← Акыда

Акыда · id 9834

القيامة الصغرى

عمر سليمان الأشقر

Полный текст (274 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وقال آخر: الموت في كل يوم ينشر الكفنا ××× ونحن في غفلة عما يراد بنا لا تطمئن إلى الدنيا وبهجتها ××× وإن توحشت من أثوابها الحسنا أين الأحبة والجيران ما فعلوا ××× أين الذين همو كانوا لنا سكنا سقاهم الموت كأساً غير صافية ××× فصيرتهم لأطباق الثرى رهناً وقال آخر: قدم لنفسك توبة مرجوة ××× قبل الممات وقبل حبس الألسن بادر بها غلق النفوس فإنها ××× ذخر وغنم للمنيب المحسن المطلب الخامس أثر تذكر الموت في إصلاح النفوس إن لتذكر الموت أثراً كبيراً في إصلاح النفوس وتهذيبها، ذلك أن النفوس تؤثر الدنيا وملذاتها، وتطمع في البقاء المديد في هذه الحياة، وقد تهفو إلى الذنوب والمعاصي ن وقد تقصر في الطاعات، فإذا كان الموت دائماً على بال العبد، فإنه يصغر الدنيا في عينه، ويجعله يسعى في إصلاح نفسه، وتقويم المعوج من أمره، فقد روى البيهقي في شعب الإيمان، وابن حبان في صحيحه والبزار في مسنده بإسناد حسن عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : " أكثروا ذكر هاذم اللذات: الموت، فإنه لم يذكره في ضيق من العيش إلا وسعه عليه، ولا ذكره في سعة إلا ضيقها " (١) .

стр. 72

ويذكر ابن المبارك أن صالحاً المُرّي كان يقول: " إن ذكر الموت إذا فارقني ساعة فسد على قلبي " (١) . وقال الدقاق: " من أكثر ذكر الموت أكرم بثلاثة: تعجيل التوبة، وقناعة القلب، ونشاط العبادة، ومن نسى الموت عوجل بثلاثة: تسويف التوبة، وترك الرضا بالكفاف، والتكاسل في العبادة " (٢) . وقال القرطبي: " اعلم أن ذكر الموت يورث استشعار الانزعاج عن هذه الدار الفانية، والتوجه في كل لحظة إلى الدار الآخرة الباقية " (٣) ويروى أن امرأة شكت إلى عائشة ﵂ قساوة في قلبها، فقالت لها: أكثري من ذكر الموت يرق قلبك، ففعلت ذلك فرق قلبها " (٤) . وقال القرطبي: قال العلماء: تذكر الموت يردع عن المعاصي، ويلين القلب القاسي، ويذهب الفرح بالدنيا، ويهون المصائب (٥) . وقال القرطبي أيضاً: قال العلماء ﵏ ليس للقلوب أنفع من زيارة القبور، وخاصة إن كانت قاسية، فعلى أصحابها أن يعالجوها بثلاثة أمور: أحدها: الإقلاع عما هي عليه بحضور مجالس العلم بالوعظ والتذكير والتخويف والترغيب وأخبار الصالحين، فإن ذلك مما يلين القلوب. الثاني: ذكر الموت، فيكثر من ذكر هادم اللذات، ومفرق الجماعات، وميتم البنين والبنات.

стр. 73

الثالث: مشاهدة المحتضرين، فإن النظر إلى الميت ومشاهدة سكراته ونزعاته، وتأمل صورته بعد مماته، مما يقطع عن النفوس لذاتها، ويطرد عن القلوب مسراتها، ويمسح الأجفان من النوم، والأبدان من الراحة، ويبعث على العمل، ويزيد في الاجتهاد والتعب (١) . وذكر عن الحسن البصري أنه دخل على مريض يعوده، فوجده في سكرات الموت، فنظر إلى كربه، وشدة ما نزل به، فرجع إلى أهله بغير اللون الذي خرج به من عندهم، فقالوا له: الطعام يرحمكم الله، فقال: يا أهلاه، عليكم بطعامكم وشرابكم، فوالله رأيت مصرعاً لا أزال أعمل له حتى ألقاه (٢) . وقال أبو الدرداء: " من أكثر ذكر الموت قل فرحه، وقل حسده " (٣) .

стр. 74

الرُّوح والنفس تعريف وَبيَان لا بدَّ للباحث في أمر الإنسان بعد موته من إعطاء فكرة عن الروح التي تنعم أو تعذب بعد موتها، ما هي؟ وهل لها كيفية تعلم؟ وهل هي جزء من البدن، أم شيء آخر غير البدن؟ فإن كانت غيره فأين مسكنها فيه؟ وهل هي مخلوقة؟ وهل هي واحدة في الإنسان أم متعددة؟ وهل تموت الأرواح، وكيف موتها؟ وأين مستقرها في البرزخ، وهل تعلم الأرواح شيئاً عما يجري في الدنيا من البرزخ؟ يقول ابن تيمية: " والروح المدبرة للبدن التي تفارقه بالموت هي الروح المنفوخة فيه، وهي النفس التي تفارقه بالموت " (١) ، وقد أخطأ الذين فرقوا بين الروح والنفس واعتقدوا أنهما أمران مختلفان، ومن تأمل فيما سقناه في بحثنا من نصوص علم النفس هي التي تقبضها الملائكة، وتصعد بها إلى السماء، وتعود بها إلى الجسد، وتسأل، وتنعم وتعذب، وهي الروح أيضاً التي إذا خرجت من الجسد تبعها البصر كما ثبت في الأحاديث.

стр. 75

وهذا المخلوق الذي تكون به الحياة، وتفقد الحياة بفقده يسمى روحاً ونفساً، ولا يمنع هذا أن تطلق كل من الروح والنفس إطلاقات أخرى، يقول ابن تيمية: " لفظ الروح والنفس يعبر بهما عن عدة معان: فيراد بالروح الهواء الخارج من البدن والهواء الداخل فيه، ويراد بالروح البخار الخارج من تجويف القلب من سويداه الساري في العروق، وهو الذي تسميه الأطباء الروح، ويسمى الروح الحيواني، فهذان المعنيان غير الروح التي تفارق بالموت التي هي النفس، ويراد بنفس الشيء ذاته وعينه، وقد يراد بلفظ النفس الدم الذي يكون في الحيوان، كقول الفقهاء: " ماله نفس سائلة، وما ليس له نفس سائلة " فهذان المعنيان بالنفس ليسا هما معنى الروح " (١) . وتطلق الروح أيضاً على جبرائيل: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ) [الشعراء: ١٩٣] ، وتطلق على القرآن (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا) [الشورى: ٥٢] . ويلاحظ شارح الطحاوية أن الروح والنفس وإن أطلقا على تلك اللطيفة الربانية، إلا أن " غالب ما يسمى نفساً إذا كانت الروح متصلة بالبدن، وأما إذا أخذت مجردة فتسمية الروح أغلب عليها " (٢) . ويقول ابن تيمية في هذا: " لكن تسمى نفساً باعتبار تدبيره للبدن، وتسمى روحاً باعتبار لطفه، ولهذا يسمى الريح روحاً، وقال النبي ﷺ : " الريح من روح الله " (٣) أي من الروح التي خلقها الله " (٤) .

стр. 76

هَل للرُّوح كيفيَّة تعلَم؟ لما كنت الروح مخلوقة من جنس لا نظير له في عالم الموجودات فإننا لا نستطيع أن نعرف صفاتها، فقد عرفنا الله أنها تصعد وتهبط، وتسمع وتبصر وتتكلم إلى غير ذلك، إلا أن هذه الصفات مخالفة لصفات الأجسام المعروفة، فليس صعودها وهبوطها وسمعها وبصرها وقيامها وقعودها من جنس ما نعرفه ونعلمه، فقد أخبرنا الرسول ﷺ أن الروح يصعد بها إلى السماوات العلى، ثم تعاد إلى القبر، ساعة من الزمن، وقد أخبرنا أنها تنعم أو تعذّب في القبر، ولا شك أن هذا النعيم على نحو مخالف لما نعلمه ونعرفه.

стр. 77

استقلال الرًُّوح عَن البَدن " يرى فريق من أهل الكلام المبتدع المحدث من الجهمية والمعتزلة أن الروح جزء من أجزاء البدن، أو صفة من صفاته، كقول بعضهم: إنها النفس أو الريح التي تردد في البدن، وقول بعضهم: إنها الحياة أو المزاج أو نفس البدن " (١) . " والفلاسفة المشاؤون يقرون بأن النفس تبقى إذا فارقت البدن، لكن يصفون النفس بصفات باطلة فيدعون أنها إذا فارقت البدن كانت عقلاً، والعقل عندهم مجرد عن المادة وعلائق المادة، والمادة عندهم هي الجسم، والعقل عندهم قائم بنفسه، لا يوصف بحركة ولا سكون، ولا يتجدد له أحوال البتة " (٢) . وقد تخبط هؤلاء وهؤلاء في مقالاتهم في الروح، فأهل الكلام المبتدع المذموم الذين قالوا: إن الروح هي الحياة أو المزاج أو نفس البدن، أنكر كثير منهم عذاب القبر، فليس هناك روح تنعم أو تعذب بعد الموت في البرزخ. ورفضوا النصوص التي أثبتت ذلك. والفلاسفة الذين زعموا أن الروح إذا فارقت البدن تصبح عقلاً، قالوا: " إذا فارقت البدن لا يتجدد لها حال من الأحوال لا علوم ولا تصورات، ولا سمع ولا بصر، ولا إرادات، ولا فرح ولا سرور، ولا غير ذلك مما قد يتجدد ويحدث،

стр. 78

بل تبقى عندهم على حال واحدة أزلاً وأبداً، كما يزعمونه في العقل والنفس " (١) . " وفريق من الفلاسفة يصفونها بما يصفون به واجب الوجود عندهم، وهي أمور لا يتصف بها إلا ممتنع الوجود، فيقولون لا هي داخل البدن ولا خارجه، ولا مباينة له، ولا مداخلة له، ولا متحركة ولا ساكنة، ولا تصعد ولا تهبط، ولا هي جسم ولا عرض " (٢) . والسبب الذي أوقع كلا الفريقين في هذا الخطأ أنهم اعتمدوا على عقولهم وما وضعوه من مقاييس في البحث عن أمر غيبي، فالفريق الأول أنكر وجود روح مستقلة عن البدن، وهذا تكذيب للنصوص المتواترة، وإنكار لأمر معلوم من الدين بالضرورة، والفلاسفة المشاؤون ومن سلك سبيلهم أثبتوا وجود الروح مستقلة عن البدن، ولكن لما كانت هذه الروح " ليست من جنس هذا البدن، ولا جنس العناصر والمولدات منها، بل هي جنس آخر مخالف لهذه الأجناس " (٣) صعب عليهم تعريفها وتصورها، وضاقت تعبيراتهم ومقاييسهم عن حدها وتصورها. وقد هدى الله الذين استجابوا لله ورسوله، وآمنوا بما أخبرهم به، فعلموا أن " الروح جسم مخالف بالماهية لهذا الجسم المحسوس، وهو جسم نوراني علوي خفيف حي متحرك، ينفذ في جوهر الأعضاء ويسري فيها سريان الماء في الورد، وسريان الدهن في الزيتون، والنار في الفحم، فما دامت هذه الأعضاء صالحة لقبول الآثار الفائضة عليها من هذا الجسم اللطيف، بقي هذا الجسم اللطيف متشابكاً بهذه الأعضاء، وأفادها هذه الآثار من الحس والحركة والإرادة، وإذا فسدت هذه الأعضاء بسبب استيلاء الأخلاط الغليظة عليها، وخرجت عن

стр. 79

قبول تلك الآثار فارق الروح البدن وانفصل إلى عالم الأرواح " (١) . وقد سقنا في تضاعيف بحثنا كثيراً من الأدلة التي تثبت أن الروح شيء مستقل عن البدن، كقوله تعالى: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ) [الزمر: ٤٢] ، وقوله: (وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ) [الأنفال: ٥٠] ، وقوله: (وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ) [الأنعام: ٩٣] ، وقوله: (كَلَّا إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِيَ - وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ - وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ - وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ - إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ) [القيامة: ٢٦-٣٠] ، وقوله: (فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ - وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ) [الواقعة: ٨٣-٨٤] ، فالذي يمسك، وتتوفاه الملائكة، ويبلغ الحلقوم، ويبلغ التراقي، ويساق لا بد أن يكون شيئاً حقيقياً مخالفاً للجسد. وقد سقنا الأحاديث التي يخبر فيها رسول الله ﷺ أنَّ ملك الموت يقبض الروح، وأنَّ الملائكة تضع تلك الروح في كفن من الجنة أو النار بحسب فلاحها أو فسادها، وأنَّه يذهب بها في رحلة علوية سماوية، حيث تفتح لها أبواب السماء إن كانت صالحة، وتغلق دونها إن كانت طالحة، وأنها تعاد إلى الجسد، وتسأل

стр. 80

وتعذب أو تنعم، وأن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر، وأرواح المؤمنين طير يعلق في شجر الجنة، وأن الروح إذا قبض تبعه البصر، إلى غير ذلك من النصوص الدالة في مجموعها دلالة قاطعة على أن الأرواح شيء آخر غير الأبدان، وأنها تبقى بعد مفارقة البدن.

стр. 81

مَسكن الرُّوح في الجسَد الروح تسري في بدن الإنسان كله، يقول ابن تيمية: " لا اختصاص للروح بشيء من الجسد، بل هي سارية في الجسد كما تسري الحياة التي هي عرض في جميع الجسد، فإن الحياة مشروطة بالروح، فإذا كانت الروح في الجسد كان فيه حياة، وإذا فارقته الروح فارقته الحياة " (١) .

стр. 82

الرُّوح مخلوقَة ذهب فريق من الفلاسفة إلى أن الروح غير مخلوقة، بل هي قديمة أزلية، ولكنها ليست من ذات الرب، ومقالتهم في الروح هي مقالتهم في العقول والنفوس الملكية، ويزعم من دخل من أهل الملل فيهم أنها هي الملائكة. وذهب صنف آخر من زنادقة هذه الأمة وضُلالها من المتكلمة والمتصوفة والمحدثة إلى أن الروح من ذات الله، وهؤلاء - كما يقول ابن تيمية - أشرُّ قولاً من أولئك، وهؤلاء جعلوا الآدمي نصفين: نصف لاهوت، وهو روحه، ونصف ناسوت، وهو جسده: نصفه رب ونصفه عبد (١) . والحق الذي لا ينبغي أن يخالف فيه أن الروح مخلوقة مبتدعة، ويدل على ذلك أمور: ١- الإجماع: يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " روح الآدمي مبدعة باتفاق سلف الأمة وأئمتها وسائل أهل السنة، وقد حكى إجماع العلماء على أنها مخلوقة غيرُ واحد من أئمة المسلمين، مثل محمد بن نصر المروزي، الإمام المشهور، الذي هو أعلم أهل زمانه بالإجماع والاختلاف، أو من أعلمهم. وكذلك أبو محمد بن قتيبة، قال في (كتاب اللقط) لما تكلم على خلق

стр. 83

الروح، قال: النسم الأرواح، قال: وأجمع الناس أن الله خالق الجثة وبارئ النسمة، أي: الروح. وقال أبو إسحاق بن شاقلا فيما أجاب به في هذه المسألة: سألت رحمك الله عن الروح مخلوقة أو غير مخلوقة، قال: هذا مما لا يشك فيه من وفق للصواب، إلى أن قال: والروح من الأشياء المخلوقة، وقد تكلم في هذه المسألة طوائف من أكابر العلماء والمشايخ، وردوا على من يزعم أنها غير مخلوقة. وصنف الحافظ أبو عبد الله بن منده في ذلك كتاباً كبيراً في (الروح والنفس) وذكر فيه من الأحاديث والآثار شيئاً كثيراً، وقبله الإمام محمد بن نصر المروزي وغيره، والشيخ أبو يعقوب الخراز، وأبو يعقوب النهرجوري، والقاضي أبو يعلى، وقد نص على ذلك الأئمة الكبار، واشتد نكيرهم على من يقول ذلك في عيسى ابن مريم، لا سيما في روح غيره كما ذكره أحمد في كتابه في " الرد على الزنادقة والجهمية " (١) . ٢- الكتاب والسنة: الأدلة من الكتاب والسنة الدالة على خلقها كثيرة، مثل قوله تعالى: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) [الرعد: ١٦] ، [الزمر: ٦٢] ، يقول شارح الطحاوية عقب استدلاله بهذه الآية: " فهذا عام لا تخصيص فيه بوجه ما " (٢) ومن ذلك قوله تعالى: (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا) [الإنسان: ١] ، وقوله جل وعلا لزكريا: (وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن

стр. 84

قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا) [مريم: ٩] ، والإنسان اسم لروح الإنسان وبدنه، وخطاب الله لزكريا لروحه وبدنه. يقول ابن تيمية: " الإنسان عبارة عن البدن والروح معاً، بل هو بالروح أخص منه بالبدن، وإنما البدن مطية للروح، كما قال أبو الدرداء: إنما بدني مطيتي، فإن رفقت بها بلغتني، وإن لم أرفق بها لم تبلغني، وقد رواه ابن منده وغيره عن ابن عباس، قال: لا تزال الخصومة يوم القيامة بين الخلق حتى تختصم الروح والبدن، فتقول الروح للبدن: أنت عملت السيئات، فيقول البدن للروح: أنت أمرتني، فيبعث الله ملكاً يقضي بينهما فيقول: إنما مثلكما كمثل مقعد وأعمى دخلا بستاناً، فرأى المقعد فيه ثمراً معلقاً، فقال للأعمى: إني أرى ثمراً ولكن لا أستطيع النهوض إليه، وقال الأعمى: لكني أستطيع النهوض إليه، ولكني لا أراه، فقال المقعد: تعال فاحملني حتى أقطفه، فحمله وجعل يأمره فيسير به إلى حيث يشاء فقطع الثمرة، قال المَلَكُ: فعلى أيهما العقوبة؟ قالا: عليهما جميعاً، قال: فكذلك أنتما " (١) . ٣- ذكرنا في بحثنا هذا كثيراً من النصوص عن النبي ﷺ أن الأرواح تقبض، وتوضع في كفن وحنوط تأتي بهما الملائكة، ويصعد بها، وتنعم وتعذب، وتمسك في النوم، وترسل، وكل هذا شأن المخلوق المحدث. ٤- لو لم تكن مخلوقة مربوبة لما أقرت بالربوبية، وقد قال الله للأرواح حين أخذ الميثاق على العباد، وهم في عالم الذرّ، ألست بربكم؟ قالوا: بلى، وذلك ما قرره الحق في قوله: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى ... ) [الأعراف: ١٧٢] ، وما دام هو ربهم فإنهم مربوبون مخلوقون.

стр. 85

٥- لو لم تكن الأرواح مخلوقة فإن النصارى لا لوم عليهم في عبادتهم عيسى، ولا في قولهم: إنه ابن الله، أو هو الله. ٦- لو كانت الروح غير مخلوقة فإنها لا تدخل النار ولا تعذب، ولا تحجب عن الله، ولا تغيب عن البدن، ولا يملكها ملك الموت، ولما كانت صورة توصف، ولم تحاسب ولم تعذب، ولم تتعبد ولم تخف، ولم ترج، ولأن أرواح المؤمنين تتلألأ، وأرواح الكفار سود مثل الفحم (١) .

стр. 86

شبهات الذين زعموا أنّ الرُّوح غير مخلوقة الذين قالوا: إن الروح غير مخلوقة احتجوا بمثل قوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) [الإسراء: ٨٥] ، والجواب عن هذا من وجوه: الأول: أن الروح هنا ليست روح الآدمي، وإنما هو اسم ملك، كما قال تعالى: (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا) [النبأ: ٣٨] ، وقال: (تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ) [المعارج: ٤] ، وقال: (تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم) [القدر: ٤] وهذا قول معروف مشهور عند علماء السلف في تفسير الآية. الثاني: وإذا قلنا: إن المراد بالروح هنا روح الآدمي - كما هو قول جمع من علماء السلف في الآية - فليس فيها ما يدل على أن الروح غير مخلوقة، وأنها جزء من ذات الله تعالى كما يقال هذه الخرقة من هذا الثواب، بل المراد أنها تنسب إلى الله، لأنها بأمره تكونت، أو لأنها بكلمته كانت، والأمر في القرآن يذكر ويراد به المصدر تارة، ويراد به المفعول تارة أخرى، وهو المأمور به، كقوله تعالى: (أَتَى أَمْرُ اللهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ) [النحل: ١] أي: المأمور به، ويمكن أن يقال أيضاً: إن لفظة (مِنْ) في قوله:

стр. 87

(مِنْ أَمْرِ رَبِّي) لابتداء الغاية، ومعلوم أن (مِنْ) تأتي لبيان الجنس، كقولهم: باب من حديد، وتأتي لابتداء الغاية، كقولهم: خرجت من مكة، فقوله: (مِنْ أَمْرِ رَبِّي) ليس نصاً في أن الروح بعض الأمر ومن جنسه، بل هي لابتداء الغاية إذ كونت بالأمر، وصدرت عنه، وهذا معنى جواب الإمام أحمد في قوله: (وَرُوحٌ مِّنْهُ) حيث قال: (وَرُوحٌ مِّنْهُ) يقول: من أمره كان الروح، كقوله تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ) [الجاثية: ١٣] ، ونظير هذا أيضاً قوله تعالى: (وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ) [النحل: ٥٣] . فإذا كانت المسخرات والنعم من الله، ولم تكن بعض ذاته، بل منه صدرت، لم يجب أن يكون معنى قوله في المسيح (وَرُوحٌ مِّنْهُ) ، أنها بعض ذاته (١) . الشبهة الثانية: قوله تعالى في آدم: (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي) [الحجر: ٢٩] ، وقوله في عيسى: (فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا) [الأنبياء: ٩١] ، قالوا: فقد أضاف الله الروح إلى نفسه، وقد أجاب عن هذه الشبهة شارح الطحاوية فقال: " ينبغي أن يعلم أن المضاف إلى الله تعالى نوعان: صفات لا تقوم بأنفسها، كالعلم والقدرة، والكلام والسمع والبصر، فهذه إضافة صفة إلى موصوف بها، فعلمه وكلامه وقدرته وحياته صفات له، وكذا وجهه ويده سبحانه. والثاني: إضافة أعيان منفصلة عنه، كالبيت والناقة والعبد والرسول والروح كقوله: (نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا) [الشمس: ١٣] وقوله: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ

стр. 88

عَلَى عَبْدِهِ) [الفرقان: ١] وقوله: (وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ ... ) [الحج: ٢٦] فهذه إضافة مخلوق إلى خالقه، لكن إضافة تقتضي تخصيصاً وتشريفاً، يتميز بها المضاف إلى غيره " (١) .

стр. 89

أنواع النفوس أخبرنا الحق أن النفوس ثلاثة أنواع: النفس الأمارة بالسوء: (إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ) [يوسف: ٥٣] ، والنفس اللوامة: (وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ) [القيامة: ٢] ، والنفس المطمئنة: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ - ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً - فَادْخُلِي فِي عِبَادِي - وَادْخُلِي جَنَّتِي) [الفجر: ٢٧-٣٠] ، وليس المراد أن لكل إنسان ثلاثة نفوس، وإنما المراد أن هذه صفات وأحوال لذات واحدة، فإذا غلب على النفس هواها بفعلها للذنوب والمعاصي فهي النفس الأمارة بالسوء، والنفس اللوامة هي التي تذنب وتتوب، سميت لوامة، لأنها تلوم صاحبها على الذنوب، ولأنها تتلوم، أي: تترد بين فعل الخير والشر، والنفس المطمئنة هي التي تحب الخير والحسنات وتريدها، وتبغض الشر والسيئات وتكره ذلك، وقد صار ذلك لها خلقاً وعادة وملكة (١) . وقال شارح الطحاوية بعد أن ذكر أنواع النفوس: " والتحقيق: أنها نفس واحدة، لها صفات، فهي أمارة بالسوء، فإذا عارضها الإيمان صارت لوامة، تفعل الذنب ثم تلوم صاحبها، وتلوم بين الفعل والترك، فإذا قوي الإيمان صارت مطمئنة " (٢) .

стр. 90

هل تموت النفوس يقول ابن تيمية: " والأرواح مخلوقة بلا شك، وهي لا تعدم ولا تفنى، ولكن موتها بمفارقة الأبدان، وعند النفخة الثانية تعاد الأرواح إلى الأبدان " (١) . وقد تعرَّض شارح الطحاوية لهذه المسألة، فقال: " واختلف الناس هل تموت الروح أم لا؟ فقالت طائفة: تموت لأنها نفس، وكل نفس ذائقة الموت،.. وإذا كانت الملائكة تموت، فالنفوس البشرية أولى بالموت، وقال آخرون: لا تموت الأرواح، فإنها خلقت للبقاء، وإنما تموت الأبدان، قالوا: وقد دل على ذلك الأحاديث الدالة على نعيم الأرواح وعذابها بعد المفارقة إلى أن يرجعها الله في أجسادها، والصواب أن يقال: موت النفوس هو مفارقتها لأجسادها وخروجها منها، فإن أريد بموتها هذا القدر، فهي ذائقة الموت، وإن أريد أنها تعدم وتفنى بالكلية فهي لا تموت بهذا الاعتبار، بل هي باقية بعد خلقها في نعيم أو في عذاب،.. وقد أخبر سبحانه أن أهل الجنة (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى) [الدخان: ٥٦] ، وتلك الموتة هي مفارقة الروح للجسد " (٢) .

стр. 91

مستقر الأرواح في البرزخ أرواح العباد في البرزخ متفاوتة في منازلها، وقد استقرأنا النصوص الواردة في ذلك فأفادتنا التقسيم التالي: أولاً: أرواح الأنبياء، وهذه تكون في خير المنازل في أعلى عليين، في الرفيق الأعلى، وقد سمعت السيدة عائشة الرسول ﷺ في آخر لحظات حياته يقول: " اللهمَّ الرفيق الأعلى " (١) . الثاني: أرواح الشهداء، وهؤلاء أحياء عند ربهم يرزقون، قال تعالى: (وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) [آل عمران: ١٦] ، وقد سأل مسروق عبد الله بن مسعود عن هذه الآية، فقال: " إنا قد سألنا عن ذلك، فقال: " أرواحهم في أجواف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل " رواه مسلم في صحيحه (٢) . وهذه أرواح بعض الشهداء لا كل الشهداء، لأن منهم من تحبس روحه عن دخول الجنة لدين عليه، كما في المسند عن عبد الله بن جحش: أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، مالي إن قتلت في سبيل الله؟ قال: " الجنة "، فلما ولّى، قال: " إلا الدين، سارني به جبري آنفاً " (٣) .

стр. 92

الثالث: أرواح المؤمنين الصالحين: تكون طيوراً تعلق في شجر الجنة، ففي الحديث الذي يرويه عبد الرحمن بن كعب بن مالك ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: " إنما نسمة المسلم طير يعلق في شجر الجنة، حتى يرجعها الله إلى جسده إلى يوم القيامة " رواه أحمد (١) . والفرق بين أرواح المؤمنين وأرواح الشهداء، أن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح متنقلة في رياض الجنة، وتأوي إلى قناديل معلقة في العرض، أما أرواح المؤمنين فإنها في أجواف طير يعلق ثمر الجنة ولا ينتقل في أرجائها. وكون أرواح المؤمنين في أجواف طير يعلق شجر الجنة لا يشكل عليه الحديث الآخر الذي يرويه أبو هريرة عن الرسول ﷺ ، وفيه أن الملائكة تقبض روح العبد المؤمن، وترقى به إلى السماء، فتقول الملائكة: " ما أطيب هذه الريح التي جاءتكم من الأرض، فيأتون به أرواح المؤمنين، فلهم أشدُّ فرحاً من أحدكم بغائبه يقدم عليه، فيسألونه: ماذا فعل فلان؟ ماذا فعل فلان؟ فيقولون: دعوه، فإنه كان في غم الدنيا، فيقول: قد مات، أما أتاكم؟ قالوا: ذهب به إلى أمه الهاوية " (٢) ، فإن روح المؤمن تلتقي بأرواح المؤمنين في الجنة. الرابع: أرواح العصاة: سبق أن أوردت النصوص التي تبين ما يلاقيه العصاة من العذاب، فمن ذلك أن الذي يكذب الكذبة تبلغ الآفاق يعذب بكلوب من حديد يدخل في شدقه حتى يبلغ قفاه، والذي نام عن الصلاة المكتوبة يشدخ رأسه بصخرة، والزناة والزواني يعذبون في ثقب مثل التنور، ضيق أعلاه،

стр. 93

وأسفله واسع، توقد النار من تحته، والمرابي يسبح في بحر من دم، وعلى الشط من يلقمه حجارة (١) . وقد ذكرنا الأحاديث التي تتحدث عن عذاب الذي لم يكن يستنزه من بوله، والذي يمشي بالنميمة بين الناس، والذي غلَّ من الغنيمة ونحو ذلك. الخامس: أرواح الكفار: في حديث أبي هريرة عند النسائي بعد وصف حال المؤمن إلى أن يبلغ مستقره في الجنة، ذكر حال الكافر، وما يلاقيه عند النزع، وبعد أن تقبض روحه " تخرج منه كأنتن ريح، حتى يأتون به باب الأرض، فيقولون: ما أنتن هذه الريح، حتى يأتون به أرواح الكفار " (٢) .

стр. 94

إشكال وجوابُه قد يقال: سقت من النصوص ما يدل على أن الأرواح تعاد إلى الأبدان، ثم تُسأل، وبعد ذلك ينعم المؤمن، ويعذب الكافر، فكيف تقول بعد ذلك: إن نسم المؤمنين في الجنة، ونسم الكفار في النار؟ حاول ابن حزم أن يضعف الأحاديث التي تذكر إعادة الروح إلى البدن في القبر، ولكن ليس الأمر كذلك، فإن ما ضعفه ابن حزم وهو حديث زاذان عن البراء حديث صحيح، وهناك أحاديث كثيرة صحيحة متواترة تدل على عود الروح إلى البدن كما يقول ابن تيمية (١) . وفي التوفيق بين النصوص يقول ابن تيمية: " وأرواح المؤمنين في الجنة، وإن كانت مع ذلك قد تعاد إلى البدن، كما أنها قد تكون في البدن، ويعرج بها إلى السماء كما في حال النوم، أما كونها في الجنة ففيه أحاديث عامة، وقد نص على ذلك أحمد وغيره من العلماء، واحتجوا بالأحاديث المأثورة العامة وأحاديث خاصة في النوم وغيره " (٢) . ثم ذكر بعض هذه الأحاديث التي سقناها من قبل، وأورد حديث أبي هريرة الذي رواه ابن حبان وغيره، والذي يذكر فيه أن المؤمن يرى بعد السؤال مقعده من الجنة، ومقعده من النار لو كان كافراً، قال: " ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعاً، وينور له فيه، ويعاد جسده كما بدئ، وتجعل نسمته في نسم طيب، وهي طير تعلق في شجر الجنة "، وفي لفظ: " وهو طير يعلق في شجر الجنة "، وفي لفظ: " ثم يعاد جسده

стр. 95

إلى ما بدئ منه " (١) فالروح - كما يدل عليه الحديث تعاد إلى الجسد بعد الرحلة إلى السماء، ثم تسأل، ثم تكون طيراً يعلق بشجر الجنة إلى أن يبعث العباد، ومع كونها في الجنة فإنه يبقى لها تعلق بالجسد، كحال الإنسان في النوم، فإنها تجول في ملكوت السماوات والأرض، مع أن لها تعلق بالجسد، وفقه هذا مبني على معرفة أن الروح مخالفة للأجساد وللمعهود من حال المخلوقات الدنيوية، يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى بعد أن ذكر أن مستقر أرواح المؤمنين الجنة: " ومع ذلك تتصل بالبدن متى شاء الله تعالى، وهي في تلك (٢) بمنزلة نزول الملك، وظهور الشعاع في الأرض، وانتباه النائم " (٣) .

стр. 96

هل العذابُ في البرزخ على الرُّوح أم على البدن أم على كليهما الفِرَقُ الإسلامية في هذا الموضوع على أقوال: الأول: مذهب أهل السنة والجماعة أن الروح منفصلة عن الجسد، ومتصلة به، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " العذاب والنعيم على النفس والبدن جميعاً باتفاق أهل السنة والجماعة، تنعم النفس وتعذب منفردة عن البدن، وتعذب متصلة بالبدن، والبدن متصل بها، فيكون النعيم والعذاب عليهما في هذه الحال مجتمعين، كما يكون للروح مفردة عن البدن ". الثاني: قول كثير من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم الذين ينكرون النعيم والعذاب في البرزخ مطلقاً، والسِّر في ذلك أنهم ينكرون وجود روح مستقلة عن الجسد، فالروح عندهم هي الحياة، ولا تبقى الروح في نظرهم بعد الموت (١) ، فلا نعيم ولا عذاب حتى يبعث الله العباد، قال بذلك بعض المعتزلة والأشاعرة كالقاضي أبي بكر، وهذا قول باطل لا شك في بطلانه خالفه أبو المعالي الجويني، وقد نقل غير واحد من أهل السنة الإجماع على أن الروح تبقى بعد فراق البدن وأنها منعمة أو معذبة. الثالث: قول الفلاسفة الذين يرون أن النعيم والعذاب على الروح وحدها،

стр. 97

وأن البدن لا ينعم ولا يعذب (١) ، وقد قال بهذا القول من أهل السنة ابن ميسرة، وابن حزم. الرابع: قول من قال من علماء الكلام: إن الذي ينعم ويعذب في القبر البدن وحده، وقال بذلك طائفة من أهل الحديث منهم ابن الزاعوني (٢) .

стр. 98

هل يعلم الإنسان شيئاً عن أحوال الدنيا بعد موته ثبت في الأحاديث الصحيحة أن الميت يسمع قرع نعال أصحابه، بعد وضعه في قبره، حال انصرافهم، فعن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ قال: " إن العبد إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه، إنه ليسمع قرع نعالهم.. " (١) ووقف الرسول ﷺ بعد ثلاثة أيام من معركة بدر على قتلى بدر من المشركين، فنادى رجالاً منهم، فقال: " يا أبا جهل بن هشام، يا أمية بن خلف، يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة، أليس قد وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقاً " فقال عمر بن الخطاب: " يا رسول الله! كيف يسمعوا أنى يجيبوا وقد جيفوا؟! " (٢) قال: " والذي نفسي بيده! ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا، ثم أمر بهم فسحبوا، فألقوا في قليب بدر " (٣) . وقد ساق ابن تيمية جملة من الأحاديث التي تدل على أن الموتى يسمعون، ثم قال: " فهذه النصوص وأمثالها تُبين أن الميت يسمع في الجملة كلام الحي، ولا

стр. 99

يجب أن يكون السمع له دائماً، بل قد يسمع في حال دون حال، كما قد يعرض للحي، فإنه يسمع أحياناً خطاب من يخاطبه، وقد لا يسمع لعارض يعرض له " (١) وقد أجاب شيخ الإسلام على إشكال من يقول: إن الله نفى السماع عن الميت في قوله: (إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى) [النمل: ٨٠] ، وكيف تزعمون أن الموتى يسمعون؟ فقال: " وهذا السمع سمع إدراك، ليس يترتب عليه جزاء، ولا هو السمع المنفي بقوله: (إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى) [النمل: ٨٠] ، فإن المراد بذلك سمع القبول والامتثال، فإن الله جعل الكافر كالميت الذي لا يستجيب لمن دعاه، وكالبهائم التي تسمع الصوت، ولا تفقه المعنى، فالميت وإن سمع الكلام وفقه المعنى، فإنه لا يمكنه إجابة الداعي، ولا امتثال ما أمر به، ونهى عنه، فلا ينتفع بالأمر والنهي، وكذلك الكافر لا ينتفع بالأمر والنهي، وإن سمع الخطاب، وفهم المعنى، كما قال تعالى: (وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأسْمَعَهُمْ) " [الأنفال: ٢٣] (٢) . وقد جاءت النصوص دالة أيضاً على أن الميت مع سماعه يتكلم، فإن منكراً ونكيراً يسألانه، فالمؤمن يوفق للجواب الحق، والكافر والمنافق يضل عن الجواب، ويتكلم أيضاً في غير سؤال منكر ونكير، وكل هذا مخالف لما عهده أهل الدنيا من كلام، فإن الذي يسأل ويتكلم الروح، وهي التي تجيب وتقعد وتعذب وتنعم، وإن كان لها نوع اتصال بالجسد، وقد سبق القول أن بعض الناس قد يسمعون الكلمة من الميت، وأن الرسول ﷺ كان يسمع من هذا شيئاً كثيراً.

стр. 100

الباب الثاني أشراط الساعة وقت الساعة الساعة آتية لا ريب فيها الإيمان بيوم القيامة أصل من الأصول، لا يتم الإيمان إلا به: (لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ) [البقرة: ١٧٧] ، (وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا) [النساء: ١٦٢] . وقد ساق القرآن ضروباً متنوعة من الأساليب البيانية الراقية كي يؤكد وقوعها في نفوس العباد: (يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاء رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ) [الرعد: ٢] . ففي بعض المواضع يكون الحديث عنها خبراً مجرداً (اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [الروم: ١١] (وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا) [النور: ٦٤] . ومرة يؤكد وقوعها (بأن) كقوله: (إِنَّ السَّاعَةَ ءاَتِيَةٌ) [طه: ١٥] ، ومرة

стр. 101

(بإن) واللام (وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ) [الحجر: ٨٥] . (فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [العنكبوت: ٥] . وفي بعض المواضع ينفي الريب والشك عن وقوعها (إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ) [غافر: ٥٩] . وفي بعض الآيات يقسم الحق على أنها آتية واقعة، مرة بنفسه، ومرة بمخلوقاته العظيمة، فمن إقسامه بنفسه (اللهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) [النساء: ٨٧] ، ومن إقسامه بالعظيم من مخلوقاته قوله: (وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا - فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا - فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا - فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا - إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ - وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ) [الذاريات: ١-٦] ، وقوله: (وَالطُّورِ - وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ - فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ - وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ - وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ - وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ - إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ - مَا لَهُ مِن دَافِعٍ) [الطور: ١-٨] . وفي بعض المواضع يأمر رسوله في مجال الحِجَاج والخصام بالإقسام بربه مؤكداً وقوعها (وَيَسْتَنبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ) [يونس: ٥٣] ، (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ) [سبأ: ٣] وفي بعض الآيات يخبر بأنها حق (إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا) [لقمان: ٣٣] ومن تتبع طريقة القرآن في تأكيد الإخبار بها تحصل عنده أنواع كثيرة، وقد ذكرنا طائفة منها (١) .

стр. 102

الساعة قريبة أعلن رب العزة لعباده في كتابه المنزل منذ أربعة عشر قرناً أن الساعة قد اقتربت، وآن أوان وقوعها (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ) [القمر: ١] ، وانشقاق القمر إحدى الأمارات الدالة على قرب وقوعها، ولما كانت الساعة قد اقتربت قرباً عظيماً فإن القرآن يصور أنها أتت وحضرت (أَتَى أَمْرُ اللهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ) [النحل: ١] . ولو كان البشر يوقنون بما أنزل الله بقلب مبصر، وعقل حاضر مدرك لَهَاَلهُم الأمر، وملك عليهم نفوسهم، ولذلك كان حالهم عجباً، الخطر قريب قريب، ومع ذلك فإنهم غافلون عن الهول الذي يكاد يطبق عليهم، ويحيط بهم (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ - مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ - لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ) [الأنبياء: ١-٣] ، ولذا فإنه قد كثر في القرآن تحذير العباد من الساعة، والأمر بالاستعداد لها، وعبر عنها بالغد، وهو اليوم التالي لليوم الذي تعيش فيه (وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ) [الحشر: ١٨] . قد يقال: كيف يكون قريباً ما مضى على الإخبار بقرب وقوعه ألف وأربعمائة عام؟ والجواب أنه قريب في علم الله وتقديره، وإن كانت المقاييس البشرية تراه بعيداً (إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا - وَنَرَاهُ قَرِيبًا) [المعارج: ٦-٧] .

стр. 103

والأمر الذي ينبغي أن ينتبه إليه أن الباقي من الدنيا قليل بالنسبة لما مضى منها، فإنك إذا وضعت لمن لك عليه دين أجلاً طويلاً، كأن توجله خمسين عاماً مثلاً، فإذا انقضى من الخمسين خمسة وأربعون، فيكون موعد السداد قد اقترب بالنسبة لما مضى من الموعد المضروب. والأحاديث النبوية الشريفة تشير إلى هذه الحقيقة التي بيناها هنا، ففي صحيح البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: " إنما أجلكم فيمن مضى قبلكم من الأمم من صلاة العصر إلى مغرب الشمس " وفي لفظ: " إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس ". إن الحديث يمثل الوجود الإنساني بيوم من أيام الدنيا، ابتدأ وجود الأمة الإسلامية فيه عند العصر، فيكون الماضي من عمر الوجود الإنساني بنسبة ما مضى من ذلك اليوم من الفجر إلى العصر، ويكون الباقي من عمر الزمن حتى تقوم الساعة كما بين العصر والمغرب، ذلك أن النصوص صريحة الدلالة على أننا آخر الأمم وجوداً، وأن نهاية وجود هذه الأمة يتحقق بقيام الساعة. وجاء في حديث آخر يرويه البخاري ومسلم عن سهل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " بعثت أنا والساعة كهاتين، ويشير بأصبعيه فيمدهما "، ورواه مسلم عن سهل بلفظ: " سمعت رسول الله ﷺ يشير بإصبعه التي تلي الإبهام والوسطى وهو يقول: " بعثت أنا والساعة هكذا " (١) . والمعنى أننا لو قدرنا عمر الزمن بالأصبع الوسطى، فإن ما بقي منه عند

стр. 104

مبعث الرسول ﷺ يكون بمقدار ما تزيد الوسطى عن السبابة، وما مضى منه بمقدار السبابة من الأصبع الوسطى، قد يكون الباقي في حِسِّ البشر طويلاً، لأن إدراكهم محدود، ونظرتهم قاصرة، ولكنه في ميزان الله قريب وقصير (أَتَى أَمْرُ اللهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ) [النحل: ١] ، (وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ) [النحل: ٧٧] . وروى الإمام أحمد عن عتبة بن غزوان قال: خطبنا رسول الله ﷺ ، قال: فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: " أما بعد فإن الدنيا قد آذنت بصرم، وولت حذاء، ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء يتصابها صاحبها، وإنكم منتقلون منها إلى دار لا زوال لها، فانتقلوا منها بخير ما يحضرنكم ... " انفرد به مسلم (١) .

стр. 105

لا يعلم أحد وقت الساعة المعيّن سئل الرسول ﷺ عن الساعة، فقال: " ما المسؤول عنها بأعلم من السائل " وكان السائل جبريل متمثلاً في صورة بشر، فإذا كان أعلى الملائكة منزلة، وهو جبريل، وأعلى البشر منزلة وهو محمد ﷺ لا يعلمان متى تكون - فحَريّ بأن لا يعرف أحد غيرهما وقت وقوعها. وقد صرح القرآن أن وقت وقوعها من خصائص علم الله، ولذا فإنه لم يطلع أحداً على وقت وقوعها، لا ملكاً مقرباً، ولا نبياً مرسلاً، (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) [الأعراف: ١٨٧] ، وقال في الآية الأخرى: (يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا) [الأحزاب: ٦٣] ، (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا - فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا - إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا) [النازعات: ٤٢-٤٤] . وهذه الآيات واضحة الدلالة على أن معرفة الوقت الذي تكون فيه الساعة لا يعرفه إلا رب العزة، وأنها تأتي بغتة، وأن الرسول ﷺ لا يدري متى هي. والساعة إحدى مفاتح الغيب الخمسة التي هي من مكنونات علم

стр. 106

الله (إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) [لقمان: ٣٤] . وفي صحيح البخاري عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ ، قال: " مفاتح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله، ثم تلا هذه الآية (إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ) " [لقمان: ٣٤] (١) .

стр. 107

الحكمة من وراء إخفاء وقت وقوعها قد يتساءل البشر قائلين: ما الحكمة من وراء إخفاء الوقت الذي تحل فيه الساعة، وتقوم فيه القيامة؟ والجواب أن إخفاءها له تعلق بصلاح النفس الإنسانية، فوقوعها غيب، والأمر العظيم الذي يستيقن المرء وقوعه، ولكنه لا يدري متى يفجؤه، ويحل فيه بساحه - يجعل المرء مترقباً له باستمرار. يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله تعالى: " والمجهول عنصر أساسي في حياة البشر، وفي تكوينهم النفسي، فلا بدَّ من مجهول في حياتهم يتطلعون إليه، ولو كان كل شيء مكشوفاً لهم، وهم بهذه الفطرة - لوقف نشاطهم - وأسنت حياتهم، فوراء المجهول يجرون، فيحذرون، ويأملون، ويجربون، ويتعلمون. ويكشفون المخبوء من طاقاتهم وطاقات الكون من حولهم وتعليق قلوبهم ومشاعرهم بالساعة المجهولة الموعد يحفظهم من الشرود، فهم لا يدرون متى تأتي الساعة، فهم من موعدها على حذر دائم، وعلى استعداد دائم، ذلك لمن صحت فطرته واستقام، فأما من فسدت فطرته واتبع هواه ويجهل، فيسقط ومصيره إلى الردى " (١) .

стр. 108

لا يجوز الاشتغال في تحديد وقتها تساءل الناس عن وقت الساعة كثيراً، ووجهوا أسئلتهم للرسول ﷺ ، وجاء الجواب من منزل الكتاب، إن الساعة غيب، ومعرفة الزمن الذي تقع فيه من خصائص علم الله، (يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا) [الأحزاب: ٦٣] (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا - فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا - إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا - إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا) [النازعات: ٤٢-٤٥] . إن هذا العلم لم يطلع الله عليه ملكاً مقربا ً، ولا نبياً مرسلاً، ولذلك قال الرسول ﷺ لجبريل حينما سأله عن الساعة " ما المسؤول عنها بأعلم من السائل ". فالبحث في هذا الأمر، والزعم أن الساعة ستقع في عام بعينه تَقَوُّل على الله بغير علم، والخائضون في ذلك مخالفون للمنهج القرآني النبوي الذي وجه الناس إلى ترك البحث في هذا الموضوع، ودعاهم إلى الاستعداد لهذا اليوم بالإيمان والعمل الصالح. والذين يبحثون في هذا المجال يظنون أنه يمكنهم أن يعلموا ما لم يعلمه الرسول ﷺ وجبريل ﵇، وكفى بذلك واعظاً ورادعاً لمن كان له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد، ونحن نقول لهم: ينبغي أن يسعكم ما وسع الرسول

стр. 109

صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأئمة هذه الأمة على مدار التاريخ. ولو كان في معرفة الوقت صلاح وخير للبشر، لأخبر الله به البشر، ولكنه حجب ذلك عنهم، وفي ذلك صلاحهم. وينبغي للاحقين أن يتعظوا بحال السابقين، فبعض السابقين خاض في هذا الأمر، وحدد للساعة أو بعض أشراطها القريبة من وقوعها أجلاً، وجاء الأجل الذي ضربه، ولم يحدث شيء من ذلك، لا الساعة ولا أشراطها المحددة، فمن هؤلاء الطبري ﵀ وغفر له، فإنه استظهر من بعض النصوص أن فناء الدنيا يكون بعد خمسمائة عام من البعثة المحمدية (١) ، وها هو قد مرّ أكثر من تسعمائة عام على الأجل الذي ضربه، ولم يصدق ظنه. ومن هؤلاء العلامة السيوطي عفا الله عنه، فإنه استظهر في جزء سماه " الكشف " أن الساعة ستقوم على رأس المائة الخامسة بعد الألف من البعثة النبوية (٢) ، وعلى ذلك فإنه بقي على قيام الساعة بضع عشرات من السنين، مع أن كثيراً من الآيات الصغرى لم يقع بعد، أما الكبرى فلم يقع منها شيء. وجمع السهيلي الحروف المقطعة في أوائل السور، وحذف المكرر منها، وأخذ عددها بحسب الجمل، وحدد بناء على ذلك أجلاً لا يبلغ بضع مئات من السنين (٣) . وقد تَقَوَّل كثير من الناس في هذا وخبطوا خبطاً لا دليل عليه، وإنما هي ظنون وتخرصات، وأخر ما اطلعت عليه في ذلك ما كتبه دكتور بهائي مدعياً أن

стр. 110

الساعة ستقع في عام (١٧١٠) ، وقد زعم أنه استقى ذلك من الأرقام العددية للحروف المقطعة التي افتتحت بها بعض سور القرآن، ونحن نقول: إن هذا النهج قد ثبت خطؤه، وقد اعتمد بعض من سبق على هذا النهج، وحددوا أجلاً غير أجله، فوافقوه في النهج، وخالفوه في تحديد الأجل، وثبت كذب ما ذهبوا إليه. وقد تعرض الشيخ العلامة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وأجزل له المثوبة للذين بحثوا في هذا الأمر وخاضوا فيه، وحددوا في ذلك أجلاً، فقال: " ومن تكلم في وقتها المعين مثل الذي صنف كتاباً " سماه " " الدر المنظم في معرفة الأعظم " وذكر فيه عشر دلالات بين فيها وقتها، والذين تكلموا على ذلك من حروف المعجم، والذي تكلم في " عنقاء مُغْرب " (١) ، وأمثال هؤلاء، فإنهم وإن كان لهم صورة عظيمة عند اتباعهم، فغالبهم كاذبون مفترون (٢) ، وقد تبين لديهم من وجوه كثيرة أنهم يتكلمون بغير علم، وإن ادعوا في ذلك الكشف ومعرفة الأسرار، وقد قال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) [الأعراف: ٣٣] (٣) . ولا شك أن دعوى معرفة وقتها المحدد قول بلا علم.
следующие страницы →