← Акыда

Акыда · id 9834

القيامة الصغرى

عمر سليمان الأشقر

Полный текст (274 стр.). Показаны 246–274 · переход к 251.

стр. 246

أبي هريرة عند مسلم أن رسول الله ﷺ قال: " كيف أنتم إذا نزل فيكم ابن مريم فأمَّكم منكم " وقد قال أحد رواة الحديث وهو ابن أبي ذئب للوليد بن مسلم (١) : " تدري ما أمّكم منكم؟ " قال: تخبرني، قال: فأمكم بكتاب ربكم ﵎ وسنة نبيكم ﷺ (٢) . والسبب في عدم تقدم عيسى ابن مريم للإمامة هو الدلالة على أنه جاء تابعاً لهذا النبي ﷺ ، حاكماً بالقرآن، لا بالإنجيل، فإن شريعة القرآن ناسخة للشرائع قبلها، وقد أخذ الله العهد والميثاق على جميع الأنبياء أن يؤمنوا بمحمد ﷺ ويتابعوه إذا بعث وهم أحياء: (وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ - فَمَن تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) [آل عمران: ٨١-٨٢] ، فعيسى ينزل تابعاً لرسولنا ﷺ محكماً لشريعة القرآن، ولذلك فإنه يصلي خلف ذلك الرجل الصالح، وهذا فخر لهذه الأمة وأي فخر، ففي الحديث الصحيح الذي يرويه أبو سعيد عن النبي ﷺ ، قال: " منا الذي يصلي عيسى ابن مريم خلفه " رواه أبو نعيم في كتاب المهدي (٣) . يقول النووي في رده على المكذبين بنزول عيسى الزاعمين أن نزوله لو كان حقاً فإنه يكون مناقضاً لقوله ﵇ " لا نبي بعدي "، وأنه يكون بذلك ناسخاً لشرع الرسول الله ﷺ : " هذا الاستدلال فاسد، لأنه ليس المراد بنزول عيسى ﵇ أنه ينزل نبياً بشرع ينسخ شرعنا، ولا في هذه الأحاديث، ولا في

стр. 247

غيرها شيء من هذا،.. بل صح أنه ينزل حكماً مقسطاً.. يحكِّم شرعنا، ويحيى من أمور شرعنا ما هجره الناس " (١) . المطلب الثالث قضاء عيسى على الدجال وأول عمل يقوم به عيسى هو مواجهة الدجال، فبعد نزول عيسى يتوجه إلى بيت المقدس حيث يكون الدجال محاصراً عصابة المسلمين، فيأمرهم عيسى بفتح الباب، ففي سنن ابن ماجة، وصحيح ابن خزيمة، ومستدرك الحاكم عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : " فإذا انصرف، قال عيسى: افتحوا الباب، فيفتحون ووراءه الدجال، معه سبعون ألف يهودي، كلهم ذو سيف محلى وساج، فإذا نظر إليه الدجال ذاب كما يذوب الملح في الماء وينطلق هارباً ... ، فيدركه عند باب لد الشرقي، فيقتله، فيهزم الله اليهود.. " (٢) . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن الرسول ﷺ أخبر عن نزول عيسى وصلاته بالمؤمنين ثم قال: " فإذا رآه عدو الله، ذاب كما يذوب الملح في الماء، فلو تركه لانذاب حتى يهلك، ولكن يقتله الله بيده، فيريهم دمه ي حربته " (٣) . والسِّر في ذوبان الدجال أن الله أعطى لِنَفَس عيسى رائحة خاصة إذا وجدها الكافر مات منها، ففي صحيح مسلم عن النواس بن سمعان عن النبي ﷺ في حديث طويل ومما قاله فيه: " فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح ابن مريم، فينزل

стр. 248

عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، بين مهرودتين (١) ، واضعاً كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدر منه جمان (٢) كاللؤلؤ. فلا يحل لكافر يجد ريح نَفَسه إلا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلبه حتى يدركه بباب لدّ، فيقتله، ثم يأتي عيسى ابن مريم قوم قد عصمهم الله منه، فيمسح عن وجوههم، ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة " (٣) ، والسِّر في عدم ترك عيسى الدجال حتى يموت بنفسه - هو إنها أسطورة هذا المخلوق وفتنته، فإن الناس إذا شاهدوا قتله وموته استيقنوا أنه ضعيف مغلوب على أمره وأن دعواه كانت زوراً وكذباً. المطلب الرابع مهمة عيسى بعد القضاء على الدجال وإهلاك يأجوج ومأجوج يقضي عيسى على الدّجال وفتنته، ويخرج يأجوج ومأجوج في زمانه - كما سيأتي بيانه - فيفسدون في الأرض إفساداً عظيماً، فيدعو عيسى ربه، فيستجيب له، ويصبحون موتى، لا يبقى منهم أحد، وعند ذلك يتفرغ عيسى للمهمة الكبرى التي أنزل من أجلها، وهي تحكيم شريعة الإسلام، والقضاء على المبادئ الضالة، والأديان المحرفة، ففي صحيحي البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : " والذي نفسي بيده، ليوشكن أن ينزل

стр. 249

فيكم ابن مريم حكماً عدلاً، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الحرب، ويفيض المال، حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة الواحدة خيراً من الدنيا وما فيها " (١) (٢) . وفي رواية عند مسلم عن أبي هريرة: " والله لينزلن ابن مريم حكماً عدلاً، فليكسرن الصليب، وليقتلن الخنزير، وليضعن الجزية، ولتتركن القلاص، فلا يسعى عليها، ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد، وليُدْعونَّ إلى المال فلا يقبله أحد " (٣) وفي صحيح مسلم في كتاب الفتن عن النواس بن سمعان في حديثه الطويل الذي ذكر فيه الدجال ونزول عيسى، وخروج يأجوج ومأجوج، وفي ختامه ذكر الرسول ﷺ دعاء عيسى ربه عندما يشتد عليهم الأمر، فيستجيب الله، ويهلك يأجوج ومأجوج، ثم يقول: " ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض، فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم (٤) ، ونتنهم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيرسل الله عليهم طيراً كأعناق البخت (٥) ، فتحملهم، فتطرحهم حيث شاء الله، ثم يرسل مطراً، لا يُكَنُّ منه بيت مدر (٦) ولا وبر، فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلقة (٧) ، ثم يقال للأرض: أنبتي

стр. 250

ثمرتك، وردي بركتك، فيومئذ تأكل العصابة (١) من الرمانة، ويستظلون بقحفها، ويبارك في الرِّسْل (٢) ، حتى إن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس (٣) ، واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس، واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ (٤) من الناس" (٥) . المطلب الخامس ما يستخلص من النصوص الواردة في شأن عيسى ١- أن عيسى ﵇ نازل لا محالة في آخر الزمان والنصوص في ذلك متواترة عن الرسول ﷺ (٦) ، فالتكذيب بنزوله تكذيب للرسول ﷺ في خبره، وخبر الرسول ﷺ صدق لا كذب فيه، وقد أشار القرآن الكريم إلى نزول عيسى ابن مريم في أكثر من موضع، ومن ذلك قوله: (وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا) [النساء: ١٥٩] . ولذلك فإن أبا هريرة لما أورد حديث (نزول عيسى حكماً عدلاً) (٧)

стр. 251

قال في آخره: اقرؤوا إن شئتم: (وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ... ) الآية (١) . ٢- أن عيسى يأتي ليحكِّم شريعة القرآن: وقد سبق أن بينا هذه المسألة، والأدلة عليها. ٣- أنه يقضي على جميع الأديان، ولا يقبل من أحد إلا الإسلام: ولذلك فإنه يكسر الصليب، وهو رمز النصرانية المحرفة، ويقتل الخنزير الذي حرمه الإسلام، ويضع الجزية، فلا يقبل من اليهود والنصارى الجزية، ولا يقبل منهم إلا الإسلام، ففي حديث أبي هريرة عند أبي داود بإسناد صحيح يرفعه: " فيقاتل الناس على الإسلام، فيدق الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام " (٢) . وعدم قبول الجزية لا يعد نسخاً، فإن الرسول ﷺ أخبر أن الجزية تقبل إلى أن ينزل عيسى، وبعد ذلك لا تقبل، يقول النووي: " (ويضع الجزية) : الصواب أنه لا يقبلها، ولا يقبل من الكفار إلا الإسلام، ومن بذل منهم الجزية لم يكف عنه بها، بل لا يقبل إلا الإسلام، أو القتل، هكذا قال الإمام أبو سليمان الخطابي وغيره من العلماء.. فعلى هذا قد يقال: هذا خلاف حكم الشرع اليوم، فإن الكتابي إذا بذل الجزية وجب قبولها، ولم يجز قتله، ولا إكراهه على الإسلام، وجوابه: أن هذا الحكم ليس بمستمر إلى يوم القيامة، بل هو مقيد بما قبل عيسى ﵇ وقد أخبرنا

стр. 252

النبي ﷺ في هذه الأحاديث الصحيحة بنسخة، وليس عيسى هو الناسخ، بل نبينا ﷺ هو المبين للنسخ، فإن عيسى يحكم بشرعنا " (١) . ٤- عموم الرخاء، وسيادة الإسلام والأمن في ذلك الزمان: أخبرت النصوص التي سقناها عن تلك البركة العظيمة التي توجد في ذلك الوقت، والأمن العظيم الذي يكرم الله به العباد في تلك الأيام، وكيف ترفع الشحناء والتباغض بين الناس، ويجتمع البشر على كلمة الله ﵎. ومن النصوص التي تحدثت عن هذا حديث أبي أمامة عند ابن ماجة، وابن خزيمة، والحاكم بإسناد صحيح، قال: قال رسول الله ﷺ : " فيكون عيسى ابن مريم في أمتي حكماً عدلاً، وإماماً مقسطاً، يدق الصليب، ويذبح الخنزير، ويضع الجزية، ويترك الصدقة، فلا يسعى على شاة ولا بعير (٢) ، وترفع الشحناء والتباغض، وتنزع حُمَةُ كل ذات حمة (٣) ، حتى يدخل الوليد يده في الحية، فلا تضره، وتضرُّ الوليدة الأسد، فلا يضرها، ويكون الذئب في الغنم كأنه كلبها، وتملأ الأرض من السلم، كما يملأ الإناء من الماء، وتكون الكلمة الواحدة، فلا يعبد إلا الله، وتضع الحرب أوزارها، وتسلب قريش ملكها، وتكون الأرض كفاثور الفضة، تنبت نباتها بعهد آدم، حتى يجتمع النفر على القطف من العنب، فيشبعهم، ويجتمع النفر على الرمانة، فتشبعهم، ويكون الثور بكذا وكذا من المال، ويكون الفرس بدريهمات.. " (٤) .

стр. 253

المطلب السادس طيب العيش بعد المسيح إن الحالة التي وصفتها النصوص عن الحياة في تلك الفترة حالة فذة في تاريخ الإنسانية، حيث يعيش الناس في خير وأمن وسلام، وفي بحبوحة من العيش، ولذلك فإنهم يغبطون على ما يكونون فيه من نعيم، وفي الحديث: " طوبى لعيش بعد المسيح، يؤذن للسماء في القطر، ويؤذن للأرض في النبات، حتى لو بذرت حبك على الصفا لنبت، وحتى يمر الرجل على الأسد فلا يضره، ويطأ على الحية فلا تضره، ولا تشاحّ، ولا تحاسد، ولا تباغض " (١) . المطلب السابع بقاء عيسى في الأرض مدة بقاء عيسى في الأرض أربعون عاماً، كما ثبت ذلك في حديث صحيح في سنن أبي داود عن أبي هريرة: " فيمكث في الأرض أربعين سنة، ثم يتوفى، ويصلي عليه المسلمون " (٢) . وهو في ذلك مقيم لحكم الإسلام، مصل إلى قبلة المسلمين، وقد ذكرنا الأحاديث المفصحة عن صلاته وراء ذلك الرجل الصالح عند نزوله، كما ثبت أنه يحج البيت العتيق، ففي صحيح مسلم ومسند أحمد عن أبي هريرة، قال: قال

стр. 254

رسول الله ﷺ : " والذي نفسي بيده، ليهلنَّ ابن مريم بفج الروحاء، حاجاً ومعتمراً، أو ليثنينهما " (١) . والروحاء مكان بين المدينة ووادي الصفراء في طريق مكة على نحو أربعين ميلاً من المدينة أو ستة وثلاثين أو ثلاثين " (٢) . المطلب الثامن فضل الذين يصحبون عيسى ﵇ في مسند أحمد وسنن النسائي عن ثوبان، عن النبي ﷺ ، قال: " عصابتان من أمتي أحرزهما الله من النار، عصابة تغزو الهند، وعصابة تكون مع عيسى ابن مريم " (٣) .

стр. 255

خروُج يأجوج وَمأجوج ذكر الحق ﵎ في سورة الكهف أن ذا القرنين في تطوافه في الأرض بلغ بين السدين، فوجد من دونهما قوماً لا يكادون يفقهون قولاً، فاشتكوا له من الضرر الذي يلحق بهم من يأجوج ومأجوج، وطلبوا منه أن يقيم بينهم وبينه سداً يمنع عنهم فسادهم، فاستجاب لطلبهم (حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًا لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا - قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا - قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا - آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا - فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا - قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي فَإِذَا جَاء وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاء وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا - وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا) [الكهف: ٩٣-٩٩] . ويأجوج ومأجوج أمتان كثيرتا العدد، وهما من ذرية آدم ﵇ ثبت في الصحيحين: " أن الله تعالى يقول (١) : يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك، فيقول: ابعث بعث النار، فيقول: وما بعث النار؟ فيقول: من كل ألف تسمعائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة، فحينئذ يشيب الصغير،

стр. 256

وتضع كل ذات حمل حملها، فقال: إن فيكم أمتين ما كانتا في شيء إلا كثرتاه، يأجوج ومأجوج "، قال ابن كثير بعد سياقه لهذا الحديث: " وقد حكى النووي في شرح مسلم عن بعض الناس أن يأجوج ومأجوج قد خلقوا من منى خرج من آدم، فاختلط بالتراب فخلقوا من ذلك، فعلى هذا يكونون مخلوقين من آدم وليسوا من حواء " وقد رد ابن كثير هذا القول وأنكره قائلاً: " وهذا قول غريب جداً، ثم لا دليل عليه لا من عقل، ولا من نقل، ولا يجوز الاعتماد هاهنا على ما يحكيه بعض أهل الكتاب لما عندهم من الأحاديث المفتعلة " (١) . وقد أخبر الحق ﵎ أن السَّد الذي أقامه ذو القرنين مانعهم من الخروج: (فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا) [الكهف: ٩٧] ، وأخبر أن ذلك مستمر إلى آخر الزمان عندما يأتي وعد الله، ويأذن لهم بالخروج، وعند ذلك يدك السد، ويخرجون على الناس (فَإِذَا جَاء وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاء وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا) [الكهف: ٩٨] ، وعند ذلك يخرجون أفواجاً أفواجاُ كموج البحر (وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ) [الكهف: ٩٩] وذلك قرب قيام القيامة والنفخ في الصور (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا) [الكهف: ٩٩] . وقد أخبر الحق في موضع آخر عن نقبهم السد وخروجهم: (حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ - وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا..) [الأنبياء: ٩٦-٩٧] ، وهذا كائن في آخر الزمان، وقوله: (كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ) [الأنبياء: ٩٦] ، أي يسرعون في الإفساد في الأرض، والحدب هو المرتفع في الأرض، وهذه صفتهم حال خروجهم.

стр. 257

وقد أخبر الرسول ﷺ أنه فتح من ردم يأجوج ومأجوج في عصره فتحة صغيرة كالحلقة التي تكون من الإبهام والتي تليها، ففي صحيح البخاري عن زينب بنت جحش أن رسول الله ﷺ دخل عليها يوماً فزعاً، يقول: " لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وحلق بإصبعيه: الإبهام والتي تليها، قالت زينب: فقلت: يا رسول الله، أنهلك، وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث " (١) . وخروجهم يقع بعد نزول عيسى ابن مريم وهزيمته للدجال، ففي صحيح مسلم عن النواس بن سمعان في حديثه الطويل، قال: قال رسول الله ﷺ : " ثم يأتي عيسى ابن مريم قوم قد عصمهم الله منه (أي من الدجال) ، فيمسح عن وجوههم، ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة، فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى، إني قد أخرجت عباداً لي، لا يدان لأحد بقتالهم (٢) ، فحرز عبادي إلى الطور (٣) ، ويبعث الله يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون، فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية (٤) ، فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم، فيقولون: لقد كان بهذه مرة ماء، ويُحْصر نبي الله عيسى وأصحابه، حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيراً من مائة دينار لأحدكم اليوم، فَيَرْغب نبيُّ الله عيسى وأصحابه، فيرسل الله عليهم النّغَفَ في رقابهم (٥) ، فيصبحون فرسى (٦) كموت نفس واحدة، ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض، فلا يجدون في الأرض

стр. 258

موضع شبر إلا ملأه زهمهم (١) ونتنهم، فَيَرْغَبُ نبيُّ الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيرسل طيراً كأعناق البخت (٢) ، فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله، ثم يرسل الله مطراً، لا يكن منه بيت مدر ولا وبر، فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلقة " (٣) (٤) . وقال مسلم أيضاً بعد سياقه للحديث السابق: حدثنا علي بن حُجْر السعدي، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، والوليد بن مسلم، قال ابن حُجْر: دخل حديث أحدهما في حديث الآخر عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، بهذا الإسناد (إسناد الحديث السابق) نحو ما ذكرنا، وزاد بعد قوله: " لقد كان بهذه مرة ماء "، " ثم يسيرون حتى ينتهوا إلى جبل الخمر (٥) ، وهو جبل بيت المقدس، فيقولون: لقد قتلنا من في الأرض، هلمَّ فلنقتل من في السماء، فيرمون بنشابهم (٦) إلى السماء، فيرد الله عليهم نشابهم مخضوبة دماً ". وفي رواية ابن حجر: " فإني قد أنزلت عباداً لي، لا يَدَيْ لأحد بقتالهم " (٧) . والسبب في أنه لا يستطيع أحد الوقوف في وجههم لكثرتهم، يدلك على كثرتهم أن المسلمين يوقدون من أسلحتهم بعد هلاكهم سبع سنين، ففي سنن الترمذي بإسناد مسلم في الرواية السابقة: " سيوقد المسلمون من قسي يأجوج ونشابهم

стр. 259

وأسلحتهم وأترستهم سبع سنين "، ورواه ابن ماجة في سننه (١) . وهذه الأحاديث وأحاديث مشابهة كثيرة تدل على أن هذه الحضارة الهائلة التي اخترعت هذه القوة الهائلة من القنابل والصواريخ ستتلاشى وتزول، وأغلب الظن أنها ستدمر نفسها بنفسها، وأن البشرية ستعود مرة أخرى إلى القتال على الخيول واستعمال الرماح والقسي ونحو ذلك، والله أعلم. وفي السنن للترمذي وابن ماجة، وصحيح ابن حبان، ومستدرك الحاكم، ومسند أحمد عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : " إن يأجوج ومأجوج يحفرون كل يوم، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس، قال الذي عليهم: ارجعوا فسنحفره غداً، فيعيده الله أشد ما كان، حتى إذا بلغت مدتهم، وأراد الله أن يبعثهم على الناس حفروا، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس، قال الذي عليهم: ارجعوا فسنحفره غداً إن شاء الله تعالى، واستثنوا، فيعودون إليه، وهو كهيئته يوم تركوه، فيحفرونه، ويخرجون على الناس، فينشفون الماء، ويتحصن الناس منهم في حصونهم، فيرمون بسهامهم إلى السماء، فترجع عليها الدم الذي اجفظ (٢) ، فيقولون: قهرنا أهل الأرض، وعلونا أهل السماء، فيبعث الله عليهم نغفاً في أقفائهم (٣) ، فيقتلون بها، قال رسول الله ﷺ : " والذي نفسي بيده إن دواب الأرض لتسمن، وتشكر شكراً من لحومهم " (٤) .

стр. 260

وفي سنن ابن ماجة، وصحيح ابن حبان، ومستدرك الحاكم، ومسند أحمد عن أبي سعيد الخدري، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " يفتح يأجوج ومأجوج، يخرجون على الناس كما قال الله : (مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ) [الأنبياء: ٩٦] ، فيغشون الأرض، وينحاز المسلمون عنهم إلى مدائنهم وحصونهم، ويضمون إليهم مواشيهم، ويشربون مياه الأرض، حتى إن بعضهم ليمر بالنهر، فيشربون ما فيه حتى يتركوه يبساً، حتى إن من بعدهم ليمر بذلك النهر، فيقول: قد كان هنا ماء مرة، حتى إذا لم يبق من الناس إلا أحد في حصن أو مدينة، قال قائلهم، هؤلاء أهل الأرض قد فرغنا منهم، بقي أهل السماء. قال: ثم يهز أحدهم حربته، ثم يرمي بها إلى السماء، فترجع مخضبة دماً للبلاء والفتنة، فبينما هم على ذلك، إذ بعث الله دوداً في أعناقهم كنغف الجراد الذي يخرج في أعناقهم، فيصبحون موتى لا يسمع لهم حِسّ، فيقول المسلمون: ألا رجل يشري نفسه، فينظر ما فعل هذا العدو، قال: فيتجرد منهم محتسباً لنفسه، قد أظنها على أنه مقتول، فينزل فيجدهم موتى، بعضهم على بعض، فينادي: يا معشر المسلمين: ألا ابشروا، فإن الله قد كفاكم عدوكم، فيخرجون من مدائنهم وحصونهم، ويسرحون مواشيهم، فما يكون لها رعي إلا لحومهم، فتشكر عنه كأحسن ما تشكر عن شيء من النبات أصابته قط " (١) وهذه النصوص دالة على كثرة يأجوج ومأجوج بحيث لا يستطيع أحد أن يقف في وجوههم.

стр. 261

درُوس الإسلام وَرفع القرآن وَفَناء الأخيَار بعد ذلك الانتشار العظيم للإسلام الذي يعم المشارق والمغارب، يضعف الإسلام مرة أخرى، ويترعرع الشَّر، ويرفع هذا الدين العظيم، ويرفع القرآن، ويذهب العلم، ويقبض الله من كان في نفسه بقية من إيمان، فلا يبقى بعد ذلك إلا شرار الخلق، وعليهم تقوم الساعة. أخرج ابن ماجة والحاكم عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله ﷺ : " يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب، حتى لا يدرى ما صيام، ولا صلاة، ولا نسك، ولا صدقة، وليسرى على كتاب الله في ليلة، فلا يبقى في الأرض منه آية، وتبقى طوائف من الناس: الشيخ الكبير والعجوز، يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة (لا إله إلا الله) فنحن نقولها " (١) . وهذه البقية الباقية التي لا تعرف من الإسلام إلا كلمة التوحيد تفنى وتبيد، ففي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق " (٢) . وفي حديث آخر بين لنا الرسول ﷺ كيف تذهب بقية الصالحين في آخر

стр. 262

الزمان، ففي الحديث الذي يرويه مسلم عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: " إن الله يبعث ريحاً من اليمن، ألين من الحرير، فلا تدع أحداً في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا قبضته ". وفي رواية " مثقال ذرة " (١) . وعن أنس أن رسول الله ﷺ قال: " لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض: الله، الله " (٢) . وفي صحيح مسلم عن النواس بن سمعان يرفعه: " فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحاً طيبة فتأخذهم تحت آباطهم، فتقبض روح كل مؤمن، وكل مسلم، ويبقى شرار الناس يتهارجون تهارج الحمر، فعليهم تقوم الساعة " (٣) . وروى البخاري بإسناده إلى مِرْداس الأسلمي ﵁ قال: قال النبي ﷺ : " يذهب الصالحون الأول فالأول، وتبقى حثالة كحثالة الشعير أو التمر، لا يباليهم الله بالة " (٤) . ومن دروس الإسلام في تلك الأيام أن تنقطع عبادة الحج، فلا حج ولا عمرة، ففي مسند أبي يعلى ومستدرك الحاكم بإسناد صحيح عن أبي سعيد رضي

стр. 263

الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تقوم الساعة حتى لا يحج البيت " (١) ولا شك أن هذا إنما يكون بعد انبعاث الريح الطيبة وقبضها الصالحين، أما قبل ذلك فإن عبادة البيت مستمرة، ففي صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : " ليحجن هذا البيت وليعتمرن بعد خروج يأجوج ومأجوج " (٢) .

стр. 264

عودَة البشريَة إلى الجاهليَة وَعبادة الأوثان فإذا درس الإسلام، ورفع القرآن، وقبضت الريح كل من في قلبه مثقال ذرة من إيمان - عادت البشرية إلى جاهليتها الأولى أو أشد، فتطيع الشيطان، وتعبد الأوثان. وقد حدثنا الرسول ﷺ عما يكون بعد موت المسيح ﵇ في آخر الزمان، ففي حديث عبد الله بن عمرو عند مسلم: " ثم يرسل الله ريحاً باردة من قبل الشام، فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته، حتى لو كان أحدهم دخل في كبد جبل لدخلته عليه، حتى تقبضه " قال: سمعتها من رسول الله ﷺ قال: " فيبقى شرار الناس في خفة الطير، وأحلام السباع، لا يعرفون معروفاً، ولا ينكرون منكراً، فيتمثل لهم الشيطان فيقول: ألا تستجيبون؟ فيقولون: ما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان، وهم في ذلك دارةٌ أرزاقهم، حَسَنٌ عيشهم، ثم ينفخ في الصور.. " الحديث (١) . ومن الأوثان التي تعبد (ذو الخَلَصة) طاغية دوس واللات والعزى، ففي صحيحي البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس على ذي الخَلَصلة " وذو الخَلَصة: الصنم الذي كانت

стр. 265

تعبده دوس في الجاهلية (١) . وفي صحيح مسلم عن عائشة أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا يذهب الليل والنهار حتى تُعْبد اللات والعزى، فقالت عائشة: يا رسول الله، إن كنت لأظن حين أنزل الله: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) [التوبة: ٣٣] أن ذلك تاماً، قال: إنه سيكون من ذلك ما شاء الله، ثم يبعث الله ريحاً طيبة، فتوفى كل من في قلبه مثقال حبة خَرْدل من إيمان، فيبقى من لا خير فيه، فيرجعون إلى دين آبائهم " (٢) . وفي هذا الزمن يتدنى المستوى الأخلاقي تدنياً هائلاً، فقد أخرج البزار في مسنده، وابن حبان في صحيحه عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تقوم الساعة حتى يتسافدوا في الطريق تسافد الحمير، قلت: إن ذلك لكائن؟ قال: نعم، ليكونن " وللحديث شاهد عند الحاكم من حديث أبي هريرة مرفوعاً: " والذي نفسي بيده لا تفنى هذه الأمة حتى يقوم الرجل إلى المرأة فيفترشها في الطريق، فيكون خيارهم يومئذ من يقول: هلا ورايتها هذا الحائط " (٣) .

стр. 266

وله شاهد آخر من حديث النواس بن سمعان في حديثه الطويل في الدجال ويأجوج ومأجوج، وفي آخره: " فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحاً طيبة، فتأخذهم تحت آباطهم، فتقبض روح كل مؤمن، وكل مسلم، ويبقى شرار الناس، يتهارجون تهارج الحمر (١) ، فعليهم تقوم الساعة " رواه مسلم وأحمد والحاكم.

стр. 267

هَدم الكعبَة عَلى يَدِ ذي السويقتين ولعل هذا الزمان هو الذي يهدم فيه ذو السويقتين الكعبة، ففي الحديث الذي يرويه الإمام أحمد في مسنده من طرق عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " يبايع لرجل ما بين الركن والمقام، ولن يستحل البيت إلا أهله، فإذا استحلوه فلا تسأل عن هلكة العرب، ثم يأتي الحبشة فيخربونه خراباً لا يعمر بعده أبداً، وهم الذين يستخرجون كنزه " (١) . وروى الإمام أحمد في المسند أيضاً عن عبد الله بن عمر أنه سمع رسول الله ﷺ قال: " يخرب الكعبة ذو السويقتين في الحبشة، ويسلبها حليها، ويجردها من كسوتها، ولكأني أنظر إليه أصيلعاً أفيدعا، يضرب بمسحاته ومعوله " (٢) . وفي صحيح البخاري ومسند أحمد عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: " كأني أنظر إليه أسود أفحج، ينقضها حجراً حجراً، يعني الكعبة " (٣) . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن الرسول ﷺ أنه قال: " يخرب الكعبة ذو السويقتين من الحبشة " (٤) . وإنما سمي ذو السويقتين لصغر ساقيه، فالسويقتان تصغير ساقي الإنسان لرقتهما وهي صفة سوق السودان غالباً.

стр. 268

وقد يقال كيف يهدمها وقد جعل الله مكة حرماً آمناً؟ الجواب: أن معناه آمناً إلى قرب يوم القيامة وخراب الدنيا. هكذا قال النووي: وهذا صحيح إذا كان الهدم في هذا الوقت، وإلا فإن الأمر حكم شرعي ألزم الله به عباده، فإذا تمرد متمرد وانتهك حرمة الحرم فقد يمنعه الله كما فعل بأبرهة، وقد لا يمنعه لحكمة يعلمها كما فعل القرامطة الذين اجتاحوا الحرم وفعلوا عنده الأفاعيل، وكما سيفعله هذا الخبيث ذو السويقتين (١) .

стр. 269

طُلوع الشمس من مغربهَا من الآيات البينات الدالة على وقوع الساعة طلوع الشمس من مغربها، ففي صحيح البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت فرآها الناس آمنوا أجمعين، فذاك حين لا ينفع نفساً إيمانهم لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً " (١) .

стр. 270

خرُوج الدابَّة وهذه الدابة آية من آيات الله تخرج في آخر الزمان، عندما يكثر الشر، ويعم الفساد، ويكون الخير قلة في ذلك الزمان، وهذه الدابة هي التي ذكرها الحق في قوله تعالى: (وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ) [النمل: ٨٢] . ولا شك أن هذه الدابة مخالفة لمعهود البشر من الدواب، ومن ذلك أنها تخاطب الناس وتكلمهم، وقد ذكرنا جملة من الأحاديث التي عدَّ فيها الرسول ﷺ من أشراط الساعة العظام - خروج الدابة. وروى الإمام أحمد في مسنده، والبخاري في الكبير، والبغوي في " حديث علي بن الجعد "، وأبو نعيم في أخبار أصبهان بإسناد صحيح عن أبي أمامة يرفعه إلى النبي ﷺ ، قال: " تخرج الدابة، فتسم الناس على خراطيمهم، ثم يعمرون فيكم حتى يشتري الرجل البعير، فيقول: ممن اشتريته؟ فيقول: اشتريته من أحد المخطمين " (١) .

стр. 271

النّار التي تحشر الناس وآخر الآيات التي تكون قبل قيام الساعة نار تخرج من قعر عدن، تحشر الناس إلى محشرهم، وقد سبق أن ذكرنا الأحاديث التي عدد فيها الرسول ﷺ أشراط الساعة، وذكر أنها عشر، قال: " وآخر ذلك نار تخرج من اليمن، تطرد الناس إلى محشرهم " (١) . وفي صحيح البخاري عن أنس ﵁ أن عبد الله بن سلام بلغه مقدم النبي ﷺ المدينة (أي مهاجراً) فأتاه يسأله عن أشياء، فقال: إني سائلك عن ثلاث: ما أول أشراط الساعة؟ فقال الرسول ﷺ : " أما أول أشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب " (٢) . وفي سنن الترمذي عن عبد الله بن عمر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : " ستخرج نار من حضرموت قبل القيامة تحشر الناس، قالوا: يا رسول الله فما تأمرنا؟ قال: عليكم بالشام "، وقال الترمذي هذا حديث صحيح (٣) . وقد حدثنا الرسول ﷺ عن كيفية حشر النار للناس، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁، قال: " يحشر الناس على ثلاث طرائق راغبين

стр. 272

راهبين، واثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وأربعة على بعير، وعشرة على بعير، ويحشر بقيتهم النار، تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسي معهم حيث أمسوا " (١) وروى أحمد في مسنده، والترمذي في سننه، والحاكم في مستدركه بإسناد صحيح عن معاوية بن حيدة قال: قال رسول الله ﷺ : " إنكم تحشرون رجالاً وركباناً، وتجرون على وجوهكم ها هنا، وأومأ بيده نحو الشام " (٢) . وآخر من تحشرهم النار راعيان من مزينة، ففي الحديث الذي يرويه البخاري ومسلم وأحمد عن أبي هريرة ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " يتركون المدينة على خير ما كانت، لا يغشاها إلا العوافي (يريد عوافي السباع والطير) ، وآخر من يحشر راعيان من مزينة، ينعقان بغنمها، فيجدانها وحشاً، حتى إذا بلغا ثنية الوداع خرّا على وجههما " (٣) . والأرض التي تحشر النار الناس إليها هي بلاد الشام، ففي كتاب فضائل الشام للربعي عن أبي ذر بإسناد صحيح أن رسول الله ﷺ قال: " الشام أرض المحشر والمنشر " ورواه أحمد في مسنده وابن ماجة في سننه والربعي في فضائل الشام عن ميمونة بنت سعد " (٤) . وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن هذا الحشر يكون في الآخرة، وعزا القرطبي القول بذلك إلى الحليمي وأبي حامد الغزالي (٥) . وذهب الخطابي والطيبي والقاضي عياض والقرطبي وابن كثير وابن حجر إلى

стр. 273

أن هذا الحشر يكون في آخر عمر الدنيا، حين تخرج النار من قعر عدن، وتحشر الناس إلى بلاد الشام (١) . يقول ابن كثير في هذه الأحاديث: " فهذه السياقات تدل على أن هذا الحشر، هو حشر الموجودين في آخر الدنيا، من أقطار محلة الحشر، وهي أرض الشام، وأنهم يكونون على أصناف ثلاثة: فقسم يحشرون طاعمين كاسين راكبين، وقسم يمشون تارة ويركبون أخرى، وهم يعتقبون على البعير الواحد، كما تقدم في الصحيحين: " اثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وعشرة على بعير " يعني يعتقبونه من قلة الظهر، كما تقدم، كما جاء مفسراً في الحديث الآخر، وتحشر بقيتهم النار، وهي التي تخرج من قعر عدن، فتحيط بالناس من ورائهم، وتسوقهم من كل جانب، إلى أرض المحشر، ومن تخلف منهم أكلته. وهذا كله مما يدل على أن هذا في آخر الدنيا، حيث الأكل والشرب، والركوب على الظهر المستوي وغيره، وحيث يهلك المتخلفون منهم بالنار. ولو كان هذا بعد نفخة البعث، لم يبق موت ولا ظهر يسري، ولا أكل ولا شرب، ولا لبس في العرصات. والعجب كل العجب أن الحافظ أبا بكر البيهقي بعد روايته لأكثر هذه الأحاديث، حمل هذا الركوب على أنه يوم القيامة، وصحح ذلك، وضعف ما قلناه، واستدل على ذلك بقوله تعالى: (يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا - وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا) [مريم: ٨٥] .

стр. 274

وكيف يصحح ما ادعاه في تفسير الآية بالحديث، وفيه: " إن منهم اثنين على بعير، وعشرة على بعير " وقد جاء التصريح فيه بقلة الظهر؟ هذا لا يلتئم مع هذا، والله أعلم. تلك نجائب من الجنة يركبها المؤمنون من العرصات إلى الجنات، على غير هذه الصفة، كما سيأتي تقرير ذلك في موضعه " (١) .