← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 9832

صلاة الاستسقاء

سعيد بن وهف القحطاني

Полный текст (59 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

٣٩ سلسلة مؤلفات سعيد بن علي بن وهف القحطاني _ صلاة الاستسقاء مفهوم، وأسباب، وأنواع، وآداب، وآيات، وحِكَمٌ، وأحكامٌ في ضوء الكتاب والسنة

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد: فهذه رسالة مختصرة في: ((صلاة الاستسقاء)) وما يتعلق بها من أحكام، بيَّنت فيها بفضل الله تعالى: مفهوم الاستسقاء، وحكمه، وأسباب القحط وحبس المطر، وأنواع الاستسقاء، وآدابه التي ينبغي للمسلمين أن يلتزموا بها في الاستسقاء، وبيّنت كيفية صلاة الاستسقاء، وموضع خطبة الاستسقاء، وأن السنة في الدعاء المبالغة في رفع اليدين، ثم ذكرت أدعية نبوية ثبتت في الاستسقاء، وأن السنة تحويل الرداء في آخر

стр. 3

خطبة الاستسقاء واستقبال القبلة، وبيَّنت أن الاستسقاء بالكواكب والأنواء من أمور الجاهلية، ثم ذكرت الآداب المختصة بالمطر، وختمت بذكر آيات من آيات الله تعالى: الرعد، والبرق، والصواعق، والزلازل، فذكرت كلام أهل العلم على ذلك. وقد استفدت كثيرًا من تقريرات، وترجيحات شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز، رحمه الله تعالى. والله أسأل أن يجعل هذا العمل القليل: مباركًا، نافعًا، خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفعني به في حياتي، وبعد مماتي، وأن ينفع به كل من انتهى إليه؛ فإنه خير مسؤول وأكرم مأمول، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، وخيرته من خلقه، نبينا محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أبو عبد الرحمن سعيد بن علي بن وهف القحطاني حرر في ضحى يوم السبت ٢٠/ ٣/١٤٢٣هـ

стр. 4

أولاً: مفهوم الاستسقاء: الاستسقاء طلب السقيا، كالاستصحاء: طلب الصحو، وهو استفعال من أسقيت (١)، قال ابن منظور - رحمه الله تعالى -: ((ذكر الاستسقاء في الحديث، وهو استفعال من طلب السقيا: أي إنزال الغيث على البلاد والعباد، يقال: استسقى، وسقى الله عباده الغيث، وأسقاهم، والاسم: السُّقيا بالضم، واستسقيت فلانًا: إذا طلبت منه أن يسقيك)) (٢). ولكن في عرف الفقهاء إذا قالوا: صلاة الاستسقاء إنما يعنون استسقاء الرب لا استسقاء المخلوق (٣). قال الجرجاني - رحمه الله تعالى -: ((الاستسقاء: هو طلب المطر عند طول انقطاعه)) (٤)، أي: من الله . ثانيًا: حكم الاستسقاء: الاستسقاء سنة مؤكدة إذا

стр. 5

أجدبت الأرض وقحط المَطَر (١). قال الإمام ابن قدامة - رحمه الله تعالى -: ((صلاة الاستسقاء سنة مؤكدة ثابتة بسنة رسول الله ﷺ ، وخلفائه ﵃)) (٢). وقال الإمام ابن عبد البر ﵀: ((وأجمع العلماء على أن الخروج إلى الاستسقاء، والبروز، والاجتماع إلى الله خارج المصر: بالدعاء، والضراعة إلى الله تبارك اسمه في نزول الغيث عند احتباس ماء السماء وتمادي القحط: سنة مسنونة سنها رسول الله ﷺ ، لا خلاف بين علماء المسلمين في ذلك (٣)) (٤).

стр. 6

ثالثًا: أسباب القحط وحبس المطر: معصية الله تعالى ورسوله ﷺ ؛ لحديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: أقبل علينا رسول الله ﷺ فقال: ((يا معشر المهاجرين: خمس إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قطُّ حتى يعلنوا بها إلاَّ فشا فيهم الطاعونُ والأوجاعُ التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مَضَوا. ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أُخذوا بالسنين وشدة المؤونة وجَوْر السلطان عليهم. ولم يَمْنعوا زكاة أموالهم إلا مُنعوا القطرَ من السماء، ولولا البهائمُ لم يُمطروا. ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلّط الله عليهم

стр. 7

عدوًّا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم. وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم)) (١). وهذا الحديث فيه من الفوائد: أن نقص المكيال والميزان سبب للجدب وشدة المؤونة وجور السلاطين، وفيه أن منع الزكاة من الأسباب الموجبة لمنع قطر السماء، وأن نزول الغيث مع وجود المعاصي إنما هو رحمة من الله تعالى للبهائم (٢). وقد قال الإمام البخاري – ﵀ – في صحيحه: ((بابُ انتقام الرب من خلقه بالقحط إذا انتُهِكَتْ محارمُه)) (٣). وقد جاء عن مجاهد – رحمه الله تعالى – أن البهائم تلعن عصاة بني آدم إذا أجدبت الأرض، ذكر ذلك الإمام ابن

стр. 8

كثير – رحمه الله تعالى – في تفسير قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ الله وَيَلْعَنُهُمُ الَّلاعِنُونَ﴾ (١). فقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ الله وَيَلْعَنُهُمُ الَّلاعِنُونَ﴾ قال ابن كثير: ((يعني دواب الأرض .. وقال عطاء بن أبي رباح: كل دابة، والجن، والإنس، وقال مجاهد: إذا أجدبت الأرض قالت البهائم: هذا من أجل عُصاة بني آدم، لعن الله عُصاة بني آدم. وقال أبو العالية والربيع بن أنس وقتادة: ((ويلعنهم اللاعنون)) يعني: تلعنهم الملائكة والمؤمنون، وقد جاء في الحديث أن العالم يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر (٢)،وجاء في هذه الآية: أن كاتم العلم يلعنه الله، والملائكة، والناس أجمعون، واللاعنون أيضًا: وهو كل فصيح، وأعجمي، إما بلسان المقال، أو الحال، أن لو

стр. 9

كان له عقل ويوم القيامة والله أعلم)) (١). وقد بيّن الله أن الابتعاد عن المعاصي والقيام بالواجبات من أعظم أسباب إنزال البركات، فقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ * أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ * أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ الله فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ الله إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (٢). ذكر الله أن أهل القرى لو آمنوا بقلوبهم إيمانًا صادقًا صدَّقَتْه الأعمال، واستعملوا تقوى الله تعالى ظاهرًا وباطنًا، بترك جميع ما حرَّم الله؛ لفتح عليهم بركات السماء والأرض، فأرسل السماء عليهم مدرارًا، وأنبت لهم من الأرض ما به يعيشون وتعيش بهائمهم في أخصب عيش وأغزر رزق، من غير عناء ولا

стр. 10

تعب، ولا كدٍّ ولا نَصَب، ولكنهم لم يؤمنوا ولم يتقوا، ﴿فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ بالعقوبات والبلايا، ونزع البركات، وكثرة الآفات، وهي بعض جزاء أعمالهم، وإلا فلو أخذهم بجميع ما كسبوا ما ترك عليها من دابة (١). كما قال : ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ الله النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (٢). وكما قال : ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ الله النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ الله كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ (٣).وكما قال : ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٤). وقد أوضح الله أن أهل الكتاب لو قاموا بأوامر

стр. 11

التوراة والإنجيل وابتعدوا عن نواهيهما، لأدرّ الله عليهم الرزق، ولأمطر عليهم السماء وأنبت لهم الأرض (١)، فقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُواْ وَاتَّقَوْاْ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ * وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ (٢). ولا شك أن الناس قد يحرمون الأرزاق بالذنوب يصيبونها؛ لأن من لم يتق الله لا يجعل الله له مخرجًا ولا يرزقه من حيث لا يحتسب، وما استجلب رزق بمثل ترك المعاصي (٣)؛ لمفهوم قول الله تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (٤).

стр. 12

ومعلوم أن المعاصي تُزيل النعم وتُحِلُّ النقم، فما زالت عن العبد نعمة إلا بذنب، ولا حلَّت به نقمة إلا بذنب، كما ذُكِرَ عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: ((ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رُفع إلا بتوبة)) (١)،قال الله : ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ (٢)، وقال : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الله لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٣)، فلا يغيِّر الله تعالى نعمته التي أنعم بها على أحد حتى يكون هو الذي يُغَيِّرُ ما بنفسه، فيغير طاعة الله بمعصيته، وشكره بكفره، وأسباب رضاه بأسباب سخطه، فإذا غيَّر غُيِّر عليه جزاءً وفاقًا، وما ربُّك بظلام للعبيد. فإن غيَّر المعصية بالطاعة غيَّر الله عليه العقوبة بالعافية، والذلّ بالعزّ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الله لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى

стр. 13

يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ الله بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ﴾ (١). ولقد أحسن القائل: إذا كنت في نعمة فارعها ... فإن المعاصي تزيل النعم وحطها بطاعة رب العباد ... فربُّ العباد سريع النقم (٢) رابعًا: أنواع الاستسقاء: الاستسقاء أنواع على النحو الآتي: النوع الأول: الاستسقاء بصلاة جماعة أو فرادى (٣) على ما يأتي تفصيله، وهو أكملها، وصلاته ﷺ مستفيضة في الصحاح وغيرها، واتفق فقهاء الأمصار على هذا النوع (٤). النوع الثاني: استسقاء الإمام يوم الجمعة في خطبتها،

стр. 14

كما فعل النبي ﷺ ، واستفاض عنه من غير وجه، وهذا النوع مستحب اتفاقًا، واستمر عمل المسلمين عليه (١)؛ لحديث أنس بن مالك ﵁ قال: أصابت الناس سنة على عهد النبي ﷺ ، فبينما النبي ﷺ يخطب في يوم جمعة فقام أعرابي فقال: يا رسول الله، هلك المال، وجاع العيال فادع الله لنا، فرفع رسول الله ﷺ يديه ثم قال: ((اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا))، وفي لفظ للبخاري: ((اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، اللهم اسقنا))، قال أنس: ولا والله ما نرى في السماء من سحاب، ولا قزعة (٢) ولا شيئًا، وما بيننا وبين سَلْع (٣) من بيتٍ ولا دار، قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس (٤)، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت، قال: والله ما رأينا الشمس سبتًا (٥) ... ((وفي

стр. 15

لفظ للبخاري: ((أصابت الناس سنة على عهد النبي ﷺ ، فبينما النبي ﷺ يخطب في يوم الجمعة فقام أعرابي فقال: يا رسول الله هلك المال، وجاع العيال، فادع الله لنا، فرفع يديه وما نرى في السماء قزعة، فوالذي نفسي بيده ما وضعهما حتى ثار السحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحدر على لحيته فمطرنا يومنا ذلك ومن الغد، ومن بعد الغد والذي يليه حتى الجمعة الأخرى، وقام ذلك الأعرابي أو قال غيره فقال: يا رسول الله! تهدَّم البناء، وغرق المال، فادع الله لنا، فرفع يديه فقال: ((اللهمَّ حَوَالَينا ولا علينا))، فما يشير بيده إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت، وصارت المدينة مِثْلَ الجَوْبة (١)، وسال الوادي قناة شهرًا (٢) ولم يجئ أحد من ناحية إلا حدَّث بالجود))، وفي لفظ: ((ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ورسول الله ﷺ قائم يخطب

стр. 16

فاستقبله قائمًا فقال: يا رسول الله، هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يمسكها عنا، فتبسم النبي ﷺ ، [وفي لفظ فضحك] قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه ثم قال: ((اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام (١)، والجبال، والظِّراب (٢) وبطون الأودية، ومنابت الشجر)) قال: فانقطعت وخرجنا نمشي في الشمس)) (٣). النوع الثالث: الدعاء عقب الصلوات وفي الخلوات ، ولا نزاع في جواز الاستسقاء بالدعاء بلا صلاة)) (٤).

стр. 17

وقد ذكر الإمام ابن القيم - رحمه الله تعالى - أن النبي ﷺ استسقى على وجوه: الوجه الأول: يوم الجمعة على المنبر (١). الوجه الثاني: أنه ﷺ وعد الناس يومًا يخرجون فيه إلى المصلى، فخرج إلى المصلى فاستسقى فاستقبل القبلة، وحوَّل رداءه، وصلى ركعتين (٢). الوجه الثالث: أنه استسقى على منبر المدينة استسقاء مجردًا في غير يوم جمعة، ولم يحفظ عنه في هذا اليوم صلاة (٣). الوجه الرابع: أنه استسقى وهو جالس في المسجد فرفع يديه ودعا الله ، فَحُفِظَ من دعائه: ((اللهم اسقنا

стр. 18

غيثًا مغيثًا مريئًا (١)، مريعًا (٢)، طبقًا (٣)، عاجلاً غير رائث (٤)، نافعًا غي ضار)) (٥). الوجه الخامس: أنه استسقى عند أحجار الزيت قريبًا من الزوراء ، وهي خارج باب المسجد الذي يُدعى اليوم باب السلام، نحو قذفة حجر، ينعطف عن يمين الخارج من المسجد (٦). الوجه السادس: أنه ﷺ استسقى في بعض غزواته ، لَمَّا سبقه

стр. 19

المشركون إلى الماء (١)،وأُغيث ﷺ في كل مرَّة استسقى فيها (٢). خامسًا: آداب الاستسقاء كثيرة ومهمة، ومنها: ١ - إذا أصاب الناس قحط لجؤوا إلى الله تعالى وصلوا صلاة الاستسقاء؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: شكا الناس إلى رسول الله ﷺ قحوط المطر، فأمر بمنبر فَوُضِعَ له في المصلى ووعد الناس يومًا يخرجون فيه، قالت عائشة: فخرج رسول الله ﷺ حين بدا حاجب الشمس فقعد على المنبر، فكبَّر ﷺ ، وحمد الله ثم قال: ((إنكم شكوتم جدب دياركم، واستئخار المطر عن إبَّان (٣) زمانه عنكم، وقد أمركم الله أن تدعوه ووعدكم أن يستجيب لكم)) ثم قال: ((الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، ملك يوم الدين، لا إله إلا الله يفعل ما يريد، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل

стр. 20

علينا الغيث، واجعل ما أنزلت لنا قوةً وبلاغًا (١) إلى حين))،ثم رفع يديه فلم يزل في الرفع حتى بدا بياض إبطيه، ثم حَوَّلَ إلى الناس ظهره، وقلب – أو حوَّلَ – رداءه وهو رافع يديه، ثم أقبل على الناس ونزل فصلى ركعتين، فأنشأ الله سحابة، فرعدت وبرقت، ثم أمطرت بإذن الله، فلم يأت مسجده حتى سالت السيول، فلما رأى سرعتهم إلى الكِنِّ (٢) ضحك ﷺ حتى بدت نواجذه، فقال: ((أشهد أن الله على كل شيء قدير، وأني عبد الله ورسوله)) (٣). ٢ - موعظة الإمام الناس، وأمرهم بتقوى الله تعالى ، والخروج عن المظالم، والتوبة من المعاصي، وتحليل بعضهم بعضًا، والصيام والصدقة، وترك التشاحن؛ لأن المعاصي سبب القحط، والتقوى سبب البركات (٤)، وقد

стр. 21

كتب عمر بن عبد العزيز إلى ميمون بن مهران: ((إني كتبت إلى أهل الأمصار أن يخرجوا يوم كذا من شهر كذا؛ ليستسقوا، ومن استطاع أن يصوم ويتصدق؛ فليفعل؛ فإن الله يقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ (١)، وقولوا كما قال أبواكم: ﴿قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢)، وقولوا كما قال نوح: ﴿وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٣)، وقولوا كما قال موسى: ﴿إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٤)، وقولوا كما قال يونس: ﴿لا إِلَهَ إِلا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٥). ٣ - يَعِدُ الإمام الناس يومًا يخرجون فيه ؛ لحديث عائشة ﵂: ((شكا الناس إلى رسول الله ﷺ قحوط

стр. 22

المطر، فأمر بمنبر فَوُضعَ له في المصلى ووعد الناس يومًا يخرجوا فيه ... )) (١)، والله الموفق والمعين (٢). ٤ - وقت خروج الناس إلى الاستسقاء: الأفضل أن تُصلَّى صلاة الاستسقاء في وقت صلاة العيد؛ لحديث عائشة ﵂ وفيه: (( ... فخرج رسول الله ﷺ حين بدا حاجب الشمس فقعد على المنبر .. )) (٣)، هذا هو الأفضل، وليس لصلاة الاستسقاء وقت معين لا تصح إلا فيه، إلا أنها لا تُصلَّى في وقت النهي بغير خلاف؛ لأن وقتها متسع فلا حاجة إلى فعلها في وقت النهي، والأولى فعلها في وقت العيد؛ لحديث عائشة ﵂ المذكور آنفًا؛ ولأنها تشبهها في الموضع والصفة فكذلك في الوقت، إلا أن وقتها لا يفوت بزوال الشمس؛ لأنها ليس لها يوم معين فلا يكون لها وقت معين (٤)،وقال ابن عبد البر –﵀: ((والخروج إلى

стр. 23

الاستسقاء في وقت خروج الناس إلى العيد عند جماعة العلماء، إلا أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم؛ فإنه قال: الخروج إليها عند زوال الشمس)) (١). ٥ - تُصلى صلاة الاستسقاء في الصحراء ، وهذا هو الأفضل؛ لأن النبي ﷺ صلاها في الصحراء كصلاة العيد (٢)؛لحديث عائشة ﵂ قالت: ((شكا الناس إلى رسول الله ﷺ قحوط المطر، فأمر بمنبر فوضع له في المصلى ووعد الناس يومًا يخرجون فيه ... )) (٣)؛ولحديث عبد الله بن زيد المازني ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ إلى المصلى فاستسقى فاستقبل القبلة، [فجعل إلى الناس ظهره يدعو الله]، وحوّل رداءه حين استقبل القبلة ثم صلى ركعتين يجهر فيهما بالقراءة)) (٤).

стр. 24

٦ - يخرج الإمام والناس في تواضعٍ، وتبذّلٍ وتخشّعٍ، وتضرّعٍ؛ لحديث ابن عباس ﵄ – فعن إسحاق بن عبد الله بن كِنانة قال: أرسلني الوليد بن عقبة – وكان أمير المدينة – إلى ابن عباس أسأله عن صلاة رسول الله ﷺ في الاستسقاء، فقال ابن عباس ﵄: ما منعه أن يسألني؟ [ثم قال ابن عباس ﵄]: خرج رسول الله ﷺ مُتبذِّلا (١)، متواضعًا، متضرِّعًا (٢)، [متخشِّعًا، مترسِّلاً] (٣) حتى أتى المصلى، ولم يخطب كخطبتكم هذه، ولكن لم يزل في الدعاء، والتضرع، والتكبير، ثم صلى ركعتين كما

стр. 25

كان يصلي في العيد)) (١). ٧ - خروج الصبيان والنساء في الاستسقاء لا بأس به بشروطه، قال الإمام ابن قدامة – رحمه الله تعالى -: ((ويستحب الخروج لكافة الناس، وخروج من كان ذا دين، وستر وصلاح، والشيوخ أشد استحبابًا؛ لأنه أسرع للإجابة، فأما النساء فلا بأس بخروج العجائز ومن لا هيئة لها، فأما الشواب وذوات الهيئة فلا يستحب لهن الخروج؛ لأن الضرر في خروجهن أكثر من النفع، ولا يستحب إخراج البهائم؛ لأن النبي ﷺ لم يفعله)) (٢). ٨ - لا أذان ولا إقامة لصلاة الاستسقاء ؛ لحديث عبد الله بن يزيد الأنصاري، قال أبو إسحاق: خرج عبد الله بن يزيد

стр. 26

الأنصاري، وخرج معه البراء بن عازب، وزيد بن أرقم ﵃ فاستسقى فقام بهم على رجليه، على غير منبر، فاستسقى فقام بهم على رجليه، على غير منبر، فاستسقى ثم صلى ركعتين يجهر بالقراءة ولم يؤذن ولم يقم، قال أبو إسحاق: ورأى عبد الله بن يزيد النبي ﷺ )) (١)، وقال حارثة بن مضرب العبدي: ((خرجنا مع أبي موسى نستسقي فصلى بنا ركعتين من غير أذان ولا إقامة)) (٢)، قال الإمام ابن قدامة – ﵀: ((ولا يسن لها أذان ولا إقامة، ولا نعلم فيه خلافًا)) (٣). ٩ - الاستسقاء بدعاء الصالحين سُنَّة ؛ لحديث ابن عمر ﵄ قال: ((ربما ذكرت قول الشاعر وأنا أنظر إلى وجه النبي ﷺ يستسقي فما ينزل حتى يجيش كل ميزاب: وأبيض يُستسقى الغمام بوجهه ... ثِمالُ (٤) اليتامى عصمةً للأرامل

стр. 27

وهو قول أبي طالب (١). وعن أنس ﵁ أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب، فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا ﷺ فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعمِّ نبينا فاسقنا، قال: فيسقون)) (٢). والمعنى أنهم كانوا يستسقون بدعاء النبي ﷺ كما تقدم في حديث أنس ﵁ حينما قال رجل: يا رسول الله: هلك المال، وجاع العيال، فادع الله لنا، فرفع رسول الله ﷺ يديه ثم قال: ((اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا)) فنزل المطر بإذن الله (٣)، وعندما توفي رسول الله ﷺ وقحط الناس استسقى عمر ﵁ بعمِّ رسول الله ﷺ العباس بن عبد المطلب ﵁ في حياته، وذلك بأن يدعو الله لهم. وعلى هذا كان المسلمون وأئمتهم يستسقون بدعاء

стр. 28

الصالحين في حياتهم، قال الإمام ابن قدامة ﵀: ((ويستحب أن يستسقي الإمام بمن ظهر صلاحه؛ لأن عمر ﵁ استسقى بالعباس عم رسول الله ﷺ ، واستسقى معاوية والضحاك بيزيد بن الأسود الجرشي)) (١). سادسًا: كيفية صلاة الاستسقاء: كصلاة العيد ؛ لحديث ابن عباس ﵄ قال: (( ... خرج رسول الله ﷺ متبذِّلاً، متواضعًا، متضرعًا، متخشِّعًا، مترسِّلاً، حتى أتى المصلى ولم يخطب كخطبتكم هذه (٢)، ولكن لم يزل في الدعاء، والتضرع، والتكبير، ثم صلى ركعتين كما كان يصلي في العيد)) (٣). وهذا يؤكد قول الجمهور أن صلاة الاستسقاء تُصلَّى كما تُصلَّى صلاة العيد: في العدد، والجهر بالقراءة، والتكبيرات،

стр. 29

وجواز الخطبة في الاستسقاء بعد الصلاة؛ لأنها في معناها إلا أنه لا وقت لصلاة الاستسقاء، ولكنها لا تفعل في وقت النهي بلا خلاف (١)، والأفضل أن تُصلّى في وقت صلاة العيد (٢)؛ لحديث عائشة ﵂ وغيره (٣).

стр. 30

سابعًا: خطبة الاستسقاء سُنَّة ؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: شكا الناس إلى رسول الله ﷺ قحوط المطر فأمر بمنبر فَوُضِعَ له في المُصلَّى، ووعد الناس يومًا يخرجون فيه، قالت عائشة ﵂ فخرج رسول الله ﷺ حين بدا حاجب الشمس فقعد على المنبر، فكبر وحمد الله ثم قال: ((إنكم شكوتم جدب دياركم، واستئخار المطر إبَّان زمانه عنكم، وقد أمركم الله أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم ثم قال: الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مَلِكِ يوم الدين، لا إله إلا الله يفعل ما يريد،

стр. 31

اللهم أنت الله لا إله إلا أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث واجعل ما أنزلت لنا قوةً وبلاغًا إلى حين)) ثم رفع يديه فلم يزل في الرفع حتى بدا بياض إبطيه، ثم حوَّل إلى الناس ظهره، وقلب – أو حوَّلَ – رداءه وهو رافع يديه، ثم أقبل على الناس ونزل فصلى ركعتين، فأنشأ الله سحابة فرعدت وبرقت، ثم أمطرت بإذن الله فلم يأت مسجده حتى سالت السيول، فلما رأى سرعتهم إلى الكِنِّ ضحك ﷺ حتى بدت نواجذه، فقال: ((أشهد أن الله على كل شيء قدير، وأني عبد الله ورسوله)) (١)؛ ولحديث عبد الله بن زيد بن عاصم المازني ﵁ أن رسول الله ﷺ خرج ليستسقي فصلى بهم ركعتين، جهر بالقراءة فيهما وحوَّلَ رداءه، ورفع يديه، فدعا، واستسقى، واستقبل القبلة)) (٢). والصواب إن شاء الله تعالى جواز خطبة الاستسقاء

стр. 32

بعد صلاة الاستسقاء وقبلها؛ لحديث عائشة، وعبد الله بن زيد ﵄ فقد دل ذلك على أن النبي ﷺ خطب ثم صلى، ودل على أن الخطبة بعد الصلاة حديث أبي هريرة ﵁ وبعض روايات حديث عبد الله بن زيد ﵁، ويؤيد ذلك حديث ابن عباس ﵄ فالأمر في ذلك واسع: من خَطَب قبل الصلاة فلا حرج، ومن صلى ثم خطب فلا حرج، والله تعالى أعلم (١).

стр. 33

وسمعت شيخنا الإمام عبد العزيز بن عبد الله ابن باز – ﵀ – يقول: ((في حديث عبد الله بن زيد أنه ﷺ دعا أولاً ثم صلى (١)، وهكذا في حديث عائشة: دعا أولاً ثم صلى (٢)، والمقصود أنه إن خطب أولاً ثم صلى فلا بأس كما جاء في حديث عبد الله بن زيد في الصحيحين، و [في حديث] عائشة، وإن قدم الصلاة: كالعيد ثم خطب كما

стр. 34

في رواية ابن عباس (١)، وأبي هريرة (٢)، وعبد الله بن زيد عند أحمد (٣) فلا بأس)) (٤)، وسمعته أيضًا يقول: (( ... وهذه الروايات تدل على أنه ﷺ ربما خطب ثم صلى، وربما صلى ثم خطب، وهذا يدل على جواز الصفتين: يخطب ثم يصلي، أو يصلي ثم يخطب)) (٥). وقد رجحه – ﵀ – في مواطن متعددة من كتبه (٦).

стр. 35

وقال العلامة ابن عثيمين – ﵀: ((وعلى هذا فتكون خطبة الاستسقاء قبل الصلاة وبعدها، ولكن إذا خطب قبل الصلاة لا يخطب بعدها فلا يجمع بين الأمرين)) (١). ويُكثر في الخطبة الاستغفار، وقراءة الآيات التي فيها الأمر به، كقوله تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ

стр. 36

إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ﴾ (١). وكقوله: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا﴾ (٢). وعن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى ميمون بن مهران يقول: قد كتبت إلى البلدان أن يخرجوا إلى الاستسقاء إلى موضع كذا وكذا، وأمرتهم بالصدقة، والصلاة، قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ (٣)، وأمرتهم أن يقولوا كما قال أبوهم آدم: ﴿قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٤)، ويقولوا كما قال نوح: ﴿وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٥)، ويقولوا كما قال يونس: ﴿لا إِلَهَ إِلا أَنتَ

стр. 37

سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (١)، ويقولوا كما قال موسى: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٢)؛ ولأن المعاصي سبب انقطاع الغيث والاستغفار والتوبة تمحو المعاصي المانعة من الغيث فيأتي الله به، ويصلي على النبي ﷺ ويدعو بدعائه ﷺ )) (٣). وكقوله تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ (٤). وكقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ (٥). وغير ذلك من الآيات التي فيها الأمر بالاستغفار. ثامنًا: المبالغة في رفع اليدين في الدعاء ، ثبت عن النبي ﷺ أنه كان يرفع يديه في دعاء الاستسقاء حتى يُرى

стр. 38

بياض إبطيه، ويبالغ في رفع اليدين حتى يجعل ظهر كفيه إلى السماء، فعن أنس ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ يرفع يديه في الدعاء حتى يُرى بياض إبطيه)). وفي لفظ: ((كان لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء؛ فإنه كان يرفع يديه حتى يُرى بياض إبطيه))، وفي لفظ لمسلم: ((أن النبي ﷺ استسقى فأشار بظهر كفيه إلى السماء)) (١). قال الإمام القرطبي – ﵀: ((قول أنس إنه ﷺ كان لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء)) يعني: أنه لم يكن يبالغ في الرفع إلا في الاستسقاء؛ ولذلك قال: ((حتى يُرى بياض إبطيه)) وإلا فقد رفع النبي ﷺ يوم بدر عند الدعاء، وفي غير ذلك)) (٢). وقال الإمام النووي – رحمه الله تعالى -: ((هذا الحديث

стр. 39

يوهم ظاهره أنه لم يرفع ﷺ إلا في الاستسقاء، وليس الأمر كذلك، بل قد ثبت رفع يديه ﷺ في الدعاء في مواطن غير الاستسقاء وهي أكثر من أن تحصر، وقد جمعت منها نحوًا من ثلاثين حديثًا في الصحيحين أو أحدهما، وذكرتها في أواخر باب صفة الصلاة من شرح المهذب، ويتأول الحديث على أنه لم يرفع الرفع البليغ بحيث يُرى بياض إبطيه إلا في الاستسقاء، أو أن المراد لم أره رفع وقد رآه غيره، فيقدم المثبتون في مواضع كثيرة – وهم جماعات – على واحد لم يحضر ذلك ولابد من تأويله؛ لِمَا ذكرناه والله أعلم)) (١). وقال الحافظ ابن حجر – ﵀: ((قوله: ((إلا في الاستسقاء)) ظاهره نفي الرفع في كل دعاء غير الاستسقاء، وهو معارض بالأحاديث الثابتة بالرفع في غير الاستسقاء وقد تقدم أنها كثيرة، وقد أفردها المصنف بترجمة في كتاب الدعوات، وساق فيها عدة أحاديث فذهب بعضهم إلى أن العمل بها أولى، وحمل حديث أنس

стр. 40

على نفي رؤيته، وذلك لا يستلزم نفي رؤية غيره، وذهب آخرون إلى تأويل حديث أنس المذكور لأجل الجمع، بأن يحمل النفي على صفة مخصوصة: إما الرفع البليغ فيدل عليه قوله: ((حتى يُرى بياض إبطيه))، ويؤيده أن غالب الأحاديث التي وردت في رفع اليدين في الدعاء إنما المراد به: مد اليدين وبسطهما عند الدعاء، وكأنه عند الاستسقاء مع ذلك زاد فرفعها إلى جهة وجهه حتى حاذتاه، وبه حينئذ يرى بياض إبطيه. وأما صفة رفع اليدين في ذلك؛ فلِما رواه مسلم من رواية ثابت عن أنس ((أن النبي ﷺ استسقى فأشار بظهر كفيه إلى السماء))، ولأبي داود من حديث أنس أيضًا: ((كان يستسقي هكذا ومد يديه - وجعل بطونهما مما يلي الأرض - حتى رأيت بياض إبطيه (١)) (٢).
следующие страницы →