← Акыда

Акыда · id 9834

القيامة الصغرى

عمر سليمان الأشقر

Полный текст (274 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

رجل من أهل النصرانية الصليب، فيقول: غلب الصليب، فيغضب رجل من المسلمين فيدقه، فعند ذلك تغدر الروم وتجمع للملحمة، وزاد بعضهم: " فيثور المسلمون إلى أسلحتهم، فيقتتلون فيكرم الله تلك العصابة بالشهادة " (١) . فأنت ترى قوة المسلمين في ذلك الوقت، حيث إنهم يغزون وينصرون ويغنمون ويرجعون سالمين، وترى إلى أي مدى هم متمسكون بدينهم، فإن ذلك الصليبي عندما يرفع الصليب زاعماً أن الانتصار الذي شارك المسلمون في تحقيقه كان للصليب، يقوم مسلم غيور على دينه فيدق ذلك الصليب ويكسره، وتثور العصابة التي تكون في ذلك الموقع من المسلمين إلى سلاحهم، ويقاتلون الروم - على الرغم من قلتهم في ذلك الموقع، ويشهد الرسول ﷺ لهم بأنهم شهداء، وأن الله أكرمهم بذلك، ويكون غدر الروم ذلك، وما جرى بعده سبباً في وقوع الملحمة. الملحمة وفتح القسطنطينية: والملحمة معركة كبيرة هائلة تقع بين المسلمين والصليبيين (٢) ، وسببها هو السبب الذي أشار إليه الحديث السابق، وقد جاء أكثر من حديث يصف هذه المعركة وهولها، وكيف يكون صبر المسلمين فيها، ثم يكون النصر لهم على

стр. 212

أعدائهم، ويلاحظ أنه يكون في صفوف المسلمين أعداد كبيرة من النصارى الذين أسلموا وحسن إسلامهم، ففي صحيح مسلم، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: " لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق، أو بدابق (١) ، فيخرج لهم جيش من المدينة، من خيار أهل الأرض يومئذ، فإذا تصافوا قالت الروم: خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم، فيقول المسلمون: لا، والله لا نخلي بينكم وبين إخواننا، فيقاتلونهم، فيهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبداً، ويقتل ثلث أفضل الشهداء عند الله، ويفتتح الثلث، لا يفتنون أبداً، فيفتتحون قسطنطينية (٢) ، فبينما هم يقتسمون الغنائم، قد علقوا سيوفهم بالزيتون، إذ صاح فيهم الشيطان: إن المسيح قد خلفكم في أهليكم، فيخرجون وذلك باطل، فإذا جاؤوا الشأم خرج، فبينما هم يعدون للقتال، يسوون الصفوف، إذ أقيمت الصلاة، فينزل عيسى ابن مريم ﷺ فَأَمَّهم، فإذا رآه عدو الله ذاب كما يذوب الملح في الماء فلو تركه لانذاب حتى يهلك، ولكن يقتله الله بيده، فيريهم دمه في حربته " (٣) . وقد حدثنا الرسول ﷺ في حديث آخر عن هول تلك المعركة، وعن الفدائية التي تكون في صفوف المسلمين، حتى إن مجموعات من المسلمين يتبايعون على القتال حتى النصر أو الموت ثلاثة أيام متوالية، ويبدو أن أعداد المسلمين في تلك الأيام قليلة، بدليل أن المسلمين ينتصرون عندما يصلهم المدد من بقية أهل الإسلام، ففي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود، قال: " إن الساعة لا تقوم، حتى لا يقسم ميراث، ولا يفرح بغنيمة، ثم قال بيده هكذا (ونحاها

стр. 213

نحو الشام) ، فقال: عدو يجمعون لأهل الإسلام، ويجمع لهم أهل الإسلام (١) ، قلت: الروم تعني؟ (٢) قال: نعم، وتكون عند ذاكم القتال رَدَّةٌ شديدة، فيشترك المسلمون شرطة للموت لا ترجع إلا غالبة، فيقتتلون حتى يحجز بينهم الليل، فيفيء هؤلاء وهؤلاء، كل غير غالب، وتفنى الشُّرْطة، ثم يشترط المسلمون شُرْطة للموت، لا ترجع إلا غالبة، فيقتتلون، حتى يحجز بينهم الليل، فيفيء هؤلاء وهؤلاء، كل غير غالب، وتفنى الشُّرْطة، ثم يشترط المسلمون شرطة للموت، لا ترجع إلا غالبة، فيقتتلون حتى يمسوا، فيفيء هؤلاء وهؤلاء، كل غير غالب، وتفنى الشرطة. فإذا كان اليوم الرابع نهد إليهم بقية أهل الإسلام، فيجعل الله الدبرة عليهم، فيقتلون مقتلة - إما قال: لا يرى مثلها، وإما قال: لم ير مثلها - حتى إن الطائر ليمر، بجنباتهم، فما يخلفهم حتى يخر ميتاً، فيتعاد بنو الأب كانوا مائة، فلا يجدونه بقي إلا الرجل الواحد، فبأي غنيمة يفرح؟ أو أي ميراث يقاسم؟ فبينما هم كذلك إذ سمعوا ببأس، هو أكبر من ذلك، فجاءهم الصريخ، إن الدجال قد خلفهم في ذراريهم، فيرفضون ما في أيديهم، ويقبلون، فيبعثون عشرة فوارسَ طليعةً، قال: قال رسول الله ﷺ : " إني لأعرف أسماءهم، وأسماء آبائهم، وألوان خيولهم، هم خيرُ فوارسَ على ظهر الأرض يومئذٍ، أو من خير فوارس على ظهر الأرض يومئذٍ " (٣) . وفتح القسطنطينية المذكور في حديث الملحمة الذي سقناه أولاً جاء عنه شيء من التفصيل في حديث مسلم الذي يرويه أبو هريرة أيضاً، قال: قال النبي ﷺ :

стр. 214

" سمعتم بمدينة جانب منها في البر، وجانب منها في البحر (١) قالوا: نعم، يا رسول الله، قال: لا تقوم الساعة حتى يغزوها سبعون ألفاً من بني إسحاق (٢) فإذا جاؤوها نزلوا، فلم يقاتلوا بسلاح، ولم يرموا بسهم، قالوا: لا إله إلا الله، والله أكبر، فيسقط أحد جانبيا ". قال ثور (٣) : لا أعلمه إلا قال: " الذي في بحر، ثم يقولون الثانية: لا إله إلا الله والله أكبر، فيسقط جانبها الآخر، ثم يقولون الثالثة: لا إله إلا الله والله أكبر، فيفرج لهم، فيدخلوها، فيغنموا، فبينما هم يقتسمون الغنائم، إذ جاءهم الصريخ، فقال: إن الدجال قد خرج، فيتركون كل شيء ويرجعون " (٤) .

стр. 215

المطلب الرابع القحط والمجاعة قبل خروج الدجال يبتلى الناس قبيل خروج الدجال بلاءً شديداً، فتمنع السماء القطر، وتحبس الأرض النبات، ففي سنن ابن ماجة، وصحيح ابن خزيمة، ومستدرك الحاكم عن أبي أمامة أن الرسول ﷺ قال: " إن قبل خروج الدجال ثلاث سنوات شداد، يصيب الناس فيها جوع شديد، يأمر الله السماء في السنة الأولى أن تحبس ثلث مطرها، ويأمر الأرض أن تحبس ثلث نباتها، ثم يأمر السماء في السنة الثانية فتحبس ثلثي مطرها، ويأمر الأرض فتحبس ثلثي نباتها، ثم يأمر السماء في السنة الثالثة فتحبس مطرها كله، فلا تقطر قطرة، ويأمر الأرض فتحبس نباتها كله، فلا تنبت خضراء، فلا يبقى ذات ظلف، إلا هلكت إلا ما شاء الله. قيل: فما يُعيش الناس في ذلك الزمان؟ قال: التهليل، والتكبير، والتحميد، ويجزئ ذلك عليهم مجزأة الطعام " (١) . المطلب الخامس صفات الدجال وعلاماته يدعي الدجال الربوبية، ويأتي من الأعمال الخارقة ما يروّج به باطله، حتى إن الرجل يأتيه ظاناً أن أمره لن يخفى عليه، وأن باطله لن يروج عليه، فعندما يرى ما عنده من مخاريق يتبعه، ففي سنن أبي داود بإسناد صحيح عن عمران بن حصين أن رسول الله ﷺ قال: " من سمع بالدجال فلينأ عنه، فوالله إن الرجل

стр. 216

ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن، فيتبعه، مما يبعث به من الشبهات، أو لما يبعث به من الشبهات " (١) . ومن نظر في أمر الدجال نظر معتبر علم يقيناً أنه مبطل، وأن صفات الربوبية غير متحققة فيه، فهو بشر مسكين عاجز على الرغم مما يجري على يديه، يأكل ويشرب وينام، ويتبول ويتغوط، ومن كان هذا حاله كيف يكون إلهاً معبوداً، ورباً للكائنات وهو محتاج إليها!! ومع وضوح ذلك فإن رسول الله ﷺ أخبرنا شيئاً كثيراً عن صفاته وأحواله كي يعرفه المؤمنون الذين يخرج في عصرهم، وكي يستطيعوا مواجهته ولا يغتروا بباطله. صفات عامة: وصفه الرسول ﷺ وصفاً يبرز شخصيته ويحدد معالم جسمه، ففي صحيح البخاري عن عبد الله بن عمر أن الرسول ﷺ رأى الدجال في الرؤيا، وجاء في وصفه له: " رجل جسيم، أحمر، جعد الرأس، أعور العين، كأن عينه عنبة طافية، ... أقرب الناس به شبهاً ابن قطن من خزاعة " (٢) . وفي مسند أحمد وسنن أبي داود بإسناد صحيح عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله ﷺ : " إني حدثتكم عن الدجال حتى خشيت أن لا تعقلوا، إن المسيح الدجال رجل قصير، أفحج، جعد، أعور، مطموس العين، ليست

стр. 217

بناتئة ولا حجراء، فإن ألبس عليكم، فاعلموا أن ربكم ليس بأعور، وأنكم لن تروا ربكم " (١) . وفي صحيح ابن حبان، ومسند أحمد عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : " الدجال أعور، هجان أزهر (وفي رواية: أقمر) ، كأن رأسه أصلة، أشبه الناس بعبد العزى بن قطن، فإمّا هَلَكَ الهُلَّك، فإن ربكم ليس بأعور " (٢) . أبرز صفاته: ١- عَوَرُ الدَّجال ركز الرسول ﷺ على وصف عيني الدجال، لأن الدجال مهما تخلص من شيء من صفاته، فإنه لا يستطيع أن يتخلص من عينيه، والعينان ظاهرتان بارزتان يراهما كل أحد، وبهما صفات واضحة لا تخفى، فقد أشارت الأحاديث السابقة إلى عيوب في عينيه، أوضحها أنه أعور، وقد جاء في بعض الأحاديث أن العين العوراء هي اليمنى، وجاء في أحاديث أخرى أنها اليسرى، وكونها اليمنى أرجح، فأحاديثها مما اتفق على إخراجه البخاري ومسلم، وشبه الرسول ﷺ تلك العين بالعنبة الطافية، وفي حديث آخر وصف عينه اليمنى بكونها عوراء جاحظة لا تخفى كأنها نخاعة في حائط مجصص ".

стр. 218

ففي صحيح البخاري عن عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال عن الدجال: " أعور العين اليمنى، كأنها عنبة طافية " (١) . وفي حديث أبي سعيد عند أحمد: " وعينه اليمنى عوراء جاحظة لا تخفى، كأنها نخاعة في حائط مجصص، وعينه اليسرى كأنها كوكب دري " (٢) . وهي مع ذلك ممسوحة كما سبق بيانه، ففي صحيح مسلم: " الدجال ممسوح العين " (٣) . وقد وجه النووي الروايات توجيهاً آخر، فهو يرى أن جميع الروايات التي وصفت عينيه كلتاهما بالعور روايات صحيحة، فالعور معناه في اللغة: العيب، وعينا الدجال معيبتان كلتاهما، فقد ورد أن العوراء هي اليمنى، وورد أن العوراء هي اليسرى، وورد أن إحداهما طافئة بالهمز، أي: لا ضوء فيها، وورد أن الأخرى طافية بلا همزة، أي ظاهرة ناتئة، فعيناه على ما حققه النووي إحداهما لا يرى بها لذهاب نورها وهذه ممسوحة غير ناتئة ولا غائرة، والأخرى لم يذهب نورها ولكنها معيبة بعيب آخر وهو ظهورها وبروزها (٤) ، وقد جاء في إحدى الروايات عند مسلم أن العين التي ذهب ضوؤها وهي الممسوحة عليها ظفرة غليظة، " إن الدجال ممسوح العين، عليها ظفرة غليظة " (٥) ، والظفرة الغليظة جلدة تغشى البصر، وقال الأصمعي: لحمة تنبت عند المآقي.

стр. 219

وقد وصف لنا الرسول ﷺ عينه التي يرى به، فقال: " الدجال عينه خضراء كالزجاجة " رواه أحمد وأبو نعيم بإسناد صحيح (١) . ٢- مكتوب بين عينيه كافر وهناك علامة أعلم الله بها الدجال يعرفه بها المؤمنون دون غيرهم ممن طمس الله بصائرهم، وهذه العلامة كتابة بين عينيه نصها (ك ف ر) أو (كافر) ففي صحيح البخاري عن أنس عن النبي ﷺ قال: " ما بعث نبي إلا أنذر أمته الأعور الكذاب، ألا إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، وإن بين عينيه مكتوب كافر " (٢) . وفي صحيح مسلم مثل رواية البخاري، إلا أنه قال: " مكتوب بين عينيه ": " ك ف ر " (٣) وفي صحيح ابن خزيمة وسنن ابن ماجة ومستدرك الحاكم بإسناد صحيح عن أبي أمامة: " وأنه مكتوب بين عينيه: كافر يقرؤه كل مؤمن كاتب أو غير كاتب " (٤) وفي صحيح مسلم: " إنه مكتوب بين عينيه كافر، يقرؤه من كره عمله، أو يقرؤه كل مؤمن " (٥) . " والصحيح الذي عليه المحققون - كما يقول النووي رحمه الله تعالى - أن هذه الكتابة على ظاهرها، وأنها كتابة حقيقة جعلها الله آية وعلامة من جملة العلامات القاطعة بكفره وكذبه وإبطاله، ويظهرها الله تعالى لكل مسلم كاتب

стр. 220

وغير كاتب، ويخفيها عمن أراد شقاوته وفتنته، ولا امتناع في ذلك، وذكر القاضي عياض فيه خلافاً، منهم من قال هي كتابة حقيقة كما ذكرنا، ومنهم من قال: هي مجاز، وإشارة إلى سمات الحدوث عليه، واحتج بقوله: يقرؤه كل مؤمن كاتب وغير كاتب وهذا مذهب ضعيف " (١) . ٣- ليس له عقب أخبر الرسول ﷺ أن الدجال " عقيم لا يولد له " رواه مسلم في صحيحه (٢) . المطب السادس بطلان دعواه الربوبية إذا كانت تلك صفات الدجال، وهي صفات بها نقص كبير، فكيف يصح لهذا المخلوق الضعيف دعوى الربوبية، إنه يدعي أنه رب الناس، ورب الناس لا يرى في الدنيا، يقول ﷺ : " تعلموا أنه لن يرى أحد منكم ربه حتى يموت " (٣) ، ثم هو غير سويّ الخلقة، فيه عيوب لا تخفى، منها عوره، وفي ذلك يقول الرسول ﷺ : " إن الله لا يخفى عليكم، إن الله ليس بأعور، وأشار بيده إلى عينيه - وإن المسيح الدجال أعور عين اليمنى، كأن عينه عنبة طافية " (٤) .

стр. 221

ومن صفاته المعيبة في الأحاديث أنه أفحج، والفحج " تباعد ما بين الساقين " أو الفخذين، وقيل: تداني صدور القدمين، مع تباعد العقبين، وقيل: هو الذي في رجله اعوجاج " (١) . وصدق ابن العربي في قوله: " في اختلاف صفات الدجال بما ذكر من النقص بيان أنه لا يدفع النقص عن نفسه كيف كان، وأنه محكوم عليه في نفسه " (٢) . ومراده أنه لو كان رباً لأزال النقص الذي في نفسه، فعدم إزالته دليل على أنه مربوب مقهور لا يستطيع أن يتخلص من عيوبه. وتركيز الرسول ﷺ على كونه أعور " لكون العور أثر محسوس يدركه العالم والعامي، ومن لا يهتدي إلى الأدلة العقلية " (٣) ، وإلا فإن أصحاب العلم يمكن أن يدركوا أمره، ويصلوا إلى حقيقة دعواه. المطلب السابع إمكانات الدجال التي تسبب الفتنة يدعي الدجال الألوهية، ويعطى من الإمكانات أموراً مذهلة تفتن الناس فتنة عظيمة، ومن ذلك: ١- سرعة انتقاله في الأرض: ففي حديث النواس بن سمعان في صحيح مسلم أن النبي ﷺ سئل عن

стр. 222

إسراع الدجال في الأرض، فقال: " كالغيث استدبرته الريح.. " (١) وقد أخبر الرسول ﷺ أنه سيجول في أقطار الأرض ولا يترك بلداً إلا دخله إلا مكة والمدينة، ففي حديث أنس في الصحيحين " ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة " (٢) . وفي حديث أبي أمامة عند ابن ماجة وابن خزيمة والحاكم: " وإنه لا يبقى شيء من الأرض إلا وطئه، وظهر عليه، إلا مكة والمدينة، لا يأتيهما من نقب من أنقابهما إلا لقيته الملائكة بالسيوف صلتة " (٣) . ٢- جنته وناره: ومما يفتن الدجال به الخلق أن معه ما يشبه الجنة والنار، أو معه ما يشبه نهراً من ماء، ونهراً من نار، وواقع الأمر ليس كما يبدو للناس، فإن الذي يرونه ناراً إنما هو ماء بارد، وحقيقة الذي يرونه ماء بارداً نار. ففي صحيح مسلم عن حذيفة، قال: قال رسول الله ﷺ : " معه (أي الدجال) جنة ونار، فناره جنة، وجنته نار " (٤) . وفي صحيحي البخاري ومسلم عن حذيفة أيضاً عن النبي ﷺ قال في الدجال: " إن معه ماءً وناراً، فناره ماء بارد، وماؤه نار " زاد في رواية مسلم: " فلا تَهْلِكوا " (٥) .

стр. 223

وفي رواية عند مسلم في صحيحه عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : " لأنا أعلم بما مع الدجال منه، معه نهران يَجْريان، أحدهما، رأي العين، ماءٌ أبيضُ، والآخر، رأي العين، نارٌ تأجج، فإما أدْركَنّ أحد فليأت النهر الذي يراه ناراً وليغمض، ثم ليطأطئ رأسه فيشرب منه، فإنه ماء بارد " (١) . وفي رواية أخرى في صحيح مسلم عن حذيفة أيضاً: " إن الدَّجال يَخْرج، وإن معه ماءً وناراً، فأما الذي يراه الناس ماءً فنارٌ تحرق، وأما الذي يراه الناس ناراً، فماءٌ بارد عذب، فمن أدرك ذلك منكم فليقع في الذي يراه ناراً، فإنه ماء عذب طيب " (٢) . وواضح من النصوص أن الناس لا يدركون ما مع الدجال حقيقة، وأن ما يرونه لا يمثل الحقيقة بل يخالفها، ولذلك فقد جاء في بعض الأحاديث في صحيح مسلم: " وإنه يجيء معه مثل الجنة والنار، فالتي يقول: إنها الجنة هي النار " (٣) . ٣- استعانته بالشياطين: لا شك أن للدجال استعانة بالشياطين، ومن المعلوم أن الشياطين لا تخدم إلا من يكون في غاية الإفك والضلال، والعبودية لغير الله، ففي سنن ابن ماجة وصحيح ابن خزيمة ومستدرك الحاكم بإسناد صحيح عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : " وإن من فتنته أن يقول للأعرابي: أرأيت إن بعثت لك أباك وأمك،

стр. 224

أتشهد أني ربك؟ فيقول: نعم، فيتمثل له شيطان في صورة أبيه وأمه، فيقولان: يا بني اتبعه، فإنه ربك " (١) . ٤- استجابة الجماد والحيوان لأمره: ومن فتنته التي يمتحن الله بها عباده أنه يأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، ويدعو البهائم فتتبعه، ويأمر الخرائب أن تخرج كنوزها المدفونة فتستجيب، ففي صحيح مسلم عن النواس بن سمعان، أن النبي ﷺ قال: " فيأتي على القوم فيدعوهم، فيؤمنون به، ويستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، فَتَرُوحُ عليهم سارحتُهُم، أطول ما كانت ذرىً، وأسبغه ضروعاً، وأمده خواصر، ثم يأتي القوم، فيدعوهم، فيردون عليه قوله، فينصرف عنهم، فيصبحون ممحلين، ليس بأيديهم شيء من أموالهم، ويمر بالخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك، فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل " (٢) . ٥- قتله ذلك الشاب ثم إحياؤه إياه: ومن فتنته أنه يقتل ذلك المؤمن فيما يظهر للناس ثم يدعي أنه أحياه، ففي صحيح البخاري عن أبي سعيد قال: حدثنا رسول الله ﷺ حديثاً طويلاً عن الدجال، فكان فيما يحدثنا أنه قال: " يأتي الدجال - وهو مُحَرَّم عليه أن يدخل نقاب المدينة - فينزل بعض السِّباخ التي تلي المدينة، فيخرج إليه يومئذ رجل هو خَيْرُ الناس، أو من خَيْر الناس، فيقول: أشهد أنك الدّجال الذي حدثنا رسول الله ﷺ حديثه، فيقول الدّجال، أرأيتم إن قتلت هذا ثم أحييته، هل تشكون في

стр. 225

الأمر؟ فيقولون: لا، فيقتله، ثم يحييه، فيقول: والله ما كنت فيك أشد بصيرة مني اليوم، فيريد الدّجال أن يقتله، فلا يسلّط عليه " (١) . ورواه مسلم عن أبي سعيد الخدري أيضاً بلفظ " يخرج الدجال، فيتوجه قِبَله رجل من المؤمنين، فتلقاه المسالح (٢) : مسالح الدجال، فيقولون له: أين تَعْمِد؟ فيقول: أعَمِد إلى هذا الذي خرج. قال: فيقول له: أو ما تؤمن بربنا؟ فيقول: ما بربنا خفاء، فيقولون: اقتلوه، فيقول بعضهم لبعض: أليس قد نهاكم أن تقتلوا أحداً دونه؟ قال: فينطلقون به إلى الدجال، فإذا رآه المؤمن، قال: يا أيها الناس! هذا المسيح الدّجال الذي ذكر رسول الله ﷺ . قال: فيأمر به الدّجال فيشبح (٣) ، فيقول: خذوه وشجوه، فيوسع ظهره وبطنه ضرباً، قال: فيقول: أو ما تؤمن بي؟ قال: فيقول: أنت المسيح الكذَّاب، قال: فيؤمر به فيؤشر بالمنشار من مفرقه حتى يفرق بين رجليه. قال: ثم يمشي الدجال بين القطعتين، ثم يقول له: قم، فيستوي قائماً، قال: ثم يقول له: أتؤمن بي؟ فيقول: ما ازددت فيك إلا بصيرة. قال: ثم يقول: يا أيها الناس! إنه لا يفعل بعدي بأحد من الناس. قال: فيأخذه الدجال ليذبحه، فيجعل ما بين رقبته إلى ترقوته نحاساً، فلا يستطيع إليه سبيلاً. قال: فيأخذ بيديه ورجليه، فيقذف به، فيحسب الناس أنما قذفه إلى النار، وإنما ألقي في الجنة. قال: فقال رسول الله ﷺ : " هذا أعظمُ الناس شهادة عند ربِّ العالمين " (٤) .

стр. 226

المطلب الثامن مكان خروجه يخرج الدجال من المشرق، من بلاد فارسية يقال لها: خراسان، ففي الحديث الذي يرويه الترمذي وابن ماجة والحاكم وأحمد والضياء في المختارة، عن أبي بكر الصديق قال: حدثنا رسول الله ﷺ : " إنّ الدّجال يخرج من أرض بالشرق، يقال لها: خراسان، يتبعه أقوام كأن وجوههم المجان المطرَّقة " (١) . ولكن ظهور أمره للمسلمين يكون عندما يصل إلى مكان بين العراق والشام، ففي حديث في صحيح مسلم عن النواس بن سمعان يرفعه: " إنه خارج خَلّةً بين الشام والعراق، فعاث يميناً وعاث شمالاً، يا عباد الله فاثبتوا " (٢) والخلة ما بين البلدين، كما يقول النووي. المطلب التاسع مدة مكثه في الأرض سأل الصحابة الرسول ﷺ عن المدة التي يمكثها الدجال في الأرض، فقالوا: " وما لبثه في الأرض " قال: أربعون يوماً، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة وسائر أيامه كأيامكم. قلنا: يا رسول الله: فذاك اليوم الذي كسنة، أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا، اقدروا له قدره " أخرجه مسلم في

стр. 227

صحيحه وأبو داود في سننه، عن النواس بن سمعان (١) . وإجابة الرسول ﷺ عن سؤال الصحابة: هل تكفيهم خمس صلوات في الأيام التي هي كسنة أو كشهر أو أسبوع تدل على أن اليوم يطول حقيقة حتى يصبح سنة، أو شهراً أو أسبوعاً، وليس مجازاً. المطلب العاشر أتباع الدَّجال المسيح الدَّجال الأعور الكذّاب هو الملك الذي ينتظر اليهود خروجه، ليحكموا العالم في عهده، ففي مسند أحمد عن عثمان بن أبي العاص ﵁، أن الرسول ﷺ قال: " أكثر أتباع الدّجال اليهود والنساء " (٢) . وفي حديث أنس بن مالك الذي رواه مسلم في صحيحه، أن رسول الله ﷺ قال: " يتبع الدّجال من يهود أصبهان سبعون ألفاً، عليهم الطيالسة " (٣) . ويذكر أبو نعيم أن إحدى القرى التابعة لمدينة أصبهان كانت تدعى: (اليهودية) ، لأنها كانت تختص بسكنى اليهود، ولم تزل كذلك إلى زمن أيوب بن زياد أمير مصر في زمن المهدي بن المنصور العباسي، فسكنها المسلمون، وبقيت لليهود منها قطعة " (٤) .

стр. 228

واسم الدجال عند اليهود المسيح بن داود، وهم يزعمون أنه يخرج آخر الزمان، فيبلغ سلطانه البر والبحر، وتسير معه الأنهار، وهم يزعمون أنه آية من آيات الله، يرد إليهم الملك (١) ، وقد كذبوا في زعمهم، بل هو مسيح الضلالة الكذّاب، وأما مسيح الهدى عيسى ابن مريم فإنه يقتل الدجال مسيح الضلالة كما يقتل أتباعه من اليهود. المطلب الحادي عشر حماية المدينة ومكة من الدجال يقصد الدّجال المدينة المنورة فلا يستطيع دخولها، ذلك أن الله حمى مكة والمدينة من الدّجال والطاعون، ووكل حفظها إلى ملائكته، ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة يرفعه: " على أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الطاعون ولا الدّجال " (٢) ، وروى البخاري أيضاً عن أنس يرفعه: " لا يدخل المدينة رعب المسيح، لها يومئذ سبعة أبواب على كل باب ملكان " (٣) . وفي سنن الترمذي، ومسند أحمد عن أبي هريرة " يأتي المسيح من قبل المشرق، وهمته المدينة، حتى إذا جاء دُبُر أحد تلقته الملائكة، فضربت وجهه قبل الشام، هنالك يهلك، هنالك يهلك " وقال الترمذي: حديث صحيح (٤) .

стр. 229

وفي صحيحي البخاري ومسلم عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : " ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال، إلا مكة والمدينة، وليس نقب من أنقابها إلا عليه الملائكة حافين، تحرسها، فينزل بالسبخة (١) ، فترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات، يخرج إليه منها كل كافر ومنافق " (٢) . وفي سنن ابن ماجة، وصحيح ابن خزيمة، ومستدرك الحاكم عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ : " وإنه لا يبقى شيء من الأرض إلا وطئه وظهر عليه، إلا مكة والمدينة، لا يأتيهما من نقب من أنقابهما إلا لقيته الملائكة بالسيوف، صلته، حتى ينزل عند الضريب الأحمر، عند منقطع السبخة، فترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات، فلا يبقى فيها منافق ولا منافقة إلا خرج إليه، فتنفي الخبيث منها، كما ينفي الكير خبث الحديد، ويدعى ذلك اليوم الخلاص، قيل: فأين العرب يومئذ؟ قال: هم يومئذ قليل.." (٣) . المطلب الثاني عشر طريقة النجاة منه سبق أن بينا أن المسلمين قبيل خروج الدجال تكون لهم قوة كبيرة، ويخوضون حروباً هائلة، يخرجون منها منتصرين، فيأتي الدجال للقضاء على القوة الإسلامية التي تكون قد هزمت أقوى دولة في ذلك الوقت وهم الروم، ويكون المسلمون قد استعادوا القسطنطينية، وفتحوها، ويصرخ الشيطان بهم أن الدجال

стр. 230

قد خلفهم في ذراريهم، فيتركون الغنائم، ويعودون إلى ديارهم، ثم يخرج الدجال، فلا يضع المسلمون سلاحهم، ولذلك فإن عيسى عندما ينزل يجد المسلمين " يعدون العدة للقتال، ويسوون الصفوف " (١) . ولا شك أن على كل مسلم في ذلك الحين أن ينضم إلى القوة الإسلامية الحاملة لراية الجهاد في سبيل الله، وأن يثبت على الحق مهما اشتد البلاء، وهذا ما أوصانا به رسولنا ﷺ ، وهو يحدثنا عن خروج الدجال، حيث يقول: " إنه خارجٌ خَلَّةً بين الشام والعراق، فعاث يميناً وعاث شمالاً، يا عباد الله اثبتوا " (٢) . ولا يجوز للمسلم أن يأتيه وإن كان واثقاً من نفسه، فإن معه من الشبهات ما يزلزل الإيمان، ففي سنن أبي داود بإسناد صحيح عن عمران بن حصين أن رسول الله ﷺ قال: " من سمع بالدجال فلينأ عنه، فوالله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن، فيتبعه، مما يبعث به من الشبهات، أو لما يبعث به من الشبهات " (٣) . ولا بأس على الذين لا يطيقون مقاومته أن يفروا من طريقه، وهذا ما يفعله كثير من الناس في ذلك الزمان، ففي صحيح مسلم عن أم شريك، قالت: سمعت النبي ﷺ يقول: " ليفرَّنَّ الناس من الدّجال في الجبال " (٤) . فإن اضطر المؤمن إلى مواجهته، فعليه أن يقوم بالأمر، ويصدع بالحق، ويحسن الحجاج، ففي الحديث: " إن يخرج وأنا فيكم، فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم، فامرؤ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم " وقد ترك رسول الله ﷺ

стр. 231

من العلم ما يكشف عن بصيرتنا فيه، فهو جسم مرئي، يأكل ويشرب، والله لا يرى في الدنيا، والله منزه عن الطعام والشراب، وهو معيب العين، كما في الحديث: " إنه شاب قطط، عينه طافئة، كأني مشبهه بعبد العزى بن قطن " (١) ، ومن كان كذلك فإن دعواه الألوهية والربوبية كذب وافتراء ولا شك. وقد أمر الرسول ﷺ من أدركه أن يقرأ عليه فواتح سورة الكهف: " فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف " (٢) ، وفي حديث أبي أمامة: " وإن من فتنته أن معه جنة وناراً، فناره جنّة، وجنته نار، فمن ابتلي بناره فليستغث بالله، وليقرأ فواتح الكهف ... " (٣) وقد جاء في الأحاديث الصحيحة: " من حفظ عشر آيات من سورة الكهف عصم من فتنة الدجال " (٤) وجاء بعضها من أول سورة الكهف، وفي بعضها من آخر سورة الكهف. وقد يقال: لم كانت قراءة فواتح سورة الكهف، وخواتمها أمان من الدجال؟ قال بعضهم: لأن الله أخبر في طليعة هذه السورة أن الله أمَّن أولئك الفتية من الجبار الطاغية الذي يريد إهلاكهم، فناسب أن من قرأ هذه الآيات وحاله كحالهم أن ينجيه كما أنجاهم. وقيل: لأن في أولها من العجائب والآيات التي تثبت قلب من قرأها بحيث لا يفتن بالدجال، ولا يستغرب ما جاء به الدجال، ولم يلهه ذلك، ولم يؤثر فيه.

стр. 232

ومما يعصم المسلم من الدجال أن يلجأ إلى أحد الحرمين الشريفين مكة أو المدينة، فإن الدجال محرم عليه دخولها. وقد ذكر لنا الرسول ﷺ كيف واجه ذلك الرجل الصالح الدجال، وصدع في وجهه بالحق، وكيف أنه لم يلن له بالقول، كما سبق ذكر الأحاديث التي تكشف حقيقة ما معه مما يشبه الجنة والنار. ومما ينجي العبد من الدجال الالتجاء إلى الله والاحتماء به منه ومن فتنته، وقد جاءت النصوص النبوية آمرة المسلم بالاستعاذة بالله من فتنته، ففي صحيح البخاري عن عائشة ﵂، قالت: " سمعت رسول الله ﷺ يستعيذ في صلاته من فتنة الدجال " (١) . وكان الرسول ﷺ يتعوذ دائماً بعد التشهد من فتنة الدجال، فيقول: " اللهم إنا نعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال " (٢) . المطلب الثالث عشر هلاكه والقضاء على فتنته وإهلاك أتباعه من اليهود سبق أن سقنا الحديث الذي يرويه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة بتمامه، وفيه في آخره أن هلاك الدجال يكون على يد عيسى ابن مريم ﵇ " فبينما

стр. 233

هم (أي الجيوش الإسلامية) يعدون للقتال، يسوون الصفوف، إذ أقيمت الصلاة، فينزل عيسى ابن مريم ﷺ فأمهم، فإذا رآه عدو الله ذاب كما يذوب الملح في الماء، فلو تركه لانذاب حتى يهلك، ولكن يقتله الله بيده، فيريهم دمه " (١) . وفي سنن ابن ماجة، وصحيح ابن خزيمة، ومستدرك الحاكم عن أبي أمامة بإسناد صحيح عن النبي ﷺ : " وإمامهم (أي إمام المسلمين الذين يعدون العدة لقتال الدجال) رجل صالح، فبينا إمامهم قد تقدم يصلي بهم الصبح، إذ نزل عليهم عيسى ابن مريم الصبح، فرجع ذلك الإمام ينكص، يمشي القهقرى ليتقدم عيسى، فيضع عيسى يده بين كتفيه، ثم يقول له: تقدم فصَلِّ، فإنها لك أقيمت، فيصلي بهم إمامهم، فإذا انصرف (٢) ، قال عيسى: افتحوا الباب، فيفتحون ووراءه الدجال، معه سبعون ألف يهودي، كلهم ذو سيف محلى وساج، فإذا نظر إليه الدجال ذاب كما يذوب الملح في الماء، فينطلق هارباً،.. فيدركه عند باب لد (٣) الشرقي، فيقتله، فيهزم الله اليهود، فلا يبقى شيء مما خلق الله يتواقى به اليهودي، إلا أنطق الله ذلك الشيء، لا حجر، ولا شجر، ولا حائط، ولا دابة - غلا الغرقدة، فإنها من شجرهم لا تنطق - إلا قال: يا عبد الله المسلم، هذا يهودي، فتعال فاقتله " (٤) . وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ : " لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر

стр. 234

والشجر، فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم، يا عبد الله، هذا يهودي خلفي، فتعال فاقتله، إلا الغرقد (١) ، فإنه من شجر اليهود " (٢) . المطلب الرابع عشر عقيدة أهل السنة في الدجال قال النووي في شرحه لمسلم: " قال القاضي: هذه الأحاديث التي ذكرها مسلم وغيره في قصة الدجال حجة لمذهب أهل الحق في صحة وجوده، وأنه شخص ابتلى الله به عباده، وأقدره على أشياء من مقدورات الله تعالى من إحياء الميت الذي يقتله، ومن ظهور زهرة الدنيا والخصب معه، وجنته وناره، ونهريه، واتباع كنوز الأرض له، وأمره السماء أن تمطر، فتمطر، والأرض أن تنبت فتنبت، فيقع كل ذلك بقدرة الله تعالى ومشيئته، ثم يعجزه الله تعالى بعد ذلك، فلا يقدر على قتل ذلك الرجل، ولا غيره، ويبطل أمره، ويقتله عيسى ﷺ ، ويثبت الله الذين آمنوا. هذا مذهب أهل السنة، وجميع المحدثين والفقهاء والنظار خلافاً لمن أنكره وأبطل أمره من الخوارج والجهمية وبعض المعتزلة، وخلافاً للبخاري المعتزلي وموافقيه من الجهمية وغيرهم في أنه صحيح الوجود، ولكن الذي يدعي مخاوف وخيالات، لا حقائق لها، وزعموا أنه لو كان حقاً لم يوثق

стр. 235

بمعجزات الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وهذا غلط من جميعهم لأنه لم يدع النبوة، فيكون ما معه كالتصديق له، وإنما يدعي الإلهية، وهو في نفس دعواه مكذب لها بصورة حاله، ووجود دلائل الحدوث فيه، ونقص صورته، وعجزه عن إزالة العور الذي في عينيه، وعن إزالة الشاهد بكفره المكتوب بين عينيه. ولهذه الدلائل وغيرها لا يغتر به إلا رعاع من الناس لسد الحاجة والفاقة رغبة في سد الرمق أو تقية وخوفاً من أذاه لأن فتنته عظيمة تدهش العقول، وتحير الألباب مع سرعة مروره في الأرض، فلا يمكث يحث يتأمل الضعفاء حاله، ودلائل الحدوث فيه والنقص، فيصدقه من صدقه في هذه الحالة " (١) . المطلب الخامس عشر ابن صياد والدجال ابن صياد رجل من يهود المدينة، اسمه صاف، كان شبيهاً بالدجال في كثير من صفاته، وكان الرسول ﷺ مشككاً في أمره، وقد حاول الرسول ﷺ أكثر من مرة كشف أمره ومعرفة حقيقته، وهذا يدلنا على أنه لم يوح له في أمره شيء، فقد روى مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمر ﵁ أن عمر بن الخطاب انطلق مع رسول الله ﷺ في رهط قِبَل ابن صياد حتى وجده يلعب مع الصبيان عند أطُمِ (٢) بني مغالة، وقد قارب ابن صياد يومئذ الحلم، فلم يشعر حتى ضرب رسول الله ﷺ ظهره بيده. ثم قال رسول الله ﷺ لابن صياد: " أتشهد أني رسول الله؟ " فنظر إليه ابن صياد، فقال: أشهد أنك رسول الأميين. فقال ابن

стр. 236

صياد لرسول الله ﷺ : " أتشهد أني رسول الله؟ فرفضه رسول الله ﷺ ، وقال: " آمنت بالله وبرسوله " (١) . ثم قال له رسول الله ﷺ : " ماذا ترى؟ " قال ابن صياد: يأتيني صادق وكاذب، فقال له رسول الله ﷺ : " خلط عليك الأمر ". ثم قال له رسول الله ﷺ : " إني قد خبأت لك خبيئاً "، فقال ابن صياد: هو الدخ، فقال له رسول الله ﷺ : " اخسأ فلن تعدو قدرك "، فقال عمر بن الخطاب: ذرني يا رسول الله، أضرب عنقه، فقال له رسول الله ﷺ : " إن يكنه فلن تسلط عليه، وإن لا يكنه فلا خير لك في قتله " (٢) . وقد خرج إليه الرسول ﷺ مرة أخرى، كما روى مسلم في صحيحه عقب الحديث السابق عن سالم بن عبد الله قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: انطلق بعد ذلك رسول الله ﷺ ، وأبي بن كعب الأنصاري إلى النخل التي فيها ابن صائد، حتى إذا دخل رسول الله ﷺ النخل، طفق يتقي بجذوع النخل، وهو يختل أن يسمع من ابن صياد شيئاً (٣) ، قبل أن يراه ابن صياد، فرآه رسول الله ﷺ وهو مضطجع على فراش في قطيفة، له فيها زمزمة (٤) ، فرأت أم صائد رسول الله ﷺ ، وهو يتقي بجذوع النخل، فقالت لابن صائد: يا صاف (وهو اسم ابن صياد) هذا محمد، فثار ابن صياد، فقال رسول الله ﷺ : " لو تركته لبيَّن " (٥) .

стр. 237

قال النووي في شرحه على مسلم في ابن صياد: " قال العلماء: وقصته مشكلة، وأمره مشتبه في أنه هو المسيح الدجال المشهور أم غيره، ولا شك في أنه دجال من الدجاجلة، قال العلماء: وظاهر الأحاديث أن النبي ﷺ لم يوح إليه بأنه المسيح الدجال، ولا غيره، وإنما أوحي إليه بصفات الدجال، وكان في ابن صياد قرائن محتملة، فلذلك كان النبي ﷺ لا يقطع بأنه الدجال ولا غيره، ولهذا قال لعمر: " إن يكن هو فلن يستطيع قتله " (١) ، وقد كان عمر بن الخطاب يجزم بأن ابن صائد هو الدجال، وكذلك عبد الله بن عمر ﵄، فقد روى أبو داود بإسناد صحيح عن ابن عمر أنه كان يقول: والله ما أشك أن ابن صائد هو المسيح الدجال (٢) . وقد نقل النووي عن البيهقي قوله: " ليس في حديث جابر أكثر من سكوت النبي ﷺ لقول عمر، فيتحمل أنه ﷺ كان كالمتوقف في أمره، ثم جاءه البيان أنه غير كما صرح به في حديث تميم " (٣) . وقد مكث ابن صائد بعد الرسول مدة من الزمان، وادعى أنه أسلم، ولكن الناس لم يثقوا بإسلامه، وبقوا يتشككون في أمره، هذا ابن عمر - كما يروي مسلم في صحيحه - يلقى ابن صائد مرتين، فيقول لبعض من معه: هل تحدثون أنه هو؟ قال: لا، والله. قال: قلت: كذبتني، والله، لقد أخبرني بعضكم أنه لن يموت حتى يكون أكثركم مالاً وولداً، فكذلك هو زعموا اليوم. قال ابن عمر: فتحدثنا، ثم فارقته، ثم لقيه ابن عمر لقية أخرى، وقد نفرت عينه (٤) ،

стр. 238

قال: فقلت: متى فعلت عينك ما أرى؟ قال: لا أدري. قال: قلت: لا تدري وهي في رأسك؟ قال: إن شاء الله خلقها في عصاك هذه، قال فنخر كأشد نخير حمار (١) سمعت، قال: فزعم أصحابي أني ضربته بعصا كانت معي حتى تكسرت، وأما أنا، فو الله ما شعرت. وفي رواية أخرى في مسلم أن ابن عمر قال له قولاً أغضبه، فانتفخ حتى ملأ السِّكة (٢) ، فدخل ابن عمر على حفصة وقد بلغها، فقالت له: رحمك الله، ما أردت من ابن صائد؟ أما علمت أن رسول الله ﷺ قال: " إنما يخرج من غضبة يغضبها " (٣) . ويروي مسلم أيضاً عن أبي سعيد الخدري قال: خرجنا حجاجاً أو عماراً ومعنا ابن صائد، قال فنزلنا منزلاً، فتفرق الناس، وبقيت أنا وهو، فاستوحشت منه وحشة شديدة مما يقال عليه، قال: وجاء بمتاعه فوضعه مع متاعي، فقلت: إن الحر الشديد، فلو وضعته تحت تلك الشجرة، قال: ففعل، قال: فرفعت لنا غنم، فانطلق فجاء بعسّ (٤) ، فقال: اشرب أبا سعيد. فقلت: إن الحر شديد، واللبن حار. ما بي إلا أني أكره أن أشرب عن يده - أو قال: آخذ عن يده - فقال (٥) : أبا سعيد، لقد هممت أن آخذ حبلاً فأعلقه بشجرة، ثم أختنق مما يقول لي الناس، يا أبا سعيد، من خفي عليه حديث رسول الله ﷺ ما خفي عليكم معشر الأنصار، ألست من أعلم الناس بحديث رسول الله ﷺ ؟ أليس قد قال رسول الله ﷺ : " هو كافر " وأنا مسلم؟ أو ليس قد قال رسول الله ﷺ : " هو

стр. 239

عقيم لا يولد له " وقد تركت ولدي بالمدينة؟ أو ليس قد قال رسول الله ﷺ : " لا يدخل المدينة ولا مكة "، وقد أقبلت من المدينة، وأنا أريد مكة؟ " (١) . ولكن هذه الأدلة التي ساقها ابن صياد اهتزت وفقدت تأثيرها في نفس أبي سعيد بعد أن تابع ابن صياد كلامه قائلاً: " أما والله إني لأعلم الآن حيث هو، وأعرف أباه وأمه ". قال: " وقيل له: أيسرك أنك ذاك الرجل؟ فقال: لو عرض علي لما كرهت " (٢) . المطلب السادس عشر الدجال في خبر تميم الداري روى مسلم في صحيحه عن فاطمة بنت قيس، أخت الضحاك بن قيس أنها سمعت منادي رسول الله ﷺ ينادي: الصلاة جامعة، فخرجت إلى المسجد، قالت: فصليت مع رسول الله، فكنت في صفّ النساء التي تلي ظهور القوم، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته، جلس على المنبر وهو يضحك، فقال: " ليلزم كل إنسان مصلاه "، ثم قال: " أتدرون لم جمعتكم؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: " إني، والله ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة، ولكن جمعتكم، لأن تميماً الداري، كان رجلاً نصرانياً، فجاء، فبايع وأسلم. وحدثني حديثاً وافق الذي كنت أحدثكم عن مسيح الدجال ". " حدثني أنه ركب في سفينة بحرية، مع ثلاثين رجلاً من لخم وجذام،

стр. 240

فلعب بهم الموج شهراً في البحر، ثم أرفؤوا (١) إلى جزيرة في البحر حتى مغرب الشمس، فجلسوا في أَقْرُبِ السفينة (٢) ، فدخلوا الجزيرة، فلقيتهم دابة أهلب (٣) كثير الشعر، لا يدرون ما قبله من دبره من كثرة الشعر. فقالوا: ويلك، ما أنت؟ فقالت: أنا الجساسة، قالوا: وما الجساسة. قالت: أيها القوم، انظروا إلى هذا الرجل في الدير، فإنه إلى خبركم بالأشواق، قال: لما سمت لنا رجلاً فرقنا منها أن تكون شيطانة، قال: فانطلقنا سراعاً، حتى دخلنا الدير، فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه قط خلقاً، وأشده وثاقاً، مجموعة يداه إلى عنقه، ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد، قلنا: ويلك ما أنت؟ قال: قد قدرتم على خبري، فأخبروني ما أنتم؟ قالوا: نحن أناس من العرب، ركبنا في سفينة بحرية، فصادفنا البحر حين اغتلم (٤) ، فلعب بنا الموج شهراً، ثم أرفأنا إلى جزيرتك هذه، فجلسنا في أقربها، فدخلنا الجزيرة، فلقينا دابة أهلب كثير الشعر، لا يدرى ما قبله من دبره من كثرة الشعر. فقلنا: ويلك ما أنت؟ فقالت: أنا الجساسة، قلنا: وما الجساسة؟ قالت: اعمدوا إلى هذا الرجل في الدير، فإنه إلى خبركم بالأشواق، فأقبلنا إليك سراعاً، وفزعنا منها، ولم نأمن أن تكون شيطانة. قال: فأخبروني عن نخل بيسان (٥) ، قلنا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: أسألكم عن نخلها، هل يثمر؟ قلنا: نعم. قال: إما إنه يوشك أن لا يثمر. قال: أخبروني عن بحيرة طبرية (٦) . قلنا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: هل فيها ماء؟ قالوا: هي كثيرة الماء. قال: أما إن ماءها يوشك أن يذهب.

стр. 241

قال: أخبروني عن عين زغر (١) . قالوا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: هل في العين ماء؟ وهل يزرع أهلها بماء العين؟ قلنا له: نعم، هي كثيرة الماء، وأهلها يزرعون من مائها. قال أخبروني عن نبي الأميين ما فعل؟ قالوا: قد خرج من مكة ونزل يثرب. قال: أقاتله العرب؟ قلنا: نعم، قال: كيف صنع بهم؟ فأخبرناه أنه قد ظهر على من يليه من العرب وأطاعوه، قال لهم: قد كان ذلك؟ قلنا: نعم. قال: أما إن ذلك خير لهم أن يطيعوه، وإني مخبركم عني. إني أنا المسيح، وإني أوشك أن يؤذن لي في الخروج، فأخرج فأسير في الأرض، فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة، إلا مكة وطيبة (٢) ، فهما محرمتان عليَّ كلتاهما، كلما أردت أن أدخل واحدة أو واحداً منهما، استقبلني ملك بيده السيف صلتا (٣) ، يصدني عنها، وإن على كل نقب منها ملائكة يحرسونها. قالت: قال رسول الله ﷺ ، وطعن بمخصرته في المنبر: " هذه طيبة، هذه طيبة، هذه طيبة " يعني المدينة، " ألا هل كنت حدثتكم ذلك؟ " فقال الناس: نعم، " فإنه أعجبني حديث تميم أنه وافق الذي كنت حدثتكم عنه وعن المدينة ومكة، ألا إنه في بحر الشام أو بحر اليمن، لا بل من قبل المشرق، ما هو (٤) من قبل المشرق، ما هو من قبل المشرق ما هو ".، وأومأ بيده إلى المشرق، فقالت: فحفظت هذا من رسول الله ﷺ (٥) .

стр. 242

وهذا الحديث يدل دلالة واضحة على أن ابن صياد لم يكن الدجال الأكبر، وأن الدجال الأكبر محبوس في بعض جزائر البحور، ولعله - كما يقول بعض أهل العلم - شيطان من الشياطين الذين حبسهم نبي الله سليمان، إذ يبعد وجود بشر على قيد الحياة هذه الفترة الطويلة، والله أعلم بالصواب.

стр. 243

نزول عيسى ابن مريم أخبرنا الحق ﵎ أن اليهود لم يقتلوا رسوله عيسى ابن مريم، وإن ادعوا هذه الدعوى، وصدقها النصارى، والحقيقة أن عيسى لم يقتل، ولكن الله ألقى شبهه على غيره، أما هو فقد رفعه الله إلى السماء (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا- بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) [النساء: ١٥٧-١٥٨] . وأشار الحق في كتابه إلى أن عيسى سينزل في آخر الزمان، وأن نزوله سيكون علامة دالة على قرب وقوع الساعة (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ) [الزخرف: ٦١] ، كما أخبرنا أن أهل الكتاب في ذلك الزمان سيؤمنون به، (وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) [النساء: ١٥٩] . وقد جاء تفصيل هذه النصوص في السنة النبوية، فقد أخبرنا الرسول ﷺ أنه عندما تشتد فتنة الدجال، ويضيق الأمر بالمؤمنين في ذلك الزمان، ينزل الله عبده ورسوله عيسى ﵇، وينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، فقد روى الطبراني في معجمه الكبير عن أوس بن أوس، قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 244

" ينزل عيسى ابن مريم عند المنارة البيضاء شرقي دمشق " (١) . وقد وصف لنا الرسول ﷺ حاله عند نزوله، ففي سنن أبي داود بإسناد صحيح عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : " ليس بيني وبين عيسى نبي، وإنه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه، رجل مربوع، إلى الحمرة والبياض، ينزل بين ممصرتين، كأن رأسه يقطر، وإن لم يصبه بلل " (٢) . المطلب الأول وقت نزوله ويكون نزوله في وقت اصطف فيه المقاتلون المسلمون لصلاة الفجر، وتقدم إمامهم للصلاة، فيرجع ذلك الإمام طالباً من عيسى أن يتقدم فيؤمهم، فيأبى، ففي الحديث " وإمامهم (أي إمام الجيش الإسلامي) رجل صالح، فبينما إمامهم قد تقدم يصلي بهم الصبح، إذ نزل عليهم عيسى ابن مريم الصبح، فرجع ذلك الإمام ينكص، يمشي القهقرى ليتقدم عيسى، فيضع عيسى يده بين كتفيه، ثم يقول له: تقدم فصلِّ، فإنها لك أقيمت، فيصل بهم إمامهم " (٣) . ويكون هذا في حال إعداد المسلمين لحرب الدجال، ففي حديث أبي هريرة عند مسلم: " فبينما هم يعدون للقتال، يسوون الصفوف، إذ أقيمت الصلاة

стр. 245

فينزل عيسى ابن مريم، فأمهم "، ولفظه في كتاب الإيمان: " كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وأمكم " (١) . وليس المراد هنا في هذا الحديث أن عيسى أمهم في الصلاة، فالحديث الأول يدل على رفض عيسى للتقدم، وأنه قدم الإمام الذي أقيمت له الصلاة، ومثله حديث أبي هريرة عند البخاري ومسلم، قال: قال رسول الله ﷺ : " كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم " (٢) وفي صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله ﵁، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، قال: فينزل عيسى ابن مريم، فيقول أميرهم: تعال صل بنا، فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء، تكرمة الله هذه الأمة " (٣) . المطلب الثاني بم يحكم عيسى بعد نزوله؟ النصوص السابقة صريحة في أن الإمام هو واحد من هذه الأمة، أما رواية " فأمّكم " أو " أمهم " أي: عيسى فليس المراد بها أنه أمهم في الصلاة، بل المراد أنه حكَّم فيهم كتاب الله ﵎، أي: أمهم بكتاب الله ، ففي حديث

стр. 246

أبي هريرة عند مسلم أن رسول الله ﷺ قال: " كيف أنتم إذا نزل فيكم ابن مريم فأمَّكم منكم " وقد قال أحد رواة الحديث وهو ابن أبي ذئب للوليد بن مسلم (١) : " تدري ما أمّكم منكم؟ " قال: تخبرني، قال: فأمكم بكتاب ربكم ﵎ وسنة نبيكم ﷺ (٢) . والسبب في عدم تقدم عيسى ابن مريم للإمامة هو الدلالة على أنه جاء تابعاً لهذا النبي ﷺ ، حاكماً بالقرآن، لا بالإنجيل، فإن شريعة القرآن ناسخة للشرائع قبلها، وقد أخذ الله العهد والميثاق على جميع الأنبياء أن يؤمنوا بمحمد ﷺ ويتابعوه إذا بعث وهم أحياء: (وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ - فَمَن تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) [آل عمران: ٨١-٨٢] ، فعيسى ينزل تابعاً لرسولنا ﷺ محكماً لشريعة القرآن، ولذلك فإنه يصلي خلف ذلك الرجل الصالح، وهذا فخر لهذه الأمة وأي فخر، ففي الحديث الصحيح الذي يرويه أبو سعيد عن النبي ﷺ ، قال: " منا الذي يصلي عيسى ابن مريم خلفه " رواه أبو نعيم في كتاب المهدي (٣) . يقول النووي في رده على المكذبين بنزول عيسى الزاعمين أن نزوله لو كان حقاً فإنه يكون مناقضاً لقوله ﵇ " لا نبي بعدي "، وأنه يكون بذلك ناسخاً لشرع الرسول الله ﷺ : " هذا الاستدلال فاسد، لأنه ليس المراد بنزول عيسى ﵇ أنه ينزل نبياً بشرع ينسخ شرعنا، ولا في هذه الأحاديث، ولا في

стр. 247

غيرها شيء من هذا،.. بل صح أنه ينزل حكماً مقسطاً.. يحكِّم شرعنا، ويحيى من أمور شرعنا ما هجره الناس " (١) . المطلب الثالث قضاء عيسى على الدجال وأول عمل يقوم به عيسى هو مواجهة الدجال، فبعد نزول عيسى يتوجه إلى بيت المقدس حيث يكون الدجال محاصراً عصابة المسلمين، فيأمرهم عيسى بفتح الباب، ففي سنن ابن ماجة، وصحيح ابن خزيمة، ومستدرك الحاكم عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ : " فإذا انصرف، قال عيسى: افتحوا الباب، فيفتحون ووراءه الدجال، معه سبعون ألف يهودي، كلهم ذو سيف محلى وساج، فإذا نظر إليه الدجال ذاب كما يذوب الملح في الماء وينطلق هارباً ... ، فيدركه عند باب لد الشرقي، فيقتله، فيهزم الله اليهود.. " (٢) . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن الرسول ﷺ أخبر عن نزول عيسى وصلاته بالمؤمنين ثم قال: " فإذا رآه عدو الله، ذاب كما يذوب الملح في الماء، فلو تركه لانذاب حتى يهلك، ولكن يقتله الله بيده، فيريهم دمه ي حربته " (٣) . والسِّر في ذوبان الدجال أن الله أعطى لِنَفَس عيسى رائحة خاصة إذا وجدها الكافر مات منها، ففي صحيح مسلم عن النواس بن سمعان عن النبي ﷺ في حديث طويل ومما قاله فيه: " فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح ابن مريم، فينزل

стр. 248

عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، بين مهرودتين (١) ، واضعاً كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدر منه جمان (٢) كاللؤلؤ. فلا يحل لكافر يجد ريح نَفَسه إلا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلبه حتى يدركه بباب لدّ، فيقتله، ثم يأتي عيسى ابن مريم قوم قد عصمهم الله منه، فيمسح عن وجوههم، ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة " (٣) ، والسِّر في عدم ترك عيسى الدجال حتى يموت بنفسه - هو إنها أسطورة هذا المخلوق وفتنته، فإن الناس إذا شاهدوا قتله وموته استيقنوا أنه ضعيف مغلوب على أمره وأن دعواه كانت زوراً وكذباً. المطلب الرابع مهمة عيسى بعد القضاء على الدجال وإهلاك يأجوج ومأجوج يقضي عيسى على الدّجال وفتنته، ويخرج يأجوج ومأجوج في زمانه - كما سيأتي بيانه - فيفسدون في الأرض إفساداً عظيماً، فيدعو عيسى ربه، فيستجيب له، ويصبحون موتى، لا يبقى منهم أحد، وعند ذلك يتفرغ عيسى للمهمة الكبرى التي أنزل من أجلها، وهي تحكيم شريعة الإسلام، والقضاء على المبادئ الضالة، والأديان المحرفة، ففي صحيحي البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : " والذي نفسي بيده، ليوشكن أن ينزل

стр. 249

فيكم ابن مريم حكماً عدلاً، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الحرب، ويفيض المال، حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة الواحدة خيراً من الدنيا وما فيها " (١) (٢) . وفي رواية عند مسلم عن أبي هريرة: " والله لينزلن ابن مريم حكماً عدلاً، فليكسرن الصليب، وليقتلن الخنزير، وليضعن الجزية، ولتتركن القلاص، فلا يسعى عليها، ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد، وليُدْعونَّ إلى المال فلا يقبله أحد " (٣) وفي صحيح مسلم في كتاب الفتن عن النواس بن سمعان في حديثه الطويل الذي ذكر فيه الدجال ونزول عيسى، وخروج يأجوج ومأجوج، وفي ختامه ذكر الرسول ﷺ دعاء عيسى ربه عندما يشتد عليهم الأمر، فيستجيب الله، ويهلك يأجوج ومأجوج، ثم يقول: " ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض، فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم (٤) ، ونتنهم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيرسل الله عليهم طيراً كأعناق البخت (٥) ، فتحملهم، فتطرحهم حيث شاء الله، ثم يرسل مطراً، لا يُكَنُّ منه بيت مدر (٦) ولا وبر، فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلقة (٧) ، ثم يقال للأرض: أنبتي

стр. 250

ثمرتك، وردي بركتك، فيومئذ تأكل العصابة (١) من الرمانة، ويستظلون بقحفها، ويبارك في الرِّسْل (٢) ، حتى إن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس (٣) ، واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس، واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ (٤) من الناس" (٥) . المطلب الخامس ما يستخلص من النصوص الواردة في شأن عيسى ١- أن عيسى ﵇ نازل لا محالة في آخر الزمان والنصوص في ذلك متواترة عن الرسول ﷺ (٦) ، فالتكذيب بنزوله تكذيب للرسول ﷺ في خبره، وخبر الرسول ﷺ صدق لا كذب فيه، وقد أشار القرآن الكريم إلى نزول عيسى ابن مريم في أكثر من موضع، ومن ذلك قوله: (وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا) [النساء: ١٥٩] . ولذلك فإن أبا هريرة لما أورد حديث (نزول عيسى حكماً عدلاً) (٧)
следующие страницы →