أكثر من أنه يكتشفها ثم يستخدمها في محاولة إدراك أسرار هذا الكون. وكل قانون يكتشفه الإنسان يزيد قربا من الله، وقدرة على إدراكه، فتلك هي الآيات التي يتجلى بها الله علينا، وقد لا تكون هذه هي طريقته الوحيدة في هذا التجلي، فهو يتجلى أيضا في كتبها المقدسة مثلا، ومع ذلك فإن طرقة تجليه تعالى في آياته التي نشاهدها في هذا الكون تعتبر بالغة الأهمية بالنسبة لنا.
стр. 107
العلم تدعم إيماني بالله
كتبه: ألبرت ماكومب ونشستر
متخصص في علم الأحياء
حاصل على درجة الدكتوراه من جامعة تكساس – أستاذ الأحياء بجامعة بايلور – عميد أكاديمية العلوم بفلوريدا سابقا – أخصائي في علم الوراثة وفي تأثير الأشعة السينية على الدروسوفيلا.
هل من الممكن ان يكون للمشتغل بالعلوم نفس الاعتقاد بوجود الله، والتقديس له، كغير المشتغل بالعلوم؟ وهل يوجد في دائرة المستكشفات العلمية ما يمكن ان يقلل من تقدير الانسان لقدرة الخالق الأعظم وجلاله؟ تلك أسئلة تطوف احيانا بعقول بعض من يظنون ان العلماء في ميادين بحوثهم المتسعة يكتشفون من الحقائق ما قد يتعارض مع الدين حسب تفسير بعض المفسرين.
ومن أمثلة ذلك ما حدث لي شخصيا عندما كنت طالبا بالجامعة وكنت قد قررت ان ادرس العلوم. وانني لأذكر جيدا كيف أخذتني احدى عماتي جانبا ذات يوم وتوسلت إلى ان أعدل عن هذا القرار، لان العلوم، كما كانت تعتقد، سوف تقضي على ايماني بالله. لقد كنت تعتبر، كما يعتبر الكثيرون، ان العلوم والدين قوتان متعارضتان، وأنهما لا يمكن ان يجتمعا في قلب رجل واحد.
وانني لأشعر بالغبطة تملأ قلبي اليوم، بعد ان درست العلوم المختلفة، واشتغلت بها سنوات عديدة، ولم يكن في ذلك ما يزعزع ايماني بالله، بل ان اشتغالي بالعلوم قد دعم ايماني بالله حتى صار أشد قوة وأمتن أساسا مما كان عليه من قبل.
ليس من شك في ان العلوم تزيد الانسان تبصرا بقدرة الله. وجلاله، وكلما اكتشف
стр. 108
الانسان جديدا في دائرة بحثه ودراسته زاد ايمانه بالله. لقد حل العلم اليوم محل كثير من الخرافات القديمة التي غالبا ما طغت على المعتقدات الدينية، واستبدل بها حقائق رصينة تستند إلى المشاهدة والتجربة. وكما عدلت الكشوف العلمية أساليب الطب القديمة من الكي والحجامة إلى تلك الأساليب الحديثة من التشخيص والعلاج، فان العلوم الحديثة قد غيرت كذلك من بعض المعتقدات حول علاقة الانسان بالله، فلم يعد الناس يعتقدون ان سبب المرض ما هو الا سخط من الله ينزله بعباده عقابا لهم على خطاياهم، وانما سببه غزو للجسم تقوم به بعض الكائنات الدقيقة التي تخضع لكل القوانين الطبيعية التي تتحكم في سائر الكائنات الحية الاخرى. ان ايماننا بالله لم يتزعزع بسبب معرفتنا بهذه الحقائق، بل ازاداد علما به وبالعالم الذي خلقه ، وكذلك بتلك الكائنات التي يصيب بها من يشاء.
ان الانسان لا يستطيع ان يدرس اعمال اي صانع من الصناع دون ان يحيط بقدر من المعلومات عن الصانع الذي أبدع تلك الاعمال، وكذلك نجد أننا كلما تعمقنا في دراسة أسرار هذا الكون وسكانه، ازددنا معرفة بطبيعة الخالق الأعلى الذي أبدعه. وقد اشتغلت بدراسة علم الأحياء، وهو من ميادين العلمية الفسيحة التي تهتم الحياة، وليس من مخلوقات الله أروع من الأحياء التي تسكن هذا الكون.
انظر إلى نبات برسيم ضئيل وقد نما على أحد جوانب الطريق. فهل نستطيع ان تجد له نظيرا في روعته بين جميع ما صنعه الانسان من تلك العدد والآلات الرائعة؟ انه آلة حية تقوم بصورة دائبة لا تنقطع آناء الليل وأطراف النهار بآلاف من التفاعلات الكيماوية والطبيعية، ويتم كل ذلك تحت سيطرة البروتوبلازم وهو المادة التي تدخل في تركيب جميع الكائنات الحية.
فمن اين جاءت هذه الآلة الحية المعقدة؟ ان الله لم يصنعها هكذا وحدها، ولكنه
стр. 109
خلق الحياة وجعلها قادرة على صيانة نفسها وعلى الاستمرار من جيل إلى جيل من الاحتفاظ بكل الخواص والمميزات التي تعيننا على التمييز بين نبات وآخر. ان دراسة التكاثر في الأحياء تعتبر أروع دراسات علم الاحياء واكثرها اظهارا لقدرة الله. ان الخلية التناسلية التي ينتج عنها النبات الجديد تبلغ من الصغر درجة كبرى بحيث تصعب مشاهدتها الا باستخدام المجهر المكبر. ومن العجب ان كل صفة من صفات النبات: كل عرق، وكل شعيرة، وكل فرع على ساق، وكل جذر أو ورقة يتم تكوينها تحت اشراف مهندسين قد بلغوا من دقة الحجم مبلغا كبيرا فاستطاعوا العيش داخل الخلية التي ينشأ منها النبات. تلك الفئة من المهندسين هي فئة الكروموسومات.
ولهؤلاء المهندسين ذوي الاحجام الضئيلة القدرة على تعديل خواص النباتات التي تنتجها هذه الخلايا الدقيقة في فترات نادرة من الزمان، فهي بذلك تنتح كائنات اكثر قدرة على التلاؤم من أسلافها. لقد مرت بالبشر فترة كان أغلب الناس يعتقدون فيها انه من الكفر ان يعتقد المرء ان الكائنات الحية التي تعيش اليوم على سطح الأرض كانت في يوم من الأيام على صورة تخالف الصورة التي خلقها الله عليها بادئ الأمر. اما في الوقت الحاضر فان معظم المفكرين يرون ان خلق كائنات لها القدرة على التكاثر وعلى تغيير اشكالها وتركيبها، تبعا للظروف التي تحيط بها، يعد أشد دلالة على قدرة الله من خلق كائنات لا تتطور ولا تستطيع الا ان تنتج صورا مكررة من أنفسها طيلة الزمان.
ويقف العلماء اليوم على عتبة كشف جديد بالغ الأهمية، الا وهو خلق الحياة داخل المعمل وفي أنابيب الاختبار، وقد أمكن فعلا الوصول إلى خلق صورة من صور الحياة داخل المعمل، ولكنها صورة بدائية على درجة كبيرة من البساطة والنقص. وقد تم ذلك بمزج بعض المواد الكيماوية بنسب معينة لكي تتكون منها مادة تسمى حمض ديسوكسي ريبونيوكليك (D N A) ، وهي من المواد التي لم يكن من الممكن انتاجها من قبل الا
стр. 110
داخل الخلايا الحية. انها مادة الحياة، مادة الوراثة التي تحمل الصفات الوراثية عبر الاجيال وتضع طابعها على جميع الاحياء التي تدخل في تركيبها.
وقد أمكن اخذ هذه المادة من بروتوبلازم بعض الخلايا الحية وادخالها في بروتوبلازم بعض الأنواع الأخرى، فادى ذلك إلى جانب من التغير في الصفات الوراثية للأنواع المطعمة بهذه المادة.
ونحن لا نعلم ماذا يكون شأن ذلك الحمض الصناعي الذي حضره الإنسان في المعمل وكيف يكون تأثيره عندما يطعم به بروتوبلازم الخلايا الحية، هل تمتصه الخلايا، وهل يتسق مع تركيبها، وهل تحدث فيها نفس التأثيرات التي تحدثها المادة العضوية الطبيعية؟ اننا لا نعر الإجابة حتى اليوم عن هذه الاسئلة، ولا يزال مستقبل الجهود التي تبذل في هذا الميدان في كف القدر، فبعض العلماء يتشككون في إمكان الوصول إلى خلق الحياة، والبعض الآخر يعدونه من الأمور المستحيلة، ولكن حتى اذا نجحت هذه الجهود، فهل يزعزع ذلك من إيماننا بالله؟ انه لا يزعزع الا إلا إيمان أولئك الذين لديهم إيمان سطحي. اما من يقوم ايمانهم على أساس التفكير العميق، فان ذلك لا يعد أكثر من خطوة جديدة في ادراك ما أبدعه الخالق الأعظم الذي خلق وحده تلك الروائع التي يعمل الناس جاهدين متكاتفين في الكشف عنها.
فاذا كانا نريد ان ندعم إيماننا بالله فعلينا بمزيد من التعمق في كشف الحقيقة.
стр. 111
الكون تحت سيطرة مركزية
كتبها: ايرل تشستر ريكس
عالم الرياضيات والفيزياء
حاصل على درجة الماجستير من جامعة واشنطن – محاضر بجامعة جنوب كاليفورنيا سابقا – أستاذ مساعد الطبيعة في كلية جورج ببردين – عضو الجمعية الرياضية الأمريكية.
كثيرا ما تكون الافكار والمعتقدات الشائعة خاطئة مضللة، فهنالك اعتقاد شائع بان العلوم تشبه عجوزا متحدثا لديه عن كل سؤال جواب. والواقع ان العلوم تشبه شابا كثير الأسئلة والتفكير والبحث، ويحاول ان يسجل ملاحظات منظمة عن كل شيء، ولا يقنع بما وصل اليه من النتائج في البحث عن الحقيقة.
ومن المعتقد كذلك ان العلوم تتبع طريقا مستقيما في الاستدلال والتفكير والواقع ان العلوم تشبه انبات العنب المتسلق الذي يحاول دائما ان يمتد إلى أعلى ولكنه لا يستطيع ان يسلك طريقا مستقيما، فيلتف ويدور حول الاشياء. وعلى ذلك فان الطريق الذي تسلكه العلوم والاتجاه الذي يسير فيه لابد ان يكون مرنا قابلا للتعديل والتغيير كلما دعت إلى ذلك الظروف.
اما الدراسات الرياضية، وانا من المشتغلين بها، فانها تشبه شعاعا هاديا من الضوء يضيء السبيل امام العلوم، ولكن اتجاه هذا الشعاع لابد ان يتغير دائما لكي يسير في نفس الاتجاه الذي تسلكه العلوم. فمن المتفق عليه في الطريقة العلمية عند المفاضلة بين فرضين أو نظريتين ان ناخذ بأبسطهما اذا كان قادرا على توضيح جميع الحقائق، وقد استخدم هذا المبدأ للمفاضلة بين الفرضين اللذين يقول أحدهما بان الارض هي مركز هذا الكون،
стр. 112
ويقول الآخر بان الشمس هي مركز المجموعة الشمسية. وقد فضل هذا الفرض الأخير على الأول بسبب ما يترتب على الأخذ بالفرض الأول من تعقيدات وصعوبات.
وبرغم ما للعلوم من قيود وحدود، فلنظرياتها ونتائجها فوائد لا تحصى، وكذلك الحال بالنسبة لموقف العلوم من كشف أسرار هذا الكون والدلالة على خالقها. فدراسة الظواهر الكونية دراسة بعيدة عن التحيز وتتسم بالعدل والانصاف قد أقنعتني بان لهذا الكون إلها، وأنه هو الذي يسيطر عليه ويوجهه، اي ان هنالك سيطرى مركزية هي سيطرة الله تعالى وقوته التي توجه هذا الكون.
وهنالك من الأدلة ما يوضح ان بعض الظواهر التي تبدو متباعدة، تقوم على أساس مشترك من التفسير، ويتضح ذلك من قوانين كولمب عن تجاذب الشحنات وتنافرها. فقد تتضح لي ان هذه القوانين تشبه إلى حد كبير قوانين التجاذب والتنافر بين قطبين مغناطيسيين، بل انها تتشابه إلى حد كبير مع قوانين نيوتن عن الجاذبية العامة. ففي كل حال من الحالات الثلاث السابقة، تتناسب القوة تناسبا طرديا مع حاصل ضرب الشحنتين أو قوة القطبين المغناطيسيين أو الكتلتين، كما انها تتناسب عكسيا مع مربع المسافة. حقيقة هنالك بعض الفروق، فمن ذلك مثلا انه بينما تتجاذب الكتلتان فان الشحنتين أو القطبين يتنافران، ومن ذلك ايضا انه بينما تسير الموجات الكهرو مغناطيسية بسرعة الضوء، فان التجاذب الأرضي ينتقل بسرعة لا نهائية، ولكن هذه الفروق تشير إلى الاختلافات في طبيعة الاشياء وتدفعنا نحو دراسة الموضوع بصورة أشمل.
وهنالك ظواهر عديدة تدل على وحدة الغرض في هذا الكون وتشير إلى ان نشأته والسيطرة عليه لابد ان تتم على يد أله واحد لا آلهة متعددة.
ويحدثنا علماء الأحياء عن توافق متشابه فيما يتعلق بتركيب الكائنات الحية ووظائفها، فالأجسام الطبيعية تؤدي وظائفها على أكمل وجه وأتم صورة. خذ مثلا الكرات الدموية
стр. 113
الحمراء التي بجسم الإنسان، تجد ان شكلها وحجمها يتناسبان إلى أقصى حد مع الوظائف التي خلقت من أجلها. وينطبق هذا على سائر الأعضاء والأجزاء ودقائق الجسم. فاذا ذهبنا إلى عالم الحشرات فقد يكفينا ان نفحص خلية النحل لكي تستولي علينا روعة الدقة والكمال والتشابه العجيب بين عيونها. وكل خلية من ملايين الخلايا الموجودة في سائر أنحاء العالم مصممة بصورة هندسية وبدقة رائعة وتناسب العمل الذي خلقت من أجله إلى اقصى الحدود. وليست خلايا النحل الا مثل من آلاف الأمثلة التي نستطيع ان نضربها لبيان الروعة والإتقان والتوافق في كل ما هو طبيعي. فاذ كان كل ذلك وغيره مما لا يحصى، لا يدل على وجود إله مدبر يسيطر على هذا الكون ويوجهه، فليت شعري كي أستطيع بعد ذلك ان أنتسب إلى دائرة العلماء والمشتغلين بالعلوم؟
انني أجد بوصفي من المشتغلين بالعلوم أن النتائج التي وصلت اليها بدراستي العلمية عن الله والكون تتفق كل الاتفاق مع الكتب المقدسة، التي أؤمن بها وأعتقد في صدف ما جاءت به عن نشأة الكون وتوجيه الله له، وقد يرجع ما نشاهده احيانا من التعارض بين ما توصلت اليه العلوم وبين ما جاء في هذه الكتب المقدسة التي نقص في معلوماتنا. فقد أشار الإنجيل مثلا إلى ان قدماء المصريين، كانوا يستخدمون القش في صناعة الطوب. وهو رأي لم تؤيده دراسة الحفريات المصرية. ولكن علماء الآثار ما لبثوا ان اكتشفوا ان القش كان يعطن اولا في المخامر ثم يؤخذ بعد ذلك فيخلط بالطين ويدخل في صناعة الطوب ليزيد من صلابته. فعلينا اذن ان نتريث عندما نجد بعض التعارض بين ما تحدثنا عنه العلوم وبين ما يحدثنا عنه الدين حتى تتبين لنا الحقيقة. والنظريات الحديثة التي تفسر نشأة الكون والسيطرة عليه بصورة تخالف ما جاء في الكتب السماوية، تعجز عن تفسير جميع الحقائق وتزج بنفسها في ظلمات اللبس والغموض، وانني شخصيا أؤمن بوجود الله وأعتقد في سيطرته على هذا الكون.
стр. 114
صحة الدين
كتبه: مالكولم دنكان وينسر، الابن – طبيب باطني
حاصل على درجة البكالوريوس في علم الحيوان من كلية هويتن – ودكتوراه في الطب من جامعة نورث وسترن.
من الممكن ان تصاغ المشكلة التي تدور حول صحة الدين وسلامته صياغة عملية في السؤال الآتي: هل هنالك إله؟ وهل يهتم بالإنسان اهتماما شخصيا؟ انني أعتبر هذا السؤال على درجة كبيرة من الأهمية.
وبرغم ان هنالك كثيرا من المسوغات الفلسفية لوجود إله لهذا الكون واتصافه بصفات خاصة، فان هنالك طريقتين أساسيتين من الوجهة العلمية لاثبات وجود إله. اما إحداهما فتقوم على استخدام العلوم الطبيعية، واما الاخرى فتعتمد على المراجع التاريخية.
اما عن الطريقة الاولى، فان الارض والسماوات بسائر تعقيداتهما، والحياة في شتى صورها، وأخيرا الإنسان بكل قدراته العليا، كل هذا أشد تعقيدا من أن يتصور الإنسان انه حدث هكذا وحده أو بمحض المصادفة. فلابد اذن من عقل مسيطر، من إله خالق وراء كل ذلك، ولما كان الإنسان أسمى مما يحيط به من الكائنات المختلفة فلابد ان يكون قد حظي باهتمام خالقه، ولابد اذن ان يكون لهذا الخالق وجود ذاتي.
اما بالنسبة للطريقة الثانية، فليس أمامنا الا ان نلجأ للكتب المقدسة التي هي في الواقع
стр. 115
مجموعات من الكتب والوثائق ظهرت في عصور مختلفة، يطلق على بعضها اسم (المخطوطات) دون ان يقترن هذا الاسم بصفة من الصفات، لكي يدل ذلك على انها تقف وحدها فوق مستوى سائر المخطوطات الأخرى، ويبلغ عدد المخطوطات بالذات ستا وستين. وقد كتبها عدد كبير من الكتاب في مدى اربعة عشر قرنا، ومع ذلك فهي جميعا تؤلف كتابا واحدا يدور حول محور واحد. وبرغم ان كتابة هذا الكتاب قد استغرقت ١٤٠٠ سنة، واشترك فيه انتاجها كتاب عاشوا في بلدان متفرقة، ولم تتح الظروف لاي منهم ان يتعرف بالآخرين، فاننا نجد بينهم تجانسا في التفكير ووحدة واتفاقا في الغاية. ولقد حقق التاريخ ما جاءت به هذه الكتب إلى درجة عجيبة، مما يدل على صدقها، وها نحن اولاء نراها جميعا تؤكد من أول كلمة فيها إلى آخر سطر من سطورها، أن لخالق هذا الكون وجودا ذاتيا.
فاذا نظرنا إلى العقائد التي يأخذ بها الأنسان، والى الأسباب التي تجعله يعتقد في صحتها، فاننا نجد ان كل ذلك يتحدد إلى درجة كبيرة بعاملين هما: ذكاء الإنسان والبيئة التي تحيط به وتؤثر عليه، ويمكننا ان نقسم هذه المعتقدات إلى قسمين: واقعية ونظرية. وللتأكد من صحة المعتقدات الواقعية لابد ان يكون الإنسان قد وصل اليها باستخدام الأسلوب العلمي في التفكير. ومن الواضح ان تحقيق هذه الشرط بالنسبة لجميع المعتقدات الواقعية التي يأخذ بها الإنسان في حياته يعد أمرا مستحيلا، ويرجع ذلك إلى كثرة هذه المعتقدات وتعقدها، ومع ذلك فان الانسان يتقبلها ويسلم بصحتها لسببين: أولهما: ان المجتمع الذي يعيش فيه والكتب التي يقرؤها تقر هذه الافكار وتقبلها، وثانيهما: انه يجدها صحيحة عند استخدامها أو تطبيقها في حياته اليومية.
اما عن المعتقدات النظرية، فكثيرا ما تتجلى فائدتها للإنسان وتثبت صحتها وسلامتها عند ممارستها، ومع ذلك فانه لإسباب متعددة لا يمكن ان يسلم جميع الناس بصحتها، كما
стр. 116
انه لا يمكن استخدام الطريقة العلمية لاثبات صحتها بسبب عدم القدرة على جمع الحقائق اللازمة لاستخدام هذه الطريقة في حالة هذه المعتقدات.
وهكذا نرى ان الاعتقاد في وجود الله وجودا ذاتيا، يعد إلى حد بعيد من المعتقدات النظرية التي لا يمكن اختبارها على محك الاسلوب العلمي، ولذلك فان الناس ينقسمون فيما يتصل بهذا الامر إلى شيع، فنجد منهم المؤمن، ونجد منهم المنكر، كما نجد منهم الملحد.
وميدان الطب من الميادين التي تعني بدراسة الانسان وتحليله ومعرفة الأسباب التي تجعله يسلك سلوكا معينا، وقد يكون في ذكر بعض المبادئ الطبية ما يلقي به بعض الضوء على عقيدة الإنسان في الخالق، فمن المعروف مثلا ان جميع الأمراض التي تصيب الانسان اما ان تكون عضوية أو نفسية، ومن المعروف كذلك ان الحالة النفسية للمريض وموقفه العقلي من هذا المرض يحددان إلى درجة كبيرة مدى تأثره بالمرض، ثم ان من المعروف ان تتغير الحالة النفسية أو النظرة العقلية يعد من الأمور المتعذرة، فالشخص السليم في عقله ونفسه، يبقى كذلك طيلة حياته، اما الشخص القلق المضطرب فلا يكاد يصلحه العلاج الا اصلاحا سطحيا، ولا يكاد المعالج ينتهي من حل مشكلة من مشكلاته حتى تبرز له اخرى غيرها.
وها هو ذا المسيح عيسى ﵇ يقول في نفس هذا المعنى: (درب الطفل على الطريق الذي تريده ان يسلكه، فلن يحيد عنه بعد ذلك) (١) . وقد ثبتت صحة هذا الرأي، اذ من الصعب حقا تغيير معتقدات الانسان أو طريقته في النظر للأمور. والفرد منا يتأثر في كل ذلك بطريقة تنشئته، بل انه كثيرا ما يكون ضحية لها.
стр. 117
وكثير من الأطفال الذين ينشأون على الاخذ بمعتقدات معينة يبقون متمسكين بها طيلة حياتهم، فاذا نشأوا في مجتمع في مجتمع ملحد صاروا ملحدين، واذا نشأوا في مجتمع ديني بقوا مؤمنين وهكذا..
وقبول الانسان لبعض المعتقدات بسبب نشأته وتربيته لا يعد في ذاته دليلا على صحة هذه المعتقدات وذلك برغم شعوره بانها لابد ان تكون صحيحة، فالواقع اننا نتقبل كثيرا من المعتقدات قبولا يقوم على التسليم، ثم نتحيز لها بطريقة أو بأخرى. وبرغم اننا نستطيع ان نتجرد من أهوائنا وعواطفنا عند حل كثير من المشكلات التي تواجهنا في حياتنا، فاننا نعجز عن ان نتجرد من هذه العواطف عندما نحاول الاجابة على من يسألنا بقوله: (هل لهذا الكون إله؟) . ويرجع ذلك لما لهذا السؤال من آثار عميقة في نفوسنا تمتد آثارها إلى أيام طفولتنا. ونحن لا نستطيع ان نفر من ذلك، بل لعله لا ينبغي لنا ان نفر. ولما كان لهذا السؤال اهمية كبيرة بالنسبة لوجودنا، فلابد ان نجد له جواباً.
وانا أعتقد شخصيا انه لا يمكن الإجابة على هذا السؤال الا بعد ان يخطو الانسان خطوة نحو الإيمان الروحي، وهو لا يمكن ان يقوم بهذه الخطوة الا بعد ان يصل (باستخدام عقله) إلى وجود إله وخالق لهذا الكون. وما ان يصل الانسان إلى ذلك حتى يثبت الله ايمانه به وينزل على قلبه السكينة. وقد يعد بعض الناس ذلك تحيزا مني أو تعصبا لفكرة من الأفكار، الا أنني اعتقد ان الإيمان بالله خبرة شخصية قبل كل شيء. ويستطيع الانسان ان يصل إلى فكرة وجود الله باستخدام عقله، وذكائه، ولكنه لا يستطيع ان يقيم البرهان على ذلك الا بالطرق غير المادية، فالايمان بالله هو أساس الاطمئنان إلى وجوده تعالى.
стр. 118
وقد عرف الإيمان في (الكتب المقدسة) بانه (القوة التي تعين على استجابة الدعاء، وتجعل الإنسان يطمئن إلى الغيب) . وقد عرف سير وليام اوزلر، وهو الطبيب الكندي المشهور، الايمان بانه (القوة الدافعة (١) الكبرى التي لا نستطيع ان نزنها في الميزان أو نختبرها في الجفنة) . ولا يمكن ان يتم الاعتقاد في وجود الله بدون هذا الإيمان.
стр. 119
عجائب التربة
كتبه: ديل سوارتزن دروبر
إختصاصي فيزياء التربة - حاصل على درجة الدكتوراه من جامعة أبووا - أستاذ مساعد بجامعة كاليفورنيا - عضو جمعية علم التربة أمريكا - اخصائي في تركيب التربة وحركة الماء بها.
عندما يسير سكان المدن بسيارتهم في الطرقات التي تخترق الريف والمزارع نجدهم يعجبون بالمحاصيل الزراعية، وهم يعلمون أنها تخرج من الأرض، ولكنهم قلما يعيرون التربة التي تبنتها جانباً من الاهتمام. وعلى نقيض ذلك يهتم الممتازون من الفلاحين والزراع بأنواع التربة وخواصها، ولو أننا لا نتوقع من الغالبية منهم أن يقوموا بدارسة علمية لمادة التربة التي يتوقف عليها كسبهم ومستوى معيشتهم.
والتربة عالم يفيض بالعجائب، ولكنها عجائب لا يستطيع أن يصل إلى كنهها أو يكشف أمرها إلا العلوم والدراسة العلمية، ولذلك فإنني أحب أن أشير هنا إلى خواص التربة بإيجاز. وقد لا يستطيع القارئ أن يتابعني بسهولة عند سرد بعض النواحي والمصطلحات الفنية، إلا أنني واثق من أنه سوف يتفق معي في أن عالم التربة مليء بالعجائب كما أنه سوف تروعه تلك العلاقات المتشابهة العديدة التي لا يمكن أن تكون قد تمت إلا عن تصميم وإبداع، ولا شك أن ذلك سوف يقود القارئ إلى التفكير في المبدع الأعظم. فلننظر إلى التربة لكي نرى كيف تنتج من عوامل التعرية، وقد قسمت نواتج هذه العوامل إلى أقسام: فهنالك الطبقة المتخلفة السفلى تعلوها الكتل المتخلفة ثم فوق ذلك طبقة
стр. 120
التربة. وجميع الطبقات تنتج من عملية التفتيت والتكسير التي تسببها عوامل التعرية. وللتربة أهمية خاصة بالنسبة لنا لأنها مصدر المواد الغذائية الهامة التي يحصل عليها النبات في انثناء نموه، كما أنها ضرورية لتثبيت النباتات الأرضية فوق سطح الأرض.
فعندما تتعرض الصخور النارية لعوامل التفتت تزول عنها تدريجياً القواعد القابلة للذوبان في الماء مثل الكلسيوم والماجنيزيوم والبوتاسيوم، وتتبقى أكاسيد السليكون والألومونيوم والحديد مكونة الغلبية الكبرى من التربة، ولا يحب هذه العملية انخفاض كبير في المنسوب الفسفوري، بينما يترتب عليها عادة ارتفاع في نسبة النيتروجين.
ويؤدي تحلل عناصر السليكات الأصلية بتأثير عوامل التفتت هذه إلى تكون الصلصال، ويشتمل الصلصال في المناطق المعتدلة والباردة على نسبة كبيرة من السليكات غير المتبلورة وعلى كميات ضئيلة من غير السليكات، أما في المناطق الاستوائية فترتفع في الصلصال نسبة الأكاسيد الطليقة والأكاسيد المائية والألمنيوم.
ومن الخواص الهامة للصلصال قدرته على تبادل الأيونات الموجبة (الكتيونات) ، إذ تمكنه هذه الخاصية من الاحتفاظ بالقواعد القابلة للذوبان واللازمة لنمو النبات ويؤدي ذلك إلى عدم انخفاض نسبة هذه المواد بالتربة انخفاضاً كبيراً أو انعداماً كلياً، ومن ذلك نرى أن عمليات التفتت تؤدي من جهة إلى فقدان بعض المواد القاعدية القابلة للذوبان، ولكنها تقدم في نفس الوقت طريقة أخرى للمحافظة على هذه المواد.
ولا يتسع المقام لتناول العناصر الغذائية الأخرى اللازمة لحياة النبات فلننظر إذن إلى مشكلة أخرى وهي كيف هيا المدبر الأعظم الظروف المناسبة لنمو النباتات في الأحقاب الجيولوجية القديمة، وعلم على استمرار حياتها وبقائها. فإذا سلمنا بأن هذه النباتات القديمة كان لها نفس الاحتياجات الغذائية مثل النباتات الحالية، فلابد ان تكون القواعد القابلة
стр. 121
للذوبان وكذلك المواد الفسفورية قد وجدت بكميات أكبر مما توجد عليه الآن. أما بالنسبة للنيتروجين فإن الوضع يختلف، فالنباتات تحتاج إلى قدر كبير من المواد النيتروجينية، ومع ذلك فإن قدرة التربة القديمة على الاحتفاظ بهذه المواد كانت ضعيفة. فكيف كانت النباتات الأولى تحصل إذن على حاجاتها من النيتروجين؟
هنالك شواهد تدل على أن الصخور النارية التي لم تتأثر بعوامل التفتت تحتوي على قدرة من النتروجين النشادري. ومن الممكن أن تكون النباتات الأولى قد استفادت من هذا المصدر. ولكن هنالك مصادر أخرى غير ذلك، هنالك البرق مثلاً، وقد يظن كثير من الناس ان البرق ليس اكثر من وسيلة من وسائل التدمير، ولكن التفريغ الكهربائي الناتج عن البرق يؤدي إلى تكوين أكاسيد النيتروجين التي يهبط بها المطر أو الثلج إلى التربة ويستفيد منها النبات. وتقدر كمية النيتروجين التي تحصل عليها التربة بهذه الطريقة في صورة نيترات بما يقرب من خمسة أرطال للفدان الواحد سنوياً، وهو ما يعادل ثلاثين رطلاً من نترات الصوديوم، وهذه كمية تكفي لبدء نمو النباتات.
ويلاحظ أن كمية النيتروجين الذي يثبته البرق تكون في المناطق الاستوائية أكثر منها في المناطق الرطبة، وهذه بدورها تزيد على الكمية التي تتكون في المناطق الصحراوية. ومن ذلك نرى أن النتروجين يوزع على المناطق الجغرافية المختلفة بصورة متفاوتة تبعاً لمدى احتياج كل منطقة منها لهذا العنصر الهام. فمن الذي دبر كل ذلك؟ إنه المدبر الأعظم.
وعندما نتحدث عن المدبر الأعظم، هل من الممكن أن نستدل بما بين النباتات والتربة من علاقات متشابكة وتوافق عجيب متشابكة وتوافق عجيب على وجود تدبير وغرض واضح في الطبيعة؟ إننا لا نستطيع أن نجيب على هذا السؤال دون أن نتدبر مقتضياته بالنسبة لدائرة العلوم كلها.
стр. 122
إن العلماء قد لا يستطيعون أن يتفقوا على تعريف واحد للطريقة العلمية، ولكنهم متفقون جميعاً على أن العلوم تستهدف كشف قوانين الطبيعة. ولابد للمشتغل بالعلوم أن يسلم أولاً بوجود هذه القوانين حتى لا يكون متناقضاً مع نفسه. وقد أصبح من المحال أن ينكر أحد وجود هذه القوانين بعد اكتشف الإنسان الكثير منها في ضمن ميادين البحث ومن الطبيعي أن يتساءل الإنسان بعد كل ذلك: لماذا وجدت هذه القوانين؟ ولماذا قامت بين الأشياء المختلفة، ومن بينها التربة والنبات، تلك العلاقات العديدة التي تتسم بذلك التوافق الرائع بين القوانين مما يؤدي إلى تحقيق النفع والفائدة؟
إننا نعترف بأننا – وقد وصلنا إلى هذا الحد من التفكير - قد اقتربنا من الحد الفاصل بين العلوم والفلسفة. فكيف نفسر كل ذلك النظام والإبداع الذي يسود هذا الكون؟ هنالك حلان: فاما أن يكون هذا النظام قد حدث بمحض المصادفة، وهو مالا يتفق مع المنطق أو الخبرة، ومالا يتفق في الوقت نفسه مع قوانين الديناميكا الحرارية التي يأخذ بها الحديثون من رجال العلوم. وإما أن يكون هذا النظام قد وضع بعد تفكير وتدبر، وهو الرأي الذي يقبله العقل والمنطق. وهكذا نرى أن العلاقة بين النبات والتربة تشير إلى حكمة الخالق وتدل على بديع تدبيره.
وأنا واثق أن الأخذ بهذا الرأي سوف يثير انتقاد المعارضين لهذا الاتجاه ممن لا يؤمنون بوجود الحكمة أو الغرض وراء ظواهر الطبيعة وقوانينها، ومعظم هولاء ممن يأخذون بالتفسيرات الميكانيكية ويظنون أن النظريات التي يصلون إليها في تفسير ظواهر الكون تمثل الحقيقة بعينها ولكن هنالك من المسوغات ما يدعوا إلى الاعتقاد أن ما وصلنا إليه من التفسيرات والنظريات العلمية ليس إلا تفسيرات مؤقتة، وليست لها صفة الإطلاق أو الثبات، فإذا ما سلمنا بهذا الرأي تضاءل خطر المعارضين في غرضية الكون أو وجود
стр. 123
غاية منه، فمما لاشك فيه أن هنالك حكمة وتصميماً وراء كل شيء سواء في السماء التي فوقنا أو الأرض التي من تحتنا. إن إنكار وجود المصمم والمبدع الأعظم يشبه في تجافيه مع العقل والمنطق ما يحدث عندما يبصر الإنسان حقلاً يموج بنباتات القمح الصفراء الجميلة ثم ينكر في نفس الوقت وجود الفلاح الذي زرع والذي يسكن في البيت الذي يقوم بجوار الحقل.
стр. 124
التربة والنبات
كتبه: لسترجون زمرمان
أخصائي التربة وفسيولوجيا النبات
حاصل على دكتوراه من جامعة بوردو – أخصائي المحافظة على التربة بالولايات المتحدة – استاذ الزراعة والرياضيات بكلية غوشن – عضو الجمعية العلمية لدراسة التربة بأمريكا.
إننا جميعا نتحول إلى فلاسفة في بعض الأحيان.
فقد نسير بجوار حقل من القمح ونشاهد الحدائق وسيارات النقل تفيض بما تحمله من الخضر المتنوعة، ونرى الفاكهة الناضجة والأعناب اليانعة ونعجب بجمال الخريف في الغابات وألوانه التي تشبه السنة اللهب، ثم لا نلبث ان نسأل أنفسنا: (من أين جاء كل هذا؟) .
لقد كان عيسى خبيرا وحكيما فيما رمى اليه، فلقد ذكر في لغة سهلة واضحة احدى حقائق الطبيعة وعجائبها، وهي ان حبة القمح لابد ان تتعرض للموت قبل ان تبزغ منها الحياة.
ولكن لابد ان يكون هنالك ماء حتى تقوم الحياة، ولابد ان يكون هنالك مصدر للمواد الغذائية التي يحتاج اليها النبات. والعناصر والمركبات الكيماوية هي المواد الخام الميتة التي تمتصها النبات فتحولها داخل أجسامها إلى مواد غذائية. وكذلك لابد ان يكون هنالك ضوء أو طاقة لكي تمتد النبات بالقوة اللازمة للنمو.
стр. 125
فالحياة تحتاج إلى الماء لكي تعيش، وكام قال بارسون: ان الماء هو دم الحياة أو اكسيرها الذي يجري في الارض. فمعظم العمليات الكيماوية اللازمة للحياة والنمو تحتاج إلى الماء أو تؤدي إلى تكوين الماء. والماء يذيب كثيرا من المواد فيهيئ بذلك السبيل لحدوث التفاعلات الكيماوية الضرورية داخل النبات، وهو متوافر في معظم الأماكن، ودورته التي تمتد به الارض وما عليها من الكائنات دورة مستمرة أبد الدهر لا تنتهي ولا تنقطع.
وتتكون جميع المواد من عناصر كيماوية. ومصدر العناصر الأساسية لنمو النبات هو التربة والهواء. فمن أين جاءت التربة؟ وكيف تحتفظ بما تحتاج اليه النباتات من المواد الغذائية؟
ان التربة الخصيبة تتكون من مواد معدنية، ولكن بها فوق ذلك بعض المواد العضوية التي ترجع في أصلها إلى أجسام الحيوانات والنباتات الأخرى وتتعرض هذه المادة العضوية لعمليات التحلل، ومع ذلك ففي أثناء هذه العمليات تنبثق حياة كثير من النباتات والحيوانات. وبفضل هذه العناصر مجتمعة مع الهواء والماء تستمر العمليات الحيوية داخل اجسام الكائنات الحية. وتعتبر التربة التي لا تحتوي الا على المواد الصخرية والمعدنية المتحللة تربة مجدبة لا يمكن ان تكون مهدا لنمو النباتات. اما التربة المنتجة الخصيبة فهي تربة حية يعيش بها عدد لا يحصى من الكائنات الدقيقة من حيوان ونبات. وقد تصل نسبة الكائنات الحية التي تعيش بهذه التربة الخصيبة إلى ما يقرب من ٢٠ % من المادة العضوية التي بها. وقد يصل عدد هذه الكائنات الحية إلى بضعة بلايين في الغرام الواحد من التربة. وعلى ذلك فان التربة تتكون من تأثير العوامل الجوية على الجزيء الصلب من سطح الأرض بالاضافة إلى ما يعيش فيها من الكائنات الحية ومنتجاتها على طول الزمان.
ولكن كيف ومتى بدأت هذه العمليات؟ فلا يكفي ان يكون هنالك ضوء ومواد كيماوية وماء وهواء لكي ينمو النبات. ان هنالك قوة داخل البذرة تنبثق في الظروف
стр. 126
المناسبة فتؤدي إلى قيام كثير من التفاعلات المتشابكة المعقدة والتي تعمل معا في توافق عجيب. والبذرة التي بدأت من اتحاد خليتين مجهريتين تتألف كل منهما من عدد كبير من العناصر والعمليات، تكون فردا جديدا يشق طريقه في الحياة ويكون مشابها للنبات الذي انتجه، بحيث لا تنتح حبة القمح الا قمحا، ولا بذرة البلوط الا شجرة البلوط. ورغم ما بين أ، واع النبات من تشابه تجد لكل صفاته وخواصه المميزة، والحق انهه النظام الرائع، والجمال الذي ليس له مثيل ولا حدود، والتوافق الغريب، كل هذا هو مجمل ما يراه الانسان أينما اتجه في عالم النبات العجيب.
وهنالك أيضا الفرصة السانحة للتغيير والتبديل، فحبة الذرة المنغلة التي نحصل عليها اليوم قد نتجت عن أسلاف لها سابقة تختلف عنها في كثير من صفاتها اختلافا كبيرا. وقد صار من الممكن اختيار البذور وتربية النباتات بطرق معينة لكي نحصل منها على نباتات قصيرة أو طويلة تختلف في أشكالها وألوانها وما تدره من محصول، بل أمكن التحكم في الفترة التي يقضيها النبات في التربة لكي يكون اكثر تمشيا مع طول الفصل الذي يلائمه، كما تصول الانسان إلى انتاج انواع جديدة تقاوم الامراض وتمتاز بوفرة محصولها وسائر صفاتها الاخرى حتى تفي بحاجاتنا وأغراضنا المختلفة.
وبينما تختلف النباتات الراقية اختلافات فردية بعضها عن بعض، نجد لها بعض الصفات العامة التي تشترك فيها جميعا، فكلها مثلا تقوم بعملية التمثيل الضوئي الذي ينتج فيه النبات المواد الغذائية من ثاني اوكسيد الكربون والماء في وجود الضوء، وهنالك التشابه في تركيب البذور والسيقان والأوراق والأزهار وما يؤديه كل من منها من الوظائف المتماثلة في النباتات المختلفة. وهنالك الاستجابة الموحدة للمؤثرات الخارجية، فكلها تلتحي نحو الضوء وتموت عندما تحرم من الضوء أو الأوكسجين، إلى غير ذلك من الصفات العديدة التي تشترك فيها جميع النباتات.
стр. 127
فمن الذي قدر وأوجد تلك القوانين العديدة التي تتحكم في وراثة الصفات وفي نمو النبات؟ وسوف يقودنا هذا السؤال إلى سؤال آخر وأشد تعقيدا واكبر عمقا، وهو من اين جاءت النباتات الأولى؟ أو بعبارة اخرى كيف خلق النبات الأول؟ ونحن لا نستطيع ان نصل بعقلنا الطبيعي ومنطقنا السليم إلى ان هذه الاشياء قد أنشأت نفسها بنفسها أو نشأت هكذا بمحض المصادفة، ولابد لنا من البحث عن خالق مبدع، ويعتبر التسليم بوجود الخالق أمرا بديهيا تفرضه عقولنا علينا.
والان لنعد إلى سؤالنا الاصلي: من الذي خلق النباتات الأولى؟ وللإجابة عن هذه السؤال دعني أسجل هنا ما جاء في كتاب كتب منذ ما يزيد عن ثلاثة آلاف من السنين وتناول حوادث وقعت منذ أربعة آلاف سنة على الأقل. ذلك هو سفر أيوب، حيث جاء في الفصل الثامن والثلاثين منه ما يأتي:
(اين كنت حين أسست الأرض.. ترنمت كواكب الصبح معا وهتف جميع بني ألله.. ومن حجز البحر بمصاريع حين اندفق فخرج من الرحم. اذ جعلت السحاب لباسه والضباب قماطه، وجزمت عليه حدي وأقمت له مغاليق ومصاريع، وقلت إلى هنا تأتي ولا تتعدى وهنا تتخم كبرياء لججك.. في اي طريق يتوزع النور وتتفرق الشرقية على الأرض: من فرع للهطل وطريقا للصواعق ليمطر على أرض حيث لا انسان. على قفر لا احد فيه. ليروي البلقع والخلاء وينبت مخرج العشب.. هل تربط أنت عقد الثريا أو تفك ربط الجبار. أتخرج المنازل في أوقاتها وتهدي النعش مع بناته. هل عرفت سنن السموات أو جعلت تسلطها على الأرض.. من يهيئ للغراب صيده اذ تنعب فراخه إلى الله) (١) .
стр. 128
ان الاجابة التي يقدمها ذلك السفر عن كل هذه الأسئلة التي تدور حول نشأة الكون وصيانته، وهي نفس الاجابة التي أقدمها انا ايضا. لقد نشأ كل شيء بقدرته . وهو الذي قدر لكل شيء طريقه ثم هدى.
وكلما ازددت دراسة وتعمقا في دراسة طبيعة التربة والنباتات، ازداد ايماني بالله وسجدت له إعجاباً وتقديساً.
стр. 129
الإنسان ذاته هو الدليل
كتبه: روبرت هورتون كاميرون
أخصائي في الرياضيات
حاصل على درجة الدكتوراه من جامعة كورنل – باحث في جامعة برنستون، وفي معهد برنستون للدراسات العليا – عضو بهيئة تدريس المعهد الصناعي في ماساشوستس – استاذ في الرياضة بجامعة منيسوتا لمدة ٢٠ سنة – حائز على جائزة الرابطة الرياضية في أمريكا - متخصص في التحليل الرياضي والقياس.
ان السؤال الذي يوجهه إلى ناشر هذا الكتاب، يعد في ذاته دليلا على وجود الله: (هل هنالك إله؟) سؤال ينطوي على الفكر أو التفكير؟ وأنا لا أستطيع ان أفكر في هذه القدرة دون ان أسلم بموجد لها.
فأنا لست جهازا آليا، وتفكيري يذهب إلى أبعد ما يمكن ان يذهب اليه عقل من العقول الآلية، فالعقل الآلي الحديث وظيفته تطبيق قاعدة معينة أو ايجاد علاقة معينة تبعا لأصول محددة مرسومة، اما عملية التفكير فتختلف عن ذلك اختلافا بينا، فهي تستطيع ان تتقيد بالقواعد، كما تستطيع ان تتغافلها، ان التفكير يتضمن استخدام المنطق والقدرة على الحكم، كما يتضمن تذوق الجمال والاستمتاع بالموسيقى والمرح وتقدير الفكاهات والطرائف.
ان المنطق يستطيع ان يقرر صحة أحد البراهين أو خطأها. ولكن الفكر هو الذي يبدأ المناقشة في أمر هذه البراهين ويوجهها، وهو الذي يستطيع ان يخترع النظريات الرياضية الجديدة ويقيم الدليل على صحتها، والفكر يتضمن القدرة على تحليل النفس ونقدها ومن
стр. 130
الممكن تصميم آلة تلعب الشطرنج، ولكن هذه الآلة لن تستطيع ان تسعد بما تحققه من النجاح، أو تشمت في خسارة اللاعب الآخر أو تحزن على ما وقعت فيه من الأخطاء.
فالفكر يتضمن اكثر مما تستطيع الآلة والقواعد الآلية ان تحققه. وانني أعتبر ان تفسير السلوك الانساني تفسيرا آليا لا يستند إلى أساس لانني أستطيع ان أفكر.
وأنا أعتقد أيضاً بوجود الله بسبب ما زودني به من الانفعالات، ولكن هل اضعفت حجتي بهذا القول؟ هل اعترفت بان ايماني لا يقوم على المنطق وأنني أؤمن لانني اخشى الا أكون مؤمنا؟ كلا فطبيعتنا الانفعالية دليل على حكمة الله وتدبيره، والا فكيف تكون حياة الانسان بغير هذه الانفعالات؟ وكم يمكن ان يعمر الانسان على سطح الارض بغير الدافع الجنسي وما يتصل به من الانفعالات؟ ولماذا تنخفض نسبة وفيات الأطفال عندما يزداد حب آبائهم لهم؟
انني اعتقد بوجود الله لانه وهبني التمييز الأخلاقي، فالجنس البشري لديه احساس فطري بما هو خطأ وما هو صواب. وكما يقول لويس في كتابه (قضية المسيحية) : (قد تختلف أفكارنا ومع ذلك فأننا جميعا ندافع عن حقوقنا وننشد العدل) .
ان اعتقادي في الله يقوم أيضا على حرية الإرادة وذكائها – الإرادة الإنسانية التي وصفت بانها العملية الشعورية الكاملة التي تقود الإنسان إلى اتخاذ قرار معين – الإرادة التي هي احد الأقسام الكبرى التي يقسم علماء النفس قوى العقل اليها، (القوتان الأخريان هما الإدراك والشعور) ، فانا عندما أرغب أو أريد شيئا معينا يتخذ عقلي قرارا به، وارادتي هي التي تنفذه.
ويختلف الانسان في جميع هذه الصفات والمزايا عن سائر الكائنات الأرضية الأخرى،
стр. 131
فهو خليفة الخالق على الأرض، ولعل هذا هو عين ما يعنيه القديس بول بقوله: (ان للإنسان نشأة مقدسة) .
ويتفق ما وصلت اليه العلوم حول وجود الله مع ما جاء في الكتب السماوية من ان الانسان يحصل على العلم بطريقين: البصر والبصيرة. اما البصر فهو ما نتعلمه في حياتنا، وما نكتسبه عن طريق حواسنا من الخبرة بأمور الحياة، وأما البصيرة فهي ذلك النور الذي يفرغه الله في قلوبنا فيكشف لنا به ما لم نعلم (١) . وكذلك الحال فيما يتصل بالايمان بوجود الله، اذ لابد ان يقوم أولا على البصر وملاحظة ظواهر كتلك التي أشرنا اليها سابقا، ثم نلتجئ بعد ذلك إلى الله لكي يكمل ايماننا ويدعمه.
ان رجال العلوم يعتمدون على التجربة، وأنا مقتنع بوجود الله اعتقاداً يستند إلى أدلة تجريبية، ولكنها تجارب شخصية صرف، ومع ذلك فهي أقوى لدي من كل دليل، وأشد إقناعا لي من أي برهان رياضي. لقد لمست هذا الدليل في نفسي منذ اثنتين وثلاثين سنة عندما كنت بحجرتي في القسم الداخلي بجامعة كورنل يوم جاءني البرهان وأغدق الله على قلبي نور الإيمان. لقد أصبح الله لدي أكبر من كل ما سواه حتى انني أرضى ان افقد كل شيء في هذا الوجود، ولا أرتد إلى حالتي السابقة.
لقد كان هو سبحانه صاحب الفضل في هذا البرهان، فهو الذي أنزله على قلبي وجعلني اعتقد في وجوده.
стр. 132
التوافق بين العلوم
كتبه: واين أولت
مختص في الكيمياء الجيولوجية
حاصل على درجة الدكتوراه من جامعة كولومبيا – زميل بحوث بالمعمل الكيماوي الجيولوجي بنيويورك – عضو الجمعية الجيولوجية الأمريكية.
لا يستطيع كثير من الناس ان يعتقدوا بوجود الله دون ان يؤثر ذلك في مجرى حياتهم، فالاعتقاد في وجود الله يؤثر في علاقتهم بزملائهم ويغير من نظرتهم نحو الحياة، ومن أفكارهم عن الأغراض والدوافع التي وراء هذا العالم المادي.
وقيام العقيدة بوجود الله على أساس علمي يقتضي ان يكون الإنسان قد وصل إلى فكرة وجود الله على أساس الطريقة العلمية التي تعتمد على الملاحظة وفرض الفروض واختبارها حتى يصل الانسان إلى النتيجة التي يطمئن اليها. ولكنه لا يقوم على هذه الطريقة قياما مباشرا، لان الله كما نعرفه ليس مادة أو طاقة، كما انه ليس محدودا حتى نستطيع ان نخضعه لحكم التجربة والعقل المحدود. بل على نقيض ذلك نجد التصديق بوجود الله يقوم على أساس الإيمان، ولو أنه ايمان يستمد تأييدا علميا من الدلائل غير المباشرة التي تشير إلى وجود (سبب أول) ، والى (دافع مستمر منذ القدم) .
وليس الايمان بالشيء الغريب عن الانسان في اي ميدان من ميادين المعرفة البشرية. ولابد من ممارسة الايمان وبخاصة بالنسبة للمشتغلين بالعلوم الطبيعية، فالحياة لا تتسع، والظروف لا تسمح لكي يقوم الانسان بنفسه باجراء كل تجربة لنفسه. ان الإنسان يقوم
стр. 133
عادة بإجراء عدد محدود من التجارب البسيطة التي تكفي لكي تهيئ له قدرا مناسبا من الفهم والاحاطة بالظواهر الأساسية على ان يسلم تسليما بما قام به رجال العلوم الذين سبقوه من أعمال وما وصلوا اليه من نتائج، ومعنى ذلك انا نكتسب معلوماتنا من التاريخ المكتوب للتجارب السابقة، فمن ذلك مثلا ان عدد من قاموا بتحديد سرعة الضوء يعد قليلا جدا، ومع ذلك فان كل الناس يسلمون بسرعته المعروفة، ولا يساورهم شك في أمرها، وبمثل ذلك يسلم العلماء بصحة بعض الفروض المقبولة والتي ليس هنالك سبيل إلى إدراكها إدراكا حسيا، فليس هنالك من يستطيع ان يدعي انه رأى البروتون أو الإلكترون، ولكن الناس يلمسون آثارها. وكذلك الحال فيما يتصل بتركيب الذرة، وبالصورة التي رسمها لها بور Bohr، وهي صورة مبسطة تعيننا على ادراك سلوك الذرى وخواصها، وكذلك الحال فيما يتعلق بتركيب الأجرام السماوية البعيدة وما يفصلها من مسافات شاسعة مما لا نستطيع ان نخضعه لتجاربنا، أو نقيم الأدلة المباشرة على صحة نظرياتنا وفروضنا حوله. فمن الواضح اذن ان كثيرا من المعلومات التي يحتاج اليها الانسان في حياته ويسلم بصحتها، لابد ان يتقبلها ويؤمن بها إيمانا يقوم على التسليم بصحتها، وليس معنى ذلك انه ايمان اعمى، فهو ايمان يسمح بأن يوضع على محك الاختبار في شتى مواضعه فيزداد بذلك قوة وتدعيما.
ويستطيع الانسان ان يمارس مثل هذا الايمان فيما يتصل بفكرة وجود الله، فقد أنزل الله على بعض رسله في العصور السابقة كتبا مسجلة تنطق بالبينات وتؤكد فكرة وجود تعالى، وتوضح علاقة الانسان به. وتصف هذه الكتب حالات الانسان وحاجاته، وتوضح له الطريق الذي يمكن ان يسلكه لكي يطهر نفسه ويزكيها. وقد جاءت هذه الكتب في ظروف معروفة من الزمان والمكان بحيث يمكن التحقق منها تحققا تاريخياً وجغرافياً.
وهذه الكتب فريدة في نوعها في كثير من الوجوه، وهي تسمح للانسان بتدبيرها
стр. 134
وتمحصيها حتى يثق بصحة ما جاءت به في كثير من المواطن (١) . وقد تحقق كثير من نبوءتها بكل دقة بعد قرون عديدة، ولم يثبت خطؤها في اي أمر تاريخي أو جغرافي. حقيقة ان هنالك بعض المواطن التي لم يحط بها علمنا بعد، جعلت تلك الكتب تتعرض لبعض النقد الهدام، ولكنه نقد يتناسب مع عظم رسالتها وخطورتها. ولو أننا حللنا ذلك النقد، لا تضح لنا ان معظمه يرجع إلى نقص في معلوماتنا أو عجزنا عن الإحاطة ببعض الأمور والأسرار الكونية.
وكما ان الايمان بمعناه الواسع، يعتبر امرا ضروريا وجزءا طبيعيا بالنسبة لوجود الإنسان، فان الايمان بالله يعد كذلك لازما لاكتمال وجود الانسان وتمام فلسفته في الحياة، وبرغم ان بعض ميادين الخبرة الانسانية غير مادي، فانها ميادين حقيقية لا شك في امرها، ويترتب عليها نتائج هامة في حياة الانسان، وقد لمس مئات الآلاف من الرجال الأذكياء ذوي الشخصيات السليمة المتزنة نتائج الاتصال بالله والاخلاص في عبادته، لمسوا هذه النتائج في أنفسهم. وكان ايمانهم بالله سببا في قضاء حاجاتهم النفسية والانفعالية والروحية بطرق لا تستطيع ان تحيط بكنهها عقولهم، بل عقول البشر جميعا.
ويسلم كثير من الناس تسليما منطقيا بوجود الغاية أو الحكمة من وراء الظواهر الطبيعية. ولا شكل ان اعتقا وجود اله خالق لكل الاشياء يعطينا تفسيرا بسيطا سليما واضحا عن النشأة والابداع والغرض أو الحكمة، ويساعدنا على تفسير جميع ما يحدث من الظواهر، اما النظريات التي ترمي إلى تفسير الكون تفسيرا آليا فانها تعجز عن تفسير كيف بدأ الكون، ثم ترجع ما حدث من الظواهر التالية للنشأة الاولى إلى محض المصادفة،
стр. 135
فالمصادفة هنا فكرة يستعاض بها عن فكرة وجود الله بقصد إكمال الصورة والبعد بها عن التشويه. ولكن حتى بغض النظر عن الاعتبارات الدينية عامة، نجد ان فكرة وجود الله أقرب إلى العقل والمنطق من فكرة المصادفة ولا شك، بل ان ذلك النظام البديع الذي يسود هذا الكون يدل دلالة حتمية على وجود اله منظم وليس على وجود مصادفة عمياء تخبط خبط عشواء.
ولقد رفض كثير من المشتغلين بالعلوم فكرة ما وراء الطبيعة أو ما فوقها، ومع ذلك فان كثيرا ممن رفضوا هذه الفكرة يتحدثون في الوقت ذاته عن الظواهر الطبيعية التي لا يعلمون عن كنهها شيئا. ون مجرد تسمية هذه الظواهر طبيعية يدل على انها ظواهر متكررة، ولكن ذلك لا يعتبر شرحا لهذه الظواهر، وعلى ذلك فان تسليم الانسان في وقت من الأوقات بحدوث بعض الظواهر سواء اكانت طبيعية ام من وراء الطبيعية يعتبر نوعا من التسليم أو الايمان بها. وقد نستطيع في ضوء خبرتنا العلمية ان نتقدم بالسؤال التالي: هل تم اختراع جهاز الرادار نتيجة للمصادفة ام عن طريق التصميم والاختراع؟ ثم هل تم تكوين جهاز الرادار الموجود بجسم الوطواط والذي لا يحتاج من الحيوان إلى انتباه ولا يتطلب منه اصلاحا، والذي يستطيع ان يورثه لذريته عبر الأجيال – نقول هذا تم كل ذلك – عن طريق المصادفة ام عن طريق التصميم والابداع؟ ان الخبرة العلمية للانسان تقوم على التصميم وعلى ادراك الأسباب، وعلى ذلك فان المشتغل بالعلوم هو أول من يجب عليه التسليم منطقيا بوجود عقل مبدع لا حدود لعلمه أو قدرته – موجود في كل مكان، يحيط مخلوقاته برعايته، سواء في ذلك الكون المتسع أو كل ذرة أو جزيئة من جزيئات هذا الكون اللانهائية في تفاصيلها الدقيقة.
هنالك ظواهر اخرى عديدة غير التي أشرنا اليها، مما لا يمكن تفسيره أو ادراك معناه
стр. 136
الا اذا سلمنا بوجود الله، ومن ذلك مثلا هذا الفراغ اللانهائي، وما يسبح فيه من النجوم والكواكب التي لا يحصيها عد ولا حصر، ومن ذلك قابلية المادة للانقسام إلى جزيئات اساسية بالغة الصغر مهما كانت طبيعتها، ومن ذلك التشابه الذي نشاهده بين جميع الكائنات الحية التي نعرفها، مع اتصاف كل فرد، بل كل بنان، بل كل ورقة من أوراق الأشجار، وقطرة من قطرات الماء، بصفات خاصة تميزها عن غيرها. وهنالك ايضا تلك الهوة العميقة التي تفضل بين الانسان وسائر الكائنات الأرضية الاخرى، وتجعله ممتازا عليها بعقله ومهارته اليدوية.
لقد ذكرنا ان اعتقاد وجود الله لابد ان يقوم على الايمان، وبينا ان هذا الايمان ليس غريبا على الانسان، وان هنالك انواعا مختلفة من الايمان، ونود ان نؤكد هنا ان الايمان الذي نقصده هو الايمان البصير وليس الأعمى، اي الايمان الذي يقوم على العقل والتدبر. وقد آمن كثير من الناس بالله، فذاقوا حلاوة الايمان في أنفسهم وفي قلوبهم، بل في العالم المادي الذي تهتم العلوم بدراسته.
ان التطلع نحو المعرفة والتساؤل عن كيفية حدوث الاشياء ومسبباتها، يعتبران من الصفات الهامة التي تتصف بها العقول البشرية الموهوبة، فاذا آمن المشتغل بخالق هذا الكون فان دراسته العلمية مهما كان اتجاهها سوف تزيده ايمانا بالله.
стр. 137
الله والعلاج الطبي
كتبه: بول ارنست ادولف
طبيب وجراح
حاصل على درجة الماجستير والدكتوراه في الطب من جامعة بنسلفانيا – عضو الإرسالية الطبية الصين – أستاذ مساعد التشريح بجامعة سانت جولس – عضو جمعية الجراحين الأمريكية – مؤلف عدة كتب في رسالة الطب.
للاجابة عن السؤال الذي هو موضوع هذا الكتاب أحب ان اقول انني أؤمن بالله ايمانا راسخا لا ريب فيه، وليس ايماني به نتيجة خبرة روحية فحسب، ولكن اشتغالي بالطب قد دعم ذلك الايمان.
لقد درست – عندما كنت أتعلم الطب – احد المبادئ المادية الأساسية التي تفسر ما يحدث من تغيرات داخل أنسجة عندما يصيبها عطب أو تلف، تفسيرا مادياً صرفاً، كما فحصت قطاعات مجهرية لهذه الأنسجة، وتبينت ان الظروف المناسبة تعينها على ان تلتئم بسرعة وتتقدم نحو الشفاء. وعندما اشتغلت جراحا في احد المستشفيات بعد ذلك، كنت استخدم المبدأ السابق استخداما يتسم بالثقة فيه والاطمئنان اليه، ولم يكن علي الا ان أهيئ الظروف المادية والطبية المناسبة، ثم أدع الجرح يلتئم وكلي ثقة بالنتيجة المرتقبة. ولكنني لم ألبث غير قليل حتى اكتشف انني قد فاتني ان أضمن علاجي وأفكاري الطبية اهم العناصر وأبعدها أثرا في اتمام الشفاء الا وهو الاستعانة بالله.
وعندما كنت أعمل جراحا في احد المستشفيات، جاءتني ذات يوم جدة مريضة جاوزت السبعين تشكو من شدخ في عظام ردفها، وبعد ان وضعت فترة تحت العلاج أدركت من
стр. 138
فحص سلسلة الصور التي أخذت لها على فترات تحت الاشعة انها تتقدم بسرعة نحو الشفاء. ولم تمض ايام قليلة حتى تقدمت اليها مهنئا بما تم لها من شفاء نادر عجيب. عندئذ استطاعت السيدة ان تتحرك فوق المقعد ذي العجلات، ثم سارت وحدها متوكئة على عصاها، وقررنا ان تخرج تلك السيدة في مدى اربع وعشرين ساعة وتذهب إلى بيتها، فلم يعد بها حاجة إلى البقاء في المستشفى.
وكان صباح اليوم التالي هو الأحد، وقد عادتها ابنتها في زيارة الاحد المعتادة حيث اخبرتها انها تستطيع ان تأخذ والدتها في الصباح إلى المنزل لأنها تستطيع الان ان تسير متوكئة على عصاها.
ولم تذكر لي ابنتها شيئا مما جال في خاطرها، ولكنها انتحت بأمها جانبا وأخبرتها انها قد قررت بالاتفاق مع زوجها ان يأخذا الام إلى احد ملاجئ العجزة لأنهما لا يستطيعان ان يأخذاها إلى المنزل. ولم تكد تنقضي بضع ساعات على ذلك حتى استدعيت على عجل لاسعاف السيدة العجوز. ويا لهول ما رأيت. لقد كانت المرأة تحتضر، ولم تمض ساعات قليلة حتى أسلمت الروح. انها لم تمت من كسر من عظام ردفها، ولكنها ماتت من انكسار في قلبها. لقد حاولت دون جدوى ان اقدم لها اقصى مايمكن من وسائل الاسعاف، وضاعت كل الجهود سدى. لقد شفيت من مرضها بسهولة ولكن قلبها الكسير لم يمكن شفاؤه برغم ما كانت قد تناولته في أثناء العلاج من الفيتامينات والعقاقير المقوية، وما تهيأ لها من أسباب الراحة، ومن الاحتياجات التي كانت تتخذ لتعينها على المرض وتعجل لها الشفاء. لقد التأمت عظامها المكسورة التئاما تاما، ومع ذلك فانها ماتت. لماذا؟ ان اهم عامل في شفائها لم يكن الفيتامينات ولا العقاقير ولا التئام العظام، ولكنه كان الأمل. وعندما ضاع الأمل تعذر الشفاء.
стр. 139
وأثرت هذه الحادثة في نفسي تأثيرا عميقا، وقلت في نفسي: لو ان هذه السيدة وضعت أملها في الله ما ضيعها وما انهارت ولما حدث لها ما حدث. وبرغم انني كنت أؤمن بالله خالق كل شيء بحكم اشتغالي بالعلوم الطبية، فانني كنت أفضل بين معلوماتي الطبية والمادية وبين اعتقادي في وجود الله كما لو لم تكن هنالك صلة بين هذين الأمرين.
ولكن هل يوجد ما يدعو إلى هذا الانفصال بين هاتين الناحيتين؟ ها هي ذي السيدة العجوز التي تم لها الشفاء وسلامة الجسد فقدت روحها ونظرة التفاؤل إلى الحياة. لقد عقدت كل آمالها حول ابنتها الوحيدة، وعندما خلت بها ابنتها انهارت آمالها فواجهت الموت بدلا من أن تواجه الحياة. ولقد صدق عيسى عند ما قال: (كيف ينتفع الانسان بهذه الدنيا اذا ملكها كلها وفقد روحه) .
لقد أيقنت ان العلاج الحقيقي لابد ان يشمل الروح والجسم معا، وفي وقت واحد، وأدركت ان من واجبي ان اطبق معلوماتي الطبية والجراحية إلى جانب ايماني بالله وعلمي به، ولقد أقمت كلتا الناحيتين على أساس قويم. بهذه الطريقة وحدها استطعت ان اقدم لمرضاي العلاج الكامل الذي يحتاجون اليه. ولقد وجدت بعد تدبر عميق ان معلوماتي الطبية وعقيدتي في الله هم الأساس الذي ينبغي ان تقوم عليه الفلسفة الطبية الحديثة.
والواقع ان النتيجة التي وصلت اليها تتفق كل الاتفاق مع النظرية الطبية الحديثة عن أهمية العنصر السيكولوجي في العلاج الحديث، فقد دلت الاحصائيات الدقيقة على ان ٨٠% من المرضى بشتى انواع الأمراض في جميع المدن الأمريكية الكبرى ترجع أمراضهم إلى حد كبير إلى مسببات نفسيه، ونصف هذه النسبة من الاشخاص الذين ليس لديهم مرض عضوي في أية صورة من الصور. وليس معنى ذلك ان هذه الامراض مجرد أوهام خيالية، فهي أمراض حقيقية، وليست أسبابها خالية ولكنها موجودة فعلا ويمكن الوصول اليها عندما يستخدم الطبيب المعالج بصيرته بها.
стр. 140
فما هي الاسباب الرئيسية لما نسميه الأمراض العصبية؟ ان من الأسباب الرئيسية لهذه الأمراض الشعور بالأثم أو الخطيئة، والحقد والخوف والقلق والكبت والتردد والشك والغيرة والأثرة والسأم. ومما يؤسف له ان كثيرا من يشتغلون بالعلاج النفسي قد ينجحون في تقصي أسباب الاضطراب النفسي الذي يسبب المرض، ولكنهم يفشلون في معالجة هذه الاضطرابات لانهم لا يلجأون إلى بث الايمان بالله في نفوس هؤلاء المرضى.
ونحت فوق ذلك ان نتساءل عن هذه الاضطرابات الانفعالية والعوامل التي تسبب تلك الأمراض، انها هي ذاتها الاضطرابات التي جاءت الاديان لكي تعمل على تحريرنا منها. فلقد أدرك الله بقدرته وحكمته حاجاتنا النفسية ودبر لها العلاج الكامل. ولقد وصف الاخصائيون النفسيون القفل الذي يغلق باب الصحة، وأمدنا الله بالمفتاح الذي يفتح هذا الباب. ولا يمكن ان يقودنا التخبط الأعمى إلى فتح هذا القفل المقعد، بل انه لا يستطيع ان يمدنا بالمفتاح الذي يفتح باب الروح الانسانية، فالله وحده هو الذي يستطيع ان يهدينا طريق الصواب، ويقول الشاعر كوبر في هذا العنى:
الجحود الأعمى يوقعنا في الأخطاء
ويجعلنا نبصر آياته ولكننا نكفر بها
أستعن بالله على فهم الأمور
وسوف يوضح لك كل غامض عليك
فماذا يخبرنا الله – المستعان على فهم الأمور – عن هذه المفاتيح؟ ان ذلك يتلخص في أننا نركب الإثم والذنوب ونحتاج إلى عفو الله ومغفرته، حتى نعود إلى رحابه ونعفو عن غيرنا. ان المذنبين الذين ينالهم هذه الصفح تتجلى في نفوسهم روح الله فيذهب عنهم الخوف والقلق، ولا يكون هنالك سبيل إلى اصابتهم بالكبت والغيرة والأثرة. فعندما تحل محبته في القلوب، تفارقنا الشرور والآثام، ولا ينتابها السأم وتفيض بالآمال الحية التي تنبعث منها الحياة.
стр. 141
لقد وجدت في اثناء ممارستي للطب ان تسلحي بالنواحي الروحية إلى جانب المامي بالمادة العلمية يمكناني من معالجة جميع الامراض علاجا يتسم بالبركة الحقيقية، اما اذا أبعد الإنسان ربه عن هذه المحيط، فان محاولاته لا تكون الا نصف العلاج، بل قد لا تبلغ هذا القدر.
فمعظم القرح المعدية لا ترجع إلى ما يأكله الناس كما يقال، وانما إلى ما تأكل قلوبهم، ولابد لعلاج المريض بها من علاج قلبه وأحقاده اولا، وليكن لنا أسوة بالأنبياء الذين كانوا يصلون من أجل أعدائهم ويدعون لهم بالخير. فاذا تطهرت قلوبنا وصرنا مخلصين، فاننا نشق طريقنا نحو الشفاء، وبخاصة اذا كان العلاج الروحي مصحوبا بتناول المواد ضد الحامضية وغيرها من العقاقير التي تساعد على الشفاء من هذه القرح.
وهنالك كثير من الحالات النفسية التي يلعب الخوف والقلق دورا هاماً فيها، فاذا عولج الخوف والقلق على أساس تدعيم ايمان الانسان بالله، فان الصحة والشفاء يعودان إلى الانسان بصورة كأنها السحر في كثير من الحالات.
ولا يتسع المقام لذكر كثير من الحالات التي تم فيها الشفاء فورا بسبب الالتجاء إلى الله والثقة به، وقد وصفت كثيرا من هذه الحالات في احد الكتب التي ألفتها وهو: (الصحة تتدفق) ، وبينت في هذا الكتاب كيف كان الايمان بالله جزءا هاماً من العلاج النفسي والطبي، وكيف أدى إلى نتائج تدعو إلى العجب.
ان الجسم الانساني يصبح على أفضل ما يمكن عندما يكون على وفاق مع صانعه وخالقه، وبدون ذلك يصيبنا الاضطراب والمرض.
نعم هنالك اله. ولقد عرفته في مواطن كثيرة، وهو الذي يشفي العظام المكسورة والقلوب المحطمة (١) .
стр. 142
الزهر وطيور بالتيمور
كتبه: سيسل هامان
عالم بيولوجي
حاصل على درجة الدكتوراه من جامعة بوردو- أستاذ في جامعة كنتاكي وجامعة سانت لويز سابقا – أستاذ في كلية آسبوري – اخصائي في تقسيم الطفيليات الحيوانية..
أينما اتجهت ببصري في دنيا العلوم، رأيت الادلة على التصميم والابداع، على القانون والنظام، على وجود الخالق الأعلى
سر في طريق مشمس وتأمل بدائع تركيب الأزهار، واستمع إلى تغريد الطيور، وانظر إلى عجائب الاعشاش، فهل كان محض مصادفة ان تنتج الازهار ذلك الرحيق الحلو الذي يجتذب الحشرات فتلقح الازهار وتؤدي إلى زيادة المحصول في العام التالي؟ وهل هو محض مصادفة ان تهبط حبوب اللقاح الرقيقة على مبسم الزهرة فتنبت وتسير في القلم حتى تصل إلى المبيض فيتم التلقيح وتتكون البذور؟ فليس من المنطق ان نعتقد بان يد الله التي لا نراها هي التي رتبت ونظمت هذه الاشياء تبعا لقوانين ما زلنا في بداية الطريق نحو معرفتها والكشف عنها؟ وهل من الممكن ان يغرد الطير، لا لأن له أليفا فحسب، بل لان الله يجب تغريده ويعلم اننا نطرب بتغريده.
وكما ان هنالك ما لا يحصى من أغاريد الثناء التي تشدوها الطيور كل يوم، والتي لا تصل إلى آذاننا القاصرة الفانية، فان هنالك ما لا يحصى من نعم الله وأفضاله يسبغها على عباده، وهي تنتظر من الانسان ان يفتح عينيه لكي يراها.
стр. 143
وماذا عن عش طائر بالتيمور؟ من الذي علم هذا الطير ذلك الفن الرفيع؟ ولماذا تتشابه جميع الاعشاش التي تبنيها الطيور من هذا النوع؟ اذا قلت الغريزة، فان ذلك قد يعد مخرجا من السؤال ولكنه اجابة قاصرة. فما هي الغرائز؟ يقول البعض: انها السلوك الذي لا يتعلمه الحيوان. اليس من المنطق ان نرى قدرة الله تتجلى في هذه الكائنات التي خلقها فسواها تبعا لقوانين خاصة لا نكاد ندري عن كنهها شيئا؟
نعم انني اعتقد بوجود الله؟ وأعتقد انه هو القدير الذي خلق الكون وحفظه، وليس ذلك فحسب، بل هو الذي يرعى درة خلقة وهو الانسان.
ولا يرجع هذا الاعتقاد الراسخ الذي يمتلئ به قلبي إلى تأثير الثقافة الامريكية الدينية عليّ فحسب، ولكنه يرجع ايضا إلى مشاهداتي العلمية لعجائب الكون، كما يرجع إلى شعوري به وإحساسي بوجوده داخل نفسي.
وحيثما قلب الانسان وجهه وجد أسئلة لا يجد لها جوابا، وهو عند محاولته العثور على الجواب يفترض فروضا عديدة، ثم لا يلبث ان يهجر معظمها أو يعدله تعديلا شاملاً قبل ان يصل إلى الاجابة عن سؤاله. وما أكثر ما وصل اليه الانسان من اجابات عن أسئلة، وما أكثر ما سوف يصل اليه من هذه الاجابات كلما انقضت من سنة من السنين، ولكن زيادة المعرفة لم تصل بالانسان – بكل أسف – إلى زيادة معرفته بالله، بل على نقيض ذلك يظهر انه كلما أحس الانسان انه أحاط بسر من أسرار هذا الكون اضعف ذلك من شعوره بالحاجة إلى فكرة وجود الله، وكان الأجدر بالبشر ان يدركوا ان هذه المستكشفات ليست الا أدلة ناطقة على وجود إله مدبر أعلى وراء هذا الكون.
عندما نذهب إلى المعمل ونفحص قطرة من ماء المستنقع تحت المجهر لكي نشاهد سكانها، فاننا نرى احدى عجائب هذا الكون: فتلك الأميبا تتحرك في بطء وتتجه نحو كائن صغير فتحوطه بجسمها، فاذا به داخلها، واذا به يتم هضمه وتمثيله داخل جسمها
стр. 144
الرقيق، بل اننا نستطيع ان نرى فضلاته تخرج من جسم الأميبا قبل ان نرفع اعيننا من المهجر، فاذا ما لاحظنا هذا الحيوان فترة اطول، فاننا نشاهد كيف ينشطر جسمه شطرين، ثم ينمو كل من هذين الشطرين ليكون حيوانا جديدا كاملا. تلك خلية واحدة تقوم بجميع وظائف الحياة التي تحتاج الكائنات الكبيرة الاخرى في أدائها إلى آلاف الخلايا أو ملايينها. لاشك ان صناعة هذا الحيوان العجيب الذي بلغ من الصغر حد النهاية تحتاج إلى أكثر من المصادفة.
ولقد كشفت قوانين الكيمياء الحيوية من أسرار الحياة وظواهرها ما لم تكشفه القوانين في أي ميدان آخر من ميادين الدراسات العلمية. لقد كان الناس ينظرون إلى خفايا عمليات الهضم والامتصاص، ويستدلون بها على وجود التدبير المقدس. أما في الوقت الحاضر فقد أمكن شرح هذه العمليات ومعرفة التفاعلات الكيماوية التي تنطوي عليها والخميرة التي تقوم بكل تفاعل. ولكن هل يدل ذلك على انه لم يعد لله مكان في كونه؟ فمن اذن الذي دبر لهذه التفاعلات ان تسير؟ وان تسيطر عليها الأنزيمات تلك السيطرة الدقيقة المحكمة؟ ان نظرة واحدة إلى احدى الخرائط التي تبين التفاعلات الدائرية العديدة وما يدور بين كل منها والآخر من تفاعلات اخرى، كفيلة بان تقنع الانسان بان مثل هذه العلاقات لا يمكن ان تتم بمحض المصادفة، ولعل هذا الميدان يهيئ للانسان من العلم ما لا يهيئه اي ميدان آخر بان الله يسير هذا الكون تبعا لسنن رسمها ودبرها عندما خلق الحياة.
فاذا رفعنا أعيننا نحو السماء، فلا بد ان يستولي علينا العجب من كثرة ما نشاهده فيها من النجوم والكواكب السابحة فيها، والتي تتبع نظاما دقيقا لا تحيد عنه قيد أنملة مهما مرت بها الليالي وتعاقبت عليها الفصول والأعوام والقرون. انها تدور في أفلاكها بنظام يمكننا من التنبؤ بما يحدث من الكسوف والخسوف قبل وقوعه بقرون عديدة. فهل يظن احد بعد ذلك ان هذه الكواكب والنجوم قد لا تكون اكثر من تجمعات
стр. 145
عشوائية من المادة تتخبط على غير هدى في الفضاء؟ واذا لم يكن لها نظام ثابت ولم تكن تتبع قوانين معينة فهل كان من الممكن ان يثق الانسان بها ويهتدي بهديها في خضم البحار السبعة، وفي متاهات الطرق الجوية التي تتبعها الطائرات؟ قد لا يسلم بعض الناس بوجود الله سبحانه وبقدرته، ومع ذلك فانهم يسلمون بان هذه الأجرام السماوية تخضع لقوانين خاصة وتتبع نظاما معينا، وأنها ليست حرة تتخبط في السماء كيف تشاء.
الحق انه من قطرة الماء التي رأينا تحت المجهر إلى تلك النجوم التي شاهدناها خلال المنظار المكبر، لا يسع الانسان الا ان يمجد ذلك النظام الرائع وتلك الدقة البالغة والقوانين التي تعبر عن تماثل السلوك وتجانسه. ولولا ثقة الانسان في ان هنالك قوانين يمكن كشفها وتحديدها، لما أضاع الناس أعمارهم بحثا عنها. فبدون هذا الاعتقاد وتلك الثقة في نظام الكون يصير البحث عبثا ليس وراءه طائل. ولو انه كلما أجريت تجربة أعطيت نتيجة مخالفة لسابقتها بسبب توقفها على المصادفة أو عدم وجود قوانين مسيطرة، فاي تقدم كان من الممكن ان يحققه الانسان؟ لابد ان يكون وراء كل ذلك النظام خالق أعلى، فليس مما يقبله العقل ان يكون هنالك نظام أو قوانين دون ان يكون وراءها عقل أعلى ومنظم مبدع. وكلما وصل الانسان إلى قانون جديد فان هذا القانون ينادي قائلا: (ان الله هو خالق وليس الانسان الا مستكشفاً) .
ان وجود الله في حياتي اليومية حقيقة لا مراء فيها، حقيقة أقوى من الحقائق العلمية التي لا يتسرب اليها الشك، ومع ذلك فاننا بينما نستطيع ان نصف النجوم ونخطط مداراتها في السماء، أو نثبت الأميبا على شريحة من الزجاج ثم نصورها، نجد اننا لا نستطيع ان نحصل على مثل هذا الدليل المادي حول وجود الله. فالانسان لا يستطيع ان يدركه أو يعرفه حتى يتجه اليه اتجاها شخصيا، وتكون له خبرة به. فاذا رفض شخص ان ينظر خلال المجهر أو يتطلع إلى صورة الأميبا فانه يستطيع ان يجادل حول عدم وجودها فيطيل الجدال،