← Акыда

Акыда · id 9834

القيامة الصغرى

عمر سليمان الأشقر

Полный текст (274 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

تفتنون في القبور؟ " قالت عائشة: فسمعت رسول الله ﷺ ، بعد: يستعيذ من عذاب القبر (١) . المطلب الثاني هل يفتن الكافر في قبره دلت الأحاديث التي سقناها على أن الكفار يفتنون في قبورهم، وقد خالف في ذلك الحكيم الترمذي وابن عبد البرّ والسيوطي (٢) ، واحتج الحكيم الترمذي على عدم السؤال بأن الأمم الماضية إن رفضت الاستجابة لرسلها عوجلت بالعذاب، بخلاف هذه الأمة، فقد أمسك عنها العذاب، وبعث الرسول ﷺ بالسيف، فمن دخل في الإسلام مخافة القتل، ثم نافق عذب في قبره، وهذا الذي قاله فيه نظر، فإن الله لم يهلك مكذبي الأمم بعد نزول التوراة (٣) ، واحتج ابن عبد البرّ بقوله ﵇ في الحديث الصحيح: إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، ومنهم من يرويه: تسأل (٤) ، والأحاديث الصحيحة ترد هذا الفهم، وتدل على أن هذا ليس خاصاً بالمؤمنين، وليس خاصاً بهذه الأمة. وقد ذهب إلى أن السؤال عام عبد الحق الإشبيلي، وابن القيم، والقرطبي، والسفاريني وغيرهم (٥) .

стр. 37

المطلب الثالث هل يفتن غير المكلفين الفتنة عامة لجميع المكلفين إلا النبيين فقد اختلف فيهم (١) ، وإلا الشهداء والمرابطين ونحوهم ممن جاءت النصوص دالة على نجاتهم من الفتنة كما سيأتي بيانه. واختلف في غير المكلفين من الصبيان والمجانين، فذهب جمع من العلماء إلى أنهم لا يفتنون، منهم: القاضي أبو يعلى وابن عقيل، ووجهة نظر هؤلاء أن المحنة تكون لمن كلف، أما من رفع عنه القلم فلا يدخل في المحنة، إذ لا معنى لسؤاله عن شيء لم يكلف به. وقال آخرون: بل يفتنون. وهذا قول أبي الحكيم الهمداني، وأبي الحسن ابن عبدوس، ونقله عن أصحاب الشافعي، وقد روى مالك وغيره عن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ صلى على الطفل، فقال: " اللهم قه عذاب القبر وفتنة القبر " وهذا القول موافق لقول من قال: إنهم يمتحنون في الآخرة، وأنهم مكلفون يوم القيامة، كما هو قول أكثر أهل العلم وأهل السنة من أهل الحديث والكلام، وهو الذي ذكره أبو الحسن الأشعري عن أهل السنة واختاره، وهو مقتضى نصوص الإمام أحمد (٢) .

стр. 38

عذابُ القبر ونعيمه المطلب الأول أحاديث عذاب القبر ونعيمه متواترة يقول شارح الطحاوية: " وقد تواترت الأخبار عن رسول الله ﷺ في ثبوت عذاب القبر ونعيمه لمن كان لذلك أهلاً، وسؤال الملكين، فيجب اعتقاد ثبوت ذلك والإيمان به، ولا نتكلم في كيفيته، إذ ليس للعقل وقوف على كيفيته، لكونه لا عهد له به في هذه الدار، والشرع لا يأتي بما تحيله العقول، بل إن الشرع قد يأتي بما تحار فيه العقول، فإن عودة الروح إلى الجسد ليس على الوجه المعهود في الدنيا، بل تعاد إليه إعادة غير الإعادة المألوفة في الدنيا " (١) . وقال في موضع آخر: " واعلم أن عذاب القبر وعذاب البرزخ حق، فكل من مات وهو مستحق للعذاب ناله نصيبه منه، قبر أو لم يقبر، أكلته السباع أو احترق حتى صار رماداً ونسف في الهواء، أو صلب أو غرق في البحر، وصل إلى روحه وبدنه من العذاب ما يصل إلى المقبور، وما ورد من إجلاسه، واختلاف أضلاعه ونحو ذلك، فيجب أن يفهم عن الرسول ﷺ مراده من غير غلو ولا تقصير " (٢) .

стр. 39

وأنكرت الملاحدة ومن تمذهب بمذهب الفلاسفة من الإسلاميين عذاب القبر، وقالوا: ليس له حقيقة، واحتجوا لذلك بأنهم يفتحون القبور فلا يرون شيئاً مما أخبرت به النصوص (١) . وأنكره أيضاً الخوارج وبعض المعتزلة كضرار بن عمرو وبشر المريسي، وخالفهم جميع أهل السنة، وأكثر المعتزلة (٢) . وهؤلاء كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه، وقد ظن هؤلاء أن أبصارهم يمكن أن ترى كل شيء، وأن أسماعهم يمكن أن تسمع كل شيء، ونحن اليوم نعلم من أسرار الكون ما كانت أسماعنا وأبصارنا عاجزة عن سماعه ورؤيته، ومن آمن بالله صدَّق خبره. وقد وردت إشارات في القرآن تدل على عذاب القبر، وقد ترجم البخاري في كتاب الجنائز لعذاب القبر، فقال: باب ما جاء في عذاب القبر، وساق في الترجمة قوله تعالى: (إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ) [الأنعام: ٩٣] ، وقوله تعالى: (سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ) [التوبة: ١٠١] . وقوله تعالى: (وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ - النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) [غافر: ٤٥-٤٦] . والآية الأولى التي ساقها البخاري إنما هي في تعذيب الملائكة الكفار في حال الاحتضار كما سبق بيانه، والآية الثانية تدل على أن هناك عذابين سيصيبان

стр. 40

المنافقين قبل عذاب يوم القيامة، العذاب الأول ما يصيبهم الله به في الدنيا إما بعقاب من عنده وإما بأيدي المؤمنين، والعذاب الثاني عذاب القبر، قال الحسن البصري: (سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ) [التوبة: ١٠١] : عذاب الدنيا، وعذاب القبر " (١) ، وقال الطبري: " والأغلب أن إحدى المرتين عذاب القبر، والأخرى تحتمل أحد ما تقدم ذكره من الجوع أو السبي أو القتل والإذلال أو غير ذلك " (٢) . والآية الثالثة حجة واضحة لأهل السنة الذين أثبتوا عذاب القبر، فإن الحق ﵎ قرر أن آل فرعون يعرضون على النار غدواً وعشياً، وهذا قبل يوم القيامة، لأنه قال بعد ذلك: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) [غافر: ٤٦] ، قال القرطبي: " الجمهور على أن هذا العرض يكون في البرزخ، وهو حجة في تثبيت عذاب القبر " (٣) . ومن الإشارات القرآنية الواضحة الدالة على فتنة القبر وعذابه قوله ﵎: (يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ) [إبراهيم: ٢٧] ففي الحديث الذي يرويه البراء بن عازب ﵄ عن النبي ﷺ قال: " إذا أقعد المؤمن في قبره أتى ثم شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فذلك قوله: (يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ) [إبراهيم: ٢٧] ، وفي رواية أخرى: وزاد: (يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ) [إبراهيم: ٢٧] نزلت في عذاب القبر " (٤) .

стр. 41

وقد روت لنا السيدة عائشة ﵂: " أن اليهودية دخلت عليها فذكرت عذاب القبر، فقالت لها: أعاذك الله من عذاب القبر، فسألت عائشة الرسول ﷺ عن عذاب القبر، فقال: نعم، عذاب القبر. قالت عائشة ﵂: فما رأيت رسول الله ﷺ بعد صلى إلا تعوذ من عذاب القبر " زاد غندر: " عذاب القبر حق " رواه البخاري (١) . وفي صحيح مسلم عن عائشة ﵂، قالت: " دخلت عليَّ عجوزان من عُجُز يهود المدينة، فقالتا: إن أهل القبور يعذبون في قبورهم، قالت: فكذبتهما، ولم أنعم (٢) أن أصدقهما، فخرجتا، ودخل رسول الله ﷺ ، فقلت له: يا رسول الله إن عجوزين من عجز يهود المدينة دخلتا عليَّ، فزعمتا أن أهل القبور يعذبون في قبورهم، فقال: " صدقتا، إنهم يعذبون عذاباً تسمعه البهائم " قالت: فما رأيته بعد في صلاة إلا يتعوذ من عذاب القبر " (٣) . ولعظم هذا الأمر وخطورته كان الرسول ﷺ يعلمه لأصحابه، بل وخطب فيهم مرة به، ففي صحيح البخاري عن أسماء بنت أبي بكر ﵂: قالت: " قام رسول الله ﷺ خطيباً فذكر فتنة القبر التي يفتن فيها المرء، فلما ذكر ذلك ضج المسلمون ضجة " رواه البخاري (٤) والنسائي، وزاد النسائي: " حالت بيني وبين أن أفهم كلام رسول الله ﷺ ، فلما سكنت ضجتهم، قلت لرجل قريب مني: أي بارك الله لك، ماذا قال رسول الله ﷺ آخر قوله؟ قال: قد أوحى إلي: أنكم تفتنون في القبور قريباً من فتنة الدجال " (٥) .

стр. 42

سماع الرسول ﷺ أصوات المعذبين: وقد أعطى الله رسوله القدرة على سماع المعذبين في قبورهم، ففي الحديث الذي يرويه مسلم في صحيحه عن زيد بن ثابت ﵁ قال: " بينما النبي ﷺ في حائط لبني النجار، على بغلة له، ونحن معه، إذ حادت به (١) ، فكادت تلقيه، وإذا أقبر ستة أو خمسة أو أربعة، فقال: من يعرف أصحاب هذه الأقبر؟ فقال رجل: أنا، قال: فمتى مات هؤلاء؟ قال: ماتوا في الإشراك، فقال: إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا (٢) ، لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه " (٣) . وفي صحيح البخاري ومسلم وسنن النسائي عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: " خرج رسول الله ﷺ بعدما غربت الشمس، فسمع صوتاً، فقال: يهود تعذب في قبورها " (٤) . ويدل على سماع الرسول ﷺ للمعذبين في قبورهم الحديث الذي يرويه البخاري ومسلم في صحيحهما عن ابن عباس، وفيه أن الرسول ﷺ مرّ بقبرين، فقال: " إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير.. " الحديث، وسيأتي ذكره بتمامه إن شاء الله.

стр. 43

سماع غير الرسول ﷺ أصوات المعذبين: لم يزل بعض الناس يتحدثون عن سماعهم أو رؤيتهم للمعذبين في قبورهم، ومن هؤلاء ثقات أعلام لا مطعن في دينهم وأمانتهم، يقول ابن تيمية في ذلك: " قد يكشف لكثير من أبناء زماننا يقظة ومناماً، ويعلمون ذلك ويتحققونه، وعندنا من ذلك أمور كثيرة " (١) . وقال في موضع آخر في معرض رده على المكذبين بعذاب القبر " وإذا عرف أن النائم يكون نائماً وتقعد روحه وتقوم وتمشي، وتذهب وتتكلم وتفعل أفعالاً وأموراً بباطن بدنه مع روحه، ويحصل لبدنه وروحه بها نعيم وعذاب، مع أن جسده مضطجع، وعينيه مغمضة، وفمه مطبق، وأعضاؤه ساكنة، وقد يتحرك لقوة الحركة الداخلة، وقد يقوم ويمشي ويتكلم ويصيح، لقوة الأمر في باطنه، كان هذا مما يعتبر به أمر الميت في قبره، فإن روحه تقعد، وتجلس، وتسأل، وتنعم، وتعذب، وتصيح وذلك متصل ببدنه، مع كونه مضطجعاً في قبره، وقد يقوى ذلك حتى يظهر ذلك في بدنه، وقد يرى خارجاً من قبره، والعذاب عليه، وملائكة العذاب موكلة به، فيتحرك بدنه، ويمشي ويخرج من قبره، وقد سمع غير واحد أصوات المعذبين في قبورهم، وقد شوهد من يخرج من قبره وهو معذب، ومن يقعد بدنه أيضاً إذا قوي الأمر، لكن ليس هذا لازماً في حق كل ميت، كما أن قعود بدن النائم لما يراه، ليس لازماً لكل نائم، بل هو بحسب قوة الأمر " (٢) .

стр. 44

المطلب الثاني صفة نعيم القبر وعذابه ذكر الرسول ﷺ في حديث البراء بن عازب أن الملائكة تسأل العبد المؤمن في قبره فيحسن الإجابة وعند ذاك: " ينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة، قال: فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مدّ بصره، قال: ويأتيه [وفي رواية: يمثل له] رجل حسن الوجه حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، [أبشر برضوان من الله، وجنات فيها نعيم مقيم] هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: [وأنت فبشرك الله بخير] من أنت؟ فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح [فو الله ما علمتك إلا كنت سريعاً في طاعة الله، بطيئاً في معصية الله، فجزاك الله خيراً] ، ثم يفتح له باب من الجنة، وباب من النار، فيقال: هذا منزلك لو عصيت الله، أبدلك الله به هذا، فإذا رأى ما في الجنة، قال: ربِّ عجل قيام الساعة، كيما أرجع إلى أهلي ومالي، [فيقال له: اسكن] ". وذكر صلوات الله عليه وسلامه أن العبد الكافر (١) أو الفاجر بعد أن يسيء الإجابة " ينادي منادٍ في السماء أن كذب، فافرشوا له من النار، وافتحوا له باباً إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه في قبره، حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه (وفي رواية: ويمثل له) رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الريح، فيقول: أبشر بالذي يسوؤك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول: [وأنت فبشرك الله بالبشر] ، من أنت؟ فوجهك الوجه الذي يجيء بالشر،

стр. 45

فيقول: أنا عملك الخبيث، [فوالله ما علمتك إلا كنت بطيئاً عن طاعة الله، سريعاً إلى معصية الله] ، [فجزاك الله شراً، ثم يقيض الله له أعمى أصم أبكم في يده مرزبة، لو ضرب بها جبل كان تراباً، فيضربه حتى يصير بها تراباً، ثم يعيده كما كان، فيضربه ضربة أخرى، فيصيح صيحة يسمعه كل شيء إلا الثقلين، ثم يفتح له باب من النار، ويمهد من فرش النار] ، فيقول: رب لا تقم الساعة " (١) . وفي حديث أنس أن العبد المؤمن إذا أجاب الإجابة الصادقة في قبره، " يقال له: انظر إلى مقعدك من النار، أبدلك الله به مقعداً من الجنة، قال النبي ﷺ : فيراهما جميعاً، قال قتادة: وذكر لنا أنه يفسح له في قبره " وذكر في حديث أنس أن الكافر والمنافق بعد أن يجيب في قبره تلك الإجابة الكاذبة، يقال له: " لا دريت، ولا تليت، ثم يضرب بمطرقة من حديد ضربة بين أذنيه، فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين " أخرجه البخاري ومسلم، ولفظ الحديث للبخاري، ولمسلم: " إن العبد إذا وضع في قبره، ثم ذكر نحواً مما تقدم إلى قوله: وذكر لنا: أنه يفسح فيه سبعين ذراعاً، ويملأ عليه خضراً إلى يوم تبعثون "، وفي رواية لأبي داود أن العبد المؤمن بعد أن يسأل ويجيب: " ينطلق به إلى بيت كان له في النار، فيقول له: هذا كان لك، ولكن الله عصمك، فأبدلك به بيتاً في الجنة، فيراه، فيقول: دعوني حتى أذهب فأبشر أهلي، فيقال له: اسكن " (٢) . وهذا الذي أشارت إليه الأحاديث من أنَّ كل إنسان يعرض عليه مقعده بعد أن يسأل في قبره مستمر طيلة بقائه في القبر، وقد صرح بذلك الرسول ﷺ ، ففي

стр. 46

الحديث الذي يرويه عبد الله بن عمر ﵄، " أن النبي ﷺ قال: إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة " (١) . وفي سنن الترمذي عن أبي هريرة أن الرسول ﷺ أخبر أن الملكين يقولان للعبد المؤمن بعد أن يجيب الإجابة السديدة: " قد كنا نعلم أنك تقول ذلك، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعاً في سبعين، ثم ينور له فيه، ثم يقال له: نم، فيقول، أرجع إلى أهلي فأخبرهم، فيقولان: نم كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه، حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك ". وأنهما يقولان للمنافق: " قد كنا نعلم أنك تقول ذلك، فيقال للأرض: التئمي عليه، فتلتئم عليه، فتختلف أضلاعه، فلا يزال معذباً حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك " (٢) . المطلب الثالث هل يعذب المسلمون في قبورهم قال القرطبي: " قال أبو محمد عبد الحق: اعلم أن عذاب القبر ليس مختصاً بالكافرين، ولا موقوفاً على المنافقين، بل يشاركهم فيه طائفة من المؤمنين، وكل على حاله من عمله، وما استوجبه من خطيئته وزلله " (٣) ، والأدلة على أن المؤمن قد يعذب في قبره بسبب ذنوبه كثيرة، وسيأتي ذكر طائفة منها في المبحث التالي.

стр. 47

المطلب الرابع أسباب عذاب القبر " الأسباب التي يعذب بها أصحاب القبور على قسمين: مجمل ومفصّل، أمّا المجمل فإنهم يعذبون على جهلهم بالله وإضاعتهم لأمره وارتكابهم معاصيه " (١) . أما المفصل فإن النصوص ذكرت منه الكثير، وسنشير إلى ما اطلعنا على ذكره في الأحاديث: ١، ٢ - عدم الاستتار من البول والنميمة: روى البخاري ومسلم في صحيحهما عن ابن عباس ﵄ قال: " مرّ النبي ﷺ على قبرين، فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، ثم قال: بلى، أمّا أحدهما فكان يسعى بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله، ثم قال: ثم أخذ عوداً رطباً فكسره باثنتين، ثم غرز كل واحد منهما على قبر، ثم قال: لعله يخفف عنهما، ما لم ييبسا " (٢) . وروى النسائي عن عائشة ﵂ قالت: " دخلت عليَّ امرأة من اليهود، فقالت: إن عذاب القبر من البول، فقلت: كذبت، فقالت: بلى، إنا لنقرض منه الجلد والثوب، فخرج رسول الله ﷺ إلى الصلاة، وقد ارتفعت أصواتنا، فقال: ما هذا؟ فأخبرته بما قالت فقال: صدقت. قالت: فما صلى

стр. 48

بعد يومئذ إلا قال دبر كل صلاة: ربّ جبرائيل وميكائيل وإسرافيل أعذني من حرّ النار وعذاب القبر " (١) . وهذا الذي أشار إليه الحديث من أن بني إسرائيل كانوا يقرضون من البول الجلد والثوب - هو من الدين الذي شرعه الله لهم، ولذلك لما نهاهم عن فعل ذلك أحدهم عذب في قبره بسبب نهيه، ففي حديث عبد الرحمن ابن حسنة أن رسول الله ﷺ قال: " ألم تعلموا ما لقي صاحب بني إسرائيل، كانوا إذا أصابهم البول قطعوا ما أصابه البول منهم، فنهاهم عن ذلك، فعذب في قبره " (٢) . وقد أخبر الرسول ﷺ أن عامة عذاب القبر من البول، فقد روى أنس ﵁، عن الرسول ﷺ قال: " تنزهوا من البول، فإن عامة عذاب القبر منه "، ورواه ابن عباس بلفظ: " عامة عذاب القبر من البول، فتنزهوا منه " ورواه أبو هريرة بلفظ: " أكثر عذاب القبر من البول " (٣) . ٣- الغلول: ومن الذنوب التي يعذب صاحبها في القبر الغلول، وقد صح في ذلك أكثر من حديث، فعن أبي هريرة، قال: أهدى رجل لرسول الله ﷺ غلاماً يقال له:

стр. 49

مِدْعم، فبينما مدعم يحط رحلاً لرسول الله ﷺ إذ أصابه سهم عائر (١) ، فقتله، فقال الناس: هنيئاً له الجنة، فقال الرسول ﷺ : " كلا، والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم، لتشتعل عليه ناراً ". فلما سمع ذلك الناس جاء رجل بشراك أو شراكين إلى النبي ﷺ ، فقال: " شراك من نار أو شراكين من نار " (٢) متفق عليه. وعن عبد الله بن عمرو، قال: كان على ثقل (٣) النبي ﷺ رجل يقال له: كَرْكرة، فمات، فقال رسول الله ﷺ : " هو في النار " فذهبوا ينظرون إليه، فوجدوا عباءة قد غلّها " رواه البخاري (٤) . ٤-٧- الكذب، هجر القرآن، الزنا، الربا: أرى الله رسوله ﷺ أنواعاً مما يعذب به بعض العصاة، ففي صحيح البخاري عن سمرة بن جندب قال: " كان النبي ﷺ إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه فقال: من رأى منكم الليلة رؤيا؟ قال: فإن رأى أحد قصها، فيقول ما شاء الله ". فسألنا يوماً فقال: هل رأى أحدكم منكم رؤيا؟ قلنا: لا، قال: لكني رأيت الليلة رجلين أتياني، فأخذا بيدي فأخرجاني إلى الأرض المقدسة، فإذا رجل جالس، ورجل قائم بيده كلوب من حديد - قال بعض أصحابنا عن موسى: كلوب من حديد يدخله في شدقه - حتى يبلغ قفاه، ثم يفعل بشدقه الآخر مثل ذلك،

стр. 50

ويلتئم شدقه هذا، فيعود فيصنع مثله. قلت: ما هذا؟ قالا: انطلق. فانطلقنا حتى أتينا على رجل مضطجع على قفاه، ورجل قائم على رأسه بفهر أو صخرة، فيشدخ به رأسه، فإذا ضربه تدهده الحجر، فانطلق إليه ليأخذه فلا يرجع إلى هذا حتى يلتئم رأسه وعاد رأسه كما هو، فعاد إليه فضربه. قلت: من هذا؟ قالا: انطلق. فانطلقنا إلى ثقب مثل التنور أعلاه ضيق وأسفله واسع يتوقد تحته ناراً، فإذا اقترب ارتفعوا حتى كادوا أن يخرجوا، فإذا خمدت رجعوا فيها، وفيها رجال ونساء عراة. فقلت: من هذا؟ قالا: انطلق. فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم، فيه رجل قائم، على وسط النهر رجل بين يديه حجارة - قال يزيد ووهب بن جرير عن جرير بن حازم: وعلى شط النهر رجل - فأقبل الرجل الذي في النهر، فإذا أراد أن يخرج رمى الرجل بحجر في فيه فرده حيث كان، فجعل كلما جاء ليخرج رمى في فيه بحجر فيرجع كما كان. فقلت: من هذا؟ قالا: انطلق. فانطلقنا حتى انتهينا إلى روضة خضراء فيها شجرة عظيمة، وفي أصلها شيخ وصبيان، وإذا رجل قريب من الشجرة بين يديه نار يوقدها، فصعدا بي في الشجرة وأدخلاني داراً لم أر قط أحسن منها، فيها رجال شيوخ وشباب ونساء وصبيان، ثم أخرجاني منها فصعدا بي الشجرة فأدخلاني داراً هي أحسن وأفضل، فيها شيوخ وشباب. قلت: طَوَّفتماني الليلة فأخبراني عما رأيتُ. قالا: نعم. أما الذي رأيته يُشَقُّ شِدْقُه فكذاب يحدّث بالكذبة فتحمل عنه حتى تبلغ الآفاق، فيصنع به ما رأيت إلى يوم القيامة، والذي رأيته يشدخ رأسه فرجل علمه الله القرآن، فنام عنه

стр. 51

بالليل ولم يعمل فيه بالنهار، يُفعل به إلى يوم القيامة. والذي رأيته في الثقب فهم الزناة. والذي رأيته في النهر آكلوا الربا. والشيخ في أصل الشجرة إبراهيم ﵇، والصبيان حوله أولاد الناس. والذي يوقد النار مالك خازن النار. والدار الأولى التي دخلت عامة المؤمنين، وأما هذه الدار فدارُ الشهداء. وأنا جبريل، وهذا ميكائيل، فارفع رأسك. فرفعت رأسي فإذا فوقي مثل السحاب، قالا: ذاك منزلك. قلت: دعاني أدخل منزلي. قالا: إنه بقي لك عمر لم تستكمله، فلو استكملت أتيت منزلك " (١) . حبس المدين في قبره بدينه: ومما يضر الميت في قبره ما عليه من دين، فعن سعد بن الأطول ﵁: " أن أخاه مات وترك ثلاثمائة درهم، وترك عيالاً، قال: فأردت أن أنفقها على عياله، قال: فقال لي نبي الله ﷺ : " إن أخاك محبوس بدينه، [فاذهب] فاقض عنه، [فذهبت فقضيت عنه، ثم جئت] ، قلت: يا رسول الله، قد قضيت عنه إلا دينارين ادعتهما امرأة، وليست لها بيِّنه، قال: أعطها فإنه محقة، (وفي رواية صادقة) (٢) ". فقد أخبر الرسول ﷺ أن ذلك الصحابي محبوس بسبب دينه، ويمكن أن يُفسِّر هذا الحبس الحديث الآخر حيث قال الرسول ﷺ : " إنه مأسور بدينه عن الجنة "، ففي الحديث الذي يرويه سمرة بن جندب " أن النبي ﷺ صلى على

стр. 52

جنازة، (وفي رواية صلى الصبح) ، فلما انصرف قال: أههنا من آل فلان أحد؟ [فسكت القوم، وكان إذا ابتدأهم بشيء سكتوا] ، فقال ذلك مراراً، [ثلاث لا يجيبه أحد] ، [فقال رجل: هو ذا] ، قال: فقام رجل يجر إزاره من مؤخر الناس، [فقال له النبي ﷺ : ما منعك في المرتين الأوليين أن تكون أجبتني؟] أما إني لم أنوِّه باسمك إلا لخير، إن فلاناً - لرجل منهم - مأسور بدينه [عن الجنة، فإن شئتم فافدوه، وإن شئتم فأسلموه إلى عذاب الله] ، فلو رأيت أهله ومن يتحرَّون أمره قاموا فقضوا عنه، [حتى ما أحد يطلبه بشيء] (١) . عذاب الميت ببكاء الحي: عندما طُعِن عمر بن الخطاب ﵁ دخل عليه صهيب يبكي، يقول: وا أخاه، واصاحباه، فقال عمر ﵁: يا صهيب أتبكي عليَّ وقد قال رسول الله ﷺ : " إن الميت يُعَذَّب ببعض بكاء أهله عليه " (٢) . وقد أنكرت عائشة ﵂ أن يكون الرسول ﷺ قد قال هذا الحديث، ففي صحيح البخاري أن ابن عباس ذكر لعائشة ما قاله عمر بعد وفاته، فقالت: رحم الله عمر، والله ما حدَّث رسول الله ﷺ أن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه، ولكن رسول الله ﷺ قال: إن الله ليزيد الكافر عذاباً

стр. 53

ببكاء أهله عليه، حسبكم القرآن (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) [فاطر: ١٨] (١) ، وقد أولت عائشة ﵂ هذا الحديث أكثر من تأويل، ورد ذلك عنها في الصحاح والسنن (٢) . وها هنا أمران: الأول هل قال الرسول ﷺ هذا الحديث؟ قال القرطبي: " إنكار عائشة ذلك، وحكمها على الراوي بالتخطئة أو النسيان أو على أنه سمع بعضاً، ولم يسمع بعضاً بعيد، لأن الرواة لهذا المعنى من الصحابة كثيرون، وهم جازمون فلا وجه للنفي مع إمكان حمله على محمل صحيح " (٣) . الثاني: كيف يعذب ببكاء أهله عليه، وليس ذلك من فعله، والله يقول: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) [فاطر: ١٨] . للعلماء في ذلك أجوبة أحسنها ما قاله البخاري في ترجمة الباب الذي وضع الحديث تحته، قال رحمه الله تعالى: " باب قول النبي ﷺ يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه إذا كان النوح من سنته " لقول الله تعالى: (قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا) [التحريم: ٦] ، وقال النبي ﷺ : " كلكم راع ومسؤول عن رعيته " فإذا لم يكن من سنته فهو كما قالت عائشة ﵂ (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) [فاطر: ١٨] (٤) وممن ذهب هذا المذهب الترمذي ﵀، فإنه روى حديث عمر ﵁ بلفظ

стр. 54

" الميت يعذب ببكاء أهله عليه " ثم قال: " قال أبو عيسى (هو الترمذي) : حديث عمر حديث حسن صحيح، وقد كره قوم من أهل العلم البكاء على الميت، قالوا: الميت يعذب ببكاء أهله عليه، وذهبوا إلى هذا الحديث، وقال ابن المبارك: أرجو إن كان ينهاهم في حياته، أن لا يكون عليه من ذلك شيء " (١) . وهذا الفقه للحديث هو مذهب القرطبي ﵁، فإنه قال: " قال بعض العلماء أو أكثرهم: إنما يعذب الميت ببكاء الحي إذا كان البكاء من سنة الميت واختياره، كما قال: إذ أنا مت فانعيني بما أنا أهله ××× وشقي عليَّ الجيب يا ابنة معبد وكذلك إذا وصى به (٢) . " وقد كان النواح ولطم الخدود وشق الجيوب من شأن أهل الجاهلية، وكانوا يوصون أهاليهم بالبكاء، والنوح عليهم، وإشاعة النعي في الأحياء، وكان ذلك مشهوراً من مذاهبهم، وموجوداً في أشعارهم كثيراً، فالميت تلزمه العقوبة في ذلك لما تقدم إليهم في وقت حياته " كذا قال ابن الأثير (٣) . وينبغي أن ينبه هنا إلى لفظ البخاري، فقد جاء فيه: " يعذب ببعض بكاء أهله عليه"، ولا يعذب بكل البكاء، فالبكاء الذي تدمع فيه العين، ولا شق، ولا لطم معه لا يؤاخذ صاحبه به، وقد جاءت في ذلك نصوص كثيرة. وقد تعرض العلامة ابن تيمية للمسألة وضعف مذهب البخاري والقرطبي وابن عبد البرَّ ومن سلك مسلكهم في فقه الأحاديث التي أخبرت أن الميت يعذب

стр. 55

ببكاء الحي، فقد قال رحمه الله تعالى بعد أن ذكر النصوص الواردة في ذلك: " وقد أنكر ذلك طوائف من السلف والخلف، واعتقدوا أن ذلك من باب تعذيب الإنسان بذنب غيره، فهو مخالف لقوله تعالى: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) [فاطر: ١٨] ، ثم تنوعت طرقهم في تلك الأحاديث الصحيحة. فمنهم من غلَّط الرواة لها، كعمر بن الخطاب وغيره، وهذه طريقة عائشة والشافعي، وغيرهما. ومنهم من حمل ذلك على ما إذا أوصى به فيعذب على إيصائه، وهو قول طائفة كالمزني، وغيره. ومنهم من حمل ذلك على ما إذا كان عادتهم، فيعذب على ترك النهي عن المنكر، وهو اختيار طائفة منهم جدى أبو البركات، وكل هذه الأقوال ضعيفة جداً " (١) وقد رد قول الذين ردوا هذه الأحاديث بنوع من التأويل، فقال: " والأحاديث الصحيحة الصريحة التي يرويها مثل عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، وأبو موسى الأشعري وغيرهم، لا ترد بمثل هذا، وعائشة أم المؤمنين ﵂ لها مثل هذا نظائر، ترد الحديث بنوع من التأويل والاجتهاد لاعتقادها بطلان معناه، ولا يكون الأمر كذلك، ومن تدبر هذا الباب وجد هذا الحديث الصحيح الصريح الذي يرويه الثقة لا يرده أحد بمثل هذا إلا كان مخطئاً " (٢) . ثم بين رحمه الله تعالى أن عائشة وقعت في مثل ما فرت عنه، قال: " وعائشة ﵂ روت عن النبي ﷺ لفظين - وهي الصادقة فيما نقلته - فروت عن

стр. 56

النبي ﷺ قوله: " إن الله ليزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه "، وهذا موافق لحديث عمر، فإنه إذا جاز أن يزيده عذاباً ببكاء أهله، جاء أن يعذب غيره ابتداء ببكاء أهله، ولهذا رد الشافعي في " مختلف الحديث " هذا الحديث نظراً إلى المعنى، وقال الأشبه روايتها الأخرى: " إنهم يبكون عليه، وإنه ليعذب في قبره " (١) . ورد قول الذين ظنوا أن الحديث يفيد معاقبة الإنسان بذنب غيره، فقال: " والذين أقروا هذا الحديث على مقتضاه، ظن بعضهم أن هذا من باب عقوبة الإنسان بذنب غيره، وأن الله يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، واعتقد هؤلاء أن الإنسان يعاقب بذنب غيره، فجوزوا أن يدخل أولاد الكفار النار بذنوب آبائهم (٢) وبعد أن أطال النفس في هذه المسألة: مسألة دخول أولاد الكفار النار بذنوب آبائهم، وأن هذا ليس بصواب من القول، وأن الحق أن الله لا يعذب إلا من عصاه، وأن الذين لم يبتلوا يمتحنون في عرصات القيامة، قال: " وأما تعذيب الميت: فهو لم يقل: إن الميت يعاقب ببكاء أهله عليه، بل قال: " يعذب "، والعذاب أعمُّ من العقاب، فإن العذاب هو الألم، وليس كل من تألم بسبب كان ذلك عقاباً له على ذلك السبب، فإن النبي ﷺ قال: " السفر قطعة من العذاب، يمْنَعُ أحدكم طعامه وشرابه "، فسمى السفر عذاباً، وليس هو عقاباً. والإنسان يعذب بالأمور المكروهة التي يشعر بها، مثل الأصوات الهائلة، والأرواح الخبيثة، والصور القبيحة، فهو يتعذب بسماع هذا وشَمِّ هذا، ورؤية هذا، ولم يكن ذلك عملاً له عوقب عليه، فكيف ينكر أن يعذب الميت بالنياحة، وإن لم تكن النياحة عملاً له، يعاقب عليه؟

стр. 57

والإنسان في قبره يعذب بكلام بعض الناس، ويتألم برؤية بعضهم، وبسماع كلامه، ولهذا أفتى القاضي أبو يعلى بأن الموتى إذا عمل عندهم المعاصي فإنهم يتألمون بها، كما جاءت بذلك الآثار، فتعذبهم بعمل المعاصي عند قبورهم كتعذيبهم بنياحة من ينوح عليهم، ثم النياحة سبب العذاب " (١) . وهذا الفقه الذي صار إليه الشيخ العلامة جاءت بعض الأحاديث دالة عليه، فعن النعمان بن بشير، قال: " أغمي على عبد الله بن رواحة ﵁، فجعلت أخته عمرة تبكي: واجبلاه، واكذا، واكذا، تعدد عليه، فقال حين أفاق: ما قلت شيئاً إلا قيل لي، أنت كذلك؟! فلما مات لم تبك عليه " (٢) بل إن هذا المعنى ورد صريحاً في الحديث الذي يرويه أبو موسى الأشعري، أن رسول الله ﷺ قال: " ما من ميت يموت، فيقوم باكيه، فيقول: واجبلاه! واسيداه! أو نحو ذلك، إلا وكل به ملكان يلهزانه: أهكذا كنت " رواه الترمذي. وقال: هذا حديث حسن غريب (٣) ، وقال الحافظ في التلخيص بعد سياقه لهذا الحديث: " ورواه الحاكم وصححه، وشاهده في الصحيح عن النعمان بن بشير " (٤) . وينبغي أن ينبه هنا أنه ليس كل ميت يناح عليه يعذب بالنياح عليه، فقد يندفع حكم السبب بما يعارضه - كما يقول ابن تيمية - كما يكون في بعض الناس من القوة ما يدفع ضرر الأصوات الهائلة، والأرواح والصور الخبيثة. ثم ذكر أن أحاديث الوعيد يذكر فيها السبب، وقد يتخلف موجبه لموانع تدفع ذلك، إما بتوبة مقبولة، وإما بحسنات ماحية، وإما بمصائب مكفرة، وإما بشفاعة شفيع

стр. 58

مطاع، وإما بفضل الله ورحمته ومغفرته. وبين في خاتمة كلامه أن ما يصيب الميت المؤمن من عذاب في قبره بما نيح عليه يكفر الله به عن سيئاته (١) . المطلب الخامس المنجيات من فتنة القبر وعذابه الذي ينجي المرء من عذاب القبر أن يكون مستعداً للموت، مشمراً له، حتى إذا فاجأه الموت لم يعض أصْبعَ الندم، ومن الاستعداد للموت الإسراع في التوبة، وقضاء الحقوق، والإكثار من الأعمال الصالحة، فإن الإيمان والصلاة والصوم والزكاة والحج والجهاد وبر الوالدين وصلة الأرحام وذكر الله وغيرها من صالح الأعمال تحفظ العبد المؤمن، وبها يجعل الله له من كل هَمّ فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً. وقد حدثنا الرسول ﷺ أن الأعمال الصالحة تحرس الإنسان في قبره، يقول ابن تيمية: " في الحديث المشهور حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، رواه أبو حاتم في صحيحه، وقد رواه الأئمة قال: " إن الميت ليسمع خفق نعالهم حين يولون عنه، فإن كان مؤمناً كانت الصلاة عند رأسه، وكان الصيام عن يمينه، وكانت الزكاة عن يساره، وكان فعل الخيرات من الصدق والصلة والمعروف والإحسان إلى الناس عند رجليه. فيؤتى من عند رأسه، فتقول الصلاة: ما قبلي مدخل، ثم يؤتى عن يمينه، فيقول الصيام: ما قبلي مدخل، ثم يؤتى عن يساره، فتقول الزكاة: ما قبلي مدخل، ثم يؤتى من قبل رجليه: فيقول فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان إلى

стр. 59

الناس: ما قبلي مدخل. فيقال له: اجلس، فيجلس، قد مثلت له الشمس وقد دنت للغروب، فيقال له: ما هذا الرجل الذي كان فيكم، ما تقول فيه؟ فيقول: دعوني، حتى أصلي، فيقولون: إنك ستفعل، أخبرنا عما نسألك عنه، فقال: عمَّ تسألوني؟ فيقولون: ما تقول في هذا الرجل الذي كان فيكم، ما تشهد به؟ فيقول: أشهد أنه رسول الله، وأنه جاء بالحق من عند الله، فيقال: على ذلك حييت، وعلى ذلك مت، وعلى ذلك تبعث إن شاء الله تعالى، ثم يفتح له باب من أبواب الجنة، فيقال له: ذلك مقعدك منها، وما أعد الله لك فيها، فيزداد غبطة وسروراً، ثم يفتح له باب من أبواب النار، فيقال: ذلك مقعدك منها، وما أعدَّ الله لك فيها، [لو عصيت الله] ، فيزداد غبطة وسروراً ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعاً، وينور له فيه، ويعاد جسده كما بدئ، وتجعل نسمته في نسم الطيب، وهي طير تعلق في شجر الجنة ". وفي لفظ: " وهو طير يعلق في شجر الجنة " قال أبو هريرة: (يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ) [إبراهيم: ٢٧] ، وفي لفظ: " ثم يعاد الجسد إلى ما بدى منه ". الاستعاذة بالله من فتنة القبر وعذاب القبر: لما كانت فتنة القبر وعذاب القبر من الأهوال الكبار، والشدائد العظيمة فإن الرسول ﷺ كان يستعيذ من ذلك في صلاته وفي غير صلاته، وكان يأمر أصحابه بذلك.

стр. 60

ففي حديث عائشة التي ذكرت فيه أمر اليهودية التي قالت لها: أعاذك الله من عذاب القبر، فسألت الرسول ﷺ عن عذاب القبر؟ فقال: نعم، عذاب القبر، قالت: فما رأيت رسول الله ﷺ بعد صلى صلاة إلا تعوذ من عذاب القبر، زاد غندر: " عذاب القبر حق " (١) . وعن أنس أن الرسول ﷺ كان يدعو فيقول: " اللهمَّ إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والبخل والهرم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات " (٢) . عن عائشة أن الرسول ﷺ كان يقول: " اللهم إني أعوذ بك من الكسل والهرم، والمأثم والمغرم، ومن فتنة القبر، وعذاب القبر.. " (٣) . وكان الرسول ﷺ يقول لأصحابه: " تعوذوا بالله من عذاب القبر" فيقولون: " نعوذ بالله من عذاب القبر " (٤) . وكان يقول لهم: " استجيروا بالله من عذاب القبر، فإن عذاب القبر حق " (٥) وكان يأمرهم أن يستعيذوا من أربع فيقول: " استعيذوا بالله من عذاب القبر، استعيذوا بالله من جهنم، استعيذوا بالله من فتنة المسيح الدجال، استعيذوا بالله من فتنة المحيا والممات " (٦) .

стр. 61

وكان يأمرهم بالاستعاذة في الصلاة بعد التشهد من عذاب القبر، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع. يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال " (١) . وعن ابن عباس أن الرسول كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن: " اللهم إنا نعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات " (٢) . المطلب السادس الذين يعصمون من فتنة القبر وعذابه بعض المؤمنين من الذين قاموا بأعمال جليلة، أو أصيبوا بمصائب كبيرة يأمنون فتنة القبر وعذابه، فمن هؤلاء: ١- الشهيد: فقد روى المقدام بن معدي كرب، قال: قال رسول الله ﷺ : " للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة، ويرى مقعده في الجنة، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار الياقوتة منها خير من الدنيا وما فيها، ويزوج اثنتين وسبعين زوجة من الحور العين، ويشفع في سبعين من أقربائه " رواه الترمذي وابن ماجة (٣) .

стр. 62

وروى النسائي في سننه عن راشد بن سعد بن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ أن رجلاً قال: يا رسول الله! ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ قال كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة " (١) . ٢- الذي مات مرابطاً (٢) في سبيل الله، فقد روى فضالة بن عبيد، عن رسول الله ﷺ ، قال: " كل ميت يختم على عمله إلا الذي مات مرابطاً في سبيل الله؟ فإنه ينمي له عمله يوم القيامة، ويأمن فتنة القبر " رواه الترمذي وأبو داود (٣) . ٣- الذي يموت يوم الجمعة، ففي الحديث عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ ، قال: " ما من مسلم يموت يوم الجمعة إلا وقاه الله فتنة القبر " رواه أحمد والترمذي، والحديث صحيح بمجموع طرقه أو حسن (٤) . ٤- الذي يموت بداء البطن، وقد ثبت في حديث يرويه عبد الله بن يسار، قال: " كنت جالساً وسليمان بن صرد وخالد بن عرفطة، فذكروا أن رجلاً توفي مات ببطنه، فإذا هما يشتهيان أن يكونا شهدا جنازته، فقال أحدهما للآخر: ألم يقل رسول الله ﷺ : من يقتله بطنه فلن يعذب في قبره "؟ فقال الآخر: بلى، وفي رواية: صدقت (٥) .

стр. 63

عِظَة المَوت المطلب الأول الموت أعظم واعظ سقنا إليك طرفاً من النصوص التي تحدث عن الموت وسكراته، والقبر وأهواله، والعاقل من اعتبر، فإن الموت أكبر واعظ، وقد قيل لبعض الزهاد: ما أبلغ العظات؟ قال: النظر إلى الأموات (١) ، وقد أحسن القرطبي في وصف الموت حيث يقول: " اعلم أن الموت هو الخطب الأفظع، والأمر الأشنع، والكأس الذي طعمهما أكره وأبشع، وأنه الأهذم للذات، والأقطع للراحات، والأجلب للكريهات، فإن أمراً يقطع أوصالك، ويفرق أعضاءك، ويهدم أركانك، لهو الأمر الفظيع، والخطب الجسيم، وإن يومه لهو اليوم العظيم " (٢) . المطلب الثاني التفكر في الموت كما أن الحياة آية من آيات الله فالموت كذلك آية أخرى تضاد الحياة، ولكنها لا تقل عنها عجباً، (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [البقرة: ٢٨] .

стр. 64

والتفكر في هذه الآية تفكر في خلق من خلق الله وعجائبه الدالة على عظيم قدرة الله، وعجيب أمره، يروى أن أعرابياً كان يسير على جمل له، فخر ميتاً، فنزل الأعرابي عنه، وجعل يطوف به، ويتفكر فيه، ويقول: مالك لا تقوم؟ مالك لا تنبعث؟ هذه أعضاؤك كاملة، وجوارحك سالمة. ما شأنك؟ ما الذي كان يحملك؟ ما الذي كان يبعثك؟ ما الذي صرعك؟ ما الذي عن الحركة منعك؟ ثم انصرف متفكراً في شأنه، متعجباً من أمره (١) . وأُنشد في بعض الشجعان مات حتف أنفه (٢) : جاءته من قِبَل المنون إشارة ××× فهوى صريعاً لليدين وللفم ورمى بمحكم درعه وبرمحه ××× وامتد ملقى كالفنيق الأعظم لا يستجيب لصارخ إن يدعه ××× أبداً ولا يرجى لخطب معظم ذهبت بسالته ومرَّ مراره ××× لما رأى حبل المنية يرتمي يا ويحه من فارس ما باله ××× ذهبت مرارته ولما يُكْلَم هذي يداه وهذه أعضاؤه ××× ما منه عضو غداً بمثلم هيهات ما حبل الردى محتاجه ××× للمشرفي ولا اللسان اللهذم هي ويحكم أمر الإله وحكمه ××× والله يقضي بالقضاء المحكم

стр. 65

المطلب الثالث نماذج من عظات الواعظين وعظ الله رسوله بالموت فقال: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ) [الزمر: ٣٠] ، وفي الحديث الذي يرويه الطبراني في الأوسط، وأبو نعيم في الحلية، والحاكم في مستدركه، وغيرهم عن علي، قال: قال رسول الله ﷺ : " أتاني جبريل، فقال: يا محمد، عش ما شئت، فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزى به، واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس " (١) . وقد سقنا كثيراً من النصوص التي وعظنا الله ورسوله فيها بالموت، وقد كان هذا دأب الصالحين يعظون أنفسهم بالموت، ويعظون الناس به، يقول علي بن أبي طالب ﵁: " ارتحلت الدنيا مدبرة، وارتحلت الآخرة مقبلة، ولكل واحدة بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل " رواه البخاري في ترجمة باب: الأمل وطوله (٢) . ومن عظات العلماء ما جاء في تذكرة القرطبي: " تفكر يا مغرور في الموت وسكرته، وصعوبة كأسه ومرارته، فيا للموت من وعد ما أصدقه، ومن حاكم ما أعدله، كفى بالموت مفزعاً للقلوب، ومبكياً للعيون، ومفرقاً للجماعات، وهادماً للذات، وقاطعاً للأمنيات.

стр. 66

فهل تفكرت يا ابن آدم في يوم مصرعك، وانتقالك من موضعك، إذا نقلت من سعة إلى ضيق، وخانك الصاحب والرفيق، وهجرك الأخ والصديق، وأخذت من فراشك وغطائك إلى غرر، وغطوك من بعد لين لحافها بتراب ومدر، فيا جامع المال، والمجتهد في البنيان، ليس لك من مالك والله إلا الأكفان، بل هي للخراب والذهاب، وجسمك للترائب والمئاب. فأين الذي جمعته من المال؟ فهل أنقذك من الأهوال، كلا بل تركته لمن لا يحمدك، وقدم بأوزارك على من لا يعذرك " (١) . ونقل القرطبي ﵀ عن يزيد الرقاشي أنه كان يقول لنفسه: " ويحك يا زيد من ذا يصلي عنك بعد الموت؟ من ذا يصوم عند بعد الموت؟ من ذا يرضي عنك ربك بعد الموت؟ ". ثم يقول: " يا أيها الناس، ألا تبكون وتنوحون على أنفسكم باقي حياتكم؟ من القبر طالبه، والقبر بيته، والتراب فراشه، والدود أنيسه، وهو مع هذا ينتظر الفزع الأكبر، كيف يكون حاله؟ " (٢) . وقال القرطبي ﵀ في موضع آخر: " مَثِّلْ نفسك يا مغرور وقد حلت بك السكرات، ونزل بك الأنين والغمرات، فمن قائل يقول: إن فلاناً قد أوصى، وماله قد أحصى، ومن قائل يقول: إن فلاناً ثقل لسانه، فلا يعرف جيرانه، ولا يكلم إخوانه، فكأني أنظر إليك تسمع الخطاب، ولا تقدر على رد الجواب. فَخَيِّل لنفسك، يا ابن آدم إذا أخذت لفراشك إلى لوح مغسلك، فغسلك الغاسل، وألبست الأكفان، وأوحش منك الأهل والجيران، وبكت

стр. 67

عليك الأصحاب والإخوان، وقال الغاسل: أين زوجة فلان تحالله، وأين اليتامى ترككم أبوكم فما ترونه بعد هذا اليوم أبداً، وأنشدوا: ألا أيها المغرور مالك تلعب ××× تؤمل آمالاً وموتك أقرب وتعلم أن الحرص بحر مبعد ××× سفينته الدنيا فإياك تعطب وتعلم أن الموت ينقض مسرعاً ××× عليك يقيناً طعمه ليس يعذب كأنك توصي واليتامى تراهم ××× وأمهم الثكلى تنوح وتندب تغص بحزن ثم تلطم وجهها ××× يراها رجال بعدما هي تحجب وأقبل بالأكفان نحوك قاصد ××× ويحثي عليك الترب والعين تسكب (١) ومن عظات الصحابي الجليل أبي الدرداء قوله: " أضحكني ثلاث، وأبكاني ثلاث، أضحكني مؤمل الدنيا والموت يطلبه، وغافل ليس بمغفول عنه، وضاحك بملء فيه، وهو لا يدري أأرضى الله أم سخطه؟! . وأبكاني فراق الأحبة محمد ﷺ وحزبه، وهول المطلع عند غمرات الموت، والوقوف بين يدي الله، يوم تبدو السريرة علانية، ثم لا يدري إلى الجنة أو إلى النار " (٢) . وقال أبو الدرداء أو أبو ذر: " تلدون للموت، وتعمرون للخراب، وتحرصون على ما يفنى، وتذرون ما يبقى " (٣) . وقال القرطبي في تذكرته واعظاً ناصحاً: " يا هذا، أين الذي جمعته من الأموال، وأعددته للشدائد والأهوال، لقد

стр. 68

أصبحت كفك منه عند الموت خالية صفراً، وبدلت بعد غناك وعزك ذلاً وفقراً، فكيف أصبحت يا رهين أوزاره، ويا من سلب من أهله ودياره؟ ما كان أخفى عليك سبيل الرشاد، وأقل اهتمامك لحمل الزاد إلى سفرك البعيد، وموقفك الصعب الشديد، أو ما علمت يا مغرور أن لا بدَّ من الارتحال إلى يوم شديد الأهوال، وليس ينفعك ثمَّ قيل ولا قال، بل يعد عليك بين يدي الملك الديان ما بطشت اليدان ومشت القدمان، ونطق به اللسان، وعملت الجوارح والأركان، فإن رحمك الله فإلى الجنة، وإن كانت الأخرى فإلى الميزان. يا غافلاً عن هذه الأحوال إلى كم هذه الغفلة والتوان؟ أتحسب أن الأمر صغير، وتزعم أن الخطب يسير؟ وتظن أن سينفعك حالك إذا آن ارتحالك، أو ينقذك مالك حين توبقك أعمالك، أو يغني عنك ندمك إذا زلت بك قدمك، أو يعطف عليك معشرك حين يضمك محشرك، كلا والله ساء ما تتوهم، ولا بدَّ أن ستعلم لا بالكفاف تقنع، ولا من الحرام تشبع، ولا للعظات تسمع، ولا بالوعيد ترتدع، دأبك أن تتقلب مع الأهواء، وتخبط خبط العشواء، يعجبك التكاثر بما لديك، ولا تذكر ما بين يديك. يا نائماً في غفلة، وفي خبطة يقظان، إلى كم هذه الغفلة والتوان، أتزعم أن ستُترك سُدَى، وأن لا تحاسب غداً، أم تحسب أن الموت يقبل الرِّشا؟ أم تميز بين الأسد والرَّشا؟ كلا والله، لن يدفع عنك الموت مالك ولا بنون، ولا ينفع أهل القبول إلا العمل المبرور، فطوبى لمن سمع ووعى، وحقق ما ادعى، ونهى النفس عن الهوى، وعلم أن الفائز من ارعوى، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى، وأن سعيه سوف يرى، فانتبه من هذه الرقدة، واجعل العمل الصالح لك عدة، ولا تتمنَّ منازل الأبرار وأنت مقيم على الأوزار، عامل بعمل الفجار، وراقب الله في الخلوات، ولا يغرنك الأمل، فتزهد عن العمل..، وأنشدوا:

стр. 69

تزود من معاشك للمعاد ××× وقم لله واعمل خير زاد ولا تجمع من الدنيا كثيراً ××× فإن المال يجمع للنفاد أترضى أن تكون رفيق قوم ××× لهم زاد وأنت بغير زاد وقال آخر: إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى ××× ولاقيت بعد الموت من قد تزودا ندمت على أن لا تكون مثله ××× وأنك لم ترصد كما كان أرصدا (١) المطلب الرابع نماذج من عظات الشعراء وقد أكثر الشعراء من ذكر الموت والوعظ به، فمن ذلك قول الشاعر: لا شيء مما ترى تبقى بشاشته ××× يبقى الإله ويفنى المال والولد لم تغن عن هرمز يوماً خزائنه ××× والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا ولا سليمان إذ تجري الرياح له ××× والإنس والجن فيما بينها ترد أين الملوك التي كانت لعزتها ××× من كل أوب إليها وافد يفد حوض هنالك مورود بلا كذب ××× لا بد من ورده يوماً كما وردوا وقال الآخر: مشيناها خطا كتبت علينا ××× ومن كتبت عليه خطا مشاها وأرزاق لنا متفرقات ××× فمن لم تأته منا أتاها ومن كتبت منيته بأرض ××× فليس يموت في أرض سواها

стр. 70

وقال آخر: وإذا وليت قوماً ليلة ××× فاعلم بأنك بعدها مسؤول وإذا حَملتَ إلى القبور جنازة ××× فاعلم بأنك بعدها محمول وقال آخر: تزود من الدنيا فإنك لا تدري ××× إذا جن ليل هل تعيش إلى الفجر فكم من عروس زينوها لزوجها ××× وقد أخذت أرواحهم ليلة القدر وكم من صغار يرجى طول عمرهم ××× وقد أدخلت أرواحهم ظلمة القبر وكم من سليم مات من غير علة ××× وكمن من سقيم عاش حيناً من الدهر وكم من فتى يمسي ويصبح لاهياً ××× وقد نسجت أكفانه وهو لا يدري وكم من ساكن عند الصباح بقصره ××× وعند المسا قد كان من ساكن القبر فكن مخلصاً واعمل الخير دائماً ××× لعلك تحظى بالمثوبة والأجر وداوم على تقوى الإله فإنها ××× أمان من الأهوال في موقف الحشر وقال الآخر: هب الدنيا تساق إليك عفواً ××× أليس مصير ذاك إلى انتقال وما دنياك إلا مثل فيء ××× أظلك ثم آذن بالزوال وقال آخر: يا مقيماً قد حان منه رحيل ××× بعد ذاك الرحيل يوم عصيب إن للموت سكرة فارتقبها ××× لا يداويك إن أتتك طبيب كم تواني حتى تصير رهيناً ××× ثم تأتيك دعوة فتجيب وتذكر يوماً تحاسب فيه ××× إن من يذكر الممات ينيب ليس من ساعة من الدهر إلا ××× للمنايا عليك رقيب كل يوم ترميك بسهم ××× إن تحظى يوماً فسوف تصيب

стр. 71

وقال آخر: الموت في كل يوم ينشر الكفنا ××× ونحن في غفلة عما يراد بنا لا تطمئن إلى الدنيا وبهجتها ××× وإن توحشت من أثوابها الحسنا أين الأحبة والجيران ما فعلوا ××× أين الذين همو كانوا لنا سكنا سقاهم الموت كأساً غير صافية ××× فصيرتهم لأطباق الثرى رهناً وقال آخر: قدم لنفسك توبة مرجوة ××× قبل الممات وقبل حبس الألسن بادر بها غلق النفوس فإنها ××× ذخر وغنم للمنيب المحسن المطلب الخامس أثر تذكر الموت في إصلاح النفوس إن لتذكر الموت أثراً كبيراً في إصلاح النفوس وتهذيبها، ذلك أن النفوس تؤثر الدنيا وملذاتها، وتطمع في البقاء المديد في هذه الحياة، وقد تهفو إلى الذنوب والمعاصي ن وقد تقصر في الطاعات، فإذا كان الموت دائماً على بال العبد، فإنه يصغر الدنيا في عينه، ويجعله يسعى في إصلاح نفسه، وتقويم المعوج من أمره، فقد روى البيهقي في شعب الإيمان، وابن حبان في صحيحه والبزار في مسنده بإسناد حسن عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : " أكثروا ذكر هاذم اللذات: الموت، فإنه لم يذكره في ضيق من العيش إلا وسعه عليه، ولا ذكره في سعة إلا ضيقها " (١) .

стр. 72

ويذكر ابن المبارك أن صالحاً المُرّي كان يقول: " إن ذكر الموت إذا فارقني ساعة فسد على قلبي " (١) . وقال الدقاق: " من أكثر ذكر الموت أكرم بثلاثة: تعجيل التوبة، وقناعة القلب، ونشاط العبادة، ومن نسى الموت عوجل بثلاثة: تسويف التوبة، وترك الرضا بالكفاف، والتكاسل في العبادة " (٢) . وقال القرطبي: " اعلم أن ذكر الموت يورث استشعار الانزعاج عن هذه الدار الفانية، والتوجه في كل لحظة إلى الدار الآخرة الباقية " (٣) ويروى أن امرأة شكت إلى عائشة ﵂ قساوة في قلبها، فقالت لها: أكثري من ذكر الموت يرق قلبك، ففعلت ذلك فرق قلبها " (٤) . وقال القرطبي: قال العلماء: تذكر الموت يردع عن المعاصي، ويلين القلب القاسي، ويذهب الفرح بالدنيا، ويهون المصائب (٥) . وقال القرطبي أيضاً: قال العلماء ﵏ ليس للقلوب أنفع من زيارة القبور، وخاصة إن كانت قاسية، فعلى أصحابها أن يعالجوها بثلاثة أمور: أحدها: الإقلاع عما هي عليه بحضور مجالس العلم بالوعظ والتذكير والتخويف والترغيب وأخبار الصالحين، فإن ذلك مما يلين القلوب. الثاني: ذكر الموت، فيكثر من ذكر هادم اللذات، ومفرق الجماعات، وميتم البنين والبنات.

стр. 73

الثالث: مشاهدة المحتضرين، فإن النظر إلى الميت ومشاهدة سكراته ونزعاته، وتأمل صورته بعد مماته، مما يقطع عن النفوس لذاتها، ويطرد عن القلوب مسراتها، ويمسح الأجفان من النوم، والأبدان من الراحة، ويبعث على العمل، ويزيد في الاجتهاد والتعب (١) . وذكر عن الحسن البصري أنه دخل على مريض يعوده، فوجده في سكرات الموت، فنظر إلى كربه، وشدة ما نزل به، فرجع إلى أهله بغير اللون الذي خرج به من عندهم، فقالوا له: الطعام يرحمكم الله، فقال: يا أهلاه، عليكم بطعامكم وشرابكم، فوالله رأيت مصرعاً لا أزال أعمل له حتى ألقاه (٢) . وقال أبو الدرداء: " من أكثر ذكر الموت قل فرحه، وقل حسده " (٣) .

стр. 74

الرُّوح والنفس تعريف وَبيَان لا بدَّ للباحث في أمر الإنسان بعد موته من إعطاء فكرة عن الروح التي تنعم أو تعذب بعد موتها، ما هي؟ وهل لها كيفية تعلم؟ وهل هي جزء من البدن، أم شيء آخر غير البدن؟ فإن كانت غيره فأين مسكنها فيه؟ وهل هي مخلوقة؟ وهل هي واحدة في الإنسان أم متعددة؟ وهل تموت الأرواح، وكيف موتها؟ وأين مستقرها في البرزخ، وهل تعلم الأرواح شيئاً عما يجري في الدنيا من البرزخ؟ يقول ابن تيمية: " والروح المدبرة للبدن التي تفارقه بالموت هي الروح المنفوخة فيه، وهي النفس التي تفارقه بالموت " (١) ، وقد أخطأ الذين فرقوا بين الروح والنفس واعتقدوا أنهما أمران مختلفان، ومن تأمل فيما سقناه في بحثنا من نصوص علم النفس هي التي تقبضها الملائكة، وتصعد بها إلى السماء، وتعود بها إلى الجسد، وتسأل، وتنعم وتعذب، وهي الروح أيضاً التي إذا خرجت من الجسد تبعها البصر كما ثبت في الأحاديث.

стр. 75

وهذا المخلوق الذي تكون به الحياة، وتفقد الحياة بفقده يسمى روحاً ونفساً، ولا يمنع هذا أن تطلق كل من الروح والنفس إطلاقات أخرى، يقول ابن تيمية: " لفظ الروح والنفس يعبر بهما عن عدة معان: فيراد بالروح الهواء الخارج من البدن والهواء الداخل فيه، ويراد بالروح البخار الخارج من تجويف القلب من سويداه الساري في العروق، وهو الذي تسميه الأطباء الروح، ويسمى الروح الحيواني، فهذان المعنيان غير الروح التي تفارق بالموت التي هي النفس، ويراد بنفس الشيء ذاته وعينه، وقد يراد بلفظ النفس الدم الذي يكون في الحيوان، كقول الفقهاء: " ماله نفس سائلة، وما ليس له نفس سائلة " فهذان المعنيان بالنفس ليسا هما معنى الروح " (١) . وتطلق الروح أيضاً على جبرائيل: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ) [الشعراء: ١٩٣] ، وتطلق على القرآن (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا) [الشورى: ٥٢] . ويلاحظ شارح الطحاوية أن الروح والنفس وإن أطلقا على تلك اللطيفة الربانية، إلا أن " غالب ما يسمى نفساً إذا كانت الروح متصلة بالبدن، وأما إذا أخذت مجردة فتسمية الروح أغلب عليها " (٢) . ويقول ابن تيمية في هذا: " لكن تسمى نفساً باعتبار تدبيره للبدن، وتسمى روحاً باعتبار لطفه، ولهذا يسمى الريح روحاً، وقال النبي ﷺ : " الريح من روح الله " (٣) أي من الروح التي خلقها الله " (٤) .
следующие страницы →