ما وعاه ابن صاحب البستان
كتبه: وولتر ادوارد
أخصائي علم الوراثة
حاصل على درجة الدكتواره من جامعة كاليفورنيا – أستاذ الوراثة بجامعة كاليفورنيا بولس أنجلوس – مدير البحوث بحدائق ديسكانسو بكاليفورنيا – متخصص في تربية الزينة وبخاصة الورد.
اذا سألني سائل: (لماذا تؤمن بالله) ؟ قد أقول له بصراحة وأمانة: (هكذا علمني والداي) ، فتلك هي الطريقة المعتادة التي يرث بها الناس ايمانهم بالله. ولكنني اعود فأذكر ان والدي قد علماني كذلك ان اعتقد في سانتاكلوز وايستربنيز، وتحت تأثير تلك الأحاجي وقصص الطفولة العديدة الخرافية الجذابة سرعان ما وجدت انني ادرك اكثر واكثر حكمة الخالق وقدرته في هذا العالم.
وكثيرا ما لفت نظري، بحكم بنوتي لأحد اصحاب البساتين، ما يحدث لاشجار الفواكه المختلفة كأشجار التفاح والبرقوق والكمثري في منطقة شرقي واشنغتون من تكييف جزئي لتلائم الجو عندما تنخفض درجة حرارة الهواء إلى ٢٠ درجة تحت الصفر، فتبدو هذه الاشجار هامدة مجردة من الحياة طيلة فصل الشتاء، حتى اذا جاءها الربيع اهتزت وربت وأخرجت من الازهار والثمار ما يأخذ جماله بالألباب، ولما كانت هذه الاشجار لم تتأقلم تماما في بلادنا فان تخر تساقط الصقيع كثيرا ما يقتل البراعم ويقضي على المحصول، ويؤثر على جميع سكان الوادي تاثيرا سيئا بما يسببه من أزمة اقتصادية.
وكثيرا من كنت أسائل نفسي كيف يرضى العدل الالهي بهذه الخسارة الفادحة في محصولنا؟ ولكنني أدركت الجواب بعد قليل، فليس الخطأ من جانب الله سبحانه وانما من أنفسنا، وذلك لاننا نحاول ان نزرع في بلادنا انواعا من النباتات غير متلائمة مع
стр. 72
الظروف الجوية عندنا. والمشاهد ان هذه النباتات لا يصيبها في مواطنها الأصلية هذا النوع من التلف، فهي تتحمل برد الشتاء، وتزهر بعد انتهائه عندما يكون الخطر الذي يتهددها قد زال، وبرغم ان جميع هذه الانواع مما ينمو في المناطق المعتدل، فان لكل صنف من أصنافها ظروفه الخاصة التي تلائمه، وهو لا يمكن ان يتأقلم في مكان آخر الا بعد أجيال تنقضي في عمليات الانتقاء والتربية.
ومن ذلك نرى ان جميع النباتات والحيوانات لم تخلق لكي تعيش في بيئة ثابتة محددة الأوصاف، بل ان لديها من الاستعدادات ما يجعلها قادرة على مسايرة الأجواء والظروف الاخرى في حالة الضرورة والاضطرار. وتعنى دراسة الوراثة بمعرفة مدى استعداد الحيوانات والنباتات المختلفة لهذه الملاءمة. وقد شغفت بهذا النوع من الدراسة بسبب ما قمت به منذ صباي من تجارب على زراعة بادرات البرقوق ودراسة التحولات التي تطرأ عليها، كما كان عندي شغف بدراسة الحشرات المختلفة وبخاصة ما يقوم منها بعملية التلقيح، مثل النحل والنمل والذباب وغيرها. ولقد كنت أتساءل دائما في قرارة نفسي كيف تم هذا التوافق العجيب بين الازهار والحشرات التي تقوم بتلقيحها؟ وهيأت لي قراءة ذلك الكتاب الرائع الذي ألفه هنري فابر عن عجائب الغرائز في الحشرات وحياتها الاجتماعية المعقدة دليلا على ما يسود هذا الكون من نظام محكم وتدبير عظيم.
وقد كان يخيل إلى كانما توجد قوة أخرى في هذا الكون تعمل في اتجاه عكسي وتمنع – او على الأقل تحول – دون استفادة الانسان فائدة كاملة من النباتات والحيوانات. فهنالك مثلا كثير من النمل وقليل من النحل مما ينجم عنه ضعف في محصولاتنا، كما نلاحظ ان التربة يتناقض خصبها تدريجيا ومع ذلك فانها تنتج كثيرا من العشب القوي. فلماذا يحدث كل ذلك؟ ان الطبيعة لم تعطنا الإجابة عن هذا السؤال، ولكني عثرت على هذه الاجابة في الكتاب المقدس: انه غضب الله ينزل بالتربة وبالطبيعة بسبب اخطاء الناس، ومع ذلك فلا يزال هنالك من الخير في كثير من المخلوقات ما يسمح بظهور قدرة الله
стр. 73
العجيبة وحكمته البالغة. وعلينا نحن في حدود طاقتنا ان نساعد على عودة الأرض إلى حالتها الاولى من الجمال والكمال.
هكذا كانت فلسفتي عندما بدأت دراستي الجامعية ودرست نظرية التطور المادي، وهي النظرية الوحيدة التي ينظر اليها البعض على انها يمكن ان تغني عن الاعتقاد في وجود خالق او مدبر لهذا الكون. وقد مرت بي سنوات عديدة من الصراع العقلي بيني وبين نفسي من جهة، وبيني وبين بعض الطلبة المتخرجين في الكلية من جهة أخرى، وقد اتضح لي كثير من الحقائق، فعلم الوراثة مثلا لم يقدم لنا دليلا على صحة الغرضين الأساسيين اللذين أقام عليهما تشارلز داروين نظرية في نشأة الأنواع وهما:
١- ان العضويات الصغيرة في كل جيل من الأجيال تنزع دائما آلي ان تختلف اختلافات طفيفة عن آبائها في جميع الاتجاهات الممكنة.
٢- ان التغيرات المفيدة تورث في الأجيال التالية وتتراكم نتائجها حتى ينتج عنها تغيرات جسمية.
والواقع – كما يذكر ذلك تنكل بالاشتراك معي في كتابنا (العلم الحديث والمسيحية) – ان اقصى ما يمكن ان يتم من التغيرات في النباتات والحيوانات يمكن ان يتحقق سريعا عن طريقي الانتقاء والتربية. ويؤدي التلقيح الذاتي في النباتات او زواج الأقارب في الحيوانات، آلي انتاج أفراد ضعيفة آلي حد كبير. والسلالات الناتجة في هذه الاحوال تكون نقية آلي حد كبير ولا تتغير في جميع الاتجاهات كما ذكر داروين الا عندما تصيبها بعض الطفرات، وهي قليل الحدوث. وتعتبر هذه الطفرات على قلتها الاساس المادي الذي يبني عليه علماء التطور تفسيرهم لظاهرة التطور. ولكن هل يمكن ان تكون الطفرات حقيقة وسيلة للتطور؟ ان الدراسة الطويلة المتصلة لهذه الطفرات في كثير من الكائنات وبخاصة في ذبابة الفاكهة المسماة دروسوفيلا ميلانوجستر تدل على ان الغالبية العظمى من الطفرات تكون من النوع المميت. اما الانواع غير المميتة منها فان التغيرات المصاحبة لها
стр. 74
تكون من النوع الذي يؤدي آلي التشويه، او على الأقل من النوع المتعادل الذي يحدث تأثيرات فسيولوجية تضعف من قوة الفرد، فمن الصعب اذن ان يؤدي تجمع هذه الطفرات الوراثية آلي التغيرات اللازمة لنشأة أنواع جديدة تعتبر أكثر تقدما ورقيا من أسلافها.
وقد تؤدي الطفرة في بعض الحالات النادرة آلي تحسين صفة من الصفات، كما يحدث في جناح الدروسوفيلا. ولكن اجتماع هذه الصفة مع بعض الصفات الاخرى التي تطرأ على الجناح، يؤدي آلي تكوين حشرات أقصر عمرا وأقل قدرة على الحياة. ولكن دعنا نسلم جدلا بحدوث طفرات نادرة تصحبها تحسينات تبلغ ١% فكم تحتاج مثل هذه الطفرات من الأجيال لكي تتراكم ويظهر أثرها وينتج عنها نوع جديد؟ لقد وضح (باتو) في كتابه (التحليل الرياضي لنظرية التطور) ، ان تعميم صفة من الصفات عن طريق الطفرة في سلالة من السلالات، لا يمكن ان يستغرق اقل من مليون جيل من الأجيال المتتابعة. وحتى لو سلمنا بقدم الأحقاب الجيولوجية كما يقدرها الجيولوجيون، فمن الصعب ان نتصور كيف ان حيوانا حديثا نسبيا مثل الحصان قد نشأ من سلفة كان عدد الأصابع في قدمه خمسا في الفترة من العصر الحجري (الأيوسيني) الحديث حتى الان.
واخيرا فان دراسة الكروموسومات المعقدة التي تحمل عوامل الوراثة تبين كثيرا من الاختلافات في تركيبها وتنظيمها حتى بين الانواع المتقاربة. ويقول دوبزانسكي في كتابة (الوراثة ونشأة الأنواع) ان التزواج بين الكروموسومات وما يصحبه من عمليات قطع ووصل في أجزائها، يؤدي آلي اختلافها بعضها عن بعض وهو اختلاف ضروري لاستمرار حياتها وأدائها لوظائفها الحيوية، فقد ثبت انه اذا كانت الكروموسومات متشابهة كل التشابة، فانها تعجز عن القيام بعملية الازدواج. فكيف تحدث هذه الاختلافات المستمرة في اشكال الكروموسومات وفي طريقة تنظيمها؟
ان المقام لا يتسع لضرب أمثلة عديدة اخرى لاثبات ان نظرية التطور المادي لا تستطيع ان تفسر لنا تلك الاختلافات العديدة التي نشاهدها في عالم الأحياء. انها جميعا تشير آلي
стр. 75
وجود خالق حكيم هو الذي جعل هذه الكائنات الحية قادرة على ان تتحمل ظروفا غير الظروف التي نشأت في ظلها، وعلى ان تتلاءم مع هذه الظروف. ومع ذلك فان دراسة الطبيعة لا تكشف لنا الا عن قدرة الخالق ونظامه المحكم، رغم انها لا تستطيع ان تكشف لنا عن حكمته ومقصده. وكما يقول بول: (اننا نبصر اليوم الحقائق من ورء حجاب، وغدا عندما يكشف عنها الغطاء سوف نراها سافرة. اننا لا نعلم اليوم الا قليلا، وغدا ينكشف لنا علم ما لم نكن نعلم) .
стр. 76
الخلايا الحية تؤدي رسالتها
كتبها: رسل تشارلز آرنست
إخصائي في علم الأحياء والنبات - حاصل على درجة الدكتوراه من جامعة منيسوتا - أستاذ في جامعة فرانكفورت بألمانيا - عضو الأكاديمية العلمية بانديانا - مؤلف لكثير من البحوث البيولوجية.
تهيئ دراسة الخلايا الحية لنا خبرة عجيبة، فإذا فحصت طرف وريقة صغيرة من وريقات العشب المائي الذي يسمى (الإيلوديا) تحت العدسة الكبرى للمجهر، فسوف تلاحظ مظهراً من أكثر مظاهر الحياة انتظاماً وأروعها جمالاً. فلكل خلية من خلاياها تركيب رائع. ويبلغ سمك الورقة عند طرفها طبقتين من الخلايا. وتستطيع أن تحرك قصبة المجهر رافعاً وخفضاً حتى نرى كل خلية من خلايا هاتين الطبقتين على حدة، وتدرك أنها وحدة قائمة بذاتها، كما يلوح أن كل خلية من هذه الخلايا الطبقيتين على حدة، وتدرك أنها وحدة قائمة بذاتها، كما يلوح أن كل خلية من هذه الخلايا تستطيع أن تؤدي جميع وظائف الحياة مستقلة عن غيرها من الخلايا الأخرى المشابهة لها. ويفصل الخلايا بعضها عن بعض جداران ثابتة متماسكة. وتتكون الورقة من آلاف من هذه الخلايا المتراكمة التي تبدوا كأنها بنيان مرصوص.
أما النواة فترى بصعوبة على صورة جسم رمادي باهت تبرز فيه الفجوة العصارية التي تشغل مركز الخلية. ويحيط بالنواة شريط من الحشوة (السيتوبلازم) الذي يحيط بالفجوة. ويفصل الحشوة (السيتوبلازم) عن الجدار الخارجي للخلية غشاء رقيق، لا نستطيع أن نراه تحت الظروف المعتادة بسبب ضغط الفجوة العصارية عليه والتصاقه بالجدار. أما فحصت الخلايا بعد أن تغمر الورقة فترة من الزمن في محلول مركز من ملح
стр. 77
الطعام، فإنه يسهل مشاهدة هذا الغشاء، لأن انغمار الورقة في محلول الملح بسبب فقدانها لعض الماء الذي بفجوتها العصارية، مما يترتب عليه انكماش محتويات الخلية وابتعاد الغشاء عن الجدار. وعندئذ يقال للخلية إنها تبلزمت.
وفي الخلية حركة. وهي حركة لا يمكن أن ينبىء عنها ما يبدوا على ظاهر الورقة من السكون. ففي داخل شريط الحشوة (السيتوبلازم) الرقيق الذي أشرنا إليه، أجسام دقيقة خضر تسمى البلاستيدات الخضر، وهي لا تسبح في الحشوة (السيتوبلازم) أو تندفع داخله كما تندفع الحيوانات المجهرية الصغيرة داخل الماء وإنما تتهادى كما تتهادى السفن الصغيرة يجرفها تيار الماء في بحر خضم. إنه الجبلة (البروتوبلازم) ذو التركيب المائي والحيوي الفياضة، هو الذي يتحرك. وهذا البروتوبلازم هو مركز الحركة والحياة في جميع الكائنات الحية. وتعتبر حركة الجبلة (البروتولازم) في خلايا نبات (الإيلوديا) مظهراً من مظاهر الحياة. أما القوة أو القوى التي تجعل هذه الجبلة (البرتوبلازم) يتحرك والتي ينشأ عنها هذا التيار المستمر فهي مالا تعرفه معرفة اليقين ومالا نستطيع أن نفسره في حدود معرفتنا الخالية تفسيراً صحيحاً. ولكننا نشاهد هذه الحركة البروتوبلازمية هنا وهنالك في عالم الأحياء من حيوان ونبات وتعرف هذه الظاهرة تدفق الحشوة (السيتوبلازم) وتعرف في نبات الإيلوديا بالذات بدوران الحشوة (السيتوبلازم) بسبب ما يشاهد من حركة البلاستيدات الخضر داخل خلاياها حركة دائرية مستمرة.
وإذا وضعت قطرة من ماء مزرعة حيوانات أولية تشتمل على الأميبيا فوق شريحة زجاجية دافئة، ثم فحصتها بالمجهر، فإنك تستطيع أن تشاهد ان الجبلة (البروتوبلازم) يتحرك حركة عجيبة، فالأميبيا لا تسبح في الماء ولا تطفو على سطح قطرة الماء أو تندفع في جوفها ولكنها تتحرك كما لو كانت تنسكب أو تسيل. أما جسم الأميبا فهو كتلة عارية من البروتولازم يتحرك حركة عجيبة، فالأميبيا لا تسبح في الماء ولا تطفو على سطح قطرة الماء أو تنطفع في جوفها ولكنها تتحرك كما لو كانت تنسكب أو تسيل. أما الأميبيا فهو كتلة عارية من البروتوبلازم وهو يختلف عن الخلية النباتية فأنه لا يحيط به من الخارج جدار صلب، بل مجرد غشاء رقيق يحدد جسمه. كلما تحركت الجبلة (البروتوبلازم) في اتجاه من
стр. 78
الاتجاهات، أطاعه ذلك الغشاء وتحرك معه في نفس الاتجاه. وبذلك يتغير شكل الحيوان وتتكون له زوائد لا تلبث أن يتغير شكلها بعد قليل. وبهذه الطريقة يتحرك الحيوان وتتكون له زوائد لا تشبه الأقدام، والتي تسمى بسبب ذلك (الأقدام الكاذبة) .
ومن الممكن استخدام القوة المكبرة العظمى لمشاهدة الحشوة (السيتوبلازم) عند اندفاعه في الأقدام الكاذبة، ولكي نشاهد أن جسم الحيوان يتكون من طبقتين من الجبلة (البروتوبلازم) يختلفان في كثافتيهما. أما إحداهما فهي كتلة شفافة مائية دائمة الحركة، وأما الأخرى فهي كتلة هلامية نصف صلبة تحيط بالطبقتين السابقة إحاطة تامة، ويعتقد بعض العلماء ان الاختلاف في كثافة هاتين الطبقتين هو الذي يساعد على حدوث الحركة. فالطبقة الخارجية تضغط على الداخلية فتجعليها تندفع في اتجاه معين مكونة تلك الأقدام الكاذبة. ويعتقد آخرون أنه يمكن تفسير الحركة على أساس نظرية التوتر السطحي، وهي نظرية يدرسها طلاب الجامعات عند بداية دراستهم للأحياء، ومع ذلك فإننا لا نستطيع ان نبين لهم أسبابها. وحتى إذا سلمنا بالتفسير الأول لحركة الأميبيا، فينبغي أن نعترف بأننا لا نعرف شيئاً عن عمليات التحول الغذائي التي تسببها هي الأخرى.
هذان طرازان من الخلايا يختلفان عن بعضهما اختلافاً كثيراً، أحدهما من نبات أخضر والآخر فرد حيواني، وكل منهما يتكون من خلية بسيطة. وتعرف الأمبيا بين علماء الحيوان بأنها أبسط الحيوانات تركيباً. والواقع أن حركة الجبلة البورتوبلازم فيها تعتبر أبسط أنواع الحركة في المملكة الحيوانية. أما الإيلوديا فبرغم أنها نبات زهري بسيط، فإن خلاياها غير متخصصة أو متنوعة كما هو الشأن في كثير من النباتات الأخرى. فهي على التحقيق خلايا بسيطة. ومع ذلك فإن كل خلية من هذه الخلايا، إنما هي جهاز معقد، يقوم بطريقته الخاصة بجميع الوظائف المعقدة الضرورية للحياة، ومنها الحركة ومنها الحركة التي شاهدنا أحد مظاهرها. وتؤدي كل خلية من الخلايا وظائفها الحيوية العديدة بدرجة من الدقة يتضاءل بجانبها أقصى ما وصل إليه الإنسان من دقة في صناعة الساعات الدقيقة. وبمناسبة
стр. 79
الحديث عن الساعات فقد توصل الإنسان إلى صناعة ساعات بالغة الدقة والروعة، يستطيع بعضها أن يمتلىء بطرقة آلية عند ما يحرك الإنسان يده التي تحمل الساعة. ولا يمكن أن يتصور العقل البشري أن آلة دقيقة كالساعة قد وجدت بمحض المصادفة، دون الاستعانة بالعقل المفكر واليد الماهرة، أو أن تلك الساعة الأوتوماتيكية التي تدور من تلقاء نفسها قد صنعت نفسها أو أخذت تتحرك دون ان يبدأ أحد في تحريكها فإنه يستحيل علينا أن نفسر كل ذلك ما لم نسلم، عن طرق العقل والمنطق، أو وراء كل ذلك عقلاً وتدبيراً. هذا العقل وهذا التدبير وتلك القوة التي تعجز عنها المادة العاجزة عن التفكير والتدبير ليست إلا من مظاهر قوة الله وحكمته وتدبيره.
حقيقة أن هنالك بعض القوى والمؤثرات الخارجية الموجودة في البيئة والتي تؤثر في حركة الجبلة داخل الخلايا، فبعض الباحثين يشير إلى درجة الحرارة، وربما الضوء أو الضغط الأسموزي، أو غير ذلك من المؤثرات التي تؤثر فعلاً في حركة البروتوبلازم دائبة لا تنقطع، حتى عندما يزول أثر جميع هذه المؤثرات. ومعنى ذلك أن جانباً على الأقل من أسباب هذه الظاهرة يرجع إلى الجبلة ذاتها. فمن المحال إذن أن نفسر ظواهر الحياة على أنها مجرد استجابات لبعض المؤثرات الخارجية.
وبهذه المناسبة نحن نعلم أنه عندما نشطر خلية حية إلى نصفين بطريقة التشريح الدقيق بحيث تكون النواة في أحد القسمين دون الآخر، فإن القسم الخالي من النواة يموت بعد قليل. وقد أخفقت جميع الجهود التي بذلت للاحتفاظ بها حيا. وعلى ذلك فإن النواة هي التي تنظم العمليات الحيوية في الخلية وتسيطر عليها، فإذا زال هذا الإشراف توقفت الحياة. وهكذا نرى أن خالق هذا الكون ومنظمه يعتبر ضرورياً لخلق الخلية والإنسان، بل لخلق العقول المفكرة التي تبحث عن الحقيقة وعن السبب الأول.
стр. 80
وانا لا أريد أن أقول هنا إنني أومن بالله بسبب عجزي في الوقت الحاضر عن إدراك سبب ظاهر الحركة في البروتوبلازم أو غيرها من الظواهر، وأنا أعلم أن كثيراً من الناس يستخدمون هذا الأسلوب من أساليب المنطق ويقولون إذا كانت العلوم عاجزة عن التفسير فلابد من التسليم بوجود الله، ولكنني أرفض هذا المنطق رفضاً باتاً وأقول إنه حتى عندما نكتشف الحقائق ويزول عنا ذلك الغموض يوماً من الأيام ونصير قادرين على فهم الخلية الحية بصورة أفضل، فإننا لا نفعل أكثر من أن نتبع ونتدبر ما صنعه ودبره خالق ومدبر أكبر، وهو الذي جعل هذا البروتوبلازم يتحرك في بادئ الأمر وهو الذي يجعله يتحرك ويؤدي كل وظائفه.
لقد وضعت نظريات عديدة، لكي تفسر لنا كيف نشأت الحياة من عالم الجمادات، فذهب بعض الباحثين إلى ان الحياة قد نشأت من البورتوجين أو من الفيروس أو من تجمع بعض الجزيئات البروتينية الكبيرة. وقد يخيل إلى بعض الناس أن هذه النظريات قد سدت الفجوة التي تفصل بين عالم الأحياء وعالم الجمادات. ولكن الواقع الذي ينبغي أن نسلم به هو أن جميع الجهود التي بذلت للحصول على المادة الحية من غير الحية، قد باءت بخذلان وفشل ذريعين.
ومع ذلك فإن من ينكر وجود الله لا يستطيع أن يقيم الدليل المباشر للعالم المتطلع على أن مجرد تجمع بعض الذرات والجزيئات عن طرق المصادفة، يمكن أن يؤدي إلى ظهور الحياة وصيانتها وتوجيهها بالصورة التي شاهدناها في الخلايا الحية. وللشخص مطلق الحرية في أن يقبل هذا التفسير لنشأة الحياة، فهذا شأنه وحده. ولكنه إذ يفعل ذلك فإنما يسلم بأمر أشد إعجاز وصعوبة على العقل من الاعتقاد بوجود الله الذي خلق هذه الأشياء ودبرها.
إنني أعتقد أن كل خلية من الخلايا الحية قد بلغت من التعقيد درجة يصعب علينا فهمها، وان، ملايين من الخلايا الحية الموجودة على سطح الأرض تشهد بقدرته شاهدة تقوم على الفكر والمنطق، ولذلك فإنني أومن بوجود الله إيماناً راسخاً.
стр. 81
منطق الإيمان
كتبه: جورج هربرت بلونت
أستاذ الفيزياء التطبيقية
حاصل على درجة الماجستير من معهد كاليفورنيا التكنولوجي – كبير المهندسين بقسم البحوث الهندسية بجامعة كاليفورنيا.
انني أومن بالله، بل وأكثر من ذلك، انني أوكل اليه أمري، ففكرة الألوهية بالنسبة إلى ليست مجرد قضية فلسفية، بل ان لها في نفسي قيمتها العلمية العظمى، وايماني بالله جزيء من صميم تحياتي اليومية.
ويختلف هذا الرأي اختلافا كبيرا عما يذهب اليه كثير من المفكرين، فهنالك عدد غير قليل من عمالقة الفكر واستبعدوا فكرة وجود الله عن محيطهم وأقاموا من أنفسهم دعاة إلى الالحاد، وهذا يفرض علينا ان نوضح الأسباب التي تدعونا إلى الايمان بالله.
ولدى محاولتي القيام بهذا الواجب، احب ان أوضح بعض خواطري، وان أناقش بعض النظريات الهامة التي تدعو إلى الإيمان أو الإلحاد، ولسوف تعيننا مناقشة هذه الآراء على ادراك الأسباب التي تدعو كل من يستخدم عقله إلى الايمان بالله، وأريد بعد ذلك ان أبين لماذا يؤمن الناس بالله.
لقد درس كثير من الباحثين الأسباب التي تجعل الناس يؤمنون ايمانا أعمى يقوم على التسليم لا على أساس المنطق والاقتناع، وما يؤدي اليه هذا النوع من الايمان من أفكار متناقضة حول صفات الله. وتدل الشواهد على ان هنالك نوعا من الاجماع بين الفلاسفة والمفكرين على ان لهذا الكون إلها، ولكن لا يوجد هنالك اتفاق على ان هذا الإله هو ذاته إله الكتب المقدسة. وليس معنى ذلك بطبيعة الحال ان هنالك مطعنا في تلك
стр. 82
الكتب، أو ان ذلك الغموض يرجع إلى عدم وجود الأدلة الكافية، فقد يكون العيب في المنظار ذاته الذي ترى به الحقائق، وعندئذ يؤدي ضبط المنظار إلى المزيد من الوضوح، ولكن حتى مع ذلك يبدو أن الأدلة في حد ذاتها لا تعطي الحكم المطلق.
ولكي أبين القيمة الحقيقية للأدلة وما يعتبر من وجهة نظري الطريقة السليمة لاستخدامها، أحب ان الفت الأنظار إلى طريقة الاستدلال التي نستخدمها في علوم الرياضة.
فمن المعروف في علم الهندسة، أننا نستطيع ان نبني كثيرا من النظريات على عدد قليل، من البديهيات، أو تلك الفروض التي نسلم بها ونقبلها دون مناقشة أو جدال حول صحتها، فالعلماء يسلمون أولا بالبديهيات، ثم يتتبعون مقتضياتها أو النتائج التي تترتب عليها. وعند إثبات اي نظرية نجد ان برهانها يعتمد في النهاية على مسلمات أو امور بديهية، ومع ذلك فان النظريات مجتمعة لا تستطيع ان تقدم دليلا على صحة بديهية من هذه البديهيات، ولكننا نستطيع ان نختبر صحة هذه البديهيات بمعرفة ما يترتب على استخدامها من اتفاق أو تضارب مع التطبيقات العملية والحقائق المشاهدة. ولا تعتبر صحة النظريات التي تقوم على الاخذ بهذه البديهيات، ولا مجرد عدم مشاهدة آثار للتناقض بين هذه النظريات وبين الواقع والمشاهد، دليلا أو برهانا كافيا على صحة البديهيات المستخدمة. فالواقع اننا نقبل البديهيات قبول تسليم وإيمان. وليس معنى ذلك بطبيعة الحال انه تسليم وإيمان أعمى لا يقوم على البصيرة.
وكذلك الحال فيما يتعلق بوجود الله، فوجوده تعالى أمر بديهي من الوجهة الفلسفية، والاستدلال بالأشياء على وجود الله – كما في الإثبات الهندسي – لا يرمي إلى اثبات البديهيات (١) ، ولكنه يبدأ بها، فاذا كان هنالك اتفاق بين هذه البديهية وبين
стр. 83
ما نشاهده من حقائق هذا الكون ونظامه، فان ذلك يعد دليلا على صحة البديهية التي اخترناها. وعلى ذلك فان الاستدلال على وجود الله يقوم على أساس المطابقة بين ما نتوقعه اذا كان هنالك إله وبين الواقع الذي نشاهده.
والاستدلال بهذا المعنى ليس معناه ضعف الإيمان، ولكنه طريقة مقبولة البديهيات قبولا يتسم باستخدام الفكر، ويقوم على أساس الاقتناع بدلا من ان يكون تسليما أعمى.
والأدلة أنواع: منها الأدلة الكونية، ومنها الأدلة التي تقوم على ادراك الحكمة، ثم الأدلة التي تكشف عنها الدراسات الإنسانية.
فالأدلة الكونية تقوم على اساس ان الكون متغير، وعلى ذلك فانه لا يمكن أن يكون أبديا، ولابد من البحث عن حقيقة أبدية عليا. اما الأدلة التي تبنى على ادراك الحكمة فتقوم على اساس ان هنالك غرضا معينا أو غاية وراء هذا الكون، ولا بد ذلك من حكيم أو مدبر. وتكمن الأدلة الإنسانية وراء طبيعة الإنسان الخلقية، فالشعور الإنساني في نفوس البشر انما هو اتجاه إلى مشرع أعظم.
ولما كان اشتغالي بالعلوم ينحصر في التحليل الفيزيائي، فان الأدلة التي يتجه اليها تفكيري تعتبر من النوع الذي يبحث عن حكمة الخالق فيما خلق. ولاكتشاف القوانين التي تخضع لها الظواهر المختلفة، لابد من التسليم أولا بان هذا الكون أساسه النظام، ثم يتجه عمل الباحث نحو كشف هذا النظام.
ويبدأ الباحث عمله عند حل مشكلة من المشكلات بعمل نموذج أو تجربة تعينه على دراسة الظاهرة التي يدرسها، وليس النموذج أو التجربة الا محاولة لاختبار صحة فرض من الفروض. ويجب ان يكون هذا الفرض بسيطا مع مطابقته للواقع، ثم يدور البحث حول النموذج أو التجربة لمعرفة العوامل التي تؤثر في الظاهرة التي هي موضع البحث، فاذا كانت
стр. 84
النتائج مؤيدة للفرض الذي بدأ به، فانه يعده صحيحا لأن ما ينطبق على هذا النموذج ينطبق أيضا على سواه، مما يدل على تسليمنا بأن هنالك نظاما يسود هذا الكون.
ولا يمكن ان يتصور العقل ان هذا النظام قد نشأ من تلقاء نفسه من العدم أو من الفوضى، وعلى ذلك فان الإنسان المفكر لابد ان يصل ويسلم بوجود إله منظم لهذا الكون، وعندئذ تصير فكرة الألوهية احدى بديهيات الحياة، بل الحقيقة العظمى التي تظهر في هذا الكون، والمطابقة بين الفرض والنتيجة تعد برهانا على صحة هذا الفرض. والمنطق الذي نستخدمه هنا هو انه اذا كان هنالك اله فلا بد ان يكون هنالك نظام. وعلى ذلك فما دام هنالك نظام فلابد من وجود إله.
ويلاحظ ان للملحدين منطقهم، ولكنه منطق سلبي، فهم يقولون ان وجود الله يستدل عليه بشواهد معينة وليس ببراهين قاطعة، وهذا من وجهة نظرهم يعني عدم وجوده تعالى. انهم يردون على الأدلة الكونية بقولهم: ان المادة والطاقة يتحول كل منهما إلى الآخر بحيث يمكن ان يكون الكون بذلك أبديا. كما أنهم ينكرون النظام في الكون، ويرونه مجرد وهم، وهذا ينكرون الشعور النفسي بالعدالة والاتجاه نحو موجه أعظم، ومع ذلك لا يستطيعون ان يقيموا دليلا واحدا على عدم وجود الله، ومن منطقهم: ان الأدلة المقدمة لإثبات وجود الله لا تعتبر كافية من وجهة نظرهم.
وهنالك فئة أخرى من الملحدين لا يعترفون بإله لهذا الكون لانهم لا يرونه، ولكنهم لا ينفون وجود اله في كون أو عالم آخر غير هذا الكون. ولا شك ان هذا موقف مائع متضارب لا يستند إلى أساس سليم.
فاذا قارنا بين الشواهد التي يستدل بها المؤمنون على وجود الله، وتلك التي يستند اليها الملحدون في انكار ذاته العلية، لا تضح لنا ان وجهة نظر الملحد تحتاج إلى تسليم اكثر مما تحتاج اليه وجهة نظر المؤمن، وبعبارة اخرى نجد المؤمن يقيم ايمانه على البصيرة (١)
стр. 85
، اما الملحد فيقيم الحاده على العمى (١) . وانا مقتنع ان الإيمان يقوم على العقل وان العقل يدعو إلى الإيمان. واذا كان الإنسان يعجز أحيانا من مشاهدة الأدلة، فقد يكون ذلك راجعا إلى عدم قدرته على ان يفتح عينيه.
ومجرد الاقتناع بوجود الله، لا يجعل الإنسان مؤمنا، فبعض الناس يخشون من القيود التي يفرضها الاعتراف بوجود الله على حريتهم. وليس هذا الخوف قائما على غير أساس، فاننا نشاهد ان كثيرا من المذاهب المسيحية، حتى تلك التي تعتبر مذاهب عظمى، تفرض نوعا من الدكتاتورية على العقول. ولا شك ان هذه الدكتاتورية الفكرية انما هي من صنع الانسان وليست بالأمر اللازمن في الدين، فالانجيل مثلا يسمح بالحرية الفكرية حينما يقول: (قال الرب أقبل علينا ودعنا نفكر معاً) (٢) .
فماذا يدعو الانسان إذن إلى الإيمان الحقيقي والاعتراف بوجود الله؟ انه نفس الشيء
стр. 86
الذي يدعو إلى الاعتراف بوجود صديقه، وعلى ذلك فان الايمان الحقيقي يحدث عندما يتجه الانسان إلى ربه ويرجع اليه.
وأعتقد انني قد آمنت بالله بهذه الطريقة، كما أعتقد ان الإيمان بالله يقوم على اساس المنطق والاقتناع، ولكن هذا يعتبر أمرا ثانويا بالنسبة للأمر الأول: لقد اتجهت إلى الله وحصلت على خبرة شخصية محض لا أستطيع ان أقدمها اليك. فاذا كنت في شك من أمره تعالى فاليك الحل: (اتجه اليه وسوف تجده) .
стр. 87
موجهات جيولوجية
كتبه: دونالد روبرت كار
أستاذ الكيمياء الجيولوجية – حاصل على الدكتوراه من جامعة كولومبيا – مساعد بحوث بجامعة كولومبيا – أستاذ مساعد بكلية شلتون – أخصائي في تقدير الأعمار الجيولوجية باستخدام الاشعاعات الطبيعية.
من المحال ان ادخل في مناقشة حول وجود الله، دون ان أكون متأثرا ببعض الاتجاهات. وقد يبدو ذلك متعارضا مع الروح العلمية، ولكن دعني اوضح ذلك اولا ثم أعقب ببعض الملاحظات العلمية.
عندما يطلب الينا ان نبين الأسباب التي تدعونا إلى الإيمان بالله، نستطيع ان نجد في بحوثنا العلمية ما يدعونا بقوى إلى الإيمان به، ولو انه ليس من الضروري ان يكون هو نفس إله الكتاب المقدس، ثم نحاول بعد ذلك ان نثبت ان هذا الإله هو ذاته إله الكتاب المقدس. وهذا الأمر يعتمد كثيرا على الإيمان الروحي، ويتوقف على ما يبثه الله من إيمان في قلوبنا.
لقد حصلت على الإيمان الروحي من عند الله، وهو الذي يسيطر على تفكيري عندما أجيب على مسألة وجوده، وعلى ذلك فان ايماني بالله قد يعتبر قائما على أساس شخصي، وقد يدعو ذلك إلى اتهامي بالريبة أو الغموض، ولكني احب ان اطلب إلى أولئك الذين يوجهون إلى هذا الاهتمام ان يبينوا لي كيف يمكن ان تقوم العلاقة بين المخلوق والخالق على غير هذا الاساس.
ان دراستي العلمية ليس لها شان بايماني بالله وتوكلي عليه وحاجتي اليه. فلقد كان
стр. 88
الدافع إلى هذا الايمان حاجة ملحة شعرت بها في قرارة نفسي. اما دراستي بعد ذلك الكيمياء الجيولوجية فقد نادتني إلى الاعتقاد بوجود خالق لهذا الكون. فليس من الغريب اذن ان اعتقد ان هذا الكون ليس الا مظهرا من مظاهر قدرة الله.
وتتلخص النقط التي تمس فيها دراسة الكيمياء الجيولوجية الفلسفة الدينية في نقطتين:
١- تحديد الوقت الذي بدأ فيه هذا الكون.
٢- النظام الذي يسوده.
أما عن تحديد عمر التكوينات الجيولوجية مثل مواد الشهب وغيرها، فقد أمكن باستخدام العلاقات الاشعاعية ان نحصل على صورة شبه كمية عن تاريخ الارض. ويستخدم في الوقت الحاضر عدد من الطرق المختلفة لتقدير عمر الأرض بدرجات متفاوتة من الدقة، ولكن نتائج هذه الطرق متقاربة إلى حد كبير، وهي تشير إلى ان الكون قد نشأ منذ نحو خمسة بلايين سنة، وعلى ذلك فان هذا الكون لا يمكن ان يكون أزليا. ولو كان كذلك لما بقيت فيه اي عناصر اشعاعية. ويتفق هذا الرأي مع القانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية. اما الرأي الذي يقول بأن هذا دوري، اي انه ينكمش ثم يتمدد، ثم يعود فينكمش من جديد.. الخ. فانه راي لم يقم على صحته دليل، ولايمكن ان يعتبر رأيا علميا، بل مجرد تخمين. ومن ذلك نرى ان القول بان للكون بداية، يتفق مع ما جاء مثلا في الانجيل: (لقد خلق الله البداية السموات والأرض) . وهو رأي تؤيده قوانين الديناميكا الحرارية والأدلة الفلكية والجيولوجية.
اما مبدأ الانتظام، فيعتبر من البديهيات في علم الجيولوجيا. وينص هذا المبدأ على ان جميع العمليات الجيولوجية والكيماوية الجيولوجية التي تعمل الآن، كانت تعمل أيضا فيما مضى. وعلى ذلك فان فهمنا لهذه العمليات يعيننا على تفسير التاريخ الجيولوجي. فانتظام الكون ووجود القوانين الطبيعية، هما أساس العلم الحديث.
والكون المنتظم الذي يعتبر على درجة كبيرة من الأهمية بالنسبة للمشتغلين بالعلوم
стр. 89
يتفق مع ما تحدثنا عنه الكتب السماوية من ان الله هو الذي أبدع هذا الكون، وهو الذي يمسكه ويحفظه.
ولو كان الكون قائما على الفوضى، لما كان هنالك معنى لما قاله القديس بول: (ان قدرة الله وألوهيته تتجليان في كل شيء منذ خلق الله هذا الكون) .
ولولا انتظام الكون ما كان هنالك مكان لمعجزة من المعجزات، فكثير من المعجزات التي جاءت بها الرسل هي قبل كل شيء خروج على نواميس الطبيعة، ولا يمكن تقديرها ومعرفة قيمتها الحقيقية الا في كون منظم تسير ظواهره تبعا لقوانين معينة وسنن مرسومة.
وكما قال العالم الجيولوجي (داوسن) Dawson منذ سنوات: (ان الايمان بسنن الله الكونية ضروري بالنسبة للمعنى الفلسفي لصلاة الانسان ودعائه.. فلو كان الكون قائما على الفوضى، أو لو أنه كان أمرا حتميا لا سبيل إلى تعديله، لما كان هنالك مكان لصلاة الإنسان ودعائه. اما اذا اعتقد الانسان ان ها الكون يقع تحت سيطرة اله مشرع حكيم رحيم – لا مجرد مدير لجهاز أآلي – فاننا نستطيع ان نتقدم اليه بالصلاة والدعاء، لا لنغير خطته العظمى وسننه، ولكن لكي يدبر – بحكمته الواسعة ومحبته لنا – الأقدار بحيث تفي بحاجاتنا) (١) .
واخيرا فان الكيمياء الجيولوجية التي أدرسها تعلمنا ان ننظر إلى الأشياء نظرة واسعة وان نفكر في الزمان على أساس بلايين السنين، والى المكان نظرة تشمل الكون بأسره، والى العمليات المختلفة بحيث تشمل دوراتها الكون كله. ان مثل هذه النظرة إلى الأمور تجعلنا نزداد تقديرا لعظمة الله وجلاله. أما غير المؤمنين فسوف يمتلئون رهبة ورعبا،
стр. 90
وقد يضطرون آخر الامر ان يسلموا ان السموات تشهد بعظمة الله وان احكامها يدل على بديع صنعته.
ويتجلى التوافق بين العلوم والدين في ذلك النشيد الديني الذي أستمع اليه تتغنى به الملايين في أمريكا، والذي ربما كان تأليفه من وحي الكشوف العلمية الحديثة التي تمت في السنوات الأخيرة، ويقول هذا اللحن:
(يا إلهي العظيم، عندما أنظر بعجب ورهبة إلى كل العوالم التي صنعتها يداك، وأبصر النجوم، وأسمع هدير الرعد وزمجرته، حينئذ تتجلى لي قوتك في كل أرجاء الكون، عندئذ تغني روحي وتناجي الهي الكبير، ما أعظم إبداعك، ما أعظم إبداعك) .
стр. 91
المبدع الأعظم
كتبه: كلود. م. هاثاواي
مستشار هندسي _ حاصل على درجة الماجستير من جامعة كولورادو – مستشار هندسي بمعامل شركة جنرال الكتريك – مصمم العقل الإلكتروني للجمعية العلمية لدراسة الملاحة الجوية بمدينة لانجي فيلد – اخصائي الآلات الكهربائية والطبيعية للقياس.
قبل ان أبين الاسباب التي تدعونا إلى الإيمان بالله، أحب ان أذكر ان معظم ايماني به تعالى في المرحلة الراهنة من مراحل حياتي، يقوم على أساس الخبرة أو الممارسة.
والواقع اننا لا يجوز لنا ان نستبعد كثيرا من المعتقدات التي تقوم على أساس الخبرة أو الممارسة، أو ان ننظر اليها على انها لا تقوم على أساس عقلي، فنحن اذا فعلنا ذلك نكون قد انتقصنا من قدر الطريقة العلمية ذاتها، والأفضل ان نسمي مثل هذه المعتقدات (فوق فكرية) .
وبرغم ان ايماني بالله في السنوات السابقة، كان يقوم على أسباب سوف أتناولها بالشرح بعد قليل، فان ايماني به في الوقت الحاضر يقوم على أساس خبرة أو معرفة داخلية به، وهي خبرة أو معرفة تتضاءل بجانبها جميع المجادلات الفكرية.
وبرغم ان هذا النوع من الاستدلال لا يعد مقنعا بالنسبة لمن لم يمارسوه، فان له وجاهته وقوته بالنسبة لمن مارسه.
لقد وجدت ان الايمان بالله هو الملاذ الوحيد الذي تطمئن اليه الروح، وكما يقول اوغستين: (لقد خلقنا الله لنفسه، وان ارواحنا لتبقى قلقة حائرة حتى تجد راحتها في رحابه) .
стр. 92
اما من حيث الأسباب الفكرية التي تدعوني إلى الإيمان بالله، فانني أحب ان أبدأ بذكر الحقائق التي لا سبيل إلى انكارها والتي لا أشك في أن غيري ممن أسهموا في هذا الكتاب قد تناولوها، وهي ان التصميم يحتاج إلى مصمم. وقد دعم هذا السبب القوي من أسباب ايماني بالله ما أقوم به من الأعمال الهندسية. فبعد اشتغالي سنوات عديدة في عمل تصميمات لاجهزة وأدوات كهربية، ازداد تقديري لكل تصميم أو ابداع اينما وجدته. وعلى ذلك فانه مما لا يتفق مع العقل والمنطق ان يكون ذلك التصميم البديع للعالم من حولنا الا من ابداع اله اعظم لا نهاية لتدبيره وإبداعه وعبقريته. حقيقة ان هذه طريقة قديمة من طرق الاستدلال على وجود الله، ولكن العلوم الحديثة قد جعلتها أشد بيانا وأقوى حجة منها في اي وقت مضى.
ان المهندس يتعلم كيف يمجد النظام، وكيف يقدر الصعاب التي تصاحب التصميم عندما يحاول المصمم ان يجمع بين القوى والمواد والقوانين الطبيعية في تحقيق هدف معين، انه يقدر الابداع بسبب ما واجهه من الصعاب والمشكلات عندما يحاول ان يضع تصميما جديداً.
لقد اشتغلت منذ سنوات عديدة بتصميم مخ الكتروني يستطيع ان يحل بسرعة بعض المعادلات المعقدة المتعلقة بنظرية (الشد في اتجاهين) . ولقد حققنا هدفنا باستخدام مئات من الأنابيب المفرغة والأدوات الكهربائية والميكانيكية والدوائر المعقدة ووضعها داخل صندوق بلغ حجمه ثلاثة أضعاف حجم اكبر (بيانو) . ولا تزال الجمعية الاستشارية العلمية في لانجلي فيلد تستخدم هذا المخ الإلكتروني حتى الآن. وبعد اشتغالي باختراع هذا الجهاز سنة أو سنتين، وبعد ان واجهت كثيرا من المشكلات التي تطلبها تصميمه ووصلت إلى حلها، صار من المستحيلات بالنسبة إلى ان يتصور عقلي ان مثل هذا الجهاز يمكن عمليه بأية طريقة أخرى غير استخدام العقل والذكاء والتصميم.
وليس العالم من حولنا الا مجموعة هائلة من التصميم والإبداع والتنظيم. وبرغم استقلال
стр. 93
بعضها عن بعض، فانها متشابكة متداخلة، وكل منها اكثر تعقيدا في كل ذرة من ذرات تركيبها، من ذلك المخ الالكتروني الذي صنعته. فاذا كان هذا الجهاز يحتاج إلى تصميم افلا يحتاج ذلك الجهاز الفسيولوجي الكيمي البيولوجي الذي هو جسمي، والذي ليس بدوره الا ذرة بسيطة من ذرات هذا الكون اللانهائي في اتساعه وابداعه، إلى مبدع يبدعه؟
ان التصميم أو النظام أو الترتيب، أو سمها ما شئت لا يمكن ان تنشا الا بطريقين: طريق المصادفة أو طريق الابداع والتصميم. وكلما كان النظام اكثر تعقيدا، بعد احتمال نشأته عن طريق المصادفة. ونحن في خضم هذا اللانهائي لا نستطيع الا ان نسلم بوجود الله.
أما النقطة الثانية التي اريد ان أشير إليها في هذا المقام، فهي ان مصمم هذا الكون لا يمكن ان يكون ماديا. وانني أعتقد ان الله لطيف غير مادي. وانني أسلم بوجود اللاماديات، لانني بوصفي من علماء الفيزياء اشعر بالحاجة إلى وجود سبب أول غير مادي. ان فلسفتي تسمح بوجود غير المادي، لانه بحكم تعريفه لا يمكن إدراكه بالحواس الطبيعية، فمن الحماقة اذن ان أنكر وجوده بسبب عجز العلوم عن الوصول اليه، وفوق ذلك فان الفيزياء الحديثة قد علمتني ان الطبيعة اعجز من ان تنظم نفسها أو تسيطر على نفسها.
وقد أدرك سير اسحاق نيوتن ان نظام هذا الكون يتجه نحو الانحلال، وانه يقترب من مرحلة تتساوى فيها درجة حرارة سائر مكوناته، ووصل من ذلك إلى انه لابد ان يكون لهذا الكون بداية، كما انه لابد ان يكون قد وضع تبعا لتصميم معين ونظام مرسوم، وأيدت دراسة الحرارة هذه الآراء وساعدتنا على التمييز بين الطاقة الميسورة والطاقة غير الميسورة، وقد وجد انه عند حدوث اي تغيرات حرارية فان جزءا معينا من الطاقة الميسورة يتحول إلى الطاقة غير الميسورة، وانه لا سبيل إلى ان يسير هذا التحول في الطبيعة بطريقة عكسية، وهذا هو القانون الثاني من القوانين الديناميكية الحرارية.
وقد اهتم بولتزمان بتمحيص هذه الظاهرة، واستخدم في دراستها عبقرية ومقدرته
стр. 94
الرياضية، حتى اثبت ان فقدان الطاقة الميسورة الذي يشير اليه القانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية، ليس الا حالة خاصة من ظاهرة عامة تشير إلى ان كل تحول أو تغير طبيعي يصحبه تحلل أو نقص في النظام الكوني. وفي حالة الحرارة يعتبر تحول الطاقة من الصورة الميسورة إلى الصورة غير الميسورة فقدانا أو نقصا في التنظيم الجزيئي، أو بعبارة أخرى تفتتا وانحلالا للبناء. ومعنى ذلك بطريقة اخرى ان الطبيعة لا تستطيع ان تصمم أو تبدع نفسها، لان كل تحول طبيعي لابد ان يؤدي إلى نوع من أنواع ضياع النظام أو تصدع البناء العام. وفي بعض الحالات قد يسير النظام من البسيط إلى المركب، ولكن ذلك لا يتم الا على حساب تصدع اكبر للتنظيم والترتيب في مكان آخر.
ان هذا الكون ليس الا كتلة تخضع لنظام معين، ولابد له اذن من سبب اول لا يخضع للقانون الثاني من قوانين الديناميكا الحرارية، ولابد ان يكون هذا السبب الاول غير مادي في طبيعته.
انه هو الله اللطيف الخبير الذي لا تدركه الأبصار.
стр. 95
نظرة إلى ماوراء القوانين الطبيعية
كتبه: أدوين فاست
عالم الطبيعة
حاصل على درجة الدكتوراه من جامعة أوكلاهوما – وعضو هيئة التدريس بقسم الطبيعة فيها سابقا – يشتغل الآن بالطاقة الذرية.
ان الاجابة عن السؤال الذي يقدمه هذا الكتاب، لا يتطلب من وجهة نظري معالجة معقدة أو مطولة. فمن الممكن ان تكون الاجابة موجزة، ومع ذلك – من وجهة نظري على الأقل – تكون وافية.
فنحن عندما نبحث عن تفسير لاحدى الظواهر في دائرة العلوم الطبيعية، ناخذ في الغالب بابسط النظريات التي تستطيع ان تفسر هذه الظاهرة تفسيرا يتفق مع المشاهدات التجريبية. وقد نعتمد على مجموعة من الفروض لانها تدعم نظرية معينة وتبدو جميعها واضحة أو معقولة، فاذا كانت هذه الفروض سليمة فان النظرية تكون محكمة ويرفع البناء، أما اذا كانت هزيلة أو خاطئة فان النظرية تنهار من أساسها ويتقوض صرحها.
ونظرية الاحتمالات من النظريات الرصينة من الوجهة الرياضية، وهي تستخدم استخداما واسعا في علم الفيزياء. فاذا قذفنا بقطعة من قطع النقد، دون ان نحاول التأثير عليها بأية طريقة من الطرق، ثم كررنا ذلك عددا كبيرا من المرات، فان عدد المرات التي يظهر فيها كل وجه من وجهيها يكون متساوياً. وعندما نلقي (زهر النرد) عددا كبيرا من المرات، فان احتمالات ظهور كل وجه من أوجهه الستة تكون متساوية. ومن الممكن استخدام بعض الحيل لكل نجعل عدد المرات التي يظهر فيها وجه معين من أوجه قطعة النقد أو الزهر اكثر مما يحدث عندما تتحرر العملية من تأثير هذه الحيل أو المؤثرات الخارجية.
стр. 96
ومن الواضح ان الفرق بين الحالتين هو ان القاء العملة أو الزهر في الحالة الاولى كان يعتمد على محض المصادفة، اما في الحالة الثانية فانه يتم تحت تأثير مؤثر خاص.
ومن الممكن ان ننتقل من هذه الاسئلة البسيطة الهينة إلى أمثلة اكثر تعقيدا. خذ مثلا عشرة أو مائة أو مليونا من الوحدات التي تعمل جميعا في وقت واحد لكي تؤدي عملا معينا أو تسلك سلوكا خاصا تبعا لقوانين المصادفة والاحتمالات. فاذا حدث اي انحراف عن النتيجة التي نتوقعها، فانه يجعلنا نبحث عن سبب لهذا الانحراف أو عن مؤثر أو موجه. واذا استطعنا ان نصف هذا المؤثر أو نحدده، فاننا نكون بذلك قد وصلنا إلى احد القوانين الطبيعية التي تفسر لنا لماذا تسلك الأشياء سلوكا معينا. ونحن عندما نتدبر مثلا سلوك النيوترونات أو الالكترونات أو البروتونات في مجال كهربائي أو مغناطيسي، نجد ان كلا منها يسلك سلوكا نستطيع ان نصفه بدقة أو نتنبأ به على أساس القوانين الطبيعية، فخواصها تجعلها تسلك سلوكا معينا يسهل معرفته والتنبؤ به. وكذلك الحال عندما ينبعث شعاع ضوئي من قوس كهربائي من الصوديوم ويمر خلال فتحة ضيقة إلى منشور ثلاثي، فاننا دائما نشاهد خطين متقاربين لونهما برتقالي اصفر وتفصلهما مسافة ضيقة.
والمهم هنا هو ان جميع هذه القوانين الطبيعية التي نصفها ونستخدمها ليس الا مجرد وصف لما يحدث أو لما يشاهد، فهي بذلك ليست تدبيرا أو الزاما، فليس الوصف في ذاته سببا لحدوث ظاهرة من الظواهر، أو توضيحا لاسباب حدوثها.
وعندما تحاول العلوم ان تفسر لنا منشأ الكون، نجدها تبين لنا، في ضوء ما لدينا من المعلومات عن الطبيعة النووية، كيف تتفاعل الجزئيات الأساسية لكي تكون لنا جميع العناصر المعروفة، فجميع العناصر التي يتألف منها هذا الكون تبدأ ببروتونات لها خواص معينة وقوة جاذبة تجعلها تنضم بعضها إلى بعض. أما كيف نشأت هذه البروتونات ذاتها، ولماذا كان لها هذه الصفات بالذات، فان ذلك ما لم تستطع ان تقدم له العلوم شرحا أو بيانا.
стр. 97
ومهما بالغنا في تحليل الأشياء، وردها إلى أصولها الأولى، فلابد ان نصل في نهاية المطاف إلى ضرورة وجود قوانين طبيعية تخضع لها ذرات هذا الكون. ويعد ذلك في ذاته دليلا على وجود اله قادر مدبر، هو الذي قدر لكل ظاهرة من ظواهر هذا الكون ان تسير في طريقها المرسوم. وقد خلق الله الإلكترونات والبروتونات والنيوترونات وجعل لها خواصها المعينة. فرسم لها بذلك سلوكها وأقدارها.
وعندما تحاول عقولنا المحدودة ان ترتد إلى الوراء وتبحث عن ساعة الصفر في تاريخ هذا الكون، نجدها تسلم ضمنا بان لهذا الكون بداية ولحظة معينة نشأت فيها الذرات الدقيقة التي تتألف منها مادة هذا الكون، ولابد ان تكون خواص هذه الجزئيات التي تحدد سلوكها، قد ظهرت معها في نفس الوقت. ومن المنطق السليم ان يكون السبب الأول الذي أوجد هذه الجزئيات هو الذي اودع فيها صفاتها التي تحدد سلوكها. ولابد ان نسلم بان قدرة الخالق وتدبيره وإحكامه تفوق قدرة وتدبير الانسان بل البشر جميعا ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا. وان اذكى العلماء لا يستطيعون الا ان يعترفوا بان الانسان لا يزال حتى اليوم في مهد معرفته باسرار هذا الكون وظواهره.
فاذا انتقلنا إلى العالم العضوي، فاننا نلاحظ ان سلوكه يزداد تعقيدا، وعلى ذلك فان احتمال تفسير هذا السلوك على أساس المصادفة المحض يتضاءل إلى حد لا نهائي، فالمواد الأساسية التي تدخل في بناء المواد العضوية هي الأيدروجين والأوكسجين والكربون مع كميات قليلة من النيتروجين والعناصر الاخرى. ولابد ان تجتمع ملايين من هذه الذرات حتى تتكون أبسط الكائنات الحية. فاذا نظرنا إلى الأنواع الاخرى التي هي اكبر حجما وأشد تعقيدا، فان احتمال تآلف ذراتها على أساس المصادفة المحض يقل إلى درجة لا يتصورها العقل.
واذا نظرنا إلى الكائنات الحية الراقية، فاننا نرى ان من بينها ما لديه من الذكاء ما يجعله قادرا على التخطيط والابتكار والقيام بأعمال تقرب من حد الاعجاز وتحاول ان
стр. 98
تتغلب على القوانين الطبيعية. فاذا تصورنا ان كل ذلك يتم بمحض المصادفة التي تجعل الجزئيات تجتمع بصورة معينة لكي تكون ذرات يتألف بعضها مع بعض لكي تكون أجساما تقوم بدورها بالتكاثر واداء سائر وظائف الحياة ويكون لها عقل وتفكير، دون ان يكون وراء كل ذلك إله مدبر هو الذي خلق فصور فأبدع، فان ذلك ما لا يقبله عقل أو يتصوره فكر. وحتى اذا فعلنا ذلك فاننا نكون قد أخذنا بفرض مستحيل من الوجهة العملية، وطرحنا وراء ظهورنا فرضا منطقيا بسيطا الا وهو وجود الله الذي أنشأ هذا الكون وبدأه بقدرته. فالله هو المبدئ. كلمات بسيطة ولكنها بساطء تتسم بالجلال.
انه جلال الحق وقدسيته.
стр. 99
الله والقوانين الكيماوية
كتبه: جون أزولف بوهلر
مستشار كيماوي - حاصل على درجة الدكتوراه من جامعة إنديانا - أستاذ الكيميا بكلية أندرسون - متخصص في تركيب الأحماض الأمينية والكشف عن الكوبلت.
لكي ندرك كيف تنتسب القوانين الكيماوية إلى الله، ونتبين مبلغ قصور العقل الإنساني، ونعرف لماذا ينبغي أن يتواضع الناس جميعاً حتى أولئك الذين نعدهم من العباقرة فإنني أحب أن أعرض على قرائي لمحة موجزة عن علم الكيمياء، الذي هو ميدان تخصصي. وسوف أحاول الابتعاد عن المصطلحات الفنية وأن أكون واضحا ما استطعت.
فمنذ فجر المدنية والإنسان يحاول أن يفهم كنه التغيرات التي تطرأ على ما يحيط به من عالم الماديات. وقد كان فهمه للمادة في بادىء الأمر يشوبه النقص والغموض، وكان ديمقريطس الذي عاش قيل الميلاد بنحو ٤٠٠ سنة أول من وصل عن طريق التخمين إلى أن جميع الأشياء تتألف من دقائق صغيرة تعتبر كل منها وحدة قائمة بذاتها. وتختلف هذه الفكرة عما كان شائعاً من قبل من أن المادة المادة تتألف من كتلة واحدة متصلة. ولما كانت فكرة ديمقريطس لا تتفق مع ما تشاهده العين من أمر المادة، فقد بقيت هذه الفكرة مدفوعة تحت أنقاض ما كان يسود ذلك العهد من شك في صحتها.
وظلت الكيمياء القديمة من ضروب الشعوذة والسحر ألفي سنة وهي تحاول أن تجد تفسيراً لمعنى المادة. وفي حوالي متصف القرن السابع عشر عاد روبرت بويل إلى
стр. 100
فكرة ديمقريطس من جديد وأطلق اسم العنصر على كل مادة من المواد البسيطة التي لا يمكن تحوليها في المعمل إلى أبسط منها. والعناصر بهذا المعنى تختلف عن المعنى الذي ذهب إليه أرسطوطاليس حينما رأى أن العناصر التي تتألف منها المادة هي الأرض والنار والهواء والماء. وفي سنة ١٧٧٤م أكتشف جون بريستلي الأوكسجين. وفي سنة ١٧٧٦م توصل لورد كافينديش إلى عنصر الإيدروجين. وبعد فترة وجيزة اكتشف لافوزييه أن الهواء خليط منن الأوكسجين والنيتروجين. واستنبط أن الماء هو الآخر لا يمكن أن يكون عنصراً لأنه يمكن تحضيره بإحراق الأيدروجين في الهواء.
لقد كان علم الكيمياء يتقدم بحق، وفي عام ١٧٩٩م توصل الكيماوي الفرنسي جوزيف براوست إلى أن المواد الكيماوية النقية مثل ملح الطعام يكون لها تركيب ثالث، بصرف النظر عن مصدرها. أما بيرثوليت فكان يناقضه ويرى أن الملح المحضر من أماكن مختلفة على سطح الأرض يختلف في تركيبها تبعاً لاختلاف هذه الأماكن. ولقد كسب براوست الجولة بعد مضي ثمان سنوات قضاها في إجراء التجارب وبذلك تبين أن للمركبات تركيباً ثابتاً.
وفي سنة ١٨٠٨ حاول دالتون - وكان مدرساً - أن يجمع كل ما هو معروف من المعلومات الكيماوية حتى ذلك الوقت، وأن يجد تفسيراً لثبات العناصر والمركبات. وقد توصل إلى النظرية الذرية للمادة. فقد كان يرى أن العناصر تتكون من جزيئات صغيرة سماه الذرات وتوصل إلى أن الذرات العنصر الواحد لابد أن تكون متكافئة من جميع الوجوه أما ذرات العناصر المختلفة فمتباينة. وقد أفترض دالتون أن الذرات غير قابلة للكسر فهي لا تستطيع أن تتحول إلى صورة اصغر. وقد أرجع اختلاف العناصر في صفاتها الطبيعية والكيماوية إلى ما بين ذراتها من اختلاف في الوزن والخواص الأخرى. كما بين أن ثبات المركبات يرجع إلى اتحاد العناصر الداخلية في تركيبها بنسب
стр. 101
دقيقة ثابتة في المركب الواحد. وعندئذ أتضح أن الظواهر الكيماوية تخضع لقوانين معينة مثل قانون بقاء المادة وقانون ثبات الركيب وقانون بقاء الطاقة.
بهذه الوسائل التي تسلح بها الكيماويون في بحوثهم العلمية، تحول علم الكيمياء من علم وصفي إلى علم قياسي يعتمد على القياس الدقيق. وما إن فتح ذلك الطريق على أساس الاتجاه حتى ظهر التقدم الحقيقي، وصار من المقرر أن دراسة الكيمياء تقوم على أساس الانتظام والقوانين. ذلك تحولت الكيمياء إلى صف العلوم. وتقدمت دراستها في نصف القرن الذي تلا دالتون تقدماً كبيراَ وسارت في نفس الاتجاه الذي حددته قوانين نيوتن، ونجح العلماء في زيادة عدد العناصر في سنة ١٩٠٠ وبذلك ضربت الكيمياء رقماً قياسياً في تقدمها.
لقد كان دالتون يعتبر الذرة كتلة صلبة من المادة تخضع لقوانين نيوتن. وفي النصف الأخير من القرن التاسع عشر أجريت تجارب عديدة اتضح منها أن هنالك ذرات أكثر تعقيداً من الذرات التي وصفها دالتون، فقد بدأ ماسون في سنة ١٨٥٣م بإمرار تيار كهربائي خلال أنبوبة مفرغة. ثم حاول جسلر أن يعيد التجربة السابقة مستخدما تياراً أقوى ومجموعة من الغازات المختلفة داخل الأنابيب المفرغة. وفي سنة ١٨٧٨م أستطاع كروكس باستخدام أنابيب مفرغة إلى درجة لم يحصل عليها سابقوه، أن يلاحظ بريقا عجيبا داخل الأنبوب عند إمرار التيار الكهربي بها. وقد أثبت طويون أن هذه الأشعة العجيبة تحمل شحنات كهربية سالبة، وأنها تتحرك بسرعة لا يتصورها العقل، وأنها تكاد تكون عديمة الوزن، وقد سميت هذه الأشعة أشعة المهبط، كما سميت الأنابيب التي تتكون داخلها أشعة المهبط. وقد تبين أخيراً أن هذه الأشعة ليست إلا سيلا من الالكترونات المتدفقة.
стр. 102
ثم اكتشفت بعد ظاهرة النشاط الإشعاعي، التي اكتشفتها بكويرل وآل كوري. وقد فتح هذا الاكتشاف عالما جيديا من الجزيئات التي هي دون الذرات. ولم يعد ينظر إلى الذرة على أنها جسم صلب مصمت، بل صار ينظر إليها على أنها تشبه مجموعة شمسية مصغرة، تقع كتلتها الكبرى في مركزها حيث تتجمع البروتونات الموجبة، ومن حول هذه الكتلة يتم توزيع الالكترونات السالبة التي هي ليست إلا وحدات من الطاقة تتحرك حول المركز في نظام معين.
وتتوقف الخواص الطبيعة والكيموية للذرة على ما يحمله حول المركز في نظام معين. وتتوقف على طريقة ترتيب الالكترونات حول النواة. وقد بذلت محاولات في بادىء الأمر لتطبيق قوانين نيوتن على الجزيئات دون الذرة، ولكن اتضح بعد قليل ان هذه القوانين لا تنطبق على تلك الجزيئات الدقيقة. وقد دعا ذلك إلى ضرورة قيام طرق جديدة أخرى للحساب فنشأت نظرية (الكوانتم) أو نظرية الكم. وهي تساعدنا على أن تعبر تعبيراً رياضياً عن احتمال سلوك البروتونات والالكترونات وغيرها من الجزيئات دون الذرية.
وفي سنة ١٩٢٧م توصل هايزنبرج إلى نظرية (الشك) أو عدم التحديد لكي يبين لماذا لا تخضع الجزيئات دون الذرية لقوانين نيوتن. وينص هذا المبدأ على أنه من المحال تعيين موضع أي جزيء وسرعته في لحظة واحدة. فكلما حاولنا أن نشاهد إلكترونا نجد أننا نغير من حالته، وقد يتناول التغيير مكانه أو سرعته أو كليهما.
وعلى ذلك فإننا نستطيع ان نتكلم عن احتمال حدوث ظاهرة، ولكننا لا نستطيع أن نحددها تحيداً دقيقا، وعندئذ نقول إن الطبيعة تخضع لقوانين المصادفة الإحصائية. ونحن في العادة نتعامل مع أعداد كبيرة جداً من الأيونات أو الجزيئات في المعمل، أعداد تبلغ الملايين، فعندما نمزج المحاليل يسلك كل أيون من الأيونات الداخلة في التفاعل سلوكا
стр. 103
خاصاً، سلوك غير منتظم، لا نستطيع أن نتنبأ به، ومع ذلك فإننا نستطيع أن نقدر نتائج التفاعل الكلي تقديرا بالغ الدقة. وقد يكون هنالك مئات الآلاف من الأيونات التي لم تشترك في التفاعل ولكن مادامت الموازين التي نستخدم عاجزة عن تقدير هذا القدر الضئيل منها فإننا نعتبر أن التفاعل قد أكتمل وبلغ درجة التمام.
ويشير دينوي إلى ذلك فيقول: إن كل شيء يتوقف على معايير الملاحظة التي تستخدمها، وإن ما قد نعتبره تاماً أو كاملا باستخدام أحد المعايير قد لا يكون كذلك عندما نستخدم معياراً آخر، فإذا مزجنا جراماً من الكربون لأحد الميكروبات التي تزحف فوق هذا التل من الخليط، فإنه يبدو على صورة مجموعة من الكتل السوداء التي تجاورها كتل بيضاء. ويرجع ذلك إلى اختلاف مستوى الملاحظة في حالة الميكروب عنده في حالتنا.
أما لماذا تخضع الكيمياء للقوانين التي اكتشفناها، فيرجع إلى أنها علم إحصائي. وعلى ذلك فإن القوانين الطبيعية الكيماوية تقوم في أساسها على عدم الانتظام. أما ما نشاهده من انتظام الظواهر فيرجع إلى أننا نتعامل مع أعداد بالغة الكبر تخضع في مجموعها لقوانين الإحصاء وتعطي نتائج محددة. ومن أن النظام الذي نشاهده والتوافق الذي نلاحظه إنما يخرجان من الفوضى.
فما هي القوى الموجهة التي وراء هذه القوانين الإحصائية؟ عندما يطبق الإنسان قوانين المصادفة لمعرفة مدى احتمال حدوث ظاهرة من الظواهر في الطبيعة مثل تكون جزيء واحد من جزيئات البروتين من العناصر التي تدخل في تركيبه، فإننا نجد أن عمر الأرض الذي يقدر بثلاثة بلايين من السنين أو أكثر، لا يعتبر زمنا كافيا لحدوث هذه الظاهرة وتكون هذا الجزيء عن طرق المصادفة إن ذلك لا يمكن أن يحدث إلا إذا كانت
стр. 104
هناك قوة موجهة إلى غاية محددة وتعيننا على إدراك كيف يخرج النظام من الفوضى.
وقد لا تكون نظرية هايزنبرغ عن (عدم التحديد) قائمة الا بسبب عدم قدرتنا على ان نجد طريقة تناسب مستوى فهمنا لملاحظة الالكترون دون ان نؤثر على موضعه أو سرعته. وربما نستطيع في يوم من الايام بعد ان نعرف عن الطاقة اكثر مما نعرفه اليوم ان نشاهد الالكترون بدرجة من الثبات تقرب من الدرجة التي نشاهد بها المريخ مثلا. اما في الوقت الحاضر فان نظرية هايزنبرغ تساعدنا على دراسة الجزئيات دون الذرية بمثل ما كانت نظرية دالتون تساعد به الكيماويين في القرن التاسع عشر.
ولابد أن نسلم بأننا لا نعرف حتى الآن كل ما يمكن أن يعرف عن المادة والطاقة، فنحن لا نزال في بداية الطريق. وقد يكون ما سميناه عدم نظام أو فوضى على المستوى دون الذري مخالفاً لذلك كل المخالفة، فقد تكون أفكارنا خاطئة أو متأثرة بنقص معلوماتنا عن الظواهر المختلفة، أو تقيدنا بجانب غير سليم من الملاحظة.
إن الإنسان يشاهد التنظيم والإبداع حيثما ولى وجهة في نواحي هذا الكون. ويبدو أن هذا الكون يسير نحو هدف معين، كما يدل على ذلك النظام الذي نشاهده في الذرات، فهناك نظام معين تتبعه الذرات جميعها من الأيدروجين إلى اليورانيوم وما بعد اليورانيوم. وكلما أزداد علمنا بالقوانين التي تتحكم في توزيع البروتونات والإلكترونات لإنتاج العناصر المختلفة، أزداد إيماننا بما يسود عالم المادة من توافق ونظام، وقد يجيء اليوم الذي ينكشف لنا فيه كيف تتجمع الطاقة لكي تكون تلك الكتل من المادة. ولقد كان أينشتين أول من أظهر العلاقة الموجودة بين المادة والطاقة. ولا يزال الإنسان في بداية الطري لكشف أسرار الطاقة الذرية، وقد نستطيع في يوم من الأيام أن تحول الطاقة إلى مادة.
стр. 105
وتدل الشواهد على وحدة الكون من الوجهة الكيماوية. ولدينا من الطرق والوسائل ما يمكننا من اختبار كثير من العناصر الموجودة في الكواكب الأخرى، ومعرفة أنها هي نفس العناصر التي توجد على الأرض. وحتى النجوم البعيدة عنا ن فإنها تشتمل على عناصر مشابهة لعناصر الأرض. ويعتقد العلماء أن القوانيين الطبيعية التي تتحكم في هذا الكوكب هي عينا القوانين التي تخضع لها النجوم والكواكب الأخرى في أفلاكها النائية المترامية في الفضاء. فحيثما اتجهنا نجد الإبداع والنظام والتوافق، حتى هنالك ظل من شك عندي في أن إلها قادرا قد أبدع هذا الكون وبناه وحدد وجهته وغايته.
وكنت أرجوا أن يتسع الوقت والمكان لذكر كثير من الأمثلة الأخرى التي تدل على روعة الإبداع وجلال النظام، ولكنني أحب ان أوجه نظر القارىء إلى دورة الماء على الأرض ودورة ثاني أوكسيد الكربون ودورة النشادر ودورة الأكسجين التي تشهد كل منها بحكمة وتدبير وقوة لأحد لها.
وبرغم أن هنالك كثيراً من الأشياء في الطبيعة مما لم يصل الإنسان بعد إلى معرفة كنهه أو تفسيره، ومما لا يزال يكتنفه الغموض، فإننا لا نريد أن نقع في نفس الخطأ الذي وقع فيه الأقدمون عندما اتخذوا آلهة لكي يجدوا تفسيراً لما غمض عليهم، وحددوا لكل إله قدرته وعينوا له وظيفته ودائرة تخصصه. وعندما تقدمت العلوم وأمكن فهم كثير من الظواهر الغامضة ومعرفة القوانين التي تخضع لها، لم يعد هؤلاء الناس في حاجة إلى الآلهة التي نتلمس قدرة الله في النظام الذي خلقه والقوانين التي تحكمها ولكن الإنسان عاجز عن أن يسن تلك القوانين، فهي من صنع الله وحده. ولا يفعل الإنسان
стр. 106
أكثر من أنه يكتشفها ثم يستخدمها في محاولة إدراك أسرار هذا الكون. وكل قانون يكتشفه الإنسان يزيد قربا من الله، وقدرة على إدراكه، فتلك هي الآيات التي يتجلى بها الله علينا، وقد لا تكون هذه هي طريقته الوحيدة في هذا التجلي، فهو يتجلى أيضا في كتبها المقدسة مثلا، ومع ذلك فإن طرقة تجليه تعالى في آياته التي نشاهدها في هذا الكون تعتبر بالغة الأهمية بالنسبة لنا.
стр. 107
العلم تدعم إيماني بالله
كتبه: ألبرت ماكومب ونشستر
متخصص في علم الأحياء
حاصل على درجة الدكتوراه من جامعة تكساس – أستاذ الأحياء بجامعة بايلور – عميد أكاديمية العلوم بفلوريدا سابقا – أخصائي في علم الوراثة وفي تأثير الأشعة السينية على الدروسوفيلا.
هل من الممكن ان يكون للمشتغل بالعلوم نفس الاعتقاد بوجود الله، والتقديس له، كغير المشتغل بالعلوم؟ وهل يوجد في دائرة المستكشفات العلمية ما يمكن ان يقلل من تقدير الانسان لقدرة الخالق الأعظم وجلاله؟ تلك أسئلة تطوف احيانا بعقول بعض من يظنون ان العلماء في ميادين بحوثهم المتسعة يكتشفون من الحقائق ما قد يتعارض مع الدين حسب تفسير بعض المفسرين.
ومن أمثلة ذلك ما حدث لي شخصيا عندما كنت طالبا بالجامعة وكنت قد قررت ان ادرس العلوم. وانني لأذكر جيدا كيف أخذتني احدى عماتي جانبا ذات يوم وتوسلت إلى ان أعدل عن هذا القرار، لان العلوم، كما كانت تعتقد، سوف تقضي على ايماني بالله. لقد كنت تعتبر، كما يعتبر الكثيرون، ان العلوم والدين قوتان متعارضتان، وأنهما لا يمكن ان يجتمعا في قلب رجل واحد.
وانني لأشعر بالغبطة تملأ قلبي اليوم، بعد ان درست العلوم المختلفة، واشتغلت بها سنوات عديدة، ولم يكن في ذلك ما يزعزع ايماني بالله، بل ان اشتغالي بالعلوم قد دعم ايماني بالله حتى صار أشد قوة وأمتن أساسا مما كان عليه من قبل.
ليس من شك في ان العلوم تزيد الانسان تبصرا بقدرة الله. وجلاله، وكلما اكتشف
стр. 108
الانسان جديدا في دائرة بحثه ودراسته زاد ايمانه بالله. لقد حل العلم اليوم محل كثير من الخرافات القديمة التي غالبا ما طغت على المعتقدات الدينية، واستبدل بها حقائق رصينة تستند إلى المشاهدة والتجربة. وكما عدلت الكشوف العلمية أساليب الطب القديمة من الكي والحجامة إلى تلك الأساليب الحديثة من التشخيص والعلاج، فان العلوم الحديثة قد غيرت كذلك من بعض المعتقدات حول علاقة الانسان بالله، فلم يعد الناس يعتقدون ان سبب المرض ما هو الا سخط من الله ينزله بعباده عقابا لهم على خطاياهم، وانما سببه غزو للجسم تقوم به بعض الكائنات الدقيقة التي تخضع لكل القوانين الطبيعية التي تتحكم في سائر الكائنات الحية الاخرى. ان ايماننا بالله لم يتزعزع بسبب معرفتنا بهذه الحقائق، بل ازاداد علما به وبالعالم الذي خلقه ، وكذلك بتلك الكائنات التي يصيب بها من يشاء.
ان الانسان لا يستطيع ان يدرس اعمال اي صانع من الصناع دون ان يحيط بقدر من المعلومات عن الصانع الذي أبدع تلك الاعمال، وكذلك نجد أننا كلما تعمقنا في دراسة أسرار هذا الكون وسكانه، ازددنا معرفة بطبيعة الخالق الأعلى الذي أبدعه. وقد اشتغلت بدراسة علم الأحياء، وهو من ميادين العلمية الفسيحة التي تهتم الحياة، وليس من مخلوقات الله أروع من الأحياء التي تسكن هذا الكون.
انظر إلى نبات برسيم ضئيل وقد نما على أحد جوانب الطريق. فهل نستطيع ان تجد له نظيرا في روعته بين جميع ما صنعه الانسان من تلك العدد والآلات الرائعة؟ انه آلة حية تقوم بصورة دائبة لا تنقطع آناء الليل وأطراف النهار بآلاف من التفاعلات الكيماوية والطبيعية، ويتم كل ذلك تحت سيطرة البروتوبلازم وهو المادة التي تدخل في تركيب جميع الكائنات الحية.
فمن اين جاءت هذه الآلة الحية المعقدة؟ ان الله لم يصنعها هكذا وحدها، ولكنه
стр. 109
خلق الحياة وجعلها قادرة على صيانة نفسها وعلى الاستمرار من جيل إلى جيل من الاحتفاظ بكل الخواص والمميزات التي تعيننا على التمييز بين نبات وآخر. ان دراسة التكاثر في الأحياء تعتبر أروع دراسات علم الاحياء واكثرها اظهارا لقدرة الله. ان الخلية التناسلية التي ينتج عنها النبات الجديد تبلغ من الصغر درجة كبرى بحيث تصعب مشاهدتها الا باستخدام المجهر المكبر. ومن العجب ان كل صفة من صفات النبات: كل عرق، وكل شعيرة، وكل فرع على ساق، وكل جذر أو ورقة يتم تكوينها تحت اشراف مهندسين قد بلغوا من دقة الحجم مبلغا كبيرا فاستطاعوا العيش داخل الخلية التي ينشأ منها النبات. تلك الفئة من المهندسين هي فئة الكروموسومات.
ولهؤلاء المهندسين ذوي الاحجام الضئيلة القدرة على تعديل خواص النباتات التي تنتجها هذه الخلايا الدقيقة في فترات نادرة من الزمان، فهي بذلك تنتح كائنات اكثر قدرة على التلاؤم من أسلافها. لقد مرت بالبشر فترة كان أغلب الناس يعتقدون فيها انه من الكفر ان يعتقد المرء ان الكائنات الحية التي تعيش اليوم على سطح الأرض كانت في يوم من الأيام على صورة تخالف الصورة التي خلقها الله عليها بادئ الأمر. اما في الوقت الحاضر فان معظم المفكرين يرون ان خلق كائنات لها القدرة على التكاثر وعلى تغيير اشكالها وتركيبها، تبعا للظروف التي تحيط بها، يعد أشد دلالة على قدرة الله من خلق كائنات لا تتطور ولا تستطيع الا ان تنتج صورا مكررة من أنفسها طيلة الزمان.
ويقف العلماء اليوم على عتبة كشف جديد بالغ الأهمية، الا وهو خلق الحياة داخل المعمل وفي أنابيب الاختبار، وقد أمكن فعلا الوصول إلى خلق صورة من صور الحياة داخل المعمل، ولكنها صورة بدائية على درجة كبيرة من البساطة والنقص. وقد تم ذلك بمزج بعض المواد الكيماوية بنسب معينة لكي تتكون منها مادة تسمى حمض ديسوكسي ريبونيوكليك (D N A) ، وهي من المواد التي لم يكن من الممكن انتاجها من قبل الا
стр. 110
داخل الخلايا الحية. انها مادة الحياة، مادة الوراثة التي تحمل الصفات الوراثية عبر الاجيال وتضع طابعها على جميع الاحياء التي تدخل في تركيبها.
وقد أمكن اخذ هذه المادة من بروتوبلازم بعض الخلايا الحية وادخالها في بروتوبلازم بعض الأنواع الأخرى، فادى ذلك إلى جانب من التغير في الصفات الوراثية للأنواع المطعمة بهذه المادة.
ونحن لا نعلم ماذا يكون شأن ذلك الحمض الصناعي الذي حضره الإنسان في المعمل وكيف يكون تأثيره عندما يطعم به بروتوبلازم الخلايا الحية، هل تمتصه الخلايا، وهل يتسق مع تركيبها، وهل تحدث فيها نفس التأثيرات التي تحدثها المادة العضوية الطبيعية؟ اننا لا نعر الإجابة حتى اليوم عن هذه الاسئلة، ولا يزال مستقبل الجهود التي تبذل في هذا الميدان في كف القدر، فبعض العلماء يتشككون في إمكان الوصول إلى خلق الحياة، والبعض الآخر يعدونه من الأمور المستحيلة، ولكن حتى اذا نجحت هذه الجهود، فهل يزعزع ذلك من إيماننا بالله؟ انه لا يزعزع الا إلا إيمان أولئك الذين لديهم إيمان سطحي. اما من يقوم ايمانهم على أساس التفكير العميق، فان ذلك لا يعد أكثر من خطوة جديدة في ادراك ما أبدعه الخالق الأعظم الذي خلق وحده تلك الروائع التي يعمل الناس جاهدين متكاتفين في الكشف عنها.
فاذا كانا نريد ان ندعم إيماننا بالله فعلينا بمزيد من التعمق في كشف الحقيقة.