← Акыда

Акыда · id 9830

الله يتجلى في عصر العلم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (169 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ومجمل القول ان الطريقة العلمية تقوم على أساس انتظام الظواهر الطبيعية والقدرة على التنبؤ بها في ظل هذا الانتظام، ونستطيع ان نقول بكل دقة: ان هذا الانتظام في ظواهر الكون والقدرة على التنبؤ بها – وهما الأساسان اللذان تقوم عليهما الطريقة العلمية – هما في الوقت ذاته أساس الإيمان بفكرة وجود الله، إذ كيف يتسنى ان يكون هنالك كل هذا الانتظام، وأنى يتسنى لنا أن نتنبأ بهذه الظواهر ما لم يكن هنالك مبدع ومدبر وحافظ لهذا النظام العجيب؟ ولا تنبع فكرة الايمان بوجود الله اصلا من قدرة الإنسان على تقدير هذا النظام او التنبؤ بما يترتب عليه، ولكنها ترجع إلى أن الانسان نفسه قد خلق خليفة لله (١) . فاذا نبذ الانسان فكرة الايمان باله على صورته، وآمن بما تكشف عنه وتدل عليه الظواهر الطبيعية من أن الإنسان هو الذي خلق على صورة الله او خليفة له، فانه يسير في الطريق السليم نحو الايمان بجلال الله وقدسيته (٢) . ولا يزال الانسان في معهد العلم والمعرفة، وهو يدرك ان الكون بارضه وسماواته وما بينهما فسيح إلى أقصى الحدود، كما ان الوحدات الأساسية التي تتألف منها المادة والطاقة صغيرة متناهية في الصغر، وان مدى حياته ليس الا جزءا ضئيلا من الثانية بالنسبة لعمر هذا الكون المديد. وهو يكاد يلمس احيانا ان هناك صورا اخرى من المادة والطاقة والأبعاد وغير ذلك من العوالم التي يجهلها في الوقت الحاضر كل الجهل، وهو يدرك ايضا الحياة نفسها ادراكا غامضا لعدم قدرته على فهمها فهما علميا واضحا. ورغم جهل الانسان وقلة علمه، وفهمه المحدود لكل هذه الظواهر، فانه يشعر ان هنالك كثيرا من الامور التي ينتظر

стр. 37

ان يصل اليها ويميط عنها اللثام، وجميعها تقوم على اساس انتظام الطبيعة وقدرة الانسان على التنبؤ بظواهرها في ظل ما يكشف عنه الحجاب من سنن هذا الكون وأسراره التي ما هي في الواقع الا من تجليات الخالق في خلقه. ولما كان إيمان الانسان بالله كما تدل عليه الظواهر الطبيعية والسنن الكونية اليوم لا يزال محدودا للغاية (١) ، لذلك ينبغي ان يقوم ايمان الانسان بالله فوق ذلك وبالاضافة اليه على أساس روحاني وأساس روحاني وأساس من العقيدة والتسليم. فالايمان بالله مصدر لسعادة لا ينضب في حياة كثير من البشر (٢) . اما المشتغلون بالعلوم الذين يرجون الله فلديهم متعة كبرى يحصلون عليها كلما وصلوا إلى كشف جديد في ميدان من الميادين، اذ...ان كل كشف جديد يدعم ايمانهم بالله، ويزيد من ادراكهم وابصارهم لأيادي الله في هذا الكون (٣) .

стр. 38

الأدلة الطبيعية على وجود الله كتبها: بول كلارنس ابرسولد أستاذ الطبيعة الحيوية – حاصل على درجة الدكتوراه من جامعة كاليفورنيا، مدير قسم النظائر والطاقة الذرية في معامل أوك ريدج - عضو جمعية الأبحاث النووية والطبيعية النووية............ قال الفيلسوف الانجليزي فرانسس بيكون منذ أكثر من ثلاثة قرون إن قليل من الفلسفة يقرب الإنسان من الإلحاد أما التعمق في الفلسفة فيرده إلى الدين ولقد كان بيكون على صواب فيما ذهب إليه فلقد احتار الملايين من الباحثين والمفكرين منذ وجود الإنسان على سطح الأرض في كنه العبقرية والتدبر الذي يتجلى في الإنسان وفي هذا الوجود وتساءلوا عما عساه أن يكون وراء هذه الحياة وسوف تتكرر هذه الأسئلة ما بقي الإنسان على سطح الأرض وبسبب عمق هذه الأسئلة وروحانيتها البالغة فإننا سوف نحاول أن نمسها في تواضع دون أن ننتظر إجابة شافية عنها. هناك أمر واحد لا شك فيه، فبقدر ما بلغ الإنسان من معرفة وما لدية من ذكاء وقدرة على التفكير لم يشعر في وقت من الأوقات بأنه كامل في ذاته والناس على اختلاف أديانهم وأجناسهم وأوطانهم قد عرفوا منذ القدم وبصورة تكاد تكون عامة مبلغ قصور الإنسان على إدراك كنه هذا الكون المتسع، كما عجزوا عن إدراك سر الحياة وطبيعتها في هذا الوجود. وقد لمس الناس عامة - سواء بطريقة فلسفية عقلية أو روحانية - أن هناك قوة

стр. 39

فكرية هائلة ونظاماً في هذا الكون يفوق ما يمكن تفسيره على أساس المصادفة أو الحوادث العشوائية التي تظهر أحياناً بين الأشياء غير الحية التي تتحرك أو تسير على غير هدى. ولا شك أن اتجاه الإنسان وتطلعه إلى البحث عن عقل أكبر من عقله وتدبير أحكام من تدبيره وأوسع لكي يستعين به على تفسير هذا الكون يعد في ذاته دليلاً على وجود قوة أكبر وتدبير أعظم هي قوة الله وتدبيره. وقد لا يستطيع الإنسان أن يسلم بوجود الخالق تسليماً تاماً على أساس الأدلة العلمية والأدلة الروحية أي عندما ندمج معلوماتنا عن هذا الكون المتسع إلى أقصى حدود الاتساع المعقد إلى أقصى حدود التعقيد مع إحساسنا الداخلي والاستجابة إلى نداء العاطفة والروح الذي ينبعث من أعماق نفوسنا ولو ذهبنا نحصى الأسباب والدوافع الداخلية التي تدعو ملايين الأذكياء من البشر إلى الإيمان بالله لوجدناها متنوعة لا يحصيها حصر ولا عد ولكنها قوية في دلالتها على وجوده تعالى مؤدية إلى الإيمان به. ولقد كنت عند بدء دراستي للعلوم شديد للعلوم شديد الإعجاب بالتفكير الإنساني وبقوة الأساليب العلمية إلى درجة جعلتني أثق كل الثقة كل الثقة كل الثقة بقدرة العلوم على حل أية مشكلة في هذا الكون بل على معرفة منشأ الحياة والعقل وإدراك معنى كل شيء وعندما تزايد علمي ومعرفتي بالأشياء من الذرة إلى الأجرام السماوية ومن الميكروب الدقيق إلى الإنسان تبين لى أن هناك كثيراً من الأشياء التي لم تستطع العلوم حتى اليوم أن تجدلها تفسيراً أو تكشف عن أسرارها النقاب وتستطيع العلوم أن تمضى مظفرة في طريقها ملايين السنين ومع ذلك فسوف تبقى كثير من المشكلات حول تفاصيل الذرة والكون والعقل كما هي لا يصل الإنسان إلى حل لها أو الإحاطة بأسرارها وقد أدرك رجال العلوم أن وسائلهم وإن كانت

стр. 40

تستطيع أن تبين لنا بشيء من الدقة والتفصيل كيف تحدث الأشياء فإنها لا تزال عاجزة كل العجز عن أن تبين لنا لماذا تحدث الأشياء وإن العلم والعقل والإنسان وحدهما لن يستطيعا أن يفسر لنا لماذا تحدث الأشياء إن العلم والعقل الإنسان وحدهما لن يستطيعا أن يفسرا لنا لماذا وجدت الذرات والنجوم والكواكب والحياة والإنسان بما أوتى من قدرة رائعة وبرغم أن العلوم تستطيع أن تقدم لنا نظريات قيمة عن السديم ومولد المجرات والنجوم والذرات وغيرها من العوالم الأخرى فإنها لا تستطيع أن تبين لنا مصدر المادة والطاقة التي استخدمت في بناء هذا الكون أو اتخذ الكون صورته الحالية ونظامه الحالي والحق أن التفكير المستقيم والاستدلال السليم يفرضان على عقولنا فكرة وجود الله. ولكن هل لله وجود ذاتي كما يعتقد الكثيرون؟ أما وجهة نظر العلم، فإنني لا أستطيع أن أتصور الله تصوراً مادياً بحيث تستطيع أن تدركه الأبصار أو أن يحل في مكان دون الآخر أو يجلس على كرسي أو عرش إن الكتاب المقدس الانجيل عندما تصف لنا الإله وتتحدث عن ذاته وكنهه تستخدم كثيراً من الألفاظ الدنيوية التي نألف في وصف حياة الإنسان وتاريخه على الأرض ولكن الله تعالى كائن روحاني لطيف بل فوق ذلك إن كان وراء الروحانية من وراء في مرتبة الصعود ونحن لا نستطيع أن نصفه وصفاً روحانياً صرفاً فالإنسان رغم أنه يتكون من جسد وروح لا يستطيع أن يدرك هذه الصفات الروحانية أو يعبر عنها إلا في حدود خبرته ومع ذلك فإننا نستطيع أن نصل إلى أن الله تعالى يتصف بالعقل والحكمة والإرادة وعلى ذلك فإن لله وجوداً ذاتياً وهو الذي تتجلى قدرته في كل شيء وبرغم اننا نعجز عن إدراكه إدراكاً مادياً فهنالك ما لا يحصى من الأدلة المادية على وجوده تعالى وتدل أيادية في خلقه على أنه العليم الذي لا نهاية لعلمه الحكيم الذي لا حدود لحكمته القوى إلى أقصى حدود القوة ولما كان إدراك كنه الله من الأمور الغامضة علينا لا نستطيع أن ندرك لماذا وجد الإنسان أو لماذا وجد هذا

стр. 41

الكون الذي لا يعدو أن يكون الإنسان ذرة ضئيلة من ذراته التي لا يحصيها عقل أو وصف. إن الأمر الذي نستطيع أن نثق به كل الثقة، هو أن الإنسان وهذا الوجود من حوله لم ينشأ هكذا نشأة ذاتية من العدم المطلق بل إن لهما بداية ولا بد لكل بداية من مبدئ كما أننا نعرف أن النظام الرائع المعقد الذي يسود هذا الكون يخضع لقوانين لم يخلقها الإنسان وأن معجزة الحياة في حد ذاتها لها بداية كما أن وراءها توجيهاً وتدبيراً خارج دائرة الإنسان إنه بداية مقدسة وتوجيه مقدس وتدبير الهي محكم. ............

стр. 42

الكشوف العلمية تثبت وجود الله كتبها: جورج ايرل دافيز عالم الطبيعة – حاصل على درجة الدكتوراه من جامعة منيسوتا – ورئيس قسم البحوث الذرية بالبحرية الأمريكية بيروكلين – اخصائي في الاشعاع الشمسي والبصريات الهندسية والطبيعية. كلما تقدم ركب العلم وتضاءلت الخرافات القديمة ازداد تقدير الانسان لمزايا الدين والدراسات الدينية. وقد تعدد الاسباب التي تدفع بالانسان إلى اعادة النظر في أمور الدين، ولكننا نؤمن انها ترجع جميعا إلى رغبة البشر رغبة صادقة في الوصول إلى الحقيقة. وينبغي ان نفرق في هذا المقام بين معارضة الدين او الخروج عليه ويبين الالحاد، وان نعترف بان من يخرج على بعض الافكار التقليدية التي ينطوي عليها دين من الأديان، لكي يؤمن بوجود اله قوي كبير، لا يجوز ان نعده بسبب ذلك وحده ملحدا. فمثل هذا الشخص قد يكون غير معتنق لدين من الأديان، ولكنه يؤمن بالله، وقد يكون ايمانه هذا بالله تعالى قائما على أساس متين. وليس معنى ذلك أننا ننكر وجود الالحاد والملحدين بين المشتغلين بدراسة العلوم، الا ان الاعتقاد الشائع بأن الإلحاد منتشر بين رجال العلوم اكثر من انتشاره بين غيرهم، لا يقوم على صحته دليل، بل انه يتعارض مع ما نلاحظه فعلا من شيوع الإيمان بين جمهرة المشتغلين بالعلوم.

стр. 43

اما عن عقيدتي في وجود الله، فمن العبث ان انكر انها لم تتأثر بما تلقيته من تعاليم دينية في سنوات حياتي الأولى، اذ أنه لا سبيل إلى التخلص من الآثار التي تتركها هذه السنوات المبكرة من حياتنا في أنفسنا، ولكنني استطيع ان أؤكد انه بينما تتفق عقيدتي الدينية في الوقت الحاضر مع ما تعلمته في صباي عن وجود الله فان هذه العقيدة تقوم في الوقت الحاضر على أساس قوي يختلف كل الاختلاف عن الأساس الذي يقومن عليه الإيمان المستمد من سلطة الكنيسة ورجال الدين. ولقد اتيح لي بفضل اشتغالي بدراسة الطبيعة، ان ادرس التركيب المعقد إلى درجة لا يتصورها العقل لبعض مكونات هذا الكون الذي لا تقل فيه روعة التذبذبات الداخلية لأصغر ذراته وما دون ذراته عن النشاط المذهل لأكبر النجوم السابحة في أفلاكها، والذي يسير فيه كل شعاع من الضوء، وكل تفاعل كيماوي او طبيعي، وكل خاصية من خواص كل كائن حي وفق قوانين ثابتة لا تتبدل ولا تتغير. تلك هي الصورة التي تقدمها لنا العلوم والتي كلما تأملها الانسان، اكتشف من بالغ دقتها ورائع جمالها ما لم يكن قد اكتشفه من قبل. ومع تقدم الكشف العلمي، ظهرت أسئلة لا مفر منها، وهي أسئلة ليست مبتكرة وان كانت تبدو جديدة بسبب النظرة الحديثة إلى تكوين هذا الكون الذي يعتبر الإنسان جزءا منه لا يتجزأ. ومن هذه الاسئلة ذات القيمة الكبيرة بالنسبة لمسؤولياتنا ومصيرنا النهائي ذلك السؤال القديم: (هل يوجد اله علوي هو خالق هذا الكون) ؟ وهنالك سؤال آخر اكثر صعوبة من سابقة وهو السؤال الذي يردده كثير من الاطفال في موجة من موجات الألمعية المحافظة التي تطوف احيانا بمخيلاتهم وهو: (إذا كان لهذا الكون خالق، فمن الذي خلقه) ؟ ولا يمكننا ان نثبت وجود الله عن طريق الالتجاء إلى طرق المادية وحدها، إذ لم

стр. 44

يقل احد بان الله مادة حتى نستطيع ان نصل اليه بالطرق المادية. ولكننا نستطيع ان نتحقق من وجود الله باستخدام العقل والاستنباط ما نتعلمه ونراه، فالمنطق الذي نستطيع ان ناخذ به، والذي لا يمكن ان يتطرق اليه الشك، هو انه ليس هنالك شيء، مادي يستطيع ان يخلق نفسه. واذا سلمنا بقدرة الكون على خلق نفسه، فاننا بذلك نصف الكون بالألوهية. ومعنى ذلك ان نعترف بوجود إله، ولكننا نعتبره إلها ماديا وروحيا في نفس الوقت. وانا افضل ان أؤمن بإله غير مادي خالق لهذا الكون تظهر في آياته وتتجلى فيه أياديه، دون أن يكون هذا الكون كفواً له. وأحب ان أضيف إلى هذا الاستدلال، استدلالا آخر: وهو انه كلما ارتقى وتقدم تطور المخلوقات، كان ذلك أشد دلالة على وجود خالق مدبر وراء هذا الخلق. ان التطور الذي تكشف عنه العلوم في هذا الكون، هو ذاته شاهد على وجود الله. فمن جزئيات بسيطة ليس لها صورة معينة وليس بينها فراغ نشأت ملايين من الكواكب والنجوم والعوالم المختلفة لها صور معينة وأعمار محددة تخضع لقوانين ثابتة يعجز العقل البشري عن الاحاطة بمدى ابداعها. وقد تحملت كل ذرة من ذرات هذا الكون، بل كل ما دون الذرة مما لا يدركه حس ولا يتصور صغره عقل، قوانينها وسننها وما ينبغي لها أن تقوم به او تخضع له. هذه أدلة كافية، ولكن هنالك ما هو أشد إعجازا وأكثر دلالة على وجود الله. فمن تلك الجزئيات البسيطة لم تنشأ النجوم والكواكب فحسب، بل نشأت كذلك أنواع متطورة من الأحياء، بل كائنات تستطيع ان تفكر وتبتكر وتخلق اشياء جميلة، بل هي تبحث عن أسرار الحياة والوجود. ان كل ذرة من ذرات هذا الكون تشهد بوجود الله، وإنها تدل على وجوده حتى دون حاجة إلى الاستدلال بان الاشياء المادية تعجز عن خلق نفسها.

стр. 45

الماء يروي لك القصة كتبه: توماس دافيدباركس أستاذ الكيمياء – حاصل على درجة الدكتوراه من جامعة الينوي – رئيس قسم الكيمياء بمعهد بحوث ستانفورد سابقا – مدير البحوث بشركة كلوروكس الكيماوية – أخصائي في النظريات الكهربية والأشعة السينية. يروي لنا ويتاكر تشيمبرز في كتابه (الدليل) حادثة بسيطة لعلها كانت السبب في تحويل مجرى حياته، بل كثير من البشر. لقد كان يتطلع إلى ابنته الصغيرة ثم التفت دون شعور إلى شكل أذنيها، وذكر بنيه وبين نفسه انه من المحال ان تكون تلك التلافيف الدقيقة التي تشتمل عليها الأذن قد نشأت عن طريق المصادفة. انها لا يمكن ان تكون قد نشأت الا عن خبرة بالغة وتصميم وتدبير. ولكنه ابعد هذه الفكرة عن عقله المارق عن الدين؛ فقد خشي ان يؤدي به هذا النوع من التفكر إلى النتيجة المنطقية، وهي أن التصميم يحتاج إلى مصمم او مبدع او اله، انه لم يكن مستعدا حتى ذلك الوقت لقبول هذه الفكرة. ولقد عرفت كثيرا من أساتذتي المشتغلين بدراسة العلوم ومن زملائي الذين طافت بعقولهم مثل هذه الخواطر والأفكار حول مشاهداتهم في الكيمياء والطبيعة، ولو انهم لم يعبروا عنها بتلك الصورة من اليأس العميق التي وجدها تشيمبرز في قرارة نفسه. انني أقرا النظام والتصميم في كل ما يحيط بي من العالم غير العضوي ولا استطيع ان

стр. 46

أسلم بان يكون كل ذلك قد تم بمحض المصادفة العمياء التي جعلت ذرات هذا الكون تتألف بهذه الصورة العجيبة. ان هذا التصميم يحتاج إلى مبدع، ونحن نطلق على هذا المبدع اسم الله. وبالنسبة إلى الكيميائي يعتبر الترتيب الدوري للعناصر من الأمور التي تثير عجبه ودهشته. وأول ما يتعلمه الطالب عند بدء التحاقه بالجامعة، هو أن العناصر يمكن ترتيبها ترتيبا دوريا معينا، ولهذا الترتيب طرق مختلفة، ولكننا نكتفي هنا بتقسيم (مانداليف) ، وهو العالم الروسي الذي ظهر في القرن الماضي. ولا تقتصر فائدة هذا التنظيم الدوري للعناصر على ما يقدمه من عون وتسهيل في دراسة العناصر المعروفة ومركباتها، ولكنه يدفع العلماء إلى البحث عن العناصر التي لم يتم استكشافها بعد، والتي ساعد هذا التنظيم على التنبؤ بها، وتركت أماكنها في الجدول الدوري للعناصر خالية تنتظر الكشف عنها. ولا يزال الكيميائيون حتى اليوم، يستخدمون الجدول الدوري للعناصر ليساعدهم في دراسة التفاعلات الكيماوية والتنبؤ بخواص العناصر والمركبات، ولا شك ان نجاحهم في هذا السبيل يعد دليلا على ما يسود العالم غير العضوي من نظام بديع. ولكن هذا النظام الذي نشاهده في العالم من حولنا ليس مظهرا من مظاهر القدرة على كل شيء فحسب، بل انه يتصف فوق ذلك بالحكمة والاتجاه نحو تحقيق صالح الانسان، مما يدل على ان اهتمام الخالق بنفع عباده (١) لا يقل عن اهتمامه بالسنن والقوانين التي تنظم هذا الوجود. انظر من حولك إلى الحكمة البالغة التي ينطوي عليها خروج بعض الظواهر عن العادة أو المألوف. فالماء مثلا، يتوقع الانسان من وزنه الجزيئي (١٨) ان يكون غازيا تحت درجة الحرارة المعتادة والنمط المعتاد، فالنوشادر مثلا ووزنها الجزيئي (١٧) تكون غازية عند درجة حرارة ناقص ٧٣ وتحت الضغط الجوي المعتاد، وكبريتور الأيدروجين الذي

стр. 47

يعتبر قريبا في خواصه من الماء بحكم وضعه في الجدول الدوري وله وزن جزيئي قدرة ٣٤، يكون غازيا عند درجة حرارة ناقص ٥٩. ولذلك فان وجود الماء على الحالة السائلة في درجة الحرارة المعتادة يجعل الانسان يقف ويفكر. وللماء فوق ذلك كثير من الخواص الاخرى ذات الاهمية البالغة والتي اذا نظر الانسان اليها في مجموعها وجدها تدل على التصميم والتدبير، فالماء يغطي نحو ثلاثة أرباع سطح الارض، وهو بذلك يؤثر تأثيرا بالغا على الجو السائد ودرجة الحرارة. ولو تجرد الماء من بعض خواصه لظهرت على سطح الارض تغيرات في درجة الحرارة تؤدي إلى حدوث الكوارث. وللماء درجة ذوبان مرتفعة، وهو يبقى سائلا فترة طويلة من الزمن، وله حرارة تصعيد بالغة الارتفاع. وهو بذلك يساعد على بقاء درجة الحرارة فوق سطح الارض عند معدل ثابت ويصونها من التقلبات العنيفة، ولولا كل ذلك لتضاءلت صلاحية الارض للحياة إلى حد كبير، ولقلت متعة النشاط الانساني على سطح الارض بدرجة عظيمة. وللماء خواص اخرى فريدة في نوعها، وتدل كلها على ان مبدع هذا الكون قد رسمه وصممه بما يحقق صالح مخلوقاته. فالماء هو المادة الوحيدة المعروفة التي تقل كثافتها عندما تتجمد. ولهذه الخاصية اهميتها الكبيرة بالنسبة للحياة، اذ بسببها يطفو الجليد على سطح الماء عندما يشتد البرد، بدلا من ان يغوص إلى قاع المحيطات والبحيرات والأنهار ويكون تدريجيا كتلة صلبة لا سبيل إلى اخراجها وإذابتها. ويكون الجليد الذي يطفو على سطح البحر طبقة عازلة تحفظ الماء الذي تحتها في درجة حرارة فوق درجة التجمد، وبذلك تبقى الأسماك وغيرها من الحيوانات المائية حية. وعندما يأتي الربيع يذوب الجليد بسرعة. ويمكننا ان نشير إلى كثير من خواص الماء الطريفة الاخرى: فله مثلا توتر سطحي مرتفع يساعد على نمو النبات بما ينقله اليه من المواد الغذائية التي بالتربة، والماء اكثر السوائل المعروفة اذابة لغيره من الأجسام، وهو بذلك يلعب دورا كبيرا في العمليات الحيوية داخل

стр. 48

أجسامنا بوصفه مركبا أساسيا من مركبات الدم، وللماء ضغط بخار مرتفع على مدى واسع من درجات الحرارة، ومع ذلك فانه يبقى سائلا على طول هذا المدى المتسع اللازم للحياة. وقد درس كثير من العلماء هذه الخواص العجيبة للماء، ووضعوا النظريات لتعليل ظواهره المختلفة. وبرغم ما نبذله من جهود لمعرفة كيف تحدث هذه الظواهر، علينا ان نتساءل ايضا لماذا تحدث هذه الظواهر؟ وليس الماء هو المادة العجيبة الوحيدة. فهنالك ما لا يحصى من المواد ذات الخواص المذهلة التي لا تستطيع عقولنا او ادراكنا المتواضع، إلا ان تقف مشدوهة أمامها. وأنني أدجاحاحديني ني مبم بمبمن بنبمل أجد شخصيا ان تفسير هذه الظواهر والعجائب بنسبتها إلى قدرة إله حكيم خبير وتصميم خالق علوي، يعد تفسيرا مرضيا للنفوس ومقنعا للعقول. انني أرى في كل ظاهرة من هذه الظواهر اكثر من مجرد الخلق والتدبير المجرد عن العاطفة، إنني ألمس فوق ذلك كله محبة الخالق لخلقه واهتمامه بأمورهم.

стр. 49

الله والكون المعقد كتبها: جون وليام كلوتس عالم في الوراثة – حاصل على درجة الدكتوراه من جامعة بيتسبرج – أستاذ علم الأحياء والفسيولوجيا بكلية المعلمين بكونكورديا منذ سنة ١٩٤٥ – عضو جمعية الدراسات الوراثية – متخصص في الوراثة وعلم البيئة. عندما حاولت ان اكتب في هذا الموضوع جالت بخاطري حكمتان قديمتان من الحكم المقدسة، وهما: (السماوات تشهد بجلال الله، وإحكامها يدل على بديع صنعته) . (يقول الأحمق في نفسه: ليس هناك إله) . ان هذا العالم الذي نعيش فيه، قد بلغ من الاتقان والتعقيد درجة تجعل من المحال ان يكون قد نشأ بمحض المصادفة. انه مليء بالروائع والأمور المعقدة التي تحتاج إلى مدبر، والتي لا يمكن نسبتها إلى قدر أعمى. ولا شك ان العلوم قد ساعدتنا على زيادة فهم وتقدير ظواهر هذا الكون المعقدة. وهي بذلك تزيد من معرفتنا بالله ومن ايماننا بوجوده. ومن التعقيدات الطريفة في هذا الكون، ما نشاهده من العلاقات التوافقية الاضطرارية بين الأشياء احيانا. ومن أمثلتها العلاقة الموجودة بين فراشة اليوكا وثبات اليوكا وهو احد النباتات الزنبقية. فزهرة اليوكا تتدلى إلى أسفل ويكون الجزيء من الزهور الذي يتلقى حبوب اللقاح،

стр. 50

فانه يكون على شكل الكأس وهو موضوع بطريقة يستحيل معها ان تسقط فيه حبوب اللقاح. ولا بد ان تنتقل هذه الحبوب بوساطة فراشة اليوكا التي تبدأ عملها بعد مغيب الشمس بقليل، فتجمع كمية من حبوب اللقاح من متك الأزهار التي تزورها وتحفظها في فمها الذي بني بطريقة خاصة لأداء هذا العمل. ثم تطير الفراشة إلى نبات آخر من نفس النوع وتثقب مبيضها بجهاز خاص في مؤخر جسمها، ينتهي بطرف مدبب يشبه الإبرة وينزل منه البيض. وتضع الفراشة بيضة او اكثر ثم تزحف إلى أسفل الزهرة حتى تصل إلى القلم، وهنالك تترك ما جمعته من حبوب اللقاح على صورة كرة فوق ميسم الزهرة. وينتج النبات عددا كبيرا من الحبوب يستخدم بعضها طعاما ليرقة الفراشة وينضح بعضها لكي يواصل دورة الحياة. وهنالك علاقة مشابهة بين نبات التين ومجموعة من الزنابير الصغيرة. وينتج هذا النبات نوعين من مجموعات الأزهار يحتوي احدهما على الأزهار المذكرة والمؤنثة معا. اما الآخر فجميع ازهاره مؤنثة. ويقوم بتلقيح الأزهار المؤنثة في كلا النوعين السابقين اناث الزنابير. وتكون فتحة التخت الذي يحمل مجموعات الازهار في كلا النوعين ضيقة إلى حد كبير بسبب احاطتها بكثير من الأوراق الحرشفية، مما يجعل وصول الحشرة إلى الداخل يتم بصعوبة كبيرة ويؤدي إلى تمزق أجنحتها. وعندما تدخل الحشرة إلى المجموعة التي تشتمل على الازهار الذكرية والأنثوية، تضع الحشرة الانثى بيضها ثم تموت، ثم ينقف البيض وتتزاوج الشفافير الصغيرة الناتجة، ولا يستطيع ان يخرج منها سوى الاناث، أما الذكور فتموت، وقبل ان تخرج الاناث تلتصق هبوات اللقح بأجسامها فتحملها إلى مجموعات جديدة من الأزهار. فاذا كانت المجموعة الجديدة تشتمل على أزهار ذكور وأخرى اناث، فان العملية تتكرر بالصورة السابقة، اما اذا اشتملت المجموعة على أزهار اناث فقط، فان

стр. 51

الفراشة تموت دون ان تضع البيض. ففي هذه الحالة تكون الأزهار الإناث على درجة من الطول بحيث لا تستطيع ان تصل الحشرة إلى قاعدتها لكي تضع البيض هنالك، وعندما تحاول الحشرة ان تصل إلى هذه القاعدة العميقة دون جدوى تلقح الأزهار بما تحمله من هبوات اللقح، ثم تنضح الأزهار وتكون ثمار التين. وعندما ادخل التين إلى الولايات المتحدة لأول مرة لم يكن ينتج ثمارا، ولم يمكن انتاج الثمار وقيام صناعة التين الا بعد ان جلبت الشفافير إلى الولايات المتحدة. وهنالك كثير من الازهار التي تسجن الحشرات داخلها، ومن أمثلتها الزهرة المسماة (جاك في المقصورة) jack – in – the – pulpit ولهذا النبات نوعان من المجموعات الزهرية، ذكور وإناث. وهي تتكون داخل مقصورات تضيق عند منتصفها. ويتم التلقيح بوساطة ذبابة دقيقة تدخال إلى المقصورة ولا تكاد تجتاز المنطقة الضيقة الوسطى حتى تجد نفسها سجينة، ليس بسبب الضيق فحسب، بل بسبب تغطية الجدران الداخلية بمادة شمعية منزلقة يتعذر معها على الحشرة ان تثبت اقدامها، وعندئذ تدور الحشرة بصورة جنونية داخل المكان، فتعلق هبوات اللقح بجسمها. وبعد قليل تتصلب جوانب المقصورة بعض الشيء فتستطيع الحشرة الخروج بعد ان يكون جسمها قد تغطى بهبوات اللقح. فاذا زارت الحشرة مقصورة مذكرة اخرى تكررت العملية السابقة، أما اذا دخلت مقصورة انثى فانها تسجن في داخلها سجنا دائما حتى تموت هي، وعند محاولتها اليائسة للخروج، تقوم بتلقيحها الأزهار الأنثى. ان النبات في هذه الحالة لا يهتم بخروج الحشرة لانها تكون قد أدت رسالتها، اما عند زيارتها للمقصورات المذكرة، فانه يسمح لها بالخروج لانها لا تكون قد أدت رسالتها بعد. أفلا تدل كل هذه الشواهد على وجود الله؟ انه من الصعب على عقولنا ان تتصور

стр. 52

ان كل هذا التوافق العجيب قد تم بمحض المصادفة، انه لا بد ان يكون نتيجة توجيه محكم احتاج إلى قدرة وتدبير. ونستطيع ان نلمح ادلة أخرى على وجود الله وقدرته في تلك الحالات العديدة التي حاول الانسان فيها ان يتدخل في توازن الطبيعة او يعمل على تعديله. فمثلا عندما نزل المهاجرون الأولون أستراليا، لم يكن هنالك من الثدييات المشيمية الا الدنجو، وهو كلب بري. ولما كان هؤلاء المهاجرون قد نزحوا من أوربا، فقد تذكروا ما كان يهيئه لهم صيد الارانب من فرصة طيبة لممارسة الصيد والرياضة. وفي محاولة لتحسين الطبيعة في أستراليا استورد توماس اوستين نحو اثني عشر زوجا من الأرانب وأطلقها هنالك، وكان ذلك في نسة ١٨٥٩. ولم يكن لهذه الأرانب اعداء طبيعيون في أستراليا ولذلك فقد تكاثرت بصورة مذهلة، وزاد عددها زيادة كبيرة فوق ما كان ينتظر، وكانت النتيجة سيئة للغاية. فقد احدثت الأرانب اضرارا بالغة بتلك البلاد حيث قضت على الحشائش والمراعي التي ترعاها الأغنام. وقد بذلت محاولات عديدة للسيطرة على الأرانب، وبنيت أسوار عبر القارة في كوينزلاند بلغ امتدادها ٧٠٠٠ ميل، ومع ذلك تثبت عدم فائدتها. فقد استطاعت الأرانب ان تتخطاها. ثم استخدم نوع من الطعم السام، ولكن هذه المحاولة باءت هي الأخرى بالفشل. ولم يمكن الوصول إلى حل الا في السنوات الأخيرة، وكان ذلك باستخدام فيروس خاص يسبب مرضا قتالا لهذه الأرانب هو مرض الحرض المخاطي. وقد لا يكون هذا هو الحل الاخير، فقد اخذنا نسمع أخيرا عن ظهور ارانب حصينة لديها مقاومة كبيرة لهذا المرض في أستراليا. ومع ذلك فقد أدى انخفاض عدد الأرانب هنالك إلى منافع جمة، وتحولت مناطق البراري القاحلة والجبال المقفرة التي بقيت مجدبة عشرات السنين إلى مروج خضر يانعة. وقد ترتب على ذلك زيادة في الايراد من صناعة الأغنام وحدها قدرت في سنة ١٩٥٢ – سنة ١٩٥٣ بما يبلغ ٨٤ مليون جنية.

стр. 53

ومن الممكن ان يكون لدينا أرانب مشابهة في الولايات المتحدة الاميركية، فالأرانب الاوروبية تختلف في نوعها عن الأرانب التي كانت تستوطن أمريكا، والتي لا تعرف الان الا في جزيرة سان جوان حيث تعيش في عزلة تامة منذ سنة ١٩٠٠. وقد حاول اصحاب بعض نوادي الصيد – بحسن نية طبعاً – ان يعمموا نوع الأرانب المسمى سان جوان في الولايات المتحدة كلها بسبب صعوبة استيراد النوع المسمى ذيل القطن (cottontail) وانتقاله من ولاية إلى اخرى كما كانت الحال من قبل. وكان من الممكن ان تصبح النتيجة خطيرة للغاية لان أرانب السان جوان تتكاثر في الولايات المتحدة بنفس السرعة التي تتكاثر بها الأرانب في أستراليا. ومن الاحتياطات الحديثة التي اتخذت لتلافي ذلك الخطر رفع الحظر عن صيد هذا النوع من الأرانب على مدار السنة. ومن الطريف ان استخدام فيروس الارانب في أوربا قد أحدث اثره هنالك. فقد أحضر طبيب فرنسي من المهتمين بالموضوع – بسبب ما أحدثته الأرانب من الأضرار للأشجار في حديقته – بعض هذا الفيروس وحقن به بعض الأرانب البرية التي اصطادها، ثم أطلقها بعد ذلك. وقد ترتب على ذلك انخفاض عدد الارانب في فرنسا، بل الاقاليم الاوروبية المجاورة ايضا. ويتجادل الناس حول هذا الموضوع فتختلف وجهات نظرهم. فمنهم من يرى ان العمل قد ادى إلى خفض كمية اللحوم التي كانت تعيش عليها الطبقات الفقيرة. ومنهم من يرى أن هذا العجز يعوضه تحسين الانتاج النباتي بعد انخفاض عدد الأرانب. لقد تحدثنا فيما قبل عن الأدلة على وجود الله. اما الأمثلة الأخيرة التي ذكرناها فانها تشهد بحكمته وتدبيره. فالتوازن الذي خلقه الله في سائر مظاهر الطبيعة يعتر من النوع الدقيق. وقد تؤدي اية محاولة للتدخل فيه إلى أضرار باللغة، ولذلك ينبغي ان يتريث الناس قبل ان يقدموا على أية محاولة لتعديل موازين الطبيعة، فذكاء الانسان أقل من ان يحيط بحكمة الخالق.

стр. 54

المادية وحدها لا تكفي كتبها: ايرفنغ وليام نوبلوتشي أستاذ العلوم الطبيعية – حاصل على درجة الدكتوراه من جامعة أيووا – أخصائي الحياة البرية في الولايات المتحدة – أستاذ العلوم الطبيعية في جامعة ميشيغان منذ سنة ١٩٤٥ – أخصائي في وراثة النباتات ودراسة شكلها الظاهري. يميل بعض المشتغلين بالعلوم – في ظل ثقتهم الكبيرة بإمكانياتها – إلى الاعتقاد بان العلوم قادرة على حل جميع المشكلات. فالحياة من وجهة نظرهم ليست الا مجموعة من القوانين الطبيعية والكيماوية التي تعمل في مجال معين وقد أخذ هؤلاء يفسرون الظواهر الحيوية المختلفة الواحدة تلو الأخرى تفسيرات تقوم على إدراك السبب والنتيجة والوجود من وجهة نظرهم لا يستهدف غاية، وسوف ينتهي الأمر بعالمنا إلى الزوال عندما ينضب معين الطاقة الشمسية وتصير جميع الأجسام هامدة باردة، تبعا لقوانين الديناميكية الحرارية. ويلخص بيرتراندراسل هذه النظرة المادية المتطرفة فيقول: (ليس وراء نشأة الانسان غاية او تدبير، ان نشأته وحياته وآماله ومخاوفه وعواطفه وعقائده، ليست الا نتيجة لاجتماع ذرات جسمه عن طريق المصادفة. ولا تستطيع حماسته او بطولته او فكره او شعوره ان تحول بينه وبين الموت. وجميع ما قام به الانسان عبر الأجيال من أعمال فذة وما اتصف به من ذكاء واخلاص مصيره الفناء المرتبط بنهاية المجموعة الشمسية. ولابد ان يدفن

стр. 55

جميع ما حققه الانسان من نصر وما بناه من صروح المدنية تحت أنقاض هذا الكون. ان هذه الامور جميعا حقائق لا تقوى فلسفة من الفلسفات على انكارها) . ولكن العلماء ليسوا جميعا ممن يعتقدون في قدرة العلوم على كل شيء حتى تستطيع ان تجد تفسيرا لكل شيء، فالعلوم لا تستطيع ان تحلل الحق والجمال والسعادة، كما انها عاجزة عن ان تجد تفسيرا لظاهرة الحياة او وسيلة لإدراك غايتها، بل ان العلوم أشد عجزا عن أن تثبت عدم وجوده. ان العلوم مهتمة بتحسين نظرياتها، وهي تحاول ان تكشف عن كنه الحقيقة، ولكنها كلما اقتربت من هذين الهدفين زاد بعدها عنهما. ان فكرتنا عن هذا الكون قائمة على أساس حواسنا القاصرة وعلى استخدام ما لدينا من الأدوات غير الدقيقة نسبيا. ويقول العالم الطبيعي والكاتب اللامع (أوليفر وندل) في هذه المناسبة: (كلما تقدمت العلوم ضاقت بينها وبين الدين شقة الخلاف، فالفهم الحقيقي للعلوم يدعو إلى زيادة الايمان بالله) . ان العلوم لا تستطيع ان تفسر لنا كيف نشأت تلك الدقائق الصغيرة المتناهية في صغرها والتي لا يحصيها عد، وهي التي تتكون منها جميع المواد، كما لا تستطيع العلوم ان تفسر لنا بالاعتماد على فكرة المصادفة وحدها كيف تتجمع هذه الدقائق الصغيرة لكي تكون الحياة. ولاشك ان النظرية التي تدعي ان جميع صور الحياة الراقية قد وصلت إلى حالتها الراهنة من الرقي بسبب حدوث بعض الطفرات العشوائية والتجمعات والهجائن، نقول ان هذه النظرية لا يمكن الأخذ بها الا عن طريق التسليم، فهي لا تقوم على أساس المنطق والاقناع. حقيقة ان العلوم تقوم على اساس الايمان بالحواس والوسائل، وليس على اساس الايمان بالسلطة والاحتمالات او المصادفة. وعلى ذلك فاننا نستطيع ان نقول بان العلوم والدين يقومان على اساس مشترك هو الايمان. والفرق بينهما هو ان العلوم تستطيع داخل دائرتها

стр. 56

الخاصة ان تختبر قوانينها بالملاحظة والتجربة والمراجعة، فهي بذلك تحاول ان تتلافى كثيرا من الأخطاء التي قد تقع فيها. والايمان بالدين تدعمه الاكتشافات العلمية. وقد أيدت العلوم فعلا كثيرا من النبوءات التي جاءت بها الكتب المقدسة. ولاشك ان العلوم سوف تكشف في المستقبل عن صحة كثير من الامور الاخرى التي وردت في تلك الكتب والتي لم يصل اليها (١) علمنا بعد. فعلم الفلك مثلا يشير إلى ان لهذا الكون بداية قديمة، وان الكون يسير إلى نهاية محتومة، وليس مما يتفق مع العلم ان نعتقد ان هذا الكون أزلي ليس له بداية او أبدي ليس له نهاية، فهو قائم على أساس التغير. وفي هذا الرأي يلتقي الدين بالعلم. والعلوم بحكم طبيعتها المادية اعجز من أن تبحث عن الله بطرقها المادية او ان تدرك كنه ذاته تعالى، ولكن ملاحظة عجائب هذا الكون قد دعت كثيرا من علماء الفلك الأمناء إلى الاعتقاد بانه لابد ان يكون لهذا الكون باتساعه الفسيح ونظامه المعجز، مدبر لا نراه، ولا نستطيع ان ندرك كنهه. وقد قال تشادوالش: (ان ما يطالب إلى اي انسان، سواء أكان مؤمنا ام ملحدا، هو ان يبين لنا كيف نستطيع المصادفة ان تخلق هذا الكون) . ولا شك ان هذه طريقة من طرق التحدي الذي يقصد به الاستدلال على وجود الله. اما توماس ميللر فيتبع أسلوبا آخر أكثر عمقا من ذلك، حين يقول: (ان ما يستطيع ان يدركه العقل البشري الفاني عن الله، لابد ان يكون نتيجة خبرة ومعرفة بالله. والخبرة لا بد ان تأتي اولا، اما المعرفة فانها تأتي بعد الخبرة وتكون مجرد تفسير لها) . اما بالنسبة إلى نفسي بوصفي أحد المشتغلين بالعلوم، فانني لا أستطيع ان انفي قوانين المصادفة (٢) ، لانني المس نتائجها في كثير من أامور حياتنا اليومية. ولا أستطيع كذلك ان

стр. 57

ارفض النظريات المادية رفضا باتا لان نجاح المشتغلين بالعلوم يتوقف على مدى وصولهم إلى تفسيرات طبيعية للظواهر العويصة التي يدرسونها. ولكني أؤمن بوجود الله. انني اعتقد في وجوده سبحانه لأنني لا أستطيع ان أتصور ان المصادفة وحدها تستطيع ان تفسر لنا ظهور الإلكترونات والبروتونات الأولى او الذرات الأولى او الأحماض الأمينية الأولى او البروتوبلازم الأول او البذرة الأولى او العقل الأول. انني اعتقد في وجود الله لان وجوده القدسي هو التفسير المنطقي الوحيد لكل ما يحيط بنا من ظواهر هذا الكون التي نشاهدها.

стр. 58

الحائر الصغير يفكر كتبها: رسل لويل مكستر أستاذ علم الحيوان حاصل على درجة الدكتوراه من جامعة الينوى - أستاذ علم الحيوان ورئيس القسم بكلية هويتن - عضو الجمعية العلمية بالينوى - رئيس المؤسسة العلمية من سنة ١٩٥١ إلى سنة ١٩٥٤ - متخصص في دراسة الأنسجة والعناكب والتطور. يعرف الانسان ربه لأول مرة عن طريق والديه، فهما يستخدمان لفظ الجلالة بكل تقديس، وبذلك يتعلم الطفل منذ صغره ان يلجأ إلى الله بطريقته البسيطة، وان يسأله ان يقتضي له حوائجه بنفس الطريقة التي يلجأ بها إلى أبيه، ويكون الطفل في هذه المرحلة راضيا ومطمئنا إلى ربه الذي لا يراه. ثم يكبر الطفل ويقرأ في الكتب قصص المؤمنين الذين ساروا في طريق الله. فكان في ذلك نجاة لهم من الوحوش، وبرد وسلام عليهم من النار، ومنجاة من ضرب السيوف، وقوة من ضعف، وتأييد في مواقف القتال. وكم يستولي على الطفل الإعجاب ببطولة هؤلاء المؤمنين، وكم تتوق نفسه إلى الاقتداء بهم واتخاذهم أسوة له في حياته. انه يرى ان ذلك يعينه على صيانة الامانة، ويشعر ان له رفاقا من الماضي يشدون أزره، ويقوون عزيمته ويبثون الشجاعة في نفسه على مدى الحياة. فاذا دخل الطفل المدرسة جذبته في اتجاهين متعارضين: فهي من جهة تقوي ايمانه بالله، وهي من جهة أخرى تضعف ايمانه به. وهو يتعلم ان بلاده تتألف من جماعات كثيرة بينها مصالح مشتركة، ويقود كل جماعة من هذه الجماعات رئيس او زعيم، ويسيطر على جميع

стр. 59

هؤلاء الرؤساء قائد كبير يفرض الأمور على الناس، وعلى الناس جميعا ان يطيعوا أوامره. ويتصور الطفل الإله المسيطر على هذا الكون في صورة الرئيس من حيث سلطته التي يفرضها على الآخرين. ولماذا كان من الطبيعي ان يكون للناس قائد يدبر أمورهم فلا بد ان يكون لهذا الكون مدبر يدبره ويفرض سلطانه على جميع البشر والكائنات. ومن جهة اخرى فانه اذا كان الناس ينتخبون رئيسهم، فان فكرة وجود الله بالنسبة إلى هذا التلميذ الصغير قد لا تعدو ان تكون مجرد صورة ذهنية تجول في عقول الناس. وكثيرا ما تستولي الحيرة على عقل هذا الطفل فيتساءل: ترى هل يوجد اله حقيقة؟ وذا كان يوجد فما كنهه وما صورته؟ وعندما يصل الطفل إلى هذه المرحلة من الشك والوساوس، كثيرا ما يطرح تفكيره العقلي في الله جانبا، وقد يسلم بوجوده استسلاما، وقد يطلب إلى أصدقائه ان يبتعدوا عن الحديث في هذا الموضوع حتى لا يثيروا قلقه، وعندئذ يصير الطفل تائها حائرا. فهو يؤمن بوجود الله لانه يشعر انه يجب عليه ان يكون مؤمنا، وهو في الوقت ذاته لا يحب ان يعبث عقله بايمانه. ويقرأ الطفل احد الكتب المقدسة، ويجد ان الانسان يستطيع ان يصل إلى الله باستخدام عقله، وانه لابد ان يقوم الايمان بالله على أساس المنطق والتفكير، وعندئذ يجد صاحبنا في البحث والدراسة، وقد يتحول من الحائر الصغير إلى المؤمن الكبير فتنسجم روحه مع عقله ويدرك كمال الله وحكمته. ان عمل كاتب هذا المقال يجعله وثيق الصلة بالطبيعة وبالإله الذي يسيطر عليها. وليس من المنطق ان يفصل الانسان بين الاثنين. انني أرى انواعا عديدة من النباتات والحيوانات الحية التي عاشت على سطح هذه الأرض والتي يبلغ عددها الملايين، وانا اعني هنا الأنواع لا الأفراد، فعدد الأفراد يبلغ أرقاما خيالية تشبه الارقام التي تستخدم في عمل الفلك. فهل هنالك نظام تخضع له هذه الأنواع المختلفة؟ نعم هنالك نظام حيثما اتجهنا. فكل نوع من

стр. 60

هذه الأنواع ينقسم إلى فصائل، وتنقسم الفصائل بدورها إلى أقسام اصغر فأصغر. ولكننا مهما قسمنا نجد ان هنالك صفات مشتركة بين جميع الافراد التي تنتسب إلى نوع من هذه الأنواع ينقسم إلى فصائل، وتنقسم الفصائل بدورها إلى أقسام أصغر فأصغر. ولكننا مهما قسمنا نجد ان هنالك صفات مشتركة بين جميع الأفراد التي تنتسب إلى نوع واحد او صنف واحد. فاذا نظرنا إلى أحد الطيور التي تسمى نقارة الخشب، فاننا نجدها جميعا قد بنيت على طراز واحد، وقد تتشابه مع غيرها من الطيور بقدر وتختلف عنها بقدر. وهنالك صفات مشتركة بين جميع الفصائل والأنواع الحيوانية الموجودة في الطبيعة بأسرها فهي تشترك جميعا في اللحم او في البروتوبلازم. ويعد ذلك في نفسه دليلا على ان وراء كل ذلك التنظيم خالقا مدبرا هو الذي خلق المادة الأساسية فيها وأودع فيها من القوة والتوجيه ما جعلها تتخذ هذه الصور التي لا تحصى من الأفراد والأصناف والأنواع والأجناس. ان المنطق السليم يدفعنا إلى التسليم بوجود عقل مقدس هو الذي خلق ودبر تلك الاختلافات (١) والاتفاقات التي نتحدث عنها، بدلا من ان يجعلنا نتصور ان تلك الأنواع المختلفة من الكائنات الحية والأجناس قد ظهرت بمحض المصادفة التي أدت إلى اتحاد بعض العناصر تحت ظروف البيئة. ان المنطق السليم الذي يجعلنا نلاحظ ان الانسان يستطيع ان يقوم بامور معقدة، هو نفس المنطق الذي يجعلنا نعتقد بوجود خالق عظيم هو الذي أبدع كل هذه الكائنات. ومهما بلغت الاختلافات بين أفراد النوع الواحد او بين الأنواع الحالية التي عاشت في اقدم العصور الجيولوجية، سواء منها ما اندثر او ما يزال حيا، فان الانسان لا يستطيع الا ان يسلم بان هذه الكائنات جميعا قد بدأت على هيئة مخلوقات متلائمة- مخلوقات من صنع الخالق الكبير – فاذا قرأنا في الكتب المقدسة ان الله تعالى خلق الانسان والحيوان والنبات،

стр. 61

فاننا نستطيع حينئذ ان نصدق ذلك لان ما نراه في الطبيعة يتفق مع هذا القول، ومع ذلك فان الكتب المقدسة ليست من كتب العلوم، الا أنها تمس المبادئ الاساسية للعلوم وتشير اليها (١) . والحقيقة التي لا أشك فيها، والتي لا تستطيع النظريات المادية ان تنتقص منها، هي ان الإله الذي يصل اليه الانسان بفكره ودراسته لهذا الكون هو نفس الإله الذي تتحدث عنه الكتب السماوية. انه إله الكتب المقدسة الذي تتجلى أياديه في الجبال والسماء والبحار، وتتجلى قدرته في المراعي النضرة والطيور السابحة في جو الأرض وفي سائر الكائنات.

стр. 62

حقائق من سجل الغابات كتبها: لورنس كولتون ووكر أخصائي علوم الغابات والنباتات وعلم الفسيولوجيا - حاصل على درجة دكتوراه من جامعة نيويورك - أستاذ علم الغابات بجامعة جورجيا. جاء في الإنجيل ما معناه أن الله هو الدافع على الفوضى والارتباك، والحق أنه سبحانه هو الذي نظم هذا الكون فأحسن تنظيمه وأبدعه أيما إبداع. إن عوام الناس ينظرون إلى قمم الجبال من أسفل الوادي، فتأخذهم روعتها فينسبونها إلى الله تعالى، أو يسمعون صوت الريح العاصفة تقطع صمت الأشجار والنباتات، فيدركون جانبا من آيات الله التي تظهر في أرجاء هذا الكون ويتضاءل بجانبها ملك سليمان. حقيقة إن روعة هذا الكون، إنما هي من إبداع الخالق الأعظم، ولكن وقوف الإنسان عند هذا الحد من الإعجاب يشبه الإنسان بمظهر بعض الأعمال التي ينتجها صانع أو نجار بارع، دون أن يجهد نفسه في تأمل دقة الصناعة وتفاصيلها وروائع الزوايا والتشابك (التعاشيق) والحلي الداخلية وغير ذلك.. ولو أن تدبير الله العالم الذي نحن فيه قد اقتصر على خلق الوديان الخصيبة مما تنقله عوامل التعرية من الطمي والرواسب وتجلبه من فوق سفوح الجبال، لكان هذا الأمر هينا من وجهة نظر المتخصصين في فسيولوجيا النبات أو في علم الجيولوجيا، ولكن لكي يدرك الإنسان روعة هذا العالم وما وراءه من جلال الحكمة والتدبير، لابد أن يدرسه

стр. 63

بدقة وأن يتأمل في الغابات والحقول، عندئذ سوف يجد أن ما كان يعده طبيعياً ليس إلا إعجازاً إلهياً يعلو فوق مستوى البشر وتعجز عن إدراكه كنهه، وهنا لا سبيل إلا إلى الإيمان بالله وبقدرته وجلاله. ويقول كارل هايم في كتابه (المسيحية والعلوم الطبيعية) : (إن عجائب الكون لا تسمح بالإيمان فحسب بل تدعو الناس إلى هذا الإيمان. وإن الاستدلال بالكون على وجود الله قد عاد إلى الظهور من جديد في عصر النهضة والتفكير العقلي بسبب انهيار النظرية الآلية في تفسير الكون بعد أن كادت هذه النظرية تقضي على هذا النوع من الاستدلال) . وإنني أكتب هذا المقال من وجهة نظري متخصصاً في بحوث الغابات ومهتما بدراسة علم البيئة وفسيولوجيا النباتات لكي أظهر جانباً مما للغابات من أدلة على وجود الله. تجدد تربة الغابات: تظهر في جبال أديرو نداك رمال عميقة يرجع أصلها إلى ما اكتسحته أنهر الجليد في سابق الأزمان. والتربة في هذه الأماكن ضعيفة بسبب نقص العناصر الغذائية وبخاصة عنصر البوتاسيوم الذي تجرفه المياه بمجرد تكونه نتيجة لتحليل المواد العضوية، ولا يتبقى من هذا العنصر إلا ما يدخل في تركيب المواد العضوية ذاتها. ولقد كانت تنمو على هذه السهول الرملية غابات من أشجار التنوب الفضي spruce والصنوبر والشوكران hemlock، ولكن سهولة طبيعة الأرض فوق هذه السهول أغرت باقتلاع هذه الأشجار وزراعة الأرض. وبعد انقضاء مائة عام زرعت الأرض في أثنائها زراعة عنيفة استنزفت عناصر التربة وأضعفت خصوبتها إلى حد كبير، ولذلك شرع في زراعتها بأشجار الغابات من جديد.

стр. 64

وبعد مضي سنوات قليلة على زراعتها بأشجار الشوكران وأشجار الصنوبر الأبيض والأحمر، ظهرت أعراض نقص البوتاسيوم في التربة على الأشجار. وقد أظهرت بعض البحوث العلمية التي أجريت على نباتات هذه الغابات أن بعض الأشجار العشبية المستوطنة مثل أشجار القان (BIRCH) الرمادي وأشجار الكريز الأسود، قد ظهرت على أوراقها أعراض نقص البوتاسيوم في صورة الوان شاذة يمكن بواسطتها تحيد خواص التربة في المناطق المختلفة مدى صلاحيتها لزراعة الأنواع المختلفة من الأشجار. وبذلك تجلت معونة الله لنا وما أودعه من نظام بديع في معاوننا على اصلاح الأخطاء التي كان الانسان سببا في حدوثها. لقد هيأ لنا الله - بفضله - الطريقة التي تعيننا على تحديد الأماكن التي تصلح لزراعة الشوكران وأشجار الصنوبر الأحمر والأبيض، وتحديد الناطق التي يمكن زراعتها ببعض الأشجار ذات القيمة الاقتصادية، مما لا يضره انخفاض مستوى عنصر البوتاسيوم في التربة مثل أشجار الصنوبر الأسكتلندي وغيرها. كما وجدنا أن أوراق بعض النجيليات وأشجار الفراولا البرية وأنواعاً عديدة أخرى من الشجيرات العشبية وأشجار الصنوبر الأبيض يمكن تحليلها تحليلاً كيميائياً للوقوف على مدى صلاحية الأماكن والمناطق المختلفة المزروعة فيها. فالصنوبر الأبيض مثلا تظهر عليه دلائل نقص البوتاسيوم عندما تنخفض نسبة البوتاسيوم في الأوراق الإبرية عن ٠,٥%. ويمكن الاستدلال بنسبة البوتاسيوم الموجودة في هذه الأوراق على نسبة البوتاسيوم الموجود في التربة والذي هو قابل للامتصاص. وهنالك ظاهرة أخرى من الظواهر التي شوهدت في هذه الغابات، فالقان الأبيض، وهو عادة من الأعشاب التي تنمو بكثرة من تلقاء نفسها وتجوز زراعتها إلى حد بعيد في مناطق السهول تنمو تحت جذوره وفي حضانتها نباتات الصنوبر البيضاء التي تكون في هذه الحالة كثيفة غاية الكثافة. وقد لوحظ أن أعراض نقص البوتاسيوم لا تظهر

стр. 65

على الأشجار الصنوبرية التي تنمو بجوار القان، وأثبتت تحاليل التربة والأوراق أن نسبة البوتاسيوم القابل للامتصاص كانت تحت هذه الظروف ثلاثة أمثالها في في الأرض الخالية من أشجار القان مما يثبت أن لأشجار القان قدرة كبيرة على تجيد خصوبة التربة التي تكون عناصرها قد استنزفت بسبب الإجهاد المترتب على طول فترات زراعتها. ولا شك أن هذه التغذية المعدنية، تعتبر همزة الوصل التي يستخدمها الإنسان لكي يحوّل المواد غير العضوية الميتة إلى عالم الحياة. ومن الظواهر العجيبة الأخرى التي شوهدت في التربة في وادي كوليكتيكت ما لوحظ من أن شجر السد ر الأحمر يستطيع بمصاحبة خرطوم الأرض وهو من الدود ن أن يزيد من نسبة عنصر الكالسيوم بالتربة. فأوراق السدر الأحمر تتساقط على قاع الغابة، وعندئذ تنجذب ديدان الأرض إليها بسبب ارتفاع نسبة الكالسيوم بها. وسرعان ما تلتهم الديدان هذه الأوراق وتهضمها وبذلك تطلق في التربة عنصر الكالسيوم في صورة يسهل على النبات امتصاصها والاستفادة بها. ولا تقتصر فائدة السدر الأحمر على الناحية الغذائية وحدها، بل إنه يؤدي إلى تحسين جميع الخواص الطبيعية للتربة مثل مساميتها، وسرعة رشح الماء خلالها، وقدرتها على الاحتفاظ بالماء ومنسوب الماء فيها. ولجميع هذه الصفات علاقة كبيرة بالاستفادة من مياه الفيضان والسيطرة عليها. ونستطيع أن نذكر أكثر من ذلك في سياق الحديث عن العناية المقدسة والقدرة الإلهية التي تتجلى في إعادة خصوبة التربة، ففي الغابات البكر التي لم يتدخل في أمرها الإنسان، تتكاثر الأشجار وتتتابع أنواعها على ممر الأجيال حتى تصل في نهاية الأمر إلى نوع من الاستقرار تميزه أشجار خاصة تنمو وتتكاثر فيها إلى ما شاء الله إلا إذا تدخل في أمرها الإنسان أو دهمتها النار، أو عبثت بها العواصف. ويؤدي تدخل الإنسان

стр. 66

في أمر هذه الغابات الطبيعية ن بزراعتها واستنزاف خصوبتها، إلى نقص صلاحيتها لنمو الأشجار، وعندئذ نكون قد خسرنا الأشجار والتربة، ويعقب ذلك حدوث الفيضانات. إن الإنسان يبذل أموالاً طائلة لكي يقلل من أخطار الفيضانات بإقامة مشروعات السود الضخمة، ولكن إقامة هذه السود ليست إلا حلا مؤقتاً ضد قوة جبارة لا تستطيع أن تصدها حواجز الصخر أو البناء المسلح، ولابد أن يقوم العلاج الحقيقي لمشكلة الفيضان على مهاجمها في مصدرها. ولا يتم ذلك بإقامة السدود وإنما بإعادة الأشجار والنباتات إلى الأرض، وهو أمر تقوم به الطبيعة من تلقاء نفسها، فإنه لا يكاد ينقضي عام على الأراضي والحقول التي تكون قد هجرت بسبب استنزاف عناصرها ونقص خصوبتها ن حتى تنمو بها الحشائش الكثيفة والأعشاب والشجيرات وبادرات الأشجار، وهذه كلها تعمل على عودة الخصب إلى الأرض من جديد. وفي منطقة بدمونت التي تقع في شرق الولايات المتحدة، تكفي خمسة وعشرون سنة لتكوين طبقة جديدة ظاهرة من المواد الدبالية التي تغطي سطح التربة وتعيد إليها خصوبتها. وحتى في المناطق التي هي أشد برودة من هذه المنطقة حيث يكون تحلل المواد العضوية أشد بطؤا، فإن هذه الطبقة في تكوينها أكثر من ٥٠ سنة. ويلاحظ أن التربة التي تستصلح بهذه الطريقة لا ترجع كعهدها الأول من حيث معالجة أخطار الفيضان. ومع ذلك فإنها تتحسن كثيراً عن ذي قبل. وفي ذلك يقول جونث: (ان الطبيعة لا تعرف الإسراف. إنها دائماً صداقة وعظيمة وعنيفة. إنها دائماً صائبة. أما الخطأ فإنها لا يحدث إلا من جانبنا. إن الطبيعة تحارب العجز ولا تكشف أسرارها إلا للقادرين المخلصين الأتقياء) . سد فروج الغابات: عندما انتشر مرض الأندوثيا، وهو المرض الذي يسبب الشلل لنباتات الكستناء

стр. 67

(أبي فروة) خلال العقدين الأولين من هذا القرن، شاهد كثير من الناس فروجاً في أسقف الغابات ولاحظوا ان هذه الفروج لا تسد أبداً. ولقد كان الكستناء الأمريكي يحتل مكانا بين سائر أنواعه في العالم لا يدانيه فيه مكان آخر، فقد كان يمتاز بنوعه ومقاومته للتعطن وبنخاعه الخشبي وما به من مادة التنين، ثم بثماره وبما يعطيه من الظل وغير ذلك من الصفات الممتازة العديدة الأخرى. وكان ينمو على حواف الجبال ذات التربة الضعيفة كما ينمو في الوديان الخصبة. قبل أن يصيبه هذا المرض الذي وصل إليه من آسيا حوالي ١٩٠٠، لم تكن تصيبه أمراض أخرى، فلقد كان بحق ملك الغابة أما الآن فقد باد واندثر من الغابات ولم يعد يشاهد منه إلا بعض البراعم الضئيلة تنبثق بين حين وآخر من بقايا جذوع الأشجار التي كانت قائمة يوماً من الأيام كأنما تذكرنا أن البقاء لله وحده، وأن أقوى الرجال كأقوى الأشجار لابد يوماً أن يزول. وما لبثت الفروج التي حدثت في سماء الغابة حتى ملئت، لقد سدتها أشجار الخزامى، التي كأنما كانت تراقب ما نزل بأشجار (أبي فروة) من داء لتحل محلها بفارغ الصبر حتى تحصل على ما يكفيها من الضوء. فهي من الأشجار التواقة إلى الضوء والتي لا تحتمل المعيشة في الظل. وحتى ذلك الوقت كانت أشجار الخزامى من الأشجار الضئيلة في الغابة التي لا يمكن أن تعتبر من أشجار الخشب القيمة إلا نادراً. أما الآن فإنها أحداً لا يحزن على ما حل بأشجار الكستناء من خسارة، إذ تقوم مكانها جذوع أشجار الخزامى الضخمة التي تضيف كل منها إلى نفسها بسبب نموها السريع ما يقرب من بوصة في السمك وست بوصات في الارتفاع سنويا. وبالإضافة إلى سرعة نموها فإنها تعطي خشبها من النوع الممتاز. فهل تضع الطبيعة العبقرية خططها وتدبيرها للأمور بأكثر من تهيئة الظروف المناسبة؟ ولقد كنت أتحدث مت زميل ممن أطمئن إليهم من الأخصائيين في فلاحة الغابات عن ذلك المرض الذي أصاب نباتات الكستناء، وهو ينصح المشتغلين بالغابات بان يلجأوا دائماً إلى كتاب الكون والطبيعة لكي يجدوا فيه حلا لكل مشكلة من المشكلات. ويقول إسحق وطسن في هذا المعنى:

стр. 68

(إن الطبيعة تحمل كتابها المفتوح) . (وتسبح بحمد الله وجلاله) . ويقول عالم النبات اللامع آساجراى في محاضراته التي ألقاها في جامعة ييل سنة ١٨٨٠: (إن ما تنقله العلوم من عالم المجهول إلى عالم الطبيعة لا ينال من الإيمان أو يتعارض معه، فالعلوم تسير في نفس الاتجاه الذي تسير فيه الطبيعة. وعلى ذلك فإن وظيفة العلوم هي العمل أن ترد ظواهر الكون في نشأتها الأولى إلى قدرة الله جلاله) . أضواء جديدة على خلق مبتكر تحتوي النباتات على هرمونات تقوم بأداء وظائف مختلفة فيها. ومن فصيلة هذه الهرمونات مركب صناعي اسمه ٢ – ٤ – ٥ – ت، يقوم بانضاج ثمار الطماطم، ويمنع استنبات البطاطس عند خزنة، ويؤدي إلى سرعة نمو الأجزاء الجذرية عند زراعتها، وربما يقوم بغير ذلك من الوظائف الحيوية العديدة التي لم نكتشفها بعد. وهذا الهرمون، او بعبارة اصح هذا المنظم لعملية النمو – لأنه في الواقع مركب صناعي عضوي له خواص الهرمونات – لا تزال تجري عليه البحوث والتجارب لمعرفة خواصه وآثاره المختلفة في حياة النبات ونموه. والمعنى الذي نحب ان نشير اليه في هذا المقام، هو أن ظهور مركبات من أمثال هذا المركب في الطبيعة، مما أبدعه الخالق الأعظم مشابهة لما استطاع الانسان ان يقوم بتركيبه في المعمل بعد تفكير وتدبير، يعد دليلا على ما يسود هذا الخلق من نظام وتدبير. ويهمنا في هذا المقام الطريق التي يسلكها النظير المشع لهذا المركب داخل أشجار الغابات، فذرة الكربون الاخيرة (ك١٢) الداخلة في تكوين هذا المركب، يمكن ان تستبدل بنظريتها (ك١٤) بطريقة صناعية. وعندئذ يمكننا استخدام هذا المركب الجديد لكي نحدد بكل دقة الطريقة التي يسلكها عند انتقاله من الأوراق إلى الساق إلى الجذور بل يمكن فوق ذلك ان نعين معدل حركته داخل النبات، وقد يعد ذلك من وجهة نظر الخارجين على الدين مظهرا لروعة الطبيعة. اما بالنسبة لنا فانه دليل على قوة الله الموجهة التي

стр. 69

توجه كل ذرة إلى حيث ينبغي ان تكون وترسم طريقها وتحدد مستقرها. ومن عجائب ما تكشف عنه هذه الدراسات ما تبين من ان هذا الهرمون يبقى ثابتا لا يتغير داخل النبات برغم ما يقوم به من التفاعلات العديدة. فقد وجد ان نسبة ما يتحول منه إلى مركبات كيماوية اخرى لا يزيد عن ١٠%، وأعجب من ذلك انه مهما تغيرت الكمية التي توضع منه على سطح الأوراق، فانه لا يمتص منه الا قدرا ضئيلا. فالنبات لا يحتاج منه في أداء وظائفه التي تتصل بعمليات التحول الغذائي الا إلى قدر يسير. افلا يدل كل ذلك على نظام دقيق عجيب رسمه خالق قادر مدبر؟ ونحن نستطيع ان نختبر وجود هذا المركب باستخدام طريقة الأوراق الملونة، وهي تتلخص في وضع قطرة من المادة التي نريد اختبارها على طرف قطعة او شريط من ورق الترشيح، ثم غمس هذا الطرف في حوض او إناء به مادة مظهرة بينما يبقى طرفها الآخر معلقا فوق الحائط. عندئذ تمتص الورقة بعض المادة المظهرة بخاصية الانتشار الغشائي. ويكتسح المظهر قطرة المادة التي وضعناها ...على طرف ورقة الترشيح، وهي المادة التي نريد ان نختبر وجودها، وبذلك يترسب كل مركب عضوي من المركبات الناتجة من تفاعل هذه المادة مع المظهر على ارتفاع معين وفي بقعة معينة على ورقة الترشيح مكونا ما يسمى بخريطة الألوان، والى هنا ينتهي الأمر ولا يتبقى علينا الا ان نضع جهازا خاصا يسمى عداد جيجر على ورقة الترشيح لكي يحدد لنا موقع ذرة (ك١٤) التي نريد ان نكشف عن وجودها. ان تلك التفاعلات الدقيقة والحركة المنظمة والخضوع لقوانين ثابتة مما تكشف عنه هذه التفاعلات وأمثالها التي لا يحصيها عد ولا حصر، ليست الا دليلا وشاهدا على ان الكون منظم غاية التنظيم مما أطلق عليه هجلز (نظرية كمال الكون) . فذرة الكربون (ك١٤) في المركب العضوي، والالكترون الذي يشع منها على ورقة الترشيح يعدان من وجهة نظر الباحث الامين دليلا على انه ليس هنالك تناقض بين العلوم وبين

стр. 70

فكرة وجود الله، الذي قدر كل شيء فأحسن تقديره، والذي ظهرت آياته للناس في ثنايا ما تكشف عنه العلوم، وما أوتينا من العلم الا قليلا. وكما قال الفيلسوف بول: (ان قدرة الله تتجلى في كل شيء. ظهر الحق، فمنذ بدأ الله هذا الكون تتجلى آياته وقوته الخالدة في كل ما يقع عليه الحس او يحيط به العقل) .

стр. 71

ما وعاه ابن صاحب البستان كتبه: وولتر ادوارد أخصائي علم الوراثة حاصل على درجة الدكتواره من جامعة كاليفورنيا – أستاذ الوراثة بجامعة كاليفورنيا بولس أنجلوس – مدير البحوث بحدائق ديسكانسو بكاليفورنيا – متخصص في تربية الزينة وبخاصة الورد. اذا سألني سائل: (لماذا تؤمن بالله) ؟ قد أقول له بصراحة وأمانة: (هكذا علمني والداي) ، فتلك هي الطريقة المعتادة التي يرث بها الناس ايمانهم بالله. ولكنني اعود فأذكر ان والدي قد علماني كذلك ان اعتقد في سانتاكلوز وايستربنيز، وتحت تأثير تلك الأحاجي وقصص الطفولة العديدة الخرافية الجذابة سرعان ما وجدت انني ادرك اكثر واكثر حكمة الخالق وقدرته في هذا العالم. وكثيرا ما لفت نظري، بحكم بنوتي لأحد اصحاب البساتين، ما يحدث لاشجار الفواكه المختلفة كأشجار التفاح والبرقوق والكمثري في منطقة شرقي واشنغتون من تكييف جزئي لتلائم الجو عندما تنخفض درجة حرارة الهواء إلى ٢٠ درجة تحت الصفر، فتبدو هذه الاشجار هامدة مجردة من الحياة طيلة فصل الشتاء، حتى اذا جاءها الربيع اهتزت وربت وأخرجت من الازهار والثمار ما يأخذ جماله بالألباب، ولما كانت هذه الاشجار لم تتأقلم تماما في بلادنا فان تخر تساقط الصقيع كثيرا ما يقتل البراعم ويقضي على المحصول، ويؤثر على جميع سكان الوادي تاثيرا سيئا بما يسببه من أزمة اقتصادية. وكثيرا من كنت أسائل نفسي كيف يرضى العدل الالهي بهذه الخسارة الفادحة في محصولنا؟ ولكنني أدركت الجواب بعد قليل، فليس الخطأ من جانب الله سبحانه وانما من أنفسنا، وذلك لاننا نحاول ان نزرع في بلادنا انواعا من النباتات غير متلائمة مع

стр. 72

الظروف الجوية عندنا. والمشاهد ان هذه النباتات لا يصيبها في مواطنها الأصلية هذا النوع من التلف، فهي تتحمل برد الشتاء، وتزهر بعد انتهائه عندما يكون الخطر الذي يتهددها قد زال، وبرغم ان جميع هذه الانواع مما ينمو في المناطق المعتدل، فان لكل صنف من أصنافها ظروفه الخاصة التي تلائمه، وهو لا يمكن ان يتأقلم في مكان آخر الا بعد أجيال تنقضي في عمليات الانتقاء والتربية. ومن ذلك نرى ان جميع النباتات والحيوانات لم تخلق لكي تعيش في بيئة ثابتة محددة الأوصاف، بل ان لديها من الاستعدادات ما يجعلها قادرة على مسايرة الأجواء والظروف الاخرى في حالة الضرورة والاضطرار. وتعنى دراسة الوراثة بمعرفة مدى استعداد الحيوانات والنباتات المختلفة لهذه الملاءمة. وقد شغفت بهذا النوع من الدراسة بسبب ما قمت به منذ صباي من تجارب على زراعة بادرات البرقوق ودراسة التحولات التي تطرأ عليها، كما كان عندي شغف بدراسة الحشرات المختلفة وبخاصة ما يقوم منها بعملية التلقيح، مثل النحل والنمل والذباب وغيرها. ولقد كنت أتساءل دائما في قرارة نفسي كيف تم هذا التوافق العجيب بين الازهار والحشرات التي تقوم بتلقيحها؟ وهيأت لي قراءة ذلك الكتاب الرائع الذي ألفه هنري فابر عن عجائب الغرائز في الحشرات وحياتها الاجتماعية المعقدة دليلا على ما يسود هذا الكون من نظام محكم وتدبير عظيم. وقد كان يخيل إلى كانما توجد قوة أخرى في هذا الكون تعمل في اتجاه عكسي وتمنع – او على الأقل تحول – دون استفادة الانسان فائدة كاملة من النباتات والحيوانات. فهنالك مثلا كثير من النمل وقليل من النحل مما ينجم عنه ضعف في محصولاتنا، كما نلاحظ ان التربة يتناقض خصبها تدريجيا ومع ذلك فانها تنتج كثيرا من العشب القوي. فلماذا يحدث كل ذلك؟ ان الطبيعة لم تعطنا الإجابة عن هذا السؤال، ولكني عثرت على هذه الاجابة في الكتاب المقدس: انه غضب الله ينزل بالتربة وبالطبيعة بسبب اخطاء الناس، ومع ذلك فلا يزال هنالك من الخير في كثير من المخلوقات ما يسمح بظهور قدرة الله

стр. 73

العجيبة وحكمته البالغة. وعلينا نحن في حدود طاقتنا ان نساعد على عودة الأرض إلى حالتها الاولى من الجمال والكمال. هكذا كانت فلسفتي عندما بدأت دراستي الجامعية ودرست نظرية التطور المادي، وهي النظرية الوحيدة التي ينظر اليها البعض على انها يمكن ان تغني عن الاعتقاد في وجود خالق او مدبر لهذا الكون. وقد مرت بي سنوات عديدة من الصراع العقلي بيني وبين نفسي من جهة، وبيني وبين بعض الطلبة المتخرجين في الكلية من جهة أخرى، وقد اتضح لي كثير من الحقائق، فعلم الوراثة مثلا لم يقدم لنا دليلا على صحة الغرضين الأساسيين اللذين أقام عليهما تشارلز داروين نظرية في نشأة الأنواع وهما: ١- ان العضويات الصغيرة في كل جيل من الأجيال تنزع دائما آلي ان تختلف اختلافات طفيفة عن آبائها في جميع الاتجاهات الممكنة. ٢- ان التغيرات المفيدة تورث في الأجيال التالية وتتراكم نتائجها حتى ينتج عنها تغيرات جسمية. والواقع – كما يذكر ذلك تنكل بالاشتراك معي في كتابنا (العلم الحديث والمسيحية) – ان اقصى ما يمكن ان يتم من التغيرات في النباتات والحيوانات يمكن ان يتحقق سريعا عن طريقي الانتقاء والتربية. ويؤدي التلقيح الذاتي في النباتات او زواج الأقارب في الحيوانات، آلي انتاج أفراد ضعيفة آلي حد كبير. والسلالات الناتجة في هذه الاحوال تكون نقية آلي حد كبير ولا تتغير في جميع الاتجاهات كما ذكر داروين الا عندما تصيبها بعض الطفرات، وهي قليل الحدوث. وتعتبر هذه الطفرات على قلتها الاساس المادي الذي يبني عليه علماء التطور تفسيرهم لظاهرة التطور. ولكن هل يمكن ان تكون الطفرات حقيقة وسيلة للتطور؟ ان الدراسة الطويلة المتصلة لهذه الطفرات في كثير من الكائنات وبخاصة في ذبابة الفاكهة المسماة دروسوفيلا ميلانوجستر تدل على ان الغالبية العظمى من الطفرات تكون من النوع المميت. اما الانواع غير المميتة منها فان التغيرات المصاحبة لها

стр. 74

تكون من النوع الذي يؤدي آلي التشويه، او على الأقل من النوع المتعادل الذي يحدث تأثيرات فسيولوجية تضعف من قوة الفرد، فمن الصعب اذن ان يؤدي تجمع هذه الطفرات الوراثية آلي التغيرات اللازمة لنشأة أنواع جديدة تعتبر أكثر تقدما ورقيا من أسلافها. وقد تؤدي الطفرة في بعض الحالات النادرة آلي تحسين صفة من الصفات، كما يحدث في جناح الدروسوفيلا. ولكن اجتماع هذه الصفة مع بعض الصفات الاخرى التي تطرأ على الجناح، يؤدي آلي تكوين حشرات أقصر عمرا وأقل قدرة على الحياة. ولكن دعنا نسلم جدلا بحدوث طفرات نادرة تصحبها تحسينات تبلغ ١% فكم تحتاج مثل هذه الطفرات من الأجيال لكي تتراكم ويظهر أثرها وينتج عنها نوع جديد؟ لقد وضح (باتو) في كتابه (التحليل الرياضي لنظرية التطور) ، ان تعميم صفة من الصفات عن طريق الطفرة في سلالة من السلالات، لا يمكن ان يستغرق اقل من مليون جيل من الأجيال المتتابعة. وحتى لو سلمنا بقدم الأحقاب الجيولوجية كما يقدرها الجيولوجيون، فمن الصعب ان نتصور كيف ان حيوانا حديثا نسبيا مثل الحصان قد نشأ من سلفة كان عدد الأصابع في قدمه خمسا في الفترة من العصر الحجري (الأيوسيني) الحديث حتى الان. واخيرا فان دراسة الكروموسومات المعقدة التي تحمل عوامل الوراثة تبين كثيرا من الاختلافات في تركيبها وتنظيمها حتى بين الانواع المتقاربة. ويقول دوبزانسكي في كتابة (الوراثة ونشأة الأنواع) ان التزواج بين الكروموسومات وما يصحبه من عمليات قطع ووصل في أجزائها، يؤدي آلي اختلافها بعضها عن بعض وهو اختلاف ضروري لاستمرار حياتها وأدائها لوظائفها الحيوية، فقد ثبت انه اذا كانت الكروموسومات متشابهة كل التشابة، فانها تعجز عن القيام بعملية الازدواج. فكيف تحدث هذه الاختلافات المستمرة في اشكال الكروموسومات وفي طريقة تنظيمها؟ ان المقام لا يتسع لضرب أمثلة عديدة اخرى لاثبات ان نظرية التطور المادي لا تستطيع ان تفسر لنا تلك الاختلافات العديدة التي نشاهدها في عالم الأحياء. انها جميعا تشير آلي

стр. 75

وجود خالق حكيم هو الذي جعل هذه الكائنات الحية قادرة على ان تتحمل ظروفا غير الظروف التي نشأت في ظلها، وعلى ان تتلاءم مع هذه الظروف. ومع ذلك فان دراسة الطبيعة لا تكشف لنا الا عن قدرة الخالق ونظامه المحكم، رغم انها لا تستطيع ان تكشف لنا عن حكمته ومقصده. وكما يقول بول: (اننا نبصر اليوم الحقائق من ورء حجاب، وغدا عندما يكشف عنها الغطاء سوف نراها سافرة. اننا لا نعلم اليوم الا قليلا، وغدا ينكشف لنا علم ما لم نكن نعلم) .
следующие страницы →