة الفرد، تظهر الكوارث الأخلاقية وتعم الوحشية وتجد لها مسوغات في فكرة الأجناس الراقية او الاجناس الممتازة في فكرة ان صالح الدولة هو الغاية التي ليس وراءها غاية، وفي مبدأ (الغاية تبرر الوسيلة) . ولقد كان هذا هو الأسلوب الذي استخدم في نورنبرغ. والا فكيف اعتبر زعماء النازيين ودكتاتوريوهم ممن كانوا مسؤولين عن جميع التصرفات الوحشية، نقول: كيف اعتبروا مذنبين فوجهت اليهم الاتهامات وثبتت ادانتهم. ولم يكونوا في كل ما قاموا به من هذه الأعمال المزرية الا منفذين لأوامر سادتهم وقوانين النازيين ومبادئهم؟ انهم لا يمكن ان توجه اليهم الاتهامات ويدانوا الا في ظل القانون الالهي الأبدي الذي يطلق عليه الملحدون اسم (مبادئ الإنسانية) .
ولو كانت القوانين الوضعية هي المصدر الوحيد لحقوق الانسان فعلى اي اساس نستطيع ان ندين النازيين على اضطهادهم الأجناس كالغجر والبولنديين وأعدائهم السياسيين؟ وعلى اي أساس نستطيع ان ندين ما لقيه الوطنيون المجريون المجاهدون من اضطهادات؟
لقد هدر النازيون حقوق غيرهم، ولم يعتبروا ان للبشر حقوقا وان للاضطهاد حدودا، فاذا كانت هنالك حقوق ثابتة للناس فمن الذي يثبت هذه الحقوق؟ واذا لم يكن الانسان قد خلق فكيف يستطيع ان يدعي انه هو الذي خلق العزة والكرامة والحقوق والواجبات وحرية الارادة والتحرر؟ سوف تجد نفسك دائما وقد أمسكت بسلسلة من المسببات
стр. 163
توصلك في النهاية آلي الله، الا اذا أبعدته قاصدا عن تفكيرك وأخرجته من دائرة اعتبارك قبل أن تصل اليه.
واننا لنجد في الحياة الأميركية المعاصرة كثيرا من الادلة على ان الديمقراطية الأمريكية قد وهنت وزلزلت أركانها بسبب سيرها في الاتجاه المادي وابتعادها عن الأساس الديني والروحي. وهنالك محاولات عديدة في العالم الغربي للعمل على صيانة حقوق الإنسان بعد نكران اصلها المقدس، ولكن هذه الحقوق التي هي رصيد روحي وثمرة من ثمار الدين في العهود الماضية، لا يمكن ان تبقى اذا اقتلعت جذورها واجتثت من فوق الأرض، او شوهت أعضاؤها وضاعت معالمها، او لم يعن احد بزراعتها او غرسها.
وللاعتقاد بوجود الله مزاياه الخالدة: وهنالك ثلاثة أسباب تحملنا على الاعتقاد بان الايمان بالله لا يضيع أبدا، فمن ذلك:
أولا: ان النظام التربوي الذي يناسب كل الناس في سائر الازمان يقوم على الايمان. اما النظام التربوي الذي يقوم على الفلسفة الطبيعية ويستهدف الصحة والمتعة، فانه لا يناسب ذوي الأمراض المزمنة التي لا تبرأ، ولا يناسب المشوهين او المرضى الذين فقدوا الأمل في الشفاء. والنظام التربوي الذي يقوم على الفلسفة البراغماتية لا يناسب غير القادرين عليه وغير المتهيئين له. والتربية التي تقوم على الفلسفة الانسانية لا تناسب من لديهم استعدادات ميكانيكية. اما التعليم الذي يقوم على الايمان وعلى الاعتبارات الدينية، فانه يناسب سائر البشر على اختلافهم في الكليات وفي الأسواق وفي البيوت والمستشفيات وفي الاحياء الفقيرة والسجون وفي المعارك. ان الايمان بالله يولد قوة تضمن لصاحبها الا يحيق به ضرر مطلق. ان الدين من الوجهة البيولوجية يمكن تعريفه بانه عبادة الانسان لقوة عليا نتيجة لشعوره بحاجة في قرارة نفسه آلي هذه القوة، وانه لمن العسير ان تكبت هذه الحاجة في معظم نفوس البشر.
стр. 164
ثانيا: ان الاعتقاد في وجود الله ضروري لإكمال معنى الحياة والكون. ولا شك ان العقلاء من الناس سوف يبحثون دائما عن هذا المعنى.
ثالثا: بصرف النظر عن الهجمات المتكررة التي تشنها العقول الضالة المرتبكة او العقول المفكرة، فان الأطفال سوف يولدون في المستقبل ما شاء لهم ان يولدوا، وسوف يخضعون في تكوين عقولهم لنفس القوانين التي خضعت لها العقول عندما تكونت في الماضي ما دام هنالك تفاعل بين العقل والخبرة الحسية، وما دام الكون يخضع لنفس القوانين التي خضع لها في الماضي. وسوف يستمر العقل الناضج في استجابته لمبادئ القانون الطبيعي والتفكير السوي الا اذا حيل بينه وبين السير في هذا الطريق الطبيعي، بان وضعت العوائق في سبيله او أضل عن السبيل. وان عقول الغالبية العظمى من البشر قد سارت في طريقها غير منحرفة عن المبادئ الاساسية التي تقوم عليها القوانين التي تتحكم في الطبيعة وسائر وظائفها. لقد ذهبت هذه العقول المفكرة تبحث فيما وراء الوقائع المباشرة التي يدركها الحس لعلها تعرف (السبب) وتكشف عن (الحقيقة) . وقد وصلت آلي الاعتقاد في وجود الله.
من أجل ذلك يحق لنا ان نستبشر خيراً. (فأما الزّبَدُ فَيذْهبُ جفاءً وأما ما ينفعُ النّاسَ فيمْكُث في الأرض) (١) ﴿الرعد: ١٧﴾ . وما من بقاء الا للأشياء الملائمة التي ينتفع بها الناس جميعا تحت كل الظروف وفي سائر الأزمان. ولذلك فان الايمان الديني والفكرة الدينية وما لهما من أثر على الفرد والمجتمع، قد بقيا عاليين خفاقين على ممر الأجيال سواء في الأزمنة التي ازدهرت فيها المدنية، او في تلك التي أخنى عليها فيها الدهر. وفوق ذلك فان المبادئ الأساسية التي يقوم عليها التفكير السليم وتستند اليها العقيدة الراسخة سوف تستمر عالية خفاقة كلما ولد طفل، فالطفل كما ذكرنا من قبل قد حباه الله الفطرة السليمة،
стр. 165
والأخلاص، والأمل، والمحبة. ولعل ذلك هو الذي دعا عيسى ﵇ آلي تمجيد الطفولة حيث يقول: (الأطفال هم الأمراء في مملكة الله) . ويقول: (ان الذي لا ينال ملك الله كما يناله الطفل الصغير، لا يستطيع ان يناله بطريقة أخرى) . ويقول: (انك لن تستطيع ان تلج مملكة السماء الا اذا تغيرت وصرت مثل الأطفال) . ويقول: (ان الانسان لا يستطيع ان يرى مملكة الله الا اذا ولد من جديد) (١) .
وكما قال ماكس بلانك العالم الطبيعي الذي فتح الطريق آلي أسرار الذرة: (ان الدين والعلوم الطبيعية يقاتلان معا في معركة مشتركة ضد الشك والجحود والخرافة. ولقد كانت الصيحة في هذه الحرب وسوف تكون دائما: آلي الله) .
وأحب ان أتمثل هنا بما قاله لويس باستير الذي يعد من صفوة الممتازين من البشر حينما قال: (اذا قيل لي انني بما وصلت اليه من هذه النتائج قد ذهبت آلي ما وراء الوقائع المحسوسة فانني أقول: نعم انني وجدت نفسي في خضم من الأفكار التي لا يمكن دائما اثباتها اثباتا قاطعا، وتلك هي طريقتي في النظر آلي الأشياء) .
(فاذا كنت قد ذهبت آلي ما وراء الوقائع المحسوسة، واذا كنت قد وقعت في بعض الأخطاء، فهل لك ان تدلني عليها فانني شغوف دائما بان أتعلم) .
стр. 166
تعليق المراجع
كان لزاما ان يضم هذا الكتاب، الذي حرر فصوله نخبة من علماء أمريكا المعاصرين ونادوا فيه بوجوب اعمال الفكر وتسخير العلم تصديقا لما جاء في الكتب المقدسة، ولنلمس أيادي العلي القدير في كل ما هو حولنا في هذا الوجود، أقول كان لزاما ان يضم اليه فصل أغفل عن آخر كتاب مقدس نزل حين اكتملت الانسانية ونضجت عقول البشر واستعدت للبحث والتفكير والتدبر والتأمل، وذلك بطبيعة الحال بالاضافة إلي ما أوردنا - تحت الهوامش - من آيات ذلك الكتاب البينات في بعض المناسبات كتعقيب على ما جاء في بعض الصفحات.
ولقد خاطب القرآن العقول، ووجه الحديث إلي أهل العلم والمعرفة في مواضع عديدة منها - بالاضافة آلي ما أوردناه تحت الهامش -: (ون آياتهِ أن خلقكُم من تُراب إذا أنتم بشرٌ تنتشرونَ) [الروم: ٢٠] (ومن آياتهِ خلقُ السمواتِ والأرضِ واختلافُ ألسنتكم وألوانكمْ ان في ذلك لآياتٍ للعالمين) [الروم: ٢٢] ، (ومن آياتهِ يريكمُ البرقَ خوفاً وطمعاً وينزّلُ من السماءِ ماءً فيحي به الأرض بعد موتها ان في ذلكَ لآياتٍ لقومٍ يعقلون) [الروم: ٢٤] .
والقرآن في حد ذاته، اكبر معجزات الرسول وأخلدها، وليس اخلد على الأرض من كتاب يتلى، وليس أبقى عليها ولا أنفع للناس فيها من كتاب فيه دواء لقلوب المرضى واليائسين، وسكن لنفوس الحيارى والمحرومين، وأمل ورجاء للبشر أجمعين، فيه شفاء للناس وهدى ورحمة للعالمين، وغذاء للروح والعقل لكل من أخلص النية بالفعل. وفي أول الأمر اعجز القرآن العرب بفصاحة وبلاغته وحكمته وتنبؤاته التي تحققت، ولكن
стр. 167
لا تمضي فترة تتقدم فيها المعرفة ويسير خلالها ركب المدنية نحو درجات أرفع الا وتكشف القرآن عن معجزة اروع، فاعجاز لا يقف عند حد، ولعمري تلك صفة المعجزة الكبرى الخالدة.
وفي هذا العصر، عصر الاعجاز العلمي، ترى القرآن يصف بعض حقائق الوجود المادية، بل ويتنبأ بما سيجيء منها في المستقبل، بدقة علمية وسلامة لفظية لا مثيل لهما في كتاب من الكتب، انظر آلي قوله تعالى - على سبيل المثال لا على سبيل الحصر:
١- (الله الذي يُرسلُ الرياحَ فَتُثيُر سَحاباً فَيبسُطُهُ في السّمآء كيفَ يَشاءُ وَيجعلُهُ كِسفاً فَتَرى الوْدقَ يَخرُجُ من خلالهِ) [الروم: ١٨] . ويثبت علم الأرصاد ان الاصل في اثارة السحب ونزول المطر منها هو إرسال الرياح لتتجمع في صعيد واحد، وتلك حقيقة لا جدال فيها.
٢- (.. يجعلْ صَدرهُ ضيقاً حرَجاً كأنمَا يصّعدُ في السماء) [الأنعام: ١٢٥] ، والمعروف بالتجربة، بعد ان طار الانسان وحلق في هذا العصر على ارتفاعات مختلفة، ان الصعود في الجو والتعرض لطبقاته العليا يصحبه حتما ضيق الصدر حتى تصل الحال آلي درجة الاختناق على أبعاد تقل فيها كمية الأوكسيجين، بل ويقل فيها الهواء الجوي عموماً.
٣- (والسّماءَ بنَيَنهَا بأييدٍ وإنا لمُوسِعونَ) [الذاريات: ٤٧] .
وحدود الكون، كما تمثلها السماء، ثبت علميا أنها تتسع وتتمدد.
٤- (فلا أُقسمُ بمواقعِ النجومِ وإنّه لقسمٌ لو تعلمونَ عظيم) [الواقعة: ٧٥، ٧٦] .
ويحدثنا علماء الفلك بان المسافات بين النجوم تبلغ حد الخيال، وهي جديرة بان يقسم بها الخالق لعظمها، فان مجموعات النجوم التي تكون أقرب مجرات السماء منا تبعد عنها بنحو ٧٠٠ الف سنة ضوئية، والسنة الضوئية تعال عشرة ملايين الملايين من الكيلومترات.
стр. 168
ومن آياته التنبؤ بما سيجيء في المستقبل مما يبشر به العلم او لا ينكره:
١- عصر الفضاء: (يا مَعشرَ الجنْ والإنس ان استطعتمْ أن تَنفذوا من أقطارِ السّموات والأرض فانفُذوا لا تنفذون الا بسلطانٍ) [الرحمن: ٣٣] .
٢- مستقبل المدنية على الأرض: (حتى إذا أخذَتَ الأرضُ زخرُفها وازّينتْ وظنَّ أهلُها أنهم قادِرونَ عليها أتاها أمرُنا ليلاً أو نهاراً..) [يونس: ٢٤] . ودقة التعبير العلمي واضحة في هذه الآية اذ عندما يكون نصف الأرض نهارا يكون نصفها الآخر ليلاً.
٣- مصير المجموعة الشمسية: (فأرتقبْ يومَ تأتي السماءُ بدُخانٍ مبينٍ) [الدخان: ١٠] ، (فأذا برَق البصرُ وخسفَ القمرُ وجُمعَ الشمسُ والقمرُ يقول الإنسانُ يومئذٍ أين المفر) [القيامة: ٧-١٠] (وحملتِ الأرضُ والجبالُ فدُكتا دكةً واحدةً..) [الحاقة: ١٤] . ويؤكد علماء الفلك جميعا ان الشمس (كأي نجم آخر) لابد ان يعتريها ازدياد مفاجئ في حرارتها وحجمها واشعاعها بدرجة لا تصدقها العقول، وعند ذلك يتمدد سطحها الخارجي بما حوى من لهب ودخان حتى يصل القمر، ويختل توازن المجموعة الشمسية كلها. وكل شمس في السماء لابد ان تمر على مثل هذه الحالة قبل ان تحصل على اتزانها الدائم، ولم تمر شمسنا بالذات بهذا الدور بعد.
وأنا عندما أسوق هذه الآيات لا أدعي ان القرآن مرجع علمي بالمعنى المعروف، ولكني احب ان أتساءل كيف استطاع رجل منذ أكثر من ١٣٠٠ سنة أن ياتي بمثل هذه الحقائق العلمية الرائعة؟ فهل كان صاحب تلك الرسالة، ذلك النبي الأمي، عالما من الفلك، او أستاذا من أساطين الطبيعة؟ .. الحق انه لا سبيل آلي الجدال، وليس أمامنا الا التسليم بانه وحي من عند العليم.
والقرآن آلي جانب ذلك كله يكمل (آدمية البشر) أو (إنسانيتهم) ، ويعلي قدر ابن آدم اذ يقول مثلا: (لقدْ خلقنا الإنسانَ في أحسنِ تقويمٍ) [التين: ٤] . (ولقدْ كرّمنا بني آدمَ.. وفضّلناهم على كثيرٍ ممّن خلقنا تَفضِيلاَ) [الإسراء: ٧٠] ، كما أعطاه فرصة العمل
стр. 169
الصالح والتقرب من بارئه مختارا، ومقاومة الشرور مختاراً، ومساعدة الغير مختاراً.. إلى غير ذلك من أعمال الإنسانية والبر. وهكذا فتح هذا الباب على مصراعيه وجعل لكل مجتهد نصيبا ولكل عامل في سبيل الكمال مقاماً، فهناك فرصة لتنمية غرائز الخير وتوظيفها، ما بين الغني والفقير والقوي والضعيف والحاكم والمحكوم.. وانه لمن الخير للمجتمع ان يوجد فيه عشرة يساعدون الضعيف مختارين عن مجتمع يكلف فيه ألف شخص تكليفا بالمساعدة والعون. ان المجتمع الأول جدير بآدميته وهو يرتقي في الروح والجسد وتنمو فيه عوامل المحبة وتظهر مبادئ الانسانية والحرية والاجتهاد، اما المجتمع الثاني فهو جسد بلا روح.
والان لم يبق أمام المكابر في سبيل، وليس وراء هذا الوجود من غاية غير الله تعالى، فهو مظهر من مظاهر الألوهية، وكل شيء فيه انما يسعى اليه تعالى، ولكن كان الإنسان اكثر جدلا: (وَضربَ لنا مثلاً ونسيَ خلقهُ، قال من يُحي العظامَ وهيَ رَميم قل يُحيها الذي أنشأها أوّل مرةٍ وهوَ بكل خلقٍ عَليمٌ) [يس: ٧٨، ٧٩] .
محمد جمال الدين الفندي